الجمعة، 17 أبريل 2026

من اول ج1. الي اح.رج10. كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي تفسير الثعالبي الموسوم بجواهر الحسان

ج1. كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي تفسير الثعالبي الموسوم بجواهر الحسان 
 
  بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما  
 يقول العبد الفقير إلى الله المعترف بذنبه الراجي رحمة ربه عبد الرحمن ابن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين وبسائر المؤمنين الحمد لله رب العالمين وصلوات ربنا وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه السادة المكرمين والحمد لله الذي من علينا بالإيمان وشرفنا بتلاوة القرآن فأشرقت علينا بحمد الله أنواره وبدت لذوي المعارف عند التلاوة أسراره وفاضت على العارفين عند التدبر والتأمل بحاره فسبحان من أنزل على عبده الكتاب وجعله لأهل الفهم المتمسكين به من أعظم الأسباب كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب أما بعد أيها الأخ أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين وجعلني وإياك من أوليائه المتقين الذين شرفهم بنزل قدسه وأوحشهم من الخليقة بأنسه وخصهم من معرفته ومشاهدة عجائب ملكوته وآثار قدرته بما ملأ قلوبهم حبره ووله عقولهم في عظمته حيره فجعلوا همهم به واحدا ولم يروا في الدارين غيره فهم بمشاهدة كماله وجلاله يتنعمون وبين آثار قدرته وعجائب عظمته يترددون وبالانقطاع إليه والتوكل عليه يتعززون لهجين بصادق قوله قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون فإني جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ما ارجو أن يقر الله به عيني وعينك في الدارين فقد ضمنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية وزدته فوائد جمة من غيره من كتب الأئمة وثقات أعلام هذه الأمة حسبما رأيته أو رويته عن الاثبات وذلك قريب من مائة تأليف وما منها تأليف إلا وهو منسوب لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين وكل من نقلت عنه من المفسرين شيئا فمن تأليفه نقلت وعلى لفظ صاحبه عولت ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزلل وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أعزوها إليه وما انفردت بنقله عن الطبري فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي النحوي لتفسير الطبري نقلت لأنه اعتنى بتهذيبه وقد أطنب أبو بكر بن الخطيب في حسن الثناء على الطبري ومدح تفسيره وأثنى عليه غاية نسأل الله تعالى أن يعاملنا وإياهم برحمته وكل ما في آخره انتهى فليس هو من كلام ابن عطية بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر فليراجع الأمهات المنقول منها فليصلحه منها ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزلل من حيث لا يشعر وجعلت علامة التاء لنفسي بدلا من قلت ومن شاء كتبها قلت وأما العين فلابن عطية وما نقلته من الأعراب عن غير ابن عطية فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان غالبا وجعلت الصاد علامة عليه وربما نقلت عن غيره معزوا لمن عنه نقلت وكل ما نقلته عن ابي حيان فإنما نقلي له بواسطة الصفاقسي غالبا قال الصقاقسي وجعلت علامة ما زدته على أبي حيان م وما يتفق لي إن أمكن فعلامته قلت وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي حيان وما نقلته من الأحاديث الصحاح والحسان عن غير البخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي في باب الأذكار والدعوات فأكثره من النووي وسلاح المؤمن وفي الترغيب والترهيب وأحوال الآخرة فمعظمه من التذكرة للقرطبي والعاقبة لعبد الحق وربما زدت زيادات كثيرة من مصابيح البغوي وغيره كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى كل ذلك معزو لمحاله وبالجملة فكتابي هذا محشو بنفائس الحكم وجواهر السنن الصحيحة والحسان المأثورة عن سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم وقد قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التقصي وأولى الأمور بمن نصح نفسه والهم رشده معرفة السنن التي هي البيان لمجمل القرآن بها يوصل إلى مراد الله تعالى من عباده فيما تعبدهم به من شرائع دينه الذي به الابتلاء وعليه الجزاء في دار الخلود والبقاء التي لها يسعى الالباء العقلاء والعلماء الحكماء فمن من الله عليه بحفظ السنن والقرآن فقد جعل بيده لواء الإيمان فإن فقه وفهم واستعمل ما علم دعي في ملكوت السماوات عظيما ونال فضلا جسيما انتهى والله اسأل أن يجعل هذا السعي خالصا لوجهه وعملا صالحا يقربنا إلى مرضاته وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسميته بالجواهر الحسان في تفسير القرآن سأل الله أن ينفع به كل من حصله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وها أنا إن شاء الله أشرع في المقصود والتقط من كلام ابن عطية رحمه الله ما ستقف عليه من النبذ الحسنة المختارة ما تقر به العين وإذا نقلت شيئا من غيره عزوته لصاحبه كما تقدم قال ع رحمه الله بعد كلام في اثناء خطبته ولما أردت أن أختار لنفسي وانظر في علم أعد أنواره لظلم رمسى سبرت العلوم بالتنويع والتقسيم وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالا وأرسخها جبالا وأجملها آثارا واسطعها أنوارا علم كتاب الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي استقل بالسنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريبا إلى الله تعالى وتخليصا للنيات ونهيا عن الباطل وحضا على الصالحات إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها صيدا ويمشي في التلطف لها رويدا ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكرا عمرته أكثر عمره معانيه ونفسا ميزت براعة رصفه ومبانيه ثم قال قال الله تعالى انا سنلقى عليك قولا ثقيلا قال المفسرون ايى علم معانيه والعمل بها وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم قيدوا العلم بالكتب ففزعت إلى تعليق ما يتنخل لي في المناظرة من علم التفسير قال ولنقدم بين يدي القول في التفسير أشياء قد قدم أكثرها المفسرون وأشياء ينبغي أن تكون راسخة في حفظ الناظر في هذا العلم مجتمعة لذهنه باب في فضل القرآن قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم قيل فما النجاة منها يا رسول الله قال كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو فصل ليس بالهزل من تركه تجبرا قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الاهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء من علم علمه سبق ومن عمل به اجر ومن حكم به عدل ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن وقال صلى الله عليه و سلم ان الذي يتعاهد القرآن ويشتد عليه له أجران والذي يقرأه وهو خفيف عليه مع السفرة الكرام البررة وقال صلى الله عليه و سلم اتلوا هذا القرآن فان الله ياجركم بالحرف منه عشر حسنات أما أنى لا أقول ألم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف وقال صلى الله عليه و سلم ما من شفيع افضل عند الله من القرآن لا نبي ولا ملك وقال صلى الله عليه ولم افضل عبادة امتي القرآن وحدث انس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال من قرأ مائة آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتي آية لم يكتب من الغافلين ومن قرأ ثلاثمائة آية لم يحاجه القرآن قال الشيخ يحيى بن شرف النووي اعلم ان قراءة القرآن اكد الاذكار وافضلها فينبغي المداومة عليها فلا يخلو عنها يوما وليلة ويحصل له اصل القراءة بقراءة الآيات القليلة والمطلوب القراءة بالتدبر والخشوع والخضوع وقد روينا في كتاب ابن السني عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من قرأ خمسين آية لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الاجر وفي رواية من قرأ أربعين آية بدل خمسين وفي رواية عشرين آية وفي رواية عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم من قرأ عشر آيات لم يكتب من الغافلين وجاء في الباب أحاديث كثيرة بنحو هذا انتهى من الحلية وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال اشراف امتي حملة القرآن وروى انس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال القرآن شافع مشفع وما حل مصدق ومن شفع له القرآن نجا ومن محل به القرآن يوم القيامة كبه الله لوجهه في النار واحق من شفع له القرآن اهله وحملته واولى من محل به من عدل عنه وضيعه وقال قوم من الأنصار للنبي صلى الله عليه و سلم الم تر يا رسول الله ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة يزهر فيها وحولها أمثال المصابيح فقال لهم فلعله قرأ سورة البقرة فسئل ثابت ابن قيس فقال نعم قرأت سورة البقرة وفي هذا المعنى حديث صحيح عن اسيد ابن حضير في تنزل الملائكة في الظلة لصوته بقراءة سورة البقرة قلت وفي رواية سورة الكهف وهذا الحديث خرجه البخاري ومسلم والترمذي والنساءي انتهى وقال عقبة بن عامر عهد الينا رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع فقال عليكم بالقرآن وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ان من اشراط الساعة ان يبسط القول ويخزن الفعل ويرفع الاشرار ويوضع الاخيار وان تقرأ المثناة على رءوس الناس لا تغير قيل وماالمثناة قال ما استكتب من غير كتاب الله قيل له فكيف بما جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما اخذتموه عن من تامنونه على نفسه ودينه فاعقلوه وعليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه ابناءكم فانكم عنه تسألون وبه تجزون وكفى به واعظا لمن عقل وقال رجل لعبد الله ابن مسعود اوصني فقال إذا سمعت الله تعالى يقول يا ايها الذين ءامنوا فارعها سمعك فإنه خير يأمر به او شر ينهى عنه وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن احسن الناس قراءة أو صوتا بالقرآن فقال الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى وقال صلى الله عليه و سلم اقرءوا القرآن قبل ان يجيء قوم يقيمونه كما يقام القدح ويضيعون معانيه يتعجلون اجره ولا يتأجلونه وروي أن أهل اليمن لما قدموا أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه سمعوا القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر هكذا كنا ثم قست القلوب وروي ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ مرة ان عذاب ربك لواقع ما له من دافع فأن أنة عيد منها عشرين يوما قال القرطبي في التذكرة وما تقرب المتقربون إلى الله تعالى بشيء مثل القرآن قال صلى الله عليه و سلم يقول الرب تبارك وتعالى من شغله قراءة القرآن عن مسألتي اعطيته افضل ما اعطى السائلين رواه الترمذى انتهى قلت ولفظ الترمذى عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الرب عز و جل من شغله القرآن وذكري عن مسألتي اعطيته افضل ما اعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وعن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وعماد الامر التدبر والتفهم فقلة القراءة مع التفهم افضل من كثرتها من غير تفهم وهذا الذي عليه المحققون وهو الذي يدل عليه القرآن وصحيح الآثار ولولا الاطالة لاتينا من ذلك بما يثلج له الصدر وقد ذكر بعض شراح الرسالة في الذي يقرأ القرآن من غير تأمل ولا تفهم هل له أجر أم لا قولان وهذا الخلاف والله اعلم في غير المتعلم والقول بعدم الاجر على ضعفه هو ظاهر ما حكاه عياض في المدارك عن الشلبي في قصته مع الامام المقرىء وبالجملة فالتدبر والتفهم هو الذي يحصل معه الانابة والخشوع وكل خير ونقل الباجى في سنن الصالحين عن محمد بن كعب القرظي قال لان اقرأ في ليلى حتى أصبح بإذا زلزلت وبالقارعة لا أزيد عليها واتردد فيها واتفكر احب إلى من أن اهذ القرآن ليلى هذا أو قال انثره نثرا ونحوه عن مجاهد وغيره وعن ابن عباس قال ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه انتهى قال ابن ابي جمرة والمرغب فيه التدبر في القراءة وان قلت وهو خير من كثرة القراءة بلا تدبر وفائدة التدبر هو أن تعرف معنى ما تتلوه من الآي انتهى وقال الحسن بن أبي الحسن انكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا تركبونه فتقطعون به المراحل وان من كان قبلكم رأوه رسائل اليهم من ربهم فكانوا يتدبرونه بالليل وينفذونه بالنهار وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول انزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا درسه عملا ان احدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد اسقط العمل به قال ع قال الله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر وقال تعال انا سنلقي عليكم قولا ثقيلا أي علم معانيه والعمل به والقيام بحقوقه ثقيل فمال الناس إلى الميسر وتركوا الثقيل وهو المطلوب منهم وقيل ليوسف بن اسباط بأي شيء تدعوا إذا ختمت القرآن فقال استغفر الله من تلاوتي لأني إذا ختمته ثم تركت ما فيه من الاعمال خشيت المقت فاعدل إلى الاستغفار والتسبيح وقرأ رجل القرآن على بعض العلماء قال فلما ختمته اردت الرجوع من اوله فقال لي اتخذت القراءة علي عملا اذهب فاقرأه على الله تعال في ليلك وانظر ماذا يفهمك منه قال الغزالي في كتاب التفكر واما طريق الفكر الذي تطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب احوال محمودة أو التنزه عن صفات مذمومة فلا يوجد فيه انفع من تلاوة القراءن بالفكر فانه جامع لجميع المقامات والاحوال وفيه شفاء للعالمين وفيه ما يورث الخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وسائر الاحوال المحمودة وفيه ما يزجر عن سائر الصفات المذمومة فينبغي ان يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو ليلة كاملة فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة من غير تدبر وفهم فان تحت كل كلمة منه اسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها الا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة وكذلك حكم مطالعة اخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم فقدة اوتي عليه السلام جوامع الكلم فكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة لو تأمله العالم حق تأمله لم ينقطع فيه نظره طول عمره وشرح ءاحاد الآيات والاخبار يطول وانظر قوله صلى الله عليه و سلم ان روح القدس نفث في روعى احبب من احببت فانك مفارقه وعش ما شئت فانك ميت واعمل ما شئت فانك مجزي به فان هذه الكلمات جامعة لحكم الاولين والآخرين وهي كافية للمتأملين ولو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولجالت بينهم وبين التلفت إلى الدنيا بالكلية انتهى من الاحياء باب في فضل تفسير القرآن واعرابه قال النبي صلى الله عليه و سلم اعربوا القرآن والتمسوا غرائبه فان الله تعالى يحب ان يعرب قال أبو العالية في تفسير قوله عز و جل ومن يوت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا قال الحكمة الفهم في القرآن وقال قتادة الحكمة القرآن والفقه فيه وقال غيره الحكمة تفسير القرآن وقال الشعبي رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية فقيل له ان الذي يفسرها رحل إلى الشام فتجهز ورحل اليه حتى علم تفسيرها وذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه جابر بن عبد الله فوصفه بالعلم فقال له رجل جعلت فداك تصف جابرا بالعلم وانت انت فقال انه كان يعرف تفسير قوله تعالى ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقال اياس ابن معاوية مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة لا يدرون ما في الكتاب ومثل الذي يعلم التفسير كرجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب وقال ابن عباس الذي يقرأ ولا يفسر كالاعرابي الذي يهذ الشعر وقال مجاهد احب الخلق إلى الله اعلمهم بما انزل الله وقال الحسن والله ما انزل الله آية الا احب ان يعلم فيمن انزلت وما يعنى بها وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرءان وجوها كثيرة فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرءة عليه ومراتب المفسرين روي عن عائشة رضي الله عنها انها قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفسر من كتاب الله تعالى الا ءايا بعدد علمهن اياه جبريل عليه السلام قال ع ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن وتفسير مجمله ونحو هذا مما لا سبيل اليه الا بتوقيف من الله تعالى ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به عباده كوقت قيام الساعة ونحوها ومنها ما يستقرأ من الفاظه كعدد النفخات في الصور وكرتبة خلق السموات والأرض وروي ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من تكلم في القرآن برأيه فاصاب فقد أخطأ ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو والأصول وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته والنحاة نحوه والفقهاء معانيه ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه وكان جلة من السلف كسعيد ابن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرونه وهم ابقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عن جميعهم ت وخرج أبو عيسى الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وخرج أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار قال ابو عيسى هذا حديث حسن وخرج عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ قال أبو عيسى هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل انفسهم وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم حدثنا الحسين بن مهدي البصري حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال ما في القرآن آية الا وقد سمعت فيها بشيء وحدثنا ابن أبى عمر حدثنا سفيان بن عيينه عن الاعمش قال قال مجاهد لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج إلى أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت انتهى ما نقلته من الترمذي ثم قال ع فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ويتلوه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما والمحفوظ عنه في ذلك اكثر من المحفوظ عن علي بن ابي طالب وقال ابن عباس ما اخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحض على الأخذ عنه وكان عبد الله ابن مسعود يقول نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وحسبك بهذه الدعوة ويتلوه عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص وكل ما اخذ عن الصحابة فحسن متقدم ومن المبرزين في التابعين الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعلقمة وقد قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية ويتلوهم عكرمة والضحاك بن مزاحم وان كان لم يلق ابن عباس وانما اخذ عن ابن جبير وأما السدى رحمه الله تعالى فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبى صالح لأنه كان يراهما مقصرين في النظر ثم حمل تفسير كتاب الله عز و جل عدول كل خلف والف الناس فيه كعبد الزراق والمفضل وعلي بن أبي طلحة والبخاري وغيرهم ثم أن محمد بن جرير الطبري رحمه الله جمع علىالناس اشتات التفسير وقرب البعيد وشفى في الاسناد ومن المبرزين في المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي فإن كلامهما منخول وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس رحمهما الله فكثيرا ما استدرك الناس عليهما وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رحمه الله وأبو العباس المهدوي رحمه الله متقن التأليف وكلهم مجتهد ماجور رحمهم الله ونضر وجوههم فصل واختلف الناس في معنى قوله صلى الله عليه و سلم انزل القرآن على سبعة احرف فاقرءوا ما تيسر منه ثم قال ع بعد كلام والذي مال إليه كثير من أهل العلم كأبي عبيد وغيره أن معنى الحديث أنه أنزل على سبع لغات لسبع قبائل ثم اختلفوا في تعيينهم وانا الخص الغرض جهدي بحول الله فأصل ذلك وقاعدته قريش ثم بنو سعد بن بكر لأن النبي صلى الله عليه و سلم قرشي واسترضع في بني سعد ونشأ فيهم ثم ترعرع وشب وهو يخالط في اللسان كنانة وهذيلا وثقيفا وخزاعة وأسد وضبة والفافها لقربهم من مكة وتكرارهم عليها ثم بعد هذه تميما وقيسا ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب فلما بعثه الله تعالى ويسر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة وهي التي قسمها على سبعة لها السبعة الأحرف وهي اختلافها في العبارة قال ثابت بن قاسم لو قلنا من هذه الأحرف لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لتميم ومنها لضبة والفافها ومنها لقيس لكان قداتي على قبائل مضر فى مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن وهذا نحو ما ذكرناه وهذه الجملة هي التي انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدخل ويسرها الله لذلك ليظهر آية نهيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة فلم تطرقها الأمم فأما اليمن وهو جنوبي الجزيرة فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود على أن أبا عبيد القاسم بن سلام وأبا العباس المبرد قد ذكرا أن عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن بلغاتها قال ع وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب الحجاز من لغة اليمن كالعرم والفتاح فأما ما انفردوا به كالزخيخ والقلوب فليس في كتاب الله منه شيء وأما ما وإلى العراق من جزيرة العرب وهي بلاد ربيعة وشرقي الجزيرة فأفسدت لغتها مخالطة الفرس والنبط ونصارى الحيرة وغير ذلك وأما الذي يلي الشام وهو شمالي الجزيرة وهي بلاد ءال جفنة وغيرهم فأفسدها مخالطة الروم وكثير من بني اسرائل وأما غربي الجزيرة فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم وأكثرها غير معمور فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللغات لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم ويقوى هذا المنزع أنه لما أتسع نطاق الإسلام وداخلت الأمم العرب وتجرد أهل المصرين البصرة والكوفة لحفظ لسان العرب وكتب لغتها لم يأخذوا إلا من هذه القبائل الوسيطة المذكورة ومن كان معها وتجنبوا اليمن والعراق والشام فلم يكتب عنهم حرف واحد وكذلك تجنبوا حواضر الحجاز مكة والمدينة والطائف لأن السبي والتجار من الأمم كثروا فيها فأفسدوا اللغة وكانت هذه الحواضر في مدة النبي صلى الله عليه و سلم سليمة لقلة المخالطة فمعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم أنزل القرآن على سبعة أحرف أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش ومرة بعبارة هذيل ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة الا ترى أن فطر معناها عند غير قريش ابتداء خلق الشيء وعمله فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها قال ابن عباس ففهمت حينئذ موقع قوله سبحانه فاطر السماوات والأرض وقال أيضا ما كنت أدري معنى قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا حتى سمعت بنت ذي جدن تقول لزوجها تعال افاتحك أي أحاكمك وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان لا يفهم معنى قوله تعالى أو يأخذهم على تخوف فوقف به فتى فقال ان أبي يتخوفني حقي فقال عمر الله اكبر أو يأخذهم على تخوف أي على تنقص لهم وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في الصلاة والنحل باسقات ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر إلى غير هذا من الأمثلة فأباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الرصف ولم تقع الإباحة في قوله فاقرءوا ما تيسر منه بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صلى الله عليه و سلم ليوسع بها على أمته فقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف فصل في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق اختلف الناس في هذه المسألة فقال أبو عبيدة وغيره أن في كتاب الله تعالى من كل لغة وذهب الطبري وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها توارد اللغتين فتكلمت العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد وذلك مثل قوله تعالى إن ناشئة الليل قال ابن عباس نشأ بلغة الحبشة قام من الليل ومنه قوله تعالى يؤتكم كفلين من رحمته قال أبو موسى الأشعري كفلان ضعفان من الأجر بلسان الحبشة وكذلك قال ابن عباس في القسورة أنه الأسد بلغة الحبشة إلى غير هذا من الأمثلة قال ع والذي أقوله أن القاعدة والعقيدة هي أن القرآن بلسان عربي مبين وليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب فلا تفهمها الا من لسان ءاخر فاما هذه الالفاظ وما جرى مجراها فانه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وسفر إلى الشام وأرض الحبشة فعلقت العرب بهذا كله الفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصريح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح مما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه وما ذهب إليه الطبري من أن اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة فذلك بعيد بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية هو القرآن وهو الكتاب وهو الفرقان وهو الذكر فالقرآن مصدر من قولك قرأ الرجل إذا تلا يقرأ قرءانا وقراءة وقال قتادة القرآن معناه التأليف قرأ الرجل إذا جمع وألف قولا وبهذا فسر قتادة قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه أي تأليفه والقول الأول أن القرآن مصدر من قرأ إذا تلا ومنه قول حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه ... ضحوا باشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرءانا ... أي وقراءة وأما الكتاب فهو مصدر من كتب إذا جمع ومنه قيل كتيبة لاجتماعها ومنه قول الشاعر ... واكتبها باسيار ... أي اجمعها وأما الفرقان فهو أيضا مصدر لأنه فرق بين الحق والباطل والمؤمن والكافر فرقانا وفرقانا وأما الذكر فسمي بذلك لأنه ذكر به الناس ءاخرتهم وإلاههم وما كانوا في غفلة عنه فهو ذكر لهم وقيل سمي بذلك لأن فيه ذكر الأمم الماضية والأنبياء وفيل سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمد صلى الله عليه و سلم وقومه وسائر العلماء به وأما السورة فإن قريشا كلها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل وسعد بن بكر وكنانة يقولون سورة بغير همز وتميم كلها وغيرهم يهمزون فأما من همز فهي عنده كالبقية من الشيء والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من اسأر إذا ابقى ومنه سؤر الشراب وأما من لا يهمز فمنهم من يراها من المعنى المتقدم إلا أنها سهلت همزتها ومنهم من يراها مشبهة بسورة البناء أي القطعة منه لأن كل بناء فإنما بني قطعة بعد قطعة فكل قطعة منها سورة فكان سور القرآن هي قطعة بعد قطعة حتى كمل منها القرآن ويقال أيضا للرتبة الرفيعة من المجد والملك سورة ومنه قول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر ... ألم تر ان الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب ... فكأن الرتبة انبنت حتى كملت وأما الآية فهي العلامة في كلام العرب ولما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها وعلى عجز المتحدى بها سميت آية هذا قول بعضهم وقيل سميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام كما تقول العرب جئنا بآيتنا أي بجماعتنا وقيل لما كانت علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها سميت آية ت وقوله صلى الله عليه و سلم في الصحيح آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب الحديث وآية الإيمان حب الأنصار وآية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء يقوى القول الأول والله أعلم وهذا هو الراحج في مختصر الطبري قال والآية العلامة وذلك أطهر في العربية والقرآن واصح القول أن آيات القرآن علامات للإيمان وطاعة الله تعالى ودلالات على وحدانيته وإرسال رسله وعلى البعث والنشور وأمور الآخرة وغير ذلك مما تضمنته علوم القرآن انتهى باب في الاستعاذة قال الله عز و جل فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم معناه إذا أردت أن تقرأ فأوقع الماضي موقع المستقبل لثبوته وأجمع العلماء على أن قول القارىء اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليس بآية من كتاب الله واجمعوا على استحسان ذلك والتزامه عند كل قراءة في غير صلاة واختلفوا في التعوذ في الصلاة فابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في كل ركعة ويمتثلون أمر الله سبحانه بالاستعاذة على العموم في كل قراءة وابو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة ومالك رحمه الله لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه تعوذ في صلاة وأما لفظ الاستعاذة فالذي عليه جمهور الناس وهو لفظ كتاب الله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأما المقرءون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد ونحو هذا مما هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة ولا أقول أنه لا يجوز ومعنى الاستعاذة الاستجارة والتحيز إلى الشيء على وجه الامتناع به من المكروه وأما الشيطان فاختلف في اشتقاقه فقال المحذاق هو فيعال من شطن إذا بعد لأنه بعد عن الخير والرحمة وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح ومعناه أنه رجم باللغة والمقت وعدم الرحمة باب في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم روي أن رجلا قال بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم تعس الشيطان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقل ذلك فإنه يتعاظم عنده ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يصغر حتى يصير اقل من الذباب والبسملة تسعة عشر حرفا قال بعض الناس إن رواية بلغتهم أن ملائكة النار الذين قال الله فيهم عليها تسعة عشر إنما ترتب عددهم على حروف بسم الله الرحمن الرحيم لكل حرف ملك وهم يقولون في كل أفعالهم بسم الله الرحمن الرحيم فمن هنالك هي قوتهم وباسم الله استضلعوا قال ع وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم ت ولا يخفي عليك لين ما بلغ هؤلاء ولقد أغنى الله تعالى بصحيح الأحاديث وحسنها عن موضوعات الوراقين فجزى الله نقاد الأمة عنا خيرا وما جاء من الأثر عن جابر وأبي هريرة مما يقتضي بظاهره أن البسملة آية من الفاتحة يرده صحيح الأحاديث كحديث أنس وأبي بن كعب وحديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ونحوها ولم يحفظ قط عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن الخلفاء بعده أنهم يبسملون في الصلاة ع ولباء في بسم الله متعلقة عند نحاة البصرة باسم تقديره ابتداءى مستقر أو ثابت بسم الله وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره ابتدأت بسم الله واسم اصله سمو بكسر السين أو سمو بضمها وهو عند البصريين مشتق من السمو ت وهو العلو والارتفاع قال ص والاسم هو الدال بالوضع على موجود في العيان أن كان محسوسا وفي الأذهان إن كان معقولا من غير تعرض ببنيته للزمان ومدلوله هو المسمى والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلا على المعنى فهي أمور ثلاثة متباينة فإذا أسندت حكما إلى لفظ اسم فتارة يكون حقيقة نحو زيد اسم ابنك وتارة يكون مجازا وهو حيث يطلق الاسم ويراد به المسمى كقوله تعالى تبارك اسم ربك وسبح اسم ربك وتأول السهيلي سبح اسم ربك على إقحام الاسم أي سبح ربك وإنما ذكر الاسم حتى لا يخلو التسبيح من اللفظ باللسان لأن الذكر بالقلب متعلقه المسمى والذكر باللسان متعلقه اللفظ وتأول قوله تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على الحقيقة فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها انتهى وقال الكوفيون أصل اسم وسم من السمة وهي العلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له والمكتوبة التي لفظها الله ابهر أسمائه تعالى وأكثرها استعمالا وهو المتقدم لسائرها في الأغلب وإنما تجيء الأخر أوصافا وحذفت الألف الأخيرة من الله ليلا يشكل بخط اللات وقيل طرحت تخفيفا والرحمن صفة مبالغة من الرحمة معناها أنه انتهى إلى غاية الرحمن وهي صفة تختص بالله تعالى ولا تطلق على البشر وهي ابلغ من فعيل وفعيل ابلغ من فاعل لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة واحدة ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك والرحمن النهاية في الرحمة تفسير فاتحة الكتاب بحول الله تعالى وقوته قال ابن عباس وغيره أنها مكية ويؤيد هذا أن في سورة الحجر ولقد آتيناك سبعا من المثاني والحجر مكية بإجماع وفي حديث أبي بن كعب أنها السبع المثاني ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ انه كانت قط في الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين وروي عن عطاء بن يسار وغيره أنها مدينة وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها فاتحة الكتاب واختلف هل يقال لها أم الكتاب فكره ذلك الحسن بن أبي الحسن وأجازه ابن عباس وغيره وفي تسميتها بأم الكتاب حديث رواه أبو هريرة واختلف هل يقال لها أم القرآن فكره ذلك ابن سيرين وجوزه جمهور العلماء وسميت المثاني لأنها تثنى في كل ركعة وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة وأما فضل هذه السورة فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث أبي بن كعب أنها لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها وروي أنها تعدل ثلثي القرآن وهذا العدل إما أن يكون في المعاني وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل وكذلك يجيء عدل قل هو الله أحد وعدل إذا زلزلت وغيره ت ونحو حديث أبي حديث أبي سعيد بن المعلى إذ قال له صلى الله عليه و سلم ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن الحمد الله رب العالمين هي سبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه انتهى من سلاح المؤمن تأليف الشيخ المحدث أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن همام رحمه الله الحمد معناه الثناء الكامل والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد وهو أعم من الشكر لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود قال ص وهل الحمد بمعنى الشكر أو الحمد أعم أو الشكر ثناء على الله بأفعاله والحمد ثناء عليه بأوصافه ثلاثة أقوال انتهى قال الطبري الحمد لله ثناء اثنى به على نفسه تعالى وفي ضمنه أمر عبادة أن يثنوا به عليه فكأنه قال قولوا الحمد لله وعلى هذا يجيء قولوا إياك واهدنا قال وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه وهو كثير والرب في اللغة المعبود والسيد المالك والقائم بالأمور المصلح لما يفسد منها فالرب على الإطلاق هو رب الأرباب على كل جهة وهو الله تعالى والعالمون جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى يقال لجملته عالم ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عالم عالم وبحسب ذلك يجمع على العالمين ومن حيث عالم الزمان متبدل في زمان آخر حسن جمعها ولفظة العالم جمع لا واحد له من لفظه وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزجاج قال أبو حيان الألف واللام في العالمين للاستغراق وهو جمع سلامة مفرده عالم اسم جمع وقياسه ألا يجمع وشذ جمعه أيضا جمع سلامة لأنه ليس بعلم ولا صفة م وذهب ابن مالك في شرح التسهيل إلى أن عالمين اسم جمع لمن يعقل وليس جمع عالم لأن العالم عام وعالمين خاص قلت وفيه نظر انتهى وقد تقدم القول في الرحمن الرحيم ملك يوم الدين الدين في كلام العرب على أنحاء وهو هنا الجزاء يوم الدين أي يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها قاله ابن عباس وغيره مدينين محاسبين وحكى أهل اللغة دنته بفعله دينا بفتح الدال ودينا بكسرها جزيته ومنه قول الشاعر ... واعلم يقينا أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان ... إياك نعبد نطق المؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل وتحقيق لعبادة الله وقدم إياك على الفعل اهتماما وشأن العرب تقديم الأهم واختلف النحويون في إياك فقال الخليل إيا اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف وحكي عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب وقال المبرد إيا اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف وحكى ابن كيسان عن بعض الكوفيين أن إياك بكماله اسم مضمر ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره وحكي عن بعضهم أنه قال الكاف والهاء والياء هو الاسم المضمر لكنها لا تقوم بأنفسها ولا تكون إلا متصلات فإذا تقدمت الأفعال جعل إيا عمادا لها فيقال إياك وإياه وإياي فإذا تأخرت اتصلت بالأفعال واستغني عن إيا و نعبد معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة والطريق المذللل يقال له معبد وكذلك البعير و نستعين معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا وهذا كله تبر من الأصنام وقوله تعالى اهدنا رغبة لأنها من المربوب إلى الرب وهكذا صيغ الأمر كلها فإذا كانت من الأعلى فهي أمر والهداية في اللغة الإرشاد لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد وكلها إذا تأملت راجعة إلى الإرشاد فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ومنه قوله تعالى أولئك على هدى من ربهم و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء فمن يرد الله أن يهديه الآية قال أبو المعالي فهذه الآيات لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان في القلب وهو محض الإرشاد وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى ولكل قوم هاد أي داع وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام من ذلك قوله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال المفسرون الهم الحيوانات كلها إلى منافعها وقد جاء الهدى بمعنى البيان من ذلك قوله تعالى وأما ثمود فهديناهم قال المفسرون معناه بينا لهم قال أبو المعالي معناه دعوناهم وقوله تعالى إن علينا للهدى أي علينا أن نبين في هذا كله معنى الإرشاد قال أبو المعالي وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها كقوله تعالى في صفة المجاهدين فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ومنه قوله تعالى فاهدوهم إلى صراط الجحيم معناه فاسلكوهم إليها قال ع وهذه الهداية بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا وهي ضد الضلال وهي الواقعة في قوله تعالى إهدنا الصراط المستقيم على صحيح التأويلات وذلك بين من لفظ الصراط والصراط في اللغة الطريق الواضح ومن ذلك قول جرير ... أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم ... واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له الصراط في هذا الموضع فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الصراط المستقيم هنا القرآن وقال جابر هو الإسلام يعني الحنيفية وقال محمد بن الحنفية هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وقال أبو العالية هو رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحباه أبو بكر وعمر أي الصراط المستقيم طريق محمد صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وهذا قوي في المعنى إلا أن تسمية أشخاصهم طريقا فيه تجوز ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة هي أن يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في معتقداته وفي التزامه لأحكام شرعه وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام وهو حال رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحبيه وهذا الدعاء إنما أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كل واحد بعض الأعمال فمعنى قوله اهدنا فيما هو حاصل عندهم التثبيت والدوام وفيما ليس بحاصل إما من جهة الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه فكل داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته واختلف في المشار إليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم وقول ابن عباس وجمهور من المفسرين أنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وانتزعوا ذلك من قوله تعالى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم الآية إلى قوله رفيقا وقوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين اعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما وذلك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو غيره وكذلك إن قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة و المغضوب عليهم اليهود و الضالون النصارى قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد وروى ذلك عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه و سلم وذلك بين من كتاب الله لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه كقوله وباءوا بغضب من الله قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله الآية وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محنا وعقوبات وذلة ونحو ذلك مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته بعدا مؤكدا مبالغا فيه والنصارى كان محققوهم على شرعة بل ورود شرع محمد صلى الله عليه سلم فلما ورد ضلوا وأما غير متحققيهم فضلالتهم متقررة منذ تفرقت أقوالهم في عيسى عليه السلام وقد قال الله تعالى فيهم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وأجمع الناس على أن عدد آي سورة الحمد سبع آيات العالمين آية الرحيم آية الدين آية نستعين آية المستقيم آية أنعمت عليهم آية ولا الضالين آية وقد ذكرنا عند تفسر بسم الله الرحمن الرحيم أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيف القول في آمين روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة في السماء تقول آمين فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ت وخرج مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله الحديث انتهى ومعنى آمين عند أكثر أهل العلم اللهم استجب أو أجب يا رب ومقتضى الآثار أن كل داع ينبغي له في آخر دعاءه أن يقول آمين وكذلك كل قارىء للحمد في غير صلاة وأما في الصلاة فيقولها المأموم والفذ وفي الإمام في الجهر اختلاف واختلف في معنى قوله صلى الله عليه و سلم فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة فقيل في الإجابة وقيل في خلوص النية وقيل في الوقت والذي يترجح أن المعنى فمن وافق في الوقت مع خلوص النية والإقبال على الرغبة إلى الله بقلب سليم والإجابة تتبع حينئذ لأن من هذه حاله فهو على الصراط المستقيم وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول قال الله عز و جل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي وإذا قال ملك يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولبعدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل انتهى وعند مالك فهؤلاء لعبدي واسند أبو بكر بن الخطيب عن نافع عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه و سلم من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة انتهى من تاريخ بغداد ولم يذكر في سنده مطعنا وقال ابن العربي في أحكامه والصحيح عندي وجوب قراءتها على المأموم فيما اسر فيه وتحريمها فيما جهر فيه إذا سمع الإمام لما عليه من وجوب الإنصات والاستماع فإن بعد عن الإمام فهو بمنزلة صلاة السر انتهى نجز تفسير سورة الحمد والحمد لله بجميع بمحامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما تفسير سورة البقرة بحول الله ومعونته هذه السورة مدنية نزلت في مدد شتى وفيها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ويقال لسورة البقرة فسطاط القرآن وذلك لعظمها وبهائها وما تضمنت من الأحكام والمواعظ وفيها خمسمائة حكم وخمسة عشرة مثلا وروي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه والطواسين من الواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش ت وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحدث بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة خرج الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اعملوا بالقرآن أحلوا حلاله وحرموا حرامه واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبرونكم وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنه شافع مشفع وما حل مصدق وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه والطواسين والحواميم من الواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش ما حل بالمهملة أي ساع وقيل خصم انتهى من السلاح وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غيايتان بينهما شرق أو غمامتان سوداوان أو كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما ت أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي امامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان كأنهما غمامان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما اقرؤوا سورة البقرة فإن اخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة قال معاوية بلغني أن البطلة السحرة فقوله صلى الله عليه و سلم غمامتان يعني سحابتين بيضاوين والغيايتان بالغين المعجمة أبو عبيد الغياية كل شيء أطل الإنسان فوق رأسه وهو مثل السحابة وفرقان بكسر الفاء أي جماعتان انتهى من السلاح وروى أبو هريرة عنه صلىالله عليه وسلم أنه قال لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية هي سيدة آي القرآن هي آية الكرسي وفي البخاري أنه صلى الله عليه و سلم قال من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان ت وعن ابن عباس قال بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه و سلم سمع نقيضا من فوقه فقال له هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم وقال ابشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته رواه مسلم والنسائي والنقيض بالنون والقاف هو الصوت انتهى من السلاح وعدد آي سورة البقرة مائتان وخمس وثمانون آية وقيل وست وثمانون آية وقيل وسبع وثمانون قوله تعالى الم اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين هي سر الله في القرآن وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه ولا يجب أن يتكلم فيها ولكن يؤمن بها وتمر كما جاءت وقال الجمهور من العلماء بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولا فقال علي وابن عباس رضي الله عنهما الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها وقال ابن عباس أيضا هي أسماء الله أقسم بها وقال أيضا هي حروف تدل على أنا الله أعلم أنا الله أرى وقال قوم هي حساب أبى جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه ولم كما ورد في حديث حيي بن اخطب وهو قول أبي العالية وغيره ت وإليه مال السهيلي في الروض الأنف فانظره قوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الاسم من ذلك الذال والألف واللام لبعد المشار إليه والكاف للخطاب واختلف في ذلك هنا فقيل هو بمعنى هذا وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضر تعلق به بعض غيبة وقيل هو على بابه إشارة إلى غائب واختلفوا في ذلك الغائب فقيل ما قد كان نزل من القرآن وقيل غير ذلك انظره ولا ريب فيه معناه لا شك فيه وهدى معناه إرشاد وبيان وقوله للمتقين اللفظ مأخوذ من وقى والمعنى الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه كان ذلك وقاية بينهم وبين عذابه قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقانهم ينفقون يؤمنون معناه يصدقون وقوله بالغيب قالت طائفة معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا وقال آخرون معناه يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع وقوله يقيمون الصلاة معناه يظهرونها ويثبتونها كما يقال أقيمت السوق ت وقال أبو عبد الله النحوي في اختصاره لتفسير الطبري إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها انتهى قال ص يقيمون الصلاة من التقويم ومنه أقمت العود أو الإدامة ومنه قامت السوق أو التشمير والنهوض ومنه قام بالأمر انتهى وقوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون الرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما وينفقون معناه هنا يؤتون ما الزمهم الشرع من زكاة وما ندبهم إليه من غير ذلك قوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون اختلف المتأولون من المراد بهذه الآية والتي قبلها فقال قوم الآتيان جميعا في جميع المؤمنين وقال آخرون هما في مؤمني أهل الكتاب وقال آخرون الآية الأولى في مؤمني العرب والثانية في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وفيه نزلت وقوله بما انزل إليك يعني القرآن وما انزل من قبلك يعني الكتب السالفة و يوقنون معناه يعلمون علما متمكنا في نفوسهم واليقين أعلى درجات العلم وقوله تعالى أولئك على هدى من ربهم إشارة إلى المذكورين والهدى هنا الإرشاد والفلاح الظفر بالبغية وإدراك الأمل قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم إلى عظيم اختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها فقال قوم هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن وقال ابن عباس نزلت في حيي بن اخطب وأبي ياسر بن اخطب وكعب بن الاسرف ونظرائهم والقول الأول هو المعتمد عليه وقوله سواء عليهم معناه معتدل عندهم والإنذار إعلام بتخويف هذا حده وقوله تعالى ختم مأخوذ من الختم وهو الطبع والخاتم الطابع قال في مختصر الطبري والصحيح أن هذا الطبع حقيقة لا أنه مجاز فقد جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه فذلك البران الذي قال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون انتهى والغشاوة الغطاء المغشي الساتر وقوله تعالى ولهم عذاب عظيم معناه لمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله وعظيم معناه بالإضافة إلى عذاب دونه وقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله إلى وما يشعرون هذه الآية نزلت في المنافقين وسمى الله تعالى يوم القيامة اليوم الآخر لأنه لا ليل بعده ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل واختلف المتأولون في قوله يخادعون الله فقال الحسن بن أبي الحسن المعنى يخادعون رسول الله فأضاف الأمر إلى الله تجوزا لتعلق رسوله به ومخادعتهم هي تحيلهم في أن يفشي رسول الله صلى الله عليه و سلم والمؤمنون إليهم أسرارهم ع تقول خادعت الرجل بمعنى أعملت التحيل عليه فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد وقال جماعة بل يخادعون الله والمؤمنين باظهارهم من الإيمان خلاف ما ابطنوا من الكفر وإنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب وما يشعرون بذلك معناه وما يعلمون علم تفطن وتهد وهي لفظة مأخوذة من الشعار كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس وقولهم ليت شعري معناه ليت فطنتي تدرك واختلف ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له فقالت طائفة وما يشعرون أن ضرر تلك المخادعة راجع عليهم لخلودهم في النار وقال آخرون وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم في قولهم آمنا قوله تعالى في قلوبهم مرض أي في عقائدهم فساد وهم المنافقون وذلك إما أن يكون شكا وإما جحدا بسبب حسدهم مع علمهم بصحة ما يجحدون وقال قوم المرض غمهم بظهوره صلى الله عليه و سلم فزادهم الله مرضا قيل هو دعاء عليهم وقيل هو خبر أن الله قد فعل بهم ذلك وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين ت لما تكلم ع على تفسير قوله تعالى عليهم دائرة السوء قال كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز و جل فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن هذا ويل لكل همزة ويل للمطففين وهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى ولهم عذاب أليم أي مؤلم وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض أي بالكفر وموالاة الكفر ولقول المنافقين إنما نحن مصلحون ثلاث تأويلات أحدها جحد انهم يفسدون وهذا استمرار منهم على النفاق والثاني أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح من حيث هم قرابة توصل والثالث أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين وإلا استفتاح كلام ولكن حرف استدراك ويحتمل أن يراد هنا لا يشعرون أنهم مفسدون ويحتمل أن يراد لا يشعرون أن الله يفضحهم قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس الآية المعنى صدقوا بمحمد وشرعه كما صدق المهاجرون والمحققون من أهل يثرب قالوا انكون كالذين خفت عقولهم والسفه الخفة والرقة الداعية إلى الخفة يقال ثوب سفيه إذا كان رقيقا هلهل النسج وهذا القول إنماكانوا يقولونه في خفاء فأطلع الله عليه نبيه عليه السلام والمؤمنين وقرران السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هو في حيزهم وصفة لهم وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء للرين الذي على قلوبهم وقوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا الآية هذه كانت حال المنافقين إظهار الإيمان للمؤمنين وإظهار الكفر في خلواتهم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة الإشتباه مخافة أن يتحدث الناس عنه أنه يقتل أصحابه حسبما وقع في قصة عبد الله بن أبي بن سلول قال مالك النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الزندقة اليوم واختلف المفسرون في المراد بشياطينهم فقال ابن عباس رضي الله عنه هم رؤساء الكفر وقيل الكهان قال البخاري قال مجاهد إلى شياطينهم أي أصحابهم من المنافقين والمشركين قال ص شياطينهم جمع شيطان وهو كل متمرد من الجن والإنس والدواب قاله ابن عباس وانثاه شيطانة انتهى ت ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه رواه أبو داود وفيه عنه صلى الله عليه و سلم من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار انتهى من سنن أبي داود الله يستهزىء بهم اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء هي تسمية العقوبة باسم الذنب والعرب تستعمل ذلك كثيرا وقال قوم أن الله سبحانه يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء روي أن النار تجمد كما تجمد الاهالة فيمشون عليها ويظنون أنها منجاة فتخسف بهم وما روي أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج نحا هذا المنحى ابن عباس والحسن ت وقوله تعالى قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا يقوى هذا المنحنى وهكذا نص عليه في اختصار الطبري انتهى وقيل استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية ويمدهم أي يزيدهم في الطغيان وقال مجاهد معناه يملي لهم والطغيان الغلو وتعدى الحد كما يقال طغى الماء وطغت النار ويعمهون معناه يترددون حيرة والعمه الحيرة من جهة النظر والعامة الذي كأنه لا يبصر قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا إلى قوله يا أيها الناس قال الفخر اعلم أن المقصود من ضرب المثال أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد فيتأكد الوقوف على ماهيته ويصير الحس مطابقا للعقل وذلك هو النهاية في الإيضاح ألا ترى أن الترغيب والترهيب إذا وقع مجردا عن ضرب مثل لم يتأكد وقوعه في القلب كتأكده مع ضرب المثل ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه الأمثال قال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون انتهى والمثل والمثل والمثيل واحد معناه الشبيه قاله أهل اللغة واستوقد قيل معناه أوقد واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد نارا فقالت فرقة هي فيمن كان آمن ثم كفر بالنفاق فإيمانه بمنزلة النار أضاءت وكفره بعد بمنزلة انطفائها وذهاب النور وقالت فرقة منهم قتادة نطقهم بلا اله إلا الله والقرآن كإضاءة النار واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها قال جمهور النحاة جواب لما ذهب ويعود الضمير من نورهم على الذي وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدم وقال قوم جواب لما مضمر وهو ظفئت فالضمير في نورهم على هذا للمنافقين والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكون في الآخرة وهو قوله تعالى فضرب بينهم بسور له باب الآية وهذا القول غير قوي والأصم الذي لا يسمع والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم فإذا فهم فهو الأخرس وقيل الأبكم والأخرس واحد ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ عدم الإجابة كأعمال من هذه صفته وصم رفع على خبر الابتداء إما على تقدير تكرير أولئك أو إضمارهم وقوله تعالى فهم لا يرجعون قيل معناه لا يؤمنون بوجه وهذا إنما يصح أن لو كانت الآية في معينين وقيل معناه فهم لا يرجعون ما داموا على الحال التي وصفهم بها وهذا هو الصحيح أو كصيب أو للتخيير معناه مثلوهم بهذا أو بهذا والصيب المطر من صاب يصوب إذا انحط من علو إلى سفل وظلمات بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن ومن حيث تتراكب وتتزيد جمعت وكون الدجن مظلما هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر إذا انجلى دجنه فإنه سار جميل واختلف العلماء في الرعد فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب وغيرهم هو ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفت سحابة صاح بها فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق واسم هذا الملك الرعد وقيل الرعد ملك وهذا الصوت تسبيحه وقيل الرعد اسم الصوت المسموع قاله علي بن أبي طالب واكثر العلماء على أن الرعد ملك وذلك صوته يسبح ويزجر السحاب واختلفوا في البرق فقال علي بن أبي طالب وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم هو مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب وهذا اصح ما روي فيه وقال ابن عباس هو سوط نور بيد الملك يزجى به السحاب وروي عنه أن البرق ملك يتراءى واختلف المتأولون في المقصد بهذا المثل وكيف تترتب أحوال المنافقين الموازنة لما في المثل من الظلمات والرعد والبرق والصواعق فقال جمهور المفسرين مثل الله تعالى القرآن بالصيب فما فيه من الأشكال عليهم والعمى هو الظلمات وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد وما فيه من النور والحجج الباهرة هو البرق وتخوفهم وروعهم وحذرهم هو جعل أصابعهم في آذانهم وفضح نفاقهم واشتهار كفرهم وتكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوه هي الصواعق وهذا كله صحيح بين وقال ابن مسعود أن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فضرب الله المثل لهم وهذا وفاق لقول الجمهور ومحيط بالكافرين معناه بعقابهم يقال أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذ حاصرا من كل جهة ومنه قوله تعالى وأحيط بثمره ويكاد فعل ينفي المعنى مع إيجابه ويوجبه مع النفي فهنا لم يخطف البرق الأبصار والخطف الإنتزاع بسرعة ومعنى يكاد البرق يخطف أبصارهم تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم ومن جعل البرق في المثل الزجر والوعيد قال يكاد ذلك يصيبهم وكلما ظرف والعامل فيه مشوا وقاموا معناه ثبتوا ومعنى الآية فيما روي عن ابن عباس وغيره كلما سمع المنافقون القرآن وظهرت لهم الحجج انسوا ومشوا معه فإذا نزل من القرآن ما يعمهون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم وروي عن ابن مسعود أن معنى الآية كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النعم قالوا دين محمد دين مبارك وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة سخطوه وثبتوا في نفاقهم ووحد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع وقوله سبحانه على كل شيء قدير لفظه العموم ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه و قدير بمعنى قادر وفيه مبالغة وخص هنا سبحانه صفته التي هي القدرة بالذكر لأنه قد تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الآية يا حرف نداء وفيه تنبيه وايى هو المنادى قال مجاهد يا أيها الناس حيث وقع في القرءان مكي ويا ايها الذين ءامنوا مدني قال ع قد تقدم وأما قوله في يا أيها الذين آمنوا فصحيح اعبدوا ربكم معناه في اول السورة انها كلها مدنية وقد يجيء فى المدنى يا ايها الناس وحدوه وخصوه بالعبادة وذكر تعالى خلقه لهم إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها فذكر ذلك سبحانه حجة عليهم ولعل في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى بمعنى ترج وتوفع وفي مختصر الطبري لعلكم تتقون عن مجاهد أي لعلكم تطيعون والتقوى التوقى من عذاب الله بعبادته وهي من الوقاية وأما لعل هنا فهي بمعنى كي أو لام كي أي لتتقوا أو تتقوا وليست هنا من الله تعالى بمعنى الترجي وإنما هي بمعنى كي وقد تجيء بمعنى كي في اللغة قال الشاعر ... وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق ... انتهى قال ع وقال سيبويه ورؤساء اللسان هي على بابها والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى ولعل متعلقة بقوله اعبدوا وينجه تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل مولد على الفطرة فهو أن تأمله متأمل توقع له ورجا أن يكون متقيا وتتقون مأخوذ من الوقاية وجعل بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين وفراشا معناه تفترشونها والسماء قيل هو اسم مفرد جمعه سماوات وقيل هو جمع واحده سماوة وكل ما ارتفع عليك في الهواء فهو سماء وأنزل من السماء يريد السحاب سمي بذلك تجوزا لما كان يلي السماء وقد سموا المطر سماء للمجاورة ومنه قول الشاعر ... إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا ... فتجوز أيضا في رعيناه وواحد الأنداد وهو المقاوم والمضاهي واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية فقالت جماعة من المفسرين المخاطب جميع المشركين فقوله سبحانه على هذا وانتم تعلمون يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق وقيل المراد كفار بني إسرائيل فالمعنى وأنتم تعلمون من الكتب التي عندكم أن الله لا ند له وقال ابن فورك يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين قوله تعالى وإن كنتم في ريب أي في شك فأتوا بسورة من مثله الضمير في مثله عند الجمهور عائد على القرآن وادعوا شهدائكم أي من شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابن عباس إن كنتم صادقين أي فيما قلتم من انكم تقدرون على معارضته ويؤيد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى لو نشاء لقلنا مثل هذا وفي قوله جل وعلا ولن تفعلوا إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع وهو أيضا من الغيوب التي أخبر بها القرآن وقوله تعالى فاتقوا النار أمر بالإيمان وطاعة الله قال الفخر ولما ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق النبي صلى الله عليه و سلم وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار واتقاء النار يوجب ترك العناد فاقيم قوله فأتقوا النار مقام قوله واتركوا العناد ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدل على قوتها نجانا الله منها برحمته الواسعة وقرن الله سبحانه الناس بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناما يعبدونها قال تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون فإحدى الآيتين مفسرة للأخرى وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا انتهى قوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات الآية بشر مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر في بشرة الوجه والأغلب استعمال البشارة في الخير وقد تستعمل في الشر مقيدة به كما قال تعالى فبشرهم بعذاب أليم ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير وفي قوله تعالى وعملوا الصالحات رد على من يقول أن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات لأنه لو كان كذلك ما أعادها و جنات جمع جنة وهي بستان الشجر والنخل وبستان الكرم يقال له الفردوس وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم ان ثياب الجنة تشقق عنها ثمر الجنة وروى الترمذي عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب قال أبو عيسى هذا حديث حسن انتهى من التذكرة ت وفي الباب عن ابن عباس وجرير بن عبد الله وغيرهما وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها أي تستره ومنه المجن والجنن وجن الليل ومن تحتها معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة ت ومن أعظم البشارات أن هذه الأمة هم ثلثا أهل الجنة وقد خرج أبو بكر بن أبي شيبة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة إن أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف وأن أمتي من ذلك ثمانون صفا وخرج ابن ماجه والترمذي عن بريدة بن حصيب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم قال أبو عيسى هذا حديث حسن انتهى من التذكرة للقرطبي و الأنهار المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة مأخوذة من أنهرت أي وسعت ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه معناه ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهر ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء تجوزا كما قال سبحانه واسأل القرية وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد إنما تجري على سطح ارض الجنة منضبطة وقولهم هذا الذي رزقنا من قبل إشارة إلى الجنس أي هذا من الجنس الذي رزقنا منه من قبل والكلام يحتمل أن يكون تعجبا منهم وهو قول ابن عباس ويحتمل أن يكون خبرا من بعضهم لبعض قاله جماعة من المفسرين وقال الحسن ومجاهد يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها والطعم مختلف فهم يتعجبون لذلك ويخبر بعضهم بعضا وقال ابن عباس ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء وأما الذوات فمتباينة وقال بعض المتأولين المعنى أنهم يرون الثمر فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا وقال قوم إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيء خرج في الحين في موضعه مثله فهذا إشارة إلى الخارج في موضع المجنى وقوله تعالى متشابها قال ابن عباس وغيره معناه يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم و أزواج جمع زوج ويقال في المرأة زوجة والأول أشهر و مطهرة أبلغ من طاهرة أي مطهرة من الحيض والبزاق وسائر أقذار الآدميات و الخلود الدوام وخرج ابن ماجه عن أسامة بن زيد قال قال النبي صلى الله عليه و سلم ذات يوم لأصحابه إلا مشمر للجنة فإن الجنة لاخطر لها هي ورب الكعبة نور تتلألأ وريحانة تهتز وفصر مشيد ونهر مطرد وفاكهة كثيرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبد في حبرة ونضرة في دار عالية سليمة بهية قالوا نحن المشمرون لها يا رسول الله قال قولوا إن شاء الله ثم ذكر الجهاد وحض عليه وانتهى من التذكرة وقوله لا خطر لها بفتح الطاء قيل معناه لا عوض لها وقوله تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها لما كان الجليل القدر في الشاهد لا يمنعه من الخوض في نازل القول إلا الحياء من ذلك رد الله بقوله إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما على القائلين كيف يضرب الله مثلا بالذباب ونحوه واختلف في قوله تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا هل هو من قول الكافرين أو خبر من الله تعالى ولا خلاف أن قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين من قوله تعالى والفسق الخروج عن الشيء يقال فسقت الفارة إذا خرجت من جحرها والرطبة إذا خرجت من قشرها والفسق في عرف استعمال الشرع الخروج من طاعة الله عز و جل بكفر أو عصيان قوله تعالى الذين ينقضون عهد الله النقض رد ما ابرم على أوله غير مبرم والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به وظاهر مما قبل وبعد أنه في جميع الكفار ع وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية والخاسر الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز والخسران النقص كان في ميزان أو غيره قوله تعالى كيف تكفرون بالله هو تقرير وتوبيخ أي كيف تكفرون ونعمه عليكم وقدرته هذه والواو في قوله وكنتم واو الحال واختلف في قوله تعالى وكنتم أمواتا الآية فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد المعنى كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدارس ميت ثم خلقكم وأخرجكم إلى الدنيا فأحياكم ثم يميتكم الموت المعهود ثم يحييكم للبعث يوم القيامة وهذا التأويل هو أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإقرار به والضمير في إليه عائد على الله تعالى أي إلى ثوابه أو عقابه و خلق معناه اخترع وأوجد بعد العدم و لكم معناه للاعتبار ويدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر الإحياء والإماتة والاستواء إلى السماء وتسويتها وقوله تعالى ثم استوى إلى السماء ثم هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه و استوى قال قوم معناه علا دون كيف ولا تحديد هذا اختيار الطبري والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه وقال ابن كيسان معناه قصد إلى السماء ع أي بخلقه واختراعه والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث ويبقى استواء القدرة والسلطان وسواهن قيل جعلهن سواء وقيل سوى سطوحهن بالاملاس وقال الثعالبي فسواهن أي خلقهن انتهى وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء وذلك صحيح ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات وقوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة إذ ليست بزائدة عند الجمهور وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال وإضافة رب إلى محمد صلى الله عليه و سلم ومخاطبته بالكاف تشريف منه سبحانه لنبيه وإظهار لاختصاصه به الملائكة واحدها ملك والهاء في ملائكة لتأنيث الجموع غير حقيقي وقل هي للمبالغة كعلامة ونسابه والأول أبين و جاعل في هذه الآية بمعنى خالق وقال الحسن وقتادة جاعل بمعنى فاعل وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الأرض هنا هي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها ولأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء وأن قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن و خليفة معناه من يخلف قال ابن عباس كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة قتلهم والحق فلهم بجزائر البحار ورؤوس الجبال وجعل آدم وذريته خليفة وقال ابن مسعود إنما معناه خليفة مني في الحكم وقوله تعالى أتجعل فيها من يفسد فيها الآية قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول وذلك عام في جميع الملائكة لأن قوله تعالى لا يسبقونه بالقول خرج على جهة المدح لهم قال القاضي ابن الطيب فهذه قرينة العموم فلا يصح مع هذين الشرطين إلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأ ومقدمة قال ابن زيد وغيره إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون ويسفكون الدماء فقالوا لذلك هذه المقالة إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعا الاستخلاف والعصيان وقال أحمد بن يحيى ثعلب وغيره إنما كانت الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم أتجعل فيها الآية على جهة الاستفهام المحض هل هذا الخليفة يا ربنا على طريقة من تقدم من الجن أم لا وقال آخرون كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقا يفسدون ويسفكون الدماء فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك إني جاعل قالوا ربنا أتجعل فيها الآية على جهة الاسترشاد والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل أو غيره ونحو هذا في مختصر الطبري قال وقولهم أتجعل فيها ليس بإنكار لفعله عز و جل وحكمه بل استخبار هل يكون الأمر هكذا وقد وجهه بعضهم بأنهم استعظموا الإفساد وسفك الدماء فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إذ علموا أنه عز و جل لا يفعل إلا حكمة انتهى ت والعقيدة أن الملائكة معصومون فلا يقع منهم مايوجب نقصانا من رتبتهم وشريف منزلتهم صلوات الله وسلامه على جميعهم والسفك صب الدم هذا عرفه وقولهم ونحن نسبح بحمدك قال بعض المتأولين هو على جهة الاستفهام كانهم ارادوا ونحن نسبح بحمدك الآية أم نتغير عن هذه الحال قال ع وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم أتجعل وقال آخرون معناه التمدح ووصف حالهم وذلك جائز لهم كما قال يوسف إني حفيظ عليم وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم أتجعل وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون ومعنى نسبح بحمدك ننزهك عما لا يليق بصفاتك وقال ابن عباس وابن مسعود تسبيح الملائكة صلاتهم لله سبحانه وقال قتادة تسبيحهم قولهم سبحان الله على عرفه في اللغة و بحمدك معناه نصل التسبيح بالحمد ويحتمل أن يكون قولهم بحمدك اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك وخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله تعالى إن أحب الكلام إلى الله تعالى سبحان الله وبحمده وفي رواية سئل صلى الله عليه و سلم أي الكلام أفضل قال ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وهذا الحديث به ختم البخاري رحمه الله انتهى ونقدس لك قال الضحاك وغيره معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك والتقديس التطهير بلا خلاف ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة وقال آخرون ونقدس لك معناه نقدسك أي نعظمك ونطهر ذكرك مما لا يليق به قاله مجاهد وغيره وقوله تعالى إني أعلم مالا تعلمون قال ابن عباس كان إبليس لعنه الله قد أعجب بنفسه ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا واعتقد أن ذلك لمزية له فلما قالت الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك قال الله سبحانه إني أعلم مالا تعلمون يعني ما في نفس إبليس وقال قتادة لما قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها وقد علم الله أن في من يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم إني أعلم مالا تعلمون يعني أفعال الفضلاء وقوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها معناه عرف وتعليم آدم هنا عند قوم الهام علمه ضرورة وقال قوم بل تعليم بقول إما بواسطة ملك أو بتكليم قبل هبوطه الأرض فلا يشارك موسى عليه السلام في خاصة ت قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة تعليمه سبحانه لآدم الأسماء كلها إنما كان بالعلم اللدني بلا واسطة انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاري وكل ما انقله عنه فمنه واختلف المتأولون في قوله الأسماء فقال جمهور الأمة علمه التسميات وقال قوم عرض عليه الأشخاص والاول أبين ولفظه علم تعطى ذلك ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد علمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها وقال الطبري علمه أسماء ذريته والملائكة ورجحه بقوله تعالى ثم عرضهم وقال أكثر العلماء علمه تعالى منافع كل شيء ولما يصلح وقيل غير هذا واختلف المتأولون هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص وأنبؤني معناه أخبروني والنبأ الخبر وقال قوم يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق ويتقرر جوازه لأنه سبحانه علم انهم لا يعلمون وقال المحققون من أهل التأويل ليس هذا على جهة التكليف إنما هو على جهة التقرير والتوقيف وقوله تعالى هؤلاء ظاهره حضور أشخاص وذلك عند العرض على الملائكة وليس في هذه الآية ما يدل أن الاسم هو المسمى كما ذهب إليه مكي والمهدوي والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس اشخاصا ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم ثم أن آدم قال لهم هذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا وهؤلاء مبني على الكسر وكنتم في موضع الجزم بالشرط والجواب عن سيبويه فيما قبله وعند المبرد محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأنبوني وقال ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم معنى الآية إن كنتم صادقين في أن الخليفة يفسد ويسفك ت وفي النفس من هذا القول شيء والملائكة منزهون معصومون كما تقدم والصواب ما تقدم من التفسير عند قوله تعالى أتجعل فيها الآية وقال آخرون إن كنتم صادقين في أنى أن استخلفتكم سبحتم بحمدي وقدستم لي وقال قوم معناه أن كنتم صادقين جواب السؤال عالمين بالاسماء و سبحانك معناه تنزيها لك وتبرئة أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته والعليم معناه العالم ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير في المعلومات و الحكيم معناه الحاكم وبينهما مزية المبالغة وقيل معناه المحكم وقال قوم الحيكم المانع من الفساد ومنه حكمه الفرس مانعته وقوله تعالى قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم أنبئهم معناه أخبرهم والضمير في أنبئهم عائد على الملائكة بإجماع والضمير في أسمائهم مختلف فيه حسب الاختلاف في الاسماء التي علمها آدم قال بعض العلماء إن في قوله تعالى فلما أنبأهم نبوءة لآدم عليه السلام إذ أمره الله سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز و جل وقوله تعالى اعلم غيب السموات والارض معناه ما غاب عنكم لان الله تعالى لا يغيب عنه شيء الكل معلوم له واختلف في قوله تعالى ما تبدون وما كنتم تكتمون فقالت طائفة ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع واذ من قوله وإذ قلنا للملائكة معطوفه على إذ المتقدمة وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم وهذا هو الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته ت ما ذكره رحمه الله هو عقيدة أهل السنة وها أنا انقل من كلام الأئمة إن شاء الله ما يتبين به كلامه ويزيده وضوحا قال ابن رشد قوله صلى الله عليه و سلم اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لا يفهم منه إن لله عز و جل كلمات غير تامات لأن كلماته هي قوله وكلامه هو صفة من صفات ذاته يستحيل عليها النقص وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته عز و جل غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوق وهذا هو قول أهل السنة والحق أن كلام الله عز و جل صفة من صفات ذاته قديم غير مخلوق لأن الكلام هو المعنى القائم في النفس والنطق به عبارة عنه قال الله عز و جل ويقولون في أنفسهم فأخبر أن القول معنى يقوم في النفس وتقول في نفسي كلام أريد أن أعلمك به فحقيقة كلام الرجل هو المفهوم من كلامه وأما الذي تسمعه منه فهو عبارة عنه وكذلك كلام الله عز و جل القديم الذي هو صفة من صفات ذاته هو المفهوم من قراءة القارىء لا نفس قراءته التي تسمعها لأن نفس قراءته التي تسمعها محدثة لم تكن حتى قرأ بها فكانت وهذا كله بين إلا لمن أعمى الله بصيرته انتهى بلفظه من البيان وقال الغزالي بعد كلام له نحو ما تقدم لابن رشد وكما عقل قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده وعقل وخلق الله سبحانه له علما بما في قلب أبيه من الطلب صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز و جل فاخلع نعليك بذات الله تعالى ومصير موسى عليه السلام سامعا لذلك الكلام مخاطبا به بعد وجوده اذ خلقت له معرفة بذلك الطلب ومعرفة بذلك الكلام القديم انتهى بلفظه من الأحياء وقوله للملائكة عموم فيهم والسجود في كلام العرب الخضوع والتذلل وغايته وضع الوجه بالأرض والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود وقوله تعالى فقعوا له ساجدين لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع واختلف في حال السجود لآدم فقال ابن عباس تعبدهم الله بالسجود لآدم والعبادة في ذلك لله وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس أيضا كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف عليه السلام له لا سجود عبادة وقال الشعبي إنما كان آدم كالقبلة ومعنى لآدم إلى آدم ع وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام وقوله تعالى إلا إبليس نصب على الاستثناء المتصل لآنه من الملائكة على قول الجمهور وهو ظاهر الآية وكان خازنا وملكا على سماء الدنيا والأرض واسمه عزازيل قاله ابن عباس وقال ابن زيد والحسن هو أبو الجن كما آدم أبو البشر ولم يك قط ملكا وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا قال واسمه الحارث وقال شهر بن حوشب كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب معها وحكاه الطبري عن ابن مسعود والاستثناء على هذه الأقوال منقطع واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال في صفة الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ورجح الطبري قول من قال إن إبليس كان من الملائكة وقال ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة وقوله تعالى كان من الجن ففسق عن أمر ربه يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا أو على أن الملائكة قد تسمى جنا لاستتارها قال الله تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقال الأعشى في ذكر سليمان عليه السلام وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر أو على أن يكون نسبه إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصرى قال عياض ومما يذكرونه قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيسا فيهم ومن خزان الجنة إلى ما حكوه وهذا لم يتفق عليه بل الأكثر ينفون ذلك وأنه أبو الجن انتهى من الشفا وإبليس لا ينصرف لأنه اسم أعجمي قال الزجاج ووزنه فعليل وقال ابن عباس وغيره هو مشتق من إبليس إذا أبعد عن الخير ووزنه على هذا افعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه وقلته ومنه قوله تعالى فإذا هم مبلسون أي يائسون من الخير مبعدون منه فيما يرون وأبى معناه امتنع من فعل ما أمر به واستكبر دخل في الكبرياء والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه والاستكبار وألانفة مقدمة في معتقده وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح حسد إبليس آدم وتكبر وشح آدم في أكله من شجرة قد نهي عن قربها ت إطلاق الشح على آدم فيه ما لا يخفى عليك والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحط من رتبتهم وقد قال الله تعالى في حق آدم ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وقوله تعالى وكان من الكافرين قالت فرقة معناه وصار من الكافرين ورده ابن فورك وقال جمهور المتأولين معنى وكان من الكافرين أي في علم الله تعالى وقال أبو العالية معناه من العاصين وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع اشباهه من بني آدم وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه و سلم مع علمهم بنبوءته ومع تقدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم ت ولفظ الطبري وفي هذا تقريع لليهود إذ أبوا من الإسلام مع علمهم بنبوءة رسول الله صلى الله عليه و سلم من التوراة والكتب حسدا له ولبني إسماعيل كما امتنع إبليس من السجود حسدا لآدم وتكبرا عن الحق وقبوله فاليهود نظراء إبليس في كفرهم وكبرهم وحسدهم وتركهم الانقياد لأمر الله تعالى انتهى من مختصر الطبري لأبي عبد الله اللخمي النحوي واختلف هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ولا خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره ولا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد إخراجه قال لآدم اسكن قوله تعالى وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة أسكن معناه لازم الإقامة ولفظه لفظ الأمر ومعناه الأذن واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى ت والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة وكلا منها أي من الجنة والرغد العيش الدار الهني وحيث مبنية على الضم وقوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة معناه لا تقرباها بأكل والهاء في هذه بدل من الياء وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرة معينة واحدة واختلف في هذه الشجرة ما هي فقال ابن عباس وابن مسعود هي الكرم وقيل هي شجرة التين وقيل السنبلة وقيل غير ذلك وقوله فتكونا من الظالمين الظالم في اللغة الذي يضع الشيء في غير موضعه والظلم في أحكام الشرع على مراتب أعلاها الشرك ثم ظلم المعاصي وهي مراتب وأزلهما مأخوذ من الزلل وهي في الآية مجاز لأنه في الرأي والنظر وإنما حقيقة الزلل في القدم وقرأ حمزة فأزالهما مأخوذ من الزوال ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم عليه السلام واختلف في الكيفية فقال ابن عباس وابن مسعود وجمهور العلماء أغواهما مشافهة بدليل قوله تعالى وقاسمهما والمقاسمة ظاهرها المشافهة وقال طائفة أن إبليس لم يدخل الجنة بعد أن اخرج منها وإنما أغوى آدم بشيطانه وسلطانه ووساوسه التي أعطاه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه و سلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ت وإلى هذا القول نحا المازري في بعض أجوبته ومن ابتلى بشيء من وسوسة هذا اللعين فأعظم الأدوية له الثقة بالله والتعوذ به والإعراض عن هذا اللعين وعدم الالتفات إليه ما أمكن قال ابن عطاء الله في لطائف المنن كان بي وسواس في الوضوء فقال لي الشيخ أبو العباس المرسي إن كنت لا تترك هذه الوسوسة لا تعد تأتنا فشق ذلك علي وقطع الله الوسواس عني وكان الشيخ أبو العباس يلقن للوسواس سبحان الملك الخلاق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز انتهى قال عياض في الشفا وأما قصة آدم عليه السلام وقوله تعالى فاكلا منها بعد قوله ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين وقوله تعالى ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله وعصى آدم ربه فغوى أي جهل وقيل أخطأ فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما قال ابن عباس نسي عداوة إبليس وما عهد الله إليه من ذلك بقوله إن هذا عدو لك ولزوجك الآية وقيل نسي ذلك بما أظهر لهما وقال ابن عباس إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي وقيل لم يقصد المخالفة استحلالا لها ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما إنى لكما لمن الناصحين وتوهما أن احدا لا يحلف بالله حانثا وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار وقال ابن جبير حلف بالله لهما حتى غرهما والمؤمن يخدع وقد قيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال تعالى ولم نجد له عزما أي قصدا للمخالفة واكثر المفسرين على أن العزم هنا الحزم والصبر وقال ابن فورك وغيره أنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة ودليل ذلك قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فذكر ان الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان وقيل بل اكلها وهو متأول وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لانه تأول نهي الله تعالى عن شجرة مخصوصة لا على الجنس ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأول أن الله تعالى لم ينهه عنها نهي تحريم انتهى بلفظه فجزاه الله خيرا ولقد جعل الله في شفاه شفاء والضمير في عنها يعود على الجنة وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره فأكلا من الشجرة وقوله تعالى فأخرجهما مما كانا فيه قيل معناه من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا وقيل من رفعة المنزلة الى سفل مكانة الذنب ت وفي هذا القول ما فيه بل الصواب ما أشار إليه صاحب التنوير بأن إخراج آدم لم يكن اهانة له بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفة هو واخيار ذريته قائمين فيها بما يجب لله من عبادته والهبوط النزول من علو الى سفل واختلف من المخاطب بالهبوط فقال السدي وغيره آدم وحواء وإبليس والحية التي ادخلت إبليس في فمها وقال الحسن آدم وحواء والوسوسة وبعضكم لبعض عدو جملة في موضع الحال ولكم في الأرض مستقر أي موضع استقرار وقيل المراد الاستقرار في القبور والمتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحديث وانس وغير ذلك واختلف في الحين هنا فقالت فرقة إلى الموت وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا وقالت فرقة إلى حين إلى يوم القيامة وهذا هو قول من يقول المستقر هو في القبور والحين المدة الطويلة من الدهر أقصرها في الإيمان والالتزامات سنة قال الله تعالى تؤتى اكلها كل حين وقيل اقصرها ستة اشهر لأن من النخل ما يطعم في كل ستة اشهر وفي قوله تعالى الى حين فائدة لآدم عليه السلام ليعلم انه غير باق فيها ومنتقل الى الجنة التي وعد بالرجوع اليها وهي لغير آدم دالة على المعاد وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سرنديب وأن حواء نزلت بجدة وان الحية نزلت باصبهان وقيل بميسان وأن إبليس نزل عند الابلة قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات المعنى فقال الكلمات فتاب الله عليه عند ذلك وقرأ ابن كثير آدم بالنصب من ربه كلمات بالرفع واختلف المتأولون في الكلمات فقال الحسن بن ابي الحسن هي قوله تعالى ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقالت طائفة أن آدم رأى مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع به فهي الكلمات وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال يقول ما قاله ابواه ربنا ظلمنا انفسنا وما قاله موسى رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي وما قال يونس لا اله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين وتاب عليه معناه راجع به والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف ت يعني مع العزم على تركه فيما يستقبل وإنما خص الله تعالى آدم بالذكر في التلقي والتوبة وحواء مشاركة له في ذلك باجماع لأنه المخاطب في أول القصة فكملت القصة بذكره وحذه وايضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله تعالى الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله وعصى آدم ربه وبنية التواب للمبالغة والتكثير وفي قوله تعالى هو التواب تأكيد فائدته أن التوبة على العبد انما هي نعمة من الله تعالى لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه وكرر الأمر بالهبوط لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني اتيان الهدى ت وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تكرمة لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات وفنون العبادات وجميعا حال من الضمير في اهبطوا واختلف في المقصود بهذا الخطاب فقيل آدم وحواء وإبليس وذريتهم وقيل ظاهره العموم ومعناه الخصوص في آدم وحواء لان إبليس لا ياتيه هدى والاول اصح لان إبليس مخاطب بالإيمان باجماع وان في قوله فأما هي للشرط دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة واختلف في معنى قوله هدى فقيل بيان وإرشاد والصواب أن يقال بيان ودعاء وقالت فرقة الهدى الرسل وهي إلى آدم من الملائكة والى بنيه من البشر هو فمن بعده وقوله تعالى فمن تبع هداي شرط جوابه فلا خوف عليهم قال سيبويه والتشرط الثاني وجوابه هما جواب في قوله فإما يأتينكم وقوله تعالى فلا خوف عليهم يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا ولا هم يحزنون على ما فاتهم منها ويحتمل لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون فيه ت وهذا هو الظاهر وعليه اقتصر في اختصار الطبري ولفظه عن ابن زيد فلا خوف عليهم أي لا خوف عليهم امامهم قال وليس شيء اعظم في صدر من يموت مما بعد الموت فامنهم سبحانه منه وسلاهم عن الدنيا انتهى وقوله تعالى والذين كفروا الآية لما كانت لفظة الكفر يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصى ولا يجب بهذا خلود بين سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك بقوله وكذبوا بآياتنا والآيات هنا يحتمل أن يريد بها المتلوة ويحتمل أن يريد العلامات المنصوبة والصحبة الا قتران بالشيء في حالة ما زمنا قوله تعالى يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليهم السلام وإسرا هو بالعبرانية عبد وإيل اسم الله تعالى فمعناه عبد الله والذكر في كلام العرب على انحاء وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان والنعمة هنا أسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال ابن عباس وجمهور العلماء الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى واوفوا بعهدى اوف بعهدكم أمر وجوابه وهذا العهد في قول جمهور العلماء عام في جميع أوامره سبحانه ونواهيه ووصاياه لهم فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه و سلم الذي في التوراة والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد واسند الترمذى الحكيم في نوادر الاصول له عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال قال ربكم سبحانه لا اجمع على عبدي خوفين ولا اجمع له امنين فمن خافنى في الدنيا امنته في الآخرة ومن امننى في الدنيا اخفته في الآخرة انتهى من التذكرة للقرطبي ورواه ابن المبارك في رقائقه من طريق الحسن البصري وفيه قال الله وعزتي لا اجمع على عبدى خوفين ولا اجمع له أمنين فإذا امننى في الدنيا اخفته يوم القيامة وإذا خافنى في الدنيا امنته يوم القيامة انتهى ورواه أيضا الترمذي الحكيم في كتاب ختم الأولياء قال صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية بقدر ما يدخل القلب من التعظيم والحرمة تنبعث الجوارح في الطاعة والخدمة انتهى وءامنوا معناه صدقوا ومصدقا نصب على الحال من الضمير في أنزلت وما أنزلت كناية عن القرآن ولما معكم يعنى التوراة وقوله ولا تكونوا أول كافر به هذا من مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد وحذروا البدار الى الكفر به إذا على الأول كفل من فعل المقتدى به ونصب اول على خبر كان ع وقد كان كفر قبلهم كفار قريش وانما معناه من اهل الكتاب إذ هم منظور إليهم في مثل هذا واختلف في الضمير في به فقيل يعود على محمد صلى الله عليه و سلم وقيل على القرآن وقيل على التوراة واختلف في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات فقالت طائفة أن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك وفي كتبهم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة وقيل كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم وقال قوم أن الأحبار أخذوا رشى على تغيير صفة محمد صلى الله عليه و سلم في التوراة فنهوا عن ذلك وقال قوم معنى الآية ولا تشتروا بأوامرى ونواهي وآياتي ثمنا قليلا يعنى الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له وقد تقدم نظير قوله وإياي فاتقون وبين اتقون وارهبون فرق أن الرهبة مقرون بها وعيد بالغ وقوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل أي لا تخلطوا قال أبو العالية قالت اليهود محمد نبي مبعوث لكن إلى غيرنا فإقرارهم ببعثه حق وقولهم إلى غيرنا باطل وتكتموا الحق أي أمر محمد صلى الله عليه و سلم وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه مع العلم به وأنه أعصى من الجهل وأنتم تعلمون جملة في موضع الحال قال ص وتكتموا مجزوم معطوف على تلبسوا والمعنى النهي عن كل من الفعلين انتهى وأقيموا الصلاة معناه اظهروا هيئتها وأديموها بشروطها والزكوة في هذه الآية هي المفروضة وهي مأخوذة من النماء وقيل من التطهير وقوله تعالى واركعوا مع الراكعين قيل إنما خص الركوع بالذكر لان بنى إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع ت وفي هذا القول نظر وقد قال تعالى في مريم اسجدي واركعي وقالت فرقة إنما قال مع لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة فأمرهم بقوله مع شهود الجماعة ت وهذا القول هو الذي عول عليه ع في قصة مريم عليها السلام والركوع الانحناء بالشخص وقوله تعالى أتامرون خرج مخرج الاستفهام ومعناه التوبيخ والبر يجمع وجوه الخير والطاعات وتنسون معناه تتركون أنفسكم قال ابن عباس كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع التوراة وكانوا هم يخالفونها في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه و سلم وقالت فرقة كان الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد صلى الله عليه و سلم دلوه على ذلك وهم لا يفعلونه ت وخرج الحافظ أبو نعيم أحمد ابن عبد الله الأصبهاني في كتاب رياضة المتعلمين قال حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا أبو النضر حدثنا محمد بن عبد الله بن على ابن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت ليلة اسري بي رجالا تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون انتهى واستعينوا بالصبر والصلاة قال مقاتل معناه على طلب الآخرة وقيل استعينوا بالصبر على الطاعات وعن الشهوات على نيل رضوان الله سبحانه وبالصلاة على نيل رضوان الله وحط الذنوب وعلى مصائب الدهر أيضا ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع وتنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ واستعينوا بالصبر والصلاة وقال مجاهد الصبر في هذه الآية الصوم ومنه قيل لرمضان شهر الصبر وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ويزهد في الدنيا والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة وقال قوم الصبر على بابه والصلاة الدعاء وتجيء الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله لأن الثبات هو الصبر وذكر الله هو الدعاء وروى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن صلة بن اشيم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلى صلاة لم يذكر فيها شيأ من أمر الدنيا لم يسأل الله شيأ إلا أعطاه أياه واسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجهني قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى صلاة غير ساه ولالاه كفر عنه ما كان قبلها من شيء انتهى وهذان الحديثان يبينان ما جاء في صحيح البخاري عن عثمان حيث توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من توضأ نحو وضوءى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه انتهى والضمير في قوله تعالى وأنها قيل يعود على الصلاة وقيل على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة قال ص وأنها الضمير للصلاة وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل انتهى ثم ذكر أبو حيان وجوها أخر نحو ما تقدم وكبيرة معناه ثقيلة شاقة والخاشعون المتواضعون المخبتون والخشوع هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع ويظنون في هذه الآية قال الجمهور معناه يوقنون والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه وقد يقع موقع اليقين لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في رجل مرءي أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس كهذه الآية وكقوله تعالى فطنوا أنهم مواقعوها قال ص قلت وما ذكره ابن عطية هو معنى ما ذكره الزجاج في معانيه عن بعض أهل العلم أن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده وإن كان قد قامت في نفسك حقيقته قال وهذا مذهب إلا أن أهل اللغة لم يذكروه قال وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي رواه عن زيد بن أسلم انتهى والملاقاة هي للثواب أو العقاب ويصح أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة وورد بها متواتر الحديث وراجعون قيل معناه بالموت وقيل بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض ويقوى هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون قوله تعالى يا بني إسرائيل الآية قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون للمؤمنين ويصح أن يكون للكافرين منهم وهذا المتكرر إنما هو للكافرين بدلالة ما بعده وأيضا فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على أيادي الله سبحانه وحسن خطابهم بقوله سبحانه فضلتكم على العالمين لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم وفي الكلام أتساع قال قتادة وغيره المعنى على عالم زمانهم الذي كانت فيه النبوءة المتكررة لأن الله تعالى يقول لأمة محمد صلى الله عليه و سلم كنتم خير أمة أخرجت للناس واتقوا يوما أي عذاب يوم أو هول يوم ويصح أن يكون يوما نصبه على الظرف ولا تجزى معناه لا تغنى وقال السدي معناه لا تقضي ويقويه قوله شيأ وفي الكلام حذف التقدير لا تجزى فيه وفي مختصر الطبري أي واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيأ ولا تغنى غناء وأحدنا اليوم قد يقضي عن قريبه دينا وأما في الآخرة فيسر المرء أن يترتب له على قريبه حق لأن القضاء هناك من الحسنات والسيآت كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم انتهى والشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان لان الشافع والمشفوع له شفع وسبب هذه الآية أن بنى إسرائيل قالوا نحن أبناء أنبياء الله وسيشفع لنا ءاباؤنا وهذا إنما هو في حق الكافرين للإجماع وتواتر الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين وقوله تعالى ولا يؤخذ منها عدل قال أبو العالية العدل الفدية قال ع عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه والعدل بكسر العين هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه والضمير في قوله ولا هم عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآية ويحتمل أن يعود على النفسين المتقدم ذكرهما لأن اثنين جمع أو لأن النفس للجنس وهو جمع وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في شدة مع ءادمي لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى ت أو يمن عليه إلا أن الكافر ليس هو بأهل لأن يمن عليه وقوله تعالى وإذ نجيناكم من ءال فرعون أي خلصناكم وءال أضله أهل قلبت الهاء الفا ولذلك ردها التصغير إلى الأصل فقيل أهيل وءال الرجل قرابته وشيعته وأتباعه وفرعون اسم لكل من ملك من العمالقة بمصر وفرعون موسى قيل اسمه مصعب بن الريان وقال ابن إسحاق اسمه الوليد بن مصعب وروي أنه كان من أهل اصطخر ورد مصر فاتفق له فيها الملك وكان أصل كون بنى إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمن ابنه يوسف عليهما السلام ويسومونكم معناه يأخذونكم به ويلزمونكم إياه والجملة في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم سوء العذاب وسوء العذاب أشده وأصعبه وكان فرعون على ما روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيخرب ملك فرعون على يديه وقال ابن إسحاق وابن عباس وغيرهما إن الكهنة والمنجمين قالوا لفرعون قد أظلك زمان مولود من بني إسرائيل يخرب ملكك ويذبحون بدل من يسومون وفي ذلك إشارة إلى جملة الأمر وبلاء معناه امتحان واختبار ويكون البلاء في الخير والشر وحكى الطبري وغيره في كيفية نجاتهم أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط واحل الله ذلك لبني إسرائيل ويروى انهم فعلوا ذلك دون رأي موسى عليه السلام وهو الاشبه به فسرى بهم موسى من أول الليل فأعلم بهم فرعون فقال لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك حتى أصبح وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فأشتغلوا بالدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين وذهب موسى عليه السلام إلى ناحية البحر حتى بلغه وكانت عدة بنى إسرائيل نيفا على ستمائة الف وكانت عدة فرعون الف الف ومائتي الف وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته فلما لحق فرعون موسى ظن بنو إسرائيل أنهم غير ناجين فقال يوشع بن نون لموسى أين أمرت فقال هكذا وأشار إلى البحر فركض يوشع فرسه حتى بلغ الغمر ثم رجع فقال لموسى أين أمرت فوالله ما كذبت ولا كذبت فأشار إلى البحر وأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر وأوحى الله إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر وكناه أبا خالد فانفلق وكان ذلك في يوم عاشوراء وقوله تعالى وإذ فرقنا بكم البحر الآية فرقنا معناه جعلناه فرقا ومعنى بكم أي بسببكم والبحر هو بحر القلزم ولم يفرق البحر عرضا من ضفة إلى ضفة وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة وكان ذلك الفرق يقرب موضع النجاة ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال واوغار حائلة وقيل انفرق البحر عرضا على اثني عشر طريقا طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا فقال موسى عليه السلام اللهم أعنى على أخلاقهم السيئة فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضا وجازوا وجبريل في ساقتهم على ما ذيانة يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون مهلا حتى يلحق ءاخركم أولكم فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة فاتبعها الفرس ودخل ءال فرعون وميكائل يحثهم فلما لم يبق إلا ميكائل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا وتنظرون قيل معناه بأبصاركم لقرب بعضهم من بعض وقيل ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شغل قال الطبري وفي أخبار القرآن على لسان النبي صلى الله عليه و سلم بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في خفي علم بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل وقائم عليهم بنبوءة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وموسى اسم أعجمي قال ابن إسحاق هو موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه و سلم وخص الليالي بالذكر في قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة إذ الليلة أقدم من اليوم وقبله في الرتبة ولذلك وقع بها التاريخ قال النقاش وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلة بأيامها قال ع حدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل بن الجوهري رحمه الله يعظ الناس بهذا المعنى في الخلوة بالله سبحانه والدنو منه في الصلاة ونحوه وإن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم ءاتنا غداءنا ت وأيضا في الأثر أن موسى لم يصبه أو لم يشك ما شكاه من النصب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخضر عليهما السلام قال ع وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد وقوله تعالى ثم اتخذتم العجل أي إلاها والضمير في بعده يعود على موسى وقيل على انطلاقه للتكليم إذ المواعدة تقتضيه وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر قال لهم أن الله تعالى سينجيكم من ءال فرعون وينفلكم عليهم ويروى أن استعارتهم للحلي كانت بغير إذن موسى عليه السلام وهو الاشبه به ويؤيده ما في سورة طه في قولهم لموسى ولكنا حملنا أو زارا فظاهره أنهم أخبروه بما لم يتقدم له به شعور ثم قال لهم موسى أنه سينزل الله علي كتابا فيه التحليل والتحريم والهدى لكم فلما جاوزا البحر طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب فخرج لميعاد ربه وحده وقد أعلمهم بالأربعين ليلة فعدوا عشرين يوما بعشرين ليلة وقالوا هذه أربعون من الدهر وقد أخلفنا الموعد وبدأ تعنتهم وخلافهم وكان السامري رجلا من بني إسرائيل يسمى موسى بن ظفر ويقال أنه ابن خال موسى وقيل لم يكن من بني إسرائيل بل كان غريبا فيهم والأول أصح وكان قد عرف جبريل عليه السلام وقت عبورهم قالت طائفة أنكر هيئته فعرف أنه ملك وقالت طائفة كانت أم السامري ولدته عام الذبح فجعلته في غار وأطبقت عليه فكان جبريل عليه السلام يغذوه بإصبع نفسه فيجد في إصبع لبنا وفي إصبع عسلا وفي إصبع سمنا فلما رءاه وقت جواز البحر عرفه فأخذ من تحت حافر فرسه قبضة تراب والقى في روعه أنه لن يلقيها على شيء ويقول له كن كذا إلا كان فلما خرج موسى لميعاده قال هارون لبني إسرائيل أن ذلك الحلي والمتاع الذي استعرتم من القبط لا يحل لكم فجيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادة أن تنزل على القرابين وقيل بل أوقد لهم نارا وأمرهم بطرح جميع ذلك فيها فجعلوا يطرحون وقيل بل أمرهم أن يضعوه في حفرة دون نار حتى يجيء موسى وروي وهو الأصح الأكثر أنه القى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وجاء السامري فطرح القبضة وقال كن عجلا وقيل أن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر وكان يعجبه ذلك وقيل بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر ت والذي في القرآن يعكفون على أصنام لهم قيل كانت على صور البقر فقالوا يا موسى أجعل لنا إلاها كمالهم ءالهة فوعاها السامري وعلم أن من تلك الجهة يفتنون ففتنت بنو إسرائيل بالعجل وظلت منهم طائفة يعبدونه فاعتزلهم هارون بمن تبعه فجاء موسى من ميعاده فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه إن شاء الله تعالى ثم أوحى الله إليه أنه لن يتوب على بني إسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم ففعلت بنو إسرائيل ذلك فروي أنهم لبسوا السلاح من عبد منهم ومن لم يعبد وألقى الله عليهم الظلام فقتل بعضهم بعضا يقتل الأب أبنه والأخ أخاه فلما أستحر فيهم القتل وبلغ سبعين الفا عفا الله عنهم وجعل من مات شهيدا وتاب على البقية فذلك قوله سبحانه ثم عفونا عنكم وقال بعض المفسرين وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم وقالت طائفة جلس الذين عبدوا بالأفنية وخرج يوشع بن نون ينادي ملعون من حل حبوته وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم وموسى صلى الله عليه و سلم في خلال ذلك يدعو لقومه ويرغب في العفو عنهم وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبد العجل وأنتم ظالمون ابتداء وخبر في موضع الحال والعفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأول من الذنب أو غيره ت ومنه الحديث فجعلت أم إسماعيل تعفي أثرها قال ع ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب والكتاب هنا هو التوراة بإجماع واختلف في الفرقان هنا فقال الزجاج وغيره هو التوراة أيضا كرر المعنى لاختلاف اللفظ وقال ءاخرون الكتاب التوراة والفرقان سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام لأنها فرقت بين الحق والباطل واختلف هل بقي العجل من ذهب فقال ذلك الجمهور وقال الحسن بن أبي الحسن صار لحما ودما والأول أصح ت وقوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم عن أبي العالية إلى خالقكم من برأ الله الخلق أي خلقهم فالبريئة فعيلة بمعنى مفعولة انتهى من مختصر أبي عبد الله اللخمي النحوي للطبري وقوله تعالى وإذ قلتم يا موسى يريد السبعين الذين أختارهم موسى واختلف في وقت اختيارهم فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل فاختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد والأول أصح وقصة السبعين أن موسى عليه السلام لما رجع من تكليم الله تعالى ووجد العجل قد عبد قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل نحن لم نكفر ونحن أصحابك ولكن اسمعنا كلام ربك فأوحى الله إليه أن اختر منهم سبعين فلم يجد إلا ستين فأوحى إليه أن اختر من الشباب عشرة ففعل فأصبحوا شيوخا وكان قد اختار ستة من كل سبط فزادوا أثنين على السبعين فتشاحوا فيمن يتأخر فأوحى إليه أن من تأخر له أجر من مضى فتأخر يوشع بن نون وكالوث بن يوفنا وذهب موسى عليه السلام بالسبعين بعد أن أمرهم أن يتجنبوا النساء ثلاثا ويغتسلوا في اليوم الثالث واستخلف هارون على قومه ومضى حتى أتى الجبل فألقى عليهم الغمام قال النقاش غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور فوقعوا سجودا قال السدي وغيره وسمعوا كلام الله يأمر وينهي فلم يطيقوا سماعه واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم ففعل فلما فرغوا وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام الله فذلك قوله تعالى وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله تعالى بذلك فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يطلبوا من الرؤية محالا أما أنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به الغير وقال قتادة ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء ءاجالهم فحين حصلوا في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول أي رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبدا وقد خرجوا وهم الأخيار قال ع يعني هم بحال الخير وقت الخروج وقال قوم بل ظن موسى أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل فذلك قوله أتهلكنا يعني السبعين بما فعل السفهاء منا يعني عبدة العجل وقال ابن فورك يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى أرنا وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام قال ع ومن قال أن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى واختصاصه بالتكليم وجهرة مصدر في موضع الحال والجهر العلانية ومنه الجهر ضد السر وجهر الرجل الأمر كشفه وفي مختصر الطبري عن ابن عباس جهرة قال علانية وعن الربيع جهرة عيانا انتهى وقوله تعالى ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون اجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود أو الموت ليستوفوا ءاجالهم وتاب عليهم والبعث هنا الإثارة ولعلكم تشكرون أي على هذه النعمة والترجي إنما هو في حق البشر وذكر المفسرون في تظليل الغمام أن بني إسرائيل لما كان من أمرهم ما كان من القتل وبقي منهم من بقي حصلوا في فحص التيه بين مصر والشام فأمروا بقتال الجبارين فعصوا وقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا فدعا موسى عليهم فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس فندم موسى على دعائه عليهم فقيل له لا تأس على القوم الفاسقين وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه ونشأ بنوهم على خير طاعة فهم الذين خرجوا من فحص التيه وقاتلوا الجبارين وإذ كان جميعهم في التيه قالوا لموسى من لنا بالطعام قال الله فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا من لنا من حر الشمس فظلل عليهم الغمام قالوا بم نستصبح بالليل فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم وذكر مكي عمود نار قالوا من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر قالوا من لنا باللباس فأعطوا أن لا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن وإن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان والمن صمغة حلوة هذا قول فرقة وقيل هو عسل وقيل شراب حلو وقيل الذي ينزل اليوم على الشجر وروي ان المن كان ينزل عليهم من طلوع الفجر الى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ منه الرجل ما يكفيه ليومه فإن ادخر فسد عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم لان يوم السبت يوم عبادة والسلوى طير بإجماع المفسرين فقيل هو السمانا وقيل طائر مثل السمانا وقيل طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب ص قال ابن عطية وغلط الهذلي في إطلاقه السلوى على العسل حيث قال ... وقاسمها بالله عهدا لأنتم ... الذ من السلوى إذا ما نشورها ... ت قد نقل صاحب المختصر أنه يطلق على العسل لغة فلا وجه لتغليطه لأن إجماع المفسرين لا يمنع من إطلاقه لغة بمعنى آخر في غير الآية انتهى وقوله تعالى كلوا الآية معناه وقلنا كلوا فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه والطيبات هنا جمعت الحلال واللذيذ ص وقوله وما ظلمونا قدر ابن عطية قبل هذه الجملة محذوفا أي فعصوا وما ظلمونا وقدر غيره فظلموا وما ظلمونا ولا حاجة إلى ذلك لأن ما تقدم عنهم من القبائح يغنى عنه انتهى ت وقول أبي حيان لا حاجة إلى هذا التقدير إلى آخره يرد بأن المحذوفات في الكلام الفصيح هذا شانها لا بد من دليل في اللفظ يدل عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوح والخفاء فأما حذف ما لا دليل عليه فإنه لا يجوز وقوله تعالى وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون وإذ استسقى موسى لقومه القرية المدينة سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته والإشارة بهذه إلى بيت المقدس في قول الجمهور وقيل إلى اريحاء وهي قريب من بيت المقدس قال عمر بن صة كانت قاعدة ومسكن ملوك ولما خرج ذرية بني إسرائيل من التيه أمروا بدخول القرية المشار إليها وأما الشيوخ فماتوا فيه وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التيه وحكى الزجاج عن بعضهم أنهما لم يكونا في التيه لأنه عذاب والأول أكثر ت لكن ظاهر قوله فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين يقوى ما حكاه الزجاج وهكذا قال الإمام الفخر انتهى وكلوا إباحة وتقدم معنى الرغد وهي أرض مباركة عظيمة الغلة فلذلك قال رغد والباب قال مجاهد هو باب في مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطة وسجدا قال ابن عباس معناه ركوعا وقيل متواضعين خضوعا والسجود يعم هذا كله وحطة فعلة من حط يحط ورفعه على خبر ابتداء كأنهم قالوا سؤالنا حطة لذنوبنا قال عكرمة وغيره أمروا أن يقولوا لا اله إلا الله لتحط بها ذنوبهم وقال ابن عباس قيل لهم استغفروا وقولوا ما يحط ذنوبكم ت وقال أحمد بن نصر الداودي في تفسيره وروى أن النبي صلى الله عليه و سلم سار مع أصحابه في سفر فقال قولوا نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك فقال والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها انتهى وحكى عن ابن مسعود وغيره انهم امروا بالسجود وان يقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة ويروى غير هذا من الألفاظ وقوله تعالى سنزيد المحسنين عدة المعنى إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن وكان من بنى إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد بالمحسنين هنا وقوله تعالى فبدل الذين ظلموا الآية روي أنهم لما جاءوا الباب دخلوا من قبل ادبارهم القهقرى وفي الحديث أنهم دخلوا يزحفون على استاههم وبدلوا فقالوا حبة في شعرة وقيل قالوا حنطة حبة حمراء في شعرة وقيل شعيرة وحكى الطبري أنهم قالوا هطى شمقاثا أزبه وتفسيره ما تقدم وفي اختصار الطبري وعن مجاهد قال أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا حطة وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم وقالوا حنطة وذكر عز و جل فعل سلفهم تنبيها أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه و سلم جار على طريق سلفهم في خلافهم على أنبيائهم واستخفافهم بهم واستهزائهم بأمر ربهم انتهى والرجز العذاب قال ابن زيد وغيره فبعث الله على الذين بدلوا الطاعون فأذهب منهم سبعين آلفا وقال ابن عباس أمات الله منهم في ساعة واحدة نيفا على عشرين آلفا واستسقى معناه طلب السقيا وعرف استفعل طلب الشيء وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى واستغنى الله وكان هذا الاستسقاء في فحص التيه فأمره الله تعالى بضرب الحجر آية منه وكان الحجر من جبل الطور على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وضربه موسى وذكر إنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى وهذا أعظم في الآية ولا خلاف أنه كان حجرا مربعا منفصلا تطرد من كل جهة منه ثلاث عيون إذا ضربه موسى وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون وفي الكلام حذف تقديره فضربه فانفجرت والانفجار انصداع شيء عن شيء ومنه الفجر والانبجاس في الماء أقل من الانفجار وأناس اسم جمع لا واحد له من لفظه ومعناه هنا كل سبط لان الاسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام وقوله سبحانه كلوا واشربوا من رزق الله الآية ت روينا من طريق أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها رواه مسلم والترمذي والنساءي انتهى والمشرب موضع الشرب وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها ولا تعثوا معناه ولا تفرطوا في الفساد ص مفسدين حال مؤكدة لان لا تعثوا معناه لا تفسدوا انتهى وقوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد الآية كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى وتذكروا عيشهم الأول بمصر قال ابن عباس واكثر المفسرين الفوم الحنطة وقال قتادة وعطاء الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز وقال الضحاك الفوم الثوم وهو قراءة عبد الله بن مسعود وروى ذلك عن ابن عباس والثاء تبدل من الفاء كما قالوا مغاثير ومغافير ت قال أحمد بن نصر الداودي وهذا القول أشبه لما ذكر معه أي من العدس والبصل انتهى وادنى قال علي بن سليمان الأخفش مأخوذ من الدنيء البين الدناءة بمعنى إلا خس إلا أنه خففت همزته وقال غيره هو مأخوذ من الدون أي الأحط فأصله أدون ومعنى الآية أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل التي هي ادني بالمن والسلوى الذي هو خير وجمهور الناس يقرءون مصرا بالتنوين قال مجاهد وغيره أراد مصرا من الأمصار غير معين واستدلوا بما اقتضاه القرءان من أمرهم بدخول القرية وبما تظاهرت به الروايات أنهم سكنوا الشام بعد التيه وقالت طائفة أراد مصر فرعون بعينها واستدلوا بما في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم قال في مختصر الطبري وعلى أن المراد مصر التي خرجوا منها فالمعنى أن الذي تطلبون كان في البلد الذي كان فيه عذابكم واستعبادكم وأسركم ثم قال والأظهر أنهم مذ خرجوا من مصر لم يرجعوا إليها والله أعلم انتهى وقوله تعالى فإن لكم ما سألتم يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة معناه الزموها كما قالت العرب ضربة لازب وباءوا بغضب معناه مروا متحملين له قال الطبري باءوا به أي رجعوا به واحتملوه ولا بد أن يوصل باء بخير أو بشر انتهى وقوله تعالى ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق الإشارة بذلك إلى ضرب الذلة وما بعده وقوله تعالى بغير الحق تعظيم للشنعة والذنب ولم يجرم نبيء قط ما يوجب قتله وإنما التسليط عليهم بالقتل كرامة لهم وزيادة لهم في منازلهم صلى الله عليهم كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين والباء في بما باء السبب ويعتدون معناه يتجاوزون الحدود والاعتداء هو تجاوز الحد وقوله تعالى أن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين الآية اختلف في المراد بالذين ءامنوا في هذه الآية فقالت فرقة الذين ءامنوا هم المؤمنون حقا بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله من آمن بالله يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه وقال السدي هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه و سلم والذين هادوا ومن عطف عليهم كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه و سلم والذين هادوا هم اليهود وسموا بذلك لقولهم هدنا إليك أي تبنا والنصارى لفظة مشتقة من النصر قال ص والصابين قرأ الأكثر بالهمز من صبأ النجم والسن إذا خرج أي خرجوا من دين مشهور إلى غيره وقرأ نافع بغير همز فيحتمل أن يكون من المهموز المسهل فيكون بمعنى الأول ويحتمل أن يكون من صبا غير مهموز أي مال ومنه ... إلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يصبى ... انتهى قال ع والصابى في اللغة من خرج من دين إلى دين وأما المشار إليهم في قوله تعالى والصابين فقال السدي هم فرقة من أهل الكتاب وقال مجاهد هم قوم لا دين لهم وقال ابن جريج هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية وقال ابن زيد هم قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب كانوا بجزيرة الموصل وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون الخمس إلى القبلة ويقرءون الزبور رءاهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة وقوله تعالى ورفعنا فوقكم الطور الآية الطور اسم الجبل الذي نوجي موسى عليه السلام عليه قاله ابن عباس وقال مجاهد وغيره الطور اسم لكل جبل وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله تعالى بالألواح فيها التوراة قال لهم خذوها والتزموها فقالوا لا إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك فصعقوا ثم أحيوا فقال لهم خذوها فقالوا لا فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله وكذلك كان عسكرهم فجعل عليهم مثل الظلة واخرج الله تعالى البحر من ورائهم وأضرم نارا من بين أيديهم فأحاط بهم غضبه وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق ولا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل وأغرقكم البحر وأحرقتكم النار فسجدوا توبة لله سبحانه واخذوا التوراة بالميثاق قال الطبري عن بعض العلماء لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق وكانت سجدتهم على شق لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا فلما رحمهم الله سبحانه قالوا لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها فأمروا سجودهم على شق واحد قال ع والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم لا أنهم ءامنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة قال وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية وقصدت أصحه الذي تقتضيه الفاظ الآية وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين وبقوة قال ابن عباس معناه بجد واجتهاد وقال ابن زيد معناه بتصديق وتحقيق واذكروا ما فيه أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده ولا تنسوه ولا تضيعوه وقوله تعالى ثم توليتم الآية تولى أصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا وتوليهم من بعد ذلك إما بالمعاصي فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها وإما أن يكون توليهم بالكفر فلم يعاجلهم سبحانه بالهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن وقوله تعالى ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت الآية علمتم معناه عرفتم والسبت مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة وإما من السبت وهو القطع لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها وقصة اعتدائهم فيه أن الله عز و جل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة وعرفه فضله كما أمر به سائر الأنبياء صلوات الله عليهم فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل عن الله سبحانه وأمرهم بالتشرع فيه فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك وامتحنهم بأن أمرهم بترك العمل فيه وحرم عليهم صيد الحيتان وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية قاله الحسن بن أبي الحسن وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء وذلك إما بإلهام من الله تعالى أو بأمر لا يعلل وإما بأن الهمها معنى الأمنة التي في اليوم مع تكراره كما فهم حمام مكة الامنة وكان أمر بني إسرائيل بأيلة على البحر فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم تظهر إلى السبت الآخر فبقوا على ذلك زمانا حتى اشتهوا الحوت فعمد رجل يوم السبت فربط حوتا بخزمة وضرب له وتدا بالساحل فلما ذهب السبت جاء فأخذه فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيرا يخرج إليه البحر فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير فإذا جزر البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت فجاء بعد السبت فأخذه ففعل قوم مثل فعله وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية وباعوه في الأسواق فكان هذا من أعظم الاعتداء وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من العقوبة وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه فقيل نجت مع الناهين وقيل هلكت مع العاصين وكونوا لفظة أمر وهو أمر التكوين كقوله تعالى لكل شيء كن فيكون قال ابن الحاجب في مختصره الكبير المسمى بمنتهى الوصول صيغة افعل وما في معناها قد صح إطلاقها بإزاء خمسة عشر محملا الوجوب أقم الصلاة والندب فكاتبوهم والإرشاد وأشهدوا إذا تبايعتم والإباحة فاصطادوا والتأديب كل مما يليك والامتنان كلوا مما رزقكم الله والإكرام ادخلوها بسلام والتهديد اعملوا ما شئتم والإنذار تمتعوا والتسخير كونوا قردة والإهانة كونوا حجارة والتسوية فاصبروا أو لا تصبروا والدعاء اغفر لنا والتمني ألا انجلى وكمال القدرة كن فيكون انتهى وزاد غيره كونها للتعجيز اعني صيغة أفعل قال ابن الحاجب وقد اتفق على أنها مجاز فيما عدا الوجوب والندب والإباحة والتهديد ثم الجمهور على أنها حقيقة في الوجوب انتهى وخاسئين معناه مبعدين أذلاء صاغرين كما قال للكلب وللمطرود اخسأ وروي في قصصهم أن الله تعالى مسخ العاصين قردة في الليل فأصبح الناجون إلى مساجدهم ومجتمعاتهم فلم يروا أحدا من الهالكين فقالوا أن للناس لشانا ففتحوا عليهم الأبواب لما كانت مغلقة بالليل فوجدوهم قردة يعرفون الرجل والمرأة وقيل أن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية بجدار تبريا منهم فأصبحوا ولم تفتح مدينة الهالكين فتسوروا عليهم الجدار فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم وثبت أن المسوخ لا تنسل ولا تأكل ولا تشرب ولا تعيش أكثر من ثلاثة أيام ووقع في كتاب مسلم عنه صلى الله عليه و سلم أن أمة من الأمم فقدت وأراها الفار وظاهر هذا أن المسوخ تنسل فإن كان أراد هذا فهو ظن منه صلى الله عليه و سلم في أمر لا مدخل له في التبليغ ثم أوحي إليه بعد ذلك أن المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله صلى الله عليه و سلم على مياه بدر وأمره باطراح تذكير النخل وقد قال صلى الله عليه و سلم إذا أخبرتكم عن الله تعالى فهو كما أخبرتكم وإذا أخبرتكم برأي في أمور الدنيا فإنما أنا بشر مثلكم والضمير في جعلناها يحتمل عوده على المسخة والعقوبة ويحتمل على الأمة التي مسخت ويحتمل على القردة ويحتمل على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها والنكال الزجر بالعقاب ولما بين يديها قال السدي ما بين يدي المسخة ما قبلها من ذنوب القوم وما خلفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب وقال غيره ما بين يديها من حضرها من الناجين وما خلفها أي لمن يجيء بعدها وقال ابن عباس لما بين يديها وما خلفها من القرى وموعظة من الاتعاظ والازدجار وللمتقين معناه الذين نهوا ونجوا وقالت فرقة معناه لأمة محمد صلى الله عليه و سلم واللفظ يعم كل متق من كل أمة وقوله تعالى وإذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم الآية المراد تذكيرهم بنقض سلفهم للميثاق وسبب هذه القصة على ما روي أن رجلا من بني إسرائيل أسن وكان له مال فاستبطأ ابن أخيه موته وقيل أخوه وقيل ابنا عمه وقيل ورثة غير معينين فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه وقيل كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين فألقاه إلى باب إحدى القريتين وهي التي لم يقتل فيها ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلا فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها فأنكروا قتله فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح فقال أهل النهي منهم أنقتتل ورسول الله معنا فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة وسألوه البيان فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها فيحي ويخبر بقاتله فقال لهم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فكان جوابهم أن قالوا أتتخذنا هزوا وهذا القول منهم ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله ولا يصح إيمان من يقول لنبي قد ظهرت معجزته وقال إن الله يأمر بكذا أتتخذنا هزوا ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه و سلم لوجب تكفيره وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء وقول موسى عليه السلام أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين يحتمل معنيين أحدهما الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئا والآخر من الجهل كما جهلوا في قولهم وقوله تعالى قالوا ادع لنا ربك الآية هذا تعنيت منهم وقلة طواعية ولو امتثلوا الأمر فاستعرضوا بقرة فذبحوها لقضوا ما أمروا به ولكن شددوا فشدد الله عليهم قاله ابن عباس وغيره والفارض المسنة الهرمة والبكر من البقر التي لم تلد من الصغر ورفعت عوان على خبر ابتداء مضمر تقديره هي عوان والعوان التي قد ولدت مرة بعد مرة قال م قال الجوهري والعوان النصف في سنها من كل شيء والجمع عون انتهى ت قال الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي في نظمه لغريب القرآن جمع أبي حيان ... معنى عوان نصف بين الصغر ... وبين ما قد بلغت سن الكبر ... وكل ما نقلته عن العراقي منظوما فمن أرجوزته هذه وقوله فافعلوا ما تؤمرون تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت فما تكروه قال ابن زيد وجمهور الناس في قوله صفراء أنها كانت كلها صفراء وفي مختصر الطبري فاقع لونها أي صاف لونها انتهى والفقوع مختص بالصفرة كما خص أحمر بقانىء وأسود بحالك وأبيض بناصع وأخضر بناضر قال ابن عباس وغيره الصفرة تسر النفس وسألوا بعد هذا كله عن ما هي سؤال متحيرين قد أحسوا مقت المعصية وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير انابة ما وانقياد ودليل ندم وحرص على موافقة الأمر وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لو لا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدا وقوله لا ذلول تثير الأرض أي غير مذللة بالعمل والرياضة وتثير الأرض معناه بالحراثة وهي عند قوم جملة في موضع رفع على صفة البقرة أي لا ذلول مثيرة وقال قوم تثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ولا تسقي ومسلمة بناء مبالغة من السلامة قال ابن عباس وغيره معناه من العيوب وقال مجاهد معناه من الشيات والألوان وقيل من العمل ولاشية فيها أي لا خلاف في لونها هي صفراء كلها قاله ابن زيد وغيره والموشى المختلط الألوان ومنه وشي الثوب تزينه بالألوان والثور الأشيه الذي فيه بلقة يقال فرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وكلب أبقع وثور اشيه كل ذلك بمعنى البلقة وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء مذموم وقصة وجود هذه البقرة على ما روي أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن وكانت له عجلة فأرسلها في غيضة وقال اللهم إني قد استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي ومات الرجل فلما كبر الصبي قالت له أمه إن أباك كان قد استودع الله عجلة لك فاذهب فخذها فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحشة فجعل يقودها نحو أمه فلقيه بنو إسرائيل ووجدوا بقرته على الصفة التي أمروا بها فلما وجدت البقرة ساموا صاحبها فاشتط عليهم فأتوا به موسى عليه السلام وقالوا له إن هذا اشتط علينا فقال لهم أرضوه في ملكه فاشتروها منه بوزنها مرة قاله عبيد السلماني وقيل بوزنها مرتين وقيل بوزنها عشر مرات وقال مجاهد كانت لرجل يبر أمه وأخذت منه بملء جلدها دنانير والآن مبني على الفتح معناه هذا الوقت وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل وجئت بالحق معناه عن من جعلهم عصاة بينت لنا غاية البيان وهذه الآية تعطى أن الذبح أصل في البقر وإن نحرت اجزأ وقوله تعالى وما كادوا يفعلون عبارة عن تثبطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله تعالى وقال محمد بن كعب القرظي كان ذلك منهم لغلاء البقر وقيل كان ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل وادارأتم معناه تدافعتم قتل القتيل وفيها أي في النفس وقوله تعالى اضربوه ببعضها اية من الله تعالى على يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيل فيحي ويخبر بقاتله فقيل ضربوه وقيل ضربوا قبره لأن ابن عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة وقوله تعالى كذلك يحي الله الموتى الآية في هذه الآية حض على العبرة ودلالة على البعث في الآخرة وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ حكي لمحمد صلى الله عليه و سلم ليعتبر به إلى يوم القيامة وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه و سلم وأنها مقطوعة من قوله اضربوه ببعضها وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتا كما كان وقوله تعالى ثم قست قلوبكم الآية أي صلبت وجفت وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى قال قتادة وغيره المراد قلوب بني إسرائيل جميعا في معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك واو لا يصح أن تكون هنا للشك فقيل هي بمعنى الواو وقيل للإضراب وقيل للإبهام وقيل غير ذلك وقوله تعالى وان من الحجارة الآية معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم قال قتادة عذر الله تعالى الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم ت وروى البزار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أربعة من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا انتهى من الكوكب الدري لأبي العباس أحمد بن سعد التجيبي قال الغزالي في المنهاج واعلم أن أول الذنب قسوة وآخره والعياذ بالله شؤم وشقوة وسواد القلب يكون من الذنوب وعلامة سواد القلب أن لا تجد للذنوب مفزعا ولا للطاعات موقعا ولا للموعظة منجعا انتهى وقيل في هبوط الحجارة تفيؤ ظلالها وقيل أن الله تعال يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبط بها من علو تواضعا وقال مجاهد ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا من خشية الله عز و جل نزل بذلك القرآن وقال مثله ابن جريج وقوله تعالى افتطمعون أن يؤمنوا لكم الآية الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم ومعنى هذا الخطاب التقرير على أمر فيه بعد إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء وهؤلاء على ذلك السنن وتحريف الشيء إمالته من حال إلى حال وذهب ابن عباس إلى أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل ولفظ التوراة باق وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه قلت وعن ابن إسحاق أن المراد بالفريق هنا طائفة من السبعين الذين سمعوا كلام الله مع موسى انتهى من مختصر الطبري وهذا يحتاج إلى سند صحيح وقوله تعالى وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا الآية المعنى وهم أيضا إذا لقوا يفعلون هذا فكيف يطمع في إيمانهم ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفا فيه كشف سرائرهم ورد في التفسير أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن فقال كعب بن الأشرف واشباهه أذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم فنزلت هذه الآية وقال ابن عباس نزلت في المنافقين من اليهود وروي عنه أيضا أنها نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنه نبي ولكن ليس إلينا وإنما هو إليكم خاصة فلما خلوا قال بعضهم لم تقرون بنبوته وقال أبو العالية وقتادة أن بعض اليهود تكلم بما في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه و سلم فقال لهم كفرة الأحبار أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي عرفكم من صفة محمد صلى الله عليه و سلم ويحاجوكم من الحجة وعند ربكم معناه في الآخرة وقوله تعالى أفلا تعقلون قيل هو من قول الأحبار للاتباع وقيل هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال وأميون هنا عبارة عن عامة اليهود وجهلتهم أي أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضلال والأمي في اللغة الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب نسب إلى الأم إما لأنه بحال أمه من عدم الكتب لا بحال أبيه إذ النساء ليس من شغلهن الكتب قاله الطبري وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها والكتاب التوراة والأماني جمع أمنية واختلف في معنى أماني فقالت طائفة هي هاهنا من تمنى الرجل إذا ترجى فمعناه أن منهم من لا يكتب ولا يقرأ وإنما يقول بظنه شيئا سمعه فيتمنى أنه من الكتاب قال آخرون هي من تمنى إذا تلا ومنه قول الشاعر ... تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخره لاقى حمام المقادر ... فمعنى الآية أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى لا علم لهم بصحته وقال الطبري هي من تمنى الرجل إذا حدث بحديث مختلق كذب أي لا يعلمون الكتاب الا سماع أشياء مختلقة من أحبارهم يظنونها من الكتاب ص وان هم الا يظنون ان نافية بمعنى ما انتهى وقوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله الآية قال الخليل الويل شدة الشر وهو مصدر لا فعل له ويجمع على ويلات والأحسن فيه إذا انفصل الرفع لأنه يقتضي الوقوع ويصح النصب على معنى الدعاء أي الزمه الله ويلا وويل وويح وويس تتقارب في المعنى وقد فرق بينها قوم وروى سفيان وعطاء بن يسار أن الويل في هذه الآية واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا وروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه جبل من جبال النار والذين يكتبون هم الأحبار والرؤساء وبأيديهم قال ابن السراج هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم والذي بدلوه هو صفة النبي صلى الله عليه و سلم ليستديموا رياستهم ومكاسبهم وذكر السدي أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدلون فيها صفة النبي صلى الله عليه و سلم ويبيعونها من الأعراب ويبثونها في اتباعهم ويقولون هي من عند الله والثمن قيل عرض الدنيا وقيل الرشى والمآكل التي كانت لهم ويكسبون معناه من المعاصي وقيل من المال الذي تضمنه ذكر الثمن وقوله تعالى وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة الآية روى ابن زيد وغيره ان سببها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لليهود من أهل النار فقالوا نحن ثم تخلفونا أنتم فقال لهم كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم فنزلت هذه الآية قال أهل التفسير العهد في هذه الآية الميثاق والموعد وبلى رد بعد النفي بمنزلة نعم بعد الإيجاب وقالت طائفة السيئة هنا الشرك كقوله تعالى ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار والخطيئات كبائر الذنوب قال الحسن بن أبي الحسن والسدي كل ما توعد الله عليه بالنار فهي الخطيئة المحيطة والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في الكفار ومستعار بمعنى الطول في العصاة وإن علم انقطاعه قال محمد بن عبد الله اللخمي في مختصره للطبري أجمعت الأمة على تخليد من مات كافرا وتظاهرت الروايات الصحيحة عن الرسول صلى الله عليه و سلم والسلف الصالح بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلدون في النار ونطق القرآن بأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لكن من خاف على لحمه ودمه اجتنب كل ما جاء فيه الوعيد ولم يتجاسر على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد فقد كان السلف وخيار الأمة يخافون سلب الإيمان على أنفسهم ويخافون النفاق عليها وقد تظاهرت بذلك عنهم الأخبار انتهى وقوله تعالى والذين ءامنوا الآية يدل هذا التقسيم على أن قوله تعالى بلى من كسب سيئة الآية في الكفار لا في العصاة ويدل على ذلك أيضا قوله وأحاطت لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على كفار ادعوا ان النار لا تمسهم إلا أياما معدودة فهم المراد بالخلود والله أعلم وقوله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل الآية أخذ الله سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم وأخذ الميثاق قول فالمعنى قلنا لهم لا تعبدون إلا الله الآية قال سيبويه لا تعبدون متلق لقسم والمعنى وإذ استحلفناهم والله لا تعبدون إلا الله وفي الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها واليتم في بني آدم فقد الأب وفي البهائهم فقد الأم وقال صلى الله عليه و سلم لا يتم بعد بلوغ والمسكين الذي لا شيء له وقيل هو الذي له بلغة والآية تتضمن الرأفة باليتامى وحيطة أموالهم والحض على الصدقة والمواساة وتفقد المساكين وقوله تعالى وقولوا للناس حسنا أمر عطف على ما تضمنه لا تعبدون إلا الله وما بعده وقرأ حمزة والكسائي حسنا بفتح الحاء والسين قال الأخفش وهما بمعنى واحد وقال الزجاج وغيره بل المعنى في القراءة الثانية وقولوا قولا حسنا بفتح الحاء والسين أو قولا ذا حسن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عباس معنى الكلام قولوا للناس لا إله إلا الله ومروهم بها وقال ابن جريج قولوا لهم حسنا في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه و سلم وقال سفيان الثوري معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر وقال أبو العالية قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون ان تحاوروا به وهذا حض على مكارم الأخلاق وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها وتنزل النار على ما تقبل منها دون ما لم يتقبل وقوله تعالى ثم توليتم الآية خطاب لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل قال نحوه ابن عباس وغيره والمراد بالقليل المستثنى جميع مؤمنيهم قديما من أسلافهم وحديثا كابن سلام وغيره والقلة على هذا هي في عدد الأشخاص ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان والأول أقوى ص إلا قليلا منصوب على الاستثناء وهو الأفصح لأنه استثناء من موجب وروى عن أبي عمرو إلا قليل بالرفع ووجهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير توليتم على أن معنى توليتم النفي أي لم يف بالميثاق إلا قليل ورد بمنع النحويين البدل من الموجب لأن البدل يحل محل المبدل منه فلو قلت قام إلا زيد لم يجز لأن إلا لا تدخل في الموجب وتأويله الإيجاب بالنفي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إذن قام القوم إلا زيد على تأويل لم يجلسوا إلا زيد ولم تبن العرب على ذلك كلامها وإنما جازوا قام القوم إلا زيد بالرفع على الصفة وقد عقد سيبويه لذلك بابا في كتابه انتهى ودمائكم جمع دم وهو اسم منقوص أصله دمي ولا تخرجون أنفسكم من دياركم معناه ولا ينفى بعضكم بعضا بالفتنة والبغي وكذلك حكم كل جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول وقوله تعالى ثم أقررتم أي خلفا بعد سلف ان هذا الميثاق أخذ عليكم وقوله وأنتم تشهدون قيل الخطاب يراد به من سلف منهم والمعنى وأنتم شهود أي حضور أخذ الميثاق والإقرار وقيل المراد من كان في مدة محمد صلى الله عليه و سلم والمعنى وأنتم شهداء أي بينة أن الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم منكم وقوله تعالى ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم الآية هؤلاء دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف قيل تقدير الكلام يا هؤلاء فحذف حرف النداء ولا يحسن حذفه عند سيبويه مع المبهمات وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن ابن أحمد شيخنا هؤلاء رفع بالابتداء وأنتم خبر وتقتلون حال بها تم المعنى وهي المقصود ص قال الشيخ أبو حيان ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البادش من جعله هؤلاء مبتدأ وأنتم خبر مقدم لا أدري ما العلة في ذلك وفي عدوله عن جعل أنتم مبتدأ وهؤلاء الخبر إلى عكسه انتهى ت قيل العلة في ذلك دخول هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدل على ذلك قولهم ها أنا ذا قائما ولم يقولوا أنا هذا قائما قال معناه ابن هشام فقائما في المثال المتقدم نصب على الحال انتهى وهذه الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس وبني قينقاع حالفت الخزرج فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضا وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم وكانوا مع ذلك يفدى بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والاخراج والديار مباني الإقامة وقال الخليل محلة القوم دارهم ومعنى تظاهرون تتعاونون والعدوان تجاوز الحدود والظلم وقرأ حمزة أسرى تفدوهم وأسارى جمع أسير مأخوذ من الأسر وهو الشد ثم كثر استعماله حتى لزم وان لم يكن ثم ربط ولا شد وأسير فعيل بمعنى مفعول وتفادوهم معناه في اللغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئا وقال الثعلبي يقال فدى إذا أعطى مالا وأخذ رجلا وفادى إذا أعطى رجلا وأخذ رجلا فتفدوهم معناه بالمال وتفادوهم أي مفادات الأسير بالأسير انتهى ت وفي الحديث من قول العباس رضي الله عنه فإني فاديت نفسي وعقيلا وظاهره لا فرق بينهما وقوله تعالى افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض الآية والذي آمنوا به فداء الأسارى والذي كفروا به قتل بعضهم بعضا وإخراجهم من ديارهم وهذا توبيخ لهم وبيان لقبح فعلهم والخزي الفضيحة والعقوبة فقيل خزيهم ضرب الجزية عليهم غابر الدهر وقيل قتل قريظة واجلاء النضير وقيل الخزي الذي تتوعد به الأمة من الناس هو غلبة العدو والدنيا مأخوذة من دنا يدنو وأصل الياء فيها واو ولكن أبدلت فرقا بين الأسماء والصفات وأشد العذاب الخلود في جهنم وقوله تعالى وما الله بغافل عما يعملون قرأ نافع وابن كثير بياء على ذكر الغائب فالخطاب بالآية لأمة محمد صلى الله عليه و سلم والآية واعظة لهم بالمعنى إذ الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص وقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله أفتؤمنون ببعض الكتاب الآية وهو الأظهر ويحتمل أن يكون لأمة محمد صلى الله عليه و سلم فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ان بني إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد يريد هذا وما يجرى مجراه وقوله تعالى اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة الآية جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا عوضا عنها مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا فلا يخفف عنهم العذاب في الآخرة ولا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة ص ولقد آتينا موسى الكتاب اللام في لقد يحتمل أن تكون توكيدا ويحتمل أن تكون جواب قسم وموسى هو المفعول الأول والكتاب الثاني وعكس السهيلي ومريم معناه في السريانية الخادم وسميت به أم عيسى فصار علما عليها انتهى والكتاب التوراة وقفينا مأخوذ من القفا تقول قفيت فلانا بفلان إذا جئت به من قبل قفاه ومنه قفا يقفو إذا اتبع وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء باثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام والبينات الحجج التي أعطاها الله عيسى وقيل هي آياته من أحياء وإبراء وخلق طير وقيل هي الإنجيل والآية تعم ذلك وايدناه معناه قويناه والأيد القوة قال ابن عباس روح القدس هو الاسم الذي كان يحي به الموتى وقال ابن زيد هو الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحا وقال السدي والضحاك والربيع وقتادة روح القدس جبريل عليه السلام وهذا أصح الأقوال وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم لحسان أهج قريشا وروح القدس معك ومرة قال له جبريل معك وكلما ظرف والعامل فيه استكبرتم وظاهر الكلام الاستفهام ومعناه التوبيخ روي أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي ثم تقوم سوقهم آخر النهار وروي سبعين نبينا ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات ومعنى قلوبنا غلف أي عليها غشاوات فهي لا تفقه قاله ابن عباس ثم بين تعالى سبب نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم وهذا هو الجزاء على الذنب بذنب اعظم منه واللعن الابعاد والطرد وقليلا نعت لمصدر محذوف تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون والضمير في يؤمنون لحاضري محمد صلى الله عليه و سلم منهم وما في قوله ما يؤمنون زائدة مؤكدة وقوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله الآية الكتاب القرآن ومصدق لما معهم يعني التوراة ويستفتحون معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم قد علموا خروجه بما علموا عندهم من صفته وذكر وقته وظنوا أنه منهم فكانوا إذا حاربوا الأوس والخزرج فغلبتهم العرب قالوا لهم لو قد خرج النبي الذي أضل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به ويستفتحون معناه يستنصرون قال أحمد بن نصر الداودي ومنه عسى الله أن يأتي بالفتح أي بالنصر انتهى وروى أبو بكر محمد بن حسين الا جرى عن ابن عباس قال كانت يهود خيبر يقاتلون غطفان فكلما التقوا هزمت اليهود فعاذ اليهود يوما بالدعاء فقالوا اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان الا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم كفروا به فأنزل الله عز جل وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا والاستفتاح الاستنصار وقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قبيل الإسلام انتهى من تأليف حسن بن علي بن عبد الملك الرهوني المعروف بابن القطان وهو كتاب نفيس جدا ألفه في معجزات النبي صلى الله عليه و سلم وآيات نبوءته وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا يستفتحون على سائر العرب وبسبب خروج النبي المنتظر كانت نقلتهم إلى الحجاز وسكناهم به فإنهم كانوا علموا صقع المبعث وما عرفوا هو محمد صلى الله عليه و سلم وشرعه ويظهر من هذه الآية العناد منهم وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة ولعنة الله إبعاده لهم وخزيهم لذلك وبيس أصله بئس سهلت الهمزة ونقلت حركتها إلى الباء وما عند سيبويه فاعلة ببيس والتقدير بيس الذي اشتروا به أنفسهم واشتروا بمعنى باعوا وما أنزل الله يعني به القرآن ويحتمل التوراة ويحتمل أن يراد الجميع من توراة وإنجيل وقرآن لأن الكفر بالبعض يستلزم الكفر بالكل ومن فضله يعني من النبوءة والرسالة ومن يشاء يعني به محمدا صلى الله عليه و سلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب ويدخل في المعنى عيسى صلى الله عليه و سلم لأنهم كفروا به بغيا والله قد تفضل عليه وباءوا معناه مضوا متحملين لما يذكر أنهم باءوا به وقال البخاري قال قتادة باءوا معناه انقلبوا انتهى وبغضب معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم على غضب متقدم من الله تعالى عليهم قيل لعبادتهم العجل وقيل لكفرهم بعيسى عليه السلام فالمعنى على غضب فدباء به أسلافهم حظ هؤلاء منه وافر بسبب رضاهم بتلك الأفعال وتصويبهم لها ومهين مأخوذ من الهوان وهو الخلود في النار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين إنما عذابه كعذاب الذي يقام عليه الحد لا هوان فيه بل هو تطهير له وقوله تعالى وإذا قيل لهم يعني لليهود آمنوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم وهو القرآن قالوا نؤمن بما أنزل علينا يعنون التوراة ويكفرون بما وراءه قال قتادة أي بما بعده قال الفراء أي بما سواه ويعني به القرآن ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومصدقا حال مؤكدة عند سيبويه وقوله تعالى قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين رد من الله تعالى عليهم وتكذيب لهم في ذلك واحتجاج عليهم وقوله تعالى ولقد جاءكم موسى بالبينات البينات التوراة والعصا وفرق البحر وسائر الآيات وخذوا ما ءاتيناكم يعني التوراة والشرع بقوة أي بعزم ونشاط وجد واشربوا في قلوبهم العجل أي حب العجل والمعنى جعلت قلوبهم تشربه وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم وقوله تعالى قل بيسما يأمركم به إيمانكم أمر لمحمد صلى الله عليه و سلم أن يوبخهم لأنه بيس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم نؤمن بما أنزل علينا وقوله تعالى قل إن كانت لكم الدار الآخرة الآية أمر لمحمد صلى الله عليه و سلم أن يوبخهم والمعنى إن كان لكم نعيما وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها فتمنوا الموت والدار اسم كان وخالصة خبرها ومن دون الناس يحتمل أن يراد بالناس محمد صلى الله عليه و سلم ومن تبعه ويحتمل أن يراد العموم وهذه آية بينة أعطاها الله رسوله محمد صلى الله عليه و سلم لأن اليهود قالت نحن أبناء الله وأحباؤه وشبه ذلك من القول فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات ففعل النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فعلموا صدقه فأحجموا عن تمنيه فرقا من الله لقبح أفعالهم ومعرفتهم بكذبهم وحرصا منهم على الحياة وقيل أن الله تعالى منعهم من التمني وقصرهم على الإمساك عنه لتظهر الآية لنبيه صلى الله عليه و سلم ت وقال عياض ومن الوجوه البينة في إعجاز القرآن أي وردت بتعجيز قوم في قضايا واعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا على ذلك كقوله تعالى لليهود قل ان كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة الآية قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة لأنه قال لهم فتنموا الموت واعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا فلم يتمنه واحد منهم وعن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلاغص بريقه يعني يموت مكانه قال أبو محمد الأصيلي من أعجب أمرهم أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله تعالى بذلك نبيه يقدم عليه ولا يجيب إليه وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم انتهى من الشفا والمراد بقوله تمنوا أريدوه بقلوبكم واسألوه هذا قول جماعة من المفسرين وقال ابن عباس المراد به السؤال فقط وان لم يكن بالقلب ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم وأنهم لا يتمنونه أبدا وأضاف ذنوبهم واجترامهم إلى الأيدي إذ الأكثر من كسب العبد الخير والشر إنما هو بيديه فحمل جميع الأشياء على ذلك وقوله تعالى والله عليم بالظالمين ظاهره الخبر ومضمنه الوعيد لأن الله سبحانه عليم بالظالمين وغيرهم فائدة تخصيصهم حصول الوعيد وقوله تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة الآية وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم وأن لا خير لهم عند الله تعالى وقوله تعالى ومن الذين أشركوا قيل المعنى واحرص من الذين أشركوا لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا والضمير في أحدهم يعود في هذا القول على اليهود وقيل أن الكلام تم في حياة ثم استؤنف الأخبار عن طائفة من المشركين أنهم يود أحدهم لو يعمر ألف سنة والزحزحة الإبعاد والتنحية وفي قوله تعالى والله بصير بما يعلمون وعيد وقوله تعالى قل من كان عدوا لجبريل الآية أجمع أهل التفسير أن اليهود قالت جبريل عدونا واختلف في كيفية ذلك فقيل أن يهود فدك قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك فسألوه عما حرم إسرائيل على نفسه فقال لحوم الإبل وألبانها وسألوه عن الشبه في الولد فقال أي ماء علا كان له الشبه وسألوه عن نومه فقال تنام عيني ولا ينام قلبي وسألوه عن من يجيئه من الملائكة فقال جبريل فلما ذكره قالوا ذاك عدونا لأنه ملك الحرب والشدائد والجدب ولو كان الذي يجيئك ميكائل ملك الرحمة والخصب والأمطار لاتبعناك وفي جبريل لغات جبريل بكسر الجيم والراء من غير همز وبها قرأ نافع وجبريل بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز وبها قرأ ابن كثير وروي عنه أنه قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكال فلا أزال أقرأها أبدا كذلك ت يعني والله أعلم مع اعتماده على روايتها قال الثعلبي والصحيح المشهور عن ابن كثير ما تقدم من فتح الجيم لا ما حكي عنه في الرؤيا من كسرها انتهى وذكر ابن عباس وغيره أن جبروميك واسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك وايل الله وقوله تعالى فإنه نزله على قلبك الضمير في أنه عائد على الله تعالى وفي نزله عائد على جبريل أي بالقرآن وسائر الوحي وقيل الضمير في أنه عائد على جبريل وفي نزله عائد على القرآن وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف وبإذن الله معناه بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة ومصدقا حال من ضمير القرآن في نزله وما بين يديه ما تقدمه من كتب الله تعالى وهدى أي إرشاد وقوله تعالى من كان عدوا لله الآية وعيد وذم لمعادي جبريل وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم وعطف جبريل وميكائل على الملائكة وقد كان ذكر الملائكة عمهما تشريفا لهما قيل خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما فذكرا ليلا تقول اليهود أنا لم نعاد الله وجميع ملائكته وعداوة العبد لله هي معصيته وترك طاعته ومعاداة أوليائه وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه وقوله تعالى أو كلما عاهدوا عهدا الآية قال سيبويه الواو للعطف دخلت عليها ألف الاستفهام والنبذ الطرح ومنه المنبوذ والعهد الذي نبذوه هو ما أخذ عليهم في التوراة من أمر النبي صلى الله عليه و سلم ولما جاءهم رسول من عند الله هو محمد صلى الله عليه و سلم ومصدق نعت لرسول وكتاب الله القرآن وقيل التوراة لأن مخالفتها نبذ لها ووراء ظهورهم مثل لأن ما يجعل ظهريا فقد زال النظر إليه جملة والعرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه وكأنهم لا يعلمون تشبيه بمن لا يعلم فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم وقوله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين الآية يعني اليهود وتتلوا قال عطاء معناه تقرأ وقال ابن عباس تتلوا تتبع وعلى ملك سليمان أي على عهد ملك سليمان وقال الطبري اتبعوا بمعنى فضلوا وعلى ملك سليمان أي على شرعه ونبوءته والذي تلته الشياطين قيل أنهم كانوا يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق معها المائة من الباطل حتى صار ذلك علمهم فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه فلما مات أخرجته الشياطين وقالت إن ذلك كان علم سليمان وروي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ذكر سليمان عليه السلام في الأنبياء قال بعض اليهود انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرا وقوله تعالى وما كفر سليمان تبرئة من الله تعالى لسليمان عليه السلام والسحر والعمل به كفر ويقتل الساحر عند مالك كفرا ولا يستتاب كالزنديق وقال الشافعي يسأل عن سحره فإن كان كفرا استتيب منه فإن تاب وإلا قتل وقال مالك فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل والناس المعلمون اتباع الشياطين من بني إسرائيل وما أنزل على الملكين ما عطف على السحر فهي مفعولة وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين ليكفر به من اتبعه ويؤمن به من تركه أو على قول مجاهد وغيره أن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر أو على القول أن الله تعال أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه قال ع والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمباديه وقيل إنما عطف على ما في قوله ما تتلوا وقيل ما نافية رد على قوله وما كفر سليمان وذلك أن اليهود قالوا أن الله تعالى أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك ت قال عياض والقراءة بكسر اللام من الملكين شاذة وبابل قطر من الأرض وهاروت وماروت بدل من الملكين وما يذكر في قصتهما مع الزهرة كله ضعيف وكذا قال ع ت قال عياض وأما ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت وما روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما في خبرهما وابتلائهما فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو منها سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس هو شيئا يؤخذ بقياس والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم كما نصه الله أول الآيات انتهى أنظره وقوله تعالى وما يعلمان الآية ذكر ابن الأعرابي في الياقوتة أن يعلمان بمعنى يعلمان ويشعران كما قال كعب بن زهير تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد ... وحمل هذه الآية على أن الملكين إنما نزلا يعلمان بالسحر وينهيان عنه وقال الجمهور بل التعليم على عرفه ص وقوله تعالى من أحد من هنا زائدة مع المفعول لتأكيد استغراق الجنس لأن أحدا من ألفاظ العموم انتهى ويفرقون معناه فرقة العصمة وقيل معناه يؤخذون الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على وطئها فهي أيضا فرقة وبإذن الله معناه بعلمه وتمكينه ويضرهم معناه في الآخرة والضمير في علموا عائد على بني إسرائيل وقال اشتراه لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أن يعلموا والخلاق النصيب والحظ وهو هنا بمعنى الجاه والقدر واللام في قوله لمن للقسم المؤذنة بأن الكلام قسم لا شرط م ولبيس ما أبو البقاء جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف أي السحر أو الكفر والضمير في به عائد على السحر أو الكفر انتهى وشروا معناه باعوا والضمير في يعلمون عائد على بني إسرائيل اتفاقا ولو انهم آمنوا يعني الذين اشتروا السعر وجواب لو لمثوبة والمثوبة عند الجمهور بمعنى الثواب وقوله سبحانه لو كانوا يعلمون يحتمل نفي العلم عنهم ويحتمل لو كانوا يعلمون علما ينفع وقرأ جمهور الناس راعنا من المراعاة بمعنى فاعلنا أي أرعنا نرعك وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره وقالت طائفة هي لغة للعرب فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل فنهى الله المؤمنين عن هذا القول سدا للذريعة ليلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور وأنظرنا معناه انتظرنا وأمهل علينا ويحتمل أن يكن المعنى تفقدنا من النظر والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة واعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما وهوالمؤلم واسمعوا معطوف على قولوا لا على معمولها وقوله سبحانه ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب الآية يتناول لفظ الآية كل خير والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها وقال قوم الرحمة القرآن وقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها الآية النسخ في كلام العرب على وجهين أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر وهذا لا مدخل له في هذه الآية وورد في كتاب الله تعالى في قوله انا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون الثاني الإزالة وهو الذي في هذه الآية وهو منقسم في اللغة على ضربين أحدهما يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم نسخت الشمس الظل والآخر لا يثبت كقولهم نسخت الريح الأثر وورد النسخ في الشرع حسب هذين الضربين وحد الناسخ عند حذاق أهل السنة الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه ت قال ابن الحاجب والنسخ لغة الإزالة وفي الاصطلاح رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر انتهى من مختصره الكبير والنسخ جائز على الله تعالى عقلا لأنه لا يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت ولا النسخ لطرو علم بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ويعلم نسخه له بالثاني والبدأ لا يجوز على الله تعالى لأنه لا يكون إلا لطرو علم أو لتغير إرادة وذلك محال في جهة الله تعالى وجعلت اليهود النسخ والبدأ واحدا فلم يجوزوه فضلوا والمنسوخ عند أئمتنا الحكم الثابت نفسه لا ما ذهبت إليه المعتزلة من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مراده وأن الحسن صفة نفسية للحسن ومراد الله تعالى حسن وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة وعلى أن الحسن والقبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط وقول تناوله العموم لكان نسخا والنسخ لا يجوز في الأخبار وإنما هو مختص بالأوامر والنواهي ورد بعض المعترضين الأمر خبرا بأن قال أليس معناه واجب عليكم أن تفعلوا كذا فهذا خبر والجواب أن يقال أن في ضمن المعنى إلا أن انسخه عنكم وأرفعه فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الأخبار كذلك تضمن هذا الاستثناء وصور النسخ تختلف فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف وبالعكس وقد ينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل وقد تنسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس والتلاوة والحكم حكمان فجائز نسخ أحدهما دون الآخر ونسخ القرآن بالقرآن وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد وهذا كله متفق عليه وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة وذلك موجود في قوله عليه السلام لا وصية لوارث وهو ظاهر مسائل مالك ت ويعنى بالسنة الناسخة للقرآن الخبر المتواتر القطعي وقد أشار إلى أن هذا الحديث متواتر ذكره عند تفسير قوله تعالى إذا حضر أحدكم الموت واختلف القراء في قراءة قوله تعالى أو نسنها فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ننسأها بنون مفتوحة وأخرى ساكنة وسين مفتوحة وألف بعدها مهموزة وهذه بمعنى التأخير وأما قراءة نافع والجمهور ننسها من النسيان وقرأت ذلك فرقة إلا أنها همزت بعد السين فهذه بمعنى التأخير والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر وقد يجيء بمعنى الترك فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات فما كان منها يترتب في لفظه النسيان الذي هو ضد الذكر فمعنى الآية به ما نسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فانا نأتي بخير منها لكم أو مثلها في المنفعة وما كان على معنى الترك أو على معنى التأخير فيترتب فيه معان أنظرها ان شئت فاني آثرت الاختصار ع والصحيح أن نسيان النبي صلى الله عليه و سلم لما أراد الله أن ينساه ولم يرد أن يثبته قرآنا جائز فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي صلى الله عليه و سلم معصوم منه قبل التبليغ وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه وأما بعد أن يحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر لأنه صلى الله عليه و سلم قد بلغ وأدى الأمانة ومنه الحديث حين اسقط آية فلما فرغ من الصلاة قال أفي القوم أبي قال نعم يا رسول الله قال فلم لم تذكرني قال حسبت أنها رفعت فقال النبي صلى الله عليه و سلم لم ترفع ولكني نسيتها وقوله تعالى ألم تعلم معناه التقرير ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما شاء ويثبت ما شاء ويفعل في أحكامه ما شاء هو قدير على ذلك وعلى كل شيء وهذا لإنكار اليهود النسخ وقوله على كل شيء عموم معناه الخصوص إذ لا تدخل فيه الصفات القديمة بدليل العقل ولا المحالات لأنها ليست بأشياء والشيء في كلام العرب الموجود وقدير اسم فاعل على المبالغة قال القشيري وان من علم ان مولاه قدير على ما يريد قطع رجاءه عن الاغيار كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع قال أهل الإشارة معناه سهلت طريقهم إليك وقطعت رجاءهم عن سواك ثم قال ليقيموا الصلاة أي شغلتهم بخدمتك وأنت أولى بهم فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم أي إذا احتاجوا شيئا فذلل عبادك لهم وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم فإنك على ذلك قدير وان من لزم بابه اوصل إليه محابه وكفاه أسبابه وذل له كل صعب وأورده كل سهل عذب من غير قطع شقة ولا تحمل مشقة انتهى من التجبير وقوله تعالى ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض الآية الملك السلطان ونفوذ الأمر والإرادة وجمع الضمير في لكم دال على أن المراد بخطاب النبي صلى الله عليه و سلم خطاب أمته وقوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم الآية قال أبو العالية أن هذه الآية نزلت حين قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه و سلم ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل في تعجيل العقوبة في الدنيا فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل وتلا ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وقال ابن عباس سببها ان رافع بن حريملة اليهودي سأل النبي صلى الله عليه و سلم تفجير عيون وغير ذلك وقيل غير هذا وما سئل موسى عليه السلام هو أن يرى الله جهرة وكنى عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدل وضل أخطأ الطريق والسواء من كل شيء الوسط والمعظم ومنه سواء الجحيم وقال حسان بن ثاب في رثاء النبي صلى الله عليه و سلم ... يا ويح انصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد ... والسبيل عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله تعالى لعباده وقوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا الآية قال ابن عباس المراد ابنا اخطب حيي وأبو ياسر أي واتباعهما واختلف في سبب هذه الآية فقيل ان حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس فأراد اليهود صرفهما عن دينها فثبتا عليه ونزلت الآية وقيل أن هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي الله عز و جل عن متابعة أقوال اليهود في راعنا وغيره وأنهم لا يودون أن ينزل على المؤمنين خير ويودون أن يردوهم كفارا من بعد ماتبين لهم الحق وهو نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ت وقد جاءت أحاديث صحيحة في النهي عن الحسد فمنها حديث مالك في الموطأ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث وأسند أبو عمر بن عبد البر عن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء حالقتا الدين لا حالقتا الشعر انتهى من التمهيد والعفو ترك العقوبة والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولى صفحة العنق قال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون الآية إلى قوله صاغرون وقيل بقوله اقتلوا المشركين وقال قوم ليس هذا حد المنسوخ لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته ت وينبغي للمؤمن أن يتأدب بآداب ذه الآية وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات قالوا نعم يا رسول الله قال تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك خرجه النسائي انتهى من الكوكب الدري لأبي العباس أحمد بن سعد التجيبي وقوله تعالى ان الله على كل شيء قدير مقتضاه في هذا الموضع وعد للمؤمنين وقوله تعالى واقيموا الصلاة الآية قال الطبري إنما أمر الله المؤمنين هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود راعنا لأن ذلك نهي عن نوعه وقوله تجدوه أي تجدوا ثوابه وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله مالي لا أحب الموت فقال هل لك مال قال نعم يا رسول الله قال فقدم مالك بين يديك فإن المرء مع ماله إن قدمه أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب التخلف انتهى وقوله تعالى ان الله بما تعلمون بصير خبر في اللفظ معناه الوعد والوعيد وقوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى معناه قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقال النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فجمع قولهم ودل تفريق نوعيهم على تفريق قوليهم وهذا هو الإيجاز واللف وهودا جمع هائد ومعناه التائب الراجع وكذبهم الله تعالى وجعل قولهم أمنية وأمر نبيه عليه السلام بدعائهم إلى إظهار البرهان وهو الدليل الذي يوقع اليقين وقولهم لن نفي حسنت بعده بلى إذ هي رد بالإيجاب في جواب النفي حرف مرتجل لذلك وأسلم معناه استسلم وخضع ودان وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف الأعضاء وفيه يظهر أثر العز والذل وهو محسن جملة في موضع الحال وقوله تعالى وقالت اليهود الآية معناه أنه ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى اله عليه وسلم فتسابوا وكفر اليهود بعيسى وبملته وبالإنجيل وكفر النصارى بموسى وبالتوراة ع وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وكلاهما يتضمن صدق النبي صلى الله عليه و سلم فعنفهم الله تعالى على كذبهم وفي كتبهم خلاف ما قالوا وفي قوله تعالى وهم يتلون الكتاب تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه و سلم على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده والكتاب الذي يتلونه قيل هو التوراة والإنجيل فالألف واللام للجنس وقيل التوراة لأن النصارى تمتثلها وقوله تعالى كذلك قال الذين لا يعلمون يعني كفار العرب لأنهم لا كتاب لهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة الآية أي فيثيب من كان على شيء ويعاقب من كان على غير شيء ومن أظلم ممن منع مساجد الله الآية أي لا أحد أظلم من هؤلاء قال ابن عباس وغيره المراد النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلي ببيت المقدس وقال ابن زيد المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المسجد الحرام وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة وقوله سبحانه اولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين الآية فمن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمن بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضربا قاله قتادة والسدي ومن جعلها في قريش قال كذلك نودي بأمر النبي ص - ألا يحج مشرك وألا يطوف بالبيت عريان وأينما شرط وتولوا جزم به وثم جوابه ووجه الله معناه الذي وجهنا إليه كما تقول سافرت في وجه كذا أي في جهة كذا ويتجه في بعض المواضع من القرءان كهذه الآية أن يراد بالوجه الجهة التي فيها رضاه وعليها ثوابه كما تقول تصدقت لوجه الله ويتجه في هذه الآية خاصة أن يراد بالوجه الجهة التي وجهنا إليها في القبلة واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عمر نزلت هذه الآية في صلاة النافلة في السفر حيث توجهت بالإنسان دابته وقال النخعي الآية عامة أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم فثم وجه الله أي موضع رضاه وثوابه وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة قال كنا مع النبي ص - في سفر في ليلة مظلمة فتحرى قوم القبلة وأعلموا علامات فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطؤها فعرفوا رسول الله ص - بذلك فنزلت هذه الآية وقيل نزلت الآية حين صد رسول الله ص - عن البيت وواسع معناه متسع الرحمة عليم أين يضعها وقيل واسع معناه هنا أنه يوسع على عباده في الحكم دينه يسر عليم بالنيات التي هي ملاك العمل وقوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه الآية اختلف على من يعود ضمير قالوا فقيل على النصارى وهو الأشبه وقيل على اليهود لأنهم قالوا عزير بن الله وقيل على كفرة العرب لأنهم قالوا الملائكة بنات الله ت وقال أبو عبد الله اللخمي ويحتمل أن يعني بالآية كل من تقدم ذكره من الكفرة وقد تقدم ذكر اليهود والنصارى والذين لا يعلمون وهم المشركون وكلهم قد ادعى لله ولدا تعالى الله عن قولهم انتهى من مختصر الطبري وسبحانه مصدر معناه تنزيها له وتبرئة مما قالوا والقنوت في اللغة الطاعة والقنوت طول القيام فمعنى الآية أن المخلوقات تقنت لله أي تخشع وتطيع والكفار قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم وقيل الكافر يسجد ظله وهو كاره وبديع مصروف من مبدع والمبدع المخترع المنشئ وخص السماوات والأرض بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا وقضى معناه قدر وقد يجيء بمعنى امضى ويتجه في هذه الآية المعنيان والأمر واحد الأمور وليس هو هنا بمصدر أمر يأمر وتلخيص المعتقد في هذه الآية أن الله عز و جل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر وقوع المعلومات فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيئ بعد أن لم تكن وكل ما يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل والمعنى الذي تقتضيه عبارة كن هو قديم قائم بالذات والوضوح التام في هذه المسألة يحتاج أكثر من هذا البسط ت وقد قدمنا ما يزيد هذا المعنى وضوحا عند قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فانظره وقوله تعالى وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله الآية قال الربيع والسدي هم كفار العرب وقد طلب عبد الله بن أمية وغيره من النبي ص - نحو هذا وقال مجاهد هم النصارى وقال ابن عباس المراد من كان على عهد النبي ص - من اليهود لأن رافع بن حريملة قال للنبي ص - أسمعنا كلام الله وقيل الإشارة إلى جميع هذه الطوائف لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة ولولا تحضيض بمعنى هلا والآية هنا العلامة الدالة والذين من قبلهم هم اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب وهم اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النصارى وهم الأمم السالفة في قول من جعل الذين لا يعلمون العرب والنصارى واليهود وتشابه القلوب هنا في طلب ما لا يصح أو في الكفر وقوله تعالى قد بينا الآيات لقوم يوقنون قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم وقرينة أخرى أن الكلام مدح لهم وقوله تعالى إنا أرسلناك بالحق بشيرا أي لمن آمن ونذيرا لمن كفر وقرأ نافع وحده ولا تسأل أي لا تسأل عن شدة عذابهم كما تقول فلان لا تسأل عنه تعني أنه في نهاية تشهره من خير أو شر ت وزاد في مختصر الطبري قال وتحتمل هذه القراءة معنى آخر وهو والله أعلم أظهر أي ولا تسأل عنهم سؤال مكترث بما أصابهم أو بما هم عليه من الكفر الذي يوردهم الجحيم نظير قوله عز و جل فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وأما ما روي عن محمد بن كعب القرطي ومن وافقه من أن النبي ص - سأل ما فعل أبواي فنزلت الآية في ذلك فهو بعيد ولا يتصل أيضا بمعنى ما قبله وانتهى وقرأ باقي السبعة ولا تسال بضم التاء واللام والجحيم إحدى طبقات النار وقوله تعالى قل إن هدى الله هو الهدى أي ما أنت عليه يا محمد من هدى الله هو الهدى الحقيقى لا ما يدعيه هؤلاء ثم قال تعالى لنبيه ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير فهذا شرط خوطب به النبي ص - وأمته معه داخلة فيه ت والأدب أن يقال خوطب به ص - والمراد أمته لوجود عصمته ص - وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآي وقد نبه رحمه الله على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي وكان الأولى أن ينبه على ذلك هنا أيضا وقد أجاب عياض عن الآى الواردة في القرآن مما يوهم ظاهره أشكالا فقال رحمه الله اعلم وفقنا الله وإياك أنه عليه السلام لا يصح ولا يجوز عليه أن لا يبلغ وأن يخالف أمر ربه ولا إن يشرك ولا أن يتقول على الله ما لا يجب أو يفتري عليه أو يضل أو يختم على قلبه أو يطيع الكافرين لكن الله أمره بالمكاشفة والبيان في البلاغ للمخالفين وأن إبلاغه إن لم يكن بهذا البيان فكان ما بلغ وطيب نفسه وقوى قلبه بقوله تعالى والله يعصمك من الناس كما قال لموسى وهارون عليهما السلام لا تخافا لتشد بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين الله ويذهب عنهم خوف العدو المضعف لليقين وأما قوله تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل الآية وقوله إذا لأذقناك ضعف الحياة فمعناه أن هذا جزاء من فعل هذا وجزاؤك لو كنت ممن يفعله وهو ص - لا يفعله وكذلك قوله تعالى وإن تطع أكثر من في الأرض فالمراد غيره كما قال أن تطيعوا الذين كفروا الآية وقوله أن يشأ الله يختم على قلبك ولئن أشركت ليحبطن عملك وما أشبهه فالمراد غيره وأن هذا حال من أشرك والنبي ص - لا يجوز عليه هذا وقوله تعالى اتق الله ولا تطع الكافرين فليس فيه إنه أطاعهم والله ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء كما قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم الآية و وما كان طردهم عليه السلام ولا كان من الظالمين انتهى من الشفا ص ولئن هذه اللام هي الموطئة والمؤذنة وهي مشعرة بقسم مقدر قبلها انتهى وقوله تعالى الذين أتيناهم الكتاب يتلونه الآية قال قتادة المراد بالذين في هذا الموضع من أسلم من أمة النبي ص - والكتاب على هذا التأويل القرءان وقال ابن زيد المراد من أسلم من بني إسرائيل والكتاب على هذا التأويل التوراة وءاتيناهم معناه أعطيناهم ويتلونه معناه يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي قال أحمد بن نصر الداودي وهذا قول ابن عباس قال عكرمة يقال فلان يتلو فلانا أي يتبعه ومنه والقمر إذا تلاها أي تبعها انتهى ولله در من اتبع كلام ربه واقتفى سنة نبيه وإن قل علمه قال القضاعي في اختصاره للمدارك قال في ترجمة سحنون كان سحنون يقول مثل العلم القليل في الرجل الصالح مثل العين العذبة في الأرض العذبة يزرع عليها صاحبها ما ينتفع به ومثل العلم الكثير في الرجل الطالح مثل العين الخرارة في السبخة تهر الليل والنهار ولا ينتفع بها انتهى وقيل يتلونه يقرءونه حق قراءته وهذا أيضا يتضمن الاتباع والامتثال وحق مصدر وهو بمعنى افعل والضمير في به عائد على الكتاب وقيل يعود على محمد ص - لان متبعي التوراة يجدونه فيها فيؤمنون به والضمير في يكفر به يحتمل من العود ما ذكر في الأول وقوله تعالى يا بني إسرائيل الآية تقدم بيان نظيرها ومعنى لا تنفعها شفاعة أنه ليست ثم وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة ت ولم ينبه رحمه الله على هذا في التي تقدمت أول السورة وابتلى معناه اختبر وفي مختصر الطبري ابتلى أي اختبر والاختبار من الله عز و جل لعباده على علم منه سبحانه بباطن أمرهم وظاهره وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه فيهم وقد روي ذلك عن علي رضي الله عنه في قوله عز و جل ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم فقال رضي الله عنه أن الله عز و جل لم يزل عالما بأخبارهم وخبرهم وما هم عليه وإن قوله ولنبلوكم حتى نعلم أي حتى نسوقكم إلى سابق علمي فيكم انتهى وهو كلام حسن وقد نبه ع على هذا المعنى فيما يأتي والعقيدة إن علمه سبحانه قديم علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو وإبراهيم يقال أن تفسيره بالعربية أب رحيم واختلف أهل التأويل في الكلمات فقال ابن عباس هي ثلاثون سهما هي الإسلام كله لم يتمه أحد كاملا إلا إبراهيم عليه السلام عشرة منها في براءة التائبون العابدون الآية وعشرة في الأحزاب أن المسلمين والمسلمات الآية وعشرة في سأل سائل ت وقيل غير هذا وفي البخاري أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم قال الراوي فأوحى الله إليه أني جاعلك للناس إماما والإمام القدوة وإنما سميت هذه الخصال كلمات لأنها اقترنت بها أوامر هي كلمات وروي أن إبراهيم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه كتب الله له البراءة من النار فذلك قوله تعالى وإبراهيم الذي وفى وقول إبراهيم عليه السلام ومن ذريتي هو على جهة الرغباء إلى الله أي ومن ذريتي يا رب فاجعل وقوله تعالى قال لا ينال عهدي الظالمين أي قال الله والعهد فيما قال مجاهد الإمامة وقوله تعالى وإذ جعلنا البيت أي الكعبة مثابة يحتمل من ثاب إذا رجع ويحتمل أن تكون من الثواب أي يثابون هناك وآمنا للناس والطير والوحوش إذ جعل الله لها حرمة من النفوس بحيث يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه وقرأ جمهور الناس واتخذوا بكسر الخاء على جهة الأمر لأمة محمد ص - وقرأ نافع وابن عامر واتخذوا بفتح الخاء على جهة الخبر عن من اتخذه من متبعي إبراهيم عليه السلام ومقام إبراهيم في قول ابن عباس وقتادة وغيرهما وخرجه البخاري هو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه ومصلى موضع صلاة ص من مقام من تبعيضية على الأظهر أو بمعنى في أو زائدة على مذهب الأخفش والمقام مفعل من القيام والمراد به هنا المكان انتهى يعني المكان الذي فيه الحجر المسمى بالمقام وقوله تعالى وعهدنا العهد على اللغة على أقسام منها الوصية بمعنى الأمر وطهرا قيل معناه ابنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة وقال مجاهد هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان وللطائفين ظاهره أهل الطواف وقاله عطاء وغيره وقال ابن جبير معناه للغرباء الطارئين على مكة والعاكفين قال ابن جبير هم أهل البلد المقيمون وقال عطاء هم المجاورون بمكة وقال ابن عباس المصلون وقال غيره المعتكفون والعكوف في اللغة الملازمة وقوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا أي من الجبابرة والعدو المستأصل وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم أمر جبريل فاقتلع فلسطين وقيل بقعة من الأردن فطاف بها حول البيت سبعا وأنزلها بوج فسميت الطائف بسبب الطواف وقوله تعالى قال ومن كفر فأمتعه قليلا الآية قال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما هذا القول من الله عز و جل لإبراهيم وقال ابن عباس وغيره هذا القول من إبراهيم قال ع فكان إبراهيم دعا للمؤمنين وعلى الكافرين وفي مختصر الطبري وقرأ بعضهم فامتعه بالجزم والقطع على الدعاء ورءاه دعاء من إبراهيم وروي ذلك عن أبي العالية كان ابن عباس يقول ذلك قول إبراهيم سأل ربه أن من كفر به فأمتعه قليلا يقول فارزقه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار أي الجئه انتهى وعلى هذه القراءة يجيء قول ابن عباس لا على قراءة الجمهور وقليلا معناه مدة العمر لأن متاع الدنيا قليل وقوله تعالى وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت الآية القواعد جمع قاعدة وهي الأساس ص القواعد قال الكسائي والفراء هي الجدر وقال أبو عبيدة هي الأساس انتهى واختلفوا في قصص البيت فقيل إن آدم أمر ببنائه ثم دثر ودرس حتى دل عليه إبراهيم فرفع قواعده وقيل أن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر الله وقيل غير هذا ع والذي يصح من هذا كله إن الله سبحانه أمر إبراهيم برفع قواعد البيت وجائز قدمه وجائز ان يكون ذلك ابتداء ولا يرجح شيء من ذلك الا بسند يقطع العذر وإسماعيل عطف على إبراهيم والتقدير يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم أي السميع لدعائنا العليم بنياتنا وخصا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما وقولهما اجعلنا بمعنى صيرنا مسلمين وكذلك كانا وإنما أرادا التثبيت والدوام والإسلام في هذا الموضع الإيمان والأعمال جميعا ومن في قوله ومن ذريتنا للتبعيض لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين والأمة الجماعة وأرنا قالت طائفة من رؤية البصر وقالت طائفة من رؤية القلب وهذا لا يصح قال قتادة المناسك معالم الحج واختلف في معنى طلبهم التوبة وهم أنبياء معصومون فقالت طائفة طلبا التثبيت والدوام وقيل أرادا من بعدهما من الذرية وقيل وهو الأحسن أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يسنا للناس أن تلك المواطن مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة وقال الطبري أنه ليس أحد من خلق الله إلا بينه وبين الله معان يحب أن تكون أحسن مما هي وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة واختلف في غير ذلك من الصغائر والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع وأن قول النبي ص - أني لأتوب في اليوم واستغفر الله سبعين مرة إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد علومه واطلاعه على أمر ربه فهو يتوب من منزلة إلى أعلى والتوبة هنا لغوية وقوله ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية هذا هو الذي أراد النبي ص - بقوله أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ومعنى منهم أي يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص ت وقد تواترت أخبار نبينا محمد ص - وبعثته في الكتب السالفة وعلم بذلك الأحبار وأخبروا به وبتعيين الزمن الذي يبعث فيه وقد روى البيهقي أحمد بن الحسين وغيره عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعة يقول سلوا أهل هذا الموسم أفيهم من هو من هذا الحرم قال قلت أنا فما تشاء قال هل ظهر أحمد بعد قلت ومن أحمد قال أحمد بن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه وهو خاتم الأنبياء مخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخل وسباخ إذا كان فلا تسبقن إليه فوضع في قلبي ما قال وأسرعت اللحاق بمكة فسألت هل ظهر بعدي أمر فقالوا محمد الأمي قد تنبأ وتبعه أبو بكر بن أبي قحافة فمشيت إلى أبي بكر وأدخلني إلى رسول الله ص - فأسلمت وقد روى العذري وغيره عن ابي بكر رضي الله عنه أنه قال لقيت شيخا باليمن فقال لي أنت حرمي فقلت نعم فقال واحسبك قرشيا قلت نعم قال بقيت لي فيك واحدة اكشف لي عن بطنك قلت لا افعل أو تخبرني لم ذلك قال أجد في العلم الصحيح أن نبيا يبعث في الحرمين يقارنه على أمره فتى وكهل أما الفتى فخواض غمرات ودفاع معضلات وأما الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة وعلى فخذه اليسرى علامة وما عليك أن تريني ما سالتك عنه فقد تكاملت فيك الصفة إلا ما خفي علي قال ابو بكر فكشفت له عن بطني فراى شامة سوداء فوق سرتي فقال أنت هو ورب الكعبة إني متقدم اليك في امر قلت ما هو قال إياك والميل عن الهدى وعليك بالتمسك بالطريقة الوسطى وخف الله فيما خولك وأعطى قال أبو بكر فلما ودعته قال أتحمل عني إلى ذلك النبي أبياتا قلت نعم فأنشأ الشيخ يقول ... ألم تراني قد سئمت معاشري ... ونفسي وقد أصبحت في الحي عاهنا ... ... حييت وفي الأيام للمرء عبرة ... ثلاث مئين بعد تسعين أمنا وقد خمدت مني شرارة قوتي ... وألفيت شيخا لا أطيق الشواحنا ... وأنت ورب البيت تأتي محمدا ... لعامك هذا قد أقام البراهنا ... فحي رسول الله عني فإنني ... على دينه أحيا وإن كنت قاطنا ... قال أبو بكر فحفظت شعره وقدمت مكة وقد بعث النبي ص - فجاءني صناديد قريش وقالوا يا ابا بكر يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي قال فجئت إلى منزل النبي ص - فقرعت عليه فخرج إلي فقلت يا محمد فقدت من منازل قومك وتركت دين آبائك فقال يا ابا بكر إني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم فآمن بالله فقلت وما دليلك قال الشيخ الراهب الذي لقيته باليمن قلت وكم من شيخ لقيت قال ليس ذلك أريد إنما أريد الشيخ الذي افادك الأبيات قلت ومن أخبرك بها قال الروح الأمين الذي كان يأتي الأنبياء قبلي قلت مد يمينك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال ابو بكر فانصرفت وما بين لبتيها أشد من رسول الله ص - فرحا بإسلامي انتهى من تأليف ابن القطان في الآيات والمعجزات ويتلوا عليهم آياتك أي آيات القرآن والكتاب القرآن قال قتادة والحكمة السنة وروى ابن وهب عن مالك أن الحكمة الفقه في الدين والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى ت ونقل عياض في مدركه عن مالك أن الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد وقال أيضا يقع في قلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله وقال أيضا الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له والفقه في الدين والعمل به انتهى وقد أشار ع إلى هذا عند قوله تعالى يؤت الحكمة من يشاء ت والظاهر أن المراد بالحكمة هنا ما قاله قتادة فتأمله ويزكيهم معناه يطهرهم وينميهم بالخير والعزيز الذي يغلب ويتم مراده والحكيم المصيب مواقع الفعل المحكم لها وقوله تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم الآية من استفهام والمعنى ومن يزهد فيه ويربأ بنفسه عنها إلا من سفه نفسه والملة الشريعة والطريقة وسفه من السفه الذي الذي معناه الرقة والخفة واصطفى من الصفوة معناه تخير إلا صفى ومعنى هذا الاصطفاء أنه نبأه واتخذه خليلا وإنه في الآخرة لمن الصالحين قيل المعنى أنه ف عمل الآخرة لمن الصالحين فالكلام على حذف مضاف إذ قال له ربه أسلم كان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس والإسلام هنا على أتم وجوهه والضمير في بها عائد على كلمته التي هي أسلمت لرب العالمين وقيل على الملة والأول أصوب لأنه أقرب مذكور ويعقوب قيل عطف على إبراهيم وقيل مقطوع منفرد بقوله يا بني والتقدير ويعقوب قال يا بني واصطفى هنا معناه تخير صفوة الأديان وقوله فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون إيجاز بليغ وذلك أن المقصود من أمرهم بالإسلام الدوام عليه فاتى بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه فقد توجه من وقت الأمر دائبا لازما وقوله تعالى أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية فرد الله عليهم وكذبهم وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية الإسلام وقال لهم على جهة التقرير والتوبيخ أشهدتم يعقوب بما أوصى فتدعون عن علم أم لم تشهدوا بل أنتم تفترون وأم للاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية وحكى الطبري أن ام يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره وهذا منه وشهداء جمع شاهد أي حاضر ومعنى الآية حضر يعقوب مقدمات الموت ومن بعدي أي من بعد موتي ودخل إسماعيل في الآباء لأنه عم وقد أطلق النبي ص - على العباس اسم الأب فقال هذا بقية آباءي وقال ردوا علي أبي الحديث وقال أنا ابن الذبيحين على القول الشهير في أن إسحاق هو الذبيح ت وفي تشهيره نظر بل الراجح أنه إسماعيل على ما هو معلوم في موضعه وسيأتي إن شاء الله تعالى وقوله تعالى تلك أمة قد خلت الآية يعني بالأمة الأنبياء المذكورين والمخاطب في هذه الآية اليهود والنصارى وقولهم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا نظير قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى والحنيف في الدين الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق ويجيء الحنيف في الدين بمعنى المستقيم على جميع طاعات الله قوله تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما اوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم الآية هذا الخطاب لأمة محمد ص - وما أنزل إلينا يعني القرءان والأسباط هم ولد يعقوب وهم روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وريالون ويشحر ودينة بنته وأمهم ليا ثم خلف على أختها راحيل فولدت له يوسف وبن يامين وولد له من سريتين ذان وتفثا لا وجاد وأشر والسبط في بني إسراءيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل فسموا الأسباط لأنه كان من كل واحد منهم سبط ولا نفرق بين أحد منهم أي لا نومن ببعض ونكفر ببعض كما تفعلون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به أي فإن صدقوا تصديفا مثل تصديقكم فقد اهتدوا وإن تولوا أي أعرضوا يعني اليهود والنصارى فإنما هم في شقاق أي في مشاقة ومخالفة لك هم في شق وأنت في شق وقيل شاق معناه شق كل واحد وصل ما بينه وبين صاحبه ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إياهم ويغلبه عليهم فكان ذلك في قتل بني قينقاع وبنى قريظة وإجلاء النضير وهذا الوعد وانتجازه من أعلام نبوءة نبينا محمد ص - والسميع لقول كل قائل والعليم بما ينفذه في عباده وصيغة الله شريعته ودينه وسنته وفطرته قال كثير من المفسرين وذلك أن النصارى لهم ماء يصبغون فيه أولادهم فهذا ينظر إلى ذلك وقيل سمي الدين صبغة استعارة من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر الصبغ في الثوب وغيره ونصب الصبغة على الإغراء وقوله تعالى قل أتحاجوننا في الله الآية معنى الآية قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى أتحاجوننا في الله أي أتجادلوننا في دينه والقرب منه والحظوى لديه سيحانه والرب واحد وكل مجازى بعمله ثم وبخهم بقوله ونحن له مخلصون أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم وقوله تعالى أم تقولون عطف على ألف الاستفهام المتقدمة وهذه القراءة بالتاء من فوق قراءة ابن عامر وحمزة وغيرهما وقرأ نافع وغيره بالياء من أسفل وأم على هذه القراءة مقطوعة ووقفهم تعالى على موضع الانقطاع في الحجة لأنهم إن قالوا إن الأنبياء المذكورين على اليهودية والنصرانية كذبوا لأنه قد علم أن هذين الدينين حدثا بعدهم وإن قالوا لم يكونوا على اليهودية والنصرانية قيل لهم فهلموا إلى دينهم إذ تقرون بالحق وقوله تعالى قل آنتم أعلم أم الله تقريرا على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطور إلا أن الله تعالى أعلم ومن أظلم ممن كتم شهادة أي لا أحد أظلم منه وإياهم أراد تعالى بكتمان الشهادة قال مجاهد وغيره فالذي كتموه هو ما كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوه وقال قتادة وغيره هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبي ص - والأول أشبه بسياق الآية ومن متعلقة بعنده ويحتمل أن تتعلق بكتم وما الله بغافل الآية فيه وعيد وإعلام أنه لا يترك أمرهم سدى والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا معلم بها وقوله تعالى تلك أمة الآية كررها عن قرب لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس الآية اختلف في تعيين هؤلاء السفهاء فقال ابن عباس هم الأحبار وذلك أنهم جاءوا إلى النبي ص - فقالوا يا محمد ما ولاك عن قبلتنا ارجع إليها ونومن بك يريدون فتنته وقيل اليهود والمنافقون وقالت فرقة هم كفار قريش وولاهم معناه صرفهم ويهدي من يشاء إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم وكذلك جعلناكم أي كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته جعلناكم أمة وسطا أي عدولا روي ذلك عن رسول الله ص - وتظاهرت به عبارات المفسرين والوسط الخيار والأعلى من الشيء وواسطة القلادة أنفس حجر فيها ومنه قوله تعالى قال أوسطهم وشهداء جمع شاهد والمراد بالناس هنا في قول جماعة جميع الجنس وإن أمة محمد ص - تشهد يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي ص - وروي عنه أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه ت وهذا الحديث خرجه البخاري وابن ماجه وابن المبارك في رقائقه وغيرهم قائلا ص - فذلك قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية وكون الرسول شهيدا قيل معناه بأعمالكم يوم القيامة وقيل عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان وقوله تعالى وما جعلنا القبلة الآية قال قتادة وغيره القبلة هنا بيت المقدس أي إلا فتنة لنعلم من يتبعك من العرب الذين لم يالفوا إلا مسجد مكة أو من اليهود على ما قاله الضحاك الذين قالوا للنبي ص - إن صليت إلى بيت المقدس اتبعناك فأمره الله بالصلاة إليه امتحانا لهم فلم يؤمنوا وقال ابن عباس القبلة في الآية الكعبة وكنت عليها بمعنى أنت عليها كقوله تعالى كنتم خير أمة بمعنى أنتم وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة وروي في ذلك أن رسول الله ص - لما حول إلى الكعبة أكثر في ذلك اليهود والمنافقون وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلت الآية ومعنى لنعلم أي ليعلم رسولي والمؤمنين به والقاعدة نفي استقبال العلم بعد إن لم يكن وينقلب على عقبيه عبارة عن المرتد والرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع وقوله تعالى وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله الآية الضمير في كانت راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس أو إلى التحويلة إلى الكعبة حسبما تقدم من الخلاف في القبلة وكبيرة هنا معناه شاقة صعبة تكبر في الصدور ولما حولت القبلة كانت من قول اليهود يا محمد إن كانت الأولى حقا فأنت الآن على باطل وإن كانت هذه حقا فكنت في الأولى على ضلال فوجمت نفوس بعض المؤمنين وأشفقوا على من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة فنزلت وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتك قاله ابن عباس وغيره وسمى الصلاة إيمانا لما كانت صادرة عن الإيمان ولأن الإيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال فذكره إذ هو الأصل وليلا يندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر وأيضا سميت إيمانا إذ هي من شعب الإيمان ت وفي العتبية من سماع ابن القاسم قال مالك قال الله تبارك وتعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم قال هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس قال ابن رشد وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير وقد قيل إن المعنى في ذلك وما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة عليكم إلى بيت المقدس انتهى من البيان والرأفة أعلى منازل الرحمة وقوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء الآية المقصد تقلب البصر وأيضا فالوجه بتقلب البصر قال قتادة وغيره كان رسول الله ص - يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة ومعنى التقلب نحو السماء أن السماء جهة قد تعود العالم منها الرحمة كالمطر والأنوار والوحي فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت النعم قال ص فلنولينك يدل على تقدير حال أي قد نرى تقلب وجهك في السماء طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها فلنولينك انتهى وترضاها معناه تحبها وكان النبي ص - يحب الكعبة والتحول عن بيت المقدس لوجوه ثلاثة رويت أحدها لقول اليهود ما علم محمد دينه حتى اتبعنا قاله مجاهد الثاني ليصيب قبلة إبراهيم عليه السلام قاله ابن عباس الثالث ليستألف العرب لمحبتها في الكعبة قاله الربيع والسدى ع والميزاب هو قبلة المدينة والشام وهنالك قبلة أهل الأندلس بتأريب ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل افق وقوله تعالى فول وجهك الآية أمر بالتحول ونسخ لقبلة الشام وشطر نصب على الظرف ومعناه نحو وتلقاء وحيث ما كنتم فولوا أمر للأمة ناسخ وإن الذين أوتوا الكتاب الآية المعنى أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم إمام الأمم وإن استقبالها هو الحق الواجب على الجميع اتباعا لمحمد ص - الذي يجدونه في كتبهم وتضمنت الآية الوعيد وقوله جلت قدرته ولئن أتيت الآية اعلم الله تعالى نبيه عليه السلام حين قالت له اليهود راجع بيت المقدس ونومن بك إن ذلك مخادعة منهم وإنهم لا يتبعون له قبلة يعني جملتهم لأن البعض قد اتبع كعبد الله بن سلام وغيره وإنهم لا يؤمنون بدينه أي فلا تصغ إليهم والآية هنا العلامة وقوله جلت عظمته وما أنت بتابع قبلتهم لفظ خبر يتضمن الأمر أي فلا تركن إلى شيء من ذلك وما بعضهم الآية قال ابن زيد وغيره المعنى ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى مبتعة قبلة اليهود فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم وقبلة النصارى مشرق الشمس وقبلة اليهود بيت المقدس وقوله تعالى ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم الآية خطاب للنبي ص - والمراد أمته وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي ص - ظلما متوقعا فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي ص - وقطعا أن ذلك لا يكون منه وإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه وخوطب النبي ص - تعظيما للأمر قال الفخر ودلت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله من بعد ما جاءك من العلم يدل على ذلك انتهى وهو حسن ص ولئن أتيت لام لئن مؤذنة بقسم مقدر قبلها ولهذا كان الجواب له ما تبعوا ولو كان للشرط لدخلت الفاء وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ومن ثم جاء فعل الشرط ماضيا لأنه إذا حذف جوابه وجب فعله لفظا انتهى وقوله تعالى الذين أتيناهام الكتاب يعرفونه الآية الضمير في يعرفونه عائد على الحق في القبلة والتحول إلى الكعبة قاله ابن عباس وغيره وقال مجاهد وغيره هو عائد على محمد ص - أي يعرفون صدقه ونبوءته ت بل وصفاته وإن فريقا منهم ليكتمون الحق الفريق الجماعة وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما تقدم على الخلاف في ضمير يعرفونه وهم يعلمون ظاهر في صحة الكفر عنادا وقوله تعالى من ربك أي هو الحق فلا تكونن من الممترين الخطاب للنبي ص - والمراد أمته وامترى في الشيء إذا شك فيه ومنه المراء لأن هذا يشك في قول هذا وقوله تعالى ولكل وجهة الوجهة من المواجهة كالقبلة والمعنى ولكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه قاله ابن عباس وغيره وقرأ ابن عامر هو مولاها أي الله موليها إياهم ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات والبدار إلى سبيل النجاة وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده أن النبي ص - قال من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه انتهى ثم وعظهم سبحانه بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيدا وتحذيرا ص أينما ظرف مضمن معنى الشرط في موضع خبر كان انتهى وقوله يأت بكم الله جميعا يعني به البعث من القبور وقوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعلمون معناه حيث كنت وإني توجهت من مشارق الأرض ومغاربها وكررت هذه الآية تأكيدا من الله سبحانه لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدا فأكد الأمر ليرى الناس التهمم به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه وقوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة الآية المعنى عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة لذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة والمراد بالناس العموم في اليهود والعرب وغيرهم إلا الذين ظلموا منهم أي من المذكورين ممن تكلم في النازلة في قولهم ما ولاهم عن قبلتهم وقوله تعالى فلا تخشوهم واخشوني الآية فيه تحقير لشأنهم وأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمره سبحانه قال الفخر وهذه الآية تدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه خشية ربه تعالى وأن يعلم انه ليس في أيدي الخلق شيء البتة وأن لا يكون مشتغل القلب بهم ولا ملتفت الخاطر إليهم انتهى قال ص إلا الذين استثناء متصل قاله ابن عباس وغيره أي لئلا تكون حجة من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا وتوجه للكعبة إلا حبا لبلده وقيل منقطع أي لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يتعلقون عليكم بالشبه وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى أن لا في الآية بمعنى الواو قال ومنه ... وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ... أي والذين ظلموا والفرقدان ورد بأن إلا بمعنى الواو لا يقدم عليه دليل انتهى وقوله تعالى فولوا وجهكم شطره أمر باستقبال القبلة وهو شرط في الفرض إلا في القتال حالة الالتحام وفي النوافل إلا في السفر الطويل للراكب والقدرة على اليقين في مصادفتها تمنع من الاجتهاد وعلى الاجتهاد تمنع من التقليد وقوله سبحانه ولأتم نعمتي عليكم عطف على قوله ليلا وقيل هو في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر تقديره ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ونحوه ولعلكم تهتدون ترج في حق البشر والكاف في قوله كما رد على قوله ولأتم أي إتماما كما وهذا أحسن الأقوال أي لأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عيه السلام كما أرسلنا فيكم رسولا منكم إجابة لدعوته في قوله ربنا وابعث فيهم رسولا منهم وقيل الكاف من كما رد على ما تهتدون أي اهتداء كما قال الفخر وهنا تأويل ثالث وهو أن الكاف متعلقة بما بعدها أيكما أرسلنا فيكم رسولا وأوليتكم هذه النعم فاذكروني أذكركم واشكروا لي الآية انتهى ت وهذا التأويل نقله الداودي عن الفراء انتهى وهذه الآية خطاب لأمة محمد ص - وءاياتنا يعني القرءان ويزكيكم أي يطهركم من الكفر وينميكم بالطاعة والكتاب القرءان والحكمة ما يتلقى عنه ص - من سنة وفقه ودين وما لم تكونوا تعلمون قصص من سلف وقصص ما يأتي من الغيوب قوله تعالى فاذكروني أذكركم الآية قال سعيد بن جبير معنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب ت وفي تفسير أحمد بن نصر الداودي وعن ابن جبير اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي وروي أن النبي ص - قال من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرءان ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرءان انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن أنس بن مالك قال ما من بقعة يذكر الله عليها بصلاة أو بذكر إلا افتخرت على ما حولها من البقاع واستبشرت بذكر الله إلى منتهاها من سبع أرضين وما من عبد يقوم يصلي إلا تزخرفت له الأرض قال ابن المبارك وأخبرنا المسعودي عن عون بن عبد الله قال الذاكر في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين انتهى وقال الربيع والسدى المعنى اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحوه وفي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ص - يقول الله تبارك وتعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منهم الحديث انتهى واشكروا لي أي نعمي وأيادي ولا تكفرون أي نعمي وأيادي ت وعن جابر قال قال رسول الله ص - ما أنعم الله على عبد من نعمة فقال الحمد لله إلا وقد أدى شكرها فإن قالها الثانية جدد الله لها ثوابها فإن قالها الثالثة غفر الله له ذنوبه رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح انتهى من السلاح وقوله تعالى إن الله مع الصابرين أي بمعونته وإنجاده وقوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات الآية سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر واحد من المؤمنين مات فلان مات فلان فكره الله سبحان أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم فنزلت هذه الآية وأيضا فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم تعظم منزلة الشهداء وتخبر عن حقيقة حالهم فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم ويظهر ذلك من حديث أم حارثة في السير ت وخرجه البخاري في صحيحه عن أنس قال أصيب حارثة يوم بدر إصابة غرب سهم وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ص - فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة اصبر واحتسب وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع فقال ويحك أو هبلت أوجنة واحدة هي إنها جنان كثيرة وإنه في الفردوس الأعلى الحديث انتهى ع والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم ت وللشهيد أحوال شريفة منها ما خرجه الترمذي وابن ماجه عن النبي ص - قال للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقربائه قال الترمذي هذا حديث حسن غريب زاد ابن ماجة ويحلى حلة الإيمان قال القرطبي في تذكرته هكذا وقع في نسخ الترمذي وابن ماجة ست خصال وهي في متن الحديث سبع وعلى ما في ابن ماجة ويحلى حلة الإيمان تكون ثمانيا وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد بسنده عن النبي ص - قال للشهيد عند الله ثمان خصال انتهى وخرج الترمذي والنساءي عنه ص - أنه قال الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة انتهى ع روي عن النبي ص - أن أراواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة وروي أنهم في قبة خضراء وروي أنهم في قناديل من ذهب إلى كثير من هذا ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات متغايرة ت وكذا ذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح أن المنعمين على جهات مختلفة بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم قال صاحب التذكرة وهذا قول حسن وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع انتهى قال ع وجمهور العلماء على أنهم في الجنة ويؤيده قول النبي ص - لأم حارثة أنه في الفردوس الأعلى وقال مجاهد هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها وفي مختصر الطبري قال ونهى عز و جل أن يقال لمن يقتل في سبيل الله أموات واعلم سبحانه أنهم أحياء ولكن لا شعور لنا بذلك إذ لا نشاهد باطن أمرهم وخصوا من بين سائر المؤمنين بأنهم في البرزخ يرزقون من مطاعم الجنة ما يرزق المؤمنون من اهل الجنة على انه قد ورد في الحديث إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ومعنى يعلق يأكل ومنه قولهم ما ذقت علاقا أي ماكلا فقد عم المؤمنين بأنهم يرزقون في البرزخ من رزق الجنة ولكن لا يمتنع أن يخص الشهداء من ذلك بقدر لا يناله غيرهم والله أعلم انتهى وروى النساءي أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين في قبورهم إلا الشهيد قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة انتهى ت وحديث إنما نسمة المؤمن طائر خرجه مالك رحمه الله قال الداودي وحديث مالك هذا أصح ما جاء في الأرواح والذي روي أنها تجعل في حواصل طير لا يصح في النقل انتهى قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد والأشبه قول من قال كطير أو كصور طير لموافقته لحديث الموطأ هذا وأسند أبو عمر هذه الأحاديث ولم يذكر مطعنا في إسنادها انتهى ثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دار بلاء ومحنة ثم وعد على الصبر فقال ولنبلونكم أي نمتحنكم بشيء من الخوف أي من الأعداء في الحروب ونقص من الأموال أي بالحوائج والمصائب والأنفس بالموت والقتل بالعاهات والمراد بشيء من هذا وشيء من هذا واكتفى بالأول إيجازا ثم وصف سبحانه الصابرين الذين بشرهم بقوله الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون فجعل سبحانه هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب لما جمعت من المعاني المباركة من توحيد الله سبحانه والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له قال الفخر قال أبو بكر الوراق إنا لله إقرار منا له بالملك وإنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلاك واعلم أن قوله إنا لله يدل على كونه راضيا بكل ما نزل به ووردت أخبار كثيرة في هذا الباب عن النبي ص - فمن استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه انتهى وروي أن مصباح رسول الله ص - انطفأ ذات ليلة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون فقيل أمصيبة هي يا رسول الله قال نعم كل ما أذى المؤمن فهو مصيبة قال النووي وروينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص - ليسترجع أحدكم في كل شيء حتى في شسع نعله فإنها من المصائب انتهى من الحلية وقوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم الآية نعم من الله تعالى على الصابرين المسترجعين وصلوات الله على عبده عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة وكرر الرحمة وهي من أعظم أجزاء الصلاة لما اختلف اللفظ تأكيدا منه تعالى وشهد لهم بالاهتداء ت وفي صحيح البخاري وقال عمر نعم العدلان ونعم العلاوة الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إلى المهتدون قال النووي في الحلية وروينا في سنن ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن عن عمرو بن حزم عن النبي ص - قال ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز و جل من حلل الكرامة يوم القيامة وروينا في كتاب الترمذي والسنن الكبير لليبهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من عزى مصابا فله مثل أجره إسناده ضعيف وروينا في كتاب الترمذي أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة قال الترمذي ليس إسناده بالقوي انتهى قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله الصفا جمع صفاة وهي الصخرة العظيمة والمروة واحدة المرو وهي الحجارة الصغار التي فيها لين ومن شعائر الله معناه معالمه ومواضع عبادته وقال مجاهد ذلك راجع إلى القول أي مما أشعركم الله بفضله مأخوذ من شعرت إذا تحسست وحج معناه قصد وتكرر واعتمر زار وتكرر مأخوذ من عمرت الموضع والجناح الإثم والميل عن الحق والطاعة ومن اللفظة الجناح لأنه في شق ومنه وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ويطوف أصله يتطوف فقوله ان الصفا والمروة الآية خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما وقوله فلا جناح ليس المقصود منه إباحة الطواف لمن شاءه لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم وإنما المقصود رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك في الأنصار ومذهب مالك والشافعي أن السعي بينهما فرض لا يجزى تاركه إلا العودة قال ابن العربي في أحكامه والدليل على ركنيته ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ان الله كتب عليكم السعي فاسعوا صححه الدارقطني ويعضده المعنى فإنه شعار أي معلم لا يخلو عنه الحج والعمرة فكان ركنا كالطواف انتهى ومن تطوع أي زاد برا بعد الواجب في جميع الأعمال وقال بعضهم معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة ومعنى شاكر أي يبذل الثواب والجزاء عليم بالنيات والأعمال لا يضيع معه لعامل عمل وقوله سبحانه إن الذين يكتمون ما أنزلنا الآية المراد بالذين أحبار اليهود ورهبان النصاري الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه و سلم وتتناول الآية بعد كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه وذلك مفسر في قول النبي صلى الله عليه و سلم من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من النار قال ابن العربي وللآية تحقيق وهو أن العالم إذا قصد الكتمان عصى وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أن معه غيره وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدثان بكل ما سمعا من النبي صلى الله عليه و سلم إلا عند الحاجة وكان الزبير اقلهم حديثا ثم قال ابن العربي فأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وأما إن لم يسأل فلا يلزم التبليغ إلا في القرآن وحده وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في فضيلة التبليغ بأنه قال نضر الله أمر أسمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها انتهى من أحكام القرآن والبينات والهدى أمر محمد صلى الله عليه و سلم ثم يعم بعد كل ما يكتم من خير وفي الكتاب يراد به التوراة والانجيل ويدخل القرآن في عموم الآية واختلف في اللاعنين فقال قتادة والربيع الملائكة والمؤمنون وهذا ظاهر واضح وقيل الحشرات والبهائم وقيل جميع المخلوقات ما عدا الثقلين الجن والإنس وهذان القولان لا يقتضيهما اللفظ ولا يثبتان إلا بسند يقطع العذر ثم استثنى الله سبحانه التائبين واصلحوا أي في أعمالهم وأقوالهم وبينوا أي أمر محمد صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار الآية هذه الآية محكمة في الذين وافوا على كفرهم واختلف في معنى قوله والناس أجمعين والكفار لا يلعنون أنفسهم فقال قتادة والربيع المراد بالناس المؤمنون خاصة وقال أبو العالية معنى ذلك في الآخرة وقوله خالدين فيها أي في اللعنة وقيل في النار وعاد الضمير عليها وإن لم يجر لها ذكر لثبوتها في المعنى ولاهم ينظرون أي لا يؤخرون عن العذاب ويحتمل أن يكون من النظر نحو قوله تعالى ولا ينظر إليهم يوم القيامة والأول أظهر لأن النظر بالعين إنما يعدى بالى إلا شاذا في الشعر وقوله تعالى والهكم اله واحد الآية إعلام بالوحدانية قال عطاء لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة ما الدليل على هذا وما آيته وعلامته ونحوه عن ابن المسيب فنزل عند ذلك قوله تعالى إن في خلق السموات والأرض الآية أي في اختراعها وإنشائها والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يقضى بذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم لعدي بن حاتم إنما هو بياض النهار وسواد الليل وهذا هو مقتضى الفقه في الإيمان ونحوها وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة فهو من الأسفار وقال الزجاج في كتاب الأنواء أول النهار ذرور الشمس قال وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار قال ع وقول النبي صلى الله عليه و سلم هو الحكم والفلك السفن ومفرده وجمعه بلفظ واحد وما أنزل الله من السماء من ماء يعنى به الأمطار وبث معناه فرق وبسط ودابة تجمع الحيوان كله وتصريف الرياح إرسالها عقيما وملقحة وصرا ونصرا وهلاكا وجنوبا وشمالا وغير ذلك والرياح جمع ريح وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب إلا في يونس في قوله سبحانه وجرين بهم بريح طيبة وهذا أغلب وقوعها في الكلام وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا هبت ريح يقول اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا وذلك لان ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطعة فلذلك يقال هي رياح وهو معنى نشر وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال الإشتراك بينها وبين ريح العذاب وهي لفظة من ذوات الواو يقال ريح وأرواح ولا يقال أرياح وإنما يقال رياح من جهة الكسرة وطلب تناسب الياء معها وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك وقال له أبو حاتم إن الأرياح لا يجوز فقال أما تسمع قولهم رياح فقال أبو حاتم هذا خلاف ذلك فقال صدقت ورجع والسحاب جمع سحابه سمي بذلك لأنه ينسحب وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر فهذه آيات وقوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا الآية الند النظير والمقاوم قال مجاهد وقتادة المراد بالأنداد الأوثان كحب الله أي كحبكم لله أو كحبكم حسبما قدر كل وجه منها فرقة ومعنى كحبهم أي يسوون بين محبة الله ومحبة الأوثان ثم أخبر أن المؤمنين أشد حبا لله لإخلاصهم وتيقنهم الحق وقوله تعالى ولو ترى الذين ظلموا أي ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله أو لعلمت أن القوة لله جميعا فجواب لو مضمر على التقديرين وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم علم ذلك ولكن خوطب والمراد أمته وقرأ حمزة وغيره بالياء أي ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالهم في الآخرة إذ يرون العذاب لعلموا أن القوة لله والذين اتبعوا بفتح التاء والباء هم العبدة لغير الله الضالون المقلدون لرؤسائهم أو للشياطين وتبريهم هو بأن قالوا إنا لم نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم والسبب في اللغة الحبل الرابط الموصل فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين وقال الذي اتبعوا أي الاتباع والكرة العودة إلى حال قد كان كذلك يريهم الله أعمالهم الآية يحتمل أن يكون من رؤية البصر ويحتمل رؤية القلب أي يريهم الله أعمالهم الفاسدة التي ارتكبوها وقال ابن مسعود اعمالهم الصالحة التي تركوها والحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي انقطع وذهبت قوته وقيل من حسر إذا كشف وقوله تعالى يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا الآية الخطاب عام وما بمعنى الذي وحلالا حال من الضمير العائد على ما وطيبا نعت ويصح أن يكون حالا من الضمير في كلوا تقديره مستطيبين والطيب عند مالك الحلال فهو هنا تأكيد لاختلاف اللفظ وهو عند الشافعي المستلذ ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر قال الفخر الحلال هو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد انتهى وخطوات جمع خطوة والمعنى النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه قال ابن عباس خطواته أعماله وقال غيره آثاره ع وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان وعدو يقع للمفرد والمثنى والجمع إنما يأمركم بالسوء والفحشاء الآية إنما ها هنا للحصر وأمر الشيطان إما بقوله في زمن الكهنة وإما بوسوسته والسوء مصدر من ساء يسوء وهي المعاصي وما تسوء عاقبته والفحشاء قيل الزنا وقيل ما تفاحش ذكره واصل الفحش قبح المنظر ثم استعملت اللفظة فيما يستقبح والشرع هوالذي يحسن ويقبح فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء وما لا تعملون قال الطبري يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها وجعلوه شرعا وإذا قيل لهم يعني كفار العرب وقال ابن عباس نزلت في اليهود والألف في قوله سبحانه أو لو كان للاستفهام لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون فقروا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم وقوة ألفاظ هذه الآية تعطى إبطال التقليد وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد ومثل الذين كفروا الآية المراد تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفقه ما يقول هكذا فسر ابن عباس وعكرمة والسدي وسيبويه فذكر تعالى بعض هذه الجملة وبعض هذه ودل المذكور على المحذوف وهذه نهاية الإيجاز والنعيق زجر الغنم والصياح بها وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم الآية الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ والآية تشير بتبعيض من إلى أن الحرام رزق وحض سبحانه على الشكر والمعنى في كل حالة وفي مصابيح البغوي عن أبي داود والنسائي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الطاعم الشاكر كالصائم الصابر انتهى قال القشيري قال أهل العلم بالأصول نعم الله تعال على ضربين نعمة نفع ونعمة دفع فنعمة النفع ما أولاهم ونعمة الدفع ما زوي عنهم وليس كل أنعامه سبحانه انتظام أسباب الدنيا والتمكن منها بل الطاف الله تعالى فيما زوى عنهم من الدنيا أكثر وإن قرب العبد من الرب تعالى على حسب تباعده من الدنيا انتهى من التحبير وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ببهجة المجالس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أنعم الله على عبد بنعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره وإن الرجل ليلبس الثوب فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له قال أبو عمر مكتوب في التوراة اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا مقام لها إذا كفرت انتهى وإن من قوله إن كنتم إياه تعبدون شرط والمراد بهذا الشرط التثبيت وهز النفوس كما تقول أفعل كذا إن كنت رجلا وإنما هاهنا حاصرة ولفظ الميتة عموم والمعنى مخصص لأن الحوت لم يدخل قط في هذا العموم وفي مسند البزار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه انتهى من الكوكب الدري للإمام أبي العباس أحمد بن سعد التجيبي والدم يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع ت بل فيه خلاف شاذ ذكره ابن الحاجب وغيره والمشهور أظهر لقول عائشة رضي الله عنها لو حرم غير المسفوح لتتبع الناس ما في العروق ولقد كنا نطبخ اللحم والبرمة تعلوها الصفرة انتهى وما أهل به لغير الله قال ابن عباس وغيره المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان وأهل به معناه صيح به ومنه استهلال المولود وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم فمن اضطر غير باغ ولا عاد قال قتادة وغيره معناه غير قاصد فساد وتعد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها وأصحاب هذا القول يجيزون الأكل منها في كل سفر مع الضرورة وقال مجاهد وغيره المعنى غير باغ على المسلمين وعاد عليهم فيدخل في الباغي والعادى قطاع السبل والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله ولغير هؤلاء هي الرخصة قال مالك رحمه الله يأكل المضطر شبعه وفي الموطأ وهو لكثير من العلماء أنه يتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفز قال ابن العربي في أحكامه وقد قال العلماء أن من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل دخل النار إلا أن يغفر الله له انتهى والمعنى أنه لم يأكل حتى مات جوعا فهو عاص وكأنه قتل نفسه وقد قال تعالى ولا تقتلوا أنفسكم الآية إلى قوله ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا قال ابن العربي وإذا دامت المخصمة فلا خلاف في جواز شبع المضطر وإن كانت نادرة ففي شبعه قولان أحدهما لمالك يأكل حتى يشبع ويتضلع وقال غيره يأكل بمقدار سد الرمق وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون انتهى وقوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب الآية قال ابن عباس وغيره المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه و سلم والكتاب التوراة والإنجيل ع وهذه الاية وإن كانت نزلت في الأحبار فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها وفي ذكر البطن تنبيه على مذمتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم قال الربيع وغيره سمي مأكلوهم نارا لأنه يؤل بهم إلى النار وقيل يأكلون النار في جهنم حقيقة ت وينبغي لأهل العلم التنزه عن أخذ شيء من المتعلمين على تعليم العلم بل يلتمسون الأجر من الله عز و جل وقد قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لا اسألكم عليه أجرا الآية وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن وأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله لآتين رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا سألته فأتيته فقلت يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله قال ان كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها وفي رواية فقلت ما ترى فيها يا رسول الله قال جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها انتهى وقوله تعالى ولا يكلمهم الله قيل هي عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم إذ في غير موضع من القرآن ما ظاهره أن الله تعالى يكلم الكافرين وقال الطبري وغيره المعنى لا يكلمهم بما يحبونه ولا يزكيهم أي لا يطهرهم من موجبات العذاب وقيل المعنى لا يسميهم أزكياء وقوله تعالى فما أصبرهم على النار قال جمهور المفسرين ما تعجب وهو في حيز المخاطبين أي هم أهل إن تعجبوا منهم ومما يطول مكثهم في النار وفي التنزيل قتل الإنسان ما أكفره واسمع بهم وأبصر وقال قتادة والحسن وابن جبير والربيع أظهر التعجب من صبرهم على النار لما علموا عمل من وطن نفسه عليها وتقديره ما أجرأهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها وذهب معمر بن المثنى إلى أن ما استفهام معناه أي شيء صبرهم على النار والأول أظهر وقوله سبحانه ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق الآية المعنى ذلك الأمر بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به والإشارة إلى وجوب النار لهم والكتاب القرآن وبالحق أي بالأخبار الحق أي الصادقة والذين اختلفوا في الكتاب هم اليهود والنصارى في قول السدي وقيل هم كفار العرب لقول بعضهم هو سحر وبعضهم أساطير وبعضهم مفترى إلى غير ذلك وبعيد هنا معناه من الحق والاستقامة وقوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب الآية قال ابن عباس وغيره الخطاب بهذه الآية للمؤمنين فالمعنى ليس البر الصلاة وحدها وقال قتادة والربيع الخطاب لليهود والنصارى لأنهم تكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليها فقيل لهم ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من آمن بالله وقوله تعالى وآتى المال علىحبه الآية هذه كلها حقوق في المال سوى الزكاة قال الفخر وروت فاطمة بنت قيس أن في المال حقا سوى الزكاة وتلا وآتى المال على حبه الآية وعنه صلى الله عليه و سلم لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاويا إلى جنبه انتهى قال ابن العربي في أحكامه وإذا وقع أداء الزكاة ثم نزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء وقد قال مالك يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وكذلك إذا منع الوالي الزكاة فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء الصحيح وجوب ذلك عليهم انتهى ومعنى آتى أعطى على حبه أي على حب المال ويحتمل أن يعود الضمير على اسم الله تعالى من قوله من آمن بالله أي من تصدق محبة في الله وطاعته وص والظاهر أن الضمير في حبه عائد على المال لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل انتهى قال ع والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى كما قال صلى الله عليه و سلم والشح في هذا الحديث هو الغريزي الذي في قوله تعالى واحضرت الأنفس الشح وليس المعنى أن يكون المتصدق متصفا بالشح الذي هو البخل وفي الرقاب أي العتق وفك الأسرى والصابرين نصب على المدح أو على إضمار فعل وهذا مهيع في تكرار النعوت والبأساء الفقر والفاقة والضراء المرض ومصائب البدن وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله في السراء والضراء رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم انتهى من السلاح وفي صحيح مسلم عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إذا أصابته سراء فشكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له انتهى وحين الباس أي وقت شدة القتال هذا قول المفسرين في الألفاظ الثلاثة تقول العرب بئس الرجل إذا افتقر وبؤس إذا شجع ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق في أمورهم أي هم عنده الظن بهم والرجاء فيهم كما تقول صدقني المال وصدقني الرمح ووصفهم تعالى بالتقى والمعنى هم الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص الآية كتب معناه فرض واثبت وصورة فرض القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه وترك التعدي على غيره فإن وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح والآية معلمه أن القصاص هو الغاية عند التشاح والقصاص مأخوذ من قص الأثر فكان القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها روي عن ابن عباس أن هذه الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة وأن قوله سبحانه الحر بالحر يعم الرجال والنساء وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل وقوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء الآية فيه تأويلات أحدها أن من يراد بها القاتل وعفي تتضمن عافيا وهو ولي الدم والأخ هو المقتول وشيء هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية هذا قول ابن عباس وجماعة من العلماء والعفو على هذا القول على بابه والتأويل الثاني وهو قول مالك أن من يراد بها الولي وعفى بمعنى يسر لا على بابها في العفو والأخ يراد به القاتل وشيء هي الدية والأخوة على هذا أخوة الإسلام والتأويل الثالث أن هذه الألفاظ في معنى الذين نزلت فيهم الآية وهم قوم تقاتلوا فقتل بعضهم بعضا فأمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يصلح بينهم ويقاصهم بعضهم من بعض بالديات على استواء الأحرار بالأحرار والنساء بالنساء والعبيد بالعبيد فمعنى الآية فمن فضل له من إحدى الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات وتكون عفى بمعنى فضل وقوله تعالى فاتباع تقديره فالواجب والحكم اتباع وهذا سبيل الواجبات كقوله تعالى فإمساك بمعروف وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا كقوله تعالى فضرب الرقاب وهذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن القضاء من المؤدي وقوله سبحانه ذلك تخفيف إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ الدية وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم إنما هو القصاص فقط والاعتداء المتوعد عليه في هذه الآية هوأن يأخذ الرجل دية وليه ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه فقال فريق من العلماء منهم مالك هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة وقال قتادة وغيره يقتل البتة ولا عفو فيه وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى ولكم في القصاص حياة المعنى أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم به أزدجر من يريد قتل أحد مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا وأيضا فكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلهما وتقاتلوا وكان ذلك داعيا إلى موت العدد الكثير فلما شرع الله سبحانه القصاص قنع الكل به ووقف عنده وتركوا الاقتتال فلهم في ذلك حياة وخص أولوا الألباب بالذكر تنبيها عليهم لأنهم العارفون القابلون للأوامر والنواهي وغيرهم تبع لهم وتتقون معناه القتل فتسلمون من القصاص ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك فإن الله سبحانه يثيب على الطاعة بالطاعة وقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الآية كتب معناه فرض واثبت وفي قوله تعالى إذا حضر مجاز لأن المعنى إذا تخوف وحضرت علاماته والخير في هذه الآية المال واختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فقال ابن عباس وقتادة والحسن الآية عامة وتقرر الحكم بها برهة ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض وقال بعض العلماء أن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة وهو وقوله صلى الله عليه و سلم أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وبالمعروف معناه بالقصد الذي تعرفه النفوس دون إضرار بالورثة ولا تنزير للوصية وحقا مصدر مؤكد وخص المتقون بالذكر تشريفا للرتبة ليتبادر الناس إليها وقوله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه الآية الضمير في بدله عائد على الإيصاء وأمر الميت وكذلك في سمعه ويحتمل أن يعود الذي في سمعه على أمر الله تعالى في هذه الآية والأول أسبق للناظر وسميع عليم صفتان لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المتعدين والجنف الميل ومعنى الآية على ما قال مجاهد من خشي أن يحيف الموصى ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الاذاية فذلك هو الجنف في إثم وإن لم يتعمد فهو الجنف دون إثم فالمعنى من وعظه في ذلك ورده عنه وأصلح ما بينه وبين ورثته وما بين الورثة في ذاتهم فلا أثم عليه أن الله غفور رحيم بالموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الاذاية وقال ابن عباس غيره معنى الآية من خاف أي علم ورأى بعد موت الموصي أن الموصى حاف وجنف وتعمد أذاية بعض ورثته فأصلح مابين الورثة فلا إثم عليه وإن كان في فعله تبديل ما لأنه تبديل لمصلحة والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى قوله جلت قدرته يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام الآية كتب معناه فرض والصيام في اللغة الإمساك ومنه قوله سبحانه إني نذرت للرحمن صوما وفي الشرع إمساك عن الطعام والشراب مقترنه به قرائن من مراعاة أوقات وغير ذلك وقوله تعالى كما كتب على الذين من قبلكم أختلف في موضع التشبيه قالت فرقة التشبيه كتب عليكم كصيام قد تقدم في شرع غيركم فالذين عام في النصارى وغيرهم ولعلكم ترج في حقهم وتتقون قيل على العموم لأن الصيام كما قال صلى الله عليه و سلم جنة ووجاء وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات وأياما معدودات قيل رمضان وقيل الثلاثة الأيام من كل شهر ويوم عاشوراء التي نسخت بشهر رمضان ص وأياما منصوب بفعل مقدر يدل عليه ما قبله أي صوموا أياما وقيل أياما نصب على الظرف انتهى وقوله سبحانه فمن كان منكم مريضا أو على سفر التقدير فأفطر فعدة وهذا يسمونه فحوى الخطاب واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر فقال جمهور العلماء إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف من الصوم تزيده صح له الفطر وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به واختلف في الأفضل من الفطر أو الصوم ومذهب مالك استحباب الصوم لمن قدر عليه وتقصير الصلاة حسن لأن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة في أمر الصيام والصواب المبادرة بالأعمال والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح وأما سفر العصيان فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة ثمانية وأربعون ميلا وقوله تعالى فعدة أي فالحكم أو الواجب عدة وفي وجوب تتابعها قولان وأخر لا ينصرف للعدل وقوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية الآية قرأ باقي السبعة غير نافع وابن عامر فدية بالتنوين طعام مسكين بالإفراد وهي قراءة حسنة لانها بينت الحكم في اليوم واختلفوا في المراد بالآية فقال ابن عمر وجماعة كان فرض الصيام هكذا على الناس من أراد أن يصوم صام ومن أراد أن يفطر أطعم مسكينا وأفطر ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقالت فرقة الآية في الشيوخ الذين يطيقونه بتكلف شديد والآية عند مالك إنما هي فيمن يدركه رمضان ثان وعليه صوم من المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه والفدية عند مالك وجماعة من العلماء مد لكل مسكين وقوله تعالى فمن تطوع خيرا فهو خير له الآية قال ابن عباس وغيره المراد من أطعم مسكينين فصاعدا وقال ابن شهاب من زاد الإطعام مع الصوم وقال مجاهد من زاد في الإطعام على المد وخيرا الأول قد نزل منزلة مال أو نفع وخير الثاني والثالث صفة تفضيل وقوله تعالى إن كنتم تعلمون يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا ت وجاء في فضل الصوم أحاديث صحيحة مشهورة وحدث أبوبكر بن الخطيب بسنده عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من صام يوما تطوعا لم يطلع عليه أحد لم يرض الله له بثواب دون الجنة قال وبهذا الإسناد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم بمثله انتهى قال ابن عبد البر في كتابه المسمى ببهجة المجالس قال أبو العالية الصائم في عبادة ما لم يغتب قال الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد البلالي الشافعي في اختصاره للأحياء وذكر السبكى في شرحه ان الغيبة تمنع ثواب الصوم إجماعا قال البلالي وفيه نظر لمشقة الاحتراز نعم ان اكثر توجهت المقالة انتهى وهذا الشيخ البلالي لقيته ورويت عنه كتابه هذا وصح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم قال أبو عمر في التمهيد وذلك لأن الصوم جنة يستجن بها العبد من النار وتفتح لهم أبواب الجنة لأن أعمالهم تزكو فيه وتقبل منهم ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة قبلها خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله لهم كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصائمون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ثم يصيرون إليك وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم آخر ليلة قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر قال لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا انقضى قال أبو عمر وفي سنده أبو المقدام فيه ضعف ولكنه محتمل فيما يرويه من الفضائل وأسند أبو عمر عن الزهري قال تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره انتهى ت وخرجه الترمذي عن الزهري قال تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره انتهى قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان الشهر مشتق من الإشتهار قال ص الشهر مصدر شهر يشهر إذا ظهر وهو اسم للمدة الزمانية وقال الزجاج الشهر الهلال وقيل سمي الشهر باسم الهلال انتهى ورمضان علقه هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمض وشدة الحر وكان اسمه قبل ذلك ناثرا واختلف في إنزال القرآن فيه فقال الضحاك أنزل في فرضه وتعظيمه والحض عليه وقيل بدىء بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه و سلم وقال ابن عباس فيما يأثر انزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان ثم كان جبريل ينزله رسلا رسلا في الأوامر والنواهي والأسباب وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين وهدى في موضع نصب على الحال من القرآن فالمراد أن القرآن بجملته من محكم ومتشابه ونساخ ومنسوخ هدى ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ والمحكم كله فالألف واللام في الهدى للعهد والمراد الأول قال ص هدى منصوب على الحال أي هاديا فهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل وذو الحال القرآن والعامل انزل انتهى والفرقان المفرق بين الحق والباطل وشهد بمعنى حضر والتقدير من حضر المصر في الشهر فالشهر نصب على الظرف وقوله سبحانه يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر قال مجاهد والضحاك اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر ع والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين وقد فسر ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم دين الله يسر قلت قال ابن الفاكهاني في شرح الأربعين للنووي فإن قلت قوله تعالى إن مع العسر يسرا الآية يدل على وقوع العسر قطعا وقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يدل على نفي العسر قطعا لأن ما لا يريده تعالى لايكون بإجماع أهل السنة قلت العسر المنفي غير المثبت فالمنفي إنما هو العسر في الأحكام لا غير فلا تعارض انتهى وترجم البخاري في صحيحه قول النبي صلى الله عليه و سلم يسروا ولا تعسروا وكان يحب التخفيف واليسر على الناس ثم أسند هو ومسلم عن انس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا واسند البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لأبي موسى ومعاذ يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا قال البخاري حدثنا أبو اليمان قال حدثنا حماد بن زيد عن الأزرق بن قيس قال كنا على شاطىء نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى وخلى فرسه فانطلق الفرس فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها ثم جاء فقضى صلاته وفينا رجل له رأي فأقبل يقول أنظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس فأقبل فقال ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وقال ان منزلي منزاح فلو صليت وتركته لم آت أهلى إلىالليل وذكر أنه قد صحب النبي صلى الله عليه و سلم فرأى من تيسيره انتهى وقوله تعالى ولتكملوا العدة معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر فيها وقوله تعالى ولتكبروا الله حض علىالتكبير في آخر رمضان قال مالك هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام إلى المصلى ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح اثناء التكبير ومنهم من يقول الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وقيل غير هذا والجميع حسن واسع مع البداءة بالتكبير وهداكم قيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم وتعميم الهدى جيد ولعلكم تشكرون ترج في حق البشر أي على نعم الله في الهدى ص ولعلكم تشكرون علة الترخيص والتيسير وهذا نوع من اللف لطيف المسلك انتهى وقوله جل وعلا وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان الآية قال الحسن بن ابي الحسن سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم اقريب ربنا فنناجبه أم بعيد فنناديه فنزلت الآية وأجيب قال قوم المعنى أجيب إن شئت وقال قوم إن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن تظهر الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عنه وإما أن يدخر له أجر في الآخرة وهذا بحسب حديث الموطأ وهو ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث الحديث ت وليس هذا باختلاف قول قال ابن رشد في البيان الدعاء عبادة من العبادات يؤجر فيها الأجر العظيم أجيبت دعوته فيما دعا به أو لم تجب وها أنا انقل إن شاء الله من صحيح الأحاديث في هذا المحل ما يثلج له الصدر وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وابن حبان في صحيحه واللفظ له وقال الحاكم صحيح الإسناد وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول عبدي إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني فيقول نعم يا رب فيقول أما أنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك فيقول نعم يا رب فيقول فإني عجلتها لك في الدنيا ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا قال نعم يا رب فيقول اني أدخرت لك بها في الجنة كذا وكذا كذا وكذا ودعوتني في حاجة اقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها فيقول نعم يا رب فيقول فإني عجلتها لك في الدنيا ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها فيقول نعم يا رب فيقول إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا وإما أن يكون أدخر له في الآخرة قال فيقول المؤمن في ذلك المقام يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه رواه الحاكم في المستدرك وعن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يرد القدر إلا الدعاء رواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيه واللفظ للحاكم وقال صحيح الاسناد قلت وقد أخرج ابن المبارك في رقائقه هذا الحديث أيضا قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن قيس عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد القضاء إلا الدعاء وأن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه انتهى وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يغنى حذر من فدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل من السماء فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد وقوله فيعتلجان أي يتصارعان وعن سلمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء رواه الحاكم أيضا وقال صحيح الإسناد وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من فتح له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الجنة قال الغزالي رحمه الله في كتاب الأحياء فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا يرد فأعلم أن القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب للرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم ثم في الدعاء من الفائدة أنه يستدعي حضور القلب مع الله عز و جل وذلك منتهى العبادات فالدعاء يرد القلب إلى الله عز و جل بالتضرع والاستكانة فانظره فإني آثرت الاختصار وانظر سلاح المؤمن الذي منه نقلت هذه الأحاديث ومن جامع الترمذي عن أبي خزامة واسمه رفاعة عن أبيه قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وانظر جواب عمر لأبي عبيدة نعم نفر من قدر لله إلى قدر الله الحديث هو من هذا المعنى انتهى والله الموفق بفضله وقوله تعالى فليستجيبوا لي قال أبو رجاء الخراساني معناه فليدعوني قال ع المعنى فليطلبوا أن أجيبهم وهذا هو باب استفعل أي طلب الشيء إلا ما شذ مثل استغنى الله وقال مجاهد وغيره المعنى فليجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان أي بالطاعة والعمل فائدة قال صحاب غاية المغنم في اسم الله الأعظم وهو إمام عارف بعلم الحديث وكتابه هذا يشهد له قال ذكر الدينوري في كتاب المجالسة عن ليث بن سليم أن رجلا وقف على قوم فقال من عنده ضيافة هذه الليلة فسكت القوم ثم عاد فقال رجل أعمى عندي فذهب به إلى منزله فعشاه ثم حدثه ساعة ثم وضع له وضوءا فقام الرجل في جوف الليل فتوضأ وصلى ما قضي له ثم جعل يدعو فانتبه الأعمى وجعل يسمع لدعائه فقال اللهم رب الأرواح الفانية والأجساد البالية أسألك بطاعة الأرواح الراجعة إلى أجسادها وبطاعة الأجساد الملتئمة في عروقها وبطاعة القبور المتشققة عن أهلها وبدعوتك الصادقة فيهم وأخذك الحق منهم وتبريز الخلائق كلهم من مخافتك ينتظرون قضاءك ويرجون رحمتك ويخافون عذابك اسألك أن تجعل النور في بصري والإخلاص في عملي وشكرك في قلبي وذكرك في لساني في الليل والنهار ما ابقيتني قال فحفظ الأعمى هذا الدعاء ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين ودعا به فأصبح قد رد الله عليه بصره انتهى من غاية المغنم في اسم الله الأعظم وإطلاق الفناء على الأرواح فيه تجوز والعقيدة أن الأرواح باقية لا تفنى وإنما عبر مفارقتها لأجسادها بالفناء هذا هو مراده وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن القلوب اوعية وبعضها أوعى من بعض فادعوا الله أيها الناس حين تدعون وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل انتهى قال ابن عطاء الله في لطائف المنن وإذا أراد الله أن يعطي عبدا شيئا وهبه الاضطرار إليه فيه فيطلبه بالاضطرار فيعطى وإذا أراد الله أن يمنع عبدا أمرا منعه الاضطرار إليه فيه ثم منعه إياه فلا يخاف عليك أن تضطر وتطلب فلا تعطى بل يخاف عليك أن تحرم الاضطرار فتحرم الطلب أو تطلب بغير اضطرار فتحرم العطاء انتهى وقوله سبحانه وليؤمنوا بي قال أبو رجاء في أني أجيب دعاءهم وقال غيره بل ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته وقوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الآية لفظة أحل تقتضي أنه كان محرما قبل ذلك وليلة نصب على الظرف والرفث كناية عن الجماع لأن الله تعالى كريم يكنى قاله ابن عباس وغيره والرفث في غير هذا فحش من القول وقال أبو إسحق الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس ع أو كلام في هذا المعنى وسبب هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره أن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم واصابوا النساء بعد النوم أو بعد صلاة العشاء على الخلاف في ذلك منهم عمر بن الخطاب جاء إلى امرأته فأرادها فقالت له قد نمت فظن أنها تعتل بذلك فوقع بها ثم تحقق أنها قد كانت نامت وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعا فذهب عمر فاعتذر عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزل صدر الآية وروي أن صرمة بن قيس نام قبل الأكل فبقي كذلك دون أكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل فنزل فيه من قوله تعالى وكلوا واشربوا واللباس أصله في الثياب ثم شبه التباس الرجل بالمرأة بذلك وتاب عليكم أي من المعصية التي وقعتم فيها قال ابن عباس وغيره باشروهن كناية عن الجماع وابتغوا ما كتب الله لكم قال ابن عباس وغيره أي ابتغوا الولد قال الفخر والمعنى لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل قال عليه السلام تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم انتهى وقيل المعنى ابتغوا ليلة القدر وقيل ابتغوا الرخصة والتوسعة قال قتادة وهو قول حسن وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الآية نزلت بسبب صرمة بن قيس وحتى غاية للتبين ولا يصح أن يقع التبين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر والخيط استعارة وتشبيه لرقة البياض اولا ورقة السواد الحاف به والمراد فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل ومن الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والفجر مأخوذ من تفجر الماء لأنه ينفجر شيئا بعد شيء وروي عن سهل أن سعد وغيره من الصحابة أن الآية نزلت إلا قوله من الفجر فصنع بعض الناس خيطين أبيض وأسود فنزل قوله تعالى من الفجر ع وروي أنه كان بين طرفي المدة عام من رمضان إلى رمضان تأخر البيان إلى وقت الحاجة وعدي بن حاتم جعل خيطين على وساده وأخبر النبي صلى الله عليه و سلم فقال له إن وسادك لعريض واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور وبه أخذ الناس ومضت عليه الامصار والاعصار ووردت به الأحاديث الصحاح أنه الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك وروي عن عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهم أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال وذكر عن حذيفة أنه قال تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ومن أكل وهو يشك في الفجر فعليه القضاء عند مالك وقوله سبحانه ثم أتموا الصيام إلى الليل أمر يقتضي الوجوب وإلى غاية وإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه وإذا كان من غير جنسه لم يدخل في المحدود والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس فمن أفطر شاكا في غروبها فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب تعالى وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن ولفظ ابن ماجه حتى يفطر انتهى من السلاح وعنه صلى الله عليه و سلم أن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد رواه ابن السني انتهى من حلية النووي وعنه صلى الله عليه و سلم أنه قال للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحه عند لقاء ربه رواه البخاري ومسلم انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا حماد بن سلمة عن واصل مولى ابي عيينه عن لقيط ابي المغيرة عن أبي بردة أن أبا موسى الأشعري كان في سفينة في البحر مرفوع شراعها فإذا رجل يقول يا أهل السفينة قفوا سبع مرار فقلنا ألا ترى على أي حال نحن ثم قال في السابعة قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه انه من عطش نفسه لله في يوم حار من أيام الدنيا شديد الحر كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة فكان أبو موسى يبتغي اليوم الشديد الحر فيصومه انتهى قال يوسف بن يحيى التادلي في كتاب التشوف وخرج عبد الرزاق في مصنفه عن هشام بن حسان عن واصل بن لقيط عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال غزا الناس برا وبحرا فكنت ممن غزا في البحر فبينما نحن نسير في الحبر إذ سمعنا صوتا يقول يا أهل السفينة قفوا أخبركم فنظرنا يمينا وشمالا فلم نر شيئا إلا لجة البحر ثم نادى الثانية حتى نادى سبع مرات يقول كذلك قال أبو موسى فلما كانت السابعة قمت فقلت ما تخبرنا قال أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه أن من عطش لله في يوم حار أن يرويه الله يوم القيامة وذكره ابن حبيب في الواضحة بلفظ آخر انتهى قال ابن المبارك وأخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني قال حدثني ضمرة بن حبيب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لكل شيء بابا وإن باب العبادة الصيام انتهى وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به إنما يدع شهوته وطعامه من أجلي انتهى وقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد قالت فرقة المعنى ولا تجامعوهن وقال الجمهور ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء وعاكفون أي ملازمون قال مالك رحمه الله وجماعة معه لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات وروي عن مالك أيضا أن ذلك في كل مسجد ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله قال ابن العربي في أحكامه وحرم الله سبحانه المباشرة في المسجد وكذلك تحرم خارج المسجد لأن معنى الآية ولا تباشروهن وأنتم ملتزمون للاعتكاف في المساجد معتقدون له انتهى وتلك إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود الحواجز بين الإباحة والحظر ومنه قيل للبواب حداد لأنه يمنع ومنه الحاد لأنها تمنع من الزينة والآيات العلامات الهادية إلى الحق وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الآية الخطاب لأمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ويدخل في هذه الآية القمار والخدع والغصوب وجحد الحقوق وغير ذلك وقوله سبحانه وتدلوا بها إلى الحكام الآية يقال أدلى الرجل بحجة أو بأمر يرجو النجاح به تشبيها بالذي يرسل الدلو في البير يرجو بها الماء قال قوم معنى الآية تسارعون في الأموال إلى المخاصمة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم اما بأن لا تكون على الجاحد بينه أو يكون مال أمانة كاليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله فالباء في بها باء السبب وقيل معنى الآية ترشوا بها على أكل أكثر منها فالباء الزاق مجرد وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشى إلا من عصم وهو الأقل وايضا فإن اللفظين متناسبتان تدلوا من إرسال الدلو والرشوة من الرشاء كأنها يمد بها لتقضى الحاجة والفريق القطعة والجزء وبالأثم أي بالظلم وأنتم تعلمون أي أنكم مبطلون وقوله تعالى يسألونك عن الأهلة قال ابن عباس وغيره نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه و سلم عن الهلال وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس ومواقيت أي لمحل الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من مصالح العباد ومواقيت للحج أيضا يعرف بها وقته وأشهره وقوله سبحانه وليس البر الآية قال البراء بن عازب والزهري وقتادة سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون تشرعا أن لايحول بينهم وبين السماء حائل فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدرات وقيل كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحا يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب وقيل غير هذا مما يشبهه وقوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الآية هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال قال ابن زيد والربيع قوله ولا تعتدوا أي في قتال من لم يقاتلكم وهذه الموادعة منسوخة بقوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة وقال ابن عباس وغيره ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم فهي محكمة وقوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفتموهم الآية قال ابن إسحاق وغيره نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الحضرمي وواقد وهي سرية عبد الله ابن جحش وثقفتموهم معناه احكمتم غلبتهم يقال رجل ثقف لقف إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور واخرجوهم خطاب لجميع المؤمنين والضمير لكفار قريش والفتنة أشد من القتل أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموكم بها على الرجوع إلى الكفر أشد من القتل ويحتمل أن يكون المعنى والفتنة أي الكفر والضلال الذي هم فيه اشد في الحرم واعظم جرما من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي وقوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام الآية قال الجمهور كان هذا ثم نسخ وقال مجاهد الآية محكمة ولا يجوز قتال احد يعنى عند المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل قلت وظاهر قوله صلى الله عليه و سلم وإنما احلت لى ساعة من النهار ولم تحل لأحد بعدى يقوى قول مجاهد وهذا هو الراجح عند الإمام الفخر وان الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم انتهى قال ابن العربي في احكامه وقد روى الأئمة عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه و سلم قال يوم فتح مكة ان هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والارض فهو حرام بحرمة الله تعالى الى يوم القيامة وانه لم يحل القتال فيها لأحد قبلى وانما احلت لى ساعة من نهار فقد ثبت النهي عن القتال فيها قرءانا وسنة فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل اليه واما الزانى والقاتل فلا بد من اقامة الحد عليه إلا أن يبتدىء الكافر بالقتال فيها فيقتل بنص القرءان انتهى وقرأ حمزة والكساءي ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فان قتلوكم فاقتلوهم أي فإن قتلوا منكم والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الاسلام وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله الفتنة هنا الشرك وما تابعه من اذى المؤمنين قاله ابن عباس وغيره والدين هنا الطاعة والشرع والانتهاء في هذا الموضع يصح مع عموم الآية في الكفار ان يكون الدخول في الاسلام ويصح ان يكون اداء الجزية وقوله تعالى الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص الآية قال ابن عباس وغيره نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية سنة ست حين صدهم المشركون أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه وادخلكم الحرم عليهم سنة سبع بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه والحرمات قصاص وقالت فرقة قوله والحرمات قصاص مما قبله وهو ابتداء امر كان في اول الاسلام ان من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك واتقوا الله قيل معناه في ان لا تعتدوا وقيل في ان لا تزيدوا على المثل وقوله تعالى وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة الآية سبيل الله هنا الجهاد واللفظ يتناول بعد جميع سبله وفي الصحيح أن أبا أيوب الانصاري كان على القسطنطينية فحمل رجل على عسكر العدو فقال قوم ألقى هذا بيده الى التهلكة فقال أبو أيوب لا إن هذه الآية نزلت في الانصار حين ارادوا لما ظهر الإسلام ان يتركوا الجهاد ويعمروا اموالهم واما هذا فهو الذي قال الله تعالى فيه ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله وقال ابن عباس وحذيفة بن اليمان وجمهور الناس المعنى لا تلقوا بايديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة واحسنوا قيل معناه في اعمالكم بامتثال الطاعات روي ذلك عن بعض الصحابة وقيل المعنى واحسنوا في الإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات قاله زيد بن اسلم وقال عكرمة المعنى واحسنوا الظن بالله عز و جل ت ولا شك ان لفظ الآية عام يتناول جميع ما ذكر والمخصص يفتقر الى دليل فاما حسن الظن بالله سبحانه فقد جاءت فيه احاديث صحيحة فمنها أنا عند ظن عبدي بي وفي صحيح مسلم عن جابر قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم قبل وفاته بثلاثة ايام يقول لا يموتن احدكم إلا وهو يحسن الظن بالله انتهى واخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده عن أنس ان النبي صلى الله عليه و سلم قال من حسن عبادة المرء حسن ظنه انتهى قال عبد الحق في العاقبة اما حسن الظن بالله عز و جل عند الموت فواجب للحديث انتهى ويدخل في عموم الآية انواع المعروف قال أبو عمر ابن عبد البر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كل معروف صدقة قال ابو جزء الجهيمى قلت يا رسول الله أوصنى قال لا تحقرن شيأ من المعروف ان تأتيه ولو ان تفرغ من دلوك في اناء المستسقى ولو ان تلقى اخاك ووجهك منبسط اليه وقال عليه السلام اهل المعروف في الدنيا هم اهل المعروف في الآخرة وقال عليه السلام ان لله عبادا خلقهم لحوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة انتهى من كتابه المسمى ببهجة المجالس وأنس المجالس وقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله قال ابن زيد وغيره اتمامهما ان لا تفسخا وان تتمهما اذا بدأت بهما وقال ابن عباس وغيره اتمامهما ان تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيهما من دماء وقال سفيان الثورى اتمامهما ان تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ويؤيد هذا قوله لله وفروض الحج النية والإحرام والطواف المتصل بالسعي يعنى طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة عندنا خلافا لأبي حنيفة والوقوف بعرفة وزاد ابن الماجشون جمرة العقبة وقوله تعالى فان احصرتم فما استيسر من الهدي هذه الآية نزلت عام الحديبية عند جمهور اهل التاويل واجمع جمهور الناس على أن المحصر بالعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه ان كان ثم هدي ويحلق رأسه وأما المحصر بمرض فقال مالك وجمهور من العلماء لا يحله الا البيت ويقيم حتى يفيق وإن أقام سنين فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة ثم تكون عليه حجة قضاء وفيها يكون الهدي وما في موضع رفع أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر وهو شاة عند الجمهور وقال ابن عمر وعروة جمل دون جمل وبقرة دون بقرة وقوله تعالى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله الخطاب لجميع الأمة وقيل للمحصرين خاصة ومحل الهدي حيث يحل نحره وذلك لمن لم يحصر بمنى والترتيب أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف للافاضة وقوله تعالى فمن كان منكم مريضا الآية المعنى فحلق لإزالة الأذى ففدية وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم ورأسه يتناثر قملا فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة والصيام عند مالك وجميع أصحابه ثلاثة أيام والصدقة ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع وذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه و سلم والنسك شاة بإجماع ومن أتى بأفضل منها ما يذبح أو ينحر فهو أفضل والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء حيث شاء من مكة وغيرها قال مالك وغيره كلما أتى في القرآن أو أو فإنه على التخيير وقوله تعالى فإذا أمنتم أي من العدو المحصر قاله ابن عباس وغيره وهو أشبه باللفظ وقيل معناه إذا برأتم من مرضكم وقوله سبحانه فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية قال ابن عباس وجماعة من العلماء الآية في المحصرين وغيرهم وصورة المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط أن يكون معتمرا في أشهر الحج وهو من غير حاضري المسجد الحرام ويحل وينشيء الحج من عامة ذلك دون رجوع إلى وطنه أو ما ساواه بعدا هذا قول مالك وأصحابه واختلف لم سمي متمتعا فقال ابن القاسم لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حلة في العمرة إلى وقت انشائه الحج وقال غيره سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما الزمه الله تعالى هديا كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد وجل الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي ولآدم عليه وقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة فإن فاته صيامها قبل يوم النحر فليصمها في أيام التشريق لأنها من أيام الحج وسبعة إذا رجعتم قال مجاهد وغيره أي إذا رجعتم من منى وقال قتادة والربيع هذه رخصة من الله سبحانه والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم ولما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع أزيل ذلك بالجلية من قوله تعالى تلك عشرة وكاملة قال الحسن بن أبي الحسن المعنى كاملة الثواب وقيل كاملة تأكيد كما تقول كتبت بيدي وقيل لفظها الأخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله الآية الإشارة بذلك على قول الجمهور هي إلى الهدي أي ذلك الأشتداد والإلزام وعلى قول من يرى أن المكي لا تجوز له العمرة في أشهر الحج تكون الإشارة إلى التمتع وحكمه فكأن الكلام ذلك الترخيص لمن لم ويتأيد هذا بقوله لمن لم لأن اللام أبدا إنما تجيء مع الرخص واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها فقيل من تجب عليه الجمعة بمكة فهو حضري ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي قال ع فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة وقيل من كان بحيث لا يقصر الصلاة فهو حاضر أي مشاهد ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي قال ع فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة وقيل من كان بحيث لا يقصر الصلاة فهو حاضر أي مشاهد ومن كان أبعد من ذلك فهو غائب وقال ابن عباس ومجاهد أهل الحرم كله حاضرو المسجد الحرام ثم أمر تعالى بتقواه على العموم وحذر من شديد عقابه وقوله تعالى الحج أشهر معلومات فى الكلام حذف تقديره اشهر الحج اشهر او وقت الحج اشهر معلومات قال ابن مسعود وغيره وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وقال ابن عباس وغيره هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة والقولان لمالك رحمه الله فمن فرض فيهن الحج أي الزمه نفسه وفرض الحج هو بالنية والدخول في الإحرام والتلبية تبع لذلك وقوله تعالى فيهن ولم يجيء الكلام فيها فقال قوم هما سواء في الاستعمال وقال ابو عثمان المازني الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة والقليل ليس كذلك تقول الاجذاع انكسرن والجذوع انكسرت ويؤيد ذلك قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله ثم قال منها وقوله تعالى فلا رفث ولا فسوق الآية وقرأ ابن كثير وأبو عمرو فلا رفث ولا فسوق ولا جدال بالرفع في الاثنين ونصب الجدال ولا بمعنى ليس في قراءة الرفع والرفث الجماع في قول ابن عباس ومجاهد ومالك والفسوق قال ابن عباس وغيره هي المعاصي كلها وقال ابن زيد ومالك الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله تعالى أو فسقا أهل لغير الله به والأول أولى قال الفخر وأكثر المحققين حملوا الفسق هنا على كل المعاصي قالوا لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل انتهى قال ابن عباس وغيره الجدال هنا أن تماري مسلما وقال مالك وابن زيد الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادق موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية قلت ومعنى الآية فلا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا كقوله صلى الله عليه و سلم والصوم جنة فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم الحديث انتهى قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق أراد نفيه مشروعا لا موجودا فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده وخبر الله سبحانه لا يقع بخلاف مخبره انتهى قال الفخر قال القفال ويدخل في هذا النهي ما وقع من بعضهم من مجادلة النبي صلى الله عليه و سلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ذلك وقالوا أنروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا الحديث انتهى وقوله تعالى وما تفعلوا من خير يعلمه الله المعنى فيثيب عليه وفي هذا تحضيض على فعل الخير ت وروى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ انتهى من السلاح ونحو هذا جوابه صلى الله عليه و سلم للمهاجرين حيث قالوا ما رأينا كالأنصار وأثنوا عليهم خيرا وقوله سبحانه تزودوا فإن خير الزاد التقوى الاية قال ابن عمر وغيره نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويبقون عالة على الناس فأمروا بالتزود وقال بعض الناس المعنى تزودوا الرفيق الصالح وهذا تخصيص ضعيف والأولى في معنى الآية وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة قلت وهذا التأويل هو الذي صدر به الفخر وهو الظاهر وفي قوله فإن خير الزاد التقوى حض على التقوى وقوله تعالى ليس عليكم جناح الآية الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفي ما يقتضي الزجر والعتاب وتبتغوا معناه تطلبوا أي لادرك في أن تتجروا وتطلبوا الربح وقوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات اجمع أهل العلم على تمام حج من وقف بعرفات بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل إلا مالك بن أنس فإنه قال لا بد أن يأخذ من الليل شيئا وأما من وقف بعرفة ليلا فلا خلاف بين الأمة في تمام حجه وأفاض القوم أو الجيش إذا اندفعوا جملة واختلف في تسميتها عرفة والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر اسماء البقاع وعرفة هي نعمان الأراك والمشعر الحرام جمع كله وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضي مأزمي عرفة إلى بطن محسر قاله ابن عباس وغيره فهي كلها مشعر إلا بطن محسر كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرفة بفتح الراء وضمها روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال عرفة كلها موقف إلا بطن عرفة والمزدلفة كلها مشعر إلا وارتفعوا عن بطن محسر وذكر هذا عبد الله ابن الزبير في خطبته وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام ندب عند أهل العلم قال مالك ومن مربه ولم ينزل فعليه دم وقوله تعالى واذكروه كما هداكم تعديد للنعمة وأمر بشكرها ص كما هداكم الكاف للتشبيه وهو في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف وما مصدرية أي كهدايته فتكون ما وما بعدها في موضع جر إذ ينسبك منها مع الفعل مصدر ويحتمل أن تكون للتعليل على مذهب الأخفش وابن برهان وجوز ابن عطية وغيره أن تكون ما كافة للكاف عن العمل والأول اولى لأن فيه إقرار الكاف على عملها الجر وقد منع صاحب المستوفى أن تكون الكاف مكفوفة بما واحتج من أثبته بقوله ... لعمرك إنني وأبو حميد ... كما النسوان والرجل الحليم ... ... أريد هجاءه وأخاف ربي ... واعلم أنه عبد لئيم ... انتهى ثم ذكرهم سبحانه بحال ضلالهم ليظهر قدر إنعامه عليهم وإن كنتم من قبله أي من قبل الهدى وقوله سبحانه ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس المخاطب بهذه الآية قريش ومن ولدت قاله ابن عباس وغيره وذلك أنهم كانوا لا يخرجون من الحرم ويقفون بجمع ويفيضون منه مع معرفتهم أن عرفة هي موقف إبراهيم فقيل لهم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي من عرفة وثم لسيت في هذه الآية للترتيب إنما هي لعطف جملة كلام على جملة هي منها منقطعة وقال الضحاك المخاطب بالآية جملة الأمة والمراد بالناس إبراهيم ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة وعلى هذا عول الطبري فتكون ثم على بابها وقرأ سعيد بن جبير الناسي وتأوله آدم عليه السلام وأمر عز و جل بالاستغفار لأنها مواطنة ومظان القبول ومساقط الرحمة وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب عشية عرفة فقال أيها الناس إن الله عز و جل تطاول عليكم في مقامكم هذا فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسن إلا التبعات فيما بينكم أفيضوا على اسم الله فلما كان غداة جمع خطب فقال أيها الناس إن الله تطاول عليكم فعوض التبعات من عنده وقوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم الآية قال مجاهد المناسك الذبائح وهي إراقة الدماء ع والمناسك عندي العبادات في معالم الحج مواضع النسك فيه والمعنى إذا فرغتم من حجكم الذي هو الوقوف بعرفة فاذكروا الله بمحامده واثنوا عليه بآلائه عندكم وكانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة تتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك فنزلت الآية إن يلزموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزام ذكر آبائهم بأيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين وقال ابن عباس وعطاء معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آبائهم وأمهاتهم أي فاستغيثوا به والجئوا إليه قال النووي في حليته والمراد من الذكر حضور القلب فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله ويتدبر مايذكر ويتعقل معناه فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود ولهذا كان المذهب الصحيح المختار استحباب مد الذاكر قوله لا إله إلا الله لما فيه من التدبر وأقوال السلف وأئمة الخلف في هذا مهشورة انتهى قال الشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الساحلي المالقي ومنفعة الذكر أبدا إنما هي تتبع معناه بالفكر ليقتبس الذاكر من ذكره أنوار المعرفة ويحصل على اللب المراد ولا خير في ذكر مع قلب غافل ساه ولا مع تضييع شيء من رسوم الشرع وقال في موضع آخر من هذا الكتاب الذي ألفه في السلوك ولا مطمع للذاكر في درك حقائق الذكر إلا بأعمال الفكر فيما تحت ألفاظ الذكر من المعاني وليدفع خطرات نفسه عن باطنه راجعا إلى مقتضى ذكره حتى يغلب معنى الذكر على قلبه وقد آن له أن يدخل في دائرة أهل المحاضرات انتهى وقوله تعالى فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا الآية قال أبو وائل وغيره كانت عادتهم في الجاهلية الدعاء في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة فنهو عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا وجاء النهي في صيغة الخبر عنه والخلاق الحظ والنصيب قال الحسن بن أبي الحسن حسنة الدنيا العلم والعبادة ع واللفظ أعم من هذا وحسنة الآخرة الجنة بإجماع وعن أنس قال كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه و سلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار رواه البخاري ومسلم وغيرهما زاد مسلم وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه انتهى أولئك لهم نصيب مما كسبوا وعد على كسب الأعمال الصالحة والرب سبحانه سريع الحساب لأنه لا يحتاج إلى عقد ولا إعمال فكر قيل لعلي رضي الله عنه كيف يحاسب الله الخلائق في يوم فقال كما يرزقهم في يوم وقيل الحساب هنا المجازات وقيل معنى الآية سريع مجيء يوم الحساب يكون المقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة وقوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات أمر الله سبحانه بذكره في الأيام المعدودات وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر ومن جملة الذكر التكبير في أثر الصلوات قال مالك يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق وبه قال الشافعي ومشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاثة تكبيرات ومن خواص التكبير وبركته ما رواه ابن السني بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التبكير يطفئه انتهى من حلية النووي وقوله تعالى فمن تعجل في يومين الآية قال ابن عباس وغيره المعنى من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه ومن تأخر إلى الثالث فلا إثم عليه أي كل ذلك مباح إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس فنزلت الآية رافعة للجناح قلت وأهل مكة في التعجيل كغيرهم على الأصح ثم أمر سبحانه بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف بين يديه وقوله تعالى ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا الآية قال السدي نزلت في الأخنس بن شريق أظهر الإسلام ثم هرب فمر بقوم من المسلمين فأحرق لهم زرعا وقتل حمرا قال ع ما ثبت قط أن الأخنس أسلم قلت وفي ما قاله ع نظر ولا يلزم من عدم ثبوته عنده الا يثبت عند غيره وقد ذكر أحمد بن نصر الداودي في تفسيره إن هذه الآية نزلت في الأخنس ابن شريق انتهى وسيأتي للطبري نحوه وقال قتادة وجماعة نزلت هذه الآية في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو ضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك فهي عامة معنى ويشهد الله أي يقول الله يعلم أني أقول حقا والألد الشديد الخصومة الذي يلوي الحجيج في كل جانب فيشبه انحرافه المشي في لديدي الوادي وعنه صلى الله عليه و سلم أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم وتولى وسعى يحتمل معنيين أحدهما أن يكونا فعل قلب فيجيء تولى بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه فسعى بحيلة وأدارته الدوائر على الإسلام نحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج وغيره والمعنى الثاني أن يكونا فعل شخص فيجيء تولى بمعنى أدبر ونهض وسعى أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها نحا هذا المنحى ابن عباس وغيره وقوله تعالى ويهلك الحرث والنسل قال الطبري المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر قال ع والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغته في الإفساد ولا يحب الفساد معناه لا يحبه من أهل الصلاح أو لا يحبه دينا وإلا فلا يقع إلا ما يحب الله وقوعه والفساد واقع وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة قال ع والحب له على الإرادة مزية إيثار إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته وقوله تعالى وإذا قيل له اتق الله الآية هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ويحذر المؤمن أن يوقعه الحرج في نحو هذا وقد قال بعض العلماء كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه اتق الله فيقول له عليك نفسك مثلك يوصيني قلت قال أحمد بن نصر الداودي عن ابن مسعود من أكبر الذنب أن يقال للرجل اتق الله فيقول عليك نفسك أنت تأمرني انتهى والعزة هنا المنعة وشدة النفس أي اعتز في نفسه فأوقعته تلك العزة في الإثم ويحتمل المعنى أخذته العزة مع الإثم وحسبه أي كافيه والمهاد ما مهد الرجل لنفسه كأنه الفراش وقوله تعالى ومن الناس من يشرى نفسه الآية تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر وقيل هذه الآية في شهداء غزوة الرجيع عاصم ابن ثابت وخبيب وأصحابهما وقال عكرمة وغيره هي في طائفة من المهاجرين وذكروا حديث صهيب ويشرى معناه يبيع ومنه وشروه بمثن بخس وحكى قوم أنه يقال شرى بمعنى اشترى ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب لأنه اشترى نفسه بماله وقوله تعالى والله رؤوف بالعباد ترجية تقتضي الحض على امتثال ما وقع به المدح في الآية كما أن قوله سبحانه فحسبه جهنم تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذم في الآية ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخول في السلم وهو الإسلام والمسالمة وقال ابن عباس نزلت في أهل الكتاب والألف واللام في الشيطان للجنس وعدو يقع للواحد والاثنين والجمع وقوله تعالى فإن زللتم من بعد ما جائتكم البينات الآية أصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك والمعنى ضللتم والبينات محمد صلى الله عليه و سلم وآياته ومعجزاته اذا كان الخطاب اولا لجماعة المؤمنين وإذا كان الخطاب لأهل الكتاب فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه و سلم والتعريف به وعزيز صفة مقتضية انه قادر عليكم لا تعجزونه ولا تمتنعون منه وحكيم أي محكم فيما يعاقبكم به لزللكم وقوله تعالى هل ينظرون أي ينتظرون والمراد هؤلاء الذين يزلون والظلل جمع ظلة وهي ما اظل من فوق والمعنى يأتيهم حكم الله وأمره ونهيه وعقابه إياهم وذهب ابن جريج وغيره إلى أن هذا التوعد هو مما يقع في الدنيا وقال قوم بل هو توعد بيوم القيامة وقال قوم إلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة واما الملائكة فالوعيد بإتيانهم عند الموت والغمام ارق السحاب واصفاه واحسنه وهو الذي ظلل به بنو اسراءيل وقال النقاش هو ضباب ابيض وقضي الأمر معناه وقع الجزاء وعذب اهل العصيان وقرأ معاذ بن جبل وقضاء الأمر والى الله ترجع الأمور هي راجعة اليه سبحانه قبل وبعد وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها الى الملوك في الدنيا وقوله سبحانه سل بني اسراءيل الآية معنى الآية توبيخهم على عنادهم بعد الآيات البينات والمراد بالآية كم جاءهم في امر محمد صلى الله عليه و سلم من ءاية معرفة به دالة عليه ونعمة الله لفظ عام لجميع أنعامه ولكن يقوى من حال النبي صلى الله عليه و سلم معهم أن المشار اليه هنا هو محمد صلى الله عليه و سلم فالمعنى ومن يبدل من بني إسراءيل صفة نعمة الله ثم جاء اللفظ منسحبا على كل مبدل نعمة لله ويدخل في اللفظ كفار قريش والتوراة ايضا نعمة على بني اسراءيل فبدلوها بالتحريف لها وجحد امر محمد صلى الله عليه و سلم فإن الله شديد العقاب خبر يتضمن الوعيد وقوله تعالى زين للذين كفروا الحياة الدنيا الآية الاشارة الى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من اتباع النبي صلى الله عليه و سلم كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم فذكر الله قبيح فعلهم ونبه على خفض منزلتهم بقوله والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ومعنى الفوقية هنا في الدرجة والقدر ويحتمل ان يريد ان نعيم المتقين في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن قلت وحكى الداودي عن قتادة فوقهم يوم القيامة قال فوقهم في الجنة انتهى ومهما ذكرت الداودى في هذا المختصر فانما اريد احمد بن نصر الفقيه المالكى ومن تفسيره انا انقل انتهى فان تشوفت نفسك ايها الأخ الى هذه الفوقية ونيل هذه الدرجة العلية فارفض دنياك الدنية وازهد فيها بالكلية لتسلم من كل آفة وبلية واقتد في ذلك بخير البرية قال عياض في شفاه فانظر رحمك الله سيرة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وخلقه في المال تجده قد اوتي خزائن الارض وجبيت اليه الاخماس وهادته جماعة من الملوك فما استأثر بشيء من ذلك ولا امسك درهما منه بل صرفه مصارفه واغنى به غيره وقوى به المسلمين ومات صلى الله عليه و سلم ودرعه مرهونه في نفقة عياله واقتصر من نفقته وملبسه على ما تدعوه ضرورته اليه وزهد فيما سواه فكان عليه السلام يلبس ما وجد فيلبس في الغالب الشملة والكساء الخشن والبرد الغليظ انتهى وقوله تعالى كان الناس امة واحدة الآية قال ابن عباس الناس القرون التي كانت بين آدم ونوح وهي عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله تعالى نوحا فمن بعده وقال ابن عباس ايضا كان الناس امة واحدة أي كفارا يريد في مدة نوح حين بعثه الله وقال ابي بن كعب وابن زيد المراد بالناس بنو ءادم حين اخرجهم الله نسما من ظهر ءادم أي كانوا على الفطرة وقيل غير هذا وكل من قدر الناس في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفارا قدر كانت بعثة النبيين اليهم والأمة الجماعة على المقصد ويسمى الواحد امة اذا كان منفردا بمقصد ومبشرين معناه بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب والكتاب اسم الجنس والمعنى جميع الكتب وليحكم مسند إلى الكتاب في قول الجمهور والذين اوتوه ارباب العلم به وخصوا بالذكر تنبيها منه سبحانه على عظيم الشنعة والقبح والبينات الدلالات والحجج والبغي التعدي بالباطل وهدى معناه ارشد والمراد بالذين ءامنوا من ءامن بمحمد صلى الله عليه و سلم فقالت طائفة معنى الآية ان الامم كذب بعضهم كتاب بعض فهدى الله امة محمد صلى الله عليه و سلم للتصديق بجميعها وقالت طائفة ان الله سبحانه هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه اهل الكتاب من قولهم ان إبراهيم كان يهوديا او نصرانيا قال زيد بن اسلم وكاختلافهم في يوم الجمعة فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غد وللنصارى بعد غد وفي صيامهم وجميع ما اختلفوا فيه قال الفراء وفي الكلام قلب واختاره الطبري قال وتقديره فهدى الله الذين ءامنوا للحق مما اختلفوا فيه ودعاه الى هذا التقدير خوف ان يحتمل اللفظ انهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه نحا الى هذا الطبري في حكايته عن الفراء قال ع وادعاء القلب على كتاب الله دون ضرورة تدفع الى ذلك عجز وسوء نظر وذلك ان الكلام يتخرج على وجهه ورصفه لان قوله فهدى يقتضى انهم اصابوا الحق وتم المعنى في قوله فيه وتبين بقوله من الحق جنس ما وقع الخلاف فيه وباذبه قال الزجاج معناه بعلمه ع والاذن هو العلم والتمكين فان اقترن بذلك امر صار اقوى من الاذن بمزية وقوله تعالى أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم الآية اكثر المفسرين انها نزلت في قصة الاحزاب حين حصروا المدينة وقالت فرقة نزلت تسلية للمهاجرين حين اصيبت اموالهم بعدهم وفيما نالهم من اذاية الكافرين لهم وخلوا معناه انقرضوا أي صاروا في خلاء من الأرض والبأساء في المال والضراء في البدن ومثل معناه شبه والزلزلة شدة التحريك تكون في الأشخاص والأحوال وقرأ نافع يقول بالرفع وقرأ الباقون بالنصب وحتى غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن وعلى قراءة نافع كأنها أقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب والرسول اسم الجنس وقالت طائفة في الكلام تقديم وتأخير والتقدير حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول ألا أن نصر الله قريب فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان قال ع وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر ويحتمل أن يكون ألا إن نصر الله قريب إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول قوله تعالى يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير الآية السائلون هم المؤمنون والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها وما يصح أن تكون في موضع رفع على الابتداء وذا خبرها بمعنى الذي وينفقون صلة وفيه عائد على ذا تقديره ينفقونه ويصح أن تكون ماذا اسما واحدا مركبا في موضع نصب قال قوم هذه الآية في الزكاة المفروضة وعلى هذا نسخ منها الوالدان وقال السدي نزلت قبل فرض الزكاة ثم نسختها آية الزكاة المفروضة وقال ابن جريج وغيره هي ندب والزكاة غير هذا الإنفاق وعلى هذا لا نسخ فيها وما تفعلوا جزم بالشرط والجواب في الفاء وظاهر الآية الخبر وهي تتضمن الوعد بالمجازات وكتب معناه فرض واستمر الإجماع على إن الجهاد على أمة محمد صلى الله عليه و سلم فرض كفاية وقوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا الآية قال قوم عسى من الله واجبة والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظهرون وتغنمون وتوجرون ومن مات مات شهيدا وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم قال ص قوله وعسى أن تحبوا شيئا عسى هنا للترجي ومجيئها له كثير في كلام العرب قالوا وكل عسى في القرآن للتحقيق يعنون به الوقوع إلا قوله تعالى عسى ربه إن طلقكن انتهى وفي قوله تعالى والله يعلم الآية قوة أمر وقوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام الآية نزلت في قصة عمرو بن الحضرمي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث سرية عليها عبد الله بن جحش الأسدي مقدمة من بدر الأولى فلقوا عمر بن الحضرمي ومعه عثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم بن كيسان في آخر يوم من رجب على ما قله ابن إسحاق وقالوا إن تركناهم اليوم دخلوا الحرم فأزمعوا قتالهم فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله وأسر عثمان بن عبد الله والحكم وفر نوفل فأعجزهم وأستسهل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم فقالت قريش محمد قد استحل الأشهر الحرم وعيروا بذلك وتوقف النبي صلى الله عليه و سلم وقال ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم فنزلت هذه الآية وقتال بدل اشتمال عند سيبويه وقال الفراء هو مخفوض بتقدير عن وقرىء به والشهر في الآية اسم الجنس وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما تعتدل عنده فكانت لا تسفك دما ولا تغير في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى فذلك قوله تعالى قل قتال فيه كبير وصد مبتدأ مقطوع مما قبله والخبر أكبر ومعنى الآية على قوم الجمهور أنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام وكفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد عنه كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه أكبر جرما عند الله قال الزهري ومجاهد وغيرهما قوله تعالى قل قتال فيه كبير منسوخ ص وسبيل الله دينه والمسجد قراءة الجمهور بالخفض قال المبرد وتبعه ابن عطية وغير هو معطوف على سبيل الله ورد بأنه حينئذ يكون متعلقا بصد أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيلزم الفصل بين المصدر وهو صد وبين معموله وهو المسجد باجنبي وهو وكفر به ولا يجوز وقيل معطوف على ضمير به أي وكفر به وبالمسجد ورد بأن فيه عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض ولا يجوز عند جمهور البصريين وأجازه الكوفيون ويونس وأبو الحسن والشلوبين والمختار جوازه لكثرته سماعا ومنه قراءة حمزة تساءلون به والأرحام أي وبالارحام وتأويلها على غيره بعيد يخرج الكلام عن فصاحته انتهى وقوله تعالى والفتنة أكبر من القتل المعنى عند جمهور المفسرين والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام وقيل المعنى والفتنة اشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون وقوله تعالى ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا هو ابتداء خبر من الله تعالى وتحذير منه للمؤمنين وقوله تعالى ومن يرتدد أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر عياذا بالله قالت طائفة من العلماء يستتاب المرتد ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه وفي قول له يقتل دون استتابة وحبط العمل إذا انفسد في آخره فبطل وميراث المرتد عند مالك والشافعي في بيت مال المسلمين وقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله الآية قال عروة بن الزبير وغيره لما عنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه شق ذلك عليهم فتلافاهم الله عز و جل بهذه الآية ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز و جل وهاجر الرجل إذا انتقل نقلة إقامة من موضع إلى موضع وقصد ترك الأول إيثارا للثاني وهي مفاعلة من هجر وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد ويرجون معناه يطمعون ويستقربون والرجاء تنعم والرجاء أبدا معه خوف ولا بد كما أن الخوف معه رجاء ت والرجاء ما قارنه عمل وإلا فهو أمنية قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر الآية السائلون هم المؤمنون والخمر مأخوذ من خمر إذا ستر ومنه خمار المرأة والخمر ما واراك من شجر وغيره ومنه قول الشاعر ... ألا يا زيد والضحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطريق ... ولما كانت الخمر تستر العقل وتغطى عليه سميت بذلك وأجمعت الأمة على تحريم خمر العنب ووجوب الحد في القليل والكثير منه وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب محرم قليله وكثيره والحد في ذلك واجب وروي أن هذه الآية أول تطرق إلى تحريم الخمر ثم بعده لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ثم إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم الآية إلى قوله فهل أنتم منتهون ثم قوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حرمت الخمر ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه و سلم في حد الخمر إلا أنه جلد أربعين خرجه مسلم وابو داوود وروي عنه صلى الله عليه و سلم أنه ضرب فيها ضربا مشاعا وحزره أبو بكر أربعين سوطا وعمل بذلك هو ثم عمر ثم تهافت الناس فيها فشدد عليهم الحد وجعله كاخف الحدود ثمانين وبه قال مالك ويجتنب من المضروب الوجه والفرج والقلب والدماغ والخواصر بإجماع قال ابن سيرين والحسن وابن عباس وابن المسيب وغيرهم كل قمار ميسر من نرد وشطرنج ونحوه حتى لعب الصبيان بالجوز ت وعبارة الداودي وعن ابن عمر الميسر القمار كله قال ابن عباس كل ذلك قمار حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب انتهى وقوله تعالى قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس الآية قال ابن عباس والربيع الإثم فيهما بعد التحريم والمنفعة قبله وقال مجاهد المنفعة بالخمر كسب أثمانها وقيل اللذة بها إلى غير ذلك من افراحها ثم أعلم الله عز و جل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة فهذا هو التقدمة للتحريم وقوله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال جمهور العلماء هذه نفقات التطوع والعفو مأخوذ من عفا الشيء إذا كثر فالمعنى انفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم توذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة على الناس وقوله تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون الإشارة إلى ما تقدم تبيينه من الخمر والميسر والإنفاق وأخبر تعالى أنه يبين للمؤمنين الآيات التي تقودهم إلى الفكرة في الدنيا والآخرة وذلك طريق النجاة لمن نفعته فكرته قال الداودي وعن ابن عباس لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة يعني في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها انتهى قال الغزالي رحمه الله تعالى العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة فإنها مصيره مستقره فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة فإن نظر إلى سواد ذكر ظلمة اللحد وإن نظر إلى صورة مروعة تذكر منكرا ونكيرا والزبانية وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور وإن رأى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف له من آخر أمره بعد الحساب من رد أو قبول وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل لا يصرفه عنه إلا مهمات الدنيا فإذا نسب مدة مقامه في الدنيا إلى مدة مقامه في الآخرة استحقر الدنيا إن لم يكن أغفل قلبه وأعميت بصيرته انتهى من الأحياء وقوله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير قال ابن عباس وسعيد بن المسيب سبب الآية أن المسلمين لما نزلت ولا تقربوا مال اليتيم الآية ونزلت إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت وإن تخالطوهم فإخوانكم الآية وأمر الله سبحانه نبيه أن يجيب بأن من قصد الإصلاح في مال اليتيم فهو خير فرفع تعالى المشقة وأباح الخلطة في ذلك إذا قصد الإصلاح ورفق اليتيم وقوله سبحانه والله يعلم المفسد من المصلح تحذير وقوله تعالى ولو شاء الله لأعنتكم أي لأ تعبكم في تجنب أمر اليتامى والعنت المشقة ومنه عقبة عنوت ومنه عنت العزبة وعزيز مقتضاه لا يرد أمره وحكيم أي محكم ما ينفذه وقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ونكح أصله في الجماع ويستعمل في العقد تجوزا قالت طائفة المشركات هنا من يشرك مع الله إلها آخر وقال قتادة وابن جبير الآية عامة في كل كافرة وخصصتها أية المائدة لم يتناول العموم قط الكتابيات وقال ابن عباس والحسن تناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم في الكتابيات وهو مذهب مالك رحمه الله ذكره ابن جبيب وقوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة الآية هذا إخبار من الله سبحانه أن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ولو أعجبتكم في الحسن وغير ذلك هذا قول الطبري وغيره وقوله سبحانه ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا الآية أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغصاصة على دين الإسلام قال بعض العلماء أن الولاية في النكاح نص في هذه الآية قلت ويعني ببعض العلماء محمد بن علي بن حسين قاله ابن العربي انتهى ولعبد مؤمن مملوك خير من مشرك حسيب ولو أعجبكم حسنه وماله حسبما تقدم قال ع وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكر العبد والأمة عبارة عن جميع الناس حرهم ومملوكهم إذ هم كلهم عبيده سبحانه وقوله تعالى أولئك يدعون إلى النار أي بصحبتهم ومعاشرتهم والانحطاط في كثير من أهوائهم والله عز و جل ممن بالهداية ويبين الآيات ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع إلى الجنة والإذن العلم والتمكين فإن انضاف إلى ذلك أمر فهو أقوى من الإذن لأنك إذا قلت أذنت في كذا فليس يلزمك أنك أمرت ولعلهم ترج في حق البشر ومن تذكر عمل حسب التذكر فنجا قوله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى قال الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح وقال قتادة وغيره إنما سألوه لأن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مواكلة الحائض ومساكنتها فنزلت الآية وقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض يريد جماعهن بما فسر من ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم من أن تشد الحائض أزارها ثم شأنه بأعلاها قال أحمد بن نصر الداودي روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اتقوا النساء في المحيض فإن الجذام يكون من أولاد المحيض انتهى قوله تعلى ولا تقربوهن حتى يطهرن وقرأ حمزة وغيره يطهرن بتشديد الطاء والهاء وفتحهما وكل واحدة من القراءتين يحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال اذاه قال ابن العربي في أحكامه سمعت أبا بكر الشاشي يقول إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلتبس بالفعل وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه انتهى وجمهور العلماء على أن وطاها في الدم ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة فيه بمال وجمهورهم على أن الطهر الذي يحل جماع الحائض هو بالماء كطهر الجنب ولا يجزيء من ذلك تيمم ولا غيره وقوله تعالى فإن تطهرن الآية الخلاف فيها كما تقدم وقال مجاهد وجماعة تطهرن أي اغتسلن بالماء بقرينة الأمر بالإتيان لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل وفاتوهن أمر بعد الحظر يقتضي الإباحة والمعنى من حيث أمركم الله بإعتزالهن وهو الفرج أو من السرة إلىالركبة على الخلاف في ذلك وقال ابن عباس المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض وقيل المعنى من قبل حال الإباحة لا صائمات ولا محرمات ولا غير ذلك والتوابون الرجاعون وعرفه من الشر إلى الخير والمتطهرون قال عطاء وغيره المعنى بالماء وقال مجاهد غيره المعنى من الذنوب وقوله تعالى نساؤكم حرث لكم الآية مبيحة لهيآت الإتيان كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث ولفظه الحرث تعطى أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع قال ابن العربي في أحكامه وفي سبب نزول هذه الآية روايات الأولى عن جابر قال كانت اليهود تقول من أتى امرأة في قبلها من دبرها جاء الولد أحول فنزلت الآية وهذا حديث صحيح خرجه الأئمة الثانية قالت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى نساؤكم حرث لكم قال يأتيها مقبلة ومدبرة إذا كان في صمام واحد خرجه مسلم وغيره الثالثة ما روى الترمذي أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال له هلكت قال وما أهلكك قال حولت البارحة رحلي فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه و سلم شيئا حتى نزلت نساؤكم حرث لكم أقبل وأدبر وأتق الدبر انتهى قال ع وأنى شئتم معناه عند جمهور العلماء من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة على جنب قال ع وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في مصنف النسائي وفي غيره أنه قال إتيان النساء في أدبارهن حرام وورد عنه فيه انه قال ملعون من أتى امرأة في دبرها وورد عنه أنه قال من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد وهذا هو الحق المتبع ولا ينبغي لمؤمن بالله أن يعرج بهذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه والله المرشد لا رب غيره وقوله جلت قدرته وقدموا لأنفسكم قال السدي معناه قدموا الأجر في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به وأتقوا الله تحذير وأعلموا انكم ملاقوه خبر يقتضي المبالغة في التحذير أي فهو مجازيكم على البر والإثم وبشر المؤمنين تأنيس لفاعلي البر ومتبعى سنن الهدى قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الآية مقصد الآية ولا تعرضوا اسم الله تعالى فتكثروا الإيمان به فإن الحنث يقع مع الإكثار وفيه قلة رعي لحق الله تعالى وقال الزجاج وغيره معنى الآية أن يكون الإنسان إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله وقال علي يمين وهو لم يحلف وقوله عرضة قال ابن العربي في أحكامه أعلم أن بناء عرض في كلام العرب يتصرف على معان مرجعها إلى المنع لأن كل شيء عرض فقد منع ويقال لما عرض في السماء من السحاب عارض لأنه يمنع من رؤيتها ومن رؤية البدرين والكواكب انتهى وإن تبروا مفعول من أجله والبر جميع وجوه البر وهو ضد الإثم وسميع أي لأقوال العباد عليم بنياتهم وهو مجاز على الجميع واليمين الحلف وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاهدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا وقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم سقط الكلام الذي لا حكم له قال ابن عباس وعائشة والشعبي وأبو صالح ومجاهد لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة لا والله وبلى والله دون قصد لليمين وقد أسنده البخاري عن عائشة وقال أبو هريرة والحسن ومالك وجماعة لغو اليمين ما حلف به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك ع وهذا اليقين هو غلبة الظن وقال زيد بن أسلم لغو اليمين هو دعاء الرجل على نفسه وقال الضحاك هي اليمين المكفرة وحكى ابن عبد البر قولا أن اللغو إيمان المكره قال ع وطريقة النظر أن تتأمل لفظة اللغو ولفظة الكسب ويحكم موقعهما في اللغة فكسب المرء ما قصده ونواه واللغو ما لم يتعمده أو ما حقه لهجنته إن يسقط فيقوي على هذه الطريقة بعض الأقوال المتقدمة ويضعف بعضها وقد رفع الله عز و جل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو فحقيقته ما لا إثم فيه ولا كفارة والمؤاخذة في الإيمان هي بعقوبة الآخرة في الغموس المصبورة وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة لان المواخذةقد وقعت فيها وتخصيص المواخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم ت والقول الأول ارجح وعليه عول اللخمي وغيره وقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم قال ابن عباس وغيره ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس فهذه فيها المواخذة في الآخرة أي ولا تكفر ع وسميت الغموس لأنها غمست صاحبها في الإثم وغفور حليم صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة إذ هو باب رفق وتوسعة وقوله تعالى للذين يولون من نسائهم الآية يولون معناه يحلفون والايلاء اليمين واختلف من المراد بلزوم حكم الإيلاء فقال مالك هو الرجل يغاضب امرأته فيحلف بيمين يلحق عن الحنث فيها حكم أن لا يطأها ضررا منه أكثر من أربعة أشهر لا يقصد بذلك إصلاح ولد رضيع ونحوه وقال به عطاء وغيره وقوله تعالى من نسائهم يدخل الحرائر والاماء إذا تزوجن والتربص التأني والتأخر وأربعة أشهر عند مالك وغيره للحر وشهران للعبد وقال الشافعي هو كالحر وفاءوا معناه رجعوا ومنه حتى تفيء إلى أمر الله قال الجمهور وإذا فاء كفر والفيء عند مالك لا يكون إلا بالوطء أو بالتكفير في حال العذر قوله تعالى والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء حكم هذه الآية قصد الإستبراء لا أنه عبارة ولذلك خرجت منه من لم يبن بها بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة والقرء في اللغة الوقت المعتاد تردده فالحيض يسمى على هذا قرءا وكذلك يسمى الطهر قرءا واختلف في المراد بالقروء هنا فقال عمر وجماعة كثيرة المراد بالقروء في الآية الحيض وقالت عائشة وجماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم المراد الأطهار وهو قول مالك واختلف المأولون في قوله ما خلق الله في أرحامهن فقال ابن عمر ومجاهد وغيرهما هو الحيض والحبل جميعا ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج في إلزامه النفقة وإذهاب حقه في الارتجاع فأمرن بالصدق نفيا وإثباتا وقال قتادة كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد ففي ذلك نزلت الآية وقال ابن عباس أن المراد الحبل والعموم راجح وفي قوله تعالى ولا يحل لهن ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ذكر ولو كان الاستقصاء مباحا لم يكن كتم وقوله سبحانه إن كن يؤمن بالله الآية أي حق الإيمان وهذا كما تقول أن كنت حرا فأنتصر وأنت تخاطب حرا والبعل الزوج ونص الله تعالى بهذه الآية على أن للزوج أن يرتجع امرأته المطلقة ما دامت في العدة والإشارة بذلك إلى المدة بشرط أن يريد الإصلاح دون المضارة كما تشدد على النساء في كتم ما في أرحامهن وقوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن الآية تعم جميع حقوق الزوجية وقوله تعالى وللرجال عليهن درجة قال مجاهد هو تبنيه على فضل حظه على حظها في الميراث وما أشبهه وقال زيد بن أسلم ذلك في الطاعة عليها أن تطيعه وليس عليه أن يطيعها وقال ابن عباس تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجل على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه وهذا قول حسن بارع وقوله تعالى الطلاق مرتان الآية قال عروة بن الزبير وغيره نزلت هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي وقال ابن عباس وغيره المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق وإن من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة فأما تركها غير مظلومة شيئا من حقها وأما أمسكها محسنا عشرتها ع والآية تتضمن هذين المعنيين ص الطلاق مبتدأ على حذف مضاف أي عدد الطلاق ومرتان خبره انتهى والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة والتسريح يحتمل لفظه معنيين أحدهما تركها تتم العدة من الثانية وتكون أملك بنفسها وهذا قول السدي والضحاك والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها بذلك وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما وإمساك مرتفع بالابتداء والخبر أمثل أو أحسن وقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيأ الآية خطاب للازواج نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيأ على وجه المضارة وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بأن لا ينفرد الرجل بالضرر وخص بالذكر ما ءاتى الأزواج نساءهم لأنه عرف الناس عند الشقاق والفساد أن يطلبوا ما خرج من أيديهم وحرم الله تعالى على الزوج في هذه الآية أن يأخذ إلا بعد الخوف إلا يقيما حدود الله وأكد التحريم بالوعيد وحدود الله في هذا الموضع هي ما يلزم الزوجين من حسن العشرة وحقوق العصمة وقوله تعالى فإن خفتم إلا يقيما حدود الله المخاطبة للحكام والمتوسطين لهذا الأمر وإن لم يكونوا حكاما وترك إقامة حدود الله هو إستخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه قال ابن عباس ومالك وجمهور العلماء وقال الشعبي إلا يقيما حدود الله معناه إلا يطيعا الله وذلك أن المغاصبة تدعو إلى ترك الطاعة وقوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به إباحة للفدية وشركها في ارتفاع الجناح لأنها لا يجوز لها ان تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه وهي تقدر على المخاصمة قال ابن عباس وابن عمر ومالك وأبو حنيفة وغيرهم مباح للزوج أن يأخذ من المرأة في الفدية جميع ما تملكه وقضى بذلك عمر بن الخطاب وقال طاوس والزهري والحسن وغيرهم لا يجوز له أن يزيد على المهر الذي أعطاها وقال ابن المسيب لا أرى أن يأخذ منها كل ما لها ولكن ليدع لها شيئا وقوله تعالى تلك حدود الله الآية أي هذه الأوامر والنواهي فلا تتجاوزوها ثم توعد تعالى على تجاوز الحد بقوله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون وهو كما قال صلى الله عليه و سلم الظلم ظلمات يوم القيامة وقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد الآية قال ابن عباس وغيره هو ابتداء الطلقة الثالثة قال ع فيجيء التسريح المتقدم ترك المرأة تتم عدتها من الثانية وأجمعت الأمة في هذه النازلة على اتباع الحديث الصحيح في امرأة رفاعة حين تزوجت عبد الرحمن بن الزبير فقال لها النبي صاى الله عليه وسلم لعلك اردت الرجوع الى رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته فرأى العلماء أنه لا يحلها إلا الوطء وكلهم على أن مغيب الحشفة يحل إلا الحسن بن أبي الحسن قال لا يحلها إلا الإنزال وهو ذوق العسيلة والذي يحلها عند مالك النكاح الصحيح والوطء المباح وقوله تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما ان يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله الآية المعنى فإن طلقها المتزوج الثاني فلا جناح عليهما أي المرأة والزوج الأول قاله ابن عباس ولا خلاف فيه والظن هنا على بابه من تغليب أحد الجائزين وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا وقوله تعالى وإذا طلقتم النساء الآية خطاب للرجال نهي الرجل أن يطول العدة مضارة لها بأن يرتجع قرب انقضائها ثم يطلق بعد ذلك قاله الضحاك وغيره ولا خلاف فيه ومعنى بلغن أجلهن قاربن لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك ومعنى أمسكوهن راجعوهن وبمعروف قيل هو الإشهاد ولا تمسكوهن أي لا تراجعوهن ضرارا وباقي الآية بين وقوله تعالى ولا تتخذوا ءايات الله هزؤا الآية المراد بآياته النازلة في الأوامر والنواهي وقال الحسن نزلت هذه الآية فيمن طلق لاعبا أو هازئا أو راجع كذلك وقالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ثم ذكر الله عباده بإنعامه سبحانه عليهم بالقرآن والسنة والحكمة وهي السنة المبينة مراد الله سبحانه وقوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن الآية خطاب للمؤمنين الذين منهم الأزواج ومنهم الأولياء لأنهم المراد في تعضلوهن وبلوغ الأجل في هذا الموضع تناهيه لأن المعنى يقتضي ذلك وقد قال بعض الناس في هذا المعنى أن المراد بتعضلوهن الأزواج وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير فقوله أزواجهن على هذا يعني به الرجال إذ منهم الأزواج وعلى أن المراد بتعضلوهن الأولياء فالأزواج هم الذين كن في عصمتهم والعضل المنع وهو من معنى التضييق والتعسير كما يقال اعضلت الدجاجة إذا عسر بيضها والداء العضال العسير البرء وقيل نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته لما طلقها زوجها وتمت عدتها أراد أرتجاعها فمنعه ولي المرأة وقيل نزلت في جابر بن عبد الله وأخته وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته وقوله بالمعروف معناه المهر والإشهاد وقوله تعالى ذلك يوعظ به من كان منكم خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم ثم رجوع إلى خطاب الجماعة والإشارة في ذلكم أزكى إلى ترك العضل وأزكى وأطهر معناه أطيب للنفس وأطهر للعرض والدين بسبب العلاقات التي تكون بين الأزواج وربما لم يعلمها الولي فيؤدي العضل إلى الفساد والمخالطة على ما لاينبغي والله تعالى يعلم من ذلك ما لا يعلم البشر قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة يرضعن أولادهن خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات وعلى الندب لبعضهن فيجب على الأم الإرضاع أن كانت تحت أبيه أو رجعية ولا مانع من علو قدر بغير أجر وكذلك أن كان الأب عديما أو لم يقبل الولد غيرها وهذه الآيات في المطلقات جعلها الله حدا عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له وقوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز وانتزع مالك رحمه الله وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين لأن بإنقضاء الحولين تمت الرضاعة فلا رضاعة ت فلو كان رضاعة بعد الحولين بمدة قريبة وهو مستمر الرضاع أو بعد يومين من فصالة اعتبر إذ ما قارب الشيء فله حكمه انتهى وقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن الآية المولود له اسم جنس وصنف من الرجال والرزق في هذا لحكم الطعام الكافي وقوله بالمعروف يجمع حسن القدر في الطعام وجودة الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة ثم بين سبحانه أن الأنفاق على قدر غنى الزوج بقوله لا تكلف نفس إلا وسعها وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابان عن عاصم لا تضار والدة بضم الراء وهو خبر =======================================================ج2. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي معناه الأمر ويحتمل أن يكون الأصل لا تضارر بكسر الراء الأولى فوالدة فاعلة ويحتمل بفتح الراء الأولى فوالدة مفعول لم يسم فاعله ويعطف مولود له على هذا الحد في الاحتمالين وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم لا تضار بفتح الراء وهذا على النهي ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى ومعنى الآية في كل قراءة النهي عن الإضرار ووجوه الضرر لا تنحصر وكل ما ذكر منها في التفاسير فهو مثال ت وفي الحديث لا ضرر ولا ضرار رواه مالك في الموطأ مرسلا قال النووي في الحلية ورويناه في سنن الدارقطني وغيره من طرق متصلا وهو حسن انتهى وقوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك قال مالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري وجماعة من العلماء المراد بقوله مثل ذلك ان لا يضار وأما الرزق والكسوة فلا شيء عليه منه قال ع فالإجماع من الأمة في أن لا يضار الوارث وإنما الخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا وقوله تعالى فإن أرادا فصالا الآية أي فإن أراد الوالدان وفصالا معناه فطاما عن الرضاع وتحرير القول في هذا أن فصله قبل الحولين لا يصح إلا بتراضيهما وإن لا يكون على المولود ضرر وأما بعد تمامهما فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر وقوله تعالى وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مخاطبة لجميع الناس يجمع الآباء والأمهات أي لهم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك وأما قوله إذا سلمتم فمخاطبة للرجال خاصة إلا على أحد التأويلين في قراءة من قرا أوتيتم وقرأ الستة من السبعة ءاتيتم بالمد بمعنى أعطيتم وقرأ ابن كثير أتيتم بمعنى فعلتم كما قال زهير ... وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه ءاباء ءابائهم قبل ... فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول والتأويل الثاني لقتادة وهو إذا سلمتم ما ءاتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة ومعروف وعلى هذا الاحتمال يدخل النساء في الخطاب ت وفي هذا التاويل تكلف وقال سفيان المعنى إذا سلمتم إلى المسترضعة وهي الظئراجرها بالمعروف وباقي الآية امر بالتقوى وتوقيف على ان الله تعالى بصير بكل عمل وفي هذا وعيد وتحذير أي فهو مجاز بحسب عملكم وقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن هذه الآية في عدة المتوفي عنها زوجها وظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الحرائر غير الحوامل ولم تعن الآية لما يشذ من مرتابة ونحوها وعدة الحامل وضع حملها عند الجمهور وروي عن على وابن عباس اقصى الاجلين ويتربصن خبر يتضمن معنى الامر والتربص الصبر والتأنى والاحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم متظاهرة ان التربص باحداد وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه والتزام المبيت في مسكنها حيث كانت وقت وفاة الزوج وهذا قول جمهور العلماء وهو قول مالك واصحابه وجعل الله تعالى اربعة اشهر وعشرا عبادة في العدة فيها استبراء للحمل اذ فيها تكمل الأربعون والأربعون والاربعون حسب الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره ثم ينفخ الروح وجعل تعالى العشر تكملة اذا هي مظنة لظهور الحركة بالجنين وذلك لنقص الشهور او كمالها او لسرعة حركة الجنين او ابطائها قاله ابن المسيب وغيره وقال تعالى وعشرا تغليبا لحكم الليالي وقرأ ابن عباس وعشر ليال قال جمهور العلماء ويدخل في ذلك اليوم العاشر وقوله تعالى فاذا بلغن اجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في انفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير فيما فعلن يريد به التزوج فما دونه من زينة واطراح الاحداد قاله مجاهد وغيره إذا كان معروفا غير منكر قال ع ووجوه المنكر كثيرة وقوله سبحانه والله بما تعملون خبير وعيد يتضمن التحذير وخبير اسم فاعل من خبر اذا تقصى علم الشيء وقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء الآية تصريح خطبة المعتدة حرام والتعريض جائز وهو الكلام الذي لا تصريح فيه او اكننتم معناه سترتم واخفيتم وقوله تعالى ستذكرونهن قال الحسن معناه ستخطبونهن وقال غيره معناه علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدات في نفوسكم وبالسنتكم فنهى عن ان يوصل الى التواعد معهن عن ع والسر في اللغة يقع على الوطء حلاله وحرامه والآية تعطي النهي عن ان يواعد الرجل المعتدة ان يطأها بعد العدة بوجه التزويج وقال ابن جبير سرا أي نكاحا وهذه عبارة مخلصة واجمعت الامة على كراهة المواعدة في العدة وقوله تعالى الا ان تقولوا قولا معروفا استثناء منقطع والقول المعروف هو ما ابيح من التعريض كقول الرجل انكم لأكفاء كرام وما قدر كان ونحو هذا وقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب اجله عزم العقده عقدها بالاشهاد والولي وحينئذ تسمى عقدة ت والظاهر ان العزم غير العقد وقوله تعالى حتى يبلغ الكتاب اجله يريد تمام العدة والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة وقوله واعلموا أن الله يعلم ما في انفسكم فاحذروه الآية تحذير من الوقوع فيما نهى عنه وتوقيف على غفره وحلمه وقوله تعالى لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن او تفرضوا لهن فريضة هذا ابتداء اخبار برفع الجناح عن المطلق قبل البناء والجماع فرض مهرا او لم يفرض ولما نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة وامر بالتزوج طلبا للعصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين ان من طلق قبل البناء قد واقع جزأ من هذا المكروه فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان اصل النكاح على المقصد الحسن وقال قوم لا جناح عليكم معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة لمن لم يفرض لها وفرض المهر اثباته وتحديده وهذه الآية تعطى جواز العقد على التفويض لأنه نكاح مقرر في الآية مبين حكم الطلاق فيه قاله مالك في المدونة والفريضة الصداق وقوله تعالى ومتعوهن أي اعطوهن شيأ يكون متاعا لهن وحمله ابن عمر وغيره على الوجوب وحمله مالك وغيره على الندب واختلف الناس في مقدار المتعة قال الحسن يمتع كل على قدره هذا بخادم وهذا باثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة وكذلك يقول مالك وقوله تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره دليل على رفض التحديد والموسع أي من اتسع حاله والمقتر المقل القليل المال ومتاعا نصب على المصدر وقوله تعالى بالمعروف أي لا حمل فيه ولا تكلف على احد الجانبين فهو تأكيد لمعنى قوله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ثم أكد تعالى الندب بقوله حقا على المحسنين أي في هذه النازلة من التمتيع هم محسنون ومن قال بان المتعة واجبة قال هذا تأكيد للوجوب أي على المحسنين بالايمان والاسلام وحقا صفة لقوله تعالى متاعا ت وظاهر الآية عموم هذا الحكم في جميع المطلقات كما هو مذهب الشافعي واحمد واصحاب الرأي والظاهر حمل المتعة على الوجوب لوجوه منها صيغة الأمر ومنها قوله حقا ومنها من جهة المعنى ما يترتب على امتاعها من جبر القلوب وربما ادى ترك ذلك الى العداوة والبغضاء بين المؤمنين وقد مال بعض ائمتنا المتأخرين الى الوجوب انتهى وقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية اختلف في هذه الآية فقالت فرقة فيها مالك انها مخرجة للمطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع إذ يتناولها قوله تعالى ومتعوهن وقال قتادة نسخت هذه الآية الآية التي قبلها وقال ابن القاسم في المدونة كان المتاع لكل مطلقة بعوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة الاحزاب فاستثنى الله سبحانه المفروض لها قبل الدخول بهذه الآيةواثبت لها نصف ما فرض فقط وزعم زيد بن اسلم انها منسوخة حكى ذلك في المدونة عن زيد بن اسلم زعما وقال ابن القاسم انها استثناء والتحرير يرد ذلك الى النسخ الذي قال زيد لان ابن القاسم قال ان قوله تعالى وللمطلقات متاع عم الجميع ثم استثنى الله منه هذه التي فرض لها قبل المسيس وقال فريق من العلماء منهم ابو ثور المتعة لكل مطلقة عموما وهذه الآية انما بينت ان المفروض لها تاخذ نصف ما فرض أي مع متعتها وقرأ الجمهور فنصف بالرفع والمعنى فالواجب نصف ما فرضتم وقوله تعالى إلا أن يعفون استثناء منقطع ويعفون معناه يتركن ويصفحن أي يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج وذلك اذا كانت المرأة تملك امر نفسها واختلف في المراد بقوله تعالى او يعفو الذي بيده عقدة النكاح فقال ابن عباس ومجاهد ومالك وغيرهم هو الولي الذي المرأة في حجره وقالت فرقة الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج فعلى القول الاول الندب في النصف الذي يجب للمرأة اما ان تعفو هي واما ان يعفووليها وعلى القول الثاني اما ان تعفو هي ايضا فلا تاخذ شيأ وأما أن يعفو الزوج عن النصف الذي يحط فيؤدي جميع المهر ثم خاطب تعالى الجميع نادبا بقوله وان تعفوا اقرب للتقوى أي يا جميع الناس وقرأ علي بن ابي طالب وغيره ولا تناسوا الفضل وهي قراءة متمكنة المعنى لانه موضع تناس لا نسيان الا على التشبيه وقوله تعالى ولا تنسوا الفضل ندب إلى المجاملة وقوله إن الله بما تعملون بصير خبر وضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى الآية الخطاب لجميع الأمة والآية أمر بالمحافظة على اقامة الصلوات في اوقاتها بجميع شروطها وخرج الطحاوي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة فامتلأ قبره عليه نارا فلما ارتفع عنه افاق فقال على م جلدتني قال انك صليت صلاة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره انتهى من التذكرة للقرطبي وفي الحديث أن الصلاة ثلاثة اثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث فمن اداها بحقها قبلت منه وقبل منه سائر عمله ومن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله رواه النساءى انتهى من الكوكب الدري وروى مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد انه قال بلغنى انه اول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة فان قبلت منه نظر فيما بقي من عمله وان لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله قال ابو عمر بن عبد البر في التمهيد وقد روي هذا الحديث مسندا عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه صحاح ثم اسند ابو عمر عن انس بن حكيم الضبي قال قال لي ابو هريرة اذا اتيت اهل مصرك فاخبرهم اني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اول ما يحاسب به العبد المسلم صلاة المكتوبة فان اتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فان كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك وفي رواية تميم الدارى عن النبي صلى الله عليه و سلم بهذا المعنى قال ثم الزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك انتهى وذكر الله سبحانه الصلاة الوسطى ثانية وقد دخلت قبل في عموم قوله الصلوات لأنه اراد تشريفها واختلف الناس في تعيينها فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة انها صلاة الصبح وهو قول مالك وقالت فرقة هي الظهر وورد فيه حديث وقالت فرقة هي صلاة العصر وفي مصحف عائشة واملاء حفصة صلاة العصر وعلى هذا القول جمهور العلماء وبه اقول وقال قبيصة بن دويب هي صلاة المغرب وحكى ابو عمر بن عبد البر عن فرقة انها صلاة العشاء الآخرة وقالت فرقة الصلاة الوسطى لم يعينها الله سبحانه فهي في جملة الخمس غير معينة كليلة القدر وقالت فرقة هي صلاة الجمعة وقال بعض العلماء هي الخمس وقوله اولا على الصلوات يعم النفل والفرض ثم خص الفرض بالذكر وقوله تعالى وقوموا لله قانتين معناه في صلاتكم واختلف في معنى قانتين فقال الشعبي وغيره معناه مطيعين قال الضحاك كل قنوت في القرءان فانما يعنى به الطاعة وقاله ابو سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم وقال ابن مسعود وغيره القنوت السكوت وذلك انهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية فامروا بالسكوت وقال مجاهد معنى قانتين خاشعين فالقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح قال ع واحضار الخشية والفكر في الوقوف بين يدي الله سبحانه وقال الربيع القنوت طول القيام وطول الركوع وقال قوم القنوت الدعاء وقانتين معناه داعين روي معناه عن ابن عباس وقوله تعالى فان خفتم فرجالا او ركبانا الآية امر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوات وهو الوقار والسكينة وهدو الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمانينة ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة احيانا فرخص لعبيده في الصلاة رجالا متصرفين على الاقدام وركبانا على الخيل والابل ونحوهما ايماء واشارة بالراس حيث ما توجه هذا قول جميع العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذى قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة او من سبع يطلبه او عدو يتبعه او سيل يحمله وبالجملة فكل امر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية واما صلاة الخوف بالامام وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية وسياتي ان شاء الله في سورة النساء والركبان جمع راكب وهذه الرخصة في ضمنها باجماع من العلماء ان يكون الانسان حيث ما توجه ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه ت وروى ابو داوود في سننه عن عبد الله بن أنيس قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه و سلم الى خالد بن سفيان وكان نحو عرنة وعرفات قال اذهب فاقتله فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت اني لا خاف ان يكون بينى وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت امشي وانا اصلى اومى ايماء نحوه فلما دنوت منه قال لي من انت قلت رجل من العرب بلغنى انك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك قال اني لفى ذلك فمشيت معه ساعة حتى اذا امكننى علوته بسيفى حتى برد انتهى وقد ترجم عليه باب في صلاة الطالب قال ع واختلف الناس كم يصلى من الركعات والذي عليه مالك وجماعة انه لا ينقص من عدد الركعات شيأ فيصلي المسافر ركعتين واختلف المتأولون في قوله سبحانه فإذا امنتم فاذكروا الله الآية فقالت فرقة المعنى إذا زال خوفكم فاذكروا الله سبحانه بالشكر على هذه النعمة وقالت فرقة اذكروا الله أي صلوا كما علمتم صلاة تامة يعنى فيما يستقبل من الصلوات قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لا زواجهم متاعا الى الحول غير اخراج فان خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في انفسهن من معروف والله عزيز حكيم الذين رفع بالابتداء وخبره مضمر تقديره فعليهم وصية لا زواجهم وفي قراءة ابن مسعود كتب عليكم وصية قالت فرقة كانت هذه وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج قال قتادة كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها لها السكنى والنفقة حولا في مال الزوج ما لم تخرج برأيها ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع او بالثمن الذي في سورة النساء ونسخ سكنى الحول بالأربعة الاشهر والعشر وقاله ابن عباس وغيره ومتاعا نصب على المصدر وقوله تعالى غير اخراج معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل اخراجها وقوله تعالى فان خرجن الآية معناه ان الخروج اذا كان من قبل الزوجة فلا جناح على احد ولي او حاكم او غيره فيما فعلن في انفسهن من تزويج وتزين وترك احداد اذا كان ذلك من المعروف الذي لا ينكر وقوله تعالى والله عزيز حكيم صفة تقتضي الوعيد بالنقمة لمن خالف الحد في هذه النازلة وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه وقوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تعقلون قال عطاء بن ابي رباح وغيره هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن اذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن وقال ابن زيد هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حقا على المحسنين فقال رجل فان لم أرد أن احسن لم أمتع فنزلت حقا على المتقين قال الطبري فوجب ذلك عليهم قوله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا الآية هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم قصة هؤلاء فيما قال الضحاك انهم قوم من بني اسراءيل أمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك فاماتهم الله ليعرفهم انه لا ينجيهم من الموت شيء ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله وقاتلوا في سبيل الله الآية وروى ابن جريج عن ابن عباس انهم كانوا من بني اسراءيل وانهم كانوا أربعين الفا وثمانية ءالاف وانهم اميتوا ثم احيوا وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني اسراءيل إلى اليوم فامرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله وقاتلوا في سبيل الله قال ع وهذا القصص كله لين الاسناد وانما اللازم من الآية ان الله تعالى اخبر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم اخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فاماتهم الله ثم احياهم ليعلموا هم وكل من خلف بعدهم إن الإماتة إنما هي بإذن الله لا بيد غيره فلا معنى لخوف خائف وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي امره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه و سلم بالجهاد هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف الآية والجمهور على أن الوف جمع الف وهو جمع كثرة وقال ابن زيد في لفظة الوف إنما معناها وهم مؤتلفون وقوله تعالى أن الله لذو فضل على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون الآية تنبيه على فضله سبحانه على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد وإن لا يجعلوا الحول والقوة إلا له سبحانه حسبما أمر جميع العالم بذلك فلم يشكروا نعمته في جميع هذا بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل أي فيجب أن يشكر الناس فضله سبحانه في ايجاده لهم ورزقه اياهم وهدايته بالأوامر والنواهي فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها لا طلب الخرص عنها وفي تخصيصه تعالى الأكثر دلالة على أن الأقل الشاكر وقوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الآية الجمهور أن هذه الآية مخاطبة لامة محمد صلى الله عليه و سلم بالقتال في سبيل الله وهو الذي ينوي به أن تكون كلمة الله هي العليا حسب الحديث وقال ابن عباس والضحاك الأمر بالقتال هو للذين احيوا من بني اسراءيل قال الطبري ولاى وجه لهذا القول ثم قال تعالى من ذا الذي يقرض الله الآية فدخل في ذلك المقاتل في سبيل الله فانه يقرض رجاء ثواب الله كما فعل عثمان في جيش العسرة ويروى أن هذه الآية لما نزلت قال أبو الدحداح يا رسول الله أو أن الله يريد منا القرض قال نعم يا أبا الدحداح قال فإني قد اقرضته حائطي لحائط فيه ستمائة نخلة ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح فقال أخرجي فاني قد أقرضت ربي حائطي هذا قال فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول كم من عذق مذلل لابي الدحداد في الجنة وأستدعاء القرض في هذه الآية وغيرها انما هو تأنيس وتقريب للافهام والله هو الغني الحميد قال ابن العربي في أحكامه وكنى الله عز و جل عن الفقير بنفسه العلية ترغيبا في الصدقة كما كنى عن المريض والجائع والعاطش بنفسه المقدسة فقال النبي صلى الله عليه و سلم أن الله عز و جل يقول يوم القيامة يا أبن ءادم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لوعدته لو جدتني عنده يا أبن ءادم استطعمتك فلم تطعمني يقال يا رب كيف اطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه أستطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يارب كيف اسقيك وانت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي انتهى واللفظ لصحيح مسلم قال أبن العربي وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كني عنه وترغيبا لمن خوطب أنتهى وقوله حسنا معناه تطيب فيه النية ويشبه أيضا أن تكون أشارة الى كثرته وجودته وهذه الاضعاف الكثيرة إلى السبع مائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة ت والحق الذي لاشك فيه وجوب الإيمان بما ذكر المولى سبحانه ولا سبيل إلى التحديد إلا أن يثبت في ذلك حديث صحيح فيصار اليه وقد بين ذلك صلى الله عليه و سلم فيما خرجه مسلم والبخاري انظره عند قوله تعالى كمثل حبة قال ع روي أن النبي صلى الله عليه و سلم طلب منه أن يسعر بسبب غلاء خيف على المدينة فقال أن الله هو الباسط القابض وأني لارجو أن القي الله ولا يتبعني أحد بمظلمة في نفس ولا مال قال صاحب سلاح المؤمن عند شرحه لاسمه تعالى القابض الباسط قال بعض العلماء يجب أن يقرن بين هذين الاسمين ولا يفصل بينهما ليكون أنبأ عن القدرة وادل على الحكمة كقوله تعالى والله يقبض ويبصط وإذا قلت القابض مفردا فكانك قصرت بالصفة على المنع والحرمان وإذا جمعت اثبتت الصفتين وكذلك القول في الخافض والرافع والمعز والمذل انتهى وما ذكره عن بعض العلماء هو كلام الإمام الفخر في شرحه لأسماء الله الحسنى ولفظه القابض والباسط الأحسن في هذين الاسمين أن يقرن أحدهما في الذكر بالآخر ليكون ذلك ادل على القدرة والحكمة ولهذا السبب قال الله تعالى والله يقبض ويبصط وأذا ذكرت القابض منردا عن الباسط كنت قد وصفته بالمنع والحرمان وذلك غير جائز وقوله المعز المذل وقد عرفت أنه يجب في أمثال هذين ذكر كل واحد منها مع الآخر أنتهى قوله تعالى ألم تر إلى الملإ من بني اسراءيل من بعد موسى الآية هذه الآية خبر عن قوم من بني اسراءيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الاذن في الجهاد وأن يومروا به فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الاقل فنصرهم الله وفي هذا كله مثال للمؤمنين ليحذروا المكروه منه ويقتدوا بالحسن والملأ في هذه الاية جميع القوم لان المعنى يقتضيه وهو أصل اللفظة ويسمى الأشراف الملأ تشبيها ومن بعد موسى معناه من بعد موته وأنقضاء مدته وقوله تعالى لنبيء لهم قال ابن اسحاق وغيره هو شمويل بن بابل وقال السدي هو شمعون وكانت بنو اسراءيل تغلب من حاربها وروي انها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في مأزق الحرب فلا تزال تغلب حتى عصت وظهرت فيهم الأحداث وخالف ملوكهم الأنبياء واتبعوا الشهوات وقد كان الله تعالى أقام أمورهم بان يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمما من الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم وقال السدي كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة فلما رأوا أنه الاصطلام وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى أجتمع ملأهم على أن قالوا لنبيء الوقت ابعث لنا ملكا الآية وإنما طلبوا ملكا يقوم بأمر القتال وكانت المملكة في سبط من أسباط بني اسراءيل يقال لهم بنو يهوذا فعلم النبي بالوحي أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب ويسر الله لذلك طالوت وقرأ جمهور الناس نقاتل بالنون وجزم اللام على جواب الامر واراد النبي المذكور عليه السلام أن يتوثق منهم فوقفهم على جهة التقرير وسبر ما عندهم بقوله هل عسيتم ومعنى هذه المقالة هل أنتم قريب من التولى والفرار أن كتب عليكم القتال ص لنبيء متعلق بقالوا واللام معناها التبليغ انتهى ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال تولوا أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم إلا قليلا منهم وهذا شان الأمم المتنعمة المائلة الى الدعة تتمنى الحرب أوقات السعة فإذا حضرت الحرب كعت وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه و سلم بقوله لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ثم توعد سبحانه الظالمين في لفظ الخبر بقوله والله عليم بالظالمين وقوله تعالى وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا الآية قال وهب بن منبه وكان طالوت رجلا دباغا وقال السدى سقاء وكان من سبط بنيامين وكان سبطا لا نبوءة فيه ولا ملك ثم أن بني اسراءيل تعنتوا وحادوا عن أمر الله وجروا على سننهم فقالوا أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يوت سعة من المال أي لم يوت مالا واسعا يجمع به نفوس الرجال ويغلب به أهل الأنفة قال ع وترك القوم السبب الأقوى وهو قدر الله وقضاؤه السابق وأنه مالك الملك فاحتج عليهم نبيهم بالحجة القاطعة وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت ببسطته في العلم وهو ملاك الإنسان والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء واصطفى مأخوذ من الصفوة والجمهور على أن العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف وقيل المراد علم الحرب وأما جسمه فقال وهب بن منبه أن أطول رجل في بني اسراءيل كان يبلغ منكب طالوت ت قال أبو عبيد الهروي قوله وزاده بسطة في العلم والجسم أي أنبساطا وتوسعا في العلم وطولا وتماما في الجسم أنتهى من شرحه لغريبي القرءان وأحاديث النبي عليه السلام ولما علم نبيهم عليه السلام تعنتهم وجدالهم تمم كلامه بالقطع الذي لا اعتراض عليه وهو قوله والله يوتي ملكه من يشاء وظاهر اللفظ أنه من قول نبيهم عليه السلام وذهب بعض المتأولين الى أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم والأول أظهر وواسع معناه وسعت قدرته وعلمه كل شيء وأما قول النبي لهم أن ءاية ملكه فإن الطبري ذهب الى أن بني اسراءيل تعنتوا وقالوا لنبيهم وما ءاية ملك طالوت وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله أن الله تعثه قال ع ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغليظ والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها بملك طالوت دون تكذيب منهم لنبيهم وهذا عندي أظهر من لفظ الآية وتاويل الطبري أشبه باخلاق بني اسراءيل الذميمة فانهم أهل تكذيب وتعنت واعوجاج وقد حكى الطبري معناه عن ابن عباس وغيره واختلف في كيفية إتيان التابوت فقال وهب لما صار التابوت عند القوم الذين غلبوا بني اسراءيل وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكسة فجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع فقالوا ما هذا الا لهذا التابوت فلنزده إلى بني اسراءيل فاخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين فأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني اسراءيل فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا به على بني اسراءيل وهم في أمر طالوت فايقنوا بالنصر وقال قتادة والربيع كان هذا التابوت مما تركه موسى عند يوشع فجعله يوشع في البرية ومرت عليه الدهور حتى جاء وقت طالوت فحملته الملائكة في الهواء حتى وضعته بينهم فاستوثقت بنو اسراءيل عند ذلك على طالوت وقيل غير هذا والله اعلم وقوله تعالى فيه سكينة من ربكم الآية قال ابن عباس السكينة طست من ذهب من الجنة وقال مجاهد السكينة لها راس كراس الهرة وجناحان وذنب وقال عطاء السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها وقال قتادة سكينة من ربكم أي وقار لكم من ربكم قال ع والصحيح أن التابوت كانت فيه اشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وءاثارهم تسكن إلى ذلك النفوس وتأنس به ثم قرر تعالى أن مجىء التابوت ءاية لهم أن كانوا ممن يومن ويبصر ت وهذا يؤيد تاويل الطبري المتقدم وقوله تعالى فلما فصل طالوت بالجنود أي لما اتفق ملأهم على تمليك طالوت وفصل بهم أي خرج بهم من القطر وفصل حال السفر من حال الأقامة قال السدي وغيره وكانوا ثمانين الفا قال أن الله مبتليكم بنهر أي مختبركم فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم انه يطيع فيما عدا ذلك ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فهو بالعصيان في الشدائد احرى ورخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم اذى العطش بعض الأرتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال ت ولقد احسن من شبه الدنيا بنهر طالوت فمن اغترف منها غرفة بيد الزهد واقبل على ما يعنيه من أمر ءاخرته نجا ومن اكب عليها صدته عن التأهب لآخرته وقلت سلامته إلا أن يتداركه الله قال ابن عباس وهذا النهر بين الأردن وفلسطين وقال أيضا هو نهر فلسطين قال ع وظاهر قول طالوت إن الله مبتليكم أنه بإخبار من النبي لطالوت ويحتمل أن يكون هذا مما الهم الله إليه طالوت فجرب به جنده وهذا النزعة واجب أن تقع من كل متولي حرب فليس يحارب إلا بالجند المطيع وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين هم في غير الرفاهية وقوله فليس منى أي ليس من أصحابي في هذه الحرب ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه و سلم من غشنا فليس منا ومن رمانا بالنبل فليس منا وليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود وفي قوله ومن لم يطعمه سد الذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ولهذه المبالغة لم يأت الكلام ومن لم يشرب منه ص إلا من أغترف غرفة بيده استثناء من الجملة الأولى وهو قوله فمن شرب منه فليس مني أي إلا من اغترف غرفة بيده دون الكرع فهو مني والاستثناء إذا تعقب جملتين فأكثر أمكن عوده إلى كل منها فقيل يعد علىالأخير وقيل إلى الجميع وقال أبو البقاء إن شئت جعلته من من الأولى وإن شئت من من الثانية وتعقب بأنه لو كان استثناء من الثانية وهي ومن لم يطعمه فإنه مني للزم أن يكون من اغترف غرفة ليس منه لأن الإستثناء من الإثبات نفي من النفي إثبات على الصحيح وليس كذلك لأنه أبيح لهم الاغتراف والظاهر عوده إلى الأولى والجملة الثانية مفهومة من الأولى لأنه حين ذكر أن من شربه فليس منه فهم من ذلك أن من لم يشرب منه فإنه منه انتهى ثم أخبر تعالى أن الأكثر شرب خالف ما أريد منه روي عن ابن عباس وغيره أن القوم شربوا على قدر يقينهم فشرب الكفار شرب اليهم وشرب العاصون دون ذلك وأنصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة فاما من شرب فلم يرو بل برح به العطش وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة وقوله تعالى فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه الآية أكثر المفسرين على أنه إنما جاوز النهر من لم يشرب إلا غرفة ومن لم يشرب جملة ثم كانت بصائر هؤلاء مختلفة فبعض كع وقليل صمم وهم عدة أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وقوله تعالى قالوا لا طاقة قال ابن عباس قال كثير من الأربعة الآلاف الباقية مع طالوت الذين جاوزوا النهر لا طاقة لنا على جهة الفشل والفزع من الموت وأنصرفوا عن طالوت فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى وهم عدة أهل بدر كم من فئة والظن على هذا القول اليقين والفئة الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد وفي قولهم رضي الله عنهم كم من فئة الآية تحضريض بالمثال وحض واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه والله مع الصابرين بنصره وتأييده وقوله تعالى ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا الآية برزوا معناه صاروا في البراز وهو الافيح من الأرض المتسع والإفراغ أعظم الصب وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم وروي في قصة داود وقتله جالوت أن أصحاب طالوت كان فيهم أخوة داود وهم بنوو أيش وكان داود صغيرا يرعى غنما لابيه فلما حضرت الحرب قال في نفسه لأذهبن لرؤية هذه الحرب فلما نهض مر في طريقه بحجر فناداه يا داود خذني فبي تقتل جالوت ثم ناداه حجر آخر ثم أخر ثم أخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت من برز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي فجاء داود فقال أنا أبرز له واقتله فقال له طالوت فأركب فرسي وخذ سلاحي ففعل وخرج في أحسن شكة فلما مشى قليلا رجع فقال الناس جبن الفتى فقال داود إن الله سحبانه إن لم يقتله لي ويعينني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ولكني أحب أن أقاتله على عادتي قال وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت وهو شاك في السلاح فقال له جالوت أنت يا فتى تخرج إلى قال نعم قال هكذا كما يخرج إلى الكلب قال نعم وأنت أهون قال لأطعمن اليوم لحمك الطير والسباع ثم تدانيا فأدار داود مقلاعه وأدخل يلده إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت واحدا فأخذه ووضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به راس جالوت فقتله وحز رأسه وجعله في مخلاته وأختلط الناس وحمل أصحاب طالوت وكانت الهزيمة ثم أن داود جاء يطلب شرطه من طالوت فقال له إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر لا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس وتجيئني بغلفهم وطمع طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة فقتل داود منهم مائتين وجاء بذلك وطلب امرأته فدفعها إليه طالوت وعظم أمر داود فيروى أن طالوت تخلى له عن الملك وصار هو الملك وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وذلك كله لين الآسانيد فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية ويعلم به مناقل النازلة وأما الحكمة التي آتاه الله فهي النبوءة والزبور وعلمه سبحانه صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع علمه صلى الله على نبينا وعليه وقوله تعالى ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض الآية أخبر الله سبحانه في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر لفسدت الأرض لأن الكفر كان يطبقها ولكنه سبحانه لا يخلي الزمان من قائم بحق وداع إلى الله إلى أن جعل ذلك في أمة محمد إلى قيام الساعة له الحمد كثيرا ص ولكن استدراك بإثبات الفضل لله سبحانه على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده واحتيج إلى هذا التقدير لأن لكن تكون بين متنافيين بوجه ما انتهى والإشارة بتلك إلى ما سلف من القصص والأنباء وفي هذه القصة بجملتها مثال عظيم للمؤمنين ومعتبر وقد كان أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم معدين لحرب الكفار فلهم في هذه النازلة معتبر يقتضي تقوية النفوس والثقة بالله سبحانه وغير ذلك من وجوه العبر قوله سبحانه تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض الآية تلك رفع بالابتداء والرسل خبره ويجوز أن يكون الرسل عطف بيان وفضلنا الخبر وتلك إشارة إلى جماعة ونص الله سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعض النبيين على بعض من غير تعيين وقوله تعالى ورفع بعضهم درجات قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لأنه بعث إلى الناس كافة وأعطي الخمس التي لم يعطها أحد قبله وهو أعظم الناس أمة وختم الله به النبوءات إلى غير ذلك مما أعطاه من الخلق العظيم ومن معجزاته وباهر آياته ويحتمل اللفظ أن يراد به نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وغيره ممن عظمت ءاياته وبينات عيسى عليه السلام أحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وخلق الطير من الطين وروح القدس جبريل عليه السلام وقد تقدم ما قال العلماء فيه وقوله تعالى ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم الآية معنى الآية ولو شاء الله ما اقتتل الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله سبحانه ولو شاء الله خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك وهو الفعال لما يريد سبحانه ص ولو شاء الله ما اقتتل قيل في الكلام حذف أي فاختلف أممهم فاقتتلوا ولو شاء الله فمفعول شاء محذوف أي أن لا يقتتلوا انتهى وقوله ما اقتتلوا أي بأن قاتل المؤمنون الكافرين على مر الدهر وذلك هو دفاع الله الناس بعضهم ببعض قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم الآية قال ابن جريج هذه الآية تجمع الزكاة والتطوع أي وجميع وجوه البر من سبيل وصله رحم وهذا كلام صحيح لكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال رجح أن هذه النفقة في سبيل الله ويقوي ذلك قوله والكافرون هم الظالمون أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال مما رزقناكم وهذا غاية الأنعام والتفضل منه سبحانه أن رزق ثم ندب للنفقة مما به ه أنعم وحذر سبحانه من الإمساك إلى أن يأتي يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة في ذات الله تعالى إذ هي مبايعة إذ البيع فدية لأن المرء قد يشتري نفسه ومراده بماله فكان معنى الآية أن لا فدية يوم القيامة ولا خلة نافعة وأهل التقوى في ذلك اليوم بينهم خلة ولكنه غير محتاج إليها ت وفي قوله غير محتاج إليها قلق ولا شفاعة يومئذ إلا لمن أذن له سبحانه فالمنفي مثل حال الدنيا من البيع والخلة والشفاعة بغير إذن المشفوع عنده قال عطاء بن دينار الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون وقوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم الآية هذه الآية سيدة آي القرآن وورد في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن وورد أن من قرأها أول ليلة لم يقربه شيطان وكذلك من قرأها أول نهاره وهي متضمنة التوحيد والصفات العلى وعن أنس بن مالك قال قال النبي صلى الله عليه و سلم لفاطمة ما منعك أن تسمعي ما أوصيتك به تقولين إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تلكني إلى نفسي طرفة عين رواه النسائي واللفظ له والحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلما انتهى من السلاح وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا نزل به هم أو غم قال يا حي يا قيوم برحمتك استغيث رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ورواه الترمذي من حديث انس والنسائي من حديث ربيعة بن عامر انتهى من السلاح والله مبتدأ لا إله مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود وقيوم بناء مبالغة أي هو القائم على كل نفس بما كسبت بهذا المعنى فسره مجاهد والربيع والضحاك ثم نفى عز و جل أن تأخذه سنة أو نوم وفي لفظ الأخذ غلبة ما فذلك حسنت في هذا الموضع بالنفي والسنة بدء النعاس وليس يفقد معه كل الذهن والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن والمراد بالآية التنزيه أنه سبحانه لا تدركه افة ولا يلحقه خلل بحال من الأحوال فجعلت هذه مثالا لذلك وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام الجميع وهذا هو مفهوم الخطاب كما قال تعالى ولا تقل لهما أف ت وبيانه أنه إذا حرم التأفيف فأحرى ما فوقه من الشتم والضرب في حق الأبوين وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يحكي عن موسى على المنبر قال وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فارقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره بأن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة فأصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض وقوله تعالى له ما في السموات وما في الأرض أي بالملك فهو مالك الجميع وربه ثم قرر وقف تعالى من يتعاطى أن يشفع إلا بإذنه أي بأمره ص من ذا الذي يشفع عنده من مبتدأ وهو استفهام معناه النفي ولذا دخلت إلا في قوله إلا بإذنه والخبر ذا والذي نعت لذا أو بدل منه وهذا على أن ذا اسم إشارة وفيه بعد لأن الجملة لم تستقل بمن مع ذا ولو كان خبرا لاستقل ولم يحتج إلى الموصول فالأولى أن من ركبت مع ذا للاستفهام انتهى قال مجاهد وغيره ما بين أيديهم الدنيا وما خلفهم الآخرة وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان وما خلفه هو كل ما يأتي بعده ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلوماته لأن علم الله تعالى لا يتبعض ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه قال ابن عباس كرسيه علمه الطبري ومنه الكراسة قال ع والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش والعرش أعظم منه وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة القيت في ترس وقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد القيت في فلاة من الأرض وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقا الله سبحانه والمستفاد من ذلك عظم قدرته جل وعلا إذ لا يؤده حفظ هذه المخلوقات العظيمة ولا يؤده معناه لا يثقله ولا يشق عليه وهوتفسير ابن عباس وغيره والعلي يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله سبحانه منزه عن التحيز وكذا العظيم هو صفة بمعنى عظم القدر والخطر لا على معنى عظم الأجرام ومن سلاح المؤمن قال وعن ابي إمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت رواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير عن محمد بن زياد الالهاني عن أبي إمامة فأما الحسين فقال فيه النسائي لا بأس به وقال في موضع آخر ثقتة وقال أبو حاتم شيخ وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في صحيحه وقد أخرج شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي رحمه الله الحديث في بعض تصانيفه من حديث أبي إمامة وعلي وعبد الله بن عمر والمغيرة وجابر وأنس قال وإذا ضمت هذه الأحاديث بعضها إلى بعض أخذت قوة انتهى من السلاح وقد أخرج البخاري والنسائي من حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان وأخذه الطعام ما هو معلوم من فضل هذه الآية وفيه أنه إذا قرأتها حين تأوى إلى فراشك لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وخرجه الترمذي من حديث أبي أيوب في قصته مع الغول نحو حديث أبي هريرة قال الغزالي ما معناه إنما وصفت بكونها سيدة أي القرآن لاشتمالها على اسم الله الأعظم وهو الحي القيوم قاله في الجواهر واسند صاحب غاية المغنم في اسم الله الأعظم عن غالب القطان قال مكثت عشر سنين ادعو الله أن يعلمنى اسمه الأعظم الذي إذا دعي به اجاب وإذا سئل به اعطى فاتانى ءات في منامي ثلاث ليال متواليات يقول يا غالب قل يا فارج الهم ويا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفيا بالعهد يا منجزا للوعد يا حي يا قيوم لا اله الا أنت انتهى من غاية المغنم وقوله تعالى لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي الدين في هذه الآية هو المعتقد والملة ومقتضى قول زيد ابن اسلم ان هذه الآية مكية وانها من ءايات الموادعة التي نسختها ءاية السيف وقال قتادة والضحاك بن مزاحم هذه الآية محكمة خاصة في اهل الكتاب الذين يبذلون الجزية وقوله تعالى قد تبين الرشد من الغي معناه بنصب الادلة ووجود الرسول صلى الله عليه و سلم الداعي الى الله والآيات المنيرة والرشد مصدر من قولك رشد بكسر الشين وضمها يرشد رشدا ورشدا ورشادا والغي مصدر من غوى يغوى إذا ضل في معتقد أو رأي ولا يقال الغي في الضلال على الإطلاق والطاغوت بناء مبالغة من طغى يطغي واختلف في معنى الطاغوت فقال عمر بن الخطاب وغيره هو الشيطان وقيل هو الساحر وقيل الكاهن وقيل الأصنام وقال بعض العلماء كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت ع وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمروذ وأما من لا يرضى ذلك فسمي طاغوتا في حق العبدة قال مجاهد العروة الوثقى الإيمان وقال السدي الإسلام وقال ابن جبير وغيره لا إله إلا الله قال ع وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد والانفصام الانكسار من غير بينونة وقد يجيء بمعنى البينونة والقصم كسر بالبينونة ت وفي الموطأ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الوحي يأتيني أحيانا في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت قال أبو عمر في التمهيد قوله فيفصم عني معناه ينفرج عني ويذهب كما تفصم الخلخال إذا فتحته لتخرجه من الرجل وكل عقدة حللتها فقد فصمتها قال الله عز و جل فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها وانفصام العروة أن تنفك عن موضعها واصل الفصم عند العرب أن تفك الخلخال ولا يبين كسره فإذا كسرته فقد قصمته بالقاف انتهى ولما كان الإيمان مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سميع من أجل النطق وعليم من أجل المعتقد قوله سبحانه الله ولي الذين آمنوا الآية الولي من ولي فإذا لازم أحدا أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه هذا عرفه لفة ولفظ اية مترتب في الناس جميعا وذلك ان من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن كفر بعد وجود الرسول صلى الله عليه و سلم فشيطانه ومغوية أخرجه من الإيمان إذ هو معد وأهل للدخول فيه ولفظ الطاغوت في هذه الآية يقتضي أنه اسم جنس ولذلك قال أولياؤهم بالجمع إذ هي أنواع قوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه الآية ألم تر تنبيه وهي رؤية القلب والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة قاله مجاهد وغيره قال قتادة هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل قيل أنه ملك الدنيا بأجمعها وهو أحد الكافرين والآخر بخت نصر وقيل أن النمروذ الذي حاج إبراهيم هو نمرود بن فالخ وفي قصص هذه المحاجة روايتان إحداهما ذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر للناس بالميرة فكلما جاء قوم قال من ربكم وإلهكم فيقولون أنت فيقول ميروهم وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له من ربك وإلهك قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت فلما سمعها نمروذ قال أنا أحي وأميت فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر وقال لا تميروه فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهما فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلا يلعبان فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء فقالت امرأته لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحوارى فخبرته فلما قام وضعته بين يديه فقال من أين هذا قالت من الدقيق الذي سقت فعلم إبراهيم أن الله يسر لهم ذلك وقال الربيع وغيره في هذا القصص أن النمروذ لما قال أنا أحي وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر وقال قد أحييت هذا وأمت هذا فرد عليه إبراهيم بأمر الشمس والرواية الأخرى ذكر السيد أنه لما خرج إبراهيم من النار وأدخل على الملك قال له من ربك قال ربي الذي يحي ويميت يقال بهت الرجل إذا انقطع وقامت عليه الحجة وقوله تعالى والله لا يهدي القوم الظالمين إخبار لمحمد صلى الله عليه و سلم وامته والمعنى لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم وظاهر اللفظ العموم ومعناه الخصوص لان الله سبحانه قد يهدى بعض الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الأيمان قوله تعالى او كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها الآية عطفت او في هذه الآية على المعنى الذي هو التعجب في قوله الم تر الى الذي حاج قال ابن عباس وغيره الذي مر على القرية هو عزير وقال وهب بن منبه وغيره هو ارميا قال ابن اسحاق ارميا هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه واختلف في القرية ما هي فقيل الموتفكة وقال زيد بن اسلم قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك والربيع وعكرمة هي بيت المقدس لما خربها بخت نصر البابلي والعريش سقف البيت قال السدي يقول هي ساقطه على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها وقال غيره معناه خاوية من الناس وخاوية معناه خالية يقال خوت الدار تخوي خواء وخويا ويقال خويت قال الطبري والأول افصح قال ص وهي خاوية في موضع الحال من فاعل مراو من قرية وعلى عروشها قيل على على بابها والمعنى خاوية من اهلها ثابته على عروشها والبيوت قائمة والمجرور على هذا يتعلق بمحذوف وهو ثابتة وقيل يتعلق بخاوية والمعنى وقعت جدراتها على سقوفها بعد سقوط السقوف انتهى وقد زدنا هذا المعنى وضوحا في سورة الكهف والله الموفق بفضله وقوله اني يحي هذه الله بعد موتها ظاهر اللفظ السؤال عن احياء القرية بعمارة او سكان فكان هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينة احبته ويحتمل ان يكون سؤاله انما كان عن احياء الموتى فضرب له المثل في نفسه وحكى الطبري عن بعضهم ان هذا القول منه شك في قدرة الله على الاحياء قال ع والصواب ان لا يتأول في الآية شك وروي في قصص هذه الآية ان بني اسراءيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس وخربه فلما ذهب عنه جاء عزير أو أزميا فوقف على المدينة معتبرا فقال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله تعالى وكان معه حمار قد ربطه بحبل جديد وكان معه سلة فيها تين هو طعامه وقل تين وعنب وكانت معه ركوة من خمر وقيل من عصير وقل قلة من خماء هي شرابه وبقي ميتا مائة عام فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو حماره وروي أن الحمار بلي وتفرقت أوصاله دون عزير وقوله تعالى ثم بعثه معناه أحياه فسأله الله تعالى بوساطة الملك كم لبثت على جهة التقرير فقال لبثت يوما أبو بعض يوم قال ابن جريج وقتادة والربيع أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قرب الغروب فظن هو اليوم واحدا فقال لبثت يوما ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا فقال أبو بعض يوم فقيل له بل لبثت مائة عام وقوله تعالى فأنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه أي لم يتغير ت قال البخاري في جامعة يتسنه يتغير وأما قوله تعالى وأنظر إلى حمارك فقال وهب بن منبه وغيره المعنى انظر إلى اتصال عظامه وأحيائه جزءا جزءا ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاما ملتئمة ثم كساه لحما حتى كمل حمارا ثم جاء ملك فنفخ في أنفه الروح فقام الحمار ينهق وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضا أنهما قالا بل قيل له وانظر إلى حمارك قائما في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة قالا وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه وأعمى الله العيون عنه وعن حماره طول هذه المدة وكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيرا اختصرته لعدم صحته وقوله تعالى ولنجعلك آية للناس قال ع وفي إماتته هذه المدة ثم إحيائه اعظم آية وأمره كله أية للناس غابر الدهر ت قال ابن هشام لا يصح انتصاب مائة باماته لأن الإماتة سلب الحياة وهي لا تمتد وإنما الوجه أن يضمن أماته معنى البثه فكأنه قيل فالبثه الله بالموت مائة عام وحينئذ يتعلق به الظرف انتهى من المغنى ومعنى ننشرها أي نحييها وقرأ حمزة وغيره ننشزها ومعناه نرفعها أي ارتفاعا قليلا قليلا فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وقال النقاش ننشزها معناه ننبتها ومن ذلك نشز ناب البعير وقوله تعالى فلما تبين له قال أعلم قال هو أعلم أن الله على كل شيء قدير وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري بل هو قول بعثه الإعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله لا إله إلا الله ونحو هذا وأما قراءة حمزة والكسائي قال اعلم موصولة الألف ساكنة الميم فتحتمل وجهين أحدهما قال الملك له أعلم وقد قرأ ابن مسعود والأعمش قيل أعلم والوجه الثاني أن ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل أي قال لنفسه أعلم وأمثلة هذا كثيرة قوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولو تؤمن قال بلى الآية قال جمهور العلماء أن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة وأما قول النبي صلى الله عليه و سلم نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه أن لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ذلك محض الإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك هو المنفي عن الخليل صلى الله عليه و سلم وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم أعلم بذلك يدلك على ذلك قوله ربي الذي يحي ويميت والشك يبعد على من ثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوءة والخلة والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود ومتقرر الوجود عند السائل والمسؤول نحو قولك كيف علم زيد وكيف نسج الثوب فكيف في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء والإحياء متقرر ولما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح مثال ذلك أن يقول مدع أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب كيف ترفعه فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدلي كأنه يقول أفرض أنك ترفعه ارني كيف فلما كان في عبارة الخليل صلى الله عليه و سلم هذا الاشتراك المجازي خلص الله سبحانه ذلك وحمله علىأن يبين الحقيقة فقال له أولم تؤمن قال بلى فكمل الأمر وتخلص من كل شك ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمانينة ت قال الداودي وعن ابن جبير أولم تؤمن بالخلة قال مجاهد والنخعي ولكن ليطمئن قلبي أي ازداد إيمانا إلى إيماني وعن قتادة لأزداد يقينا انتهى قال ع وقوله تعالى أولم تؤمن معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فصل إحياء الموتى والواو واو حال دخلت عليها ألف التقرير وقال ص الهمزة في أولم تؤمن للتقرير كقوله تعالى ألم نشرح لك صدرك وكقوله ألستم خير من ركب المطايا أي قد شرحنا لك صدرك وأنتم خير وقول أبن عطية الواو للحال دخلت عليها ألف التقرير متعقب والظاهر أن التقرير منسحب على الجملة المنفية فقط وأن الواو للعطف انتهى وليطمئن معناه ليسكن فطمأنينة القلب هي أن تسكن فكره في الشيء المعتقد والفكر في صورة الإحياء غير محظورة كمالنا نحن اليوم أن نفكر فيها بل هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فتذهب فكره في صورة الإحياء إذ حركه إلى ذلك أما الدابة المأكولة في تأويل وأما قول النمروذ أنا أحي وأميت في تأويل آخر وروي أن الأربعة التي أخذ إبراهيم عليه السلام هي الديك والطاوس والحمام والغاب قاله مجاهد وغيره وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي فروي أنه أخذها عليه السلام حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا قطعا صغارا وجمع ذلك مع الدم والريش ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده ثم قال تعالين بإذن الله فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت كما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس ثم كرر النداء فجاءته سعيا حتى وضعت أجسادها في رؤوسها وطارت بإذن الله تعالى وقوله تعالى فصرهن يقال صرت الشيء أصوره بمعنى قطعته يقال أيضا صرت الشيء بمعنى أملته وقد تأول المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع وبمعنى الإمالة وقد قال ابن عباس وغيره في هذه الآية صرهن معناه قطعهن وقال قتادة صرهن فصلهن وقال عطاء بن أبي رباح صرهن أضممهن وقال ابن زيد معناه اجمعهن وعن ابن عباس أيضا أوثقهن وقرأ قوم فصرهن بضم الصاد وشد الراء كأنه يقول فشدهن ومنه صرة الدنانير قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم في الآية بيان شرف النفقة في سبيل الله وتحسينها وضمنها التحريض على ذلك وهذه الآية في نفقة التطوع وسبل الله كثيرة وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين وعلى الملة وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم وأشهر ذلك البر وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة وأما في سائر الحبوب فأكثر وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها واقتضت الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبع مائة ضعف وبين ذلك الحديث الصحيح واختلف في معنى قوله سبحانه والله يضاعف لمن يشاء فقيل هي مبينة ومؤكدة لما تقدم من ذكر السبع مائة وقالت طائفة من العلماء بل هو إعلام من الله تعالى بأنه يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف ت وأرجح الأقوال عندي قول هذه الطائفة وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال ان الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة الحديث رواه مسلم والبخاري بهذه الحروف انتهى وقال ابن عمر لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه و سلم رب زد أمتي فنزلت من ذا الذين يقرض الله قرضا حسنا الآية فقال رب زد أمتي فنزلت إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وفي الآية حذف مضاف تقديره مثل إنفاق الذين وكمثل ذي حبة وقوله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون لما تقدم في الآية التي قبلها ذكر فضل الإنفاق في سبيل الله على العموم بين أن ذلك إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه منا ولا أذى وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يريد وجه الله تعالى ورجاء ثوابه وأما من أراد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله تعلى وهذا هو الذي متى أخلفه ظنه من بالإنفاق أذى إذ لم يكن أنفاقه مخلصا لوجه الله بالمن والأذى مبطلان للصدقة وهما كاشفان لمقاصد المنفقين والمن ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها والأذى السب والتشكي وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى ولكنه نص عليه لكثرة وقوعه وقال زيد بن أسلم لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه قالت له امرأة يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه فإن عندي اسهما وجعبة فقال لها لا بارك الله في اسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم وتضمن الله الأجر للمنفق في سبيل الله والأجر الجنة ونفي عنه الخوف لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته ت وما جاء من صحيح الآثار في هذا الباب ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من بابا الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان فقال أبو بكر يا رسول الله ما على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحدا من هذه الأبواب كلها قال نعم وأرجوا أن تكون منهم قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد في هذا الحديث من الفقه الحض على الإنفاق في سبيل الخير ومعنى زوجين أي شيئين من نوع واحد نحو درهمين أو دينارين أو فرسين أو قميصين هكذا قال أهل العلم وفيه أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه ألا ترى إلى قوله فمن كان من أهل الصلاة يريد من أكثر منها فنسب إليها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك من أكثر من الجهاد ومن الصيام على هذا المعنى والريان فعلان من الري ومعنى الدعاء من تلك الأبواب اعطاؤه ثواب العاملين تلك الأعمال ونيله ذلك والله اعلم وفيه ان للجنة ابوابا يعنى متعددة بحسب الأعمال انتهى وروى ابن أبي شيبة في مسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أن لكل اهل عمل بابا من أبواب الجنة يدعون فيه بذلك العمل هذا لفظه على ما نقله صاحب الكوكب الدري انتهى قوله تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى هذا أخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله خير من صدقه هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذلك القول المعروف فيه اجر وهذه لا اجر فيها والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج ومن هذا قول الاعرابي وقد سأل قوما بكلام فصيح فقال له قائل ممن الرجل فقال اللهم غفرا سوء الاكتساب يمنع من الانتساب وقال النقاش يقال معناه ومغفرة للسائل ان اغلظ اوجفا اذا حرم ثم اخبر تعالى بغناه عن صدقة من هذه حاله وحلمه عن من يقع منه هذا وامهاله وحدث الجوزي في صفوة الصفوة بسنده الى حارثة بن النعمان الصحابي رضي الله عنه قال لماكف بصره جعل خيطا في مصلاه إلى باب حجرته ووضع عنده مكتلا فيه تمر وغير ذلك فكان إذا سأل المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ من ذلك الخيط حتى يأخذ الى باب الحجرة فيناوله المسكين فكان اهله يقولون نحن نكفيك فيقول سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول ان مناولة المسكين تقى ميتة السوء انتهى وقوله تعالى يا ايها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى الآية العقيدة ان السيات لا تبطل الحسنات فقال جمهور العلماء في هذه الآية ان الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن بها او يؤذي فانها لا تتقبل صدقة وقيل بل يجعل الله للملك عليها امارة فهو لا يكتبها قال ع وهذا حسن لأن المان المؤذي لم تكن نيته خالصة لله سبحانه فلم تترتب له صدقة فهذا هو البطلان بالمن والأذى وهما لا يبطلان صدقة غيرها سالمة النية ثم مثل الله سبحانه هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمة نيته بالذي ينفق رياء لا لوجه الله والرياء مصدر من فاعل من الرؤية كان الرياء تظاهر وتفاخر بين من لا خير فيه من الناس قال المهدوى والتقدير كأبطال الذي ينفق رياء وقوله تعالى ولا يؤمن بالله واليوم الآخر يحتمل إن يريد الكافر أو المنافق إذ كل منهما ينفق ليقال جواد ثم مثل سبحانه هذا المنفق رياء بصفون عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة كما يظن قوم أن صدقة هذا المراءى لها قدر أو معنى فإذا أصاب الصفوان وابل من المطر انكشف ذلك التراب وبقي صلدا فكذلك هذا المراءى إذا كان يوم القيامة وحضرت الأعمال انكشف سره وظهر أنه لا قدر لصدقاته ولا معنى والصفوان الحجر الكبير إلأمس والوابل الكثير القوي من المطر وهو الذي يسيل وجه الأرض والصلد من الحجارة الأملس الصلب الذي لا شيء فيه ويستعار للرأس الذي لا شعر فيه وقوله تعالى لا يقدرون يريد الذين ينفقون رياء أي لا يقدرون على الانتفاع بشيء من إنفاقهم ذلك وهو كسبهم وقوله تعالى والله لا يهدى القوم الكافرين أما عموم يراد به الخصوص ويحتمل لا يهديهم في كفرهم إذ هو ضلال محض ويحتمل لا يهديهم في صدقاتهم وأعمالهم وهم على الكفر وقوله تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله الآية من أساليب فصاحة القرءان أنه يأتي فيه ذكر نقيض ما يتقدم ذكره ليتبين حال التضاد بعرضها على الذهن ولما ذكر الله صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين بذلوا صدقاتهم على وجهها في الشرع فضرب لها مثلا وتقدير الكلام ومثل نفقة الذين ينفقون كمثل غارس جنة أو تقدر الإضمار في ءاخر الكلام دون إضمار في أوله كأنه قال كمثل غارس جنة وابتغاء معناه طلب وهو مصدر في موضع الحال وتثبيتا مصدر ومرضات مصدر من رضي وقال ص ابتغاء مرضات الله وتثبيتها كلاهما مفعول من اجله وقاله مكي ورده ابن عطية بان ابتغاء لا يكون مفعولا من اجله لعطف وتثبيتا عليه ولا يصح في تثبيت أن يكون مفعولا من أجله لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت واجيب بأنه يمكن أن يقدر مفعول التثبيت الثواب أي وتحصيلا لأنفسهم الثواب على تلك النفقة فيصح أن يكون مفعولا من أجله ثم قال أبو حيان بعد كلام والمعنى أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان وما يرجونه من الله تعالى بهذا العمل انتهى قال قتادة وغيره وتثبيتا معناه وتيقنا أي أن نفوسهم لها بصائر متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتا وقال مجاهد والحسن معنى قوله وتثبيتا أي انهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم قال الحسن كان الرجل إذا هم تثبت فإن كان ذلك لله أمضاه وان خالطه شيء امسك والقول الأول أصوب لأن هذا المعنى الذي ذهب إليه مجاهد والحسن إنما عبارته وتثبتا فإن قال محتج أن هذا من المصادر التي خرجت على غير الصدر كقوله تعالى وتبتل إليه تبتيلا والله أنبتكم من الأرض نباتا فالجواب أن هذا لا يسوغ إلا مع ذكر الصدر والإفصاح بالفعل المتقدم للمصدر وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول احمله على فعل كذا وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر هذا مهيع كلام العرب فيما علمت والربوة ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيرا معه في الأغلب كثافة التراب وطيبه وتعمقه وما كان كذلك فنباته احسن ولفظ الربوة مأخوذ من ربا يربو إذا زاد وءاتت معناه اعطت والأكل بضم الهمزة الثمر الذي يؤكل والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل واضافته الى الجنة اضافة اختصاص كسرج الدابة وباب الدار وضعفين معناه اثنين مما يظن بها ويحزر من مثلها ثم أكد سبحانه مدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل وذلك لكرم الأرض والطل المستدق من القطر قاله ابن عباس وغيره وهو مشهور اللغة فشبه سبحانه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربى الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة وذلك كله بخلاف الصفوان وفي قوله تعالى والله بما تعملون بصير وعد ووعيد وقوله تعالى ايود احدكم أن تكون له جنة من نخيل واعناب الآية حكى الطبري عن ابن زيد أنه قرأ قوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن الآية ثم قال ضرب الله في ذلك مثلا فقال أيود أحدكم الآية وهذا بين وهو مقتضى سياق الكلام وقال ابن عباس هذا مثل ضربه الله كأنه قال أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير فإذا فني عمره واقترب اجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فرضي ذلك عمر منه رضي الله عنه وروى ابن أبي مليكة عن عمر نحوه ع فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت الفاظها وقال بنحو هذا مجاهد وغيره ونقل الثعلبي عن الحسن قال قل والله من يعقل هذا المثل شيخ كبر سنه وضعف جسمه وكثر عياله أفقر ما كان إلى جنته واحدكم أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت الدنيا عنه انتهى وهو حسن جدا وقال أبو عبد الله اللخمي فى مختصرة لتفسير الطبري وعن قتادة هذا مثل فاعقلوا عن الله أمثاله هذا رجل كبرت سنه ورق عظمه وكثر عياله ثم احترقت جنته احوج ما يكون إليها يقول أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة أحوج ما يكون إليه وعن الحسن نحوه انتهى وخص الأعناب والنخيل بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر والواو في قوله وأصابه واو الحال وكذلك في قوله وله ضعفاء جمع ضعيف والإعصار الريح الشديدة العاصفة التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه يكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد وكل ذلك من فيح جهنم ولعلكم ترج في حق البشر أي إذا تأمل من بين له هذا البيان رجي له التفكر وكان أهلا له وقال ابن عباس تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم الآية هذا خطاب لجميع أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وهذه صيغة أمر بالإنفاق واختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة أو التطوع والآية تعم الوجهين لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب وجمهور المتأولين قالوا معنى من طيبات من جيد ومختار ما كسبتم وجعلوا الخبيث بمعنى الرديء وقال ابن زيد معناه من حلال ما كسبتم قال وقوله ولا تيمموا الخبيث أي الحرام ع وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه وكسبتم معناه كانت لكم فيه سعاية ومما أخرجنا لكم من الأرض النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك وتيمموا معناه تعمدوا وتقصدوا والتيمم القصد وقال الجرجاني قال فريق من الناس أن الكلام تم في قوله الخبيث ثم ابتدأ خبرا آخر فقال تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا اغمضتم أي ساهلتم قال ع كأن هذا المعنى عتاب للنفس تقريع وعلى هذا فالضمير في منه عائد على الخبيث قال الجرجاني وقال فريق آخر بل الكلام متصل إلى قوله فيه وعلى هذا فالضمير في منه عائد على ما كسبتم كأنه في موضع نصب على الحال والمعنى في الآية فلا تفعلوا مع الله مالا ترضونه لأنفسكم واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بماله قدر ت وهذا يقوي القول بأنها في الزكاة المفروضة وحميد معناه محمود وقوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر الآية هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمرا بالصدقة فهي جالبة النفوس إلى الصدقة بين عز و جل فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته وذكر بثوابه هو سبحانه لا رب غيره وذكر بتفضله بالحكمة وأثنى عليها ونبه أن أهل العقول هم المتذكرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله وغير ذلك ثم ذكر سبحانه علمه بكل نفقة ونذر وفي ذلك وعد ووعيد ثم بين الحكم في الإعلان والإخفآء وكذلك إلى ءاخر المعنى والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير وإذا قيد بالموعود فقد يقيد بالخير وقد يقيد بالشر كالبشارة وهذه الآية مما قيد الوعد فيها بمكروه والفحشاء كل ما فحش وفحش ذكره روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أن للشيطان لمة من ابن ءادم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ صلى الله عليه و سلم الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء الآية قلت هذا حديث صحيح خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حسن غريب صحيح والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والنعيم في الآخرة وبكل قد وعد الله جل وعلا وروي أن في التوراة عبدي انفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة وفي القرءان مصداقة وهو وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ت روى الطبرانى سليمان بن أحمد بسنده عن عبد الله ابن عمرو قال قال النبي صلى الله عليه و سلم من اطعم اخاه حتى يشبعه وسقاه من الماء حتى يرويه بعده الله من النار سبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة مائة عام انتهى وعن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ايما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة وأيما مسلم اطعم مسلما على جوع اطعمه الله من ثمار الجنة وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله عز و جل من الرحيق المختوم اخرجه ابو داود من حديث أبي خالد هو الدولاني عن نبيح وقد وثق أبو حاتم ابا خالد وسئل أبو زرعة عن نبيح فقال هو كوفي ثقة انتهى من الإلمام في احاديث الاحكام لابن دقيق العيد وواسع لأنه وسع كل شيء رحمة وعلما يؤتى الحكمة أي يعطيها لمن يشاء من عباده والحكمة مصدر من الاحكام وهو الاتقان في عمل او قول وكتاب الله حكمة وسنة نبيه عليه السلام حكمة وكل ما ذكره المتأولون فيها فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس قال الإمام الفخر في شرحه لاسماء الله الحسنى قال المحققون العلماء ثلاثة علماء باحكام الله فقط وهم العلماء اصحاب الفتوى وعلماء بالله فقط وهم الحكماء وعلماء بالقسمين وهم الكبراء فالقسم الأول كالسراج يحرق نفسه ويضىء لغيره والقسم الثاني حالهم اكمل من الأول لأنه اشرق قلبه بمعرفة الله وسره بنور جلال الله الا أنه كالكنز تحت التراب لا يصل اثره الى غيره وأما القسم الثالث فهم اشرف الاقسام فهو كالشمس تضىء العالم لأنه تام وفوق التام انتهى وباقي الآية تذكرة بينة واقامة لهمم الغفلة والألباب العقول واحدها لب وقوله تعالى وما انفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر الآية يقال نذر الرجل كذا إذا التزم فعله وقوله تعالى فإن الله يعلمه قال مجاهد معناه يحصيه وفي الآية وعد ووعيد أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن انفق رياء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله باطلا ولا يجد ناصرا فيه وقوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي الآية ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع قال ابن عباس جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة علانيتها افضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا قال وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها ع ويقوي ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك قال الطبري أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل وقوله تعالى فنعما هي ثناء على إبداء الصدقة ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء والتقرير نعم شيء إبداؤها فالإبداء هو المخصوص بالمدح وخرج أبو داود في سننه عن أبي أمامة قال قال النبي صلى الله عليه و سلم انطلق برجل إلى باب الجنة فرفع رأسه فإذا على باب الجنة مكتوب الصدقة بعشر أمثالها والقرض الواحد بثمانية عشر لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج والصدقة ربما وضعت في غني وخرجه ابن ماجه في سننه قال حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم حدثنا هشام بن خالد حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوب الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة قال إن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة انتهى من التذكرة وقرأ ابن كثير وغيره ونكفر بالنون ورفع الراء وقرأ ابن عامر ويكفر بالياء ورفع الراء وقرأ نافع وغيره ونكفر بالنون والجزم فأما رفع الراء فهو على وجهين أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو والله يكفر والثاني القطع والاستيناف والواو لعطف جملة على جملة والجزم في الراء أفصح هذه القراءات لأنها تؤذن بدخول التفكير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء وأما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى ومن في قوله من سيئاتكم للتبعيض المحض لا أنها زائدة كما زعم قوم والله بما تعلمون خبير وعد ووعيد وقوله تعالى ليس عليك هداهم الآية وردت آثار أن النبي صلى الله عليه و سلم منع فقراء أهل الذمة من الصدقة فنزلت الآية مبيحة لهم وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه و سلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا وليدخلوا في الدين فقال الله سبحانه ليس عليك هداهم قال ع وهذه الصدقة التي أبيحت لهم حسبما تضمنته هذه الآثار إنما هي صدقة التطوع وأما المفروضة فلا يجزىء دفعها لكافر قال ابن المنذر اجماعا فيما علمت وقول المهدوي أباحتها هذه الآية مردود قال ابن العربي وإذا كان المسلم يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تصرف إليه الصدقة حتى يتوب وسائر المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين انتهى من الأحكام ويعني بالصدقة المفروضة والهدى الذي ليس على نبينا محمد صلى اله عليه وسلم هو خلق الايمان فى قلوبهم واما الهدى الذى هو الدعاء فهو عليه ص - وليس بمراد في هذه الآية ثم أخبر سبحانه أنه يهدي من يشاء وفي الآية رد على القدرية وطوائف المعتزلة ثم بين تعالى أن النفقة المقبولة ما كان ابتغاء وجه الله وفي الآية تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله سبحانه فهو خير منه لهم فيه تفضيل وما تنفقوا من خير يوف إليكم أي في الآخرة وهذا هو بيان قوله وما تنفقوا من خير فلأنفسكم والخير هنا المال بقرينة الإنفاق ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال وهذا الذي قلناه تحرزا من قول عكرمة كل خير في كتاب الله فهو المال وقوله تعالى للفقراء الذين احصروا في سبيل الله الآية التقدير الإنفاق أو الصدقة للفقراء قال مجاهد وغيره المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ع ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله الذين احصروا في سبيل الله والمعنى حبسوا ومنعوا وتأول الطبري في هذه الآية أنهم هم حابسوا أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذ أحاط بهم الكفر فصار خوف العدو عذرا احصروا به ع كأن هذه الأعذار أحصرتهم فالعدو وكل محيط يحصر وقوله في سبيل الله يحتمل الجهاد ويحتمل الدخول في الإسلام والضرب في الأرض هو التصرف في التجارة وكانوا لا يستطيعون ضربا في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا وهذا في صدر الهجرة وكانوا رضي الله عنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله تعالى بحيث يحسبهم الجاهل بباطن أحوالهم أغنياء ت واعلم أن المواساة واجبة وقد خرج مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه و سلم إذ جاء رجل على راحلة فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال النبي صلى الله عليه و سلم من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل انتهى والتعفف تفعل وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه وبهذا المعنى فسره قتادة وغيره ت مدح الله سبحانه هؤلاء السادة على ما أعطاهم من غنى النفس وفي الحديث الصحيح ليس الغنى عن كثرة المال وإنما الغنى غنى النفس وقد صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا أخرجه مسلم وغيره وعندي أن المراد بالآل هنا متبعوه صلى الله عليه و سلم وفي سنن ابن ماجه عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا وروى مسلم والترمذي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عيله وسلم يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى قال أبو عيسى واللفظ له هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله تعالى تعرفهم بسيماهم السيما مقصورة العلامة واختلف المفسرون في تعيينها فقال مجاهد هي التخشع والتواضع وقال الربيع والسدي هي جهد الحاجة وقصف الفقر في وجوههم وقلة النعمة وقال ابن زيد هي رثة الثياب وقال قوم وحكاه مكي هي أثر السجود قال ع وهذا حسن وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة فكان أثر السجود عليهم أبدا والإلحاف والإلحاح بمعنى قال ع والآية تحتمل معنيين أحدهما نفي السؤال جملة وهذا هو الذي عليه الجمهور أنهم لا يسألون البتة والثاني نفي الإلحاف فقط أي لا يظهر لهم سؤال بل هو قليل وبإجمال ت وهذا الثاني بعيد من ألفاظ الآية فتأمله ت وينبغي للفقير أن يتعفف في فقره ويكتفي بعلم ربه قال الشيخ ابن أبي جمرة وقد قال أهل التوفيق من لم يرض باليسير فهو أسير انتهى وذكر عبد الملك بن محمد بن أبي القاسم ابن الكردبوس في الاكتفاء في أخبار الخلفاء قال وتكلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بتسع كلمات ثلاث في المناجاة وثلاث في الحكمة وثلاث في الآداب أما المناجاة فقال كفاني فخرا أن تكون لي ربا وكفاني عزا أن أكون لك عبدا وأنت كما أحب فاجعلني كما تحب وأما الحكمة فقال قيمة كل امرىء ما كان يحسنه وما هلك امرؤ عرف قدر نفسه والمرء مخبو تحت لسانه وأما الآداب فقال استغن عمن شئت فأنت نظيره وتفضل على من شئت فأنت أميره واضرع إلى من شئت فأنت أسيره انتهى ولما كانت السيما تدل على حال صاحبها ويعرف بها حاله أقامها الله سبحانه مقام الإخبار عن حال صاحبها فقال تعرفهم بسيماهم وقد قال الشيخ العارف بالله صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية كل ما دل على معنى فقد أخبر عنه ولو كان صامتا وأشار إليه ولو كان ساكتا لكن حصول الفهم والمعرفة بحسب اعتبار المعتبر ونظر المتأمل المتدبر انتهى قال ع وفي الآية تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا وقال ص وقوله تعالى لا يسألون الناس إلحافا إذا نفي حكم من محكوم عليه بقيد فالأكثر في لسانهم انصراف النفي إلى ذلك القيد فالمعنى ذلك القيد فينتفي السؤال والإلحاح وله نظائر انتهى وقوله تعالى وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم وعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب وقوله تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار الآية قال ابن عباس نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية وقال قتادة نزلت في المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير قال ع والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنه الحاجة وقوله تعالى الذين يأكلون الربوا الآية الربا هو الزيادة مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان وغالبه ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم اتقضي أم تربي فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد وكذلك أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال أو في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه ومعنى الآية الذين يكسبون الربا ويفعلونه وإنما قصد إلى لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الناس في المال قال ابن عباس وغيره معنى قوله سبحانه لا يقومون أي من قبورهم في البعث يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس قالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع المحشر ويقوي هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم وقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا معناه عند جميع المتأولين في الكفار وأنه قول بتكذيب الشريعة والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل فله ما سلف ولا يقال ذلك لمؤمن عاص ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية ثم جزم الله سبحانه الخبر في قوله وأحل الله البيع وحرم الربوا قيل هذا من عموم القرآن المخصص وقيل من مجمله المبين قال جعفر بن محمد الصادق وحرم الله الربا ليتقارض الناس وقوله تعالى فله ما سلف أي من الربا لاتباعه عليه في الدنيا والآخرة وهذا حكم من الله سبحانه لمن أسلم من الكفار وفي قوله تعالى وأمره إلى الله أربع تأويلا أحدها أمر الربا في امرار تحريمه وغير ذلك والثاني أمر ما سلف أي في العفو وإسقاط التبعة فيها والثالث أن الضمير عائد على ذي الربا بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية والرابع أن يعود الضمير على المنتهى ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير وقوله تعالى ومن عاد يعني إلى فعل الربا والقول إنما البيع مثل الربا والخلود في حق الكافر خلود تأبيد حقيقي وإن لحظنا الآية في مسلم عاص فهو خلود مستعار على معنى المبالغة وقوله تعالى يمحق الله الربوا ويربي الصدقات يمحق معناه ينقص ويذهب ومنه محاق القمر وهو انتقاصه ويربي الصدقات معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفا تقول ربت الصدقة وأرباها الله تعالى ورباها وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم أن صدقة أحدكم لتقع في يد الله تعالى فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد قال ع وقد جعل الله سبحانه هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشيع من بني آدم إذ يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق ويظن الصدقة تفقره وهي في الحقيقة نماء في الدنيا والآخرة وعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة ابن عامر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول كل امرىء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس أو قال حتى يحكم بين الناس قال يزيد وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق بشيء فيه ولو كعكة أو بصلة قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه يعني البخاري ومسلما انتهى من الإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد قال الشيخ ابن أبي جمرة ولا يلهم للصدقة إلا من سبقت له سابقة خير انتهى قال أبو عمر في التمهيد وروي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة على بنيه وكان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله وحفظ في يوم صدقته من كل عاهة وآفة انتهى وروى أبو داود في سننه أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل قال الماء فحفر بيرا وقال هذه لأم سعد وروى أبو داود في سننه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من حضر الجنة وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم انتهى وقوله تعالى والله لا يحب كل كفار أثيم يقتضي الزجر للكفار المستحلين للربا ووصف الكفار بأثيم إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض قاله ابن فورك ولما انقضى ذكر الكافرين عقب سبحانه بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالتين فقال إن الذين آمنوا الآية وقد تقدم تفسير مثل هذه الألفاظ وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا الآية سبب هذه الآية أنه لما افتتح النبي صلى الله عليه و سلم مكة قال في خطبته اليوم الثاني من الفتح الأكل ربا في الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس فبدأ صلى الله عليه و سلم بعمه وأخص الناس به وهذه من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض في الناس ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد فلما استنزل صلى الله عليه و سلم أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه وكل ربا عليهم فهو موضوع فيروى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرر لهم هذه ثم ردها الله بهذه الآية كما رد صلحه لكفار قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية وذكر النقاش رواية أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فلما جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للإقتضاء وكانت على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة لا نعطي شيأ فإن الربا قد وضع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت الآية وكتب بها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت هذا سبب الآية على اختصار مما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم فمعنى الآية أجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من ربا وصفحكم عنه ثم توعدهم تعالى إن لم يذروا الربا بحرب منه ومن رسوله وأمته والحرب داعية القتل وقوله تعالى فأذنوا قال سيبويه آذنت أعلمت ت وهكذا فسره البخاري فقال قال أبو عبد الله فأذنوا فأعلموا وقال ع هي عندي من الإذن وقال ابن عباس وغيره معناه فستفينوا بحرب ثم ردهم سبحانه مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم لا تظلمون في أخذ الزائد ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم ويحتمل لا تظلمون في مطل لأن مطل الغنى ظلم كما قال عليه السلام فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا وهكذا سنة الصلح وهذا أشبه شيء بالصلح ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أشار على كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب نعم فقال النبي صلى الله عليه و سلم للآخر قم فاقضه فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات وقوله سبحانه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة حكم الله تعالى لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال ثم حكم في ذي العسر بالنظرة إلى حال اليسر والعسر ضيق الحال من جهة عدم المال والنظرة التأخير ت وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا قال فلقي الله فتجاوز عنه وفي صحيح مسلم من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه وفي رواية من أنظر معسرا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة وفي وراية من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله انتهى والميسرة مصدر بمعنى اليسر وارتفع ذو عسرة بكان التامة التي هي بمعنى وجد وحدث وارتفع قوله فنظرة على خبر ابتداء مقدر تقديره فالواجب نظرة واختلف أهل العلم هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة واقف على أهل الربا خاصة وهو قول ابن عباس وشريح أو هو منسحب على كل دين حلال وهو قول جمهور العلماء ع وما قاله ابن عباس إنما يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح فالحكم هي النظرة ضرورة ت ولا يخالف ابن عباس في ذالك وقوله تعالى وأن تصدقوا خير لكم ندب الله بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره قاله جمهور العلماء وروى سعيد ابن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا وقبض رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة وقال ابن عباس آخر ما نزل آية الربا قال ع ومعنى هذا عندي أنها من آخر ما نزل لأن جمهور الناس ابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج غيرهم قالوا آخر آية نزلت قوله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وروي أن قوله واتقوا نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه و سلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء وروي بثلاث ليال وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات وأنه صلى الله عليه و سلم قال اجعلوها بين آية الربا وأية الدين وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال جاءني جبريل فقال اجعلها على مائتين وثمانين آية من البقرة وقوله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله الآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان ت حدثني من اثق به أنه جلس عند شيخ من الأفاضل يجود عليه القرآن فقرأت عليه هذه الآية فبكى عندها ثم بكى إلى ان فاضت نفسه ومال فحركوه فإذا هو ميت رحمه الله ونفع به يا هذا من صحا عقله من سكر هواه وجهله احترق بنار الندم والخجل من مهابة نظر ربه وتنكرت صورة حاله في عينه نفوس الأغبياء الجهال غافلة عن العظمة والجلال ولاهية عن أهوال المعاد والمآل مشغولة برذائل الأفعال وفضول القيل والقال والاستنباط والاحتيال لازدياد الأموال ولا يعلمون أنها فتنة ووبال وطول حساب وبلاء وبلبال اغتنموا يا ذوي البصائر نعمة الإمهال واطرحوا خوادع الأماني وكواذب الآمال فكأن قد فجأتكم هواجم الآجال انتهى من الكلم الفارقية في الحكم الحقيقية ويوما نصب على المفعول لا على الظرف وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية وقال قوم هو يوم الموت والأول اصح وهو يوم تنفطر لذكره القلوب وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان وهذا رد على الجبرية وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه الآية قال ابن عباس هذه الآية نزلت في السلم خاصة قال ع معناه إن سلم أهل المدينة كان سبب الآية ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن الجهالة لا تجوز وقال جمهور العلماء الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق قال بعضهم إن أشهدت فحزم وإن ائتمنت ففي حل وسعة ع وهذا هو القول الصحيح ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك فليود الآية فهذه وصية للذين عليهم الديون واختلف في قوله تعالى وليكتب بينكم كاتب فقال عطاء والشعبي واجب على الكاتب أن يكتب إذا لم يوجد سواه وقال السدي هو واجب مع الفراغ وقوله بالعدل معناه بالحق ثم نهى الله سبحانه الكتاب عن الإباية وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك ان قوله تعالى ولا يأب منسوخ بقوله ولا يضار كاتب ولا شهيد قال ع أما إذا امكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين بل له الامتناع الا إذا استأجره وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الكاتب وقوله تعالى وليملل الذي عليه الحق الآية أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملال لأن الشهادة انما تكون بحسب اقراره وإذا كتبت الوثيقة واقر بها فهي كإملاله والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة وهؤلاء الذين امروا بالإملال هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا ثم ذكر تعالى ثلاثة انواع تقع نوازلهم في كل زمان فقال فإن كان الذي عليه الحق سفيها والسفيه الهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج والسفه الخفة وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر اب أو وصي وذلك هو وليه ثم قال أو ضعيفا والضعيف هو المدخول في عقله وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا والذي لا يستطيع أن يمل هوالصغير ووليه وصية أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد لمرض أو لغير ذلك من الأعذار ووليه وكيله وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضغفاء والأولى أنه ممن لا يستطيع وقوله بالعدل معناه بالحق وقصد الصواب وقوله تعالى واستشهدوا شهيدين الآية الاستشهاد طلب الشهادة وعبر ببناء مبالغة في شهيدين دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه فكأنه إشارة إلى العدالة قال ابن العربي في أحكامه والصحيح أن الأمر بالاستشهاد محمول على الندب أه وقوله تعالى من رجالكم نص في رفض الكفار والصبيان والنساء وأما العبيد فاللفظ يتناولهم واختلف العلماء فيهم وقول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء أن شهادتهم لا تجوز وغلبوا نقص الرق واسم كان الضمير الذي في قوله يكونا والمعنى في قول الجمهور فإن لم يكن المستشهد رجلين وقال قوم بل المعنى فإن لم يوجد رجلان ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال قال ع وهذا قول ضعيف ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور وقوله فرجل وامرأتان أي فليشهد أو فليكن رجل وامرأتان وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء رفع في موضع الصفة لقوله فرجل وامرأتان وهذا الخطاب لجميع الناس لكن المتلبس بهذه القصة هم الحكام وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض وفي قوله ممن ترضون دليل على أن في الشهود من لا يرضى فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم وقوله تعالى أن تضل إحديهما الآية أن مفعول من أجله والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر إحداهما إن ضلت الأخرى قال سيبويه وهذا كما تقول اعددت هذه الخشبة أن يميل الحائظ فادعمه ع ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود إلى أن يخبر به وهذا من أبرع الفصاحة إذ لو قال لك رجل اعددت هذه الخشبة أن أدعم بها هذا الحائظ لقال السامع ولم تدعم حائطا قائما فيجب ذكر السب فيقال إذا مال فجاء في كلامهم تقديم السبب اخصر من هذه المحاورة قال أبو عبيد ومعنى تضل تنسى ع والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالا وقوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا الآية قال قتادة وغيره معنى الآية إذا دعوا ان يشهدوا وقال الحسن بن أبي الحسن الآية جمعت أمرين لا تاب إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة ولا إذا دعيت إلى أدائها وقاله ابن عباس وقال مجاهد معنى الآية لا تاب إذا دعيت إلى أداء شهادة قد حصلت عندك وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه و سلم أنه فسر الآية بهذا ت وهذا هو الحقيقة في الآية وأما تسمية الشيء بما يؤل إليه فمجاز والشاهد حقيقة من حصلت له الشهادة قال مجاهد فأما إذا دعيت أو لا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا تذهب وقاله جماعة قال ع والآية كما قال الحسن جمعت أمرين والمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطل الحق فالمدعو مندوب وإن خيف تلف الحق بتأخر الشاهد وجب عليه القيام بها سيما إن كانت محصلة ودعي لأدائها فهذه آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء م ولا يأب الشهداء قال أبو البقاء مفعول يأب محذوف أي ولا يأب الشهداء إقامة الشهادة أو تحمل الشهادة وإذا ظرف ليأب ويحتمل أن يكون ظرفا للمفعول المحذوف ا ه وتسموا معناه تملوا وقدم الصغير اهتماما به وأقسط معناه أعدل وأقوم أي أشد إقامة وقيل أقوم من قام بمعنى اعتدل وأدنى معناه أقرب وترتابوا معناه تشكوا قال ابن هشام إلى أجله لا يصح تعلقه بتكتبوه لاقتضائه استمرار الكتابة إلى أجل الدين وإنما هو حال أي مستقرا في الذمة إلى أجله ا ه من المعنى وقوله تعالى إلا أن تكون تجارة حاضرة الآية لما علم الله سبحانه مشقة الكتب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالطعام ونحوه لا في كثير كالاملاك ونحوها وقال السدي والضحاك هذا فيما كان يدا بيد تأخذ وتعطي وقوله تعالى تديرونها يقتضي التقابض والبينونة في المقبوض وقوله تعالى واشهدوا إذا تبايعتم اختلف هل ذلك على الوجوب أو على الندب والوجوب في ذلك قلق أما في الدقائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد إلى غير ذلك من المصالح فلا يشهد ويدخل ذلك كله في الإئتمان ويبقى الأمر في الاشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في الأغلب وحكى المهدوي عن قوم أنهم قالوا واشهدوا إذا تبايعتم منسوخ بقوله تعالى فإن أمن الآية وذكره مكي عن ابي سعيد الخدري واختلف الناس في معنى قوله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد أي كاختلافهم في قوله تعالى لا تضار والدة بولدها هل الفعل مسند إلى الفاعل فأصله ولا يضارر كاتب ولا شهيد بكسر الراء وقيل مسند إلى المفعول الذي لم يسم فاعله فأصله ولا يضارر بفتحها ع ووجوه المضارة لا تنحصر وفك الفعل هي لغة الحجاز والإدغام لغة تميم وقوله وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم أي وإن تفعلوا المضارة وقوله بكم أي حال بكم وباقي الآية موعظة وتهديد والله المستعان لا رب غيره وقيل معنى الآية الوعد لأن من اتقى علم الخير والهمة ت وفي العتبية من سماع ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول سمعت أنه يقال ما زهد عبد واتقى الله إلا انطقه الله بالحكمة ا ه والمراد بهذا العلم العلم النافع الذي يورث الخشية قال أبو عمر ابن عبد البر روينا عن مسروق قال كفى بالمرء علما أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلا ان يعجب بعلمه أبو عمر إنما أعرفه بعمله ا ه من كتاب فضل العلم وقوله تعالى وإن كنتم على سفر الآية لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب وجعل بدلها الرهن ونص على السفر إذ هو الغالب من الأعذار ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر قال ع رهن الشيء في كلام العرب معناه دام واستمر قيل ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن لأنه فارق ما جعل له وقوله تعالى مقبوضة هي بينونة المرتهن بالرهن وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن وكذلك على قبض وكيله فيما علمت واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء قبض العدل قبض وقال الحكم ابن عتيبة وغيره ليس بقبض وقول الجمهور أصح من جهة المعنى في الرهن وقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا معناه إن أسقط الكتب والإشهاد والرهن وعول على أمانة المعامل فليؤد الأمانة وليتق الله ربه وهذا يبين أن الإشهاد ليس بواجب إذ لو كان واجبا لما جاز اسقاطه ثم قال وجملة الأمر أن الإشهاد حزم والائتمان ثقة بالله تعالى من الدائن ومروؤة من المديان ثم ذكر الحديث الصحيح في قصة الرجل من بني إسرائيل الذي استسلف ألف دينار وكيف تعاملا على الائتمان ثم قال ابن العربي وقد روي عن ابي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية فقال هذا نسخ لكل ما تقدم يعني من الأمر بالكتب والإشهاد والرهن ا ه وقوله فليؤد أمر بمعنى الوجوب وقوله أمانته مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة وقوله تعالى ولا تكتموا الشهادة الآية نهي فيه تهديد ووعيد وخص تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله وإذ هو البضعة التي بصلاحها يصلح الجسد كله كما قال صلى الله عليه و سلم وفي قوله تعالى والله بما تعلمون عليم توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد وروى البزار في مسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من مشي إلى غريمه بحقه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء ونبت له بكل خطوة شجرة تغرس في الجنة وذنبه يغفر ا ه من الكوكب الدري قوله تعالى لله ما في السموات وما في الأرض الآية المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك له سبحانه وقوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم الآية قوله ما في أنفسكم يقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واستصحبت الفكرة فيه وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز واختلف في معنى هذه الآية فقال عكرمة وغيره هي في معنى الشهادة التي نهي عن كتمها فلفظ الآية على هذا التأويل العموم ومعناه الخصوص وكذا نقل الثعلبي وقال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة من الصحابة والتابعين أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا هلكنا يا رسول الله إن حوسبنا بخواطر نفوسنا وشق ذلك على النبي صلى الله عليه و سلم لكنه قال لهم أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا فقالوها فأنزل الله بعد ذلك لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ونسخ بهذه تلك هذا معنى الحديث الصحيح وله طرق من جهات واختلفت عباراته وتعاضدت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النسخ في هذه النازلة وقال ابن عباس لما شق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الآية فنسخت الوسوسة وثبت القول والفعل وقال آخرون هذه الآية محكمة غير منسوخة والله محاسب خلقه على ما عملوه واضمروه وأرادوه ويغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة ع وهذا هو الصواب وإنما هي مخصصة وذلك أن قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه معناه بما هو في وسعكم وتحت كسبكم وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه و سلم فبين الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع بل هي أمر غالب وليست مما يكسب ولا يكتسب وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم وتأتي الآية محكمة لانسخ فيها ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية وذلك أن قول النبي صلى الله عليه و سلم لهم قولوا سمعنا وأطعنا يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه ثم نسخ ذلك بعد ذلك فهذه الاية في البقرة أشبه شيء بها وقوله تعالى ويعذب من يشاء يعني من العصاة وتعلق قوم بهذه الآية ممن قال بجواز تكليف مالا يطاق وقالوا ان الله قد كلفهم امر الخواطر وذلك مما لا يطاق قال ع وهذا غير بين وإنما كان أمر الخواطر تأويلا تأوله أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرناه من تقرير النبي صلى الله عليه و سلم إياهم على ذلك قال الشيخ الولي العارف بالله ابن أبي جمرة والخواطر عندهم ستة يعني عند العلماء العارفين بالله أولها الهمة ثم اللمة ثم الخطرة وهذه الثلاث عندهم غير مؤاخذ بها ثم نية ثم إرادة ثم عزيمة وهذه الثلاث مؤاخذ بها ا ه وقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه الآية سبب هذه الآية أنه لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم واشفق منها النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه ثم تقرر الأمر على أن قالوا سمعنا وأطعنا ورجعوا إلى التضرع والاستكانة مدحهم الله تعالى وأثنى عليهم في هذه الآية وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى لا كما قالت بنو إسرائيل سمعنا وعصينا فأعقبهم ضد ذلك وهذه ثمرة العصيان اعاذنا الله من نقمه وآمن معناه صدق والرسول محمد صلى الله عليه و سلم وما أنزل إليه القرآن وسائر ما أوحى الله إليه من جملة ذلك وكل لفظة تصلح للإحاطة وهي كذلك هنا والإيمان بالله هو التصديق به أي بوجوده وصفاته ورفض كل معبود سواه والإيمان بملائكته هو اعتقادهم أنهم عباد لله مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل سبحانه على انبيائه وقرأ الجمهور لا نفرق بالنون والمعنى يقولون لا نفرق ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض وقوله تعالى وقالوا سمعنا وأطعنا مدح يقتضي الحض على هذه المقالة أن يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر والطاعة قبول الأوامر وغفرانك مصدر والعامل فيه فعل تقديره نطلب أو نسأل غفرانك ت وزاد أبو حيان قال وجوز بعضهم الرفع فيه على أن يكون مبتدأ أي غفرانك بغيتنا ا ه وإليك المصير إقرار بالبعث والوقوف بين يديه سبحانه وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أنزلت عليه هذه الآية قال له جبريل يا محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسأل إلى آخر السورة وقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الآية خبر جزم نص على أنه لا يكلف الله العباد من وقت نزول الاية عبادة من أعمال القلب والجوارح ألا وهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته وبهذا إنكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله فاتقوا الله ما استطعتم قال العراقي وسعها أي طاقتها ا ه قال ع واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا الآن في الشرع وأن هذه الآية آذنت بعدمه واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم أم لا فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار وذلك مؤذن أنه لا يؤمن وتكليف الشرع له الإيمان راتب فكأنه كلف أن يؤمن وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أن يدين بسورة تبت يدا أبي لهب وقالت فرقة لم يقع قط وقوله تعالى سيصلى نارا إنما معناه إن وافى على كفره ع ومالا يطاق على أقسام منه المحال عقلا كالجمع بين الضدين ومنه المحال عادة كرفع إنسان جبلا ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير وقوله تعالى لها ما كسبت يريد من الحسنات وعليها ما اكتسبت يريد من السيآت قاله جماعة المفسرين لا خلاف في ذلك والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان وجاءت العبارة في الحسنات بلها من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر المرء بها فتضاف إلى ملكه وجاءت في السيئة بعليها من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة وهذا كما تقول لي مال وعلي دين وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريفين حسنا لنمط الكلام كما قال فمهل الكافرين أمهلهم رويدا هذا وجه ع والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات مما يكسب دون تكلف إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها فيحسن في الآية مجيء التصريفين لهذا المعنى وقال المهدوي وغيره معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد قال ع وهذا صحيح في نفسه لكن من غير هذه الآية وقوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا معناه قولوا واختلف الناس في معنى قوله سبحانه إن نسينا أو أخطأنا فذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الدعاء في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود وهو الصحيح عندي قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه و سلم وقال إن الله تعالى تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها وقال السدي لما نزلت هذه الآية فقالوها قال جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم قد فعل الله ذلك يا محمد قال ع فظاهر قوليهما ما صححته وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى يحاسبكم به الله أمروا بالدعاء في ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه وذلك في النسيان والخطأ والإصر الثقيل وما لا يطاق على اتم أنواعه وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق ولذلك أمر المؤمنين بالدعاء في أن لا يقع هذا الجائز الصعب ومذهب أبي الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع وذهب الطبري وغيره إلى أن تكليف ما لا يطاق غير جائز وإن النسيان في الآية بمعنى الترك أي إن تركنا شيئا من طاعتك والخطأ هو المقصود من العصيان والإصر هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان أو لا طاقة لنا به من حيث هو مهلك كعذاب جهنم وغيره ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله واعف عنا أي فيما واقعناه وأغفر لنا أي استر علينا ما علمت منا وارحمنا أي تفضل مبتدئا برحمة منك لنا فهذه مناح من الدعاء متباينة وأنت مولانا مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر على نعمه ومولى هو من ولي وفي الحديث إن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه و سلم قل ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا فقالها فقال جبريل قد فعل قال قل كذا وكذا فيقولها فيقول جبريل قد فعل إلى آخر السورة وتظاهرت بهذا المعنى أحاديث وروى أبو مسعود عقبة ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه يعني من قيام الليل قال صاحب سلاح المؤمن هذا الحديث رواه الجماعة يعني الستة ومعنى كفتاه اجزتاه عن قيام الليل وقيل كفتاه من كل شيطان فلا يقربه ليلته وقيل كفتاه ما يكون من الآفات تلك الليلة وقيل معناه حسبه بهما فضلا وأجرا ويحتمل الجميع والله أعلم ا ه من سلاح المؤمن وقال علي رضي الله عنه ما أظن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي كمل تفسير سورة البقرة والحمد لله سورة آل عمران بسم الله الرحمن الرحيم هذه السورة مدنية بإجماع في ما علمت قوله جلت قدرته ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم الابرع في نظم الآية أن يكون الله لا إله إلا هو الحي القيوم كلاما مبتدأ جزما جملة رادة على نصارى نجران الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه و سلم فحاجوه في عيسى ابن مريم وقالوا أنه الله على ما هو معلوم في السير فنزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها إلى أن دعاهم صلى الله عليه و سلم إلى الابتهال وقد تقدم تفسير قوله الحي القيوم في آية الكرسي والآية هناك اخبار لجميع الناس وكررت هنا إخبارا يح هؤلاء النصارى ويرد عليهم إذ هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى عليه السلام لأنهم إذ يقولون أنه صلب فذلك موت في معتقدهم وإذ من البين أنه ليس بقيوم وقراءة الجمهور القيوم وقرىء خارج السبع القيام والقيم وهذا كله من قام بالأمر يقوم به إذا اضطلع بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده فالله تعالى القيام على كل شيء مما ينبغي له أو فيه أو عليه ت وقد تقدم ما نقلناه في هذا الاسم الشريف أنه اسم الله الأعظم قال النووي وروينا في كتاب الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان إذا كربه أمر قال يا حي يا قيوم برحمتك استغيث قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ا ه قال صاحب سلاح المؤمن وعن علي رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أنظر ما صنع فجئت فإذا هو ساجد يقول يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم ثم رجعت إلى القتال ثم جئت فإذا هو ساجد لا يزيد على ذلك ثم ذهبت إلى القتال ثم جئت فإذا هو ساجد يقول ذلك ففتح الله عليه رواه النسائي والحاكم في المستدرك واللفظ للنسائي وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم اله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم رواه أبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي إمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال اسم الله الأعظم في ثلاث سور في سورة البقرة وآل عمران وطه قال القاسم فالتمستها أنه الحي القيوم انتهى وقوله بالحق يحتمل معنيين أحدهما أن يكون المعنى ضمن الحقائق في خبره وأمره ونهيه ومواعظه والثاني أن يكون المعنى أنه نزل الكتاب باستحقاق ان ينزل لما فيه من المصلحة الشاملة وليس ذلك على أنه واجب على الله تعالى أن يفعله ت أي إذ لا يجب على الله سبحانه فعل قال ع فالباء في هذا المعنى على حد قوله سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق وقيل معنى بالحق أي مما اختلف فيه أهل الكتاب واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون قال ع وهذا داخل في المعنى الأول وقوله مصدقا حال مؤكدة لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه من كتب الله سبحانه وما بين يديه هي التوراة والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا وقوله تعالى من قبل يعني من قبل القرآن وقوله هدى للناس معناه دعاء والناس بنو إسراءيل في هذا الموضع وإن كان المراد أنهما هدى في ذاتهما مدعو إليه فرعون وغيره فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر والفرقان القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل ثم توعد سبحانه الكفار عموما بالعذاب الشديد والإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران وعزيز معناه غالب والنقمة والانتقام معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك قوله تعالى إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من المخلوقين ثم أخبر سبحانه عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات هذا أمر لا ينكره عاقل ولا ينكر أن عيسى وسائر البشر لا يقدرون عليه ولا ينكر ان عيسى من المصورين كغيره من سائر البشر فهذه الآية تعظيم لله جلت قدرته في ضمنها الرد على نصارى نجران وفي قوله أن الله لا يخفى عليه شيء وعيد وشرح النبي صلى الله عليه و سلم كيفية التصوير في الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره أن النطفة إذا وقعت في الرحم مكثت نطفة أربعين يوما ثم تكون علقة أربعين يوما ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليها ملكا فيقول يا رب أذكر أم أنثى اشقي أم سعيد الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه وفي مسند ابن سنجر حديث أن الله سبحانه يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل ولحمه وشحمه وسائر ذلك من مني المرأة وصور بناء مبالغة من صار يصور إذا أمال وثنى إلى حال ما فلما كان التصوير إمالة إلى حال وإثباتا فيها جاء بناؤه على المبالغة والكتاب في هذه لآية القرآن بإجماع والمحكمات المفصلات المبينات الثابتات الأحكام والمتشابهات هي التي تحتاج إلى نظر وتأويل ويظهر فيها ببادى النظر إما تعارض مع أخرى وإما مع العقل إلى غير ذلك من أنواع التشابه فهذا الشبه الذي من أجله توصف بمتشابهات إنما هو بينها وبين المعاني الفاسدة التي يظنها اهل الزيغ ومن لم ينعم النظر وهذا نحو الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات أي يكون الشيء حراما في نفسه فيشبه عند من لم ينعم النظر شيئا حلالا وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح فيشبه عند من لم ينعم النظر أو عند الزائغ معنى آخر فاسدا فربما أراد الإعتراض به على كتاب الله هذا عندي معنى الإحكام والتشابه في هذه الآية قال ع وأحسن ما قيل في هذه الآية قول محمد بن جعفر بن الزبير أن المحكمات هي التي فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه والمتشابهات لها تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد قال ابن الحاجب في منتهى الوصول مسألة في القرآن محكم ومتشابه قال تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فالمحكم المتضح المعنى قال الرهوني يعني نصا كان أو ظاهرا والمتشابه مقابلة إما للاشتراك مثل ثلاثة قروء أو للإجمال مثل الذي بيده عقدة النكاح وما ظاهره التشبيه مثل من روحي وأيدينا وبيدي وبيمينه ويستهزىء ومكر الله ونحوه والظاهر الوقف على والراسخون في العلم لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد انتهى قال الرهوني وسمى ما ذكر متشابها لاشتباهه على السامع قال الرهوني والحق الوقف على وما يعلم تأويله إلا الله وهو المروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن عمر وابن مسعود ومالك وغيرهم وفي مصحف أبي وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به ا ه وقوله تعالى هن أم الكتاب أي معظم الكتاب وعمدة ما فيه إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل ولم يفرط في شيء منه قال يحيى بن يعمر كما يقال لمكة أم القرى قال ع وكما يقال أم الراس لمجتمع الشؤن فجميع المحكم هو ام الكتاب ومعنى الآية الإنحاء على أهل الزيغ والمذمة لهم والإشارة بذلك أولا إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد صلى الله عليه و سلم فإنهم كانوا يعترضون معاني القرآن ثم يعم بعد ذلك كل زائع فذكر تعالى أنه نزل الكتاب على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم إفضالا منه ونعمة وإن محكمه وبينه الذي لا اعتراض فيه هو معظمه والغالب فيه وأن متشابهه الذي يحتمل التأويل ويحتاج إلى التفهم هو أقله ثم إن أهل الزيغ يتركون المحكم الذي فيه غنيتهم ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وأن يفسدوا ذات البين ويردوا الناس إلى زيغهم م قال أبو البقاء وآخر معطوف على آيات ومتشابهات نعت لآخر ا ه وقوله تعالى الذين في قلوبهم زيغ يعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل صاحب بدعة والزيغ الميل وابتغاء نصب على المفعول من أجله ومعناه طلب الفتنة قال الربيع الفتنة هنا الشرك وقال مجاهد الفتنة الشبهات واللبس على المؤمنين ثم قال وابتغاء تأويله والتأويل هو مرد الكلام ومرجعه والشيء الذي يقف عليه من المعاني وهو من آل يؤل إذا رجع فالمعنى وطلب تأويله على منازعهم الفاسدة هذا في ماله تأويل حسن وإن كان مما لا يتأول بل يوقف فيه كالكلام في معنى الروح ونحوه فنفس طلب تأويله هو اتباع ما تشابه ثم قال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله أي وما يعلم تأويله على الكمال إلا الله سبحانه واختلف في قوله والراسخون في العلم فرأت فرقة أن رفع الراسخين هو بالعطف على اسم الله عز و جل وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولون آمنا به وقالت طائفة أخرى والراسخون رفع بالابتداء وهو مقطوع من الكلام الأول وخبره يقولون والمنفرد بعلم المتشابه هو الله وحده قال ع وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق وذلك أن الله تعالى قسم أي الكتاب قسمين محكما ومتشابها فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس ويستوي في علمه الراسخ وغيره والمتشابه على نوعين منه مالا يعلم البتة كأمر الروح وآماد المغيبات التي قد اعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك ومنه ما يحمل على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله ولا يسمى أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له فمن قال أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه فمراده النوع الثاني الذي ذكرناه ومن قال أن الراسخين لا يعلمون تأويله فمراده النوع الأول كأمر الروح ووقت الساعة لكن تخصيصه المتشابه بهذا النوع غير صحيح بل هما نوعان كما ذكرنا والضمير في تأويله عائد على جميع متشابه القرآن وهما نوعان كما ذكرنا والرسوخ الثبوت في الشيء وسئل النبي صلى الله لعيه وسلم عن الراسخين في العلم فقال هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه قلت ومن جامع العتبية وسئل مالك عن تفسير الراسخين في العلم فقال العالمون العاملون بما علموا المتبعون له قال ابن رشد قول مالك هذا هو معنى ما روي من أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل من الراسخ في العلم فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام به قلبه وعف بطنه فذلك الراسخ في العلم قال ابن رشد ويشهد لصحة هذا قول الله عز و جل إنما يخشى الله من عباده العلماء لأنه كلام يدل على أن من لم يخش الله فليس بعالم انتهى قلت وقد جاء في فضل العلم آثار كثيرة فمن احسنها ما رواه أبو عمر بن عبد البر بسنده عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء والزين عند الاخلاء ويرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدي بفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ويستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة الفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام به توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام هو أمام العمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء قال أبو عمر هكذا حدثنيه عبيد بن محمد مرفوعا بالإسناد الذي رويناه به عنه وهو حديث حسن جدا ولكن ليس له إسناد قوي ورويناه من طرق شتى موقوفا على معاذ انتهى من كتاب فضل العلم قال الشيخ العارف أبو القاسم عبد الرحمن بن يوسف اللجاءي رحمه الله ومن علامة نور العلم إذا حل بالقلب المعرفة والمراقبة والحياء والتوبة والورع والزهد والتوكل والصبر والرضى والأنس والمجاهدة والضمت والخوف والرجاء والقناعة وذكر الموت ا ه وقوله تعالى كل من عند ربنا فيه ضمير عائد على كتاب الله محكمه ومتشابهه والتقدير كله من عند ربنا ثم قال تعالى وما يذكر إلا أولوا الألباب أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب وهو العقل وأولوا جمع ذو وقوله تعالى ربنا لا تزغ قلوبنا الآية لما ذكر الله سبحانه أهل الزيغ وذكر نقيضهم وظهر ما بين الحالتين عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء اليه في أن لا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهم اهل الزيغ ويحتمل أن يكون هذا من تمام قول الراسخين وتزغ معناه تمل قلوبنا عن الهدى والحق ومن لدنك معناه من عندك تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل وفي هذا استسلام وتطارح والمراد هب لنا نعيما صادرا عن الرحمة وقوله تعالى ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إقرار بالبعث ليوم القيامة والريب الشك والمعنى أنه في نفسه حق لا ريب فيه وقوله تعالى إن الله لا يخلف الميعاد يحتمل أن يكون إخبارا منه سبحانه لمحمد صلى الله عليه و سلم وأمته ويحتمل أن يكون حكاية من قول الداعين ففي ذلك إقرار بصفة ذات الله تعالى والميعاد من الوعد وقوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا الآية الإشارة بالآية إلى معاصري النبي صلى الله عليه و سلم وكانوا يفخرون بأموالهم وأبنائهم وهي بعد متناولة كل كافر والوقود بفتح الواو كل ما يحترق في النار من حطب ونحوه والدأب والدأب بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب يدأب إذا لازم فعل شيء ودام عليه مجتهدا فيه ويقال للعادة دأب والمعنى في الآية تشبيه هؤلاء في لزومهم الكفر ودوامهم عليه بأولائك المتقدمين وآخر الآية يقتضي الوعيد بأن يصيب هؤلاء ما أصاب اولائك والكاف في قوله كدأب في موضع رفع والتقدير دأبهم كداب والضمير في قبلهم عائد على آل فرعون ويحتمل على معاصري رسول الله صلى الله عليه و سلم من الكفار وقوله كذبوا بآياتنا يحتمل أن يريد المتلوة ويحتمل أن يريد العلامات المنصوبة وقوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون الآية اختلف في تعيين هؤلاء الذين امر صلى الله عليه و سلم بالقول لهم فقيل هم جميع معاصريه أمر أن يقول لهم هذا الذي فيه إعلام بغيب فوقع بحمد الله كذلك فغلبوا وصار من مات منهم على الكفر إلى جهنم وتظاهرت روايات عن ابن عباس وغيره بأن المراد يهود المدينة لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم من غزوة بدر جمعهم وقال يا معشر يهود أسلموا من قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا فقالوا يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا اغمارا لا يعرفون القتال انك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس فأنزل الله فيهم هذه الآية والحشر الجمع والإحضار وقوله تعالى وبيس المهاد يعنى جهنم هذا ظاهر الآية وقال مجاهد المعنى بيس ما مهدوا لأنفسهم قال ع فكان المعنى وبيس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم وقوله تعالى قد كان لكم آية في فئتين الآية تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون تثبيتا لنفوسهم وتشجيعا لها وأن يخاطب بها جميع الكفار وأن يخاطب بها يهود المدينة وبكل احتمال منها قد قال قوم وقرىء شاذا ترونهم بضم التاء فكأن معناها أن اعتقاد التضعيف في جمع الكفار إنما كان تخمينا وظنا لا يقينا وذلك أن أرى بضم الهمزة تقولها فيما بقي عندك فيه نظر وأرى بفتح الهمزة تقولها في ما قد صح نظرك فيه ونحا هذا المنحى أبو الفتح وهو صحيح والمراد بالفئتين جماعة المؤمنين وجماعة الكفار ببدر قال ع ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر ويؤيد معناه يقوي من الأيد وهو القوة وقوله تعالى زين للناس حب الشهوات الآية هذه الآية ابتداء وعظ لجميع الناس وفي ضمن ذلك توبيخ والشهوات ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة وقد قال صلى الله عليه و سلم حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره فحسبك أن النار حفت بها فمن واقعها خلص إلى النار قلت وقد جاءت احاديث كثيرة في التزهيد في الدنيا ذكرنا من صحيحها وحسنها في هذا المختصر جملة صالحة لا توجد في غيره من التفاسير فعليك بتحصيله فتطلع فيه على جواهر نفيسة لا توجد مجموعة في غيره كما هي بحمد الله حاصلة فيه وكيف لا يكون هذا المختصر فائقا في الحسن واحاديثه بحمد الله مختارة اكثرها من اصول الإسلام الستة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنساءي وابن ماجه فهذه أصول الإسلام ثم من غيرها كصحيح ابن حبان وصحيح الحاكم اعنى المستدرك على الصحيحين وأبي عوانة وابن خزيمة والدارمي والموطأ وغيرها من المسانيد المشهورة بين ائمة الحديث حسبما هو معلوم في علم الحديث وقصدي من هذا نصح من اطلع على هذا الكتاب أن يعلم قدر ما أنعم الله به عليه فإن التحدث بالنعم شكر ولنرجع الى ما قصدناه من نقل الاحاديث روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال لى رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أردت اللحوق بي فليكفيك من الدنيا كزاد الراكب وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلفي ثوبا حتى ترقعيه حديث غريب وقال النبي صلى الله عليه و سلم أن البذاذة من الإيمان خرجه أبو داود وقد نقله البغوي في مصابيحه والبذاذة هي رث الهيئة ا ه والقناطير جمع قنطار وهو العقدة الكثيرة من المال واختلف الناس في تحرير حده واصح الأقوال فيه ما رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال القنطار ألف ومائتا أوقية لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية وقوله المقنطرة قال الطبري معناه المضعفة وقال الربيع المال الكثير بعضه على بعض ص المقنطرة مفعللة أو مفنعلة من القنطار ومعناه المجتمعة م أبو البقاء ومن الذهب في موضع الحال من المقنطرة ا ه وقوله المسومة قال مجاهد معناه المطهمة الحسان وقال ابن عباس وغيره معناه الراعية وقيل المعدة والأنعام الأصناف الأربعة الإبل والبقر والضأن والمعز ص والأنعام واحدها نعم والنعم الإبل فقط وإذا جمع انطلق على الإبل والبقر والغنم ا ه والحرث هنا اسم لكل ما يحرث من حب وغيره والمتاع ما يستمتع به وينتفع مدة ما منحصرة والمئاب المرجع فمعنى الآية تقليل أمر الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى وقوله تعالى قل أؤنبئكم بخير من ذلكم الآية في هذه الآية تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها ذكر تعالى حال الدنيا وكيف استقر تزيين شهواتها ثم جاء بالانباء بخير من ذلك هازا للنفوس وجامعا لها لتسمع هذا النبأ المستغرب النافع لمن عقل وأنبىء معناه اخبر وقوله تعالى ورضوان من الله الرضوان مصدر من رضي وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن أهل الجنة إذا استقروا فيها وحصل لكل واحد منهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله لهم أتريدون أن أعطيكم ما هو افضل من هذا قالوا يا ربنا وأي شيء افضل من هذا فيقول الله سبحانه احل عليكم رضواني فلا اسخط عليكم أبدا هذا سياق الحديث وقد يجيء مختلف الألفاظ والمعنى قريب بعضه من بعض قال الفخر وذلك أن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم مثن عليهم أزيد عليهم في إيجاب السرور ا ه وباقي لآية بين وقد تقدم في سورة البقرة بيانه وقوله تعالى الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا الآية الذين بدل من الذين اتقوا وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات والصبر في هذه الآية معناه على الطاعات وعن المعاصي والشهوات والصدق معناه في الأقوال والأفعال والقنوت الطاعة والدعاء أيضا وبكل ذلك يتصف المتقي والإنفاق معناه في سبيل الله ومظان الأجر والاستغفار طلب المغفرة من الله سبحانه وخص تعالى السحر لما فيه من الفضل حسبما ورد فيه من صحيح الأحاديث كحديث النزول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له إلى غير ذلك مما ورد في فضله قلت تنبيه قال القرطبي في تذكرته وقد جاء حديث النزول مفسرا مبينا في ما خرجه النساءي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال النبي صلى الله عليه و سلم أن الله عز و جل يمهل حتى يمضى شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطي صححه أبو محمد عبد الحق ا ه وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أن نزول الله تعالى إلى الشيء اقباله عليه من غير نزول ا ه والسحر أخر الليل قال نافع كان ابن عمر يحي الليل صلاة ثم يقول يا نافع اسحرنا فأقول لا فيعاود الصلاة ثم يسأل فإذا قلت نعم قعد يستغفر قال ع وحقيقة السحر في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفار المحمود وسحور الصائم ومن يمين لو وقعت إنما هي من ثلث الليل الآخر إلى الفجر وقوله تعالى شهد الله أنه لا اله إلا هو الآية معنى شهد الله أعلم عباده بهذا الأمر الحق وقال ص شهد بمعنى علم أو قضى أو حكم أو بين وهي أقوال ا ه واسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم عن غالب القطان قال كنت اختلف إلى الأعمش فرأيته ليلة قام يتهجد من الليل وقرأ بهذه الآية شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام قال الأعمش وأنا أشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة فقلت للأعمش أني سمعتك تقرأ هذه الآية ترددها فما بلغك فيها قال حدثني أبو وائل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله سبحانه عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة ا ه وقرأ جميع القراء أنه بفتح الهمزة وبكسرها من قوله إن الدين على استيناف الكلام وقرأ الكساءي وحده أن الدين بفتح الهمزة بدل من أنه الأولى والملائكة وأولوا العلم عطف على اسم الله قال الفخر المراد بأولي العلم هنا الذين عرفوا الله بالدلالة القطعية لأن الشهادة إنما تكون مقبولة إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم وهذا يدل أن هذه الدرجة الشريفة ليست إلا للعلماء بالأصول وتكررت لا اله إلا الله هنا وفائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة وإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها كان مشتغلا بأعظم أنواع العبادات فكان من التكرير في هذه الآية حض العباد على تكريرها ا ه وصح في البخاري عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا من قبل نفسه وروى زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من قال لا اله إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل يا رسول الله وما إخلاصها قال أن تحجزه عن محارم الله خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ا ه من التذكرة وقائما حال من اسمه تعالى في قوله شهد الله أو من قوله إلا هو القسط العدل وقوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام الآية الدين في هذه الآية الطاعة والملة والمعنى أن الدين المقبول او النافع هو الإسلام والإسلام في هذه الآية هو الإيمان والطاعات قاله أبو العالية وعليه جمهور المتكلمين وحديث بني الإسلام على خمس وحديث مجيء جبريل يعلم الناس دينهم يفسر ذلك ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب بعد علمهم بالحقائق وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا قاله ابن عمر وغيره والذين أوتوا الكتاب لفظ يعم اليهود والنصارى لكن الربيع بن أنس قال المراد بهذه الآية اليهود اختلفوا بعد موت موسى وبعد مضي ثلاثة قرون وقيل الآية توبيخ لنصارى نجران وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها مجيء القيامة والحساب إذ كل ءات قريب ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علما لا يحتاج إلى عد ولا فكرة قاله مجاهد وقوله تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني الآية الضمير في حاجوك لليهود ولنصارى نجران والمعنى أن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة والمغالطات فأسند إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك وقوله وجهي يحتمل أن يراد به المقصد أي جعلت مقصدي لله ويحتمل أن يراد به الذات أي اسلمت شخصي وذاتي لله وأسلمت في هذا الموضع بمعنى دفعت وأمضيت وليست بمعنى دخلت في السلم لأن تلك لا تتعدى ومن اتبعني في موضع رفع عطفا على الضمير في أسلمت والذين أوتوا الكتاب في هذا الموضع يجمع اليهود والنصارى باتفاق والأميون الذين لا يكتبون وهم العرب في هذه الآية وقوله ءأسلمتم تقرير في ضمنه الأمر وقال الزجاج ءأسلمتم تهدد وهو حسن والبلاغ مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل وفي قوله تعالى والله بصير بالعباد وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين وقوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله الآية هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى وتعم كل من كان بهذه الحال وفيها توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه و سلم روى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن بني إسرائيل قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا فاجتمع من عبادهم وأحبارهم مائة وعشرون ليغيروا المنكر وينكروا فقتلوا جميعا كل ذلك في يوم واحد وذلك معنى قوله تعالى ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وحبطت معناه بطلت وقوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله الآية قال ابن عباس نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله تعالى فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت يا محمد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا على ملة إبراهيم صلى الله عليه و سلم فقالا إن إبراهيم كان يهوديا فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه ونزلت الآية قال ع فالكتاب في قوله من الكتاب اسم جنس والكتاب في قوله إلى كتاب الله هو التوراة وقال قتادة وابن جريج هو القرءان ورجح الطبري الأول وقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا الإشارة فيه إلى التولي والإعراض أي إنما تولوا وأعرضوا لاغترارهم باقوالهم وافترائهم ثم قال تعالى خطابا لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم وأمته على جهة التوقيف والتعجيب فكيف حال هؤلاء المغترين بالأباطيل إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت تلك الزخارف والدعاوى وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم وأعمالهم القبيحة قال ابن عطية والصحيح في يوم القيامة أنه يوم لأن قبله ليلة وفيه شمس وقال النقاش المراد باليوم الوقت وقوله تعالى قل اللهم مالك الملك الآية هو سبحانه وتعالى مالك الملك كله مطلقا في جميع أنواعه واشرف ملك يؤتيه عباده سعادة الآخرة روي أن الآية نزلت بسبب أن النبي صلى الله عليه و سلم بشر أمته بفتح ملك فارس وغيره فقالت اليهود والمنافقون هيهات وكذبوا بذلك ومذهب البصريين أن الأصل في اللهم يا الله فعوض من ياء النداء ميما مشددة ومالك نصب على النداء وخص تعالى الخير بالذكر وهو تعالى بيده كل شيء إذ الآية في معنى دعاء ورغبة فكان المعنى بيدك الخير فاجزل حظي منه قال النووي وروينا في كتاب الترمذي وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة ورواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين من طرق كثيرة وزاد في بعض طرقه وبنى له بيتا في الجنة قال الحاكم وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وأنس وبريدة الأسلمي أ ه من الحلية وقال ابن عباس وغيره في معنى قوله تعالى تولج الليل في النهار الآية أنه ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل وما ينتقص من الليل فيزيد في النهار دأبا كل فصل من السنة وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر واختلف في معنى قوله تعالى وتخرج الحي من الميت الآية فقال الحسن معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وروي نحوه عن سلمان الفارسي وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه و سلم لما سمع نغمة خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال من هذه فأخبر بها فقال النبي صلى الله عليه و سلم سبحان الذي يخرج الحي من الميت وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا والمراد على هذا موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن وذهب جمهور كثير إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقة لا أنها استعارة ثم اختلفوا في المثل التي فسروا بها فقال ابن مسعود هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ويخرج الرجل منها وهي ميتة وقال عكرمة هو إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية وروى السدي عن أبي مالك قال هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة وكذلك النواة وقوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء الآية هذا النهي عن الاتخاذ إنما هو عن إظهار اللطف للكفار والميل إليهم فأما أن يتخذوا بالقلب فلا يفعل ذلك مؤمن ولفظ الآية عام في جميع الأعصار واختلف في سبب نزولها فقال ابن عباس في كعب بن الأشرف وغيره قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فنزلت في ذلك الآية وقال قوم نزلت في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكتابه إلى أهل مكة والآية عامة في جميع هذا وقوله تعالى فليس من الله في شيء معناه في شيء مرضي كقوله صلى الله عليه و سلم من غشنا فليس منا ثم أباح سبحانه إظهار اتخاذهم بشرط الإتقاء فأما إبطانه فلا يصح أن يتصف به مؤمن في حال وقوله تعالى ويحذركم الله إلى آخر الآية وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة وقوله نفسه نائبة عن إياه وهذه مخاطبة على معهود ما يفهمه البشر والنفس في مثل هذا راجع إلى الذات وفي الكلام حذف مضاف لأن التحذير إنما هو من عقاب وتنكيل ونحوه قال ابن عباس والحسن ويحذركم الله عقابه وقوله تعالى قل إن تخفوا ما في صدوركم الآية الضمير في تخفوا هو للمؤمنين الذين نهوا عن الكافرين والمعنى أنكم إن أبطنتم الحرص على إظهار موالاتهم فإن الله يعلم ذلك ويكرهه منكم وقوله تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا قال ابن هشام في المعنى يوم نصب بمحذوف تقديره اذكروا أو احذروا ولا يصح ان يكون ظرفا ليحذركم كما زعم بعضهم لأن التحذير في الدنيا وقع لا في الآخرة أ ه وقوله تعالى وما عملت من سوء يحتمل أن تكون ما معطوفة على ما الأولى فهي في موضع نصب ويكون تود في موضع الحال وإليه ذهب الطبري وغيره ويحتمل أن تكون ما رفع بالابتداء والخبر في قوله تود وما بعده والأمد الغاية المحدودة من المكان أو الزمان وقوله تعالى والله رؤف بالعباد يحتمل أن يكون إشارة إلى أن تحذيره رأفة منه سبحانه بعباده ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة فمقتضى ذلك التأنيس ليلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن فسبحانه ما أرحمه بعباده وعن منصور بن عمار أنه قال اعقل الناس محسن خائف واجهل الناس مسيء آمن فلما سمع عبد الملك بن مروان منه هذا الكلام بكى حتى بل ثيابه ثم قال له أتل علي يا منصور شيئا من كتاب الله فتلا عليه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا الآية فقال عبد الملك قتلتني يا منصور ثم غشي عليه أ ه وقوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني الآية قال الشيخ العارف بالله ابن أبي جمرة رضي الله عنه من علامة السعادة للشخص أن يكون معتنيا بمعرفة السنة في جميع تصرفاته والذي يكون كذلك هو دائم في عبادة في كل حركاته وسكناته وهذا هو طريق أهل الفضل حتى حكي عن بعضهم أنه لم يأكل البطيخ سنين لما لم يبلغه كيفية السنة في أكله وكيف لا والله سبحانه يقول قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله والاتباعية الكاملة إنما تصح بأن تكون عامة في كل الأشياء يعني إلا ما خصصه به الدليل جعلنا الله من أهلها في الدارين انتهى قال ع قال الحسن بن أبي الحسن وابن جريج أن قوما على عهد النبي صلى الله عليه و سلم قالوا يا محمد إنا نحب ربنا فنزلت هذه الآية وقيل أمر صلى الله عليه ولم أن يقول هذا القول لنصارى نجران قال ع ويحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدعون أنهم يحبون الله ويحبهم قال عياض أعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي صلى الله عليه و سلم من تظهر علامات ذلك عليه وأولها الاقتداء به واتباع سنته واتباع أقواله وأفعاله والتأدب بآدابه في عسره ويسره قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني الآية قال عياض روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من استمسك بحديثي وفهمه وحفظه جاء مع القرآن ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة الحديث وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال المستمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد وقال أبي بن كعب عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه فيعذبه الله ابدا وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة ورقها الحديث قال عياض ومن علامات محبته صلى الله عليه و سلم زهد مدعيها في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به ففي حديث ابي سعيد أن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي أو الجبل إلى أسفله وفي حديث عبد الله بن مغفل قال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم يا رسول الله إني أحبك فقال أنظر ما تقول قال والله إني لأحبك ثلاث مرات قال إن كنت تحبني فاعد للفقر تجفافا ثم ذكر نحو حديث ابي سعيد بمعناه أ ه من الشفا قال ع والمحبة إرادة يقترن بها إقبال من النفس وميل بالمعتقد وقد تكون الإرادة المجردة فيما يكره المريد والله تعالى يريد وقوع الكفر ولا يحبه ومحبة العبد لله تعالى يلزم عنها ولا بد أن يطيعه ومحبة الله تعالى أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهديا مسددا ذا قبول في الأرض فلطف الله تعالى بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته وبهذا النظر يفسر لفظ المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز و جل وقوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران والرد عليهم وبيان فساد ما هم عليه جاءت هذه الآيات معلمة بصورة الأمر الذي قد ضلوا فيه منبئة عن حقيقته كيف كانت فبدأ تعالى بذكر فضل آدم ومن ذكر بعده ثم خص امرأة عمران بالذكر لأن القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى عليه السلام وكيف كان وانصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفة الاسم كهود ولوط قال الفخر هنا أعلم أن المخلوقات على قسمين مكلف وغير مكلف واتفقوا على أن المكلف افضل من غير المكلف واتفقوا على أن أصناف المكلفين أربعة الملائكة والإنس والجن والشياطين ت تأمله جعل الشياطين قسيما للجن أ ه والآل في اللغة الأهل والقرابة ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل والآل في الآية يحتمل الوجهين فإن أريد بالآل القرابة فالتقدير أن الله اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم أو على العالمين جميعا بأن يقدر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم من ءال ابراهيم وان اريد بالآل الاتباع فيستقيم دخول امة نبينا محمد ص - في الآل لأنها على ملة إبراهيم وقوله تعالى ذرية بعضها من بعض أي متشابهين في الدين والحال وعمران هو رجل من بني إسرائيل وامرأة عمران اسمها حنة ومعنى نذرت جعلت لك ما في بطني محررا أي حبيسا على خدمة بيتك محررا من كل خدمة وشغل من أشغال الدنيا والبيت الذي نذرته له هو بيت المقدس فتقبل مني أي أرض عني في ذلك واجعله فعلا مقبولا مجازى به والسميع إشارة إلى دعائها والعليم إشارة إلى نيتها وقوله تعالى فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت الوضع الولادة وقولها رب إني وضعتها انثى لفظ خبر في ضمنه التحسر والتلهف وبين الله ذلك بقوله والله أعلم بما وضعت وقولها وليس الذكر كالأنثى تريد في امتناع نذرها إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان قاله قتادة وغيره وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق قصتها يقتضي أن تقول وليس الأنثى كالذكر وفي قولها وإني سميتها مريم سنة تسمية الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي صلى الله عليه و سلم ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم وباقي الآية اعاذة قال النووي وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أحب أسمائكم إلى الله عز و جل عبد الله وعبد الرحمن وفي سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن ابي وهب الجشمي قال قال النبي صلى الله عليه و سلم تسموا بأسماء الأنبياء واحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة أ ه وفي الحديث عن النبي صلى الله لعيه وسلم من رواية أبي هريرة قال كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي إلا ما كان من مريم ابنت عمران وابنها فإن أمها قالت حين وضعتها وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث والمعنى واحد كما ذكرته قال النووي باب ما يقال عند الولادة روينا في كتاب ابن السني عن فاطمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دنا ولادها أم سلمة وزينب بنت جحش أن تأتياها فتقرأ عندها أية الكرسي وأن ربكم الله إلى آخر الآية وتعوذ انها بالمعوذتين انتهى وقوله تعالى فتقبلها ربها بقول حسن إخبار منه سبحانه لمحمد صلى الله عليه و سلم بأنه رضي مريم لخدمة المسجد كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك وقوله سبحانه وأنبتها نباتا حسنا عبارة عن حسن النشأة في خلقة وخلق ص بقبول مصدر على غير الصدر والجاري على تقبل تقبلا وعلى قبل قبولا ونباتا مصدر منصوب بأنبتها على غير الصدر انتهى وقوله تعالى وكفلها زكريا معناه ضمها الى انفاقه وحضنه والكافل هو المربى قال السدي وغيره ان زكريا كان زوج أختها ويعضد هذا القول قوله صلى الله لعيه وسلم في يحيى وعيسى ابنا الخالة والذي عليه الناس أن زكريا إنما كفلها بالاستهام لتشاحهم حينئذ فيمن يكفل المحرر وقوله تعالى كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا المحراب المبنى الحسن ومحراب القصر أشرف ما فيه ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى وهو موقف الإمام محراب ومعنى رزقا أي طعاما يتغذى به لم يعهده ولا عرف كيف جلب إليها قال مجاهد وغيره كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ونحوه عن ابن عباس إلا انه قال ثمار الجنة وقوله أنى معناه كيف ومن أين وقولها من عند الله دليل على أنه ليس من جلب بشر قال الزجاج وهذا من الآية التي قال الله تعالى وجعلناها وابنها آية للعالمين وقولها إن الله يرزق من يشاء بغير حساب تقرير لكون ذلك الرزق من عند الله وذهب الطبري إلى أن ذلك ليس من قول مريم وإنه خبر من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم والله سبحانه لا تنتقص خزائنه فليس يحسب ماخرج منها وقد يعبر بهذه العبارة عن المكثرين من الناس أنهم ينفقون بغير حساب وذلك مجاز وتشبيه والحقيقة هي فيما ينتفق من خزائن الله سبحانه قال الشيخ ابن أبي جمرة رضي الله عنه وقد قال العلماء في معنى قوله عز و جل إن الله يرزق من يشاء بغير حساب أنه الفتوح إذا كان على وجهه أ ه ذكر هذا عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت وقوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه الآية هنالك في كلام العرب إشارة إلى مكان أو زمان فيه بعد ومعنى هذه الآية أن في الوقت الذي رأى زكريا رزق الله لمريم ومكانتها من الله وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن اسنت وأن الله تعالى تقبلها وجعلها من الصالحات تحرك أمله لطلب الولد وقوي رجاؤه وذلك منه على حال سن ووهن عظم واشتعال شيب فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة يرثه والذرية اسم جنس يقع على واحد فصاعدا كماأن الولد اسم جنس كذلك وطيبة معناه سليمة في الخلق والدين تقية ثم قال تعالى فنادته الملائكة وترك محذوف كثير دل عليه ما ذكر تقديره فقبل الله دعاءه وبعث الملك أو الملائكة فنادته وذكر جمهور المفسرين أن المنادي إنما هو جبريل وقال قوم بل نادته ملائكة كثيرة حسبما تقتضيه ألفاظ الآية قلت وهذا هو الظاهر ولا يعدل عنه إلا أن يصح في ذلك حديث عنه صلى الله عليه و سلم فيتبع وقوله تعالى فنادته عبارة تستعمل في التبشير وفي ما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به فلم يكن هذا من الملائكة إخبارا على عرف الوحي بل نداء كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك من أعلى الجبل وقوله تعالى وهو قائم يصلي في المحراب يعني بالمحراب في هذا الموضع موقف الإمام من المسجد ويحي اسم سماه الله به قبل أن يولد ومصدقا نصب على الحال قال ابن عباس وغيره الكلمة هنا يراد بها عيسى ابن مريم قال ع وسمى الله تعالى عيسى كلمة إذ صدر عن كلمة منه تعالى وهي كن لا بسبب إنسان وقوله تعالى وسيدا قال قتادة أي والله سيد في الحلم والعبادة والورع قال ع من فسر السودد بالحلم فقد أحرز أكثر معنى السودد ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه فلم يفسره بحسب كلام العرب وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام بقوله مصدقا بكلمة من الله وتحصل التقى بباقي الآية وخصه الله بذكر السودد الذي هو الاعتمال في رضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل هذا اللفظ يعم السودد وتفصيله أن يقال بذل الندى وهذا هو الكرم وكف الأذى وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان واحتمال العظائم وهنا هو الحلم وغيره من تحمل الغرامات والإنقاذ من الهلكات وجبر الكسير والافضال على المسترفد وأنظر قول النبي صلى الله عليه و سلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وذكر حديث الشفاعة في إطلاق الموقف وذلك منه أعتمال في رضى ولد آدم ثم قال ع أما أنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السودد بكل ما لا يخل بعلمه وتقاه وهكذا كان يحي عليه السلام وقوله تعالى وحصورا أصل هذه اللفظة الحبس والمنع ومنه حصر العدو قال ع واجمع من يعتد بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى عليه السلام إنما هي الامتناع من وطء النساء إلا ما حكي مكي من قول من قال أنه الحصور عن الذنوب وذهب بعض العلماء إلى أن حصره كان بأنه يمسك نفسه تقي وجلدا في طاعة الله سبحانه وكانت به القدرة على جماع النساء قالوا وهذا أمدح له قال الإمام الفخر وهذا القول هو اختيار المحققين أنه لا يأتي النساء لا للعجر بل للعصمة والزهد قلت قال عياض أعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى عليه السلام بأنه حصور ليس كما قال بعضهم أنه كان هيوبا أولا ذكر له بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما معناه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كانه حصر عنها وقيل مانعا نفسه من الشهوات وقيل ليست له شهوة في النساء كفاية من الله له لكونها مشغلة في كثير من الأوقات حاطة إلى الدنيا ثم هي في حق من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة عليا وهي درجة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أي وسائر النبيين أ ه من الشفا وباقي الآية بين وروي من صلاحه عليه السلام أنه كان يعيش من العشب وأنه كان كثير البكاء من خشية الله حتى اتخذ الدمع في وجهه أخدودا ص ومن الصالحين أي من اصلاب الأنبياء أو صالحا من الصالحين فيكون صفة لموصوف محذوف أ ه قلت والثاني أحسن والأول تحصيل الحاصل فتأمله وقوله تعالى قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر الآية ذهب الطبري وغيره إلى أن زكريا لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون قال ع وهذا تأويل حسن لا ئق بزكريا عليه السلام وأنى معناها كيف ومن أين وحسن في الآية بلغني الكبر من حيث هي عبارة واهن منفعل وقوله كذلك أي كهذه القدرة المستغربة قدرة الله ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكريا وحال امرأته كأنه قال رب على أي وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا فقال له كما أنتما يكون لكما الغلام والكلام تام على هذا التأويل في قوله كذلك وقوله الله يفعل ما يشاء جملة مبينة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب وقوله قال رب اجعل لي أية أي علامة قالت فرقة من المفسرين لم يكن هذا من زكريا على جهة الشك وانما سأل علامة على وقت الحمل وقوله تعالى آيتك ألا تكلم الناس الآية قال الطبري وغيره لم يكن منعه الكلام لآفة ولكنه منع محاورة الناس وكان يقدر على ذكر الله ثم استثنى الرمز وهو استثناء منقطع والكلام المراد في الآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس والرمز في اللغة حركة تعلم بما في نفس الرامز كانت الحركة من عين أو حاجب أو شفة أو يد أو عود أو غير ذلك وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره رموز وأمره تعالى بالذكر لربه كثيرا لأنه لم يحل بينه وبين ذكر الله وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه قال محمد بن كعب القرظي لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا لكنه قال له أذكر ربك كثيرا قال الإمام الفخر وفي الآية تأويلان احدهما أن الله تعالى حبس لسانه عن امور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله وطاعته شكرا لله على هذه النعمة ثم اعلم ان هذه الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه أحدها أن قدرته على الذكر والتسبيح وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من المعجزات وثانيها أن حصول ذلك العجز مع صحة البنية من المعجزات وثالثها أن إخباره بأنه متى حصلت تلك الحالة فقد حصل الولد ثم أن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضا من المعجزات والتأويل الثاني أن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في أول الأمر أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله تعالى سكتوا باللسان وبقي الذكر في القلب ولذلك قالوا من عرف الله كل لسانه فكان زكريا عليه السلام أمر بالسكوت باللسان واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها بالقلب أ ه وقوله تعالى وسبح معناه قل سبحان الله وقال قوم معناه صل والأول أصوب لأنه يناسب الذكر ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس والعشي في اللغة من زوال الشمس إلى مغيبها والإبكار مصدر أكبر الرجل إذا بادر امره من لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وتتمادى البكرة شيأ بعد طلوع الشمس يقال أبكر الرجل وبكر وقوله تعالى وإذ قالت الملائكة العامل في إذ أذكر لأن هذه الآيات كلها إنما هي اخبارات بغيب تدل على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم مقصد ذكرها هو الأظهر في حفظ رونق الكلام واصطفاك معناه تخيرك لطاعته وطهرك معناه من كل ما يصم النساء في خلق أو خلق أو دين قاله مجاهد وغيره وقول الزجاج قد جاء في التفسير أن معناه طهرك من الحيض والنفاس يحتاج إلى سند قوي وما أحفظه والعالمين يحتمل عالم زمانها قال ع وسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على العالمين وقد قال بعض الناس أن مريم نبية من أجل مخاطبة الملائكة لها وجمهور الناس على أنها لم تنبأ امرأة واقنتى معناه اعبدي واطيعي قاله الحسن وغيره ويحتمل أن يكون معناه أطيلي القيام في الصلاة وهذا هو قول الجمهور وهو المناسب في المعنى لقوله واسجدي وروى مجاهد أنها لما خوطبت بهذا قامت حتى ورمت قدماها وروى الاوزاعي حتى سال الدم والقيح من قدميها وروي أن الطير كانت تنزل على رأسها تظنها جمادا واختلف المتأولون لم قدم السجود على الركوع فقال قوم كان ذلك في شرعهم والقول عندي في ذلك أن مريم أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة وهما طول القيام والسجود وخصا بالذكر لشرفهما وهذان يختصان بصلاتها مفردة وإلا فمن يصلي وراء إمام فليس يقال له أطل قيامك ثم أمرت بعد بالصلاة في الجماعة فقيل لها واركعي مع الراكعين وقصد هنا معلم آخر من معالم الصلاة ليلا يتكرر اللفظ ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظم في ركعة واحدة والله أعلم وقال ص قوله واركعي الواو لا ترتب فلا يسأل لم قدم السجود إلا من جهة علم البيان وجوابه أنه قدم لأنه أقرب ما يكون العبد فيه من ربه فكان اشرف وقيل كان مقدما في شرعهم أ ه وقوله تعالى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك الآية هذه المخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم والإشارة بذلك إلى ما تقدم ذكره من القصص والأنباء الأخبار والغيب ما غاب عن مدارك الإنسان ونوحيه معناه نلقيه في نفسك في خفاء وحد الوحي القاء المعنى في النفس في خفاء فمنه بالملك ومنه بالالهام ومنه بالإشارة ومنه بالكتاب وفي هذه الآية بيان لنبوءة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها وهو مل يكن لديهم أو من قرأها في كتبهم وهو صلى الله عليه و سلم أمي من قوم أميين أو من أعلمه الله بها وهو ذاك صلى الله عليه و سلم ولديهم معناه عندهم ومعهم وقوله إذ يلقون أقلامهم الآية جمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها فروي أنهم ألقوا اقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر فروي أن قلم زكريا صاعد الجرية ومضت أقلام الآخرين وقيل غير هذا قلت ولفظ ابن العربي في الأحكام قال النبي صلى الله ليعه وسلم فجرت الأقلام وعلا قلم زكريا أ ه وإذا ثبت الحديث فلا نظر لأحد معه ويختصمون معناه يتراجعون القول الجهير في أمرها وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة وكان النبي صلى الله عليه و سلم إذا سافر أقرع بين نسائه وقال صلى الله عليه و سلم لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه واختلف أيضا هل الملائكة هنا عبارة عن جبريل وحده أو عن جماعة من الملائكة ووجيها نصب على الحال وهو من الوجه أي له وجه ومنزلة عند الله وقال البخاري وجيها شريفا أ ه ومن المقربين معناه من الله تعالى وكلامه في المهد أية دالة على براءة أمه وأخبر تعالى عنه أنه أيضا يكلم الناس كهلا وفائدة ذلك أنه إخبار لها بحياته إلى سن الكهولة قال جمهور الناس الكهل الذي بلغ سن الكهولة وقال مجاهد الكهل الحليم قال ع وهذا تفسير للكهولة بعرض مصاحب لها في الأغلب واختلف الناس في حد الكهولة فقيل الكهل ابن أربعين وقيل ابن خمسة وثلاثين وقيل ابن ثلاثة وثلاثين وقيل ابن اثنين وثلاثين هذا حد أولها وأما آخرها فاثنان وخمسون ثم يدخل سن الشيخوخة وقول مريم أنى يكون لي ولد استفهام عن جهة حملها واسغراب للحمل على بكارتها ويمسس معناه يطأ ويجامع ص والبشر يطلق على الواحد والجمع أ ه والكلام في قوله كذلك كالكلام في أمر زكريا وجاءت العبارة في أمر زكريا يفعل وجاءت هنا يخلق من حيث أن أمر زكريا داخل في الإمكان الذي يتعارف وأن قل وقصة مريم لا تتعارف البتة فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه وقوله تعالى إذا قضى أمرا معناه إذا أراد ايجاده والأمر واحد الأمور وهو مصدر رسمي به والضمير في له عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة وقوله كن خطاب للمقضى وقوله فيكون بالرفع خطاب للمخبر وقوله تعالى ويعلمه الكتاب الآية الكتاب هنا هو الخط باليد وهو مصدر كتب يكتب قاله جمهور المفسرين وقوله ورسولا إلى بني إسرائيل أي ويجعله رسولا وكانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل مبينا حكم التوراة ونابا إلى العمل بها ومحللا أشياء مما حرم فيها كالثروب ولحوم الإبل وأشياء من الحيتان والطير ومن أول القول لمريم إلى قوله إسرائيل خطاب لمريم ومن قوله أنى قد جئتكم إلى قوله مستقيم يحتمل أن يكون خطابا لمريم على معنى يكون من قوله لبني إسرائيل كيت وكيت ويكون في آخر الكلام محذوف يدل عليه الظاهر تقديره فجاء عيسى بني إسرائيل رسولا فقال لهم ما تقدم ذكره ويحتمل أن يكون المحذوف مقدرا ف يصدر الكلام بعد قوله إلى بني إسرائيل فيكون تقديره فجاء عيسى كما بشر الله رسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم ويكون قوله أني قد جئتكم ليس بخطاب لمريم والأول أظهر وقوله أنى أخلق لكم من الطين الآية قرأ نافع أنى أخلق بكسر الهمزة وقرأ باقي السبعة بفتحها فوجه قراءة نافع أما القطع والاستيناف وأما أنه فسر الآية بقوله أنى كما فسر المثل في قوله كمثل آدم ووجه قراءة الباقين البدل من أية كأنه قال وجئتكم بأني أخلق وأخلق معناه أقدر وأهيء بيدي ص كهيئة الهيئة الشكل والصورة وهو مصدر هاء الشيء يهيىء هيئة وهيأ إذا ترتب واستقر على حال ما وتعديه بالتضعيف قال تعالى ويهيىء لكم من أمركم مرفقا أ ه وقرأ نافع وحده فيكون طائرا بالإفراد أي يكون طائرا من الطيور وقرأ الباقون فيكون طيرا بالجمع وكذلك في سورة المائدة والطير اسم جمع وليس من أبنية الجموع وإنما البناء في جمع طائر أطيار وجمع الجمع طيور وقوله فانفخ فبه ذكر الضمير لأنه يحتمل أن يعود على الطين المهيء ويحتمل ان يريد فانفخ في المذكور وأنث الضمير في سورة المائدة لأنه يحتمل أن يعود على الهيئة أو على تأنيث لفظ الجماعة وكون عيسى يخلق بيده وينفخ بفيه إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة وأنها جاءت من قبله وأما الإيجاد من العدم وخلق الحياة في ذلك الطين فمن الله تعالى وحده لا شريك له وروي في قصص هذه الآية أن عيسى عليه السلام كان يقول لبني إسرائيل أي الطير أشد خلقة وأصعب أن يحكى فيقولون الخفاش لأنه طائر لا ريش له فكان يصنع من الطين خفافيش ثم ينفخ فيها فتطير وكل ذلك بحضرة الناس ومعاينتهم فكانوا يقولون هذا ساحر وابرىء معناه أزيل المرض والأكمه هو الذي يولد أعمى مضموم العينين قاله ابن عباس وقتادة قال ع والأكمه في اللغة هو الأعمى وقد كان عيسى عليه السلام يبريء بدعائه ومسح يده على كل عاهة ولكن الاحتجاج على بني إسرائيل في معنى النبوءة لا يقوم إلا بالابراء من العلل التي لا يبرىء منها طبيب بوجه وروي في أحيائه الموتى أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر أو الجمجمة فيحيى الإنسان ويكلمه بإذن الله وفي قصص الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها وآيات عيسى عليه السلام إنما تجري فيما يعارض الطب لأن علم الطب كان شرف الناس في ذلك الزمان وشغلهم وحينئذ أثيرت فيه العجائب فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة وأصول الطب وذلك إحياء الموتى وإبراء الاكمه والأبرص علمت الأطباء أن هذه القوة من عند الله وهذا كأمر السحرة مع موسى والفصحاء مع نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ووقع في التواريخ المترجمة عن الأطباء أن جالينوس كان في زمن عيسى عليه السلام وأنه رحل إليه من رومية إلى الشام فمات في طريقه ذلك وقوله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم الآية قال مجاهد وغيره كان عيسى عليه السلام من لدن طفولته وهو في الكتاب يخبر الصبيان بما يفعل آباؤهم في منازلهم وبما يؤكل من الطعام ويدخر وكذلك إلى أن بنىء فكان يقول لكل من سأله عن هذا المعنى أكلت البارحة كذا وادخرت كذا وقال قتادة معنى الآية إنما هو في نزول المائدة عليهم وذلك أنها لما نزلت أخذ عليهم عهد أن يأكلوا ولا يخبأ أحد شيأ ولا يدخره ولا يحمله إلى بيته فخانوا وجعلوا يخبئون فكان عيسى عليه السلام يخبر كل أحد عما أكل وعما ادخر في بيته من ذلك وعوقبوا على ذلك وقوله فاتقوا الله وأطيعون تحذير ودعاء إلى الله عز و جل وقوله هذا صراط مستقيم إشارة إلى قوله إن الله ربي وربكم فاعبدوه لأن ألفاظه جمعت الإيمان والطاعات والصراط الطريق والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه وقوله تعالى فلما احس عيسى منهم الكفر الآية قبل هذه الآية محذوف به يتم اتساق الآيات تقديره فجاء عيسى كما بشر الله به فقال جميع ما ذكر لنبي إسرائيل فلما أحس ومعنى أحس علم من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في تكذيبه ورأى من قرائن أحوالهم وشدة عداوتهم وإعراضهم قال من أنصاري إلى الله وقوله إلى الله يحتمل معنيين أحدهما من ينصرني في السبيل إلى الله والثاني أن يكون التقدير من يضيف نصرته إلى نصرة الله لي فإلى دالة على الغاية في كلا التقديرين وليس يباح أن يقال إلى بمعنى مع كما غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى وايديكم إلى المرافق فقال إلى بمعنى مع وهذه عجمة والحواريون قوم مر بهم عيسى صلى الله عليه و سلم فدعاهم إلىنصره واتباع ملته فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام وصبروا في ذات الله واختلف لم قيل لهم حواريون فقال ابن جبير لبياض ثيابهم وقال أبو ارطأة لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها وقال قتادة الحواريون اصفياء الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة وقال الضحاك نحوه قال ع وهذا القول تقرير حال القوم وليس بتفسير اللفظة وعلى هذا الحد شبه النبي صلى الله عليه و سلم ابن عمته بهم في قوله وحواري الزبير والأقوال الأول هي تفسير اللفظة إذ هي من الحور وهو البياض حورت الثوب بيضته ومنه الحواري وقد تسمى العرب النساء الساكانات في الامصار الحواريات لغلبة البياض عليهن ومنه قول أبي جلدة اليشكري ... فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح ... وقول الحواريين واشهد يحتمل أن يكون خطابا لعيسى عليه السلام أي اشهد لنا عند الله ويحتمل أن يكون خطابا لله تعالى كقوله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع اللهم اشهد وقولهم ربنا آمنا بما أنزلت يريدون الإنجيل وآيات عيسى فاكتبنا مع الشاهدين أي في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى عليه السلام فقال ومكروا يريد في تحيلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مكرهم فجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين في قول الجمهور أو على يهودي منهم كان جاسوسا وأعقب بني إسرائيل مذلة وهوانا في الدنيا والآخرة فهذه العقوبة هي التي سماها الله تعالى مكرا في قوله ومكر الله وذلك مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وقوله والله خير الماكرين معناه فاعل حق في ذلك وذكر أبو القاسم القشيري في تجبيره قال سئل ميمون احسبه ابن مهران عن قوله تعالى ومكروا ومكر الله فقال تخليته إياهم مع مكرهم هو مكره بهم أ ه ونحوه عن الجنيد قال الفراء المكر من المخلوق الخب والحيلة ومن الإله الاستدراج قال الله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون قال ابن عباس كلما احدثوا خطيئة أحدثنا لهم نعمة أ ه وقوله تعالى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك الآية اختلف في هذا التوفي فقال الربيع هي وفاة نوم وقال الحسن وغيره هو توفى قبض وتحصيل أي قابضك من الأرض ومحصلك في السماء وقال ابن عباس هي وفاة موت ونحوه لمالك في العتبية وقال وهب بن منبه توفاه الله بالموت ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم أحياه بعد ذلك وقال الفراء هي وفاة موت ولكن المعنى إني متوفيك في أخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال ففي الكلام تقديم وتأخير قال ع واجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي وإنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد صلى الله عليه و سلم ويحج البيت ويعتمر ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة وقيل أربعين سنة ثم يميته الله تعالى قال ع فقول ابن عباس هي وفاة موت لا بد أن يتمم أما على قول وهب بن منبه وإما على قول الفراء وقوله تعالى ورافعك إلى عبارة عن نقله من سفل إلى علو وإضافة الله سحبانه إضافة تشريف وإلا فمعلوم أنه سبحانه غير متحيز في جهة ومطهرك أي من دعاوى الكفر ومعاشرتهم وقوله وجاعل الذين اتبعوك الآية قال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين فتدخل في ذلك أمة محمد صلى الله عليه و سلم لأنها متبعة لعيسى قاله قتادة وغيره وكذلك قالوا بعموم اللفظ في الكافرين فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب هم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان والعز والغلبة ويظهر من عبارة ابن جريج وغيره أن المراد المتبعين له في وقت استنصاره وهم الحواريون وقوله تعالى ثم إلي مرجعكم خطاب لعيسى والمراد الإخبار بالقيامة والحشر وباقي الآية بين وتوفيه الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال وأما نفس دخول الجنة فبرحمة الله وتفضله سبحانه وقوله تعالى ذلك نتلوه عليك من الآيات الآية ذلك إشارة إلى ما تقدم من الأنباء ونتوله معناه نسرده ومن الآيات ظاهره آيات القرآن ويحتمل أن يريد من المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلناوبسبب تلاوتنا والذكر ما ينزل من عند الله قال ابن عباس الذكر القرآن والحكيم الذي قد كمل في حكمته وقوله تعالى إن مثل عيسى عند الله الآية قال ابن عباس وغيره سبب نزولها محاجة نصارى نجران فى امر عيسى وقولهم يا محمد هل رأيت بشرا قط جاء من غير فحل أو سمعت به ومعنى الآية إن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس مجمعون علىأن الله تعالى خلقه من تراب من غير فحل وفي هذه الآية صحة القياس وقوله تعالى ثم قال ترتيب للإخبار لمحمد صلى الله عليه و سلم المعنى خلقه من تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قال له كن وقت كذا وقوله تعالى الحق من ربك أي هذا هو الحق والممترين هم الشاكون ونهي النبي صلى الله عليه و سلم في عبارة اقتضت ذم الممترين وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره ونهي عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله وقوله تعالى فمن حاجك فيه أي في عيسى ويحتمل في الحق والعلم الذي أشير إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه الآيات المتقدمة وقوله فقل تعالوا استدعاء للمباهلة وتعالوا تفاعلوا من العلو وهي كلمة قصد بها أولا تحسين الأدب مع المدعو ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوه وللبهيمة ونبتهل معناه نلتعن ويقال عليهم بهلة الله والإبتهال الجد في الدعاء بالبهلة قال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دعا نصارى نجران إلى المباهلة قالوا دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتك بما نفعل فذهبوا إلى العاقب وهو ذو رأيهم فقالوا يا عبد المسيح ما ترى فقال يا معشر النصارى والله لقد عرفتم أن محمدا النبي المرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لاعن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وأنه الاستيصال إن فعلتم فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نبقى على ديننا وصالحوه على أموال وقالوا له ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أمولنا فإنكم عندنا رضي قال ع وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوءة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم شاهد عظيم على صحة نبوته صلى الله عليه و سلم عندهم ودعاء النساء والأبناء أهز للنفوس وأدعى لرحمة الله للمحقين أو لغضبه على المبطلين وقوله تعالى إن هذا لهو القصص الحق الآية هذا خبر من الله تعالى جزم مؤكد فصل به بين المختصمين والإشارة بهذا هي إلى ما تقدم في أمر عيسى عليه السلام والقصص معناه الأخبار وقال ص إن هذا لهو هذا إشارة إلى القرآن أ ه واختلف المفسرون من المراد بأهل الكتاب هنا فروى قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنهم يهود المدينة وقال ابن زيد وغيره المراد نصارى نجران قال ع والذي يظهر لي أن الآية نزلت في وفد نجران لكن لفظ الآية يعمهم وسواهم من النصارى واليهود وقد كتب النبي صلى الله عليه و سلم بهذه الآية إلى هرقل عظيم الروم وكذا ينبغي أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة والكلمة هنا عند الجمهور عبارة عن الألفاظ التي تتضمن المعاني المدعو إليها وهي ما فسر بعد ذلك وهذا كما تسمى العرب القصيدة كلمة وقوله سواء نعت للكلمة قال قتادة وغيره معناه إلى كلمة عدل وفي مصحف ابن مسعود إلى كلمة عدل كما فسر قتادة قال ع والذي أقوله في لفظة سواء أنها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضع وهو أنه دعاهم إلى معان جميع الناس فيها مستوون وقوله ألا نعبد إلا الله هو في موضع خفض على البدل من كلمة أو في موضع رفع بمعنى هي ألا نعبد إلا الله واتخاذ بعضهم بعضا أربابا هو على مراتب اشدها اعتقادهم الألوهية وعبادتهم لهم كعزير وعيسى ومريم وادنى ذلك طاعتهم لأساقفتهم في كل ما أمروا به من الكفر والمعاصي والتزامهم طاعتهم شرعا م فإن تولوا أبو البقاء تولوا فعل ماض ولا يجوز ان يكون التقدير تتولوا لفساد المعنى لأن قوله فقولوا اشهدوا خطاب للمؤمنين وتولوا للمشركين أ ه وقوله فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون أمر بالإعلان بمخالفتهم ومواجهتهم بذلك واشهادهم عل معنى التوبيخ والتهديد وقوله تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم الآية قال ابن عباس وغيره اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند النبي صلى الله عليه و سلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله الآية ومعنى قوله تعالى فيما لكم به علم أي على زعمكم وفسرالطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبيائهم مما ايقنوه وثبتت عندهم صحته قال ع وذهب عنه رحمة الله ان ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة لأنهم يجدونه عند محمد صلى الله عليه و سلم كما كان هناك على حقيقته قلت وما قاله الطبري ابين وهو ظاهر الآية ومن المعلوم أن أكثر احتجاجاتهم إنما كانت تعسفا وجحدا للحق وقوله تعالى ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا الآية أخبر الله تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم عليه السلام ونفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك ثم أخبر تعالى اخبارا مؤكذا أن أولى الناس بإبراهيم هم القوم الذين اتبعوه فيدخل في ذلك كل من اتبع الحنيفية في الفترات وهذا النبي يعني محمد صلى الله عليه و سلم لأنه بعث بالحنيفية السمحة والذين ءامنوا يعني بمحمد صلى الله عليه و سلم وسائر الأنبياء على ما يجب ثم أخبر سبحانه أنه ولي المؤمنين وعدا منه لهم بالنصر في الدنيا والنعيم في الاخره روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ أن أولى الناس بإبراهيم الآية وقوله تعالى ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم قال مكي قيل أن هذه الآية عني بها قريظة والنضير وبنو قينقاع ونصارى نجران ص قوله تعالى ودت طائفة ود بمعنى تمنى ويستعمل معها أن ولو وربما جمع بينهما نحو وددت أن لو فعل ومصدره الودادة والاسم منه الود وبمعنى احب فيتعدى كتعدى احب ومصدره مودة والأسم منه ود وقد يتداخلان في الاسم والمصدر أ ه وقوله تعالى وما يضلون إلا أنفسهم إعلام بأن سوء فعلهم عائد عليهم وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالون ثم أعلم تعالى أنهم لا يشعرون بذلك أي لا يتفطنون ثم وقفهم تعالى موبخا لهم على لسان نبيه والمعنى قل لهم يا محمد لأي سبب تكفرون بآيات الله التي هي آيات القرآن وأنتم تشهدون ان أمره وصفة محمد في كتابكم قال هذا المعنى قتادة وغيره ويحتمل أن يريد بالآيات ما ظهر على يده صلى الله عليه و سلم من المعجزات قلت ويحتمل الجميع من الآيات المتلوة والمعجزات التي شاهدوها منه صلى الله عليه و سلم وقال ص وأنتم تشهدون جملة حالية ومفعول تشهدون محذوف أي أنها ايات الله أو ما يدل على صحتها من كتابكم أو بمثلها من آيات الأنبياء أ ه وقوله لم تلبسون معناه تخلطون تقول لبست الأمر بفتح الباء بمعنى خلطته ومنه قوله تعالى وللبسنا عليه ما يلبسون وفي قوله وأنتم تعلمون توقيف على العناد ظاهر وباقي الآية تقدم بيانه في سورة البقرة وقوله تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين أمنوا وجه النهار الآية اخبر رالله سحبانه في هذه الآية أن طائفة من اليهود من أحبارهم ذهبت إلى خديعة المسلمين بهذا المنزع قال قتادة وغيره قال بعض الأحبار لنظهر الإيمان بمحمد صدر النهار ثم لنكفر به آخر النهار فسيقول المسلمون عند ذلك ما بال هؤلاء كانوا معنا ثم انصرفوا عنا ما ذاك الا لانهم انكشفت لهم حقيقة في الأمر فيشكون ولعلهم يرجعون عن الإيمان بمحمد قال الإمام الفخر وفي أخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من الفائدة وجوه الأول أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم فلما أخبر بها عنهم كان إخبارا بمغيب فيكون معجزا الثاني أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ولولا هذا الإعلام لأمكن تأثيرها في قلب من ضعف إيمانه الثالث أن القوم لما إفتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس أ ه وذكر تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب أنهم قالوا ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا خلاف إن هذا القول هو من كلام الطائفة واختلف الناس في قوله تعالى أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل الكلام كله من قول الطائفة لأتباعهم وقوله تعال قل إن الهدى هدى الله اعتراض بين الكلامين قال ع والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني أحدها ولا تصدقوا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم حذارا أن يؤتى أحد من النبوءة والكرامة مثل ما أوتيتم وحذارا أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ويحتمل الكلام أن يكون معناه ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته إذ قد علمتم صحتها إلا لليهود الذين هم منكم وأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتيم صفة لحال محمد صلى الله عليه و سلم فالمعنى تستروا بإقراركم أن قد أوتي مثل ما أوتيتم أو فإنهم يعنون العرب يحاجونكم بالإقرار عند ربكم وقرأ ابن كثير وحده من بين السبعة آن يؤتى بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة إلا الاعتراض الذي هو قل إن الهدى هدى الله فإنه لا يختلف أنه من قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم قال فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل ان يؤتى على ما قبله من الفعل لأن الاستفهام قاطع فيجوز أن تكون أن في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون أو تعترفون أو تذكرونه لغيركم ونحو هذا مما يدل عليه الكلام قال ع ويكون يحاجوكم على هذا معطوفا على أن يؤتى قال أبو علي ويجوز أن يكون موضع أن نصبا فيكون المعنى أتشيعون أو تذكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم فعلى كلا الوجهين معنى الآية توبيخ من الأحبار للاتباع على تصديقهم بأن محمد صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث قال ع ويكون قوله تعالى أويحاجوكم في تأويل نصب أن بمعنى أو تريدون أن يحاجوكم وقال السدي وغيره الكلام كله من قوله قل إن الهدى هدى الله إلى آخر الآية هو مما أمر به النبي صلى الله عليه و سلم أ يقوله لأمته وحكى الزجاج وغيره أن المعنى قل إن الهدى هو هذا الهدى لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ومعنى الآية على قول السدي أي لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجكم من أدعى سوى ذلك أويكون المعنى أو يحاجونكم على معنى الإزدراء باليهود كأنه قال أو هل لهم ان يحاجوكم أو يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به وقال قتادة والربيع الكلام كله من قوله قل إن الهدى هدى الله إلى آخر الآية هو مما أمر به النبي صلى الله عليه و سلم أن يقوله للطائفة قال ع ويحتمل أن يكون قوله أن يوتى بدلا من قوله هدى الله قلت وقد أطالوا الكلام هنا وفيما ذكرناه كفاية وقوله تعالى قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم في الآية تكذيب لليهود في قولهم لن يؤتي الله أحدا مثل ما أتى بني إسرائيل من النبوءة والشرف وباقي الآية تقدم تفسير نظيره وقوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تامنه الآية أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم قسمان في الأمانة ومقصد الآية ذم الخونة منهم والتفنيد لرأيهم وكذبهم على الله في استحلالهم أموال العرب قال الفخر وفي الآية ثلاثة أقوال الأول ان أهل الأمانة منهم الذين أسلموا أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ ماله الثاني أن أهل الأمانة منهم هم النصارى وأهل الخيانة هم اليهود الثالث قال ابن عباس أودع رجل عبد الله بن سلام ألفا مائتي أوقية من ذهب فأدى إليه وأودع آخر فنحاصا اليهودي دينارا فخانه فنزلت الآية أ ه قال ابن العربي في أحكامه قال الطبري وفائدة هذه الآية النهي عن ائتمانهم على مال وقال شيخنا أبو عبدالله المغربي فائدتها أن لا يؤتمنوا على دين يدل عليه ما بعده في قوله وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب الآية والصحيح عندي أنها في المال نص وفي الدين تنبيه فافادت المعنيين بهذين الوجهين قال ابن العربي فالامانة عظيمة القدر في الدين ومن عظيم قدرها انها تقف على جنبتي الصراط لا يمكن من الجواز إلا من حفظها ولهذا وجب عليك أن تؤديها إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك فتقابل المعصية بالمعصية وكذلك لا يجوز أن تغدر من غدرك قال البخاري باب أثم الغادر للبر والفاجر أ ه والقنطار في هذه الآية مثال للمال الكثير يدخل فيه اكثر من القنطار وأقل وأما الدينار فيحتمل أن يكون كذلك مثالا لما قل ويحتمل أن يريد أن منهم طبقة لا تخون إلا في دينار فما زاد ولم يعن لذكر الخائنين في أقل إذ هم طغام حثالة ودام معناه ثبت وقوله قائما يحتمل معنيين قال قتادة ومجاهد والزجاج معناه قائما على اقتضاء حقك يريدون بانواع الاقتضاء من الحفز والمرافعة إلى الحاكم من غير مراعاة لهيئة هذا الدائم وقال السدي وغيره معنى قائما على رأسه وقوله ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل الآية الإشارة بذلك إلى كونهم لا يؤدون الأمانة أي يقولون نحن من أهل كتاب والعرب أميون أصحب أوثان فأموالهم لنا حلال متى قدرنا على شيء منها لا حجة علينا في ذلك ولا سبيل لمعترض وقوله تعالى ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ذم لبني إسرائيل بأنهم يكذبون على الله سبحانه في غير ما شيء وهم عالمون بمواضع الصدق قال ص وهم يعلمون جملة حالية أ ه ثم رد الله تعالى في صدر قولهم ليس علينا بقوله بلى أي عليهم سبيل وحجة و تباعة ثم أخبر على جهة الشرط إن أوفى بالعهد واتقى عقوبة الله في نقضه فإنه محبوب عند الله وقوله تعالى أن الذين يشترون بعهد الله الآية أية وعيد لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة وهي أية يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد الحق وختر المواثيق وكل يأخذ من وعيدها بحسب جريمته قال ابن العربي في أحكامة وقد أختلف الناس في سبب نزول هذه الآية والذي يصح من ذلك أن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من حلف يمين صبر يقتطع بها مال أمري مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك أن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية قال فجاء الأشعث بن قيس فقال في نزلت كانت لي بير في أرض ابن عم لي وفي رواية كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقال النبي صلى الله عليه و سلم بينتك وذكر أو يمينه قلت إذا يحلف يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه و سلم وذكر الحديث اه وقوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب الآية يلوون معناه يحرفون ويتحيلون لتبديل المعاني من جهة أشتباه الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات كقولهم راعنا واسمع غير مسمع ونحو ذلك وليس التبديل المحض بلي وحقيقة اللي في الثياب والحبال ونحوها وهو فتلها واراغتها ومنه لي العنق ثم أستعمل ذلك في الحجج والخصومات والمجادلات والكتاب في هذا الموضع التوراة والضمير في تحسبوه للمسلمين قوله وما هو من عند الله نفي أن يكون منزلا من عند الله كما ادعوا وهو من عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب وقوله تعالى ما كان لبشر الآية معناه النفي التام لانا نقطع أن الله لا يؤتى النبوءة للكذبة والمدعين والكتاب هنا اسم جنس والحكم بمعنى الحكمة ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم أن من الشعر لحكما وقال الفخر هنا اتفق أهل اللغة والتفسير على أن هذا الحكم هو العلم قال تعالى وءاتيناه الحكم صبيا يعني العلم والفهم ا ه وثم في قوله ثم يقول معطية تعظيم الذنب في القول بعد مهلة من هذا الأنعام وقوله عبادا جمع عبد ومن جموعه عبيد وعبدي قال ع والذي استقريت في لفظة العباد أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن وأما العبيد فيستعمل في التحقير قال ص ونوقش ابن عطية بأن عبدي اسم جمع وتفريقه بين عباد وعبيد لا يصح ا ه قلت وقوله تعالى ءانتم أضللتم عبادي هؤلاء ونحوه يوضحه ا ه ومعنى الآية ما كان لأحد من الناس أن يقول اعبدوني واجعلوني إلها قال النقاش وغيره وهذه الإشارة إلى عيسى عليه السلام والآية رادة على النصارى وقال ابن عباس وجماعة من المفسرين بل الإشارة إلى النبي صلى الله عليه و سلم وسبب نزول الآية أن أبا رافع القرظي قال للنبي صلى الله عليه و سلم حين اجتمعت الأحبار من يهود والوفد من نصارى نجران يا محمد إنما تريد أن نعبدك ونتخذك إلها كما عبدت النصارى عيسى فقال الرئيس من نصارى نجران أو ذاك تريد يا محمد وإليه تدعونا فقال النبي ص - معاذ الله ما بذلك امرت ولا اليه دعوت فنزلت الآية قال بعض العلماء أرادت الأحبار أن تلزم هذا القول محمدا صلى الله عليه و سلم لما تلا عليهم قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني وإنما معنى الآية فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من طاعة الله فحرفوها بتأولهم وهذا من نوع ليهم الكتاب بإلسنتهم قال الفخر وقال ابن عباس أن الآية نزلت بسبب قول النصارى المسيح ابن الله وقول اليهود عزيز ابن الله وقيل أن رجلا من المسلمين قال يا رسول الله أفلا نسجد لك فقال عليه السلام ما ينبغي السجود إلا لله قيل وقوله تعالى أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون يقوى هذا التأويل ا ه وقوله تعالى ولكن كونوا ربانيين الآية المعنى ولكن يقول كونوا ربانيين وهو جمع رباني قال قوم منسوب إلى الرب من حيث هو عالم ما علمه عامل بطاعته معلم للناس ما أمر به وزيدت فيه النون مبالغة وقال قوم منسوب إلى الربان وهو معلم الناس مأخوذ من رب يرب إذا أصلح وربى والنون أيضا زائدة كما زيدت في غضبان وعطشان وفي البخاري الرباني الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره قال ع فجملة ما يقال في الرباني أنه العالم بالرب والشرع المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس وقوله بما كنتم معناه بسبب كونكم عالمين دارسين فما مصدرية وأسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم عن النبي صلى الله عليه و سلم قال العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم في اللسان فذلك حجة الله عز و جل على ابن أدم ومن حديث ابن وهب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هلاك أمتي عالم فاجر وعابد جاهل وشر الشرار جبار العلماء وخير الخيار خيار العلماء ا ه وقرأ جمهور الناس تدرسون بضم الراء من درس إذا أدمن قراءة الكتاب وكرره وقرأ نافع وغيره ولا يأمركم برفع الراء على القطع قال سيبويه المعنى لا يأمركم الله وقال ابن جريج وغيره المعنى ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي هذه النعم وهو محمد صلى الله عليه و سلم وأما قراءة من نصب الراء وهو حمزة وغيره فهي عطف على قوله أن يوتيه الله المعنى ولا له أن يأمركم قاله أبو علي وغيره وهو الصواب لا ما قاله الطبري من أنها عطف على قوله ثم يقول والأرباب في هذه الآية بمعنى الآلهة وقوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه المعنى واذكر يا محمد إذ فيحتمل أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أخرج بني ءادم من ظهر ءادم نسما ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه والمعنى أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه ملتزم هو ومن ءامن به الإيمان بمن أتى بعده من الرسل والنصر له وقال ابن عباس إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم فهو أخذ لميثاق الجميع وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه و سلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره بأخذه على قومه ثم تلا هذه الآية وقاله السدي وقرأ حمزة لما بكسر اللام وهي لام الجر والتقدير لأجل ما آتيناكم إذ أنتم القادة والرؤوس ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه وما في هذه القراءة بمعنى الذي والعائد إليها من الصله تقديره آتيناكموه ومن لبيان الجنس وثم جاءكم الآية جملة معطوفة على الصلة ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول وإنما حذف تخفيفا لطول الكلام وتقديره عند سيبويه رسول به مصدق لما معكم واللام في لتؤمنن به هي اللام المتلقية للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز وقرأ سائر السبعة لما بفتح اللام وذلك يتخرج على وجهين أحدهما أن تكون ما موصولة في موضع رفع بالابتداء واللام لام الابتداء وهي متلقية لما اجري مجرى القسم من قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين وخبر الابتداء قوله لتؤمنن ولتؤمنن متعلق بقسم محذوف فالمعنى والله لتؤمنن قاله أبو علي وهو متجه بأن الحلف يقع مرتين والوجه الثاني أن تكون ما للجزاء شرطا فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم وجاءكم معطوف في موضع جزم واللام الداخلة على ما ليست الملتقية للقسم ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى لئن لم ينته المنافقون لأنها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله لتؤمنن وقرأ نافع وحده آتيناكم بالنون وقرأ الباقون آتيتكم بالتاء ورسول في هذه الآية اسم جنس وقال كثير من المفسرين هو نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى قال ءاقررتم وأخذتم على ذلكم اصري هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء عليهم السلام على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذتم في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضا وقال الطبري أخذتم في هذه الآية معناه قبلتم والأصر العهد لا تفسير له في هذا الموضع إلا ذلك وقوله تعالى فاشهدوا يحتمل معنيين احدهما فاشهدوا على اممكم المؤمنين بكم وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد قاله الطبري وجماعة والمعنى الثاني بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به وشهادة الله على هذا التأويل هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم هذا قول الزجاج وغيره قال ع فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها والقول الثاني هو الأمر بأدائها وحكم تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق قاله علي بن أبي طالب وغيره وقرأ أبو عمرو يبغون بالياء من أسفل مفتوحة وترجعون بالتاء من فوق مضمومة وقرأ عاصم بالياء من اسفل فيهما وقرأ الباقون بالتاء فيهما ووجوه هذه القراءات لا تخفى بادنى تأمل وتبغون معناه تطلبون قال النووي وروينا في كتاب ابن السني عن السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه يؤنس ابن عبيد بن دينار البصري الشافعي المشهور أنه قال ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في إذنها أفغير دين الله تبغون وله اسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون إلا وقفت بإذن الله تعالى وروينا في كتاب ابن السني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا يا عباد الله احبسوا فإن لله عز و جل في الأرض حاضرا سيحبسها قال النووي حكى لي بعض شيوخنا أنه انفلتت له دابة اظنها بغلة وكان يعرف هذا الحديث فقاله فحبسها الله عليه في الحال وكنت أنا مرة مع جماعة فانفلتت منها بهيمة فعجزوا عنها فقلته فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام اه واسلم معناه استسلم عند الجمهور واختلفوا في معنى قوله طوعا وكرها فقال مجاهد هذه الآية كقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرها ونحوه لأبي العالية وعبارته كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده فمن أشرك في عبادته فهو الذي اسلم كرها ومن أخلص فهو الذي أسلم طوعا قال ع والمعنى في هذه الآية يفهم كل ناظر أن الكره خاص بأهل الأرض وقوله سبحانه أفغير دين الله توقيف لمعاصري نبينا محمد صلى الله عليه و سلم من الأحبار والكفار قوله تعالى قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم6 الآية المعنى قل يا محمد أنت وأمتك آمنا بالله الآية وقد تقدم بيانها في البقرة ثم حكم تعالى في قوله ومن يبتغ غير الإسلام الآية بأنه لا يقبل من آدمي دينا غير دين الإسلام وهو الذي وافق في معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء عليهم السلام وهو الحنيفية السمحة وقال بعض المفسرين أن من يبتغ الآية نزلت في الحارث بن سويد قلت وعلى تقدير صحة هذا القول فهي تتناول بعمومها من سواه إلى يوم القيامة وقوله تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم الآيات قال ابن عباس نزلت هذه الآيات من قوله كيف يهدي الله في الحارث بن سويد الأنصاري كان مسلما ثم أرتد ولحق بالشرك ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم هل من توبة فنزلت الآيات إلى قوله إلا الذين تابوا فأرسل إليه قومه فأسلم قال مجاهد وحسن إسلامه وقال ابن عباس أيضا والحسن بن أبي الحسن نزلت في اليهود والنصارى شهدوا ببعث النبي صلى الله عليه و سلم وآمنوا به فلما جاء من العرب حسدوه وكفروا به ورجحه الطبري وقال النقاش نزلت في طعيمة بن ابيرق قال ع وكل من ذكر فألفاظ الآية تعمه وقوله تعالى كيف سؤال عن حال لكنه سؤال توقيف على جهة الاستبعاد للأمر فالمعنى أنهم لشدة هذه الجرائم يبعد أن يهيدهم الله جميعا وباقي الآية بين قال الفخر واستعظم تعالى كفر هؤلاء المرتدين بعد حصول هذه الخصال الثلاث لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل اه وقوله تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا الآية قال ابو العالية رفيع الآية في اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه و سلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة ثم ازدادوا كفرا بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه و سلم من الافتراء والبهت والسعي على الإسلام وغير ذلك قال ع وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم وقال مجاهد معنى قوله ثم ازدادوا كفرا أي اتموا على كفرهم وبلغوا الموت به قال ع فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون وقال السدي نحوه ثم أخبر تعالى أن توبة هؤلاء لن تقبل وقد قررت الشريعة أن توبة كل كافر تقبل فلا بد في هذه الآية من تخصيص تحمل عليه ويصح به نفي قبول التوبة فقال الحسن وغيره المعنى لن تقبل توبتهم عند الغرغرة والمعاينة وقال أبو العالية المعنى لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع اقامتهم على كفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم قال ع وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم باعيانهم من المرتدين وهم الذين اشار إليهم بقوله سبحانه كيف يهدي الله قوما فأجنر عنهم أنه لاتكون منهم توبة فيتصور قبولها فكانه أخبر عن هؤلاء المعينين أنهم يموتون كفارا ثم أخبر الناس عن حكم كل من يموت كافرا والملء ما شحن به الوعاء وقوله ولو افتدى به قال الزجاج المعنى لن يقبل من أحدهم انفاقه وتقرباته في الدنيا ولو أنفق ملء الأرض ذهبا ولو افتدى أيضا به في الآخرة لن يقبل منه قال فاعلم الله انه لا يثيبهم على اعمالهم من الخير ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب قال ع وهذا قول حسن وقال قوم الواو زائدة وهذا قول مردود ويحتمل المعنى نفي القبول على كل وجه ثم خص من تلك الوجوه اليقها واحراها بالقبول وباقي الآية وعيد بين عافانا الله من عاقبة وختم لنا بما ختم به للصالحين من عباده وقوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون الآية خطاب لجميع المؤمنين فتحتمل الآية ان يريد لن تنالوا بر الله بكم أي رحمته ولطفه ويحتمل أن يريد لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبرارا إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم قال ص قوله مما تحبون من للتبعيض تدل عليه قراءة عبد الله بعض ما تحبون أ ه قال الغزالي قال نافع كان ابن عمر مريضا فاشتهى سمكة طرية فحملت إليه على رغيف فقام سائل بالباب فأمر بدفعها إليه ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إيما امرىء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على ففسه غفر الله له أ ه من الأحياء قال ع وبسبب نزول هذه الآية تصدق أبو طلحة بحائطه المسمى بيرحا وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها وكان عبد الله بن عمر يشتهي أكل السكر باللوز فكان يشتري ذلك ويتصدق به قال الفخر والصحيح أن هذه الآية في إيتاء المال على طريق الندب لا أنها في الزكاة الواجبة وقوله سبحانه وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم شرط وجوب فيه وعد أي عليم مجاز به وأن قل وقوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل الآية إخبار بمغيب عن النبي صلى الله عليه و سلم لا يعلمه إلا الله علماء أهل الكتاب وحلا معناه حلالا والآية رد على اليهود في زعمهم أن كل ما حرموه على أنفسهم أنه بأمر الله تعالى في التوراة فأكذبهم الله تعالى بهذه الآية وقوله سبحانه إلا ما حرم إسرائيل على نفسه أي فهو محرم عليهم في التوراة لا هذه الزوائد التي افتروها وقال الفخر قوله تعالى من قبل ان تنزل التوراة المعنى أن قبل نزول التوراة كان حلالا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه فأما بعد نزول التوراة فلم يبق الأمر كذلك بل حرم الله عليهم أنواعا كثيرة بسبب بغيهم وذلك هو عين النسخ الذي هم له منكرون اه قال ع ولم يختلف فيما علمت أن سبب تحريم يعقوب ما حرمه على نفسه هو بمرض أصابه فجعل تحريم ذلك شكرا لله أن شفي وقيل هو وجع عرق النسا وفي حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أن عصابة من بني إسرائيل قالوا له يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه فقال لهم أنشدكم بالله هل تعلمون أن يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه فنذر لله نذرا أن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه البانها قالوا اللهم نعم قال ع وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذا الأمر أن يعقوب عليه السلام حرم لحوم الإبل وألبانها وهو يحبها تقربا بذلك إذ ترك الترفة والتنعم من القرب وهذا هو الزهد في الدنيا وإليه نحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر ومن ذلك قول أبي حازم الزاهد وقد مر بسوق الفاكهة فرأى محاسنها فقال موعدك الجنة إن شاء الله وقوله عز و جل قل فأتوا بالتوراة الآية قال الزجاج وفي هذا تعجيز لهم وإقامة للحجة عليهم وقوله سبحانه فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك أي من بعد ما تبين له الحق وقيام الحجة فهو الظالم وقوله قل صدق الله أي الأمر كما وصف سبحانه لاكما تكذبون فإن كنتم تعتزون إلى إبراهيم فاتبعوا ملته على ما ذكر الله وقوله سبحانه إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة الآية لا مرية أن إبراهيم عليه السلام وضع بيت مكة وإنما الخلاف هل هو وضع بدأة أو وضع تجديد وقال الفخر يحتمل أولا في الوضع والبناء ويحتمل ان يريد أو لا في كونه مباركا وهذا تحصيل المفسرين في الآية اه قال ابن العربي في أحكامه وكون البيت الحرام مباركا قيل بركته ثواب الأعمال هناك وقيل ثواب قاصديه وقيل أمن الوحش فيه قيل عزوف النفس عن الدنيا عند رؤيته قال ابن العربي والصحيح عندي أنه مبارك من كل وجه من وجوه الدنيا والآخرة وذلك بجميعه موجود فيه اه قال مالك في سماع ابن القاسم من العتبية بكة موضع البيت ومكة غيره من المواضع قال ابن القاسم يريد القرية قلت قال ابن رشد في البيان أرى مالكا أخذ ذلك من قول الله عز و جل لأنه قال تعالى في بكة أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهو إنما وضع بموضعه الذي وضع فيه لا فيما سواه من القرية وقال في مكة وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة وذلك إنما كان في القرية لا في موضع البيت اه وقوله سبحانه فيه أي في البيت آيات بينات قال ع والمترجح عندي ان المقام وأمن الداخل جعلا مثالا مما في حرم الله من الآيات وخصا بالذكر لعظمهما مقام إبراهيم هو الحجر المعروف قاله الجمهور وقال قوم البيت كله مقام إبراهيم وقال قوم الحرم كله مقام إبراهيم والضمير في قوله ومن دخله عائد على البيت في قول الجمهور وعائد على الحرم في قول من قال مقام إبراهيم هو الحرم وقوله كان آمنا قال الحسن وغيره هذه وصف حال كانت في الجاهلية إذا دخل أحد الحرم امن فلا يعرض له فأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله وقال يحيى بن جعدة معنى الآية ومن دخل البيت كان آمنا من النار وحكى النقاش عن بعض العباد قال كنت أطوف حول الكعبة ليلا فقلت يا رب أنك قلت ومن دخله كان آمنا فمما ذا هوآمن فسمعت مكلما يكلمني وهو يقول من النار فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد قال ابن العربي في أحكامه وقول بعضهم ومن دخله كان آمنا من النار لا يصح حمله على عمومه ولكنه ثبت ان من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة قال ذلك كله رسول الله صلى الله عليه و سلم اه وقوله تعالى ولله على الناس حج البيت الآية هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع وقرأ حمزة والكساءي وحفص عن عاصم حج البيت بكسر الحاء وقرأ الباقون بفتحها فبكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة وقال الطبري هما لغتان الكسر لغة نجد والفتح لغة أهل العالية وقوله سبحانه من استطاع إليه سبيلا من في موضع خفض بدل من الناس وهو بدل البعض من الكل وقال الكساءي وغيره هي شرط في موضع رفع بالابتداء والجواب محذوف تقديره فعليه الحج ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله ومن كفر وأسند الطبري إلى النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من ملك زادا وراحله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذهب جماعة من العلماء إلى أن قوله سبحانه من استطاع إليه سبيلا كلام عام لا يتفسر بزاد ولا راحلة ولا غير ذلك بل إذا كان مستطيعا غير شاق على نفسه فقد وجب عليه الحج وإليه نحا مالك في سماع أشهب وقال لا صفة في هذا ابين مما قال الله تعالى وهذا انبل الأقوال وهذه من الأمور التي يتصرف فيها فقه الحال والضمير في إليه عائد على البيت ويحتمل على الحج وقوله سبحانه ومن كفر فإن الله غني عن العالمين قال ابن عباس وغيره المعنى من زعم أن الحج ليس بفرض عليه وروى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قرأ هذه الآية فقال رجل من هذيل يا رسول الله من تركه كفر فقال له النبي صلى الله عليه و سلم من تركه لا يخاف عقوبته ومن حجة لا يرجو ثوابه فهو ذلك وقال بمعنى هذا الحديث ابن عباس وغيره وقال السدي وجماعة من أهل العلم معنى الآية من كفر بأن وجد ما يحج به ثم لم يحج قال السدي من كان بهذه الحال فهو كافر يعني كفر معصية ولا شك أن من أنعم الله عليه بمال وصحة ولم يحج فقد كفر النعمة وقال ابن عمر وجماعة معنى الآية ومن كفر بالله واليوم الآخر قال الفخر والأكثرون هم الذين حملوا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج وقال الضحاك لما نزلت آية الحج فأعلم النبي صلى الله عليه و سلم بذلك اهل الملل وقال أن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمن به المسلمون وكفر غيرهم فنزلت الآية قال الفخر وهذا هو الأقوى والله أعلم اه ومعنى قوله تعالى غني عن العالمين الوعيد لمن كفر والقصد بالكلام فإن الله غني عنهم ولكن عمم اللفظ ليبرع المعنى تنتبه الفكر لقدرته سبحانه وعظيم سلطانه واستغنائه عن جميع خلقه لا رب سواه وقوله عز و جل قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعلمون هذه الآيات توبيخ لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه و سلم والكتاب التوراة وآيات الله يحتمل أن يريد بها القرءان ويحتمل العلامات الظاهرة على يدي النبي صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه والله شهيد على ما تعملون وعيد محض قال الطبري هاتان الآيتان قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وما بعدهما إلى قوله فاولائك لهم عذاب عظيم نزلت بسبب رجل من اليهود حاول الإغراء بين الأوس والخزرج قال ابن إسحاق حدثني الثقة عن زيد بن أسلم قال مر شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين والحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأوس والخزرج وهم في مجلس يتحدثون فغاظه ما رآه من جماعتهم وصلاح ذات بينهم بعد ما كان بينهم من العداوة فقال قد أجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله مالنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار فأمر فتى شابا من يهود فقال أعمد إليهم واجلس معهم وذكرهم يوم بعاث وما كان قبله من أيام حربهم وأنشدهم ما قالوه من الشعر في ذلك ففعل الفتى فتكلم القوم عند ذلك فتفاخروا وتنازعوا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي من الأوس وجبار بن صخر من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه إن شئتم والله رددناها الآن جذعة فغضب الفريقان وقالوا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة يريدون الحرة فخرجوا إليها وتحاوز الناس على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين فقال يا معشر المسلمين الله الله ابدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ووعظهم فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان فالقوا السلاح وبكوا وعانق الناس بعضهم بعضا من الأوس والخزرح وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم سامعين مطيعين فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع هذه الآيات وقال الحسن وغيره نزلت في أحبار اليهود الذين يصدون المسلمين عن الإسلام ويقولون أن محمدا ليس بالموصوف في كتابنا قال ع ولا شك في وقوع هذين الشيئين وما شاكلهما من افعال اليهود وأقوالهم فنزلت الآيات في جميع ذلك ومعنى تبغون أي تطلبون لها الاعوجاج والانفساد وأنتم شهداء يريد جمع شاهد على ما في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه و سلم وصدقه وباقي الآية وعيد وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين الآية خطاب عام للمؤمنين والإشارة بذلك وقت نزوله إلى الأوس والخزرج بسبب نائرة شاس بن قيس قال ص قوله تعالى يردوكم بعد إيمانكم كافرين رد بمعنى صير فيتعدى إلى مفعولين الأول الكاف والثاني الكافرين كقوله ... فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا ... ويعتصم معناه يتمسك وعصم الشيء إذامنع وحمي ومنه قوله يعصمني من الماء وباقي الآية بين وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته قال ابن مسعود حق تقاته هوأن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر وكذلك عبر الربيع بن خثيم وقتادة والحسن قالت فرقة نزلت الآية على عموم لفظها من لزوم غاية التقوى حتى لا يقع إلا خلال في شيء من الأشياء ثم نسخ ذلك بقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وبقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقالت جماعة لا نسخ هنا وإنما المعنى اتقوا الله حق تقاته في ما استطعتم وهذا هو الصحيح وخرج الترمذي عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه و سلم قرأ هذه الآية وهي اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وخرجه ابن ماجه أيضا اه وقوله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون معناه دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه والحبل في هذه الآية مستعار قال ابن مسعود حبل الله الجماعة وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة قال فقبض يده وقال الجماعة وقرأ واعتصموا بحبل الله جميعا وقال قتادة وغيره حبل الله الذي أمر بالاعتصام به هو القرءان ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم وقال ابن زيد هو الإسلام وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض وقوله تعالى ولا تفرقوا يريد التفرق الذي لا يتأتى معه الائتلاف كالتفرق بالفتن والافتراق في العقائد وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس بداخل في هذه الآية بل ذلك هوالذي قال فيه صلى الله عليه و سلم خلاف أمتي رحمة وقد اختلفت الصحابة في الفروع أشد اختلاف وهم يد واحدة على كل كافر وقوله سبحانه وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم الآية هذه الآية تدل على أن الخطاب إنما هو للأوس والخزرج كما تقدم وكانت العدواه قد دامت بين الحيين مائة وعشرين سنة حتى رفعها الله بالإسلام فجاء النفر الستة من الأنصار إلى مكة حجاجا فعرض النبي صلى الله عليه و سلم نفسه عليهم وتلا عليهم شيئا من القرآن كما كان يصنع مع قبائل العرب فآمنوا به وأراد الخروج معهم فقالوا يا رسول الله إن قدمت بلدنا على ما بيننا من العداوة والحرب خفنا إلا يتم مانريده بك ولكن نمضي نحن ونشيع أمرك ونداخل الناس وموعدنا وإياك العام القابل فمضوا وفعلوا وجاءت الأنصار في العام القابل فكانت العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلا فيهم خمسة من الستة الأولين ثم جاءوا من العام الثالث فكانت بيعة العقبة الكبرى حضرها سبعون وفيهم اثنا عشر نقيبا ووصف القصة مستوعب في السير ويسر الله تعالى الأنصار للإسلام بوجهين أحدهما أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم وكانوا يقولون لمن يتوعدونه من العرب يبعث لنا الآن نبي نقتلكم معه قتل عاد وأرم فلما رأى النفر من الأنصار النبي صلى الله عليه و سلم قال بعضهم لبعض هذا والله النبي الذي تذكره بنو إسراءيل فلا تسبقن إليه والوجه الآخر الحرب التي كانت ضرستهم وافنت سراتهم فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم فكان الأمر كما رجوا فعدد الله سبحانه عليهم نعمته في تاليفهم بعد العداوة وذكرهم بها قال الفخر كانت الأنصار قبل الإسلام أعداء فلما أكرمهم الله سبحانه بالإسلام صاروا أخوانا في الله متراحمين واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معاديا لأكثر الخلق ومن كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه لم يكن معاديا لأحد لأنه يرى الكل أسيرا في قبضة القضاء والقدر ولهذا قيل أن العارف إذا أمر أمر برفق ونصح لا بعنف وعسر وكيف وهو مستبصر بالله في القدر ا ه وقوله تعالى فأصبحتم عبارة عن الاستمرار قال ص أصبح يستعمل لاتصاف الموصوف بصفته وقت الصباح وبمعنى صار فلا يلحظ فيها وقت الصباح بل مطلق الإنتقال والصيرورة من حال إلى حال وأصبح هنا بمعنى صار وما ذكره ابن عطية من أن أصبح للإستمرار لم يذهب إليه أحد من النحويين ا ه قلت وفيما أدعاه نظر وهي شهادة على نفي وكلام ع واضح من جهة المعنى والشفا حرف كل جرم له مهوى كالحفرة والبير والجرف والسقف والجدار ونحوه ويضاف في الإستعمال إلى الأعلى كقوله شفا جرف وإلى الأسفل كقوله شفا حفرة فشبه الله كفرهم الذي كانوا عليه بالشفا لأنهم كانوا يسقطون في جهنم دأبا فانقذهم الله منها بالإسلام وقوله تعالى فأنقذكم منها أي من النار ويحتمل من الحفرة والأول أحسن قال العراقي انقذكم أي خلصكم ا ه وقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير أمر الله سبحانه الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفعال على وجوهها ويحفظون قوانينها ويكون سائر الأمة متبعين لاولائك إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع وقد علم الله سبحانه أن الكل لا يكونون علما ء فمن هنا للتبعيض وهو تأويل الطبري وغيره وذهب الزجاج وغير واحد إلى أن المعنى ولتكونوا كلكم أمة يدعون ومن لبيان الجنس ومعنى الآية على هذا أمر الأمة بأن يدعوا جميع العالم إلى الخير فيدعون الكفار إلى الإسلام والعصاة إلى الطاعة ويكون كل واحد في هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة وروى الليث بن سعد قال حدثني محمد بن عجلان أن وافدا النضري أخبره عن انس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمنازلهم من الله يكونون على منابر من ونور قالوا ومن هم يا رسول الله قال هم الذين يحببون الله إلى الناس ويحببون الناس إلى الله ويمشون في الأرض نصحا قلنا يا رسول الله هذا يحببون الله إلى الناس فكيف يحببون الناس إلى الله قال يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر فإذا أطاعوهم أحبهم الله تعالى ا ه من التذكرة للقرطبي قال ع قال أهل العلم وفرض الله سبحانه بهذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير وقال النبي صلى الله عليه و سلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان والناس في الامر بالمعروف وتغيير المنكر على مراتب ففرض العلماء فيه تنبيه الولاة وحملهم على جادة العلم وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم ولهم هي اليد وفرض سائر الناس رفعه إلى الولاة والحكام بعد النهي عنه قولا وهذا في المنكر الذي له دوام وإما أن رأى أحد نازلة بديهية من المنكر كالسلب والزنا ونحوه فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة ويحسن لكل مؤمن أن يعتمل في تغيير المنكر وإن ناله بعض الأذى ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان وابن مسعود وابن الزبير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم فهذا وإن لم يثبت في المصحف ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقيب الأمر والنهي كما هو في قوله وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك وقوله سبحانه ولا تكونوا كالذين تفرقوا الآية قال أبن عباس هي إشارة إلى كل من افترق من الأمم في الدين فأهلكهم الإفتراق وقال الحسن هي إشارة إلى اليهود والنصارى قلت وروى ابو داود في سننه عن معاوية بن أبي سفيان قال قال النبي صلى الله عليه و سلم أن من قبلكم من أهل الكتاب أفترقوا على ثنتين وسبعين ملة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وروى أبو هريرة نحوه ولم يذكر النار ا ه وقوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه الآية بياض الوجوه عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله قاله الزجاج وغيره وقوله تعالى أكفرتم تقرير وتوبيخ متعلق بمحذوف تقديره فيقال لهم اكفرتم وفي هذا المحذوب جواب أما وهذا هو فحوى الخطاب وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغنى المعنى عنه كقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة المعنى فافطر فعدة وقوله تعالى بعد ايمانكم يقتضى أن لهؤلاء المذكورين أيمانا متقدما وأختلف أهل التأويل في تعيينهم فقال أبي بن كعب هم جميع الكفار وإيمانهم هو إقرارهم يوم قيل لهم الست بربكم قالوا بلى وقال أكثر المتأولين المراد أهل القبلة من هذه الأمة ثم اختلفوا فقال الحسن الآية في المنافقين وقال قتادة هي في أهل الردة وقال أبو أمامة هي في الخوارج وقوله تعالى تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم المؤمنين ولما كان في هذا ذكر التعذيب أخبر سبحانه أنه لا يريد أن يقع منه ظلم لأحد من العباد وإذا لم يرد ذلك فلا يوجد البتة لأنه لا يقع من شيء إلا ما يريده سبحانه وقوله بالحق معناه بالإخبار الحق ويحتمل أن يكون المعنى نتلوها عليك مضمنة الأفعال التي هي حق في نفسها من كرامة قوم وتعذيب ءاخرين ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص الله قوما بعمل يرحمهم من أجله وءاخرين بعمل يعذبهم عليه ذكر سبحانه الحجة القاطعة في ملكة جميع المخلوقات وأن الحق أن لا يعترض عليه وذلك في قوله ولله ما في السموات وما في الأرض الآية وقوله تعالى كنتم خيرأمة أخرجت للناس الآية اختلفت في تأويل هذه الآية فقيل نزلت في الصحابة وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم الآية خطاب لجميع الأمة بأنهم خير أمة أخرجت للناس ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس وأما قوله كنتم على صيغة المضي فإنها التي بمعنى الدوام كما قال تعالى وكان الله غفورا رحيما وقال قوم المعنى كنتم في علم الله وهذه الخيرية التي خص الله بها هذه الآمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل بهذه الشروط من الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله مما جاء في فضل هذه الأمة ما خرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم نحن الآخرون الأولون يوم القيامة وفي رواية مسابقون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة وفي رواية نحن الآخرون من أهل الدنيا والاولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق وفي رواية المقضى بينهم اه وخرج ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال نحن ءاخر الأمم واول من يحاسب يقال أين الأمة الآمية ونبيها فنحن الآخرون الأولون وفي رواية عن ابن عباس فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرا محجلين من ءاثار الطهور فتقول الأمم كادت هذه الآمة أن تكون أنبياء كلها وخرجه أيضا أبو داود الطيالسي في مسنده بمعناه اه من التذكرة وروى أبو داود في سننه قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم امتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل اه وقد ذكرنا هذا الحديث أيضا عن غير أبي داود وهذا الحديث ليس هو على عمومه في جميع الأمة لثبوت نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة وقوله تأمرون بالمعروف وما بعده أحوال في موضع نصب وفي الحديث خير الناس اتقاهم لله وءامرهم بالمعروف وانهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم رواه البغوي في منتخبه اه من الكوكب الدري وقوله سبحانه منهم المؤمنون تنبيه على حال عبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن سعية وغيرهم ممن آمن وقوله تعالى لن يضروكم إلا أذى أي إلا أذى بالالسنة فقط وأخبر سبحانه في قوله وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار بخبر غيب صححه الوجود فهي من آيات نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وفائدة الخبر هي في قوله ثم لا ينصرون أي لا تكون حرب اليهود معكم سجالا وخص الأدبار بالذكر دون الظهر تخسيسا للفار وهكذا هوحيث تصرف وقوله تعالى ضربت معناه اثبتت بشدة والزام وهذا وصف حال تقررت على اليهود في أقطار الأرض قبل مجيء الإسلام وثقفوا معناه أخذوا بحال المذنب المستحق الإهلاك وقوله إلا بحبل من الله في الكلام محذوف يدركه فهم السامع تقديره فلا نجاة لهم من القتل أوالإستيصال إلا بحبل وهو العهد وقوله ذلك إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنه وباقي الآية تقدم تفسير نظيره وقوله تعالى ليسوا سواء الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما لما أسلم عبد الله ابن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود معهم قال الكفار من أحبار اليهود ما آمن بمحد إلا شرارنا ولو كانوا خيارا ما تركوا دين آبائهم فأنزل الله سبحانه في ذلك ليسوا سواء الآية وقال مثله قتادة وابن جريج وهو أصح التأويلات في الآية واختلف في قوله قائمة فقال ابن عباس وغيره معناه قائمة على كتاب الله وحدوده مهتديه وقال اسدي القائمة القانتة المعطية وهذا كله يرجع إلى معنى واحد ويحتمل أن يراد بقائمة وصف حال التالين في إناء الليل ومن كانت حاله هذه فلا محالة أنه معتدل على أمر الله وآيات الله في هذه الآية هي كتبه والآناء الساعات واحدها أني بكسر الهمزة وسكن النون وحكم هذه الآية لا يتفق في شخص شخص بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل وإنما يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة إذ بعض الناس يقوم أول الليل وبعضهم آخره وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات عمارة إناء الليل بالقيام وهكذا كان صدر هذه الأمة وعرف الناس القيام في أول الثلث الآخر من الليل أو قبله بشيء وحينئذ كان يقوم الأكثر والقيام طول الليل قليل وقد كان في الصالحين من يلتزمه وقد ذكر الله سبحانه القصد من ذلك في سورة المزمل وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه الله داخل في هذه الآية وهو أفضل من التنفل لمن يرجى انتفاع المسلمين بعلمه قلت وقد تقدم في أول السورة ما جاء من التأويل في حديث النزول فلنذكر الآن الحديث بكماله لما فيه من الفوائد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسئلني فأعطيه من يستغفرني فاغفر له رواه الجماعة اعنى الكتب الستة البخاري وملسما وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وفي بعض الطرق حتى يطلع الفجر زاد ابن ماجه فلذلك كانوا يستحبون الصلاة آخر الليل على أوله وعن عمرو بن عنبسة أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن رواه ابو داود والترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك واللفظ للترمذي وقال حسن صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم اه من السلاح وعن أبي إمامة قلت يا رسول الله أي الدعاء أسمع قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات رواه الترمذي ولانسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن وفي رواية جوف الليل الآخر ارجى أو نحو هذا من السلاح ومما يدخل في ضمن قوله سبحانه ويسارعون في الخيرات أن يكون المرء مغتنما للخمس كما قال النبي صلى الله عليه و سلم اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وغناك قبل فقرك فيكون متى أراد أن يصنع خيرا بادر إليه ولم يسوف نفسه بالأمل فهذه أيضا مسارعة في الخيرات وذكر بعض الناس قال دخلت مع بعض الصالحين في مركب فقلت له ما تقول أصلحك الله في الصوم في السفر فقال لي إنها المبادرة يا ابن الأخ قال المحدث فجاءني والله بجواب ليس من أجوبة الفقهاء قال ص قوله من الصالحين من للتبعيض ابن عطية ويحسن أيضا أن يكون لبيان الجنس وتعقب بأنه لم يتقدم شيء فيه إبهام فيبين جنسه اه وقوله تعالى وما تفعلوا من خير فلن تكفروه أي فلن يعطى دونكم فلا تثابون عليه وفي قوله سبحانه والله عليم بالمتقين وعد ووعيد وقوله تعالى مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح الآية وقع في الآية التشبيه بين شيئين وشيئين وترك من كل منهما مادل عليه الكلام وهذه غاية الإيجاز والبلاغة وجمهور المفسرين على أن ينفقون يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث ا يبطلها كفرهم كما تبطل الريح الزرع والصر البرد الشديد المحرق لكل ما يهب عليه والحرث شامل للزرع والثمار وقوله سبحانه حرث قوم ظلموا أنفسهم الآية من أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد وينتزع ذلك من غير ما آية في القرآن فيستقيم على قوله إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه والضمير في قوله وما ظلمهم الله للكفار الذين تقدم ضميرهم في ينفقون وليس هو للقوم ذوي الحرث وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة أي لا تتخذوا من الكفار واليهود والمنافقين أخلاء تأنسون بهم في الباطن وتفاوضونهم في الآراء وقوله سبحانه من دونكم يعني من دون المؤمنين وقوله سبحانه لا يالونكم خبالا معناه لا يقصرون لكم فيما فيه فساد عليكم تقول ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت والخبال الفساد قال ابن عباس كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالا من الهيود للحلف والجوار الذي كان بينهم في الجاهلية فنزلت الآية في ذلك وقال ابن عباس أيضا وقتادة والربيع والسدي نزلت في المنافقين قال ع ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء ونحو ذلك وما في قوله ما عتنم مصدرية فالمعنى ودوا عنتكم والعنت المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت أي شاقة قال ص قال الزجاج عنتكم أي مشقتكم وقال ابن جرير ضلالكم وقال الزبيدي العنت الهلاك اه وقوله تعالى قد بدت البغضاء من افواههم أي فهم فوق المستتر الذي تبدو البغضاء في عينيه وخص سبحانه الافواه بالذكر دون الالسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه ثم قال سبحانه للمؤمنين قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون تحذيرا وتنبيها وقد علم سبحانه أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول أن كنت رجلا فافعل كذا وكذا وقوله هأنتم أولاء تحبونهم الضمير في تحبونهم للذين تقدم ذكرهم قي قوله بطانه من دونكم قال ص وتؤمنون بالكتاب كله قال أبو البقاء الكتاب هنا جنس أي بالكتب كلها وقوله تعالى عذوا عليكم الأنامل من الغيط عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على انفاذه ومنه قول ابي طالب يعضون غيظا خلفنا بالأنامل وقوله سبحانه قل موتوا بغيظكم قال فيه الطبري وكثير من المفسرين هو دعاء عليهم وقال قوم بل أمر النبي صلى الله عليه و سلم وأمته أن يواجهوهم بهذا فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع وقوله تعالى إن الله عليم بذات الصدور وعين وذات الصدور ما تنطوى عليه وقوله سبحانه إن تمسسكم حسنه تسؤهم6 الآية الحسنة والسيئة في هذه الآية لفظ عام في كل ما يحسن ويسوء قلت ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة وروينا في كتاب الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تظهر الشماتة لأخيك فيC ويبتلك اه والكيد الاحتيال بالأباطيل وقوله تعالى وأكيد كيدا من باب تسمية العقوبة باسم الذنب وقوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال هذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد وفيه نزلت هذه الآيات كلها وكان من أمر غزوة أحد أن المشركين اجتمعوا في ثلاثة ألاف رجل وقصدوا المدينة ليأخذوا بثارهم في يوم بدر فنزلوا عند احد يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة واقاموا هنالك يوم الخميس ورسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة يدبر وينتظر أمر الله سبحانه فلما كان في صبيحة يوم الجمعة جمع رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس واستشارهم وأخبرهم أنه كان يرى بقرا تذبح وثلما في ذباب سيفه وأنه يدخل يده في درع حصينة وأنه تأولها المدينة وقال لهم أرى ان لا نخرج إلى هؤلاء الكفار فقال له عبد الله ابن أبي بن سلول أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس فإن هم أقاموا أقاموا بشر محبس وإن انصرفوا مضوا خائبين وإن جاءونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام فوالله ما حاربنا قط عدو في هذه المدينة إلا غلبناه ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا فوافق هذا الرأي راي رسول الله صلى الله عليه و سلم ورأي جماعة عظيمة من المهاجرين والأنصار وقال قوم من صلحاء المؤمنين ممن فاتته بدر يا رسول الله أخرج بنا إلى عدونا وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى بالناس صلاة الجمعة وقد حشمه هؤلاء الداعون إلى الحرب فدخل اثر صلاته بيته ولبس سلاحه فندم أولئك القوم وقالوا أكرهنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما خرج عليهم النبي صلى الله عليه و سلم في سلاحه قالوا يا رسول الله أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ينبغي لنبي لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل ثم خرج بالناس وسار حتى قرب من عسكر المشركين فعسكر هنالك وبات تلك الليلة وقد غضب عبد الله بن أبي بن سلول وقال أطاعهم وعصاني فلما كان في صبيحة يوم السبت اعتزم النبي صلى الله عليه و سلم على المسير إلى مناجزة المشركين فنهض وهو في الف رجل فانخزل عنه عند ذلك عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل من منافق ومتبع وقالوا نظن أنكم لا تلقون قتالا ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في سبع مائة فهمت عند ذلك بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج بالإنصراف ورأوا كثافة المشركين وقلة المسلمين وكادوا أن يجبنوا ويفشلوا فعصمهم الله تعالى وذم بعضهم بعضا ونهضوا مع النبي صلى الله عليه و سلم حتى أطل على المشركين فتصاف الناس وكان النبي صلى الله عليه و سلم قد أمر على الرماة عبد الله بن جبير وكانوا خمسين رجلا وجعلهم يحمون الجبل وراء المسلمين وأسند هو إلى الجبل فلما اضطرمت نار الحرب انكشف المشركون وانهزموا وجعل نساء المشركين يشددن في الجبل ويرفعن عن سوقهن قد بدت خلاخيلهن فجعل الرماة يقولون الغنيمة الغنيمة وكان النبي صلى الله عليه و سلم قد قال لهم لا تبرحوا من هنا ولو رأيتمونا تخطفنا الطير فقال لهم عبد الله بن جبير وقوم منهم اتقوا الله واثبتوا كما أمركم نبيكم فعصوا وخالفوا وانصرفوا يريدون النهب وخلوا ظهور المسلمين للخيل وجاء خالد في جريدة خيل من خلف المسلمين حيث كان الرماة فحمل على الناس ووقع التخاذل وصيح في المسلمين من مقدمتهم ومن ساقتهم وصرخ صارخ قتل محمد فتخاذل الناس واستشهد من المسلمين سبعون وتحيز رسول الله صلى الله عليه و سلم في أعلى الجبل وتحاوز الناس هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآيات وأمر أحد مستوعب في السير وليس هذا التعليق مما يقتضي ذكره وتبوىء معناه تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون وقوله سبحانه مقاعد جمع مقعد وهو مكان القعود وهذا بمنزلة قولك مواقف ولكن لفظة القعود أدل على الثبوت ولا سيما أن الرماة إنما كانوا قعودا وكذلك كانت صفوف المسلمين أولا والمبارزة والسرعان يجولون وقوله تعالى والله سميع أي ما تقول وما يقال لك وقت المشاروة وغيره وهمت معناه أرادت ولم تفعل والفشل في هذا الموضع هو الجبن الذي كاد يلحق الطائفتين ففي البخاري وغيره عن جابر قال نزلت هذه الآية فينا إذ همت طائفتان في بني سلمة وبني حارثة وما أحب أنها لم تنزل والله يقول والله وليهما وقوله سبحانه ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة لما أمر الله سبحانه بالتوكل عليه ذكر بأمر بدر الذي كان ثمرته التوكل علىالله سبحانه والثقة به وقوله سبحانه وأنتم اذلة معناه قليلون اسم الذل في هذا الموضع مستعار إذ نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند المتأمل ذلتهم وأنهم مغلوبون روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر فقال صلى الله عليه و سلم اللهم إنهم حفاة فأحملهم اللهم أنهم عراة فاكسهم اللهم انهم جياع فاشبعهم ففتح الله عليهم يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا قد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا رواه أبو داود والحاكم في المستدرك على الصحيحين واللفظ له وقال صحيح على شرط الشيخين اه من السلاح وقوله سبحانه إذ تقول العامل في إذ فعل مضمرويحتمل أن يكون العامل نصركم وعلى هذا قول الجمهور إن هذا القول من النبي صلى الله عليه و سلم كان ببدر قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر وكانوا يكونون في سائر الأيام عددا ومددا لا يضربون قال الشعبي وهم يحضرون حروب المسلمين إلى يوم القيامة وقال قتادة أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف قال عكرمة كان الوعد يوم بدر فلم يصبروا يوم احد ولا اتقوا فلم يمدوا ولو مدوا لم يهزموا وقال الضحاك وابن زيد إنما كان هذا الوعد والمقالة للمؤمنين يوم أحد ففر الناس وولوا مدبرين فلم يمدهم الله وإنما مدوا يوم بدر بألف من الملائكة مردفين والفوز النهوض المسرع إلى الشيء مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه ومنه الفور في الحج والوضوء ومسومين معناه معلمين بعلامات وروي أن الملائكة اعلمت يوم بدر بعمائم بيض إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على مثال عمامة الزبير بن العوام وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال للمسلمين يوم بدر سوموا فإن الملائكة قد سومت وقوله سبحانه وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم الضمير في جعله الله عائد على الإنزال والإمداد ومعنى الآية وما كان هذا الامداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم وترون حفاية الله بكم وإلا فالكثرة لا تغنى شيئا إلا أن ينصر الله واللام في قوله ليقطع متعلقة بقوله وما النصر ويحتمل أن تكون متعلقة بجعله فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ببدر على قول ابن إسحاق وغيره أو إلى من قتل بأحد على ما قال السدي وقتل من المشركين ببدر سبعون وقتل منهم يوم أحد أثنان وعشرون رجلا والطرف الفريق وقوله سبحانه أو يكبتهم معناه يخزيهم والكبت الصرع لليدين وقال ص الكبت الهزيمة وقيل الصرع لليدين اه وقوله تعالى ليس لك من الأمر شيء الآية روي في سبب هذه الآية أنه لما هزم اصحابه صلى الله عليه و سلم وشج وجهه وكسرت رباعيته جعل يمسح وجهه ويقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وفي بعض طرق الحديث كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله فنزلت الآية فقيل له ليس لك من الأمر شيء أي عواقب الأمور بيد الله فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك قلت وقد فعل ذلك صلى الله عليه و سلم ممتثلا أمر ربه قال عياض روي أن النبي صلى الله عليه و سلم لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه وقالوا لو دعوت عليهم فقال أني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في بعض كلامه بأبي وأمي أنت يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال رب لا تذر على الأرض الآية ولو دعوت علينا لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطىء ظهرك وادمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون اه قال الطبري وغيره من المفسرين أو يتوب عطف على يكبتهم والمعنى أو يتوب عليهم فيسلمون أو يعذبهم إن تمادوا على كفرهم فإنهم ظالمون ثم أكد سبحانه معنى قوله ليس لك من الأمر شيء بذكر الحجة الساطعة في ذلك وهي ملكه الأشياء فقال سبحانه وله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم أي فله سبحانه أن يفعل بحق ملكه ما يشاء لا اعتراض عليه ولا معقب لحمكه وذكر سبحانه أن الغفران أو التعذيب إنما هو بمشيئته وبحسب السابق في علمه ثم رجى سبحانه في آخر ذلك تأنيسا للنفوس وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة الآية قال ع هذا النهي عن أكل الربا اعترض أثناء قصمة أحد ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا ومعناه الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وقوله تعالى اعدت للكفارين أي أنهم المقصود والمراد الأول وقد يدخلها سواهم من العصاة هذا مذهب أهل العلم في هذه الآية وحكى الماوردي وغيره عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة لا بنار العصاة وقوله سبحانه وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون قال محمد بن إسحاق هذه الآية من قوله تعالى وأيطعوا الله هي ابتداء المعاتبة في أمر احد وانهزام من فر وزوال الرماة عن مراكزهم وقوله تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض قرأ نافع وابن عامر سارعوا بغير واو وكذلك هي في مصاحب أهل المدينة والشام وقرأ باقي السبعة بالواو والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة إذ الناس كأن كل واحد يسرع ليصل قبل غيره فبينهم في ذلك مفاعلة إلا ترى إلى قوله تعالى فاستبقوا الخيرات والمعنى سارعوا بالطاعة والتقوى والتقرب إلى ربكم إلى حال يغفر الله لكم فيها قلت وحق على من فهم كلام ربه أن يبادر ويسارع إلى ما ندبه إليه ربه وأن لا يتهاون بترك الفضائل الواردة في الشرع قال النووي رحمه الله أعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله ولا ينبغي أن يتركه جملة بل يأتي بما تيسر منه لقول النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث المتفق على صحته وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم اه من الحلية وقوله سبحانه وجنة عرضها السموات والأرض أي كعرض السماوات والأرض قال ابن عباس في تفسير الآية تقرن السموات والأرضون بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب فذلك عرض الجنة ولا يعلم طولها إلا الله سبحانه وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن بين المصراعين من أبواب الجنةمسيرة أربعين سنة وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس فيها كما تزدحم الإبل إذا وردت خمصا ظماء وفي الصحيح أن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها فهذا كله يقوي قول ابن عباس وهو قول الجمهور أن الجنةأكبر من هذه المخلوقات المذكورة وهي ممتدة على السماء حيث شاء الله تعالى وذلك لا ينكر فإن في حديث النبي صلى الله عليه و سلم ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد القيت في فلاة من الأرض قال ع فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدا من السماوات والأرض وقدرة الله أعظم من ذلك كله قلت قال الفخر وفي الآية وجه ثان أن الجنة التي عرضها مثل عرض السماوات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان يرغب فيما يكون ملكا له فلا بد أن تصير الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا اه وقدرة الله تعالى أوسع وفضله أعظم وفي صحيح مسلم والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في سؤال موسى ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة وأنه رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت أي رب فيقال له لك ذلك ومثله معه مثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت أي رب فيقال له لك ذلك وعشرة أمثاله فيقول رضيت أي رب فيقال له فإن لك مع هذا ما أشتهت نفسك ولذت عينك قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وفي البخاري من طريق ابن مسعود رضي الله عنه أن آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج حبوا فيقول له ربه أدخل الجنة فيقول رب الجنة ملأى فيقول له أن لك مثل الدنيا عشر مرات وفي جامع الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية الحديث قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث من غير وجه مرفوعا وموقوفا وفي الصحيح ما معناه إذا دخل أهل الجنة الجنة تبقى فيها فضلة فينشيء الله لها خلقا أو كما قال قال ع وخص العرض بالذكر لأنه يدل متى ما ذكر على الطول والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض بل قد يكون الطويل يسير العرض كالخيط ونحوه ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة بقوله الذين ينفقون في السراء والضراء وهما اليسر والعسر قاله ابن عباس إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط وسرور النفس ومع العسر الكراهية وضر النفس وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته ومنعه كظم له والكظام السير الذي يشد به فم الزق والغيظ أصل الغضب وكثيرا ما يتلازمان ولذلك فسر بعض الناس الغيظ بالغضب وليس تحرير الأمر كذلك بل الغيظ حال للنفس لا تظهر على الجوراح والغضب حال لها تظهر في الجوارح وفعل ما ولا بد ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله سبحانه إذ هو عبارة عن افعاله في المغضوب عليهم ولا يسند إليه تعالى الغيظ ووردت في كظم الغيظ وملك النفس عند الغضب أحاديث وذلك من أعظم العبادات وجهاد النفس ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من عظم غيظا وهو يقدر على انفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا إلى غير ذلك من الأحاديث قلت وروى أبو داود والترمذي عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء قال أبو عيسى هذا حديث حسن اه وفي رواية أخرى لابي داود ملأة الله أمنا وإيمانا ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه قال بشر احسبه قال تواضعا كساه الله حلة الكرامة وحدث الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن خزن لسانه ستر الله عورته ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره اه من صفوة التصوف والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير ثم قال سحبانه والله يحب المحسنين فعلم أنواع البر وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب وقوله سبحانه والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله الآية ذكر سبحانه في هذه الآية صنفا هو دون الصنف الأول فألحقهم بهم برحمته ومنه وهم التوابون وروي في سبب نزول هاتين الآيتيتن أن الصحابة رضي الله عنهم قالوا يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا حين كان المذنب منهم يصبح وعقوبته مكتوبة على باب داره فأنزل الله هذه الآية توسعة ورحمة وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل وروي أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية والفاحشة لفظ يعم جميع المعاصي وقد كثر إستعماله في الزنا حتى فسر السدي الفاحشة هنا بالزنا وقال قوم الفاحشة هنا إشارة إلى الكبائر وظلم النفس إشارة إلى الصغائر واستغفروا معناه طلبوا الغفران قال النووي وروينا في سنن ابن ماجه بإسناد جيد عن عبد الله بن بسر بضم الباء قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم طوبى لمن وجد في صحيفته اسغفارا كثيرا اه من الحلية وذكروا الله معناه بالخوف من عقابه والحياء منه إذ هو المنعم المتطول ثم اعترض اثناء الكلام قوله تعالى ومن يغفر الذنوب إلا الله اعتراضا موقفا للنفس داعيا إلى الله مرجيا في عفوه إذا رجع إليه وجاء اسم الله مرفوعا بعد الإستثناء والكلام موجب حملا على المعنى إذ هو بمعنى وما يغفر الذنوب إلا الله وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله إلى آخر الآية رواه أبو داود والترمذي والنساءي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن اه من السلاح وقوله سبحانه ولم يصروا الإصرار هو المقام على الذنب واعتقاد العودة إليه وقوله وهم يعلمون قال السدي معناه وهم يعلمون أنهم قد اذنبوا وقال ابن إسحاق معناه وهم يعلمون بما حرمت عليهم وقيل وهم يعلمون أن باب التوبة مفتوح وقيل وهم يعلمون أنى اعاقب على الإصرار ثم شرك سبحانه الطائفتين المذكورتين في قوله أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم الآية قال ص قوله ونعم المخصوص بالمدح محذوف أي المغفرة والجنة وقوله سبحانه قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض الآية الخطاب للمؤمنين والمعنى لا يذهب بكم إن ظهر الكفار المكذبون عليكم بأحد فإن العاقبة للمتقين وقديما ما أدال الله المذكبين على المؤمنين ولكن انظرو كيف هلك المذكبون بعد ذلك فكذلك تكون عاقبة هؤلاء وقال النقاش الخطاب بقد خلت للكفار قال ع وذلك قلق وخلت معناه مضت والسنن الطرائق وقال ابن زيد سنن معناه أمثال وهذا تفسير لا يخص اللفظة وقوله فانظروا هو عند الجمهور من نظر العين وقال قوم هوبالفكر وقوله تعالى هذا بيان للناس يريد به القرآن قاله الحسن وغيره وقال جماعة الإشارة بهذا إلى قوله تعالى قد خلت من قبلكم سنن وقال الفخر يعني بقوله هذا بيان ما تقدم من أمره سبحانه ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات أ ه ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن وهو الضعف وانسهم بأنهم الأعلون أصحاب العاقبة ومن كرم الخلق أن لا يهن الإنسان في حربه إذا كان محقا وإنما يحسن اللين في السلم والرضى ومنه قوله صلى الله عليه و سلم المؤمن هين لين وقوله سبحانه وأنتم الأعلون اخبار بعلو كلمة الإسلام هذا قول الجمهور وهو ظاهر اللفظ قال ص وأنتم الأعلون في موضع نصب على الحال وقوله سبحانه إن كنتم مؤمنين المقصد هز النفوس وإقامتها ويترتب من ذلك الطعن على من نجم في ذلك اليوم نفاقه أو اضطرب يقينه أي لا يتحصل الوعد إلا بالإيمان فالزموه ثم قال تعالى تسلية للمؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله والأسوة مسلاة للبشر ومنه قول الخنساء ... ولولا كثرة الباكين حولي ... على أخوانهم لقتلت نفسي ... ... وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزى النفس عنه بالتأسي والقرح القتل والجراح قاله مجاهد وغيره وقوله تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس أخبر سبحانه على جهة التسليه أن الأيام على قديم الدهر وغابره أيضا إنما جعلها دولا بين البشر أي فلا تنكروا أن يدال عليكم الكفار وقوله تعالى وليعلم الله الذين ءامنوا تقديره وليعلم الله الذين ءامنوا فعل ذلك والمعنى ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم الله ازلا أنهم يؤمنون وإلا فقد علمهم في الأزل ويتخذ منكم شهداء معناه أهل فوز في سبيله حسبما ورد في فضائل الشهداء وذهب كثير من العلماء إلى التعبير عن أدالة المؤمنين بالنصر وعن أدالة الكفار بالأدالة وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك حديث أنهم يدالون كما تنصرون والتمحيص التنقية قال الخليل التمحيص التخليص من العيب فتمحيص المؤمنين هو تنقيتهم من الذنوب والمحق الأذهاب شيئا فشيئا ومنه محاق القمر وقوله سبحانه أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين الآية حسبتم معناه ظننتم وهذه الآية وما بعدها عتب وتقريع لطوائف من المؤمنين الذين وقعت منهم الهنوات المشهورة في يوم أحد ثم خاطب الله سبحانه المؤمنين بقوله ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادرا فلم يوعب الناس معه إذ كان الظن أنه لا يلقى حربا فلما قضى الله ببدر ما قضى وفاز حاضروها بالمنزلة الرفيعة كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون حضور قتال الكفار ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر فلما جاء أمر أحد لم يصدق كل المؤمنين فعاتبهم الله بهذه الآية والزمهم تمنى الموت من حيث تمنوا أسبابه وهو لقاء العدو مضاربتهم وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من حيث هو قتل وإنما تمنى لو أحقه من الشهادة والتنعيم قلت وفي كلام ع بعض أجمال وقد ترجم البخاري تمنى الشهادة ثم أسند عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل وخرجه أيضا مسلم وخرج البخاري ومسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما من عبد يموت له عند الله عز و جل خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن الدنيا له وما فيها إلا الشهيد لما يرى رى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة اه فقد تبين لك تمنى القتل في سبيل الله بهذه النصوص لما فيه من الكرامة وصواب كلام ع أن يقول وإنما يتمنى القتل للواحقة من الشهادة والتنعيم وقوله سبحانه فقد رأيتموه يريد رأيتم أسبابه وقوله وأنتم تنظرون تأكيد للرؤية وإخراجها من الإشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين وقوله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية هذا استمرار في عتبهم وإقامة الحجة عليهم المعنى أن محمد عليه السلام رسول كسائر الرسل قد بلغ كما بلغوا ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حايته وبقاؤه بين أظهركم شرطا في ذلك لأنه يموت كما ماتت الرسل قبله ثم توعد سبحانه المنقلب على عقيبه بقوله فلن يضر الله شيئا لأن المعنى فإنما يضر نفسه وأياها يوبق ثم وعد الشاكرين وهم الذين صدقوا وصبروا ومضوا في دينهم ووفوالله بعهدهم كسعد بن الربيع ووصيته يومئذ للأنصار وأنسن بن النضر وغيرهما ثم يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة وقال علي رضي الله عنه في تفسير هذه الاية الشاكرون الثابتون على دينهم أبو بكر وأصحابه وكان يقول أبو بكر أمير الشاكرين إشارة منه إلى صدع أبي بكر بهذه الآية يوم موت النبي صلى الله عليه و سلم وثبوته في ذلك الموطن وثبوته في أمر الردة وسائر المواطن الني ظهر فيها شكره وشكر الناس بسببه ثم اخبر عز و جل عن النفوس أنها إنما تموت بأجل مكتوب محتوم عند الله تعالى أي فالجبن والخور لا يزيد في الأجل والشجاعة والإقدام لا ينقص منه وفي هذه الآية تقوية للنفوس في الجهاد وفيها رد على المعتزلة في قولهم بالآجلين وقوله سبحانه ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها الآية أي نؤت من شئنا منها ما قدر له يبين ذلك قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وقرينة الكلام تقتضي أنه لا يؤتى شيئا من الآخرة لأن من كانت نيته من عمله مقصورة على طلب الدنيا فلا نصيب له في الآخرة والأعمال بالنيات وقرينة الكلام من قوله ومن يرد ثواب الآخرة ونؤته منها لا تمنع أن يؤتى نصيبا من الدنيا قال ابن فورك في قوله تعالى وسنجزي الشاكرين إشارة إلى أنه ينعمهم بنعم الدنيا لا إنهم يقصرون على الآخرة ثم ضرب سبحانه المثل للمؤمنين بمن سلف من صالح الأمم الذين لم يثنهم عن دينهم قتل الكفار لأنبيائهم فقال وكاين من نبيء قتل معه ربيون كثير الآية وفي كأين لغات فهذه اللغة أصلها لأنها كاف التشبيه دخلت على أي وكأين في هذه الآية في موضع رفع بالابتداء وهي بمنزلة كم وبمعناها تعطي في الاغلب التكثير وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو قتل مبني لما لم يسم فاعله وقرأ الباقون قاتل فقوله قتل قال فيه جماعة من المفسرين منهم الطبري أنه مستند إلى ضمير نبيء والمعنى عدهم أن النبي قتل ونحا إليه ابن عباس وإذا كان هذا فربيون مرتفع بالظرف بلا خلاف وهو متعلق بمحذوف وليس متعلقا بقتل وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة أن قتل إنما هو مستند إلى قوله ربيون وهم المقتولون قال الحسن وابن جبير لم يقتل نبي في حرب قط قال ع فعلى هذا القول يتعلق قوله معه بقتل ورحج الطبري القول الأول بدلالة نازلة النبي صلى الله عليه و سلم وذلك أن المؤمنين إنما تخاذلوا يوم أحد لما قيل قتل محمد فضرب المثل بنبي قتل وترجيح الطبري حسن ويؤيد ذلك ما تقدم من قوله افأين مات أو قتل وحجة من قرأ قاتل أنها أعم في المدح لأنه يدخل فيها من قتل ومن بقي قال ع ويحسن عندي على هذه القراءة استناد الفعل إلى الربيين وقوله ربيون قال ابن عباس وغيره معناه جموع كثيرة وهو من الربة بكسر الراء وهي الجماعة الكثيرة وروي عن ابن عباس والحسن بن أبي المسن وغيرهما أنهم قالوا ربيون معناه علماء ويقوى هذا القول قراءة من قرأ ربيون بفتح الراء منسوبون إلى الرب أما لأنهم مطيعون له أو من حيث أنهم علماء بما شرع وقوله سبحانه وما استكانوا ذهبت طائفة من النحاة إلى أنه من السكون وذهبت طائفة إلى أنه مأخوذ من كان يكون واصلة استكونوا والمعنى أنهم لم يضعفوا ولا كانوا قريبا من ذلك قلت وأعلم رحمك الله أن أصل الوهن والضعف عن الجهاد ومكافحة العدو هو حب الدنيا وكراهية بذل النفوس لله وبذل مهجها للقتل في سبيل الله إلا ترى إلى حال الصحابة رضي الله عنهم وقلتهم في صدر الإسلام وكيف فتح الله بهم البلاد ودان لدينهم العباد لما بذلو لله أنفسهم في الجهاد وحالنا اليوم كما ترى عدد أهل الإسلام كثير ونكايتهم في الكفار نزر يسير وقد روى أبو داود في سننه عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ا ه فانظر رحمك الله فهل هذا الزمان إلا زماننا بعينه وتأمل حال ملوكنا إنما همتهم جمع المال من حرام وحلال واعراضهم عن أمر الجهاد فإنا لله وإنا اليه راجعون على مصاب الإسلام قوله تعالى وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا أغفر لنا ذنوبنا الآية هذه الآية في ذكر الربيين أي هذا كان قولهم لا ما قاله بعضكم يا أصحاب محمد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من الأقوال قلت وهذه المقالة ترجح القول الثاني في تفسير الربيين إذ هذه المقالة إنما تصدر من علماء عارفين بالله قال ع واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا أن ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر كما نزلت قصة أحد بعصيان من عصى وقولهم ذنوبنا وأسرافنا في أمرنا عبارتان عن معنى قريب بعضه من بعض جاء للتأكيد ولتعم مناحي الذنوب وكذلك فسره ابن عباس وغيره وقال الضحاك الذنوب عام والإسراف في الأمر اريد به الكبائر خاصة فأتاهم الله ثواب الدنيا بأن اظهرهم على عدوهم وحسن ثواب الآخرة الجنة بلا خلاف قال الفخر ولاشك أن ثواب الآخرة هي الجنة وذلك غير حاصل في الحال فيكون المراد أنه سبحانه لما حكم لهم بحصولها في الآخرة قام حكمه لهم بذلك مقام الحصول في الحال ومحمل قوله آتاهم أنه سيؤتيهم قيل ولا يمتنع أن تكون هذه الآية خاصة بالشهداء وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة انتهى وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يعني المنافقين الذين خيبوا المسلمين وقالوا في أمر أحد لو كان محمد نبيا لم ينهزم وقوله سبحانه بل الله مولاكم وهو خير الناصرين هذا تثبيت لهم وقوله سبحانه سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب سبب هذه الآية أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار رجع النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة فتجهز وأتبع المشركين وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي قد جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال له والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك وكانت خزاعة تميل إلى النبي صلى الله عليه و سلم ثم ركب معبد حتى لحق بأبي سفيان فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد في اصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله يتحرقون عليكم قد أجتمع معه من كان تخلف عنه وندموا على ما صنعوا قال ويلك ما تقول قال والله ما اراك أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل قال فوالله لقد اجمعنا الكرة اليهم قال فإني انهاك عن ذلك ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم شعرا قال وما قلت قال قلت ... كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد إلا بابيل ... ... تردى بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل ... ... فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برءيس غير مخذول ... إلى آخر الشعر فألقى الله الرعب في قلوب الكفار وقال صفوان بن أمية لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان فنزلت الآية في هذا الإلقاء وهي بعد متناولة كل كافر قال الفخر لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف من الرعب أما عند الحرب وأما عند المحاجة انتهى وقوله سبحانه بما اشركوا هذه باء السبب والسلطان الحجة والبرهان قال ص قوله وبيس المخصوص بالذم محذوف أي النار وقوله سبحانه ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه جاء الخطاب لجميع المؤمنين وإن كانت الأمور التي عاتبهم سبحانه عليها لم يقع فيها جميعهم ولذلك وجوه من الفصاحة منها وعظ الجميع وزجره إذ من لم يفعل معد أن يفعل أن لم يزجر ومنها الستر والإبقاء على من فعل وكان النبي صلى الله عليه و سلم قد وعد المؤمنين النصر يومئذ على خبر الله أن صبروا وجدوا فصدقهم الله وعده وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم صاف المشركين يومئذ ورتب الرماة على ما قد ذكرناه قبل هذا واشتعلت نار الحرب وابلى حمزة بن عبد المطلب وأبو دجانة وعلي وعاصم بن أبي الاقلح وغيرهم وأنهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا فهذا معنى قوله عز و جل إذ تحسونهم بإذنه والحس القتل الذريع يقال حسهم إذا استأصلهم قتلا وحس البرد النبات وقوله سبحانه حتى إذا فشلتم يحتمل أن تكون حتى غاية كأنه قال إلى أن فشلتم والأظهر الأقوى أن إذا على بابها تحتاج إلى الجواب ومذهب الخليل وسيبويه وفرسان الصناعة أن الجواب محذوف يدل عليه المعنى تقديره انهزمتم ونحوه والفشل استشعار العجز وترك الجد والتنازع هو الذي وقع بين الرماة وعصيتم عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة وتأمل رحمك الله ما يوجبه الركون إلى الدنيا وما ينشأ عنها من الضرر وإذا كان مثل هؤلاء السادة على رفعتهم وعظيم منزلتهم حصل لهم بسببها ما حصل من الفشل والهزيمة فكيف بامثالنا وقد حذر الله عز و جل ونبيه عليه السلام من الدنيا وأفاتها بما لا يخفى على ذى لب وقد ذكرنا في هذا المختصر جملة كافية لمن وفقه الله وشرح صدره وقد خرج البغوي في المسند المنتخب له عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تفتح الدنيا على أحد إلا القت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة أنتهى من الكوكب الدري وقال عليه السلام للأنصار لما تعرضوا له إذ سمعوا بقدوم أبي عبيدة بمال البحرين أبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما اهلكتهم أخرجه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له وقال هذا حديث صحيح أنتهى وأعلم رحمك الله أن تيسير أسباب الدنيا مع اعراضك عن أمر أخرتك ليس ذلك من علامات الفلاح وقد روى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا ابن لهيعة قال حدثني سعيد بن أبي سعيد أن رجلا قال يا رسول الله كيف لي أن أعلم كيف أنا قال إذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة وابتغيته يسر لك وإذا أردت شيئا من الدنيا وابتغيته عسر عليك فانت على حال حسنة وإذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة وابتغيته عسر عليك وإذا أردت شيئا من أمر الدنيا وابتغيته يسر لك فانت على حال قبيحة انتهى فتأمله راشدا وقوله من بعد ما اراكم ما تحبون يعني هزيمة المشركين قال الزبير والله لقد رأيتنى انظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فاوتينا من ادبارنا وصرخ صارخ إلا أن محمدا قد قتل وانكفأ علينا القوم وقوله سبحانه منكم من يريد الدنيا يعنى بهم الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم قاله ابن عباس وسائر المفسرين وقال عبد الله بن مسعود ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد منكم من يريد الدنيا وقوله سبحانه ومنكم من يريد الآخرة أخبار عن ثبوت من ثبت من الرماة مع عبد الله بن جبير امتثالا للامر حتى قتلوا ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل من جد ولم يضطرب من المؤمنين وقوله تعالى إذ تصعدون ولا تلوون على احد العامل في إذ قوله عفا وقراءة الجمهور تصعدون بضم التاء وسر العين من اصعد ومعناه ذهب في الأرض والصعيد وجه الأرض فاصعد معناه دخل ف يالصعيد كما أن اصبح دخل في الصباح وقوله سبحانه ولا تلوون على احد مبالغة في صفة الإنهزام وقرأ حميد بن قيس على احد بضم الألف والحاء يريد الجبل والمعني بذلك نبي الله صلى الله عليه و سلم لأنه كان على الجبل والقراءة الشهيرة اقوى لان النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن على الجبل إلا بعد ما فر الناس وهذه الحال من اصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم وروي أنه كان ينادى صلى الله عليه و سلم الي عباد الله والناس يفرون وفي قوله تعالى في أخراكم مدح له صلى الله عليه و سلم فإن ذلك هو موقف الأبطال في اعقاب الناس ومنه قول الزبير بن باطيا ما فعل مقدمتنا إذا حملنا وحاميتنا إذا فررنا وكذلك كان صلى الله عليه و سلم اشجع الناس ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر الباس اتقيناه برسول الله صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى فاثابكم معناه جازاكم على صنيعكم واختلف في معنى قوله تعالى غما بغم فقال قوم المعنى اثابكم غما بسبب الغم الذي ادخلتموه على رسول الله صلى الله عليه و سلم وسائر المسلمين بفشلك وتنازعكم وعصيانكم قال قتادة ومجاهد الغم الأول ان سمعوا إلا ان محمدا قد قتل والثاني القتل والجراح وقوله تعالى لكي لا تحزنوا على ما فاتكم أي من الغنيمة ولا ما أصابكم أي من القتل والجراح وذل الانهزام واللام من قوله لكي لا متعلقة باثابكم المعنى لتعلموا ان ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم فأنتم إذيتم انفسكم وعادة البشر ان جاني الذنب يصبر للعقوبة وأكثر قلق المعاقب وحزنه انما هو مع ظنه البراءة بنفسه ثم ذكر سبحانه امر النعاس الذى أمن به المؤمنين فغشي أهل الأخلاص قلت وفي صحيح البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال عشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم احد قال فجعل سيفى يسقط من يدى وءاخذه ويسقط وأخذه ونحوه عن الزبير وابن مسعود والواو في قوله وطائفة قد أهمتهم أنفسهم واو الحال ذهب أكثر المفسرين إلى أن اللفظة من الهم الذى هو بمعنى الغم والحزن وقوله سبحانه يظنون بالله غير الحق معناه يظنون أن دين الأسلام ليس بحق وأن أمر محمد صلى الله عليه و سلم يضمحل قلت وقد وردت أحاديث صحاح في الترغيب في حسن الظن بالله عز و جل ففي صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم حاكيا عن الله عز و جل ليقول سبحانه أنا عند ظن عبدي بي الحديث وقال ابن مسعود والله الذي لا آله غيره لا يحسن احد الظن بالله عز و جل إلا اعطاه الله ظنه وذلك أن الخير بيده وخرج أبو بر بن الخطيب بسنده عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من حسن عبادة المرء حسن ظنه ا ه وقوله ظن الجاهلية ذهب الجمهور إلى أن المراد مدة الجاهلية القديمة قبل الإسلام وهذا كقوله سبحانه حمية الجاهلية وتبرج الجاهلية وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد في هذه الآية ظن الفرقة الجاهلية وهم أبو سفيان ومن معه قال قتادة وابن جريج قيل لعبد الله ابن أبي بن سلول قتل بنو الخزرج فقال وهل لنا من الأمر من شيء يريد أن الرأي ليس لنا ولو كان لنا منه شيء لسمع من رأينا فلم يخرج فلم يقتل أحد منا وقوله سبحانه قل أن الأمر كله لله اعتراض اثناء الكلام فصيح ومضمنه الرد عليهم وقوله سبحانه يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك الآية اخبر تعالى عنهم على الجملة دون تعيين وهذه كانت سنته في المنافقين لا اله إلا هو وقوله سبحانه ويقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا هي مقالة سمعت من معتب بن قشير المفموص عليه بالنفاق وباقي الآية بين وقوله تعالى وليبتلي الله ما في صدوركم اللاء في ليبتلي متعلقة بفعل متأخر تقديره وليبتلي وليمحص فعل هذه الأمور الواقعة والابتلاء هنا الأختبار وقوله سبحانه أن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان قال عمر رضي الله عنه المراد بهذه الآية جميع من تولى ذلك اليوم عنالعدو وقيل نزلت في الذين فروا إلى المدينة قال ابن زيد فلا ادرى هل عفي عن هذه الطائفة خاصة أم عن المؤمنين جميعا وقوله تعال إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ظاهره عند جمهور المفسرين أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم بوسوسته وتخويفه والفرار من الزحف من الكبار باجماع فيما علمت وقد عده صلى الله عليه و سلم في السبع الموبقات وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لا خوانهم الآية نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثل الكفار المنافقين في هذا المعتقد الفاسد الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتل وهذا هو معتقد المعتزلة في القول بالاجلين أو نحو منه وصرح بهذه المقالة عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه قاله مجاهد وغيره والضرب في الأرض السير في التجارة وغزى جمع غاز وقوله تعالى ليجعل الله ذلك الإشارة بذلك إلى هذا المعتقد الذي جعله الله حسرة لهم لأن الذي يتيقن أن كل قتل وموت إنما هو باجل سابق يجد برد الياس والتسليم لله سبحانه على قلبه والذي يعتقد أن جميمه لو قعد في بيته لم يمت يتحسر ويتلهف وعلى هذا التأويل مشى المتأولون وهو اظهر ما في الآية والتحسر التلهف على الشيء والغم به وقوله سبحانه والله بما تعملون بصير توكيد للنهي في قوله ولا تكونوا ووعيد لمن خالفه ووعد لمن امتثله وقوله سبحانه ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم اللام في ولئن قتلتم هي المؤذنة بمجيء القسم واللام في قوله لمغفرة هي المتلقية للقسم والتقدير والله لغفرة وترتب الموت قبل القتل في قوله تعالى ما ماتوا وما قتلوا مراعاة لترتب الضرب في الأرض والغزو وقدم القتل هنا لأنه الأشرف الأهم ثم قدم الموت في قوله تعالى ولئن متم أو قتلتم لأنها أية وعظ بالأخرة والحشر وأية تزهيد في الدنيا والحياة وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة والمعنى إذا كان الحشر لا بد منه في كلا الامرين فالمضي اليه في حال شهادة اولى وعن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه رواه الجماعة إلا البخاري وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من طلب الشهادة صادقا اعطيها ولو لم تصبه انفرد به المسلم اه من سلاح المؤمن وقوله سبحانه فبما رحمة من الله لنت لهم معناه فبرحمة قال القشيري في التحبير واعلم ان الله سبحانه يحب من عبادة من يرحم خلقه ولا يرحم العبد الا إذا رحمه الله سبحانه قال الله تعالى لنبيه عليه السلام فبما رحمة من الله لنت لهم اه قال ع ومعنى هذه الآية التقريع لكل من اخل يوم احد بمركزه أي كانوا يستحقون الملام منك ولكن برحمة منه سبحانه لنت لهم وجعلك على خلق عظيم وبعثك لتتميم محاسن الاخلاق ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وتفرقوا عنك والفظ الجافى في منطقه ومقاطعه وفي صفته صلى الله عليه و سلم في الكتب المنزلة ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق والفظاظة الجفوة في المعاشرة قولا وفعلا وغلظ القلب عبارة عن تهجم الوجه وقلة الانفعال فى الرغائب وقلة الاشفاق والرحمة والا نفضاض افتراق الجموع وقوله تعالى فاعف عنهم واستغفر لهم الآية امر سبحانه نبيه عليه السلام بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ فامره ان يعفو عنهم فيما له عليهم من حق ثم يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا اهلا لللاستشارة قال ع ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا مما لا خلاف فيه وقد وردت احاديث كثيرة في الاستشارة ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحرب والبعوث ونحوه من اشخاص النوازل فأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع ما فرطنا في الكتاب من شيء والشورى مبنية على اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير فاذا ارشده الله إلى ما شاء منه عزم عليه وانفذه متوكلا على الله إذ هو غاية الاجتهاد المطلوب منه وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية وصفة المستشار في الآحكام أن يكون عالما دينا وقلما يكون ذلك إلا في عاقل فقد قال الحسن ابن أبي الحسن ما كمل دين امرىء لم يكمل عقله قال ع والتوكل على الله سبحانه وتعالى من فروض الإيمان وفصوله ولكنه مقترن بالجد في الطاعات والتشمير والحزامة بغاية الجهد وليس الالقاء باليد وما اشبهه بتوكل وإنما هو كما قال عليه السلام قيدها وتوكل وقوله تعالى أن الله يحب المتوكلين هذه غاية في الرفعة وشرف المنزلة وقد جاءت أثار صحيحة في فضل التوكل وعظيم منزلة المتوكلين ففي صحيح مسلم عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يدخل الجنة من امتى سبعون الفا بغير حساب قالوا من هم يا رسول الله قال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون وخرج أبو عيسى الترمذي عن أبي أمامة قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتى سبعين الفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل الف سبعون الفا وثلاث حثيات من حثيات ربي وخرجه ابن ماجه أيضا وخرج أبو بكر البزار وأبو عبد الله الترمذي الحكيم عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه و سلم أن الله سبحانه أعطاني سبعين الفا يدخلون الجنة بغير حساب فقال عمر يا رسول الله فهلا استزدته فأعطانى مع كل واحد من السبعين الألف سبعين الفا فقال عمر يا رسول الله فهلا استزدته فقال قد استزدته فاعطانى هكذا وفتح أبو وهب يديه قال أبو وهب قال هشام هذا من الله لا يدرى ما عدده وخرج ابو نعيم عن انس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال وعدنى ربي أن يدخل الجنة من امتى مائة الف فقال أبو بكر يا رسول الله زدنا قال وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده فقال أبو بكر يا رسول الله زدنا فقال عمر أن الله عز و جل قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة فقال النبي صلى الله عليه و سلم صدق اه من التذكر ة وما وقع من ذكر الحثية والحفنة ليس هو على ظاهره فالله سبحانه منزه عن صفات الاجسام وقوله تعالى وأن يخذلكم أي يترككم والخذل الترك والضمير في من بعده يعود على اسم الله ويحتمل على الخذل وقوله تعالى وما كان لنبيء أن يغل قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم أن يغل بفتح الياء وضم الغين وقرأ باقى السبعة أن يغل بضم الياء وفتح الغين واللفظة بمعنى الخيانة في خفاء تقول العرب اغل الرجل يغل اغلا لا إذ خان واختلف على القراءة الاولى فقال ابن عباس وغيره نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه و سلم اخذها فقيل كانت هذه المقالة من مؤمن لم يظن في ذلك حرجا وقيل كانت من منافقين وقد روي أن المفقود إنما كان سيفا قال النقاش ويقال إنما نزلت لأن الرماة قالوا يوم احد الفنيمة الغنيمة فإنا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه و سلم من اخذ شيئا فهو له وقال ابن اسحاق الآية إنما انزلت اعلاما بان النبي صلى الله عليه و سلم لم يكتم شيئا مما امر بتبليغه واما على القراءة الثانية فمعناها عند الجمهور أي ليس لأحد أن يغل النبي أي يخونه في الغنيمة لأن المعاصي تعظم بحضرته لتعيين توقيره قال ابن العربي في احكامه وهذا القول هو الصحيح وذلك أن قوما غلوا من الفنائم أو هموا فانزل الله تعالى الآية فنهاهم الله عن ذلك رواه الترمذي اه وقوله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة الآية وعيد لمن يغل من الغنيمة أو في زكاته بالفضيحة يوم القيامة على رؤس الاشهاد قال القرطبي في تذكرته قال علماؤنا رحمهم الله في قوله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة أن ذلك على الحقيقة كما بينه صلى الله عليه و سلم أي يأتى به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومروعا بصوته وموبخا بإظهار خيانته اه وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال أدوا الخائط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة رواه مالك في الموطأ قال أبو عمر في التمهيد الشنار لفظة جامعة لمعنى العار والنار ومعناها الشين والنار يريد أن الغلول شين وعار ومنقصة في الدنيا وعذاب في الآخرة اه وفي الباب احاديث صحيحة في الغلول وفي منع الزكاة وقوله سبحانه افمن اتبع رضوان الله أي الطاعة الكفيلة برضوان الله قال ص افمن استفهام معناه النفي أي ليس من اتبع ما يؤل به إلى رضي الله تعالى عنه فباء برضاه كمن لم يتبع لذلك فباء بسخطه اه وقوله سبحانه هم درجات عند الله قال ابن إسحاق وغيره المراد بذلك الجمعان المذكوران اهل الرضوان واصحاب السخط أي لكل صنف منهم تباين في نفسه في منازل الجنة وفي اطباق النار أيضا وقال مجاهد والسدي ما ظاهره ان المراد بقوله هم إنما هو لمتبعى الرضوان أي لهم درجات كريمة عند ربهم وفي الكلام حذف تقديره هم ذوو درجات والدرجات المنازل بعضها اعلى من بعض في المسافة او في التكرمة او في العذاب وباقي الآية وعد ووعيد وقوله تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم الآية اللام في لقد لام القسم ومن في هذه الآية معناه تطول وتفضل سبحانه وقد يقال من بمعنى كدر معروفه بالذكر فهي لفظة مشتركة وقوله من أنفسهم أي في الجنس والسان والمجاورة فكونه من الجنس يوجب الأنس به وكونه بلسانهم يوجب حسن التفهيم وكونه جارا وربيا يوجب التصديق والطمأنينة إذ قد خبروه وعرفوا صدقه وأمانته ثم وقف الله سبحانه المؤمنين على الخطأ في قلقهم للمصيبة التي نزلت بهم وإعراضهم عما نزل بالكفار فقال أو لما اصابتكم مصيبة أي يوم احد قد اصبتم مثليها أي يوم بدر إذ قتل من الكفار سبعون وأسر سبعون هذا تفسير ابن عباس والجمهور وقال الزجاج واحد المثلين هو قتل السبعين يوم بدر والثاني هو قتل اثنين وعشرين يوم احد ولا مدخل للإسرى لأنهم قد فدوا وانى معناها كيف ومن اين قل هو من عند انفسكم أي حين خالفتم النبي صلى الله عليه و سلم في الرأي حين رأى ان يقيم بالمدينة ويترك الكفار بشر محبس فأبيتم إلا الخروج وهذا هو تأويل الجمهور وقالت طائفة هو من عند أنفسكم إشارة إلى عصيان الرماةوتسبيبهم الهزيمة على المؤمنين وقال علي والحسن بل ذلك لما قبلوا الفداء يوم بدر وذلك أن الله سبحانه أخبرهم على لسان نبيه بين قتل الاسرى أو يأخذوا الفداء على ان يقتل منهم عدة الإسرى فاختاروا أخد الفداء ورضوا بالشهادة فقتل منهم يوم احد سبعون قلت وهذا الحديث رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أحمد بن نصر الداودي وعن الضحاك أني هذا أي باي ذنب هذا قال ابن عباس قل هو من عند أنفسكم عقوبة لمعصيتكم لنبيكم عليه السلام اه وقوله سبحانه وما اصابكم يوم التقى الجمعان يعنى يوم احد وقوله سبحانه وليعلم المؤمنين أي ليعلم الله المؤمن من النافق والإشارة بقوله سبحانه نافقوا وقيل لهم هي إلى عبد الله بن أبي واصحابه حين انخزل بنحو ثلث الناس فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله فقال لهم اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ونحو هذا من القول فقال له ابن أبي ما أرى أن يكون قتالا ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم فلما يئس منهم عبد الله قال اذهبوا اعداء الله فسيغنى الله رسوله عنكم ومضى مع النبي صلى الله عليه و سلم فأستشهد وقوله تعالى أو ادفعوا قال ابن جريج وغيره معناه كثروا السواد وأن لم تقاتلوا فيندفع القوم لكثرتكم وذهب بعض المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو أ وادفعوا استدعاء للقتال حمية إذ ليسوا بأهل للقتال في سبيل الله والمعنى قاتلوا في سبيل الله أو قاتلوا دفاعا عن الحوزة إلا ترى أن قزمان قال في ذلك اليوم والله ما قاتلت إلا على احساب قومي وقول الأنصاري يومئذ لما أرسلت قريش الظهر في الزروع اترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب وقوله تعالى الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو اطاعونا ما قتلوا الذين بدل من الذين المتقدم لاخوانهم أي لاجل اخوانهم أو في شأن اخوانهم المقتولين ويحتمل أن يريد لا خوانهم الأحياء من المنافقين ويكون الضمير في اطاعونا للمقتولين وقعدوا جملة في موضع الحال معترضة اثناء الكلام وقولهم لو اطاعونا يريدون في ان لا يخرجوا وباقى الآية بين ثم اخبر سبحانه عن الشهداء انهم في الجنة احياء يرزقون وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أن الله يطلع على الشهداء فيقول يا عبادى ما تشتهون فازيدكم فيقولون يا ربنا لا فوق ما اعطيتنا هذه الجنة ناكل منها حيث نشاء لكنا نريد أن تردنا إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة اخرى فيقول سبحانه قد سبق انكم لا تردون والاحاديث في فضل الشهداء كثيرة قال الفخر والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التواتر ثم قال قال بعض المفسرين أرواح الشهداء احياء وهي تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة والعقيدة إن الارواح كلها احياء لا فرق بين الشهداء وغيرهم في ذلك إلا ما خصص الله به الشهداء من زيادة المزية والحياة التي ليست بمكيفة وفي صحيح مسلم عن مسروق قال سألنا ابن مسعود عن هذه الآية ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فقال أما أنا فقد سألت عن ذلك فقال يعني النبي صلى الله عليه و سلم أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تاوى إلى تلك القناديل الحديث إلى أخره ومن الآثار الصحيحة الدالة على فضل الشهداء ما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمرو ابن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما مما يلى السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم احد فحفر عنهما لغيرا من مكانهما فوجدا لم يغيرا كأنما ماتا بالأمس وكان احدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فاميطت يده عن جرحه ثم ارسلت فرجعت كما كانت وكان بين احد وبين يوم حفر عنهما ست واربعون سنة قال أبو عمر في التمهيد حديث مالك هذا يتصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب وعبدالله بن عمرو هذا هو والد جابر بن عبدالله وعمرو بن الجموح هو ابن عمه ثم اسند أبو عمر عن جابر بن عبد الله قال لما اراد معاوية أن يجري العين باحد نودي بالمدينة من كان له قتيل فليات قتيله قال جابر فاتيناهم فاخرجناهم رطابا يتثنون فأصابت المسحاة اصبع رجل منهم فانفطرت دما قال أبو سعيد الخدري لا ينكر بعد هذا منكر ابدا وفي رواية فاستخرجهم يعني معاوية بعد ست وأربعين سنة لينة اجسادهم تتثنى اطرافهم قال أبو عمر الذي أصابت المسحاة أصبعه هو حمزة رضي الله عنه ثم اسند عن جابر قال رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نوم حتى إذا اصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فانثعبت دما وقوله سبحانه ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم الآية معناه يسرون ويفرحون وذهب قتادة وغيره إلىأن استبشارهم هو أنهم يقولون اخواننا الذين تركناهم خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نلنا نحن فيسرون لهم بذلك إذ يحصلون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وذهب فريق من العلماء إلىأن الإشارة في قوله بالذين لم يلحقوا إلى جميع المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم في فضل الشهادة وذلك لما عاينوا من ثواب الله فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله ومستبشرون للمؤمنين أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ثم أكد سبحانه استبشارهم بقوله يستبشرون بنعمة ثم بين سبحانه بقوله وفضل أن ادخاله إياهم الجنة هو بفضل منه لا بعمل أحد وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر انها على قدر الأعمال قلت وخرج أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب صاحب ابن المبارك في رقائقه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاصى أن الشهداء في قباب من حرير في رياض خضر عندهم حوت وثور يظل الحوت يسبح في انهار الجنة يأكل من كل رائحة في أنهار الجنة فإذا امسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه فيأكلون لحمه يجدون في لحمة طعم كل رائحة ويبيت الثور في افناء الجنة فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه فيذكيه فيأكلون فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة ويدعون الله عز و جل أن تقوم الساعة الحديث مختصرا وقد ذكره صاحب التذكرة مطولا وقرأ الكساءي وأن الله بكسر الهمزة على استيناف الأخبار وقرأ باقي السبعة بالفتح على أن ذلك داخل فيما يستبشر به وقوله الذين استجابوا يحتمل أن يكون صفة للمؤمنين على قراءة من كسر الألف من أن والأظهر أن الذين ابتداء وخبره في قوله للذين احسنوا منهم الآية والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه و سلم إلى حمراء الأسد في طلب قريش وقوله سبحانه الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم الآية الذين صفة للمحسنين وهذا القول هو الذي قاله الركب من عبد القيس لرسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه حين حملهم أبو سفيان ذلك فالناس الأول هم الركب والناس الثاني عسكر قريش هذا قول الجمهور وهو الصواب وقول من قال إن الآية نزلت في خروج النبي صلى الله عليه و سلم إلى بدر الصغرى لمعياد أبي سفيان وأن الناس هنا هو نعيم بن مسعود قول ضعيف وعن أبن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه و سلم حين قالوا ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل رواه مسلم والبخاري انتهى وقوله سبحانه إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه الآية إشارة إلى جميع ما جرى من إخبار الركب عن رسالة أبي سفيان ومن جزع من جزع من الخبر وقرأ الجمهور يخوف أولياءه قال قوم معناه يخوف المنافقين ومن في قلبه مرض وحكى أبو الفتح بن جني عن ابن عباس أنه قرأ يخوفكم أولياءه فهذه قراءة ظهر فيها المفعولان وهي مفسرة لقراءة الجماعة وفي قراءة أبي ابن كعب يخوفكم بأوليائه وفي كتاب القصد إلى الله تعالى للمحاسبي قال وكلما عظمت هيبة الله عز و جل في صدقور الأولياء لم يهابوا معه غيره حياء منه عز و جل أن يخافوا معه سواه انتهى وقوله سبحانه ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر المسارعة في الكفر هي المباردة إلى أقواله وأفعاله والجد في ذلك وسلى الله تعالى نبيه عليه السلام بهذه الآية عن حال المنافقين والمجاهرين إذ كلهم مسارع وقوله تعالى انهم لن يضروا الله شيئا خبر في ضمنه وعيد لهم أي وإنما يضرون أنفسهم والحظ إذا أطلق فإنما يستعمل في الخير وقوله سبحانه ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرا لأنفسهم نملي معناه نمهل ونمد في العمر والمعنى لا تحسبن أملاءنا للذين كفروا خيرا لهم فالآية رد على الكفار في قولهم إن كوننا ممولين أصحة دليل على رضى الله بحالتنا وقوله تعالى ما كان الله ليذر أي ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين مشكلا أمرهم حتىيميز بعضهم من بعض بما يظهره من هؤلاء وهؤلاء في أحد من الأفعال والأقوال هذا تفسر مجاهد وغيره وقوله وما كان الله ليطلعكم على الغيب أي في أمر أحد وما كان من الهزيمة وأيضا فما كان الله ليطلعكم على المنافقين تصريحا وتسمية لهم ولكن بقرائن أفعالهم وأقوالهم قال الفخر وذلك أن سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه أي لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بإمتحانات كما تقدم فأما معرفة ذلك على سبيل الإطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء فلهذا قال تعالى ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء انتهى وقال الزجاج وغيره روي أن بعض الكفار قال لم لا يكون جميعنا أنبياء فنزلت هذه الآية ويجتبي معناه يختار ويصطفي وقوله سبحانه ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتاهم الله من فضله الآية قال السدي وجماعة من المتأولين الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله واداء الزكاة المفروضة ونحو ذلك قال ومعنى سيطوقون ما بخلوا به هو الذي ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل عنده فيبخل عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه قلت وفي البخاري وغيره عنه صلى الله عليه و سلم قال من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتاهم الله من فضله الآية قلت وأعلم أنه قد وردت آثار صحيحة بتعذيب العصاة بنوع ما عصوا به كحديث من قتل نفسه بحديدة فهو يجأ نفسه بحديدته في نار جهنم والذي قتل نفسه بالسم فهو يتحساه في نار جهنم ونحو ذلك قال الغزالي في الجواهر وأعلم أن المعاني في عالم الآخرة تستتبع الصور ولا تتبعها فيتمثل كل شيء بصورة توازي معناه فيحشر المتكبرون في صور الذر يطأهم من أقبل وأدبر والمتواضعون أعزاء انتهى وهو كلام صحيح يشهد له صحيح الآثار ويؤيده النظر والإعتبار اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه قال ابن العربي في أحكامه قال علماؤنا البخل منع الواجب والشح منع المستحب والصحيح المختار أن هذه الآية في الزكاة الواجبة لأن هذا وعيد لمانعيها والوعيد إذا اقترن بالفعل المأمور به أو المنهي عنه اقتضى الوجوب أو التحريم انتهى وتعميمها في جميع انواع الواجب أحسن وقوله سبحانه ولله ميراث السموات والأرض خطاب على ما يفهمه البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلا الله سبحانه وقوله سبحانه لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء الآية نزلت بسبب فنحاص اليهودي وأشباهه كحيي بن أخطب وغيره لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قالوا يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني وهذا من تحريف اليهود للتأويل على نحو ما صنعوا في توراتهم وقوله تعالى قول الذين قالوا دال على أنهم جماعة وقوله تعالى سنكتب ما قالوا الآية وعيد لهم أي سنحصي عليهم قولهم ويتصل ذلك بفعل آبائهم من قتل الأنبياء بغير حق وقوله سبحانه وأن الله أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد قال ص قيل المراد هنا نفي القليل والكثير من الظلم كقول طرفة ... ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد ... ولا يريد أنه قد يحل التلاع قليلا وزاد أبو البقاء وجها آخر وهو أن يكون علىالنسب أي لا ينسب سبحانه إلى ظلم فيكون من باب بزاز وعطار انتهى قلت وهذا القول أحسن ما قيل هنا فمعنى وما ربك بظلام أي بذي ظلم وقوله سبحانه الذين قالوا إن الله عهد إلينا الآية هذه المقالة قالتها أحبار اليهود مدافعة لأمر النبي صلى الله عليه و سلم والمعنى أنك لم تأتنا بقربان تأكله النار فنحن قد عهد إلينا ألا نؤمن لك وقوله تعالى قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم من أمر القربان والمعنى أن هذا منكم تعلل وتعنت ولو أتيتكم بقربان لتعللتم بغير ذلك ثم أنس سبحانه نبيه بالأسوة والقدره فيمن تقدم من الأنبياء قال الفخر والمراد بالبينات المعجزات انتهى والزبر الكتاب المكتوب قال الزجاج زبرت كتبت وقوله سبحانه كل نفس ذائقة الموت الآية وعظ فيه تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم ولأمته عن أمر الدنيا وأهلها ووعد بالفلاح في الآخرة فبالفكرة في الموت يهون أمر الكفار وتكذيبهم وإنما توفون أجوركم أي على الكمال ولا محالة أن يوم القيامة تقع فيه توفية الأجور وتوفية العقوبات وزحزح معناه أبعد والمكان الزحزاح البعيد وفاز معناه نجا من خطره وخوفه والغرور الخدع والترجية بالباطل والحياة الدنيا ولك ما فيها من الأموال هي متاع قليل يخدع المرء ويمنيه الأباطيل وعلى هذا فسر الآية جمهور المفسرين وقال النبي صلى الله عليه و سلم لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم تلا هذه الآية فلت وأسند أبو بكر بن الخطيب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما سكن حب الدنيا قلب عبد قط إلا إلتاط منها بخصال ثلاث أمل لا يبلغ منتهاه وفقر لا يدرك غناه وشغل لا ينفك عناه انتهى وقوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وأمته والمعنى لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء وبالإنفاق في سبيل الله وفي سائر تكاليف الشرع والإبتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحبة قال الفخر قال الواحدي اللام في لتبلون لام قسم انتهى وقوله ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب الآية قال عكرمة وغيره السبب في نزولها أقوال فنحاص وقال الزهري وغيره نزلت بسبب كعب بن الأشرف حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم من قتله والأذى أسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه من سب وأقوالهم في جهة الله سبحانه وأنبيائه وندب سبحانه إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور أي من أشدها وأحسنها والعزم إمضاء الأمر المروي المنقح وليس ركوب الرأي دون رؤية عزما وقوله سبحانه وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية توبيخ لمعاصري النبي صلى الله عليه و سلم ثم هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم قال جمهور من العلماء الآية عامة في كل من علمه الله علما وعلماء هذه الأمة داخلون في هذا الميثاق وقد قال صلى الله عليه و سلم من سئل عن علم فكتمه الجمه الله بلجام من نار والضمير في لتبيننه ولا تكتمونه عائد على الكتاب والنبذ الطرح وأظهر الأقوال في هذه الآية أنها نزلت في اليهود وهم المعنيون ثم كل كاتم من هذه الأمة يأخذ بحظه من هذه المذمة وقوله سبحانه لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية ذهب جماعة إلى أن الآية في المنافقين وقالت جماعة كبيرة إنما نزلت في أهل الكتاب أحبار اليهود قال سعيد بن جبير الآية في الهيود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم من النبوءة والكتاب فهم يقولون نحن على طريقهم ويحبون أن يحمدوا بذلك وهم ليسوا على طريقهم وقراءة سعيد بن جبير بما أوتوا بمعنى أعطوا بضم الهمزة والطاء وعلى قراءته يستقيم المعنى الذي قال والمفازة مفعلة من فاز يفوز إذا نجا وباقي الآية بين ثم دل سبحانه على مواضع النظر والعبرة فقال إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار أي تعاقب الليل والنهار إذ جعلهما سبحانه خلفة ويدخل تحت اختلافهما قصر أحدهما وطول الآخر وبالعكس واختلافهما بالنور والظلام والآيات العلامات الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته سبحانه قال الفخر وأعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الإشتغال بالخلق والإستغراق في معرفة الحق فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إثارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء والجلال وذكر الأدعية فختم بهذه الآيات بنحو ما فى سورة البقرة انتهى وقوله سبحانه الذين يذكرون الله قياما وقعودا الذين في موضع خفض صفة لأولى الألباب وهذا وصف ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله وأن يحضر القلب اللسان وذلك من أعظم وجوه العبادات والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة وابن آدم متنقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه وكذلك جرت عائشة رضي الله عنها إلى حصر الزمن في قولها كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه قلت خرجه أبو داود فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغيره وذهب جماعة إلى أن قوله تعالى الذين يذكرون الله إنما هو عبارة عن الصلاة أي لا يضيعونها ففي حال العذر يصلونها قعودا وعلى جنوبهم ثم عطف على هذه العبادة التي هي ذكر الله باللسان أو الصلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمة وهي الفكرة في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعبر التي بث ... وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ... قال الغزالي ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة الله وتحصيل الإنس بذكر الله تعالى والإنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر انتهى من الأحياء ومر النبي صلى الله عليه و سلم على قوم يتفكرون في الله فقال تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره قال ع وهذا هو قصد الآية في قوله ويتفكرون في خلق السموات والأرض وقال بعض العلماء المتفكر في ذات الله كالناظر في عين الشمس لأنه سبحانه ليس كمثله شيء وإنما التفكر وانبساط الذهن في المخلوقات وفي أحوال الآخرة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا عبادة كتفكر وقال ابن عباس وأبو الدرداء فكرة ساعة خير من قيام ليلة وقال سري السقطي فكرة ساعة خير من عبادة سنة ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الآخرة وقال الحسن بن أبي الحسن الفكرة مرءاة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته وأخذ أبو سليمان الداراني قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام كذلك مفكرا حتى طلع الفجرفقال له ما هذا يا أبا سليمان فقال إني لما طرحت إصبعي في أذن القدح تذكرت قول الله سبحانه إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل فتفكرت في حالي وكيف أتلقى الغل أن طرح في عنقي يوم القيامة فما زلت في ذلك حتى أصبح قال ع وهذه نهاية الخوف وخير الأمور أوسطها وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسوله لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا لكن يحسن أن لا تخلوا البلاد من مثل هذا قال ع وحدثني أبي رحمه الله عن بعض علماء المشرق قال كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد أضطجع في كساء له حتى أصبح وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا فلماأقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس فاستعظمت جرءته في الصلاة بغير وضوء فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظمه فلما دنوت منه سمعته وهو ينشد ... منسجن الجسم غائب حاضر ... منتبه القلب صامت ذاكر ... ... منبسط في الغيوب منقبض ... كذاك من كان عارفا ناكر ... يبيت في ليلة أخا فكر ... فهو مدى الليل نائم ساهر ... قال فعلمت أنه ممن يعبد الله بالفكرة فانصرفت عنه قال الفخر ودلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر انتهى وفي العتبية قال مالك قيل لأم الدرداء ماكان أكثر شأن أبي الدرداء قالت كان أكثر شأنه التفكر قال مالك وهو من الأعمال وهو اليقين قال الله عز و جل ويتفكرون في خلق السموات والأرض قال ابن رشد والتفكر من الأعمال كما قاله مالك رحمه الله وهو من أشرف الأعمال لأنه من أعمال القلوب التي هي أشرف الجوارح ألا ترى انه لا يثاب أحد على عمل من أعمال الجوارح من سائر الطاعات إلا مع مشاركة القلوب لها بإخلاص النية لله عز و جل في فعلها انتهى من البيان والتحصيل قال ابن بطال أن الإنسان إذا كمل إيمانه وكثر تفكره كان الغالب عليه الإشفاق والخوف انتهى قال ابن عطاء الله الفكرة سير القلب في ميادين الإعتبار والفكر سراج القلب فإذا ذهبت فلا إضاءة له قلت قال بعض المحققين وذلك أن الإنسان إذا تفكر علم وإذا علم عمل قال ابن عباد قال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله التفكر نعت كل طالب وثمرته الوصول بشرط العلم ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكر زهدا وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه وفكر العارفين في الآلاء والنعماء فيزدادون محبة للحق سبحانه انتهى وقوله تعالى ربنا ماخلقت هذا باطلا أي يقولون يا ربنا على النداء ما خلقت هذا باطلا يريد لغير غاية منصوبة بل خلقته وخلقت البشر لينظروا فيه فيوحدوك ويعبدوك فمن فعل ذلك نعمته ومن ضل عن ذلك عذبته وقولهم سبحانك أي تنزيها لك عما يقول المبطلون وقولهم ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أي فلا تفعل ذلك بنا والخزي الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء قال أنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وابن جريج وغيرهم هذه إشارة إلى من يخلد في النار وأما من يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي أي وما أصابه من عذابها إنما هو تمحيص لذنوبه وقوله سبحانه وما للظالمين من أنصار هو من قول الداعين وقوله سبحانه ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان الآية حكاية عن أولى الألباب قال أبو الدرداء يرحم الله المؤمنين ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم قال ابن جريج وغيره المنادى محمد صلى الله عليه و سلم وقال محمد بن كعب القرظي المنادى كتاب الله وليس كلهم رأى النبي ص - وسمعه وقولهم ما وعدتنا على رسلك معناه على ألسنة رسلك وقولهم ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف المعياد إشارة إلى قوله تعالى يوم لا يخزي الله النبيء والذين ءامنوا معه فهذا وعده تعالى وهو دال على أن الخزي إنما هو مع الخلود قال ص قال أبو البقاء الميعاد مصدر بمعنى الوعد اه وقوله سبحانه فاستجاب لهم ربهم اني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى الآية استجاب بمعنى أجاب روي أن أم سلمة رضي الله عنها قالت يا رسول الله قد ذكر الله تعالى الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء من ذلك فنزلت الآية وهي آية وعد من الله أي هذا فعله سبحانه مع الذين يتصفون بما ذكر قال الفخر روي عن جعفر الصادق أنه قال من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ هذه الآية قال لأن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ربنا خمس مرات ثم أخبر أنه استجاب لهم انتهى وقوله تعالى بعضكم من بعض يعني في الأجر وتقبل الأعمال أي أن الرجال والنساء في ذلك على حد واحد قال الفخر قوله سبحانه بعضكم من بعض أي شبه بعض أو مثل بعض والمعنى أنه لا تفاوت في الثواب بين الذكر والأنثى إذا استووا في الطاعة وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين إنما هو بالأعمال لا بسر صفات العاملين لأن كونهم ذكرا أو أنثى أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب انتهى وبين سبحانه حال المهاجرين ثم الآية بعد تنسحب على كل من أوذي في الله وهاجر أيضا إلى الله إلى يوم القيامة وقوله سبحانه وأخرجوا من ديارهم عبارة فيها إلزام الذنب للكفار واللام في قوله لاكفرن لام القسم وثوابا مصدر مؤكد وباقي الآية بين وقوله سبحانه لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاء الآية نزلت لا يغرنك في هذه الآية منزلة لا تظن أن حال الكفار حسنة والخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد أمته والتقلب التصرف في التجارات والأرباح والحروب وسائر الآمال وقوله نزلا معناه تكرمة وقوله تعالى وما عند الله خير للأبرار يحتمل أن يريد خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم ويحتمل أن يريد خير مما هم فيه في الدنيا وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر قال القاضي ابن الطيب هذا بالإضافة إلى ما يصير إليه كل واحد منهما في الآخرة وقيل المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تعبه في الطاعة وقوله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله قال جابر بن عبد الله وغيره هذه الآية نزلت بسبب أصحمة النجاشي سلطان الحبشة آمن بالله وبمحمد عليه السلام واصحمة تفسيره بالعربية عطية قاله سفيان وغيره وقال قوم نزلت في عبد الله بن سلام وقال ابن زيد ومجاهد نزلت في جميع من آمن من أهل الكتاب وقوله سبحانه لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا مدح لهم وذم لسائر كفار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسب الدنيا على آخرتهم وعلى آيات الله سبحانه ثم ختم الله سبحانه السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة فحض سبحانه على الصبر على الطاعات وعن الشهوات وأمر بالمصابرة فقيل معناه مصابرة الأعداء قاله زيد بن أسلم وقيل معناه مصابرة وعد الله في النصر قاله محمد بن كعب القرظي أي لا تسأموا وانتظروا الفرج وقد قال صلى الله عليه و سلم انتظار الفرج بالصبر عبادة قال الفخر والمصابرة عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بين الإنسان وبين الغير انتهى وقوله ورابطوا معناه عند الجمهور رابطوا أعداءكم الخيل أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم قلت وروى مسلم في صحيحه عن سلمان قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان وخرج الترمذي عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وخرجه أبو داود بمعناه وقال ويؤمن من فتاني القبر وخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من مات مرابطا في سبيل الله أجرى الله عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان ويبعثه الله آمنا من الفزع وروي مسلم والبخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها انتهى وجاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة يطول ذكرها قال صاحب التذكرة وروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لرباط في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا أراه قال من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها الحديث ذكره القرطبي مسندا انتهى والرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا فارسا كان أو راجلا واللفظة مأخوذة من الربط قلت قال الشيخ زين الدين العراقي في اختصاره لغريب القرآن لأبي حيان معنى رابطوا دوموا واثبتوا ومتى ذكرت العراقي فمرادى هذا الشيخ انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه أن هذه الآية اصبروا وصابروا ورابطوا إنما نزلت في انتظار الصلاة خلف الصلاة قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن قال ولم يكن يومئذ عدو يرابط فيه انتهى وقوله سبحانه لعلكم تفلحون ترج في حق البشر والحمد لله حق حمده بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح وهي ان الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها الآية وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم تعنى قد بنى بها قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الآية في الآية تنبيه على الصانع وعلى افتتاح الوجود وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب والمراد بالنفس آدم صلى الله عليه و سلم وقال واحدة على تأنيث لفظ النفس وزوجها يعني حواء قال ابن عباس وغيره خلق الله آدم وحشا في الجنة وحده ثم نام فانتزع الله إحدى أضلاعه القصيرى من شماله وقيل من يمينه فخلق منها حواء ويعضد هذا الحديث الصحيح في قوله صلى الله عليه و سلم أن المرأة خلقت من ضلع أعوج الحديث وبث معناه نشر كقوله تعالى كالفراش المبثوث أي المنتشر وفي تكرير الأمر بالتقوى تأكيد لنفوس المأمورين وتساءلون معناه تتعاطفون به فيقول أحدكم أسألك بالله وقوله والأرحام أي واتقوا الأرحام وقرأ حمزة والأرحام بالخفض عطفا على الضمير كقولهم أسألك بالله وبالرحم قاله مجاهد وغيره قال ع وهذه القراءة عند نحاة البصرة لا تجوز لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض إلا في ضرورة الشعر كقوله فاذهب فما بك والأيام من عجب لأن الضمير المخفوض ينفصل فهو كحرف من الكلمة ولا يعطف على حرف واستسهل بعض النحاة هذه القراءة انتهى كلام ع قال ص والصحيح جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار كمذهب الكوفيين ولا ترد القراءة المتواترة بمثل مذهب البصريين قال وقد أمعنا الكلام عليه في قوله تعالى وكفر به والمسجد الحرام انتهى وهو حسن ونحوه للامام الفخر وفى قوله تعالى إن الله كان عليكم رقيبا ضرب من الوعيد قال المحاسبي سألت أبا جعفر محمد بن موسى فقلت أجمل حالات العارفين ما هي فقال ان الحال التي تجمع لك الحالات المحمودة كلها في حالة واحدة هي المراقبة فالزم نفسك وقلبك دوام العلم بنظر الله إليك في حركتك وسكونك وجميع أحوالك فإنك بعين الله عز و جل في جميع تقلباتك وإنك في قبضته حيث كنت وإن عين الله على قلبك وناظر إلى سرك وعلانيتك فهذه الصفة يا فتى بحر ليس له شط بحر تجري منه السواقي والأنهار وتسير فيه السفن إلى معادن الغنيمة انتهى من كتاب القصد إلى الله سبحانه وقوله سبحانه وءاتوا اليتامى أموالهم الآية قال ابن زيد هذه مخاطبة لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد وقالت طائفة هذه مخاطبة للأوصياء قال ابن العربي وذلك عند الابتلاء والإرشاد انتهى وقوله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب قال ابن المسيب وغيره هو ما كان يفعله بعضهم من ابدال الشاة السمينة من مال اليتم بالهزيلة من ماله والدرهم الطيب بالزائف وقيل المراد لا تأكلوا اموالهم خبيثا وتدعوا اموالكم طيبا وقيل غير هذا والطيب هنا الحلال والخبيث الحرام وقوله إلى أموالكم التقدير ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل والضمير في أنه عائد على الأكل والحوب الإثم قاله ابن عباس وغيره وتحوب الرجل إذا القى الحوب عن نفسه وكذلك تحنث وتأثم وتحرج فإن هذه الأربعة بخلاف تفعل كله لأن تفعل معناه الدخول في الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعة تفكهون في قوله تعالى لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وقوله تعالى كبيرا نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر وقوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى الآية قال أبو عبيدة خفتم هاهنا بمعنى أيقنتم قال ع وما قاله غير صحيح ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال التوقع إلا أنه قد يميل فيه الظن إلى احدى الجهتين قلت وكذا رد الداودي على أبي عبيدة ولفظه وعن أبي عبيدة فإن خفتم ألا تعدلوا مجازه أيقنتم قال أبو جعفر بل هو على ظاهر الكلمة انتهى وتقسطوا معناه تعدلوا قال أقسط الرجل إذا عدل وقسط إذا جار قالت عائشة رضي الله عنها نزلت هذه الآية في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولا يتهم عليهن فقيل لهم اقسطوا في مهورهن فمن خاف ألا يقسط فليتزوج ما طاب له من الاجنبيات اللواتي يكايسن في حقوقهن وقاله ربيعة قال الحسن وغيره ما طاب معناه ما حل وقيل ما ظرفية أي ما دمتم تستحسنون النكاح وضعف قلت وفي تضعيفه نظر فتأمله قال الإمام الفخر وفي تفسير ما طاب بما حل نظر وذلك أن قوله تعالى فانكحوا أمر اباحة فلو كان المراد بقوله ما طاب لكم أي ما حل لكم لتنزلت الآية منزلة ما يقال ابحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم وذلك يخرج الآية عن الفائدة ويصيرها مجملة لا محالة أما إذا حملنا طاب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وقد ثبت في أصول الفقه أنه إذا وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى لان العام المخصص حجة في غير محل التخصيص والمجمل لا يكون حجة اصلا انتهى وهو حسن ومثنى وثلاث ورباع موضعها من الاعراب نصب على البدل من ما طاب وهي نكرات لا تنصرف لانها معدولة وصفة وقوله فواحدة اي فانكحوا واحدة او ما ملكت ايمانكم يريد به الاماء والمعنى ان خاف ان لا يعدل فى عشرة واحدة فما ملكت يمينه واسند الملك إلى اليمين اذ هي صفة مدح واليمين مخصوصة بالمحاسن إلا ترى إنها المنفقة كما قال عليه السلام حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وهي المعاهدة المبايعة قال ابن العربي قال علماؤنا وفي الآية دليل على أن ملك اليمين لا حق له في الوطء والقسم لان المعنى فإن خفتم ألا تعدلوا في القسم فواحدة أو ما ملكت أيمانكم فجعل سبحانه ملك اليمين كله بمنزلة الواحدة فانتفى بذلك أن يكون للامة حق في وطء أو قسم انتهى من الاحكام وقوله ذلك ادنى ألا تعولوا ادنى معناه اقرب ألا تعولوا أي ألا تميلوا قاله ابن عباس وغيره وقالت فرقة معناه ادنى ألا يكثر عيالكم وقدح في هذا الزجاج وغيره وقوله تعالى وأتوا النساء صدقاتهن نحلة الآية قال ابن عباس وغيره الآية خطاب للازواج وقال أبو صالح هي خطاب لاولياء النساء لان عادة بعض العرب كانت أن يأكل ولي المرأة مهرها فرفع الله ذلك بالاسلام وقيل ان الآية في المتشاغرين الذين يتزوجون امرأة بأخرى فأمروا أن يضربوا المهور قال ع والآية تتناول هذه التأويلات الثلاث ونحلة أي عطية منكم لهن وقيل نحلة معناه شرعة مأخوذ من النحل وقيل التقدير نحلة من الله لهن قال ابن العربي وذلك أن النحلة في اللغة العطية عن غير عوض انتهى وقوله فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا الآية الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف والمعنى إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن والضمير في منه يعود على الصداق قاله عكرمة وغيره ومن تتضمن الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله وقوله تعالى هنيئا مريئا قال اللغويون الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة وكذلك المريء وقوله سبحانه ولا تؤتوا السفهاء أموالكم قال أبو موسى الاشعري وغيره نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كان من كان وقوله أموالكم يريد اموال المخاطبين قاله أبو موسى الاشعري وابن عباس والحسن وغيرهم وقال ابن جبير يريد اموال السفهاء واضافها إلى المخاطبين إذ هي كاموالهم وقيما جمع قيمة وقوله تعالى وارزقوهم فيها الآية قيل معناه فيمن تلزم الرجل نفقته وقيل في المحجورين من اموالهم ومعروفا قيل معناه ادعوا لهم وقيل معناه عدوهم وعدا حسنا أي أن رشدتم دفعنا لكم اموالكم ومعنى اللفظة كل كلام تعرفه النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع وقوله وابتلوا اليتامى الآية الابتلاء الاختبار وبلغوا النكاح معناه بلغوا مبلغ الرجال بحلم أو حيض أو غير ذلك ومعناه جربوا عقولهم وقرائحهم وتصرفهم وآنستم معناه علمتم وشعرتم وخبرتم ومالك رحمه الله يرى الشرطين البلوغ والرشد المختبر وحينئذ يدفع المال قال ع والبلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط ولكنها حالة الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه فقال إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ وفصاحة الكلام تدل على ذلك لأن التوقيت بالبلوغ جاء بإذا والمشروط جاء بأن التي هي قاعدة حروف الشرط وإذا ليست بحرف شرط إلا في ضرورة الشعر قال ابن عباس الرشد في العقل وتدبير المال لا غير وهو قول ابن القاسم في مذهبنا وقال الحسن وقتادة الرشد في العقل والدين وهو رواية أيضا عن مالك وقوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ان يكبروا نهي منه سبحانه للاوصياء عن اكل اموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم والاسراف الافراط في الفعل والسرف الخطأ في مواضع الانفاق وبدارا معناه مبادرة كبرهم أي ان الوصي يستغنم مال محجوره وأن يكبروا نصب ببدار ويجوز أن يكون التقدير مخافة أن يكبروا وقوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف يقال عف الرجل عن الشيء واستعف إذ امسك فامر الغني بالامساك عن مال اليتيم وأباح الله للوصي الفقير أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف واختلف العلماء في حد المعروف فقال ابن عباس وغيره إنما يأكل الوصي بالمعروف إذا شرب من اللبن وأكل من التمر بما يهنا الجرباء ويلط الحوض ويجد التمر وما اشبهه قلت يقال للقطر أن الهناء في لغة العرب كذا رأيته منصوصا عليه وقوله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم امر من الله تعالى بالتحرز والحزم وهذا هو الاصل في الاشهاد في المدفوعات كلها إذا كان حبسها أولا معروفا قال ع والاظهر أن حسيبا هنا معناه حاسبا أعمالكم ومجازيا بها ففي هذا وعيد لكل جاحد حق وقوله سبحانه للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية قال قتادة وغيره سبب نزول هذه الآية أن العرب كان منها من لا يورث النساء ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرمح وقاتل بالسيف وقوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى الآية اختلف فيمن خوطب بهذه الآية فقيل الخطاب للوارثين وقيل للمحتضرين والمعنى إذا حضركم الموت أيها المؤمنون وقسمتم أموالكم بالوصية وحضركم من لا يرث من ذوى القرابة واليتامى فارزقوهم منه قاله ابن عباس وغيره واختلف هل هي منسوخة بآية المواريث أو هي محكمة وعلى انها محكمة فهل الأمر على الوجوب فيعطى لهم ما خف أو على الندب خلاف والضمير في قوله فارزقوهم وفي قوله لهم عائد على الاصناف الثلاثة والقول المعروف كل ما يتأنس به من دعاء أو عدة أو غير ذلك وقوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم الآية اختلف من المراد في هذه الآية فقال ابن عباس وغيره المراد من حضر ميتا حين يوصى فيقول له قدم لنفسك وأعط لفلان وفلان ويوذى الورثة بذلك فكأن الآية تقول لهم كما كنتم تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله وتركهم عالة وقال مقسم وحضرمي نزلت في عكس ذلك وهو أن يقول للمحتضر امسك على ورثتك وأبق لولدك وينهاه عن الوصية فيضر بذلك ذوى القربى واليتامى والمساكين وكل من يستحق أن يوصى له فقيل لهم كما كنتم تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم فكذلك فسددوا القول في جهة اليتامى والمساكين قال ع والقولان لا يطردان في كل الناس بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد وللآخر القول الثاني وذلك أن الرجل إذا ترك ورثة اغنياء حسن ان يندب الى الوصية ويحمل على ان يقدم لنفسه واذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن اجره في قصد ذلك كأجره في المساكين فالمراعي إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه وقال ابن عباس أيضا المراد بالآية ولاة الأيتام فالمعنى أحسنوا إليهم وسددوا القول لهم واتقوا الله في أكل أموالهم كما تخافون على ذريتكم أن يفعل بهم خلاف ذلك وقالت فرقة بل المراد جميع الناس فالمعنى أمرهم بالتقوى في الأيتام وأولاد الناس والتسديد لهم في القول وإن لم يكونوا في حجورهم كما يريد كل أحد أن يفعل بولده بعده والسديد معناه المصيب للحق وقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية أكثر الناس أن الآية نزلت في الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من أموال اليتامى وهي تتناول كل أكل وإن لم يكن وصيا وورد في هذا الوعيد أحاديث منها حديث أبي سعيد الخدري قال حدثنا النبي صلى الله عليه و سلم عن ليلة أسري به قال رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار تخرج من أسافلهم قلت يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما قلت تأمل رحمك الله صدر هذه السورة معظمة إنما هو في شأن الأجوفين بالبطن والفرج مع اللسان وهما المهلكان وأعظم الجوارح آفة وجناية علىالإنسان وقد روينا عن مالك في الموطإ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد ومعلوم أنه أراد صلى الله عليه و سلم ما بين لحييه اللسان وما بين رجليه الفرج والله أعلم ولهذا أردف مالك حديثه هذا بحديثه عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر رضي الله تعالى عنه وهو يجبذ لسانه فقال له عمر مه غفر الله لك فقال أبو بكر إن هذا أوردني الموارد قال أبو عمر وفي اللسان آثار كثيرة ثم قال أبو عمر وعن أبي هريرة أن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان البطن والفرج ثم أسند أبو عمر عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من يتكفل لي بما بين لحييه وما بين رجليه وأضمن له الجنة ومن طريق جابر نحوه انتهى والصلى هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها والمجترق الذي يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره وأهل جهنم لا تذهبهم النار فهم فيها صالون أعاذنا الله منها بجوده وكرمه والسعير الجمر المشتعل وهذه آية من آيات الوعيد والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة ليلا يقع الخبر بخلاف مخبره ساقط بالمشيئة عن بعضهم وقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم الآية تتضمن الفرض والوجوب قيل نزلت بسبب بنات سعد بن الربيع وقيل بسبب جابر بن عبد الله وقوله للذكر مثل حظ الأثنيين أي حظ مثل حظ الأنثيين وقوله فوق اثنتين معناه اثنتين فما فوقهما تقتضي ذلك قوة الكلام وأما الوقوف مع اللفظ فيسقط معه النص علىالإثنين ويثبت الثلثان لهما بالإجماع ولم يحفظ فيه خلاف إلا ما روي عن ابن عباس أنه يرى لهما النصف ويثبت لهما أيضا ذلك بالقياس على الأختين وبحديث الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قضى للابنتين بالثلثين وقوله سبحانه فإن لم يكن له ولد المعنى ولا ولد ولد ذكرا كان أو أنثى فلأمه الثلث أي وللأب الثلثان وقوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس أي كانوا أشقاء أو للأب أو للأم والإجماع على أنهم لا يأخذون السدس الذي يحجبون الأم عنه وكذا اجمعوا على أن أخوين فصاعدا يحجبون الأم عنه إلا ما روي عن ابن عباس من أن الأخوين في حكم الواحد وقدم الوصية في اللفظ اهتماما بها وندبا إليها إذ هي أقل لزوما من الدين وأيضا قدمها لأن الشرع قد حض عليها فلا بد منها والدين قد يكون وقد لا يكون وأيضا قدمها إذ هي حظ مساكين وضعاف وأخر الدين لأنه حق غريم يطلبه بقوة وله فيه مقال وأجمع العلماء عى أن الدين مقدم على الوصية والإجماع على أنه لا يوصى بأكثر من الثلث واستحب كثير منهم أن لا يبلغ الثلث وقوله تعالى ءاباؤكم وأبناؤكم رفع بالابتداء والخبر مضمر تقديره هم المقسوم عليهم أو هم المعطون وهذا عرض للحكمة في ذلك وتأنيس للعرب الذين كانوا يورثون على غير هذه الصفة قال ابن زيد قوله لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا يعني في الدنيا والآخرة قال الفخر وفي الآية إشارة إلى الانقياد إلى الشرع وترك ما يميل إليه الطبع انتهى وقوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد الآية الولد هنا في هذه الآية وفي التي بعدها هم بنو الصلب وبنو ذكورهم وإن سلفوا والكلالة خلو الميت عن الوالد والولد هذا هو الصحيح وقوله تعالى وله أخ أو أخت الآية الإجماع على أن الأخوة في هذه الآية الأخوة للأم وأما حكم سائر الأخوة سواهم فهو المذكور في آخر السورة وقرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت لأمه والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء بإجماع وقوله سبحانه غير مضار قال ابن عباس الضرار في الوصية من الكبائر ورواه عن النبي صلى الله عليه و سلم وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من ضار في وصيته ألقاه الله تعالى في واد في =======================================================ج3. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي جهنم قال ع ووجوه المضارة كثيرة من ذلك أن يقر بحق ليس عليه أو يوصي بأكثر من ثلثه أو لوارثه قال ص غير مضار منصوب على الحال أي غير مضار ورثته انتهى قلت وتقدير أبي حيان ورثته ياباه فصاحة الفاظ الآية إذ مقتضاها العموم فلو قال غير مضار ورثة أو غيرهم لكان احسن لكن الغالب مضارة الورثة فلهذا قدرهم وقوله تعالى تلك حدود الله الآية تلك إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث وباقي الآية بين وقوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم الآية الفاحشة في هذا الموضع الزنا وقوله من نسائكم إضافة في معناها الإسلام وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء تغليظا على المدعى وسترا على العباد قلت ومن هذا المعنى اشتراط رؤية كذا في كذا كالمرود في المكحلة قال ع وكانت أول عقوبة الزناة الإمساك في البيوت ثم نسخ ذلك بالأذى الذي بعده ثم نسخ ذلك بآية النور وبالرجم في الثيب قاله عبادة بن الصامت وغيره وعن عمران بن حصين أنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم فنزل عليه الوحي ثم أقلع عنه ووجهه محمر فقال قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم خرجه مسلم وهو خبر آحاد ثم ورد في الخبر المتواتر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رجم ولم يجلد فمن قال أن السنة المتواترة تنسخ القرآن جعل رجم الرسول دون جلد ناسخا لجلد الثيب وهذا الذي عليه الأمة أن السنة المتواترة تنسخ القرآن إذ هما جميعا وحي من الله سبحانه ويوجبان جميعا العلم والعمل ويتجه عندي في هذه النازلة بعينها أن يقال أن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه في قوله تعالى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة وهذا نص في الرجم وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة والحديث بكماله في مسلم والسنة هي المبينة ولفظ البخاري أو يجعل الله لهن سبيلا الرجم للثيب والجلد للبكر انتهى وقوله تعالى واللذان يأتيانها منكم الآية قال مجاهد وغيره الآية الأولى في النساء عموما وهذه في الرجال فعقوبة النساء الحبس وعقوبة الرجال الأذى وهذا قول يقتضيه اللفظ ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عامة ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى من نسائكم وقوله في الثانية منكم وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان كما تقدم وقوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة الآية قال ص التوبة مبتدأ على حذف مضاف أي قبول التوبة انتهى قال ع إنما حاصرة وهو مقصد المتكلم بها أبدا فقد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر كقوله تعالى إنما الله إله واحد وقد لا تصادف ذلك كقوله إنما الشجاع عنترة وهي في هذه الآية حاصرة إذ ليست التوبة إلا لهذا الصنف المذكور وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب فإن التوبة الأولى طاعة قد إنقضت وصحت وهو محتاج بعد مواقعة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة وتصح أيضا التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا للمعتزلة في قولهم لا يكون تائبا من أقام على ذنب وقوله تعالى على الله أي على فضل الله ورحمته لعباده وهذا نحو قوله صلى الله عليه و سلم ما حق العباد على الله إنما معناه ما حقهم على فضله ورحمته والعقيدة أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلا والسوء في هذه الآية يعم الكفر والمعاصي وقوله تعالى بجهالة معناه بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية وليس المعنى أن تكون الجهالة بأن ذلك الفعل معصية لأن المتعمد للذنوب كان يخرج من التوبة وهذا فاسد إجماعا وما ذكرته في الجهالة قاله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك عنهم أبو العالية وقال قتادة اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم على أن كل معصية فهي بجهالة عمدا كانت أو جهلا وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا الجهالة هنا العمد وقال عكرمة أمور الدنيا كلها جهالة قال ع يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله سبحانه وهذا المعنى عندي جار مع قوله تعالى إنما الحياة الدنيا لعب ولهو واختلف المتأولون في قوله تعالى من قريب فقال ابن عباس والسدي معنى ذلك قبل المرض والموت وقال الجمهور معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق وأن يغلب المرء على نفسه وروى أبو قلابة أن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف ثم جرى له ما جرى ولعن وانظر قال وعزتك لابرحت من قلبه ما دام فيه الروح فقال الله تعالى وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح قال ع فابن عباس رضي الله عنه ذكر أحسن أوقات التوبة والجمهور حدوا آخر وقتها وروى بشير بن كعب والحسن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله تعال يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله قال ع لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على الترك وقوله تعالى من قريب إنما معناه من قريب إلى وقت الذنب ومدة الحياة كلها قريب والمبادرة في الصحة أفضل قلت بل المبادرة واجبة وقوله تعالى وكان الله عليما أي بمن يتوب وييسره هو سبحانه للتوبة حكيما فيما ينفذه من ذلك وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك ثم نفى بقوله تعالى وليست التوبة الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في حيز اليأس كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهره من الإيمان وبهذا قال ابن عباس وجماعة المفسرين قال ع والعقيدة عندي في هذه الآيات أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ولا يعذب هذا مذهب أبي المعالي وغيره وقال غيرهم بل هو مغفور له قطعا لأخبار الله تعالى بذلك وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين فإن كان كافرا فهو يخلد وإن كان مؤمنا فهو عاص في المشيئة لكن يغلب الخوف عليه ويقوى الظن في تعذيبه ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله تعالى له تفضلا منه لا يعذبه وأعلم الله تعالى أيضا أن الذين يموتون وهم كفار فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة وقوله تعالى اولئك اعتدنا لهم عذابا أليما إن كانت الإشارة الى الذين يموتون وهم كفار فقط فالعذاب عذاب خلود مؤبد وان كانت الاشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت فهو في جهة هؤلاء عذاب لا خلود معه واعتدنا معناه يسرناه وأحضرناه قوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها الآية قال ابن عباس كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان اولياؤه أحق بامرأته من أهلها إن شاءوا تزوجها أحدهم وإن شاءوا زوجوها من غيرهم وإن شاؤا منعوها الزواج فنزلت الآية في ذلك وقال بعض المتأولين معنى الآية لا يحل لكم عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن قال ع فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي وروي نحو هذا عن ابن عباس وقوله تعالى ولا تعضلوهن الآية قال ابن عباس وغيره هي أيضا في أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة ويمسكونها حتى تموت إذا كانت دميمة وقال نحوه الحسن وعكرمةو قال ابن عباس أيضا هي في الأزواج في الرجل يمسك المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه فذلك لا يحل له وقال مثله قتادة وهو اقوى الأقوال ودليل ذلك قوله إلا أن يأتين بفاحشة وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة وإنما ذلك للزوج على ما سنبينه الآن إن شاء الله وكذلك قوله عاشروهن إلى آخر الآية يظهر منه تقوية ما ذكرته واختلف في معنى الفاحشة هنا فقال الحسن بن أبي الحسن هو الزنا قال ابو قلابة إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه وقال السدي إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن قلت وحديث المتلاعنين يضعف هذا القول لقوله صلى الله عليه و سلم فذاك بما أستحللت من فرجها الحديث وقال ابن عباس وغيره الفاحشة في هذه الآية البغض والنشوز فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها قال ع وهو مذهب مالك وقال قوم الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا وهذا في معنى النشوز قال ع والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال وقوله تعالى وعاشروهن بالمعروف أمر يعم الأزواج والأولياء ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج والعشرة المخالطة والممازجة وقوله تعالى فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا قال السدي الخير الكثير في المرأة الولد وقال نحوه ابن عباس قال ع ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة شيء لأنه يطرد هذا النظر في كل ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر عليه ويحسن إذ عاقبه الصبر إلى خير إذا أريد به وجه الله وقوله تعالى وإن أردتم اسبتدال زوج مكان زوج الآية لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج والمنع من أخذ مالها مع ذلك وقال بعض الناس يؤخذ من الآية جواز المغالات بالمهور وقال قوم لا تعطى الآية ذلك لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغة والبهتان مصدر في موضع الحال وومعناه مبهتا ثم وعظ تعالى عباده وأفضى معناه باشر وقال مجاهد وغيره الإفضاء في هذه الآية الجماع قال ابن عباس ولكن الله كريم يكنى واختلف في المراد بالميثاق الغليظ فقال الحسن وغيره هو قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقال مجاهد وابن زيد الميثاق الغليظ عقدة النكاح وقول الرجل نكحت وملكت النكاح ونحوه فهذه التي بها تستحل الفروج وقال عكرمة والربيع الميثاق الغليظ يفسره قول النبي صلى الله عليه و سلم استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف سبب الاية ما اعتادته بعض قبائل العرب أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه وقد كان في العرب من تزوج ابنته وهو حاجب بن زرارة واختلف في مقتضى ألفاظ الآية فقالت فرقة قوله ما نكح يريد النساء أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح آباؤكم وقوله إلا ما قد سلف معناه ولكن ما قد سلف فدعوه وقال بعضهم المعنى لكن ما قد سلف فهو معفو عنكم لمن كان واقعه فكأنه قال ولا تفعلوا حاشا ما قد سلف وقالت فرقة معناه لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة إلا ما قد سلف منكم من تلك العقود الفاسدة فمباح لكم الإقامة عليه في الإسلام إذا كان مما يقرر الإسلام عليه وقيل إلا ما قد سلف فهو معفو عنكم وقال ابن زيد معنى الآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الأب إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء لا على وجه المناكحة فذلك جائز لكم لأن ذلك الزنا كان فاحشة والمقت البغض والإحتقار بسبب رذيلة يفعلها الممقوت وساء سبيلا أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه إذ عاقبته إلى عذاب الله قال ص ساء للمبالغة في الذم كبيس وسبيلا تفسيره والمخصوص بالذم محذوف أي سبيل هذا النكاح كقوله تعالى بيس الشراب أي ذلك الماء انتهى وقوله سبحانه حرمت عليكم أمهاتكم الآية حكم حرم الله به سبعا من النسب وستا من بين رضاع وصهر والحقت السنة المتواترة سابعة وهي الجمع بين المرأة وعمتها ومضى عليه الإجماع وروي عن ابن عباس أنه قال حرم من النسب سبع ومن لاصهر سبع وتلا هذه الآية وقال عمرو بن سالم مثل ذلك وجعل السابعة قوله تعالى والمحصنات وقوله تعالى 6وأمهات نسائكم أي سواء دخل بالبنت أو لم يدخل فبالعقد علىا لبنت حرمت الأم هذا الذي عليه الجمهور وقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم ذكر الأغلب من هذه الأمور إذ هذه حالة الربيبة في الأكثر وهي محرمة وإن لم تكن في الحجر ويقال حجر بكسر الحاء وفتحها وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين يديه منه ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر وقوله اللاتي دخلتم بهن قال ابن عباس وغيره الدخول هنا الجماع وجمهور العلماء يقولون أن جميع أنواع التلذذ بالأم يحرم الإبنة كما يحرمها الجماع والحلائل جمع حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقوله تعالى الذين من أصلابكم يخرج من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله صلى الله عليه و سلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وقوله تعالى وإن تجمعوا بين الأختين لفظ يعم الجمع بنكاح وبملك يمين وأجمعت الأمة على منع جمعهما بنكاح ولا خلاف في جواز جمعهما بالملك ومذهب مالك أن له أن يطأ أيتهما شاء والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم فرج الأولى بعتق أو كتابة أو غير ذلك وثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وأجمعت الأمة على ذلك وقوله تعالى إلا ما قد سلف استثناء منقطع معناه لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن الله تعالى يغفره والإسلام يجبه وقوله تعالى والمحصنات عطفا على المحرمات قيل والتحصن التمنع ومنه الحصن وحصنت المرأة امنتنعت بوجه من وجوه الإمتناع وأحصنت نفسها وأحصنها غيرها والإحصان تستعمله العرب في أربعة أشياء وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز و جل فتستعمله في الزواج لأن ملك الزوج منعة وحفظ وتستعمله في الحرية لأن الإماء كان عرفهن في الجاهلية الزنا والحرة بخلاف ذلك ألا ترى إلى قول هند وهل تزنى الحرة وتستعمله في الإسلام لأنه حافظ وتستعمله في العفة لأنها إذا ارتبط بها إنسان وظهرت على شخص ما وتخلق بها فهي منعة وحفظ وحيث ما وقعت اللفظة في القرآن فلا تجدها تخرج عن هذه المعاني لكنها قد تقوى فيها بعض هذه المعاني دون بعض كما سيأتي بيانه في أماكنه إن شاء الله فقوله سبحانه في هذه الآية والمحصنات قال فيه ابن عباس وغيره هن ذوات الأزواج محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي وروي عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية والمحصنات من النساء فقال نرى أنه حرم في هذه الآية ذوات الأزواج والعفائف من حرائر ومملوكات ولم يحل شيء من ذلك إلا بنكاح أو شراء أو تملك وهذا قول حسن عمم الفظ الإحصان ولفظ ملك اليمين وذلك راجع إلى أن الله حرم الزنا قال عبيدة السلماني وغيره قوله سبحانه كتاب الله عليكم إشارة إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه مثنى وثلاث ورباع وفي هذا بعد وإلا ظهر أن وقوله كتاب الله عليكم إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت الجاهلية تفعله قال الفخر وكتاب الله عليكم مصدر من غير لفظ الفعل قال الزجاج ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر ويكون عليكم خبرا له فيكون المعنى الزموا كتاب الله انتهى وفي التمهيد لأبي عمر بن عبد البر كتاب الله عليكم أي حكمه فيكم وقضاؤه عليكم انتهى وقوله سبحانه وأحل لكم ما وراء ذلكم قال عطاء وغيره المعنى وأحل لكم ما وراء من حرم قلت أي على ما علم تفصيله من الشريعة قال ع وإن تبتغوا باموالكم لفظ يجمع التزوج والشراء ومحصنين معناه متعففين أي تحصنون أنفسكم بذلك غير مسافحين أي غير زناة والسفاح الزنا وقوله سبحانه فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن قال ابن عباس وغيره المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر وهو المهر كله وقال ابن عباس أيضا وغيره إن الآية نزلت في نكاح المتعة قال ابن المسيب ثم نسخت قال ع وقد كانت المتعة في صدر الإسلام ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به أي من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة ومن قال بأن الآية المتقدمة في المتعة قال الإشارة بهذه إلى أن ما ترضيا عليه من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر جائز وقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا الآية قال ابن عباس وغيره الطول هنا السعة في المال وقاله مالك في المدونة فعلى هذا التأويل لا يصح للحر أن يتزوج الأمة إلا باجتماع شرطين عدم السعة في المال وخوف العنت وهذا هو نص مالك في المدونة قال مالك في المدونة وليست الحرة تحته بطول أن خشي العنت وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول قال الشيخ أبو الحسن اللخمي وهو ظاهر القرآن ونحوه عن ابن حبيب وقال أبو حنيفة وجود الحرة تحته لا يجوز معه نكاح الأمة وقال الطبري وتقول طال الرجل طولا بفتح الطاء إذا تفضل ووجد واتسع وطولا بضمها في ضد القصر والمحصنات في هذا الموضع الحرائر والفتاة وإن كانت في اللغة واقعة على الشابة اية كانت فعرفها في الإماء وفتى كذلك والمؤمنات في هذا الموضع صفة مشترطة عند مالك وجمهور أصحابه فلا يجوز نكاح أمة كافرة عندهم قلت والعلة في منع نكاح الأمة ما يؤول إليه الحال من استرقاق الولد وقوله تعالى والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض معناه والله أعلم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان فنكاحها صحيح وفي اللفظ أيضا تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر فلا تعجبوا بمعى الحرية والمقصد بهذا الكلام أن الناس سواء بنو الحرائر وبنو الإماء أكرمهم عند الله اتقاهم وفي هذا توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وقوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن معناه بولاية أربابهن المالكين وأتوهن أجورهن أي مهورهن بالمعروف معناه بالشرع والسنة ومحصنات الظاهر أنه بمعنى عفيفات قال ص محصنات منصوب على الحال والظاهر أن العامل وأتوهن ويجوز أن يكون العامل فانكحوهن محصنات أي عفائف انتهى والمسافحات الزواني المتبذلات اللواتي هن سوق للزنا ومتخذات الأخدان هن المستترات اللواتي يصحبن واحد واحد ويزنين خفية وهذا كانا نوعين في زنا الجاهلية قاله ابن عباس وغيره وقوله تعالى فإذا أحصن الآية أي تزوجن قال الزهري وغيره فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث وفي مسلم والبخاري أنه قيل يا رسول الله الأمة إذا زنت ولم تحصن فأوجب عليها الحد والفاحشة هنا الزنا قال ص وجواب إذا فإن اتين وجوابه وانتهى والمحصنات في هذه الآية الحرائر إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل والرجم لا يتنصف فلم يرد في الآية بإجماع والعنت في اللغة المشقة قال ابن عباس وغيره والمقصد به هنا الزنا وقوله تعالى وإن تصبروا خير لكم يعني عن نكاح الإماء قاله ابن عباس وغيره وهذا ندب إلى الترك وعلته ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن وقوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم الآية التقدير عند سيبويه يريد الله لأن يبين لكم ويهديكم بمعنى يرشدكم والسنن الطرق ووجوه الأمور وانحاؤها واللذين من قبلنا هم المؤمنون من كل شريعة وقوله سبحانه والله يريد أن يتوب عليكم الآية مقصد هذه الآية الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات فقدمت إرادة الله تعالى توطئة مظهره لفساد إرادة متبعى الشهوات واختلف المتأولون في تعيين متبعي الشهوات فقال مجاهد هم الزناة وقال السدي هم اليهود والنصارى وقالت فرقة هم اليهود خاصة لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب وقال ابن زيد ذلك على العموم في هؤلاء وفي كل متبع شهوة ورجحة الطبري وقوله تعالى يريد الله أن يخفف عنكم الآية أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء قاله مجاهد وغيره وهو ظاهر مقصود الآية ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية مخرج التفضل لأنها تتناول كل ما خففه الله سبحانه عن عباده وجعله الدين يسرا ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاما حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة الآية الاستثناء منقطع المعنى لكن إن كانت تجارة فكلوها واخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله انتهى وقوله تعالى ولا تقتلوا انفسكم إن الله بكم رحيما أجمع المتأولون على أن المقصود بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضا ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل أو بأن يحملها على غرر ربما مات منه فهذا كله يتناوله النهي وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الأغتسال بالماء البارد خوفا على نفسه منه فقرر رسول الله صلى الله عليه و سلم احتجاجه وقوله تعالى ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما الآية اختلف في المشار إليه بذلك فقال عطاء ذلك عائد على القتل لأنه أقرب مذكور وقالت فرقة ذلك عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس وقالت فرقة ذلك عائد على كل ما نهي عنه من أول السورة وقال الطبري ذلك عائد على ما نهي عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها لأن كل ما نهي عنه قبله إلى أول السورة قرن به وعيد قال ابن العربي في أحكامه والقول الأول أصح وما عداه محتمل انتهى والعدوان تجاوز الحد قال ص عدوانا وظلما مصدران في موضع الحال أي متعدين وظالمين أبو البقاء أو مفعول من أجله انتهى واختلف العلماء في الكبائر فقال ابن عباس وغيره الكبائر كل ما ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبه ذلك وقال ابن عباس ايضا كل ما نهي الله عنه فهو كبير وعلى هذا القول أئمة الكلام القاضي وأبو المعالي وغيرهما قالوا وإنما قيل صغيرة بالإضافة إلى أكبر منها وإلا فهي في نفسها كبيرة من حيث المعصى بالجميع واحد واختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من الفقهاء والمحدثين يرون أن بإجتناب الكبائر تكفر الصغائر قطعا وأما الأصوليون فقالوا محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء لا على القطع ومحمل الكبائر عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وكريما يقتضي كرم الفضيلة ونفي العيوب كما تقول ثوب كريم وهذه آية رجاء وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جلس على المنبر ثم قال والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصفق ثم تلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية انتهى من التذكرة للقرطبي ونحوه ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه و سلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر قال القطربي وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء وهو الصحيح أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعد الله الصدق وقوله الحق سبحانه وأما الكبائر فلا تكفرها إلا التوبة منها انتهى قلت وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات انتهى وقوله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم علىبعض الآية سبب الآية أن النساء قلن ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشاركناهم في الغزو وروي أن أم سلمة قالت ذلك أو نحوه وقال الرجال ليت لنا في الآخرة حظا زائدا على النساء كما لنا عليهن في الدنيا فنزلت الآية قال ع لأن في تمنيهم هذا تحكما على الشريعة وتطرقا إلىالدفع في صدر حكم الله تعالى فهذا نهي عن كل تمن بخلاف حكم شرعي وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن وقد قال صلى الله عليه و سلم وددت أن اقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا الحديث وفي غير موضع ولقوله تعالى واسألوا الله من فضله قال القشيري سمعت الشيخ أبا علي يقول من علامات المعرفه أن لا تسأل حوائجك قلت أو كثرت إلا من الله تعالى مثل موسى اشتقاق إلى الرؤية فقال رب أرني أنظر إليك واحتاج مرة إلى رغيف فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير انتهى من التجبير وقوله تعالى للرجال نصيب الآية قالت فرقة معناه من الأجر والحسنات فكأنه قيل للناس لا تتمنوا في أمر مخالف لما حكم الله به لأختيار ترونه أنتم فإن الله تعالى قد جعل لكل أحد نصيبا من الأجر والفضل بحسب اكتسابه فيما شرع له وهذا قول حسن وفي تعليقه سبحانه النصيب بالإكتساب حض على العمل وتنبيه على كسب الخير وقوله سبحانه وسألوا الله من فضله قال ابن جبير وغيره هذا في فضل العبادات والدين لا في فضل الدنيا وقال الجمهور ذلك على العموم وهو الذي يقتضيه اللفظ فقوله وسألوا الله يقتضي مفعولا ثانيا تقديره وأسالوا الله الجنة او كثيرا من فضله وقوله تعالى ولكل جعلنا موالي الآية أي ولكل أحد قال ابن عباس وغيره الموالي هنا العصبة والورثة والمعنى ولكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون وقوله تعالى واللذين رفع بالابتداء والخبر في قوله فآتوهم نصيبا واختلف من المراد بالذين فقال الحسن وابن عباس وابن جبير وغيرهم هم الأحلاف فإن العرب كانت تتوارث بالحلف ثم نسخت بآيات الأنفال وأولوا الأرحام بعضهم اولى ببعض وقال ابن عباس أيضا هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه و سلم آخى بينهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ ذلك بما تقدم وقال ابن المسيب هم الذين كانوا يتبنون قال ع ولفظة المعاقدة والإيمان ترجح أن المراد الأحلاف وقوله الرجال قوامون بناء مبالغة وهو من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال عليهن استيلاء قال ابن عباس الرجال أمراء على النساء قال ابن العربي في أحكامه وللرجال عليهن درجة لفضل القوامية فعليه أن يبذل المهر والنفقة وحسن العشرة ويحجبها ويأمرها بطاعة الله تعالى وينهي إليها شعائر الإسلام من صلاة وصيام وما وجب على المسلمين وعليها الحفظ لماله والإحسان إلى أهله والالتزام لأمره في الحجبة وغيرها إلا بإذنه وقبول قوله في الطاعات انتهى وما مصدرية في الموضعين والصلاح في قوله فالصالحات هو الصلاح في الدين وقانتات معناه مطيعات لأزواجهن أو لله في أزواجهن حافظات للغيب معناه لكل ما غاب عن علم زوجها مما استرعيته وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية وقوله بما حفظ الله ما مصدرية تقديره بحفظ الله ويصح أن تكون بمعنى الذي ويكون العائد في حفظ ضمير نصب أي بالذي حفظه الله ويكون المعنى أما حفظ الله ورعايته التي لا يتم أمر دونها وأما أوامره ونواهيه للنساء فكأنها حفظه بمعنى أن النساء يحفظن بازاء ذلك وبقدره وقوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن الآية النشوز أن تتعوج المرأة ويرتفع خلقها وتستعلى على زوجها واهجروهن في المضاجع قال ابن عباس يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها وقال مجاهد جنبوا مضاجعتهن وقال ابن جبير هي هجرة الكلام أي لا تكلموهن واعرضوا عنهن فيقدر حذف تقديره وأهجروهن في سبب المضاجع حتى يراجعنها م قوله في المضاجع ذكر أبو البقاء فيه وجهين الأول أن في على بابها من الظرفية أي اهجروهن في مواضع الإضطجاع أي أتركوا مضاجعتهن دون ترك مكالمتهن الثاني أنها بمعنى السبب أي اهجروهن بسبب المضاجع كما تقول في هذه الجناية عقوبة انتهى وكونها للظرفية اظهر والله اعلم والضرب في هذه الآية هو ضرب الادب غير المبرح وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة وقال النبي صلى الله عليه و سلم اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح قال عطاء قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح قال بالشراك ونحوه قال ابن العربي في احكامه قوله عز و جل واضربوهن ثبت عن النبي ص - أنه قال ايها الناس ان لكم على نسائكم حقا لكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم احدا تكرهونه وعليهن الا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد اذن لكم ان تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف وفي هذا دليل على ان الناشز لا نفقة لها ولا كسوة وأن الفاحشة هي البذاء ليس الزنا كما قال العلماء ففسر النبي صلى الله عليه و سلم الضرب وبين أنه لا يكون مبرحا أي لا يظهر له أثر على البدن انتهى قال ع وهذه العظة والهجر والضرب مراتب أن وقعت الطاعة عند احداها لم يتعد إلى سائرها وتبغوا معناه تطلبوا وسبيلا أي إلى الاذى وهو التعنيت والتعسف بقول أو فعل وهذا نهي عن ظلمهن وحسن هنا الاتصاف بالعلو والكبر أي قدره سبحانه فوق كل قدر ويده بالقدرة فوق كل يد فلا يستعلى احد بالظلم على امرأته فالله تعالى بالمرصاد وينظر إلى هذا حديث أبي مسعود قال كنت أضرب غلامي فسمعت قائلا يقول اعلم أبا مسعود أعلم أبا مسعود فصرفت وجهي فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أعلم أبا مسعود أن الله اقدر عليك منك على هذا العبد الحديث وقوله تعالى وأن خفتم شقاق بينهما فابعثوا الآية اختلف من المأمور بالبعثة فقيل الحكام وقيل المخاطب الزوجان واليهما تقديم الحكمين وهذا في مذهب مالك والأول لربيعة وغيره ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف والشقاق ومذهب مالك وجمهور العلماء أن الحكمين ينظران في كل شيء ويحملان على الظالم ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فراق وهو قول علي بن أبي طالب في المدونه وغيرها وقوله أن يريدا اصلاحا قال مجاهد وغيره المراد الحكمان أي إذا نصحا وقصدا الخير بورك في وساطتهما وقالت فرقة المراد الزوجان والأول اظهر وكذلك الضمير في بينهما يحتمل الأمرين والأظهر أنه للزوجين والاتصاف بعليم خبير يناسب ما ذكر من ارادة الاصلاح وقوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا العبادة التذلل بالطاعة واحسانا مصدر والعامل فيه فعل تقديره واحسنوا بالوالدين احسانا وبذى القربى هو القريب النسب من قبل الأب والأم قال ابن عباس وغيره والجار ذو القربى هو القريب النسب والجار الجنب هو الجار الأجنبي وقالت فرقة الجار ذو القربى هو الجار القريب المسكن منك والجار الجنب هو البعيد المسكن منك والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض ادناها الزوجة قال ابن عباس وغيره الصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن أبي ليلى وغيرهم هو الزوجة وقال ابن زيد هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه واسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان معه رجل من اصحابه وهما على راحلتين فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم غيضة فقطع قضيبين احدهما معوج وخرج فاعطى صاحبه القويم وحبس هو المعوج فقال له الرجل كنت يا رسول الله احق بهذا فقال له يا فلان ان كل صاحب يصحب الآخر فانه مسؤل عن صحابته ولو ساعة من نهار قلت واسند الحافظ محمد بن طاهر المقدسي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال خير الاصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره انتهى من صفوة التصوف وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه و سلم ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت انه سيورثه اخرجه البخاري واخرجه ايضا من طريق عائشة رضي الله عنها انتهى وابن السبيل المسافر وسمي ابنه للزومه له وما ملكت ايمانكم هم العبيد الارقاء قال ابن العربي في احكامه وقد أمر الله سبحانه بالرفق بهم والاحسان اليهم وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اخوانكم ملككم الله رقابهم فاطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فان كلفتموهم فاعينوهم انتهى ونفى سبحانه محبته عن من صفته الخيلاء والفخر وذلك ضرب من التوعد يقال خال الرجل يخول خولا إذا تكبر واعجب بنفسه وخص سبحانه هاتين الصفتين هنا إذ مقتضاهما العجب والزهو وذلك هوالحامل على الاخلال بالاصناف الذين تقدم أمر الله بالاحسان اليهم وقوله تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل الآية قالت فرقة الذين في موضع نصب بدل من من في قوله من كان مختالا ومعناه على هذا يبخلون بأموالهم ويأمرون الناس يعنى اخوانهم ومن هو مظنة طاعتهم بالبخل بالاموال أن تنفق في شيء من وجوه الاحسان إلى من ذكر ويكتمون ما أتاهم الله من فضله يعنى من الرزق والمال فالآية اذن في المؤمنين أي وأما الكافرون فأعد لهم عذابا مهينا وروي أن الآية نزلت في احبار اليهود بالمدينة إذ كتموا أمر النبي صلى الله عليه و سلم وبخلوا به والتوعد بالعذاب المهين لهم واعتدنا معناه يسرنا واحضرنا والعتيد الحاضر والمهين الذي يقترن به خزي وذل وهو انكى واشد على المعذب وقوله تعالى والذين ينفقون اموالهم رئاء الناس الآية الذين في موضع رفع على القطع والخبر محذوف وتقديره بعد اليوم الآخر معذبون والصحيح الذي عليه الجمهور أن هذه الآية في المنافقين والقرين فعيل بمعنى فاعل من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب والانسان كله يقارنه الشيطان لكن الموفق عاص له وقوله تعالى وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر الآية التقدير واي شيء عليهم لو آمنوا وفي هذا الكلام تفجع ما عليهم واستدعاء جميل يقتضى حيطة واشفاقا وكان الله بهم عليما اخبار يتضمن وعيدا وينبه على سوء تواطئهم أي لا ينفعهم كتم مع علم الله بهم وقوله تعالى أن الله لا يظلم مثقال ذرة الآية مثقال مفعال من الثقل والذرة الصغيرة الحمراء من النمل وروي عن ابن عباس انه قال الذرة راس النملة وقرأ ابن عباس مثقال نملة قال قتادة عن نفسه ورواه عن بعض العلماء لان تفضل حسناتى على سيئاتي بمثقال ذرة احب الي من الدنيا جميعا وقوله سبحانه وان تك حسنة التقدير وان تك زنة الذرة وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم وفيه فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكاجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا 0خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسى بيده ما من احد منكم باشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لاخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم اخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد اخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها احد ممن امرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فاخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها احد ممن امرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فاخرجوه فيخروجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها احدا ممن امرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذره من خير فاخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد الخدري يقول ان لم تصدقونى في هذا الحديث فاقرؤا إن شئتم أن الله لا يظلم مثقال ذرة وأن تك حسنة يضاعفها ويوت من لدنه اجرا عظيما فيقول الله عز و جل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط الحديث انتهى ولفظ البخاري فما انتم باشد لى مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في اخوانهم الحديث وقرأ نافع وابن كثير حسنة بالرفع على تمام كان التقدير وأن توجد حسنة ويضاعفها جواب الشرط وقرأ ابن كثير يضعفها وهو بناء تكثير يقتضى اكثر من مرتين إلى اقصى ما تريد من العدد قال بعض المتأولين هذه الآية خص بها المهاجرون لان الله تعالى اعلم في كتابه ان الحسنة لكل مؤمن مضاعفة عشر مرار وأعلم في هذه الآية انها مضاعفة مرارا كثيرة حسبما روى أبو هريرة من أنها تضاعف الفي الف مرة وروى غيره الف الف مرة وقال بعضهم بل وعد بذلك جميع المؤمنين قال ع والآية تعم المؤمنين والكافرين فأما المؤمنون فيجازون في الآخرةى على مثاقيل الذر فما زاد وأما الكافرون فما يفعلونه من خير فانه تقع عليه المكافأة بنعم الدنيا ويأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم قلت وقد ذكرنا في هذا المختصر من احاديث الرجاء واحاديث الشفاعة جملة صالحة لا توجد مجتمعة في غيره على نحو ما هي فيه عسى الله ان ينفع به الناظر فيه ومن أعظم احاديث الرجاء ما ذكره عياض في الشفا قال ومن حديث أنس سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول لا شفعن يوم القيامة لا كثر مما في الأرض من شجر وحجر وهذا الحديث اخرجه النساءي ولفظه انى لا شفع يوم القيامة لا كثر مما على الأرض من شجر وحجر الحديث انتهى من الكوكب الدري ومن لدنه معناه من عنده والأجر العظيم الجنة قال ابن مسعود وغيره وإذا من الله سبحانه بتفضله على عبده بلغ الغاية اللهم من علينا بخير الدارين بفضلك وقوله جلت قدرته فيكف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا الآية لما تقدم في التي قبلها الإعلام بتحقيق الأحكام يوم القيامة حسن بعد ذلك التنبيه على الحالة التي يحضر ذلك فيها ويجاء فيها بالشهداء على الأمم ومعنى الآية ان الله سبحانه يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب ومعنى الأمة في هذه الآية جميع من بعث إليه من آمن منهم ومن كفر وكذلك قال المتأولون أن الاشارة بهؤلاء إلى كفار قريش وغيرهم روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه وكذلك ذرفت عيناه عليه السلام حين قرأها عليه ابن مسعود حسبما هو مذكور في الحديث الصحيح وفي صحيح البخاري عن عقبة بن عامر قال صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم على قتلى أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال أني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض وأني لا نظر إليه من مقامي هذا وأني لست أخشى عليكم أن تشكروا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم انتهى وقوله تعالى لو تسوى قالت فرقة معناه تنشق الأرض فيحصلون فيها ثم تتسوى هي في نفسها عليهم وبهم وقالت فرقة معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم وقوله تعالى ولا يكتمون الله حديثا معناه عند طائفة أن الكفار لما يرونه من الهول وشدة المخاوف يودون لو تسوى بهم الأرض فلا ينالهم ذلك الخوف ثم استأنف الكلام فأخبرأنهم لايكتمون الله حديثا لنطق جوارحهم بذلك كله حين يقول بعضهم والله ربنا ما كنا مشركين فيقول الله سبحانه كذبتم ثم تنطق جوارحهم فلا تكتم حديثا وهذا قول ابن عباس وقالت طائفة الكلام كله متصل وودهم أن لا يكتموا الله حديثا إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا والله ربنا ما كنام مشركين والرسول في هذه الآية الجنس شرف بالذكر وهو مفرد دل على الجمع وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون الآية نزلت قبل تحريم الخمر وجمهور المفسرين على ان المراد سكر الخمر إلا الضحاك فإنه قال المراد سكر النوم وهذا قول ضعيف والمراد بالصلاة هنا الصلاة المعروفة وقالت طائفة الصلاة هنا المراد بها موضع الصلاة والصلاة معا قال ابن العربي في الأحكام وروي في سبب نزول هذه الآية عن علي رضي الله عنه أنه قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر يعني وذلك قبل تحريمها قال فأخذت الخمر منا حضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون قال فأنزل الله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون الآية أخرجه الترمذي وصححه انتهى وقوله ولا جنبا إلا عابري سبيل قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره عابر السبيل المسافر وقال ابن مسعود وغيره عبار السبيل هنا الخاطر في المسجد وعابر السبيل هو من العبور أي الخطور والجواز والمريض المذكور في الآية هو الحضري وأصل الغائط ما انخفض من الأرض ثم كثر استعماله في قضاء الحاجة واللمس في اللغة لفظ يقع للمس الذي هو الجماع وللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه واختلف في موقعها هنا فمالك رحمه الله يقول اللفظة هنا تقتضي الوجهين فالملامس بالجماع يتيمم والملامس باليد يتيمم ومعنى قوله سبحانه فتيمموا اقصدوا والصعيد في اللغة وجه الأرض قاله الخليل وغيره واختلف الفقهاء فيه من أجل تقييد الآية أياه بالطيب فقالت طائفة يتيمم بوجه الأرض ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سبخة وجعلت الطيب بمعنى الطاهر وهذا هو مذهب مالك وقال طائفة منهم الطيب بمعنى المنبت كما قال تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه فالصعيد عندهم هو التراب وهذه الطائفة لا تجيز التيمم بغيره فمكان الإجماع أن يتيمم في تراب منبت طاهر غير منقول ولا مغصوب وترتيب القرآن الوجه قبل اليدين وبه قال الجمهور وفي المدونة أن التيمم ضربتان وجمهور العلماء أنه ينتهي في مسح اليدين إلى المرافق وقوله سبحانه ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة الآية ألم تر من رؤية القلب وهي علم بالشيء والمراد باللذين اليهود قاله قتادة وغيره ثم اللفظ يتناول معهم النصارى وقال ابن عباس نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي والكتاب التوراة والإنجيل ويشترون عبارة عن إيثارهم الكفر وتركهم الإيمان وقالت فرقة أراد اللذين كانوا يعطون أموالهم للأحبار على إقامة شرعهم فهو شراء حقيقة ويريدون أن تضلوا السبيل معناه أن تكفروا وقوله سبحانه والله أعلم بأعدائكم خبر في ضمنه التحذير منهم وكفى بالله وليا أي اكتفوا بالله وليا وقوله سبحانه من الذين هادوا قال بعض المتأولين من راجعة على الذين الأولى وقالت فرقة من متعلقة بنصيرا والمعنى ينصركم من الذين هادوا فعلى هذين التأويلين لا يوقف في قوله نصيرا وقالت فرقة هي ابتداء كلام وفيه إضمار تقديره قوم يحرفون وهذا مذهب أبي علي وعلى هذا التأويل يوقف في نصيرا وقول سيبويه أصوب لأن إضمار الموصول ثقيل وإضمار الموصوف أسهل وتحريفهم للكلام على وجهين أما بتغيير اللفظ وقد فعلوا ذلك في الأقل وأما بتغيير التأويل وقد فعلوا ذلك في الأكثر وإليه ذهب الطبري وهذا كله في التوراة على قول الجمهور وقالت طائفة هو كلم القرآن وقال مكي هو كلام النبي صلى الله عليه و سلم فالتحريف على هذا في التأويل وقوله تعالى عنهم سمعنا وعصينا عبارة عن عتوهم في كفرهم وطغيانهم فيه وغير مسمع يتخرج فيه معنيان أحدهما غير مأمور وغير صاغر كأنهم قالوا غير أن تسمع مأمورا بذلك والآخر على جهة الدعاء أي لا سمعت كما تقول إمض غير مصيب ونحو ذلك فكانت اليهود إذا خاطبت النبي صلى الله عليه و سلم بغير مسمع أرادت في الباطن الدعاء عليه وأرت ظارهرا أنها تريد تعظيمه قال ابن عباس وغيره نحوه وكذلك كانوا يريدون منه في أنفسهم معنى الرعونة وحكى مكي معنى رعاية الماشية ويظهرون منه معنى المراعاة فهذا معنى لي اللسان وقال الحسن ومجاهد غير مسمع أي غير مقبول منك وليا أصله لويا وطعنا في الدين أي توهينا له وإظهارا للاستخفاف به قال ع وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل ويحفظ منه في عصرنا أمثله إلا أنه لايليق ذكرها بهذا الكتاب وقوله تعالى ولو أنهم الآية المعنى ولو أنهم ءامنوا وسمعوا وأطاعوا واقوم معناه أعدل وأصوب وقليلا نعت أما لإيمان وإما لنفر أو قوم والمعنى مختلف وقوله تعالى يا أيها الذين اوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم الآية هذا خطاب لليهود والنصارى ولما معكم معناه من شرع وملة لا لما معهم من مبدل ومغير والطامس الداثر المغير الاعلام قالت طائفة طمس الوجوه هنا هو خلو الحواس منها وزوال الخلقة وقال ابن عباس وغيره طمس الوجوه أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا فيكون ذلك ردا على الأدبار ويمشي القهقري وقال مالك رحمه الله كان اول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية يا أيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا الآية فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقري إلى بيته فأسلم مكانه وقال والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي وأصحاب السبت هم الذين اعتدوا في السبت في الصيد حسبما تقدم قال قتادة وغيره وأمر الله في هذه الآية واحد الأمور دال على جنسها لا واحد الأوامر فهي عبارة عن المخلوقات كالعذاب واللعنة هنا أو ما اقتضاه كل موضع مما يختص به وقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والعويد وتلخيص الكلام فيها أن يقال الناس أربعة أصناف كافر مات على كفره فهذا مخلد في النار بإجماع ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهذا في الجنة محتوم عليه حسب الخبر من الله تعالى بإجماع وتائب مات على توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن قانون المتكلمين أنه في المشيئة ومذنب مات قبل توبته فهذا هو موضع الخلاف فقالت المرجئة هو في الجنة بإيمانه ولا تضره سيئاته وجعلوا آيات الوعيد كلها في الكفار وآيات الوعد عامة في المؤمنين تقيهم وعاصيهم وقالت المعتزلة إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد وقالت الخوارج إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له لأنهم يرون كل الذنوب كبائر وجعلوا آيات الوعد كلها في المؤمن الذي لم يعص قط والمؤمن التائب وقال أهل السنة هو في المشيئة وهذه الآية هي الحاكمة وهي النص في موضع النزاع وذلك أن قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به فصل مجمع عليه وقوله ويغفر ما دون ذلك فصل قاطع للمعتزلة راد على قولهم ردا لا محيد لهم عنه ولو وقفنا في هذا الموضع من الكلام لصح قول المرجئة فجاء قوله لمن يشاء ردا عليهم مبينا أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم بخلاف ما زعموه من أنه مغفور لكل مؤمن ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفر الشرك ذكر قبح موقعه وقدره في الذنوب والفرية أشد مراتب الكذب قبحا وهو الاختلاق وقوله تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء الآية لا خلاف بين المتأولين إن المراد بالآية اليهود وإنما اختلفوا في المعنى الذي به زكوا أنفسهم فقال الحسن وقتادة ذلك قولهم نحن ابناء الله واحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا إلى غير ذلك من غرورهم قال ع فتقتضي هذه الآية الغض من المزكي لنفسه بلسانه والإعلام بأن الزاكي المزكي من حسنت أفعاله وزكاه الله عز و جل قال ابن عباس وغيره الفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة وذلك راجع إلى الكناية عن تحقير الشيء وتصغيره وإن الله لا يظلمه ولا شيء دونه في الصغر فكيف بما فوقه وقوله تعالى أنظر كيف يفترون على الله الكذب الآية يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذب ويقوى أن التزكية كانت بقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه إن الإفتراء أعظم في هذه المقالة وكيف يصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله يفترون وكفى به إثما مبينا خبر في ضمنه تعجب وتعجيب من أمرهم قال ص وكفى به عائد على الإفتراء وقيل على الذكب انتهى وقوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الآية اجمع المتأولون ان المراد بها طائفة من اليهود والقصص تبين ذلك ومجموع ما ذكره المفسرون فى تفسير الجبت والطاغوت يقتضي أنه كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى وقوله تعالى ويقولون للذين كفروا الاية سببها أن قريشا قالت لكعب بن الأشرف حين ورد مكة أنت سيدنا وسيد قومك إنا قوم ننحر الكوماء ونقري الضيف ونصل الرحم ونسقي الحجيج ونعبد آلهتنا التي وجدنا عليها آباءنا وهذا محمد قد قطع الرحم فمن أهدى نحن أو هو فقال كعب أنتم أهدى منه وأقوم دينا فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس فالضمير في يقولون عائد على كعب وعلى الجماعة التي معه من اليهود المحرضين على قتال النبي صلى الله عليه و سلم والذين كفروا في هذه الآية هم كفار قريش والإشارة بهؤلاء اليهم والذين آمنوا هم النبي صلى الله عليه و سلم وأمته وقالت فرقة بل المراد حيي ابن أخطب واتباعه وهم المقصود من أول الآيات قال ص للذين اللام للتبليغ متعلقة بيقولون انتهى وقوله تعالى أم لهم نصيب من الملك الآية عرف أم أن تعطف بعد إستفهام متقدم كقولك أقام زيد أم عمرو فإذا وردت ولم يتقدمها استفهام كما هي هنا فمذهب سيبويه أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام الأول والقطع منه وهي متضمنة مع ذلك معنى الاستفهام فهي بمعنى بل مع همزة استفهام كقول العرب إنها لإبل أم شاء التقدير عند سيبويه أنها لإبل بل أهي شاء وكذلك هذا الموضع بل ألهم نصيب من الملك فإذا عرفت هذا فالمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذاق أن هذا إستفهام على معنى الإنكار أي ألهم ملك فإذن لو كان لبخلوا به والنقير هي النكتة التي في ظهر النواة من التمر هذا قول الجمهور وهذا كناية عن الغاية في الحقارة والقلة وتكتب إذا بالنون وبالألف فالنون هو الأصل كعن ومن وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها فأشبهت نون التنوين ولا يصح الوقوف على عن ومن وقوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله الآية أم هذه على بابها من العطف بعد الاستفهام وقال ص أم يحسدون أم أيضا منقطعة تتقدر ببل والهمزة انتهى قلت والظاهر ما قاله ع واختلف في المراد بالناس هنا فقال ابن عباس وغيره هو النبي صلى الله عليه و سلم والفضل النبوءة فقط والمعنى فلم يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك وقال قتادة الناس هنا العرب حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبي صلى الله عليه و سلم منها والفضل على هذا التأويل هو محمد صلى الله عليه و سلم قال أبو عمر بن عبد البر وقد ذم الله قوما على حسدهم فقال أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ثم حدث بسنده عن عمرو ابن ميمون قال لما رفع الله موسى نجيا رأى رجلا متعلقا بالعرش فقال يا رب من هذا فقال هذا عبد من عبادي صالح إن شئت أخبرتك بعمله فقال يا رب أخبرني فقال كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ثم حدث أبو عمر بسنده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وذكر عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث لا يسلم منهن أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منهن يا رسول الله قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ انتهى من التمهيد وقوله تعالى فمنهم من آمن به اختلف في الضمير من به فقال الجمهور هو عائد على القرآن الذي في قوله تعالى ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فأعلم الله سبحانه أن منهم من آمن كما أمر فلذلك ارتفع الوعيد بالطمس ولم يقع وصد قوم ثبت الوعيد عليهم في الآخرة بقوله سحبانه وكفى بجهنم سعيرا وقيل هو عائد على إبراهيم عليه السلام وقيل هو عائد على الفضل الذي آتاه الله النبي عليى السلام والعرب على ما تقدم وقوله تعالى إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا الآية لما تقدم في الآية وصف المردة من بني إسرائيل وذكر أفعالهم وذنوبهم جاءت هذه الآية بالوعيد النص لهم بلفظ جلي عام لهم ولغيرهم ممن فعل فعلهم من الكفرة واختلف في معنى تبديل الجلود فقالت فرقة تبدل عليهم جلود اغيار إذ نفوسهم هي المعذبة والجلود لا تألم في ذاتها وقالت فرقة تبديل الجلود هو إعادة ذلك الجلد بعينه الذي كان في الدنيا إنما سماه تبديلا لأن أوصافه تتغير قال الحسن بن أبي الحسن تبدل عليهم في اليوم سبعين ألف مرة عافانا الله من عذابه برحمته ولما ذكر سبحانه وعيد الكفار عقب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان والأعمال الصالحة وظليلا معناه عند بعضهم يقي الحر والبرد ويصح ان يريد أنه ظل لا يستحيل ولا يتنقل وصح وصفه بظليل لامتداده فقد قال صلى الله عليه و سلم ان في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها ورأيت لبعضهم ما نصه وذكر الطبري في كتابه قال لما خلق الله عز و جل الجنة قال لها امتدي فقالت يا رب كم وإلى كم فقال لها امتدي مائة ألف سنة فامتدت ثم قال لها امتدي فقالت يا رب كم وإلى كم فقال امتدي مائة ألف سنة فامتدت ثم قال لها امتدي فقالت يا رب كم وإلى كم فقال لها امتدي مقدار رحمتي فامتدت فهي تمتد ابد الآبدين فليس للجنة طرف كما أنه ليس لرحمة الله طرف انتهى فهذا لا يعلم إلا من جهة السمع فهو مما اطلع عليه الطبري وهو إمام حافظ محدث ثقة قاله الخطيب أحمد بن علي بن ثابت وقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها الآية قال ابن جريج وغيره الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة ومن ابن عمه شيبة فطلبه العباس بن عبد المطلب ليضيف السدانة إلى السقاية دخل البني صلى الله عليه و سلم الكعبة وكسر ما كان فيها من الأوثان وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية قال عمر بن الخطاب فخرج النبي صلى الله عليه و سلم وهو يقرأ هذه الآية وما كنت سمعتها قبل منه فدعا عثمان وشيبة فقال لهما خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ثم الآية بعد تتناول الولاة فيما لديهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلمات وعدل الحكومات وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات أمانات لله تعالى قال ابن العربي في أحكامه هذه الآية في أداء الآمانة والحكم بين الناس عامة في الولاة والخلق لأن كل مسلم عالم بل كل مسلم حاكم ووال قال النبي صلى الله عليه و سلم المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وهم الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا وقال صلى الله عليه و سلم كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته فالرجل راع في أهل بيته وهو مسؤل عنهم والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عنه وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على ما قلناه انتهى ونعما أصله نعم ما سكنت الميم الأولى وادغمت في الثانية وحركت العين لإلتقاء الساكنين وخصت بالكسر اتباعا للنون وما المردوفة على نعم إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها ومع أنها موطئة فهي بمعنى الذي وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول الآية لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة تقدم في هذه إلى الرعية فأمر بطاعته عز و جل وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور وهو قول ابن عباس وغيره فالأمر على هذا التأويل هو ضد النهي ومنه لفظة الأمير وقال جابر وجماعة أولوا الأمر أهل القرآن والعلم قال عطاء طاعة الرسول هي اتباع سنته يعني بعد موته ولفظ ابن العربي في أحكامه قال قوله تعالى وأولي الأمر منكم فيها قولان الأول قال ميمون بن مهران هم أصحاب السرايا وروى في ذلك حديثا وهو اختيار البخاري وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن حذافة إذ بعثه النبي صلى الله عليه و سلم في سرية والثاني هم العلماء وبه قال أكثر التابعين واختاره مالك والطبري والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء أم الأمراء فلأن الأمر منهم والحكم إليهم وأما العلماء فلأن سؤالهم متعين على الخلق وجوابهم لازم وامتثال فتواهم واجب ويدخل فيه تأمر الزو على الزوجة لأنه حاكم عليها انتهى وقوله تعالى فإن تنازعتم في شيء الآية معنى التنازع أن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها والرد إلى الله هو النظر في كتابه العزيز والرد إلى الرسول هو سؤاله صلى الله عليه و سلم في حياته والنظر في سنته بعد وفاته هذا قول مجاهد وغيره وهو الصحيح وقوله سبحانه إن كنتم تؤمنون بالله الآية فيه بعض وعيد وتأويلا معناه مآلا في قول جماعة وقال قتادة وغيره المعنى أحسن عاقبة وقالت فرقة المعنى أن الله ورسوله أحسن نظرا وتأولا منكم إذا انفردتم بتأولكم وقوله تعالى ألم تر إلىالذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك الآية تقول العرب زعم فلان كذا في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق وغاية درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنونا وإذا قال سيبويه زعم الخليل فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به وكان اقوى رتب زعم ان تبقى معها عهدة الخبر على المخبر قال عامر الشعبي نزلت الآية في منافق اسمه بشر خاصم رجلا من اليهود فدعاه اليهودي إلى المسلمين لعلمه أنكم لا يرتشو وكان المنافق يدعو اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهنا كان بالمدينة فرضياه فنزلت هذه الآية فيهما وفي صنفيهما فالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد عليه السلام هم المنافقون والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبله هم اليهود وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت والطاغوت هنا الكاهن المذكور فهذا تأنيب للصنفين وقال ابن عباس الطاغوت هنا هو كعب ابن الأشرف وهو الذي تراضيا به وقيل غير هذا وقوله رأيت هي رؤية عين لمن صد من المنافقين مجاهرة وتصريحا وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكرا وتخابثا ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالقرائن الصادرة عنه وقوله تعالى فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم قالت فرقة هي في المنافقين الذين احتكموا حسبما تقدم فالمعنى فكيف بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه ثم حلفوا إن أرادنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه وقوله تعالى اولائك الذين يعلم الله ما في قلوبهم تكذيب لهم وتوعد أي فهو سبحانه مجازيهم فأعرض عنهم وعظهم بالتخويف من عذاب الله وغيره من المواعظ وقوله سبحانه وقل لهم في أنفسهم قال ص أي قل لهم خاليا بهم لأن النصح إذا كان في السر كان أنجح أو قل لهم في حال أنفسهم النجسة المنطوية على النفاق قولا يبلغ منهم الزجر عن العود إلى ما فعلوا انتهى واختلف في القول البليغ فقيل هو الزجر والردع والكف بالبلاغة من القول وقيل هو التوعد بالقتل إن استداموا حالة النفاق قاله الحسن وهذا أبلغ ما يكون في نفوسهم والبلاغة مأخوذة من بلوغ المراد بالقول وقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله تنبيه على جلالة الرسل أي فأنت يا محمد منهم تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك وبإذن الله معناه بأمر الله وظلموا أنفسهم أي بالمعصية والنفاق وعن العتبي قال كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله تعالى يقول ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما وقد جئتك مستعفيا من ذنوبي مستغفرا إلى ربي ثم انشأ يقول يا خير من دفنت بالقاع اعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم ... ... نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ... قال ثم انصرف فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقال لي يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له انتهى من حلية النووي وسنن الصالحين للباجي وفيه مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي وقوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية قال الطبري قوله فلا رد على ما تقدم تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ثم استأنف القسم وقال غيره إنما قدم لا على القسم اهتماما بالنهي وإظهارا لقوته قال ابن عطاء الله في التنوير وفي قوله سبحانه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم الله ورسوله على نفسه قولا وفعلا وأخذا وتركا وحبا وبغضا فتبين لك من هذا أنه لا تحصل لك حقيقة الإيمان بالله إلا بأمرين الامتثال لأمره والاستسلام لقهره سبحانه انتهى وشجر معناه اختلط والتف من أمورهم وهو من الشجر شبه بالتفاف الأغصان والحرج الضيق والتكلف والمشقة قال مجاهد حرجا شكا وقوله تسليما مصدر مؤكد منبىء عن التحقيق في التسليم لأن العرب إنما تردف الفعل بالمصدر إذا أرادت أن الفعل وقع حقيقة كما قال تعالى وكلم الله موسى تكليما قال مجاهد وغيره المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت ورجح الطبري هذا لأنه أشبه بنسق الآية وقالت طائفة نزلت فى رجل خاصم الزبير بن العوام فى السقي بماء الحرة كما هو مذكور فى البخاري وغيره وان الزبير قال فما احسب ان هذه الآية نزلت إلا في ذلك وكتبنا معناه فرضنا أن أقتلوا أنفسكم معناه يقتل بعضكم بعضا وقد تقدم نظيره في البقرة وسبب الاية على ما حكى أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي صلى الله عليه و سلم ما رأينا أسخف من هؤلاء يؤمنون بمحمد ثم لا يرضون بحكمه ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا وبلغ القتل فينا سبعين ألفا فقال ثابت بن قيس لو كتب ذلك علينا لفعلناه فنزلت الآية معلمة بحال أولئك المنافقين وانه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون كثابت قلت وفي العتبية عن مالك عن أبي بكر رضي الله عنه نحو مقالة ثابت بن قيس قال ابن رشد ولا شك أن أبا بكر من القليل الذي استثنى الله تعالى في الآية فلا احد أحق بهذه الصفة منه انتهى قال ص إلا قليل الجمهور بالرفع علىالبدل من واو فعلوه عند البصريين انتهى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيرا لهم وتثبيتا معناه يقينا وتصديقا ونحو هذا أي يثبتهم الله ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر ووصفه إياه بالعظيم مقتض ما لا يحصيه بشر من النعيم المقيم والصراط المستقيم الإيمان المؤدي إلى الجنة والمقصود تعديد ما كان ينعم به عليهم سبحانه وقوله جلت عظمته ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم الآية لما ذكر الله سبحانه الأمر الذي لو فعلوه لأنعم عليهم ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله وهذه الاية تفسر قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وقالت طائفة إنما نزلت هذه الاية لما قال عبد الله بن زيد الأنصاري الذي أري الأذان يا رسول الله إذا مت ومتنا كنت في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية قال ع ومعنى أنهم معهم في دار واحدة ومتنعم واحد وكل من فيها قد رزق الرضى بحاله وذهب عنه أن يعتقد أنه مفصول وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم وعلى قدر فضل الله على من يشاء والصديق فعيل من الصدق وقيل من الصدقة وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم الصديقون المتصدقون ولفظ الشهداء في هذه الآية يعم أنواع الشهداء قال ص وحسن اولائك رفيقا فيه معنى التعجب كأنه قال وما أحسن أولئك رفيقا وقد قدمنا في كلام ابن الحاج ما يدل على أن التعجب لازم لفعل المستعمل للمدح والذم على كل حال سواء استعملت استعمال نعم أو لا انتهى وقوله تعالى ذلك الفضل من الله الإشارة بذلك إلى كون المطيعين مع المنعم عليهم وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا خذوا حذركم الآية هذا خطاب المخلصين من أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وأمر لهم بجاهد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الإسلام وخذوا حذركم أي احزموا واستعدوا بأنواع الاستعداد وانفروا معناه اخرجوا وثبات معناه جماعات متفرقات وهي السرايا والثبة حكي أنها فوق العشرة وجميعا معناه الجيش الكثير مع النبي صلى الله عليه و سلم هكذا قال ابن عباس وغيره وقوله تعالى وإن منكم إيجاب والخطاب لجماعةالمؤمنين والمراد بمن المنافقون وعبر عنهم بمنكم إذ هم في الظاهر في عداد المؤمنين واللام الداخلة على من لام التأكيد والداخلة على يبطئن لام القسم عند الجمهور وتقديره وإن منكم لمن والله ليبطئن ويبطئن معناه يبطيء غيره أي يثبطه ويحمله على التخلف عن مغازي رسول الله صلى الله عليه و سلم ومصيبة يعني من قتال واستشهاد وإنما هي مصيبة بحسب اعتقاد المنافقين ونظرهم الفاسد وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة من الله سبحانه لحسن مئالها وشهيدا معناه مشاهدا وقوله تعالى ولئن أصابكم فضل من الله أي ظفرتم وغنمتم ندم المنافق وقال يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما متمنيا شيئا قد كان عاهد أن يفعله ثم غدر في عهده وقوله تعالى كأن لم يكن بينكم وبينه مودة التفاتة بليغة واعتراض بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم وقال الزجاج قوله كأن لم يكن بينكم وبينه مودة مؤخر وإنما موضعه فإن أصابكم مصيبة قال ع وهذا ضعيف لأنه يفسد فصاحة الكلام قال ص وقوله فأفوز بالنصب هو جواب التمني انتهى وقوله تعالى فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة الآية هذا أمر من الله سبحانه للمؤمنين بالجهاد ويشرون هنا معناه يبيعون ثم وصف سبحانه ثواب المقاتلين والأجر العظيم الجنة وقوله تعالى وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله الآية ما استفهام والمستضعفين عطف على اسم الله عز و جل أي وفي سبيل المستضعفين لاستنقاذهم ويعني بالمستضعفين من كان بمكة تحت إذلال كفرة قريش وفيهم كان صلى الله عليه و سلم يقول اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين والولدان عبارة عن الصبيان والقرية هنا مكة بإجماع والآية تتناول المؤمنين والأسرى في حواضر الشرك إلى يوم القيامة قال ابن العربي في أحكامه قال علماؤنا رحمهم الله أوجب الله تعالى في هذه الآية القتال لاستنقاذ الأسرى من يد العدو وقد روى الأئمة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني ينعي الأسير قال مالك رحمه الله على الناس أن يفكوا الأسرى بجميع أموالهم وكذلك قالوا عليهم أن يواسوهم انتهى وقوله تعالى الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله الآية هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم وقرينة ذكر الشيطان بعد تدل على أن المراد بالطاغوت هنا الشيطان وإعلامه تعالى بضعف كيد الشيطان فيه تقوية لقلوب المؤمنين وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهده وقوله تعالى ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ايديكم وأقيموا الصلوة الآية اختلف المتأولون فيمن المراد بقوله الذين قيل لهم فقال ابن عباس وغيره كان جماعة من المؤمنين قد انفوا من الذل بمكة قبل الهجرة وسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبيح لهم مقاتلة المشركين فامرهم عن الله تعالى بكف الايدى فلما كتب عليهم القتال بالمدينة شق ذلك على بعضهم ولحقهم ما يلحق البشر من الخور والكع عن مقارعة العدو فنزلت الآية فيهم وقال ابن عباس ايضا ومجاهد انما الآية حكاية عن حال اليهود انهم فعلوا ذلك مع نبيهم في وقته فمعنى الحكاية عنهم تقبيح فعلهم ونهي المؤمنين عن فعل مثله وقيل المراد المنافقون واو تقدم شرحها في سورة البقرة في قوله تعالى او اشد قسوة لان الموضعين سواء وقولهم لم كتبت علينا القتال رد في صدر اوامر الله سبحانه وقلة استسلام له والاجل القريب يعنون به موتهم على فرشهم هكذا قال المفسرون قال ع وهذا يحسن إذا كانت الآية في اليهود أو في المنافقين وأما إذا كانت في طائفة من الصحابة فانما طلبوا التأخر إلى وقت ظهور الاسلام وكثرة عددهم ويحسن القول بانها في المنافقين اطراد ذكرهم فيما يأتى بعد من الآيات وقوله سبحانه قل متاع الدنيا قليل الآية المعنى قل يا محمد لهؤلاء متاع الدنيا أي الاستمتاع بالحياة فيها الذى حرصتم عليه قليل وباقى الآية بين وهذا اخبار منه سبحانه يتضمن تحقير الدنيا قلت ولما علم الله في الدنيا من الآفات حمى منها اولياءه ففي الترمذي عن قتادة بن النعمان عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال إذا احب الله عبدا حماه الدنيا كما يظل احدكم يحمى سقيمه الماء قال أبو عيسى وفي الباب عن صهيب وأم المنذر وهذا حديث حسن وفي الترمذي عن ابن مسعود قال نام النبي صلى الله عليه و سلم على حصير فقام وقد اثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك فراشا فقال مالى وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله سبحانه في بروج الاكثر والاصح الذى عليه الجمهور أنه اراد بالبروج الحصون التي في الأرض المبنية لانها غاية البشر في التحصن والمنعة فمثل الله لهم بها قال قتادة المعنى في قصور محصنة وقاله ابن جريج والجمهور وبرج معناه ظهر ومنه تبرج المرأة ومشيدة قال الزجاج وغيره معناه مرفوعة مطولة ومنه اشاد الرجل ذكر الرجل إذا رفعه وقالت طائفة مشيدة معناه محسنة باللشيد وهو الجص وروى النساءي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال اكثروا ذكر هادم اللذات يقنى الموت وخرجه ابن ماجه والترمذي وخرجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن انس عن يحي بن سعيد عن ابن المسيب عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه و سلم بمثله وروى ابن ماجة بسنده عن ابن عمر انه قال كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه و سلم فجاء رجل من الانصار فسلم على النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أي المؤمنين افضل قال احسنهم خلقا قال فأي المؤمنين اكيس قال اكثرهم للموت ذكرا واحسنهم لما بعده استعدادا اولائك الاكياس واخرجه مالك ايضا انتهى من التذكرة وقوله تعالى وإن تصبهم حسنة الآية الضمير في تصبهم عائد على الذين قيل لهم كفوا ايديكم وهذا يدل على انهم المنافقون لان المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة ولان اليهود لم يكونوا للنبي صلى الله عليه و سلم تحت امر فتصيبهم بسببه اسواء والمعنى أن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من غنيمة أو غير ذلك رأوا أن ذلك بالاتفاق من صنع الله لا ببركة اتباعك والايمان بك وان تصبهم سيئة أي هزيمة أو شدة جوع أو غير ذلك قالوا هذه بسببك وقوله قل كل من عند الله إعلام من الله سبحانه أن الخير والشر والحسنة والسيئة خلق له ومن عنده لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه والمعنى قل يا محمد لهؤلاء ثم وبخهم سبحانه بالاستفهام عن علة جهلهم وقلة فهفهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق والفقه في اللغة الفهم وفي الشرع الفهم في أمور الدين ثم غلب عليه الإستعمال في علم المسائل الأحكامية وقوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وغيره داخل في المعنى ومعنى الآية عند ابن عباس وغيره على القطع واستيناف الأخبار من الله عز و جل بأن الحسنة منه ومن فضله وبأن السيئة من الإنسان بإذنابه وهي من الله تعالى بخلقه واختراعه لا خالق سواه سبحانه لا شريك له وفي مصحف ابن مسعود فمن نفسك وأنا قضيتها عليك وقرأ بها ابن عباس وفي وراية وأنا قدرتها عليك ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم معناه أن ما يصيب ابن آدم من المصائب فإنما هو عقوبة ذنوبه قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي قوله تعالى وما أصابك من سيئة فمن نفسك خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد غيره انتهى وفي قوله سبحانه وأرسلناك للناس رسولا ثم تلاه بقوله وكفى بالله شهيدا توعد للكفار وتهديد تقتضيه قوة الكلام لأن المعنى شهيدا على من كذبه وقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله فالمعنى أن الرسول عليه السلام إنما يأمر وينهي بيانا وتبليغا عن الله وتولى معناه أعرض وحفيظا يحتمل معنيين أي لتحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر والمعاصي ونحوه أو لتحفظ مساويهم وتحسبها عليهم وهذه الآية تقتضي الإعراض عن من تولى والترك له وهي قبل نزول القتال وإنما كانت توطئة ورفقا من الله عز و جل حتى يستحكم أمر الإسلام وقوله تعالى ويقولون طاعة الآية نزلت في المنافقين باتفاق المفسرين المعنى يقولون لك يا محمد أمرنا طاعة فإذا خرجوا من عندك اجتمعوا ليلا وقالوا غير ما أظهروا لك وبيت معناه فعل ليلا وهو مأخوذ من بات أو من البيت لأنه ملتزم بالليل وقوله تقول يحتمل أن يكون معناه تقول أنت ويحتمل تقول هي لك والأمر بالإعراض إنما هو عند معاقبتهم ومجازاتهم وأما استمرار عظتهم ودعوتهم فلازم ثم أمر سبحانه بالتوكل عليه والتمسك بعروته الوثقى ثقة بإنجاز وعده في النصر والوكيل القائم بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها وقوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن الآية المعنى أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون كلام الله تعالى فتظهر لهم براهينه وتلوح لهم أدلته قلت اعلم رحمك الله تعالى أن تدبر القرآن كفيل لصاحبه بكل خير وأما الهدرمة والعجلة فتأثيرها في القلب ضعيف قال النووي رحمه الله وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة ويدل عليه ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرها عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يفقه من قرأ القرآن في اقل من ثلاث انتهى قال ع والتدبر هو النظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء هذا كله يقتضيه قوله سبحانه أفلا يتدبرون القرآن وهذا أمر بالنظر والاستدلال ثم عرف تعالى بموقع الحجة أي لو كان من كلام البشر لدخله ما في البشر من القصور وظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه إذ ذلك موجود في كلام البشر والقرآن منزه عنه إذ هو كلام المحيط بكل شيء سبحانه قال ع فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافا في شيء من كتاب الله فالواجب أن يتهم نظره ويسأل من هو أعلم منه وقوله تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف الآية قال جمهور المفسرين أن الآية في المنافقين حسبما تقدم والمعنى أن المنافقين كانوا يتشوفون إلى سماع ما يسيء النبي صلى الله عليه و سلم فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح عليهم حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا ذلك التحقير والتصغير وإذا طرأت لهم شبهة خوف للمسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك وأذاعوا به معناه أفشوه وهو فعل يتعدى بحرف الجر وبنفسه أحيانا وقالت فرقة الاية نزلت في المنافقين وفيمن ضعف جلده وقلت تجربته من المؤمنين وفي الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاء وقوم في المسجد يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه و سلم نساءه ثم قال فقلت يا رسول الله أطلقت نساءك فقال لا قال عمر فقمت على باب المسجد فقلت ألا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يطلق نساءه فأنزل الله تعالى هذه الآية وإذ جاءهم أمر من الأمن أو الخوف الآية قال وأنا الذي استنبطته وقوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول الآية المعنى لو أمسكوا عن الخوض واستقصوا الأمر من قبل الرسول وأولي الأمر وهم الأمراء والعلماء لعلمه طلابه من أولي الأمر والبحثة عنه وهم مستنبطوه كما يستنبط الماء وهو استخراجه من الأرض وقوله سبحانه ولولا فضل الله عليكم ورحمته الآية خطاب لجميع المؤمنين باتفاق من المتأولين وقوله إلا قليلا هو مستنثى في قول جماعة من قوله لا تبعتم الشيطان إلا قليلا وقال ابن عباس وابن زيد ذلك مستثنى من قوله اذاعوا به إلا قليلا ورجحه الطبري وقال قتادة هو مستثنى من قوله يستنبطونه إلا قليلا ت قال الداودي قال أبو عبيدة وإنما كره العلماء أن يجعلوا الاستثناء من قوله لاتبعتم الشيطان إلا قليلا لأنه لا وجه له فإنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم انتهى وهو حسن وأما قوله لا وجه له ففيه نظر فقد وجهه العلماء بما لا نطيل بذكره وقوله تعالى فقاتل في سبيل الله الاية هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي صلى الله عليه و سلم وحده لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه و سلم دون الأمة مدة ما والمعنى والله أعلم أنه خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم في اللفظ وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه أي أنت يا محمد ولك واحد من أمتك القول له فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم والله لأقاتلنكم حتى تنفرد سالفتي وقول أبي بكر رضي الله عنه وقت الردة ولول خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي وعسى إذا وردت من الله تعالى فقال عكرمة وغيره هي واجبة بفضل الله ووعده الجميل قلت أي واقع ما وعد به سبحانه والتنكيل الأخذ بأنواع العذاب وقوله سبحانه من يشفع شفاعة حسنة الآية قال مجاهد وغيره هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم فمن يشفع لينفع فله نصيب ومن يشفع ليضر فله كفل والكفل النصيب ويستعمل في الخير وفي الشر وفي كتاب الله تعالى يؤتكم كفلين من رحمته وروى أبو داود عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها قد أتى بابا عظيما من أبواب الربا انتهى ومقيتا معناه قديرا ومنه قول الزبير بن عبد المطلب ... وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على إساءته مقيتا ... أي قديرا وقيل ميتا معناه شهيدا وقيل حفيظا وذهب مقاتل إلى أنه الذي يقوت كل حيوان قال الداودي قال الكلبي المقيت هوالمقدر بلغة قريش انتهى وقوله سبحانه وإذا حييتم بتحية الآية قالت فرقة معنى الآية تخيير الراد فإذا قال البادىء السلام عليك فللراد أن يقول وعليك السلام فقط وهذا هو الرد وله أن يقول وعليك السلام ورحمة الله وهذا هو التحية بأحسن وروي عن ابن عمر وغيره انتهاء السلام إلى البركة وقالت فرقة المعنىإذا حييتم بتحية فإن نقص المسلم من النهاية فحيوا بأحسن منهاوإن انتهى فردوها كذلك قال عطاء والآية في المؤمنين خاصة ومن سلم من غيرهم فيقال له عليك كما في الحديث وفي أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أولى الناس بالله من بدأ بالسلام انتهى واكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة مؤكدة ورده فريضة لأنه حق من الحقوق قاله الحسن وغيره قال النووي وروينا في كتاب ابن السني عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما من عبدين متحابين في الله عز و جل يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه فيصلينان على النبي صلى الله عليه و سلم إلا لم يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر وروينا فيه عن أنس أيضا قال ما أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيد رجل ففارقه حتى قال اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وروينا فيه عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا وتكاشرا بود ونصيحة تناثرت خطاياهما بينهما وفي رواية إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله تعالى واستغفرا غفر الله عز و جل لهما انتهى حسيبا معناه حفيظا وهو فعيل من الحساب وقوله سبحانه الله لا إله إلا هو ليجمعنكم الآية لما تقدم الإنذار والتحذير الذي تضمنه قوله تعالى إن الله كان على كل شيء حسيبا تلاه الإعلام بصفة الربوبية وحال الوحدانية والإعلام بالحشر والبعث من القبور للثواب والعقاب إعلاما بقسم تقديره وحقه وعظمته ليجمعنكم والجمع بمعنى الحشر وقوله سبحانه ومن أصدق من الله حديثا المعنى لا أحد أصدق من الله تعالى وقوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين الآية واختلف في هؤلاء المنافقين فقال ابن عباس هم قوم كانوا بمكة أظهروا الإيمان لأصحاب النبي صلى الله عليه و سلم في كتب بعثوا بها إلى المدينة ثم خرجوا مسافرين إلى الشام واعطتهم قريش بضاعات وقالوا لهم أنتم لا تخافون أصحاب محمد لأنكم تخدعونهم بإظهار الإيمان فاتصل خبرهم بالمدينة فاختلف المؤمنون فيهم فقالت فرقة نخرج إليهم فإنهم منافقون وقالت فرقة بل هم مؤمنون لا سبيل لنا إليهم فنزلت الآية وعن مجاهد نحوه قال ع ويعضده ما في آخر الآية من قوله تعالى حتى يهاجروا وقال زيد بن ثابت نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين الذين رجعوا عن النبي صلى الله عليه و سلم يوم أحد وهم في صحيح البخاري مسندا قال ابن العربي في أحكامه وهذا القول هو اختيار البخاري والترمذي انتهى قال ع وعلى هذا فقوله سبحانه حتى يهاجروا المراد هجر ما نهى الله عنه كما قال عليه السلام والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وفئتين معناه فرقتين واركسهم معناه أرجعهم في كفرهم وضلالهم والركس الرجيع ومنه قوله صلى الله عليه و سلم في الروثة أنها ركس وحكى النضر بن شميل والكسائي ركس وأركس بمعنى واحد أي أرجعهم ومن قال من المتأولين أهلكهم أو أضلمهم فإنما هو بالمعنى وباقي الآية بين قال ص اركسهم أي ردهم في الكفر وقال ابن العربي في أحكامه أخبر الله تعالى أنه رد المنافقين إلى الكفر وهو الإركاس وهو عبارة عن الرجوع إلى الحالة المكروهة كما قال في الروثة أنها ركس أي رجعت إلى حالة مكروهة فنهى الله سبحانه الصحابة ان يتعلقوا فيهم بظاهر الإيمان إذ كان باطنهم الكفر وأمرهم بقتلهم حيث وجدوهم انتهى وقوله تعالى إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق الآية قال ص إلا الذين يصلون استثناء متصل من مفعول فخذوهم واقتلوهم انتهى قال ع هذه الآية من آيات الموادعة في أول الإسلام ثم نسخت بما في سورة براءة فالآية تقتضي أن من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه و سلم إلى هؤلاء أهل العهد فدخل في عدادهم وفعل فعلهم من الموادعة فلا سبيل عليه وقوله تعالى أو جاءوكم عطف على يصلون ويحتمل أن يكون على قوله بينكم وبينهم ميثاق والمعنى في العطفين مختلف وهذا أيضا حكم قبل أن يستحكم أمر الإسلام فكان المشرك إذا اعتزل القتال وجاء إلى دار الإسلام مسالما كارها لقتال قومه مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه لا سبيل عليه وهذه نسخت أيضا بما في براءة ومعنى حصرت ضاقت وحرجت ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم وحصرت في موضع نصب على الحال والسلام في قوله لسلطهم جواب لو والمعنى ولو شاء الله لسلط هؤلاء الذين هم بهذه الصفة من المسالمة والمتاركة عليكم فإن اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم فلا سبيل لكم عليهم وهذا كله والذي في سورة الممتحنة لا ينهاكم الله الآية منسوخ قاله قتادة وغيره والسلم هاهنا الصلح وقوله تعالى ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم الآية لما وصف الله سبحانه المحققين في المتاركة والقاء السلم نبه على طائفة مخادعة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم يقولون لهم نحن معكم وعلى دينكم ويقولون أيضا للمسلمين نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة وقوله إلى الفتنة معناه إلى الاختبار حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم فيقال لأحدهم قل ربي الخنفساء ربي العود ربي العقرب ونحوه فيقولها ومعنى أركسوا أي رجعوا رجع ضلالة أي أهلكوا في الاختبار بما واقعوه من الكفر وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم وثقفتموهم مأخوذ من الثقاف أي ظفرتم بهم مغلوبين متمكنا منهم والسلطان الحجة قال عكرمة حيثما وقع السلطان في كتاب الله عز و جل فهو الحجة وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ الآية قال جمهور المفسرين معنى الآية وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن والتقدير لكن الخطأ قد يقع ويتجه في معنى الآية وجه آخر وهو أن تقدر كان بمعنى استقر ووجد كانه قال وما وجد ولا تقرر ولا ساغ لمؤمن ان يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه فيجيء الاستثناء على هذا متصلا وتتضمن الاية على هذا اعظام العمد وبشاعة شأنه وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ الآية حقيقة الخطأ أن لا يقصده بالقتل ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد قال ابن عباس وغيره الرقبة المؤمنة هي الكبيرة التي قد صلت وعقلت الإيمان وقالت جماعة منهم مالك بن أنس يجزىء كل من يحكم له بحكم الإسلام في الصلاة عليه إن مات قال مالك ومن صلى وصام أحب إلي ولا يجزىء ذو العيب الكثير كأقطع اليدين أو الرجلين أو الأعمى إجماعا فيما علمت ومسلمة معناه مؤداة مدفوعة وهي على العاقلة فيما جاوز ثلث الدية وإلا أن يصدقوا يريد أولياء القتيل وقوله فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن الآية أي وإن كان هذا المقتول خطأ مؤمنا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه وإنما كفارته تحرير الرقبة قاله ابن عباس وغيره وسقطت الدية عندهم لوجهين أحدهما أن أولياء المقتول كفار فلا يصح دفع الدية إليهم والآخر قلة حرمة هذا المقتول فلا دية فيه واحتجوا بقوله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وقالت فرقة بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط وسواء قتل بين أظهر المسلمين أو بين قومه الكفار لأنه لا يصح دفعها إلى الكفار قال ع وقائل المقالة الاولى يقول أن قتل المؤمن في بلد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة وقوله تعالى وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق الآية قال ابن عباس وغيره المقتول من اهل العهد خطأ لانبالى كان مؤمنا او كافرا على عهد قومه فيه الدية والتحرير وقوله فمن لم يجد فصيام شهرين الآية أي فمن لم يجد الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها فيجزيه صيام شهرين متتابعة الايام لا يتخللها فطر وتوبة نصب على المصدر ومعناه رجوعا بكم إلى التيسير والتسهيل وقوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم الآية المتعمد في لغة العرب القاصد إلى الشيء والجمهور إن المتعمد كان من قتل كان القتل بحديدة أو غيرها وهذا هو الصحيح ورأى الشافعي وغير أن القتل بغير الحديد المشحوذ هو شبه العمد ورأوا فيه تغليظ الدية ومالك لا يرى شبه العمد ولا يقول به وإنما القتل عنده ما ذكره الله تعالى عمد أو خطأ لا غير وقوله تعالى فجزاؤه جهنم تقديره عند أهل السنة فجزاؤه ان جازاه بذلك أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه قال ع ومن اقيم عليه الحد وقتل قودا فهو غير متبع في الآخرة والوعيد غير نافذ عليه اجماعا وللحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت أنه من عوقب في الدنيا فهو كفارة له ومعنى الخلود هنا مدة طويلة أن جازاه الله ويدل على ذلك سقوط لفظ التأبيد قال ع والجمهور على قبول توبته وروي عن بعض العلماء انهم كانوا يقصدون الإغلاظ والتخويف احيانا فيطلقون أن لا تقبل توبته منهم ابن شهاب وابن عباس فكان ابن شهاب إذا سأله من يفهم منه أنه قد قتل قال له توبتك مقبولة وإذا سأله من لم يفعل قال لا توبة للقاتل وعن ابن عباس نحوه قال الداودي وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال والله للدنيا وما فيها اهون على الله من قتل نفس بغير حق ومن اعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم يلقاه مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله وعن معاوية أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من قتل مؤمنا متعمدا أو مات كافرا وعن أبي هريرة أنه سئل عن قاتل المؤمن هل له من توبة فقال لا والله الذى لا اله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط قال ولو أن أهل السموات والأرض اشركوا في دم مؤمن إلا كبهم الله جميعا في النار انتهى وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية تقول ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة بفى وضربت الأرض دون في إذا قصدت قضاء الحاجة وقال ص ضربتم أي سافرتم قال ع وسبب هذه الآية أن سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه و سلم لقيت رجلا له جمل ومتيع وقيل غنيمة فسلم على القوم وقال لا اله إلا الله محمد رسول الله فحمل عليه احدهم فقتله واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة والذى عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق وفي مصنف أبي داود وغيرهما أن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط ولا خلاف أن الذى لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة وقرأ جمهور السبعة فتبينوا وقرأ نافع وغيره السلم ومعناه الاستسلام أي القى بيده واستسلم لكم واظهر دعوتكم وقرأ باقى السبعة السلام بالالف يريد سلام ذلك المقتول على السرية لأن سلامه بتحية الاسلام مؤذن بطاعته وانقيادة وفي بعض طرق عاصم السلم بكسر السين المشددة وسكون اللام وهو الصلح والمعنى المراد بهذه الثلاثة متقارب وقرئ لست مؤمنا بفتج الميم أي لسنا نؤمنك وقوله تعالى فعند الله مغانم كثيرة عدة منه سبحانه بما يأتي به من فضله من الحلال دون ارتكاب محظور أي فلا تتهافتوا واختلف في قوله كذلك كنتم من قبل فقال ابن جبير معناه كذلك كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم فمن الله عليكم باعزاز دينكم واظهار شريعتكم فهم الآن كذلك كل واحد منهم خائف من قومه متربص ان يصل اليكم فلم يصلح اذا وصل ان تقتلوه حتى تتبينوا امره وقال ابن زيد المعنى كذلك كنتم كفرة فمن الله عليكم بان اسلمتم فلا تنكروا ان يكون هو كافرا ثم يسلم لحيه ثم وكد تبارك وتعالى الوصية بالتبين واعلم انه خبير بما يعمله العباد وذلك منه خبر يتضمن تحذيرا منه سبحانه أي فاحفظوا انفسكم وجنبوا الزلل الموبق لكم وقوله تعالى لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير اولى الضرر الآية في قوله تعالى لا يستوى ابهام على السامع وهو ابلغ من تحديد المنزلة التى بين المجاهد والقاعد فالمتأمل يمشى مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما والقاعدون عبارة عن المتخلفين قلت وخرج ابو بكر بن الخطيب بسيده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان في الجنة شجرة تخرج من اعلاها الحلل ومن اسفلها خيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة بالدر والياقوت لا تروث ولا تبول ذوات اجنحة فيجلس عليها أولياء الله فتطير بهم حيث شاءوا فيقول الذين اسفل منهم يا اهل الجنة ناصفونا يا رب ما بلغ هؤلاء هذه الكرامة فيقول الله تعالى إنهم كانوا يصومون وكنتم تفطرون وكانوا يقومون بالليل وكنتم تنامون وكانوا ينفقون وكنتم تبخلون وكانوا يجاهدون العدو وكنتم تجبنون انتهى وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة غير بالرفع صفة للقاعدون وقرأ نافع وغيره غير بالنصب استثناء من القاعدين وروي من غير ما طريق أن الآية نزلت لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فجاء ابن أم مكتوم حين سمعها فقال يا رسول الله هل من رخصة فإنى ضرير البصر فنزلت عند ذلك غير أولى الضرر قال الفلتان بن عاصم رضي الله عنه كنا قعودا عند النبي صلى الله عليه و سلم فانزل عليه وكان إذا اوحي اليه دام بصره مفتوحة عيناه وفرغ سمعه وبصره لما يأتيه من الله وكنا نعرف ذلك في وجهه قال فلما فرغ قال للكاتب اكتب لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون إلى أخر الآية قال فقام الأعمى فقال يا رسول الله ما ذنبنا قال فأنزل الله على رسوله فقلنا للاعمى أنه ينزل عليه قال فخاف أن ينزل فيه شيء فبقي قائما مكانه يقول اتوب إلى رسول الله حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال للكاتب اكتب غير أولى الضرر وأهل الضرر هم اهل الاعذار إذ قد اضرت بهم حتى منعتهم الجهاد قاله ابن عباس وغيره وقوله تعالى بأموالهم وانفسهم هي الغاية في كمال الجهاد قال ابن جريج الفضل بدرجة هو على القاعدين من اهل العذر قال ع لانهم مع المؤمنين بنياتهم كما هو مذكور في الحديث الصحيح قال ابن جريج والتفضيل بالاجر العظيم والدرجات هو على القاعدين من غير عذر والحسنى الجنة التي وعدها الله المؤمنين وكذلك قال السدي وغيره وقال ابن محيريز الدرجات هي درجات في الجنة سبعون ما بين الدرجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة قلت وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال أن في الجنة مائة درجة اعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فأنه اوسط الجنة واعلى الجنة وفوفه عرش الرحمن ومنه تفجر انهار الجنة انتهى وقال ابن زيد الدرجات في الآية هي السبع المذكورة في براءة في قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب الآية قال ع ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها فالاقوال كلها متقاربة وباقى الآية وعد كريم وتانيس وقوله تعالى أن الذين توفاهم الملائكة ظالمى انفسهم قالوا فيم كنتم الآية المراد بهذه الآية إلى قوله مصيرا جماعة من أهل مكة كانوا قد اسلموا فلما هاجر النبي صلى الله عليه و سلم اقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر فنزلت الآية فيهم قال ع والذى يجرى مع الاصول أن من مات من هؤلاء مرتدا فهو كافر ومأواه جهنم على جهةالخلود المؤبد وهذا هو ظاهر أمر هؤلاء وأن فرضنا فيهم من مات مؤمنا واكره على الخروج أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود وقوله تعالى توفاهم يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ويحتمل أن يكون مستقبلا على معنى تتوفاهم فحذفت احدى التائين وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي من هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية وظالمى أنفسهم نصب على الحال أي ظالميها بترك الهجرة وتوفاهم الملائكة معناه تقبض أرواحهم قال الزجاج وحذفت النون من ظالمين تخفيفا كقوله بالغى الكعبة وقول الملائكة فيم كنتم تقرير وتوبيخ وقول هؤلاء كنا مستضعفين في الأرض اعتذار غير صحيح إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبل ثم وقفتهم الملائكة على ذنبهم بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة والأرض الأولى هي أرض مكة خاصة وأرض الله هي الأرض بالاطلاق والمراد فتها جروا فيها إلى مواضع الامن وهذه المقاولة إنما هي بعد توفي الملائكة لارواح هؤلاء وهي دالة على أنهم ماتوا مسلمين وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا ثم استثنى سبحانه من كان استضعافه حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين والحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص والسبيل سبيل المدينة فيما قاله مجاهد وغيره والصواب انه عام فى جميع السبل ثم رجى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم والمراغم المتحول والمذهب قاله ابن عباس وغيره وقال مجاهد المراغم المتزحزح عما يكره وقال ابن زيد المراغم المهاجر وقال السدي المراغم المبتغى للمعيشة قال ع وهذا كله تفسير بالمعنى وأما الخاص باللفظة فإن المراغم هو موضع المراغمة فلو هاجر احد من هؤلاء المحبوسين بمكة لارغم انوف قريش بحصوله في منعة منهم فتلك المنعة هي موضع المراغمة قال ابن عباس وغيره السعة هنا هي السعة في الرزق وقال مالك السعة سعة البلاد قال ع وهذا هو المشبه للفصاحة أن يريد سعة الأرض وبذلك تكون السعة في الرزق واتساع الصدر وغير ذلك من وجوه الفرج وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى الم تكن أرض الله واسعة قال مالك بن أنس رحمه الله الآية تعطي أن كل مسلم ينبغى له أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن ويعمل فيها بغير الحق وقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت الآية حكم هذه الآية باق في الجهاد والمشي إلى الصلاة والحج ونحوه قلت وفي الباب حديث عن أبي أمامة وسياتي عند قوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على انفسكم قال ع والآية نزلت بسبب رجل من كنانة وقيل من خزاعة أسمه ضمرة في قول الأكثر لما سمع قول الله تعالى الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا قال اني لذو مال وعبيد وكان مريضا فقال أخرجوني إلى المدينة فأخرج في سرير فأدركه الموت بالتنعيم فنزلت الآية بسببه قال ع ومن هذه الآية رأى بعض العلماء أن من مات من المسلمين وقد خرج غازيا فله سهمه من الغنيمة قاسوا ذلك على الاجر ووقع عبارة عن الثبوت وكذلك هي وجب لان الوقوع والوجوب نزول في الاجرام بقوة فشبه لازم المعاني بذلك وباقي الآية بين وقوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية ضربتم معناه سافرتم قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهويه تقصر الصلاة في أربعة برد وهي ثمانية وأربعون ميلا وحجتهم احاديث رويت في ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقال الحسن والزهري تقصر في مسيرة يومين وروي هذا أيضا عن مالك وروي عنه تقصر في مسافة يوم وليلة وهذه الاقوال الثلاثة تتقارب في المعنى والجمهور على جواز القصر في السفر المباح وقال عطاء لا تقصر إلا في سفر طاعة وسبيل خير والجمهور أنه لا قصر في سفر معصية والجمهور أنه لا يقصر المسافر حتى يخرج من بيوت القرية وحينئذ هو ضارب في الأرض وهو قول مالك وجماعة المذهب وإلى ذلك في الرجوع وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين وليس بينهما ثلث يوم ويظهر من قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا أن القصر مباح أو مخير فيه وقد روى ابن وهب عن مالك ان المسافر مخير فيه وقاله الأبهري وعليه حذاق المذهب وقال مالك في المبسوط القصر سنة وهذا هو الذي عليه جمهور المذهب وعليه جواب المدونة بالإعادة في الوقت لمن اتم في سفره وقال ابن سحنون وغيره القصر فرض وقوله تعالى إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا الآية وفي حديث يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب أن الله تعالى يقول ان خفتم وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ويفتنكم معناه يمتحنكم بالحمل عليكم واشغال نفوسكم وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما صلى الظهر بأصحابه قال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم فقال قائل منهم أن لهم أخرى في أثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إلى أخر صلاة الخوف وقوله تعالى وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة الآية قال جمهور الأمه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة وكذلك جمهور العلماء على أن صلاة الخوف تصلى في الحضر إذا نزل الخوف قال الطبري فاقمت لهم معناه حدودها وهيئتها وقوله تعالى فلتقم طائفة منهم معك أمر بالانقسام أي وسائرهم وجاه العدو ومعظم الروايات والأحاديث على أن صلاة الخوف إنما نزلت الرخصة فيها في غزوة ذات الرقاع واختلف من المأمور بأخذ الأسلحة هنا فقيل الطائفة المصلية وقيل بل الحارسة قال ع ولفظ الآية يتناول الكل ولكن سلاح المصلين ما خف قلت ومن المعلوم أنه إذا كانت الطائفة المصلية هي المأمورة بأخذ السلاح فالحارسة من باب احرى واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم بأصحابه صلاة الخوف وبحسب ذلك اختلف الفقهاء فروى يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن ابى حثمة انه ص - صلاة الخوف يوم ذات الرقاع فصفت طائفة معه وطائفة وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا واتموا لا نفسهم ثم سلم بهم وروى القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل هذا الحديث بعينه إلا انه روى أن النبي صلى الله عليه و سلم حين صلى بالطائفة الاخيرة ركعة سلم ثم قضت بعد سلامه وبحديث القاسم بن محمد أخذ مالك واليه رجع بعد أن كان اولا يميل إلى رواية يزيد بن رومان وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال لم يصل النبي صلى الله عليه و سلم صلاة الخوف إلا مرتين مرة بذات الرقاع من أرض بنى سليم ومرة بعسفان والمشركون بضجنان بينهم وبين القبلة قا لع وظاهر اختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه و سلم يقتضي أنه صلى صلاة الخوف في غير هذين الموطنين وقد ذكر ابن عباس أنه كان في غزوة ذى قرد صلاة خوف وقوله تعالى فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم الآية المعنى فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا هذا على بعض الهيآت المروية وقيل المعنى فإذا سجدوا ركعة القضاء وهذا على رواية ابن أبي حثمة والضمير في قوله فليكونوا يحتمل أن يكون للذين سجدوا ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة اولا بازاء العدو ويجيء الكلام وصاة في حال الحذر والحرب وقوله تعالى ود الذين كفروا لو تغفلون الآية أخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة ليلا ينال العدو أمله وأسلحة جمع سلاح وفي قوله تعالى ميلة واحدة مبالغة أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية وقوله تعالى ولا جناح عليكم الآية ترخيص قال ابن عباس نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف كان مريضا فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس قال ع كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين وينقاس عليهما كل عذر ثم قوى سبحانه نفوس المؤمنين بقوله إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا وقوله تعالى فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا الآية ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو أثر صلاة الخوف على حد ما أمروا عند قضاء المناسك بذكر الله فهو ذكر باللسان والطمانينة في الآية سكون النفوس من الخوف وقال بعض المتأولين المعنى فإذا رجعتم من سفركم إلى الحضر فاقيموها تامة أربعا وقوله تعالى كتابا موقوتا معناه منجما في أوقات هذا ظاهر اللفظ وروي عن ابن عباس ان المعنى فرضا مفروضا فهما لفظان بمعنى واحد كرر مبالغة وقوله تعالى ولا تهنوا في ابتغاء القوم أي لا تلينوا وتضعفوا يقال حبل واهن أي ضعيف ومنه وهن العظم وأبتغاء القوم طلبهم وهذا تشجيع لنفوس المؤمنين وتحقير لأمر الكفرة ثم تأكد التشجيع بقوله وترجون من الله ما لا يرجون وهذا برهان بين ينبغى بحسبه ان تقوى نفوس المؤمنين وباقى الآية بين وقوله تعالى أنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله الآية في هذا الآية تشريف للنبي صلى الله عليه و سلم وتفويض اليه وتقويم أيضا على الجادة في الحكم وتأنيب ما على قبول ما رفع اليه في أمر بنى ابيرق بسرعة وقوله تعالى بما أراك الله معناه على قوانين الشرع أما بوحي ونص أو نظر جار على سنن الوحي وقد تضمن الله تعالى لانبيائه العصمة وقوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما قال الهروي خصيما أي مخاصما ولا دافعا انتهى قال ع سببها باتفاق من المتأولين أمر بنى ابيرق وكانوا أخوة بشر وبشير ومبشر وطعيمة وكان بشير رجلا منافقا يهجو اصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وينحل الشعر لغيره فكان المسلمون يقولون والله ما هو إلا شعر الخبيث فقال شعرا يتنصل فيه فمنه قوله ... افي كل ما قال الرجال قصيدة ... نحلت وقالوا ابن الأبيرق قالها ... قال قتادة بن النعمان وكان بنو ابيرق أهل فاقة فابتاع عمى رفاعة بن زيد حملا من درمك الشام فجعله في مشربه له وفي المشربة درعان له وسيفان فعدي على المشربة من الليل فلما أصبح أتاني عمى رفاعة فقال يا أبن أخي اتعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا قال فتحسنا في الدار وسألنا فقيل لنا قد رأينا بني ابيرق استوقدوا نارا في هذه الليلة ولا نراه إلا على بعض طعامكم قال وقد كان بنو ابيرق قالوا ونحن نسأل والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح واسلام فسمع ذلك لبيد فأخترط سيفه ثم اتى بنى ابيرق فقال والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة فقالوا اليك عنا أيها الرجل فو الله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم اصحابها فقال لي عمى يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته بهذه القصة فأتيته صلى الله عليه و سلم فقصصتها عليه فقال انظر في ذلك فلما سمع بذلك بنو ابيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع اليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله ص - فقالوا يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه رفاعة عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرميانهم بالسرقة على غير بينة قال قتادة فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلمته فقال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة من غير بينة قال فرجعت وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي ولم أكلمه فأتيت عمي فقال ما صنعت فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال الله المستعان فلم نلبث أن نزل القرءان أنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق الآيات قال فالخائنون بنو ابيرق والبريء المرمى لبيد بن سهل والطائفة التي همت أسير وأصحابه قال ع قال قتادة وغير واحد هذه القصة ونحوها إنما كان صاحبها طعمة بن ابيرق ويقال فيه طعيمة قال ع وطعمة بن ابيرق صرح بعد ذلك بالارتداد وهرب إلى مكة فروي أنه نقب حائط بيت ليسرقه فأنهدم الحائط عليه فقتله ويروى أنه أتبع قوما من العرب فسرقهم فقتلوه وقوله تعالى واستغفر الله ذهب الطبري إلى أن المعنى استغفر من ذنبك في خصامك للناس قال ع وهذا ليس بذنب لان النبي صلى الله عليه و سلم إنما دافع عن الظاهر وهو يعتقد براءتهم والمعنى واستغفر للمؤمنين من أمتك والمتخاصمين بالباطل لا أن تكون ذا جدال عنهم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك لا اله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك رواه أبو داود والترمذي والنساءي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح غريب ورواه النساءي والحاكم أيضا من طرق عن عائشة وغيرها انتهى من السلاح وقوله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم لفظ عام يندرج تحته أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم وفي قوله تعالى أن الله لا يحب من كان خوانا أثيما رفق وأبقاء فإن الخوان هو الذى تتكرر منه الخيانة كطعيمة بن الابيرق والاثيم هو الذى يقصدها فيخرج من هذا التشديد الساقط مرة واحدة ونحو ذلك واختيان الانفس هو بما يعود عليها من الاثم والعقوبة في الدنيا والآخرة وقوله تعالى يستخفون من الله الآية الضمير في يستخفون للصنف المرتكب للمعاصي ويندرج في طي هذا العموم أهل الخيانة في النازلة المذكورة وأهل التعصب لهم والتدبير في خدع النبي صلى الله عليه و سلم والتلبيس عليه ويحتمل أن يكون الضمير لأهل هذه النازلة ويدخل في معنى هذا التوبيخ كل من يفعل نحو فعلهم قال صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية النفوس المرتكبة للمحارم المحتقبة للمآثم والمظالم شبيهة بالأراقم تملأ أفواهها سما وتقصد من تقذفه عليه عدوانا وظلما تجمع في ظمائرها سموم شرورها وضررها وتحتال لالقائها على الفافلين عن مكائدها وخدعها انتهى ومعنى وهو معهم بالاحاطة والعلم والقدرة ويبيتون يدبرون ليلا ويحتمل أن تكون اللفظة مأخوذة من البيت أي يستترون في تدبيرهم بالجدرات وقوله تعالى هانتم هؤلاء خطاب للقوم الذين يتعصبون لأهل الريب والمعاصي ويندرج في طي هذا العموم أهل النازلة وهو الاظهر عندى بحكم التأكيد بهؤلاء وهي إشارة إلى حاضرين ومن مصابيح البغوي عن أبي داود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع قال في مؤمن ما ليس فيه اسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ويروى من اعان على خصومة لا يدري احق أم باطل فهو في سخط الله حتى ينزع انتهى وقوله تعالى فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة الآية وعيد محض ولما تمكن هذا الوعيد وقضت العقول بأن لا مجادل لله سبحانه ولا وكيل يقوم بأمر العصاة عنده عقب ذلك بهذا الرجاء العظيم والمهل المنفسح فقال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه الآية وباقي الآية بين وقوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما ذهب بعض الناس إلى انهما لفظان بمعنى كرر لا ختلاف اللفظ وقال الطبري إنما فرق بين الخطيئة والاثم لان الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد والاثم لا يكون إلا عن عمد وهذه الاية لفظها عام ويندرج تحت ذلك العموم أهل النازلة المذكورة وبريء النازله بريء وقوله فقد احتمل بهتانا تشبيه إذ الذنوب ثقل ووزر فهي كالمحمولات وبهتانا معناه كذبا ثم وقف الله تعالى نبيه على مقدار عصمته له وإنها بفضل منه سبحانه ورحمة وقوله تعالى لهمت معناه لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه وهذا يدل على أن الالفاظ عامة في غير أهل النازلة وإلا فاهل التعصب لبنى ابيرق قد وقع همهم وثبت ثم أخبرتعالى أنهم لا يضلون إلا انفسهم وما يضرونك من شيء قلت ثم ذكر سبحانه ما انعم به على نبيه من انزال الكتاب والحكمة وتعليمه ما لم يكن يعلم قال ابن العربي في رحلته اعلم ان علوم القرءان ثلاثة اقسام توحيد وتذكير واحكام وعلم التذكير هو معظم القرءان فإنه مشتمل على الوعد والوعيد والخوف والرجاء والقرب وما يرتبط بها ويدعو اليها ويكون عنها وذلك معنى تتسع ابوابه وتمتد اطنابه انتهى وباقي الآية وعد كريم لنبيه عليه السلام وتقرير نعمه لديه سبحانه لا إله غيره وقوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس الآية الضمير في نجواهم عائد على الناس أجمع وجاءت هذه الآيات عامة التناول وفي عمومها يندرج أصحاب النازلة وهذا من الفصاحة والايجاز المضمن الماضي والغابر في عبارة واحدة قال النووي وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كل كلام ابن أدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى انتهى والنجوى المسارة وقد تسمى بها الجماعة كما يقال قوم عدل وليست النجوى بمقصورة على الهمس في الاذن والمعروف لفظ يعم الصدقة والاصلاح وغيرهما ولكن خصا بالذكر اهتماما إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد ثم وعد تعالى بالاجر العظيم على فعل هذه الخيرات بنية وقصد لرضى الله تعالى وقوله تعالى ومن يشاقق الرسول الآية لفظ عام نزل بسبب طعمة بن ابيرق لانه ارتد وسار إلى مكة فاندرج الانحاء عليه في طي هذا العموم المتناول لمن اتصف بهذه الصفات إلى يوم القيامة وقوله نوله ما تولى وعيد بأن يترك مع فاسد اختياره في تودد الطاغوت ثم اوجب تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به وقد مضى تفسير مثل هذه الآية وقوله تعالى أن يدعون من دونه إلا إناثا وأن يدعون إلا شيطانا مريدا الآية الضمير في يدعون عائد على من ذكر في قوله ومن يشاقق الرسول وأن نافية بمعنى ما ويدعون عبارة مغنية موجزة في معنى يعبدون ويتخذون ءالهة قلت وفي البخاري إلا إناثا يعنى الموات حجرا ومدرا وما أشبهه انتهى وفي مصحف عائشة إلا أوثانا ونحوه عن ابن عباس والمراد بالشيطان هنا ابليس قاله الجمهور وهو الصواب لأن سائر المقالة به تليق ومريدا معناه متمردا عاتيا صليبا في غوايته واصل اللعن الإبعاد والمفروض معناه في هذا الموضع المنحاز وهو مأخوذ من الفرض وهو الحز في العود وغيره قال ع ويحتمل ان يريد واجبا أن اتخذه وبعث النار هو نصيب ابليس وقوله ولأ ضلنهم الآية معنى اضلنهم اصرفهم عن طريق الهدى ولأمنينهم لأسولن لهم وامانيه لا تنحصر في نوع واحد والبتك القطع وقوله ولآمرنهم فليغيرن خلق الله اختلف المتأولون في معنى تغيير خلق الله وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير ضار فهو داخل في الآية وكل تغيير نافع فهو مباح وفي مختصر الطبري فليغيرن خلق الله قال ابن عباس خلق الله دين الله وعن إبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد مثله وفسر ابن زيد لا تبديل لخلق الله أي لدين الله واختار الطبري هذا القول واستدل له بقوله تعالى ذلك الدين القيم وأجاز أن يدخل في الآية كل ما نهى الله عنه من معاصيه والترك لطاعته انتهى وهو حسن قال ع واللامات كلها للقسم قال ص ولأضلنهم مفعوله محذوف أي عن الهدى وكذا ولا ولأمنينهم أي الباطل وكذا ولآمرنهم أي بالبتك فليبتكن وكذا ولآمرنهم أي بالتغيير فلغيرن كل ما اوجده الله للطاعة فيستعينون به في المعصية انتهى ولما ذكر الله سبحانه عتو الشيطان وما توعد به من بث مكره حذر تبارك وتعالى عباده بأن شرط لمن يتخذه وليا جزاء الخسران وقوله تعالى يعدهم ويمنيهم أي يعدهم باباطيله من المال والجاه وأن لا بعث ولا عقاب ونحو ذلك لكل احد ما يليق بحاله ويمنيهم كذلك ثم ابتدأ سبحانه الخبر عن حقيقة ذلك بقوله وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ثم اخبر سبحانه بمصير المتخذين الشيطان وليا وتوعدهم بأن مأواهم جهنم لا يدافعونها بحيلة ولا يتروغون ومحيصا من حاص إذ راغ ونفر ومنه قول الشاعر ... ولم ندر أن حصنا من الموت حيصة ... كم العمر باق والمدى متطاول ... ومنه الحديث فحاصوا حيصة حمر الوحش ولما ذكر سبحانه ما تقدم من الوعيد واقتضى ذلك التحذير عقب ذلك عز و جل بالترغيب في ذكره حالة المؤمنين واعلم بصحة وعده ثم قرر ذلك بالتوقيف عليه في قوله ومن اصدق من الله قيلا والقيل والقول واحد ونصبه على التمييز وقوله تعالى ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب الآية الاماني جمع امنية وهي ما يتشهاه المرء ويطمع نفسه فيه قال ابن عباس وغيره الخطاب لأمة النبي صلى الله عليه و سلم وفي مختصر الطبري عن مسروق وغيره قال احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون نحن اهدى وقال اهل الكتاب نحن اهدى فأنزل الله هذه الآية وعن مجاهد قالت العرب لن نبعث ولن نعذب وقالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قال الطبري وقول مجاهد اولى بالصواب وذلك أن المسلمين لم يجر لامانيهم ذكر فيما مضى من الآي وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان انتهى وعليه عول ص في سبب نزول الآية أعني على تأويل مجاهد وقوله تعالى من يعمل سوءا يجز به قال جمهور الناس لفظ الآية عام فالكافر والمؤمن مجازى فإما مجازات الكافر فالنار وأما مجازات المؤمن فبنكبات الدنيا فمن بقي له سوأ إلى الآخرة فهو في المشيئة يغفر الله لمن يشاء ويجازي من يشاء وقوله تعالى ومن يعمل من الصالحات دخلت من للتبعيض إذ الصالحات على الكمال مما لا يطيقه البشر ففي هذا رفق بالعباد لكن في هذا البعض الفرائض وما أمكن من المندوب إليه ثم قيد الأمر بالإيمان إذ لا ينفع عمل دونه والنقير النكتة التي في ظهر النواة ومنه تنبت وعن ابن عباس ما تنقره بإصبعك ثم أخبر تعالى إخبارا موقفا على أنه لا احسن دينا ممن أسلم وجهه لله أي أخلص مقصده وتوجهه وأحسن في أعماله واتبع الحنيفية ملة إبراهيم إمام العالم وقدوة الأديان ثم ذكر سبحانه تشريفه لنبيه إبراهيم عليه السلام باتخاذه خليلا وسماه خليلا إذ كان خلوصه وعبادته واجتهاده على الغاية التي يجرى إليها المحب المبالغ وذهب قوم إلى أنه سمي خليلا من الخلة بفتح الخاء أي لأنه أنزل خلته وفاقته بالله تعالى وكذلك شرف الله نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بالخلة كما هو مصرح به في الحديث الصحيح وقوله تعالى ولله ما في السموات وما في الأرض الآية ذكر سبحانه سعة ملكه وإحاطته بكل شيء عقب ذكر الدين وتبيين الجادة منه ترغيبا في طاعته والانقطاع إليه سبحانه وقوله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم الآية معنى قوله يفتيكم فيهن أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه قال ع تحتمل ما أن تكون في موضع رفع عطفا على اسم الله عز و جل أي ويفتيكم ما يتلي عليكم في الكتاب يعني القرآن والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآية في أمر النساء وهو قوله تعالى في صدر السورة وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء الآية قالت عائشة نزلت هذه الآية أولا ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أمر النساء فنزلت ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن الآية وقوله تعالى فى يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن معناه النهي عما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة بدون ما تستحقه من المهر ومن عضل الدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل والذي كتب الله لهن هو توفية ما تستحقه من مهر وقوله تعالى وترغبون أن تنكحوهن أي إن كانت الجارية غنية جميلة فالرغبة في نكاحها وإن كانت بالعكس فالرغبة عن نكاحها وقوله تعالى والمستضعفين من الولدان عطف على يتامى النساء والذي يتلى في المستضعفين من الولدان هو قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم الآية وذلك أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير ففرض الله تعالى لكل واحد حقه وقوله تعالى وأن تقوموا لليتامى بالقسط عطف أيضا على ما تقدم والذي تلي في هذا المعنى هو قوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم الآية إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم والقسط العدل وباقي الآية بين وقوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا الآية هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ونحو ذلك مما يرغب زوجها عنها فيعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة فتريد هي بقاء العصمة فهذه التي أباح الله بينهما الصلح ورفع الجناح فيه واختلف في سبب نزول الآية فقال ابن عباس وجماعة نزلت في النبي عليه السلام وسودة بنت زمعة وفي المصنفات أن سودة لما كبرت وهبت يومها لعائشة وقال ابن المسيب وغيره نزلت بسبب رافع بن خديج وامرأته خولة وقال مجاهد نزلت بسبب أبي السنابل وامرأته ولفظ ابن العربي في أحكامه قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا الآية قالت عائشة رضي الله تعالى عنها هي المرأة تكون عند الرجل ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول له أجعلك من شأني في حل فنزلت الآية قال الفقيه أبو بكر بن العربي فرضوان الله على الصديقة المطهرة لقد وفت بما حملها ربها من العهد في قوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة انتهى وقوله تعالى والصلح خير لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير علىالإطلاق ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفرقة وقوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح معذرة عن عبيده تعالى أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها وقال ابن زيد الشح هنا منه ومنها قال ع وهذا حسن والشح الضبط على المعتقدات وفي الهمم والأموال ونحو ذلك فما أفرط منه ففيه بعض المذمة وهو الذي قال تعالى فيه ومن يوق شح نفسه وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة لكنها قد تكون في المؤمن ومنه الحديث قيل يا رسول الله أيكون المؤمن بخيلا قال نعم وأما الشح ففي كل أحد وينبغي أن لا يفرط إلى على الدين ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح وقوله ومن يوق شح نفسه فقد أثبت أن لكل نفس شحا وقول النبي عليه السلام وان تصدق وأنت صحيح شحيح وهذا لم يرد به واحدا بعينه وليس يجمل أن يقال هنا أن تصدق وأنت صحيح بخيل وقوله تعالى وإن تحسنوا ندب إلى الإحسان في تحسين العشرة والصبر على خلق الزوجة وتتقوا معناه تتقوا الله في وصيته بهن إذ هن عوان عندكم وقوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا الآية معناه العدل التام على الإطلاق والمستوى في الأفعال والأقوال والمحبة والجماع وغير ذلك وكان صلى الله عليه و سلم يقسم بين نسائه ثم يقول اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك فوصف الله سبحانه حالة البشر أنهم بحكم الخلفة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض ثم نهى سبحانه عن الميل كل الميل وهو أن يفعل فعلا يقصده من التفضيل وهو يقدر أن لا يفعله فهذا هو كل الميل وإن كان في أمر حقير وقوله سبحانه فتذروها كالمعلقة أي لا هي أيم ولا ذات زوج وجاء في التي قبل وإن تحسنوا وفي هذه وإن تصلحوا لأن الأولى في مندوب إليه وفي هذه في لازم إذ يلزمه العدل فيما يملك وقوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته الآية أي إن شح كل واحد من الزوجين فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه في المال والشعرة والسعة وجود المرادات والتمكن منها والواسع معناه الذي عنده خزائن كل شيء وقوله سبحانه ولله ما في السموات وما في الأرض تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين ثم جاء بعد ذلك قوله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض تنبيها على استغنائه عن العباد ومقدمة للخبر بكونه غنيا حميدا ثم جاء بعد ذلك قوله ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا مقدمة للوعيد فهذه وجوه تكرار هذا الخبر الواحد ثلاث مرات متقاربة ت وفي تمشيته هذه عندي نظر والأحسن بقاء الكلام على نسقه فقوله رحمه الله تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين حسن وإنما الذي فيه قلق ما بعده من توجيهه وقوله تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم الآية لفظ عام لكل من أوتي كتابا فإن وصيته سبحانه لعباده لم تزل منذ أوجدهم ت قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي في سراج الملوك ولما ضرب ابن ملجم عليا رضي الله عنه أدخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق فدعا أولاده الحسن والحسين ومحمدا فقال أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر والعدل على الصديق والعدو والعمل في النشاط والكسل والرضا عن الله في الشدة والرخاء يا بني ما شر بعده الجنة بشر ولا خير بعده النار بخير وكل نعيم دون الجنة حقير وكل بلاء دون النار عافية من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته ومن سل سيف بغي قتل به ومن حفر لأخيه بيرا وقع فيها ومن هتك حجاب أخيه كشف عورات بنيه ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره ومن استغنى بعقله زل ومن تكبر على الناس ذل ومن أعجب برأيه ضل ومن جالس العلماء وقر ومن خالط الأنذال احتقر ومن دخل مداخل السوء اتهم ومن مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر خطأه ومن كثر خطأه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ومن مات قلبه دخل النار يا بني الأدب خير ميراث وحسن الخلق خير قرين يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله وواحد في ترك مجالسة السفهاء يا بني زينة الفقر الصبر وزينة الغنى الشكر يا بني لا شرف أعز من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى يا بني الحرص مفتاح البغي ومطية النصب طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وقوله وفعله انتهى والوكيل القائم بالأمور المنفذ فيها ما رآه وقوله أيها الناس مخاطبة للحاضرين من العرب وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم وقوله بآخرين يريد من نوعكم وتحتمل الآية أن تكون وعيد لجميع بني آدم ويكون الآخرون من غير نوعهم كالملائكة وقول الطبري هذا الوعيد والتوبيخ للشافعين والمخاصمين في قصة بني أبيرق بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر وقوله تعالى من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة الآية أي من كان لا مراد له إلا في ثواب الدنيا لا يعتقد أن ثم سواه فليس كما ظن بل عند الله سبحانه ثواب الدارين فمن قصد الآخرة أعطاه الله من ثواب الدنيا وأعطاه قصده ومن قصد الدنيا فقط أعطاه من الدنيا ما قدر له وكان له في الآخرة العذاب والله تعالى سميع للأقوال بصير بالأعمال والنيات وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرىء ما نوى الحديث قال النووي بلغنا عن ابن عباس أنه قال إنما يحفظ الرجل على قدر نيته وقال غيره إنما يعطى الناس على قدر نياتهم انتهى ثم خاطب سبحانه المؤمنين بقوله كونوا قوامين بالقسط وهو العدل ومعنى شهداء لله أي لذاته ولوجهه ولمرضاته سبحانه وقوله ولو على أنفسكم متعلق بشهداء هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس وإن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق ويحتمل ان يكون المعنى شهداء لله بالوحدانية ويتعلق قوله ولو على أنفسكم بقوامين بالقسط والتأويل الأول أبين وشهادة المرء على نفسه هو إقراره بالحقائق قال ص وقوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا ضمير يكن عائد إلى المشهود عليه والضمير في بهما عائد على جنسي الغني والفقير انتهى قال ع وقوله أولى بهما أي هو انظر لهما وروى الطبري أن هذه الآية هي بسبب نازلة بني أبيرق وقيام من قام فيها بغير القسط وقوله تعالى فلا تتبعوا الهوى نهي بين واتباع الهوى مرد مهلك وقوله تعالى إن تعدلوا يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا ويكون العدل بمعنى القسط وقوله تعالى وإن تلووا أو تعرضوا الآية قال ابن عباس هي في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر وقال ابن زيد وغيره هي في الشهود يلوى الشهادة بلسانه أو يعرض عن أدائها قال ع ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله وقد تقدم تفسير إلى وباقي الآية وعيد وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله الآية اختلف من المخاطب بهذه الآية فقيل الخطاب للمؤمنين ومضمن هذا الأمر الثبوت والدوام وقالت فرقة الخطاب لأهل الكتابين ورجحه الطبري وقيل الخطاب للمنافقين أي يا أيها الذين آمنوا في الظاهر ليكن إيمانكم حقيقة وقوله سبحانه ومن يكفر بالله إلى آخر الآية وعيد وخبر مضمنه تحذير المؤمنين من حالة الكفر وقوله تعالى إن الذين ءامنوا ثم كفروا الآية قال مجاهد وابن زيد الآية في المنافقين فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر ثم يؤمن ثم يكفر ثم ازداد كفرا بأن تم على نفاقه حتى مات قال ع وهذا هو التأويل الراجح وتأمل قوله تعالى لم يكن الله ليغفر لهم فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء محتوم عليهم من أول أمرهم ولذلك ترددوا وليست هذه العبارة مثل أن يقول لا يغفر الله لهم بل هي أشد فتأمل الفرق بين العبارتين فإنه من دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله سبحانه وقوله تعالى بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الآية في هذه الآية دليل على ما على ان التي قبلها إنما هي في المنافقين ثم نص سبحانه من صفات المنافقين على أشدها ضررا وهي موالاتهم الكافرين وإطراحهم المؤمنين وبنه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة ثم وقفهم سبحانه على جهة التوبيخ فقال أيبتغون عندهم العزة والاستكثار أي ليس الأمر كذلك فإن العزة لله جميعا يؤتيها من يشاء وقد وعد بها المؤمنين وجعل العاقبة للمتقين والعزة أصلها الشدة والقوة ومنه وعزني في الخطاب أي غلبني بشدته وقوله سبحانه وقد نزل عليكم في الكتاب الآية مخاطبة لجميع من أظهر الإيمان من محقق ومنافق لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه امتثال أوامر كتاب الله تعالى والإشارة بهذه الآية إلى قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره إلى نحو هذا من الآيات والكتاب في هذا الموضع القرآن وفي الآية دليل قوي على وجوب تجنب أهل البدع والمعاصي وأن لا يجالسوا وقد قيل ... عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل فرين بالمقارن مقتد ... وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ثم توعد سبحانه المنافقين والكافرين بجمعهم في جهنم فتأكد بذلك النهي عن مجالستهم وخلطتهم وقوله تعالى الذين يتربصون بكم الآية هذه صفة المنافقين ويتربصون بكم معناه ينتظرون دور الدوائر عليكم فإن كان فتح للمؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يظهرونه من الإيمان وإن كان للكافرين نيل من المؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يبطنونه من موالاة الكفار وهذا حال المنافقين ونستحوذ معناه نغلب على أمركم ونحوطكم ومنه استحوذ عليهم الشيطان معناه غلب على أمرهم ثم سلى سبحانه المؤمنين وأنسهم بما وعدهم به في قوله فالله يحكم بينكم يوم القيامة أي وبينهم وينصفكم من جميعهم وبقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي يوم القيامة قاله علي رضي الله عنه وعليه جميع أهل التأويل والسبيل هنا الحجة والغلبة قلت إلا ابن العربي لم يرتض هذا التأويل قال وإنما معنى الآية أحد ثلاثة وجوه الأول لن يجعل الله للكافرين علىالمؤمني سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ويستبيح بيضتهم الثاني لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتباعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلهم وهذا نفيس جدا الثالث لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع ونزع بهذا علماؤنا بالاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم انتهى ومخادعة المنافقين هي لأولياء الله ففي الكلام حذف مضاف إذ لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله سبحانه وقوله تعالى وهو خادعهم عبارة عن عقوبتهم سماها باسم الذنب وقال ابن جريج والحسن والسدي وغيرهم من المفسرين إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه الأمة يوم القيامة نورا لكل إنسان مؤمن أو منافق فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا فإذا جاءوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق ونهض المؤمنون فذلك قول المنافقين انظرونا نقتبس من نوركم فذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين ثم ذكر سبحانه كسلهم في الصلاة وتلك حال كل من يعمل كارها غير معتقد فيه الصواب بل تقية أو مصانعة قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى ولا يذكرون الله إلا قليلا روى الأئمة مالك وغيره عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان قام ينقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا قال ابن العربي وقد بين تعالى صلاة المؤمنين بقوله قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ومن خشع خضع واستمر ولم ينقر صلاته ولم يستعجل انتهى ومذبذبين معناه مضطرين لا يثبتون على حال والتذبذب الاضطراب فهؤلاء المنافقون مترددون بين الكفار والمؤمنين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال صلى الله عليه و سلم مثل المنافقين كمثل الشاة العايرة بين الغنمين والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين الآية خطابه سبحانه للمؤمنين يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان ففي اللفظ رفق بهم وهم المراد بقوله سبحانه أترديون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا لأن هذا التوقيف إنما هو لمن ألم يشيء من الفعل المؤدي إلى هذه الحال والمؤمنون المخلصون ما ألموا قط بشيء من ذلك ويقوى هذا المنزع قوله تعالى من دون المؤمنين اي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين بل المعنى يا أيها الذين أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه والسلطان الحجة ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من نار جهنم وذلك لأنهم أسرى غوائل من الكفار واشد تمكنا من أذى المسلمين قلت وأيضا لأنهم شاهدوا من معجزات النبي صلى الله عليه و سلم وما جعل الله على يديه من الخوارق ما لم يشاهد غيرهم من الكفار فكانت الحجة عليهم أعظم وكان كفرهم محض عناد وروي عن أبي هريرة وابن مسعود وغيرهما أنهم قالوا المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل عليهم ثم استثنى عز و جل التائبين من المنافقين ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله ويعتصم بالله أي يجعله منعته وملجأه ويخلص دينه لله تعالى وإلا فليس بتائب وقوله فأولئك مع المؤمنين أي في رحمة الله سبحانه وفي منازل الجنة ثم وعد سبحانه المؤمنين الأجر العظيم وهو التخليد في الجنة وقال ص فأولئك خبره مضمر والتقدير فأولئك مؤمنون مع المؤمنين قاله أبو البقاء انتهى ثم قال سبحانه للمنافقين ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم الآية أي ايى منفعة له سبحانه في ذلك أو حاجة قال أبو عبد الله اللخمي زعم الطبري أن قوله تعالى ما يفعل الله بعذابكم خطاب للمنافقين ولا يكاد يقوم له على ذلك دليل يقطع به وليس في ذكر المنافقين قبله ما يقتضي أن يحمل عليهم خاصة مع احتمال الآية للعموم فقطعه بأن الآية في المنافقين حكم لا يقوم به دليل انتهى وهو حسن إذ حمل الآية على العموم أحسن والعجب من ع كيف تبع الطبري في هذا التخصيص ويظهر والله اعلم أنهما عولا في تخصيص الآية على قوله تعالى وآمنتم وهو محتمل أن يحمل في حق المنافقين على ظاهره وفي حق المؤمنين على معنى دمتم على إيمانكم والله أعلم والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترنا بالإيمان لكنه ذكر الإيمان تأكيدا وتنبيها على جلالة موقعه ثم وعد سبحانه بقوله وكان الله شاكرا عليما أي يتقبل أقل شيء من العمل وينميه فذلك شكر منه سبحانه لعباده والشكور من البهائم الذي يأكل قليلا ويظهر به بدنه والعرب تقول في مثل أشكر من بروقة لأنها يقال تخضر وتتنضر بظل السحاب دون مطر وفي قوله عليما تحذير وندب إلى الإخلاص وقوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم الاية قراءة الجمهور بضم الظاء وقرىء شاذا بفتحها واختلف على قراءة الجمهور فقالت فرقة المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح منه فقال ابن عباس وغيره لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول أي بما يوازي الظلامة وقال مجاهد وغيره نزلت في الضيف المحول رحله فإنه رخص له أن يجهر بالسوء من القول للذي لم يكرمه يريد بقدر الظلم والظلامة وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت انتهى وسميع عليم صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضا فإنه يعلمه ويجازي عليه ولما ذكر سبحانه عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه اتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه والعفو عن السوء ثم وعد عليه سبحانه بقوله فإن الله كان عفوا قديرا وعدا خفيا تقتضيه البلاغة ورغب سبحانه في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام قال ع ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها قال الداودي وعن ابن عمر أنه قال لا يحب الله سبحانه أن يدعو أحد علىأحد إلا أن يظلم فقد رخص له في ذلك انتهى وقوله تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله إلى آخر الآية نزل في اليهود والنصارى وقد تقدم بيان هذه المعاني وقوله تعالى والذين ءامنوا بالله ورسله الآية لما ذكر سبحانه أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون حقا عقب ذلك بذكر المؤمنين بالله ورسله جميعا وهم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه و سلم ليصرح بوعد هؤلاء كما صرح بوعيد أولئك فبين الفرق بين المنزلتين وقوله تعالى يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء الآية قال قتادة سألت اليهود النبي صلى الله عليه و سلم أن يأتيهم بكتاب من عند الله خاص لليهود يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم ونحوه عن ابن جريج وزاد إلى فلان وإلى فلان إنك رسول الله ثم قال سبحانه على جهة التسلية لنبيه صلى الله عليه و سلم فقد سألوا موسى أكبر من ذلك وفي الكلام محذوف يدل عليه المذكور تقديره فلا تبال يا محمد من سؤالهم وتشططهم فإنها عادتهم وجمهور المتأولين على أن جهرة معمول لأمرنا أي حتى نراه جهارا أي عيانا وأهل السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالا عقلا لكنه محال من جهة الشرع إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا يرى سبحانه في هذه الدنيا والرؤية في الآخرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم بالخبر المتواتر وهي جائزة عقلا من غير تحديد ولا تكييف ولا تحيز كما هو تعالى معلوم لا كالمعلومات كذلك هو مرئي لا كالمرءيات سبحانه هذه حجة أهل السنة وقولهم وقد تقدم قصص القوم في البقرة وظلمهم هو تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه وقوله تعالى ثم اتخذوا العجل ثم للترتيب في الأخبار لا في نفس الأمر التقدير ثم قد كان من أمرهم أن اتخذوا العجل وذلك أن اتخاذ العجل كان عند أمر المضي في المناجاة ولم يكن الذين صعقوا ممن اتخذ العجل لكن الذين اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات وقوله سبحانه فعفونا عن ذلك يعني بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم ثم وقع العفو عن الباقين منهم وقوله سبحانه فبما نقضهم ما زائدة مؤكدة التقدير فبنقضهم فالآية مخبرة عن أشياء واقعوها هي ضد ما أمروا به وحذف جواب هذا الكلام بليغ مبهم متروك مع ذهن السامع تقديره لعناهم ونحوه ثم قال سبحانه وبكفرهم أي بعيسى وقولهم على مريم بهتانا هو رميهم إياها بالزنا بعد رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم الآية هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم على اختلاف الأزمان وتعاقب القرون فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم فهذه الطائفة التي قالت إنا قتلنا المسيح غير الذين نقضوا الميثاق في الطور وغير الذين اتخذوا العجل وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله عيسى ابن مريم وقوله تعالى رسول الله إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل ولزمهم الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول الله فلزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى قال ص وعيسى بدل أو عطف بيان من المسيح ورسول الله كذلك ويجوز أن يكون صفة لعيسى وأن يكون نصبا على إضمار أعني قلت وهذا الأخير أحسنها من جهة المعنى انتهى ثم أخبر سبحانه أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى وما صلبوه ولكن شبه لهم واختلفت الرواة في هذه القصة والذي لا يشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله وكانت بنو إسرائيل تطلبه وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى فروي أن رجلا من اليهود جعل له جعل فما زال ينقر عنه حتى دل على مكانه فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتا بمرأى من بني إسرائيل فروي أنهم عدوهم ثلاثة عشر وروي ثمانية عشر وحصروا ليلا فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة ووجههم إلى الآفاق وبقي هو ورجل معه فرفع عيسى والقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل وروي أن الشبه القي على اليهودي الذي دل عليه فصلب وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه ايكم يلقى عليه شبهى فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة فقال سرجس أنا فالقي عليه شبه عيسى وروي أن شبه عيسى ألقي على الجماعة كلها فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقصوا واحدا من العدة فأخذوا واحدا ممن عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرناها فصلبوه وروي أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى لما رأوه من نقصان العدة واختلاط الأمر وقوله تعالى وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه الآية يعني اختلاف المحاولين لأخذه لأنهم حين فقدوا واحدا من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا لكن أجمعوا على صلب واحد من غير ثقة ولا يقين أنه هو وقوله تعالى وما قتلوه يقينا قال ابن عباس وجماعة المعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقينا فالضمير في قتلوه عندهم عائد على الظن كما تقول ما قتلت هذا الأمر علما قلت وعبارة السدي وما قتلوا أمره يقينا أن الرجل هو عيسى انتهى من مختصر الطبري وقال قوم الضمير عائد على عيسى أخبر سبحانه أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقينا ولا شكا لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكا فيه وقال قوم من أهل اللسان الكلام تام في قوله وما قتلوه ويقينا مصدر مؤكد للنفي في قوله وما قتلوه المعنى نخبركم يقينا أو نقص عليكم يقينا أو أيقنوا بذلك يقينا وقال ص بعد كلام والظاهر أن الضمير في قتلوه عائد إلى عيسى لتتحد الضمائر ويقينا منصوب في موضع الحال من فاعل قتلوه أي مستيقنين أنه عيسى أو نعت لمصدر محذوف أي قتلا يقينا انتهى وقوله تعالى بل رفعه الله إليه يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج وذكره غيره وهو هنالك مقيم حتى ينزله الله تعالى لقتل الدجال وليملأ الأرض عدلا ويحيى فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر وقوله تعالى وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته اختلف في معنى الآية فقال ابن عباس وغيره الضمير في موته راجع إلى عيسى والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر وترجع الأديان كلها واحدا يعني يرجعون على دين نبينا محمد صلى الله عليه و سلم إذ عيسى واحد من أمته وعلى شريعته وائمتنا منا كما ورد في الحديث الصحيح وقال مجاهد وابن عباس أيضا وغيرهما الضمير في به لعيسى وفي موته للكتابي لكن عند المعاينة للموت فهو إيمان لا ينفعه وقال عكرمة الضمير في به لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقبل موته للكتابي قال وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه و سلم ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت وفي مصحف أبي بن كعب قبل موتهم ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي قال ص وإن من أهل الكتاب الآية إن هنا نافية والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه أي وما أحد من أهل الكتاب كما حذف في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها وقوله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم أي وما أحد منا وما أحد منكم قال الشيخ أبو حيان ليؤمنن به جواب قسم محذوف والقسم وجوابه هو الخبر وكذلك أيضا إلا له مقام وإلا واردها هما الخبر قال الزجاج وحذف أحد مطلوب في كل نفي يدخله الاستثناء نحو ما قام إلا زيد أي ما قام أحد إلا زيد انتهى وقوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم الآية فبظلم معطوف على قوله سبحانه فبما نقضهم والطيبات هنا هي الشحوم وبعض الذبائح والطير والحوت وغير ذلك وقرأ ابن عباس طيبات كانت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا يحتمل أن يريد صدهم في ذاتهم ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم وأخذهم الربوا هو الدرهم بالدرهمين إلى أجل ونحو ذلك مما هو مفسدة وقد نهوا عنه ثم استثنى سبحانه الراسخين في العلم منهم كعبد الله بن سلام ومخيريق ومن جرى مجراهم واختلف الناس في قوله سبحانه والمقيمين وكيف خالف إعرابها إعراب ما تقدم وما تأخر فقال بعض نحاة البصرة والكوفة إنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب باعني والرفع بعد ذلك بهم وقال قوم والمقيمين عطف على ما في قوله وما أنزل من قبلك والمعنى ويؤمنون بالمقيمين الصلاة وهم الملائكة أو من تقدم من الأنبياء وقال قوم والمقيمين عطف على الضمير في منهم وقال آخرون بل على الكاف في قوله من قبلك وزاد ص والمقيمين منصوب على المدح قال وقرأ جماعة والمقيمون انتهى وقوله تعالى انا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده الآية سبب نزولها قول بعض أحبار يهود ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله سبحانه الآية تكذيبا لهم قال ع إسماعيل هو الذبيح في قول المحققين والوحي إلقاء المعنى في خفاء وعرفه في الأنبياء بوساطة جبريل عليه السلام وكلم الله سبحانه موسى بكلام دون تكييف ولا تحديد ولا حرف ولا صوت والذي عليه الراسخون في العلم إن الكلام هو المعنى القائم في النفس ويخلق الله لموسى إدراكا من جهة السمع يتحصل به الكلام وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات معلوم لا كالمعلومات فكذلك كلامه لا كالكلام وقوله سبحانه رسلا مبشرين ومنذرين الآية رسلا بدل من الأول وأراد سبحانه أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول لو بعث إلى رسول لآمنت والله سبحانه عزيز لا يغالبه شيء ولا حجة لأحد عليه حكيم في أفعاله فقطع الحجة بالرسل حكمة منه سبحانه وقوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل إليك الآية سببها قول اليهود ما أنزل الله على بشر من شيء وقال ص لكن استدراك ولا يبتدأ بها فيتعين تقدير جملة قبلها يبينها سبب النزول وهو أنه لما نزل انا أوحينا إليك قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل لكن الله يشهد انتهى وقوله تعالى أنزله بعلمه هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله عز و جل خلافا للمعتزلة في أنهم يقولون عالم بلا علم والمعنى عند أهل السنة انزله وهو يعلم إنزاله ونزوله وقوله سبحانه والملائكة يشهدون يشهدون تقوية لأمر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ورد على اليهود وقوله تعالى وكفى بالله شهيدا تقديره وكفى الله شهيدا لكنه دخلت الباء لتدل على أن المراد اكتفوا بالله وباقي الآية بين وقوله تعالى يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم الآية خطاب لجميع الناس وهي دعاء إلى الشرع ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحو هذا لكانت يا أيها الذين أمنوا والرسول في الآية نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ثم قال سبحانه وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وهذا خبر بالاستغناء وإن ضرر الكفر إنما هو نازل بهم ثم خاطب سبحانه أهل الكتاب من النصارى وهو أن يدعوا الغلو وهو تجاوز الحد وقوله في دينكم معناه في دين الله الذي انتم مطلوبون به بأن توحدوا الله ولا تقولوا على الله إلا الحق وليست الإشارة إلى دينهم المضلل وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل رواه مسلم والبخاري والنسائي وفي مسلم أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء انتهى وقوله تعالى فآمنوا بالله ورسله أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد عليهما السلام وقوله تعالى إنما الله إله واحد إنما في هذه الآية حاصرة وسبحانه معناه تنزيها له وتعظيما والاستنكاف اباية بأنفة قال ع وقوله سبحانه ولا الملائكة المقربون زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان أي وهؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين لا يستنكفون عن ذلك فكيف بسواهم وفي هذه الآية دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء وقوله سبحانه فسيحشرهم عبارة وعيد قال ع وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه وقوله تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم الآية إشارة إلى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم والبرهان الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام والنور المبين يعني القرآن لأن فيه بيان كل شيء وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال قام رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما فينا خطيبا فحمد الله تعالى وأثنى عليه وعظ وذكر ثم قال أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله ثلاثا في أهل بيتي الحديث وفي رواية كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن اخطأه ضل وفي رواية ألا وأني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله وهو حبل الله من أتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة انتهى وقوله سبحانه فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به أي اعتصموا بالله ويحتمل اعتصموا بالقرآن كما قال عليه السلام القرآن حبل الله المتين من تمسك به عصم والرحمة والفضل الجنة ونعيمها ويهديهم معناه إلى الفضل وهذه هداية طريق الجنان كما قال تعالى سيهديهم ويصلح بالهم الآية لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين ءامنوا بالله واعتصموا بكتابه فيهديهم هنا بمعنى يعرفهم وباقي الآية بين وقوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة فقد تقدم القول في تفسير الكلالة في صدر السورة وكان أمر الكلالة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشكلا والله أعلم ما الذي أشكل عليه منها قوله النبي صلى الله عليه و سلم له تكفيك منها آية الصيف التي نزلت في آخر سورة النساء بيان فيه كفاية قال كثير من الصحابة هذه الآية هي من آخر ما نزل وقوله سبحانه يبين الله لكم أن تضلوا التقدير ليلا تضلوا والله بكل شيء عليم سبحانه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما سورة المائدة بسم الله الرحمن الرحيم هذه السورة مدنية بإجماع قوله تعالى يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود الآية عامة في الوفاء بالعقود وهي الربوط في القول كان ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو غيره فمعنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة وفسر بعض الناس لفظ العقود بالعهود وقال ابن شهاب قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كتب عمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره هذا بيان من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود فكتب الآيات إلى قوله أن الله سريع الحساب قال ع وأصوب ما يقال في هذه الآية أن تعمم الفاظها بغاية ما تتناول فيعمم لفظ المؤمنين في مؤمنى أهل الكتاب وفي كل مظهر للإيمان وأن لم يبطنه وفي المؤمنين حقيقة ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع وقوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام اختلف في معنى بهيمة الأنعام فقال قتادة وغيره هي الأنعام فقال قتادة وغيره هي الأنعام كلها ع وكأنه قال أحلت لكم الأنعام وقال الطبري قال قوم بهيمة الأنعام وحشها وهذا قول حسن وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وانضاف اليها من سائر الحيوان ما يقال له أنعام بمجموعه معها والبهيمة في كلام العرب ما ابهم من جهة نقص النطق والفهم وقوله إلا ما يتلى عليكم استثناء ما تلي في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة الآية وما في موضع نصب على أصل الاستثناء وقوله سبحانه غير محلى الصيد نصب غير على الحال من الكاف والميم في قوله أحلت لكم وهو استثناء بعد استثناء قال ص وهذا هو قول الجمهور واعترض بأنه يلزم منه تقييد الحلية بحالة كونهم غير محلين الصيد وهم حرم والحلية ثابتة مطلقة قال ص والجواب عندي عن هذا أن المفهوم هنا متروك لدليل خارجي وكثير في القرءان وغيره من المفهومات المتروكة لمعارض ثم ذكر ما نقله أبو حيان من الوجوه التي لم يرتضها م وما فيها من التكلف ثم قال ولا شك أن ما ذكره الجمهور من أن غير حال وأن لزم عنه الترك بالمفهوم فهو أولى من تخريج تنبو عنه الفهوم انتهى وقوله سبحانه أن الله يحكم ما يريد تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام الجاهلية أي فأنت أيها السامع لنسخ تلك التي عهدت تنبه فإن الله الذي هو مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه سبحانه قال ع وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة الفاظها لكل ذي بصر بالكلام ولمن عنده ادنى أبصار وقد حكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا للكندي أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرءان فقال نعم اعمل لكم مثل بعضه فأحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحد أني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد وقوله سبحانه يا أيها الذين أمنوا لا تحلوا شعائر الله خطاب للمؤمنين حقا أن لا يتعدوا حدود الله في أمر من الأمور قال عطاء بن أبي رباح شعائر الله جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه وهذا قول راجح فالشعائر جمع شعيرة أي قد اشعر الله أنها حده وطاعته فهي بمعنى معالم الله وقوله تعالى ولا الشهر الحرام أي لا تحلوه بقتال ولا غارة والأظهر أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتد أمره وهو شهر كان تحريمه مختصا بقريش وكانت تعظمه ويحتمل أنه أريد به الجنس في جميع الأشهر الحرم وقوله سبحانه ولا الهدي أي لا يستحل ولا يغار عليه ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد هذا معنى كلام ابن عباس وقال الجمهور الهدي عام في أنواع ما يهدى قربة والقلائد ما كان الناس يتقلدونه من لحاء السمر وغيره امنة لهم وقال ص ولا القلائد أي ولا ذوات القلائد وقيل بل المراد القلائد نفسها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي انتهى وقوله تعالى ولا ءامين البيت الحرام أي قاصدينه من الكفار المعنى لا تحلوهم فتغيرون عليهم وهذا منسوخ بآية السيف بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجتموهم فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو محكم وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ وقوله سبحانه يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا قال فيه جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل من الأرباح في التجارة ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم وهذه الآية نزلت عام الفتح وفيها استيلاف من الله سبحانه للعرب ولطف بهم لتنبسط النفوس بتداخل الناس ويردون الموسم فيسمعون القرآن ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عليهم الحجة كالذي كان ثم نسخ الله ذلك كله بعد عام في سنة تسع إذ حج أبو بكر رضي الله عنه ونودي في الناس بسورة براءة وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا مجيء إباحة الصيد عقب التشديد فيه حسن في فصاحة القول وقوله سبحانه فاصطادوا أمر ومعناه الإباحة بإجماع وقوله تعالى ولا يجرمنكم معناه لا يكسبنكم وجرم الرجل معناه كسب وقال ابن عباس معناه لا يحملنكم والمعنى متقارب والتفسير الذي يخص اللفظة هو معنى الكسب وقوله تعالى شنئان قوم الشنئان هو البغض فأما من قرا شنئان بفتح النون فالأظهر فيه أنه مصدر كأنه قال لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدوانا عليهم وظلما لهم وهذه الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان حين أراد المسلمون أن يستطيلوا علىقريش والفافها المتظاهرين على صد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه عام الحديبية وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت بذلك بغضة في قلوب المؤمنين وحيكة للكفار فنهي المؤمنون عن مكافأتهم وإذ لله فيهم إرادة خير وفي علمه أن منهم من يؤمن كالذي كان وقرأ أبو عمرو وابن كثير إن صدوكم ومعناه إن وقع مثل ذلك في المستقبل وقراءة الجمهور أمكن ثم أمر سبحانه الجميع بالتعاون على البر والتقوى قال قوم هما لفظان بمعنى وفي هذا تسامح والعرف في دلالة هذين أن البر يتناول الواجب والمندوب والتقوى رعاية الواجب فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز قلت قال أحمد بن نصر الداودي قال ابن عباس البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه انتهى وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن لفظ التقوى يطلق على معان وقد بيناها في آخر سورة النور وفي الحديث الصحيح والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه قال ابن الفاكهاني عند شرحه لهذا الحديث وقد روينا في بعض الأحاديث من سعى في حاجة أخيه المسلم قضيت له أو لم تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق انتهى من شرح الأربعين حديثا ثم نهى تعالى عن التعاون على الإثم والعدوان ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا قال النووي وعن وابصة بن معبد أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال جئت تسأل عن البر والإثم قال نعم فقال استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك حديث حسن رويناه في مسند أحمد يعني أبن حنبل والدارمي وغيرهما وفي صحيح مسلم عن النواس ابن سمعان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال البر حسن الخلق والإثم ماحاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس انتهى وقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم الآية تعديد لما يتلى على الأمة مما استثني من بهيمة الأنعام والدم معناه المسفوح ولحم الخنزير مقتض لشحمه بإجماع وما أهل لغير الله به قد تقدم والمنخنقة معناه التي تموت خنقا والموقوذة التي ترمى أو تضرب بعصا وشبهها والمتردية هي التي تتردى من علو إلى سفل تموت والنطيحة فعيله بمعنى مفعولة وما أكل السبع يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان وكانت العرب تأكل هذه المذكورات ولم تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحو ذلك واختلف العلماء في قوله تعالى إلا ما ذكيتم فقال ابن عباس وجمهور العلماء الاستثناء من هذه المذكورات فما أدرك منها يطرف بعين أو يحرك ذنبا وبالجملة ما يتحقق أنه لم تفض نفسه بل له حياة فإنه يذكى على سنة الذكاة ويؤكل وما فاضت نفسه فهو الميتة وقال مالك مرة بهذا القول وقال أيضا وهو المشهور عنه وعن أصحابه من أهل المدينة أن قوله تعالى إلا ما ذكيتم معناه من هذه المذكورات في وقت تصح فيه ذكاتها وهو ما لم تنفذ مقاتلها ويتحقق أنها لا تعيش ومتى صارت في هذا الحد فهي في حكم الميتة فالاستثناء عند مالك متصل كقول الجمهور لكنه يخالف في الحال التي يصح فيها ذكاة هذه المذكورات واحتج لمالك بأن هذه المذكورات لو كانت لا تحرم إلا بموتها لكان ذكر الميتة أولا يغنى عنها ومن حجة المخالف أن قال إنما ذكرت بسبب أن العرب كانت تعتقد أن هذه الحوادث كالذكاة فلو لم يذكر لها غير الميتة لظنت أنها ميتة الوجع حسبما كانت عليه والذكاة في كلام العرب الذبح وقوله سبحانه وما ذبح على النصب عطف على المحرمات المذكورة والنصب حجارة تنصب يذبحون عليها قال ابن جريج وليست النصب بأصنام فإن الصنم يصور وينقش وهذه حجارة تنصب وكانت العرب تعبدها قال ابن زيد ما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به شيء واحد قال ع ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله لكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة أمره وقوله سبحانه وأن تستقسموا بالأزلام حرم سبحانه طلب القسم وهو النصيب أو القسم بفتح القاف وهو المصدر بالأزلام وهي سهام قال صاحب سلاح المؤمن والاستقسام هو الضرب بها لإخراج ما قسم لهم وتمييزه بزعمهم انتهى وأزلام العرب على أنواع منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها أفعل وعلى الآخرة لا تفعل وثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه فإذا أراد فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وائتمر له وانتهى بحسب ما يخرج له وإن خرج القدح الذي لا شيء فيه أعاد الضرب وقوله سبحانه ذلكم فسق إشارة إلى الاستقسام بالأزلام وقوله تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم معناه عند ابن عباس وغيره من أن ترجعوا إلى دينهم وظاهر أمر النبي صلى الله عليه و سلم وأمر أصحابه وظهور الدين يقتضي أن يأس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ زمان وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه لأن هذا أمر كان يترجاه من بقي من الكفار ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حين انكشف المسلمون وظنها هزيمة إلا بطل السحر اليوم إلى غير هذا من الأمثلة وهذه الآية في قول الجمهور عمر بن الخطاب وغيره نزلت في عشية يوم عرفة يوم الجمعة وفي ذلك اليوم امحى أمر الشرك من مشاعر الحج ولم يحضر من المشركين الموسم بشر فيحتمل قوله تعالى اليوم أن تكون إشارة إلى اليوم بعينه ويحتمل أن تكون إشارة إلى الزمن والوقت أي هذا الاوان يئس الكفار من دينكم وقوله الذين كفروا يعم سائر الكفار من العرب وغيرهم وهذا يقوي أن اليأس إنما هو من انحلال أمر الإسلام وأمر سبحانه بخشيتها التي هي رأس كل عبادة كما قال صلى الله عليه و سلم ومفتاح كل خير وقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم تحتمل الإشارة باليوم ما قد ذكرناه حكى الطبري أن النبي عليه السلام لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة والظاهر أنه عاش صلى الله عليه و سلم أكثر بأيام يسيرة قلت وفي سماع ابن القاسم قال مالك بلغني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في اليوم الذي توفي فيه وقف على بابه فقال إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه يا فاطمة بنت رسول الله ويا صفية عمة رسول الله أعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا قال ابن رشد هذا حديث يدل على صحته قول الله عز و جل ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى تبيانا لكل شيء فالمعنى في ذلك أن الله عز و جل نص على بعض الأحكام وأجمل القول في بعضها وأحال على الأدلة في سائرها بقوله ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فبين النبي صلى الله عليه و سلم ما أجمله الله في كتابه كما أمره حيث يقول لتبين للناس ما نزل إليهم فما أحل صلى الله عليه و سلم أو حرم ولم يوجد في القرآن نصا فهو مما بين من مجمل القرآن أو علمه بما نصب من الأدلة فيه فهذا معنى الحديث والله أعلم فما ينطق صلى الله عليه و سلم عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى انتهى من البيان والتحصيل وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب قال له يهودي آية في كتابكم تقرءونها لو علينا نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال له عمر أي آية هي فقال اليوم أكملت لكم دينكم فقال له عمر قد علمنا ذلك اليوم نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة قال ع ففي ذلك اليوم عيدان للإسلام إلى يوم القيامة وإتمام النعمة هو في ظهور الإسلام ونور العقائد وكمال الدين وسعة الأحوال وغير ذلك مما اشتملت عليه هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة والخلود في رحمة الله سبحانه جعلنا الله ممن شملته هذه النعمة وقوله سبحانه ورضيت لكم الإسلام دينا يحتمل الرضى في هذا الموضع أن يكون بمعنى الإرادة ويحتمل أن يكون صفة فعل عبارة عن إظهار الله إياه لأن الرضى من الصفات المترددة بين صفات الذات وصفات الأفعال والله تعالى قد أراد لنا الإسلام ورضيه لنا وثم أشياء يريد الله وقوعها ولا يرضاها وقوله سبحانه فمن اضطر في مخمصة يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر تلك المحرمات وسئل صلى الله عليه و سلم متى تحل الميتة للناس فقال إذا لم يصطبحوا ولم يغتبقوا ولم يحتفئوا بقلا والمخمصة المجاعة التي تخمص فيها البطون أي تضمر وقوله سبحانه غر متجانف لإثم هو بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم تفسيره قال ص متجانف أي مائل منحرف انتهى وقد تقدم في البقرة وقوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر بقتل الكلاب سأله عاصم ابن عدي وغيره ماذا يحل لنا من هذه الكلاب قال ع وظاهر الآية أن سائلا سأل عما يحل للناس من المطاعم لأن قوله تعالى قل أحل لكم من الطيبات ليس بجواب عما يحل للناس اتخاذه من الكلاب إلا أن يكون من باب إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهو موجود كثيرا من النبي صلى الله عليه و سلم والطيب الحلال وقوله سبحانه وما علمتم أي وصيد ما علمتم قال الضحاك وغيره وما علمتم من الجوارح مكلبين هي الكلاب خاصة قال العراقي في مكلبين أصحاب اكلب لها معلمين انتهى وأعلى مراتب التعليم أن يشلى الحيوان فينشلي ويدعى فيجيب ويزجر بعد ظفره بالصيد فينزجر وجوارح جمع جارح أي كاسب يقال جرح فلان واجترح إذا اكتسب ومنه قوله تعالى ويعلم ما جرحتم بالنهار أي ما كسبتم من حسنة وسيئة قال ع وقرا جمهور الناس وما علمتم بفتح العين واللام وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية علمتم بضم العين وكسر اللام أي من أمر الجوارح والصيد بها وقرأ جمهور الناس مكلبين بفتح الكاف وشد اللام والمكلب معلم الكلاب ومضريها ويقال لمن يعلم غير كلب مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب وقوله سبحانه تعلمونهن مما علمكم الله أي تعلمونهن الحيلة في الاصطياد والتأتي لتحصيل الحيوان وهذا جزء مما علمه الله الإنسان فمن للتبعيض وقوله تعالى فكلوا مما امسكن عليكم ويحتمل مما امسكن فلم يأكلن منه شيئا ويحتمل مما أمسكن وإن أكلن منه وبحسب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل منه الجارح وقوله سبحانه واذكروا اسم الله عليه أمر بالتسمية عند الإرسال وذهب مالك وجمهور العلماء أن التسمية واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان فمن تركها عامدا فقد أفسد الذبيحة والصيد ومن تركها ناسيا سمي عند الأكل وكانت الذبيحة جائزة وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد ثم أمر سبحانه بالتقوى على الجملة والإشارة إلى ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر والنواهي وفي قوله إن الله سريع الحساب وعيد وتحذير وقوله سبحانه اليوم أحل لكم الطيبات إشارة إلى الزمن والأوان والخطاب للمؤمنين وقوله سبحانه وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم الطعام في هذه الآية الذبائح كذا قال أهل التفسير واختلفوا في لفظة طعام فقال الجمهور هي الذبيحة كلها وقالت جماعة إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحة أي الحلال لهم منها لا مالا يحل لهم كالطريف والشحوم المحضة واختلف في لفظة أوتوا الكتاب فقالت طائفة إنما أحل لنا ذبائح الصرحاء منهم لا من كان دخيلا في هذين الدينين وقال جمهور الأمة ابن عباس والحسن ومالك وغيرهم أن ذبيحة كل نصراني حلال كان من بني تغلب أو غيرهم وكذلك اليهود وتأولوا قول الله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم وقوله سبحانه وطعامكم حل لهم أي ذبائحكم فهذه رخصة للمسلمين لا لأهل الكتاب لما كان الأمر يقتضي أن شيئا قد تشرعنا فيه بالتذكية ينبغي لنا أن نحميه منهم رخص الله تعالى لنا في ذلك دفعا للمشقة بحسب التجاوز وقوله سبحانه والمحصنات عطف على الطعام المحلل ذهب جماعة منهم مالك إلى أن المحصنات في هذه الآية الحرائر فمنعوا نكاح الأمة الكتابية وذهب جماعة إلى انهن العفائف فأجازوا نكاح الأمة الكتابية والأجور في الآية المهور وانتزع بعض العلماء من لفظ ءاتيتموهن أنه لا ينبغي أن يدخل زوج بزوجته إلا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به ومحصنين معناه متزوجين على السنة وقوله سبحانه ومن يكفر بالإيمان أي بالأمور التي يجب الإيمان بها وباقي الآية بين وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية قال ابن العربي في أحكامه لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية مدنية كما أنه لا خلاف أن الوضوء كان معقولا قبل نزولها غير متلو ولذلك قال علماؤنا أن الوضوء كان بمكة سنة ومعناه كان مفعولا بالسنة وقوله إذا قمتم معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة انتهى قال زيد بن أسلم والسدي معنى الآية إذا قمتم من المضاجع يعني النوم والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير تقديره يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء يعنى الملامسة الصغرى فاغسلوا وهنا تمت أحكام الحدث الأصغر ثم قال وإن كنتم جنبا فاطهروا فهذا حكم نوع أخر ثم قال للنوعين جميعا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك وغيره وقال جمهور أهل العلم معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله فاطهروا ودخلت الملامسة الصغرى في قولنا محدثين ثم ذكر بعد ذلك بقوله وإن كنتم مرضى إلى أخر الآية حكم عادم الماء من النوعين جميعا وكانت الملامسة هي الجماع وقال ص إذا قمتم أي إذا اردتم وعبر بالقيام عن إرادته لأنه مسبب عنها انتهى ومن احسن الأحاديث واصحها في فضل الطهارة والصلاة ما رواه مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إلا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط قال أبو عمر في التمهيد هذا الحديث من أحسن ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم في فضائل الأعمال قال صاحب كتاب العين الرباط ملازمة الثغور قال والرباط مواظبة الصلاة أيضا انتهى والغسل في اللغة إيجاد الماء في المغسول مع امرار شيء عليه كاليد والوجه ما واجه الناظر وقابله والناس كلهم على أن داخل العينين لا يلزم غسله إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه واليد لغة تقع على العضو من المنكب إلى أطراف الأصابع وحد الله سبحانه موضع الغسل منه بقوله إلى المرافق واختلف العلماء هل تدخل المرافق في الغسل أم لا وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال إذا كان ما بعد إلى ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها وإذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها فالاحتياط يعطي أن الحد أخر المذكور بعدها ولذلك يترجح دخول المرفقين في الغسل والروايتان عن مالك قال ابن العربي في أحكامه وقد روى الدار قطني وغيره عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم لما توضأ أدار الماء على مرفقيه انتهى واختلف في رد اليدين في مسح الرأس هل هو فرض أو سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض فالجمهور على أنه سنة وقيل هو فرض والإجماع على استحسان مسح الرأس باليدين جميعا وعلى الأجزاء بواحدة واختلف فيمن مسح بإصبع واحد والمشهور الأجزاء ويترجح عدم الأجزاء لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب إلا أن يكون ذلك عن ضرر مرض ونحوه فينبغي أن لا يختلف في الأجزاء والباء في قوله تعالى برءوسكم مؤكدة زائدة عند من يرى عموم الرأس والمعنى عنده وامسحوا رءوسكم وهي للإلصاق المحض عند من يرى أجزاء بعض الرأس كان المعنى أوجدوا مسحا برؤوسكم فمن مسح ولو شعرة فقد فعل ذلك ت قال ابن العربي في أحكامه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في صفة مسح الرأس أنه أقبل بيده وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه وفي البخاري فأدبر بهما وأقبل وهما صحيحان متوافقان وهي مسألة من أصول الفقه في تسمية الفعل بابتدائه أو بغايته انتهى وقرا حمزة وغيره وأرجلكم بالخفض وقرأ نافع وغيره بالنصب والعامل اغسلوا ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العاملين وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين على أن الفرض في الرجلين الغسل وأن المسح لا يجزىء وفي الصحيح ويل للأعقاب من النار إذ رأى صلى الله عليه و سلم أعقابهم تلوح قال ابن العربي في القبس ومن قرأ وأرجلكم بالخفض فإنه أراد المسح على الخفين وهو أحد التأويلات في الآية انتهى وهذا هو الذي صححه في أحكامه والكلام في قوله إلى الكعبين كما تقدم في قوله إلى المرافق وفي صحيح مسلم وغيره عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة فقلت ما أجود هذه فقال عمر التي قبلها أجود قال ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وأخرجه الترمذي من حديث أبي ادريس الخولاني عن عمر زاد في آخره اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين انتهى مختصرا واختلف اللغويون في الكعبين والجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبتي الرجل وألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء قال مالك هو فرض مع الذكر ساقط مع النسيان وروى الدارقطني في سننه من توضأ فذكر اسم الله على وضوءه كان طهورا لجسده ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوءه كان طهورا لأعضائه انتهى من الكوكب الدري وكذلك تتضمن ألفاظ الآية الترتيب واطهروا أمر لواجد الماء عند الجمهور وقال عمر بن الخطاب وغيره لا يتيمم الجنب البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء وقوله سبحانه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج الآية الإرادة صفة ذات وجاء الفعل مستقبلا مراعاة للحوادث التي تظهر عن الإرادة والحرج الضيق والحرجة الشجر الملتف المتضايق ويجرى مع معنى هذه الآية قول النبي صلى الله عليه و سلم دين الله يسر وقوله عليه السلام بعثت بالحنيفية السمحة وجاء لفظ الآية على العموم والشيء المذكور بقرب هوأمر التيمم والرخصة فيه وزوال الحرج في تحمل الماء ابدا ولذلك قال أسيد ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر وقوله سبحانه ولكن يريد ليظهركم الآية إعلام بما لا يوازي بشكر من عظيم تفضله تبارك وتعالى ولعلكم ترج في حق البشر وفي الحديث الصحيح عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملئان أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها رواه مسلم والترمذي وفي رواية له التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملأه والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر وزاد في رواية أخرى ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه انتهى وقوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الآية خطاب للمؤمنين ونعمة الله اسم جنس يجمع الإسلام وحسن الحال وحسن المئال والميثاق هو ما وقع للنبي صلى الله عليه و سلم في بيعة العقبة وبيعة الرضوان وكل موطن قال الناس فيه سمعنا وأطعنا هذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين وقال مجاهد المراد الميثاق المأخوذ على النسم حين استخرجوا من ظهر آدم عليه السلام والأول أرجح واليق بنمط الكلام وباقي الآية بين متكرر قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه بهجة المجالس روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ما وعده ومن أوعده على عمل عقابا فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعن ابن عباس مثله انتهى وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وأمته والجمهور أن سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه و سلم لما استعان بيهود في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وصاحبه قالوا نعم يا أبا القاسم انزل حتى نصنع لك طعاما وننظر في معونتنك فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظل جدار وكان معه أبو بكر وعمر وعلي فتآمرت يهود في قتله وقالوا من رجل يظهر على الحائط فيصب عليه حجرا يشدخه فجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم الخبر فقام صلى الله عليه و سلم من المكان وتوجه إلى المدينة ونزلت الآية في ذلك ويترجح هذا القول بما يأتي بعد من الآيات في وصف غدر يهود ونقضهم المواثيق وقوله سبحانه ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم أثني عشر نقيبا هذه الآية المتضمنة للخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوى أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في أمر بني النضير والإجماع على أن النقيب كبير القوم القائم بأمورهم قال قتادة وغيره هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط تكفل بكل واحد سبطه بأن يؤمنوا ويلتزموا التقوى قال ع ونحو هذا كانت النقباء ليلة بيعة العقبة مع النبي صلى الله عليه وسلم والضمير في معكم لبني إسرائيل أي معكم بنصري وحياطتي وتأييدى واللام في قوله لئن هي المؤذنة بمجيء القسم ولام القسم هي قوله لأكفرن والدليل على أن هذه اللام إنما هي مؤذنة أنها قد يستغنى عنها أحيانا ويتم الكلام دونها ولو كانت لام قسم لم يترتب ذلك وإقامة الصلاة توفيه شروطها والزكاة هنا شيء من المال كان مفروضا عليهم فيما قال بعض المفسرين وعزرتموهم معناه وقرتموهم وعظمتموهم ونصرتموهم وقرأ عاصم الجحدري وغررتموهم خفيفة الزاي حيث وقع وقرأ في سورة الفتح وتعزروه بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي وسواء السبيل وسطه وسائر ما في الآية بين والله المستعان وقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية الآية أي فبنقضهم والقسوة غلظ القلب ونبوه عن الرقة والموعظة وصلابته حتى لا ينفعل لخير وقوله تعالى ونسوا حظا مما ذكروا به نص على سوء فعلهم بأنفسهم أي قد كان لهم حظ عظيم فيما ذكروا به فنسوه وتركوه ثم أخبر تعالى نبيه عليه السلام أنه لا يزال في مستأنف الزمان يطلع على خائنة منهم وغائلة وأمور فاسدة قالت فرقة خائنة مصدر والمعنى على خيانة وقال آخرون معناه على فرقة خائنة فهي اسم فاعل صفة لمؤنث وقوله تعالى فأعف عنهم واصفح منسوخ بما في براءة وباقي الآية بين وقوله تعالى ومن الذين قالوا انا نصارى من متعلقة بأخذنا التقدير وأخذنا من الذين قالوا انا نصارى ميثاقهم ويحتمل أن تكون معطوفة على خائنة منهم والأول أرجح وعلق قولهم نصارى بقولهم ودعواهم من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله وسموا به أنفسهم دون استحقاق وقوله سبحانه فأغرينا بينهم العداوة أي اثبتناها بينهم والصقناها والإغراء مأخوذ من الغراء الذي يلصق به وقال البخاري الإغراء التسليط انتهى والضمير في بينهم يحتمل أن يعود على اليهود والنصارى لأن العداوة بينهم موجودة مستمرة ويحتمل أن يعود على النصارى فقط لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم القيامة ثم توعدهم بعذاب الآخرة إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار واعلم رحمك الله أنه قد جاءت آثار صحيحة في ذم الشحناء والتباغض والهجران لغير موجب شرعي ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا وفي رواية تعرض الأعمال في كل خميس واثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرىء لا يشرك بالله شيئا الحديث انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يحل لامرىء مسلم أن يهاجر مسلما فوق ثلاث ليال فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما فأولهما فيأ يكون سبقه بالفيء كفارة له وإن سلم عليه فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة وردت على الآخر الشياطين وإذا ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة أراه قال ابدا انتهى وسنده جيد ونصه قال ابن المبارك أخبرنا شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت سمعت هشام بن عامر يقول سمعت النبي صلى الله عليه و سلم فذكر الحديث وقوله لم يدخلا الجنة ليس على ظاهره أي لم يدخلا الجنة أبدا حتى يقتص لبعضهم من بعض أو يقع العفو أو تحل الشفاعة حسبما هو معلوم في صحيح الآثار وقوله سبحانه يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب الآية أهل الكتاب لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء كالرجم وغيره إنما حفظت لليهود لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلى الله عليه و سلم في مهاجره وفي إعلامه صلى الله عليه وسلم بخفي ما في كتبهم وهو أمي لا يكتب ولا يصحب القراء دليل على صحة نبوءته لو الهمهم الله للخير ويعفوا عن كثير أي لم يفضحهم فيه إبقاء عليهم والضمير في يعفوا للنبي صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى قد جاءكم من الله نور هو محمد صلى الله عليه و سلم وكتاب مبين هو القرآن ويحتمل أن يريد موسى عليه السلام والتوراة أي لو اتبعتموها حق الأتباع والأول هو ظاهر الآية وهو أظهر وسبل السلام أي طرق السلامة والنجاة ويحتمل أن يكون السلام هنا اسما من أسماء الله عز و جل فالمعنى طرق الله والظلمات الكفر والنور الإيمان وباقي الآية بين متكرر وقوله سبحانه قل فمن يملك أي لا مالك ولا راد لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره وقوله سبحانه يخلق ما يشاء إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد بل اختراعا كآدم عليه السلام وقوله تعالى والله على كل شيء قدير عموم معناه الخصوص فيما عدا الذات والصفات والمحالات وقوله سبحانه وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه الآية البنوة في قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة لأنهم ذكروا أن الله سبحانه أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكرى فضلوا بذلك وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ولو صح ما رووا لكان معناه بكرا في التشريف أو النبوءة ونحوه وكانت هذه المقالة منهم عند ما دعاهم النبي عليه السلام إلى الإيمان به وخوفهم العذاب فقالوا نحن لا نخاف ما تقول لأنا أبناء الله وأحباؤه ذكر ذلك ابن عباس وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم في غير ما موطن نحن ندخل النار فنقيم فيها أربعين يوما فرد الله عليهم قولهم فقال لنبيه عليه السلام قل فلم يعذبكم بذنوبكم أي لو كانت منزلتكم منه فوق منازل البشر لما عذبكم وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم ثم ترك الكلام الأول واضرب عنه غير مفسد له ودخل في غيره فقال بل أنتم بشر كسائر الناس والخلق أكرمهم عند الله اتقاهم يهدي من يشاء للإيمان فيغفر له ويورط من يشاء في الكفر فيعذبه وله ملك السماوات والأرض وما بينهما فله بحق الملك أن يفعل ما يشاء ولا معقب لحكمه وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد وقوله تعالى يا أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا محمد عليه السلام وقوله على فترة من الرسل أي على انقطاع من مجيئهم مدة ما والفترة سكون بعد حركة في الإجرام ويستعار ذلك للمعاني وقد قال عليه السلام لكل عمل شرة ولكل شرة فترة وفي الصحيح أن الفترة التي كانت بين نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وبين عيسى ستمائة سنة وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود ما انزل الله على بشر بعد موسى من شيء قاله ابن عباس وقوله ان تقولوا معناه حذارا أن تقولوا يوم القيامة ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير نذير وقامت الحجة عليكم والله على كل شيء قدير فهو الهادي والمضل لا رب غيره وقوله سبحانه وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء الآية المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحققوا نبوءتك ثم عدد عيون تلك النعم فقال إذ جعل فيكم أنبياء أي حاطة ومنقذون من النار وشرف في الدنيا والآخرة وجعلكم ملوكا أي فيكم ملوك لأن الملك شرف في الدنيا وحاطة في نوائبها وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين قال مجاهد هو المن والسلوى والحجر والغمام وقال غيره كثرة الأنبياء وعلى هذا القول فالعالمون على العموم وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى فالعالمون عالم زمانهم لن ما أوتي النبي صلى الله عليه و سلم من آيات الله أكثر من ذلك والمقدسة معناه المطهرة قال ابن عباس هي الطور وما حوله وقال قتادة هي الشام قال الطبري ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش مصر قال ع وتظاهرت الروايات أن دمشق هي قاعدة الجبارين ثم حذرهم موسى الارتداد على الأدبار وذلك هو الرجوع القهقري والخاسر الذي قد نقص حظه ثم ذكر عز و جل أنهم تعنتوا ونكصوا فقالوا إن فيها قوما جبارين والجبار من الجبر كأنه لقدرته وغشمه وبطشه يجبر الناس على إرادته والنخلة الجبارة العالية التي لا تنال بيد وكان من خبر الجبارين أنهم كانوا أهل قوة فلما بعث موسى الاثني عشر نقيبا مطلعين من امر الجبارين واحوالهم رأوا لهم قوة وبطشا وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك من بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه لما أنصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ومن وثقوا به ففشا الخبر حتى أعوج أمر بني إسرائيل وقالوا أذهب أنت وربك فقاتلا ولم يف من النقباء إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفتا ويقال فيه كالوث بثاء مثلثة وقوله تعالى قال رجلان من الذين يخافون أي يخافون الله سبحانه قال أكثر المفسرين الرجلان يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفتا أنعم الله عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت وقولهم فاذهب أنت وربك فقاتلا الآية عبارة تقتضي كفرا وقيل المعنى فاذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر وذكر ابن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم كلم الناس يوم بدر وقال لهم أشيروا علي أيها الناس فقال له المقداد بن الأسود يا رسول الله لسنا نقول كما قالت بنو إسرائيل اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ثم تكلم سعد بن معاذ بنحو هذا المعنى ولما سمع موسى عليه السلام قولهم ورأى عصيانهم تبرأ إلى الله منهم قوال داعيا عليهم رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي يعني هارون وقوله فافرق بيننا دعاء حرج والمعنى فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم قال فإنها محرمة عليهم أي قال الله وحرم الله تعالى على بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة يتيهون في الأرض أي في أرض تلك النازلة وهو فحص التيه وهو على ما يحكى طول ثلاثين ميلا في عرض ستة فراسخ ويروى أنه لم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالوث وروي أن يوشع نبىء بعد كمال الأربعين سنة وخرج بيني إسرائيل من التيه وقاتل الجبارين وفتح المدينة وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة حتى استمر هزم الجبارين والتيه الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم وقوله تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين معناه فلا تحزن والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام قال ابن عباس ندم موسى على دعائه على قومه وحزن عليهم فقال الله له فلا تاس على القوم الفاسقين وقوله تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا الآية أتل معناه أسرد واسمعهم إياه وهذه من علوم الكتب الأول فهي من دلائل نبوءة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم إذ هي من غامض كتب بني إسرائيل قال الفخر وفي الآية قولان أحدهما أتل على الناس والثاني أتل على أهل الكتاب انتهى وابني آدم هما لصلبه وهما هابيل وقابيل روت جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى وكان الذكر يتزوج أنثى البطن الآخر ولا تحل له أخته توءمته فولدت مع قابيل أختا جميلة ومع هابيل أختا ليست كذلك فلما أراد آدم أن يزوجها من هابيل قال قابيل أنا أحق بأختي فأمره آدم فلم يأتمر فاتفقوا على التقريب فتقبل قربان هابيل ووجب أن يأخذ أخت قابيل فحينئذ قال لأقتلنك وقول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين كلام قبله محذوف تقديره ولم تقتلني وليس لي ذنب في قبول الله قرباني وإنما يتقبل الله من المتقين وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ أنها اتقاء الشرك فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة وأما المتقي للشرك وللمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة علم ذلك بأخبار الله تعالى لا إن ذلك يجب على الله تعالى عقلا قلت قول ع في معنى هذه الألفاظ يعني حيث وقعت في الشرع وأما في هذه الآية فليس باتقاء شرك على ما سيأتي وقول هابيل ما أنا بباسط يدي إليك الآية قال عبد الله بن عمر وجمهور الناس كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج وهذا هو الأظهر قال ع ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه وتبوء معناه تمضي متحملا وقوله بإثمي وإثمك قيل معناه بإثم قتلي وسائر آثامك وقيل المعنى بإثمى الذي يختص بي فيما فرط لي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه و سلم يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه وقوله وذلك جزاء الظالمين يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه ويحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى لمحمد عليه السلام قال الفخر وقوله تعالى فطوعت له نفسه قتل أخيه قال المفسرون معناه سهلت له نفسه قتل أخيه انتهى وقوله سبحانه فأصبح من الخاسرين أصبح عبارة عن جميع أوقاته وهذا مهيع كلام العرب ومنه أصبحت لا أحمل السلاح البيت وقول سعد فأصبحت بنو أسد تعزرني إلى غير ذلك من استعمال العرب ومن خسران قابيل ما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما قتلت نفس ظلما إلا كان علي ابن آدم الأول كفل منها وذلك لأنه أول من سن القتل وقوله تعالى فبعث الله غرابا الآية قيل أصبح في ثاني يوم قتله يطلب اخفاء أمر قتله فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت فجعل يبحث في الأرض ويلقي التراب على الغراب الميت وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم ولذلك جهل سنة المواراة وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في الكتب الأول والسوءة العورة ويحتمل أن يراد الحالة التي تسوء الناظر ثم أن قابيل وارى أخاه وندم على ما كان منه من معصية في قتله حيث لا ينفعه الندم واختلف العلماء في قابيل هل هو من الكفار أو من العصاة والظاهر أنه من العصاة قال الفخر ولم ينتفع قابيل بندمه لأن ندمه كان لأسباب منها سخط أبويه واخوته وعدم انتفاعه بقتله ونحو ذلك ولما كان ندمه لهذه الأسباب لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه هذا الندم وقوله تعالى من أجل ذلك هو إشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام لا أنه إشارة إلى قصة قابيل وهابيل انتهى وقوله سبحانه من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل الآية جمهور الناس على أن قوله من أجل ذلك متعلق بقوله كتبنا أي من أجل هذه النازلة ومن جراها كتبنا وقال قوم بل هو متعلق بقوله من النادمين أي ندم من أجل ما وقع والوقف على هذا على ذلك والناس على أن الوقف من النادمين ويقال فعلمت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن أجلك بكسرها وقوله سبحانه بغير نفس أي بغير أن تقتل نفس نفسا والفساد في الأرض يجمع الزنا والارتداد والحرابة وقوله سبحانه فكأنما قتل الناس جميعا روي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحياها فهو كمن أحيا الناس جميعا قال الحسن وابن زيد ومن أحياها أي عفا عن من وجب له قتله بعد القدرة وقيل غير هذا ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات في هذا وفي سواه ثم أن كثيرا منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود وقوله سبحانه إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية روى أنس بن مالك وغيره أن الآية نزلت في قوم من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه و سلم فاسلموا ثم انهم مرضوا واستوخموا المدينة فامرهم النبي ص - أن يكونوا في لقاح الصدقة وقال اشربوا من ألبانها وأبوالها فخرجوا فيها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل فبلغ النبي صلى الله عليه و سلم خبرهم فبعث الطلب في آثارهم فأخذوا قال جميع الرواة فقطع رسول الله صلى الله عليه و سلم أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم ويروى وسمل وتركهم في جانب الحرة يستسقون فلا يسقون فقيل أن هذه الآية ناسخة لفعله صلى الله عليه و سلم بالعرنيين ووقف الأمر على هذه الحدود وقال جماعة أنها غير ناسخة لذلك الفعل لأن العرنيين مرتدون لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاء وقالوا هذه الآية هي في المحارب المؤمن قال مالك المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح في مصر أو برية فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة وبهذا القول قال جماعة من أهل العلم قالوا والإمام مخير فيه بأن يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات فأما قتل المحارب فبالسيف ضربة للعنق وأما صلبه فبعد القتل عند جماعة وقال جماعة بل يصلب حيا ويقتل بالطعن على الخشبة وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل وقوله سبحانه أو ينفوا من الأرض الظاهر أن الأرض في هذه الآية هي أرض النازلة وقد جنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن به أن يعود إلى حرابه وافساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحا وهذا هو صريح مذهب مالك وقوله تعالى ذلك لهم خزي في الدنيا الآية إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم فيحتمل الخزي لمن عوقب وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا وبالجملة فهم في المشيئة وقوله سبحانه إلا الذين تابوا الآية استثنى عز و جل التائب قبل أن يقدر عليه وأخبر سبحانه بسقوط حقوقه عنه بقوله فأعلموا أن الله غفور رحيم والعلماء على أن الآية في المؤمنين ويؤخذ المحارب بحقوق الناس وإن تاب هذا هو الصحيح وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة الآية هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة وابتغوا معناه اطلبوا والوسيلة القربة وأما الوسيلة المطلوبة لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم فهي أيضا من هذا لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود قلت وفي كلامه هذا مالا يخفى وقد فسر النبي صلى الله عليه و سلم الوسيلة التي كان يرجوها من ربه وأنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو الحديث وخص سبحانه الجهاد بالذكر وإن كان داخلا في معنى الوسيلة تشريفا له إذ هو قاعدة الإسلام وقوله تعالى يريدون أن يخرجوا من النار إخبار بأنهم يتمنون هذا وقال الحسن بن أبي الحسن إذا فارت بهم النار قربوا من حاشيتها فحينئذ يريدون الخروج ويطمعون به وتأول هو وغيره الآية على هذا قلت ويؤيده ما خرجه البخاري في رؤية النبي صلى الله عليه و سلم حيث أتاه ءاتيان فأخذا بيده وفيه فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه وفيه أيضا فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله وساع تتوقد تحته نار فإذا اقترب ارتفعوا فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال نساء عراة فقلت ما هذا فقالا أنطلق الحديث وأخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم مؤبد وقوله سبحانه والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما الآية قلت المسروق مال أو غيره فشرط المال أن يكون نصابا بعد خروجه مملوكا لغير السارق ملكا محترما تاما لا شبهة له فيه محرزا مخرجا منه إلى ما ليس بحرز له استسرارا فالنصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساوي ثلاثة دراهم وقوله أيديهما يعني أيمان النوعين والنكال العذاب والنكل القيد وقوله سبحانه فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه الآية جمهور العلماء على أن توبة السارق لا تسقط عنه القطع وقال الشافعي إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحكام بأخذه فتوبته تدفع عنه حكم القطع قياسا على توبة المحارب وقوله سبحانه ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء أي فلا معقب لحكمه سبحانه ولا معترض عليه يفعل ما يشاء لا إله إلا هو وقوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية تسلية لنبيه عليه السلام وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود والمعنى قد وعدناك النصر والظهور عليهم فلا يحزنك ما يقع منهم ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره والسعي في كيد الإسلام وإطفاء نوره قال مجاهد وغيره قوله تعالى من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم يراد به المنافقون وقوله سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين يراد به اليهود ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين لأن جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة إذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك وقوله سبحانه سماعون لقوم آخرين يحتمل أن يريد يسمعون منهم وذكر الطبري عن جابر أن المراد بالقوم الآخرين يهود فدك وقيل يهود خبير ويحتمل أن يكون معنى سماعون لقوم آخرين بمعنى جواسيس مسترقين الكلام لينقلوه لقوم آخرين وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ويهود المدينة قلت وهذا هو الذي نص عليه ابن إسحاق في السير قال ع وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب الله عز و جل فقال نعم وتلا هذه الآية سماعون لقوم آخرين وقوله سبحانه يحرفون الكلم من بعد مواضعه هذه صفة اليهود في معنى ما حرفوه من التوراة وفيما يحرفونه من الأقوال عند كذبهم من بعد مواضعه أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه روي أن يهود فدك قالوا ليهود المدينة استفتوا محمدا فإن أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبية فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا الرجم قاله الشعبي وغيره وقيل غير هذا من وقائعهم فالإشارة بهذا إلى التحميم والجلد في الزنا على قول ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام على جهة قطع الرجاء منهم ومن يرد الله فتنته أي محنته بالكفر فلن تملك له من الله شيئا ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سبق لهم في علمه أن لا يطهر قلوبهم وأن يكونوا مدنسين بالكفر لهم في الدنيا خزي بالذلة والمسكنة التي ضربت عليهم في أقطار الأرض وفي كل أمة قال ص سماعون أي هم سماعون ومثله أكالون انتهى وقوله سبحانه أكالون للسحت فعالون بناء مبالغة أي يتكرر أكلهم ويكثر والسحت كل ما لا يحل كسبه من المال وقوله تعالى فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم تخيير للنبي صلى الله عليه و سلم ولحكام أمته بعده وقال ابن عباس وغيره هذا التخيير منسوخ بقوله سبحانه وإن أحكم بينهم بما أنزل الله وقال كثير من العلماء هي محكمة وهذا هو الأظهر إن شاء الله وفقه هذه الآية أن الأمة مجمعة فيما علمت على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في تظالمهم وأما نوازل الأحكام التي لا تظالم فيها فالحاكم مخير وإذا رضي به الخصمان فلا بد من رضي أساقفتهم أو أحبارهم قاله ابن القاسم في العتبية قلت وعبارة الداودي قال مالك ولا يحكم بينهم إذا اختار الحكم إلا في المظالم فيحكم بينهم بما أنزل الله ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أن يعلنوه فيعاقبون بسبب إعلانه ثم يردون إلى أساقفتهم قال مالك وإنما رجم النبي صلى الله عليه و سلم اليهوديين قبل أن تكون لهم ذمة انتهى وقال ابن العربي في أحكامه إنما أنفذ النبي صلى الله عليه و سلم الحكم بينهم ليحقق تحريفهم وتبديلهم وكذبهم وكتمهم ما في التوراة ومنه صفته صلى الله عليه و سلم فيها والرجم على زناتهم وعنه أخبر الله تعالى بقوله يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير فيكون ذلك من آياته الباهرة وحججه البينة وبراهينه القاطعة الدامغة للأمة المخزية اليهودية انتهى وقوله تعالى وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا أمن الله سبحانه نبيه من ضررهم إذا أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم وإن حكمت أي اخترت الحكم في نازلة ما فأحكم بينهم بالقسط أي بالعدل ثم قال سبحانه وكيف يحكمونك المعنى وكيف يحكمونك بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم التوراة التي يصدقون بها وتولوا عن حكم الله فيها فأنت الذي لا يؤمنون بك أحرى بأن يخالفوا حكمك وهذا بين أنهم لا يحكمونه عليه السلام إلا رغبة في ميله إلى أهوائهم وقوله سبحانه من بعد ذلك أي من بعد كون حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه وقوله تعالى وما اولئك بالمؤمنين يعني بالتوراة وبموسى وقوله سبحانه انا أنزلنا التوراة فيها هدى أي إرشاد في المعتقد والشرائع والنور ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها والنبيئون الذين اسلموا هم من بعث من لدن موسى ابن عمران إلى مدة نبينا محمد عليه السلام وأسلموا معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله سبحانه وقوله للذين هادوا متعلق بيحكم أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم والربانيون عطف على النبيئين أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء وقد تقدم تفسير الرباني والأحبار أيضا العلماء وأحدهم حبر بكسر الحاء وفتحها وكثر استعمال الفتح فرقا بينه وبين الحبر الذي يكتب به وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم فيما مضى من الزمان قبل مبعث نبينا محمد عليه السلام وقوله سبحانه بما استحفظوا أي بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم أمر التوراة وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها وعرفهم ما فيها فصاروا شهداء عليه وهؤلاءضيعوا لما استحفظوا حتى تبدلت التوراة والقرآن بخلاف هذا لقوله تعالى وانا له لحافظون وقوله تعالى فلا تخشوا الناس واخشون حكاية لما قيل لعلماء بني إسرائيل وقوله ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين وهذا المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها ويحتمل أن يكون قوله فلا تخشوا الناس إلى آخر الآية خطابا لأمة نبينا محمد عليه السلام وأختلف العلماء في المراد بقوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون فقالت جماعة المراد اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم من طريق البراء بن عازب قال الفخر وتمسكت الخوارج بهذه الآية في التكفير بالذنب وأجيب بأن الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم قال الفخر وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قلت وهذه مسألة خلاف في العام الوارد على سبب هل يبقى على عمومه أو يقصر على سببه انتهى وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن وقيل لحذيفة بن اليمان أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل فقال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة لتسلكن طريقهم قذ الشراك وقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية أي وكتبنا على بني إسرائيل فى التوراة ومعنى هذه الآية الخبر بان الله تعالى كتب فرضا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه و سلم قال ابن عباس ورخص الله لهذه الأمة ووسع لها بالدية ولم يجعل لنبي إسرائيل دية فيما نزل على موسى والجمهور أن النفس بالنفس عموم يراد به الخصوص في المتماثلين كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم لا يقتل مسلم بكافر وكذلك قوله سبحانه والجروح قصاص عموم يراد به الخصوص فيما لا يخاف منها على النفس وكتب الفقه محل استيعاب الكلام على هذه المعاني قال ص والجروح قصاص أي ذات قصاص انتهى وقوله سبحانه فمن تصدق به فهو كفارة له المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه وعفا فإن ذلك العفو كفارة لذنوبه يعظم الله أجره بذلك قاله ابن عمر وغيره وفي معناه حديث مروي عن النبي صلى الله عليه و سلم قلت وهو قوله صلى الله عليه و سلم ما من رجل يصاب بشيء في جسده فتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة رواه الترمذي انتهى وقيل المعنى فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب كما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة وأما أجر العافي فعلى الله تعالى قاله ابن عباس وغيره وقيل المعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هذا الجاني بأن اعترف بذلك ومكن من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه وقوله سبحانه وقفينا على ءاثارهم بعيسى ابن مريم الآية الضمير في آثارهم للنبيين وقوله وهدى وموعظة للمتقين خص المتقون بالذكر لأنهم المقصود به في علم الله وإن كان الجميع يدعى إلى توحيد الله ويوعظ ولكن ذلك على غير المتقين عمى وحيرة وقرأ حمزة وحده وليحكم بكسر اللام وفتح الميم على لام كي ونصب الفعل بها والمعنى وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق وليحكم أهله بما أنزل الله فيه وقرأ باقي السبعة وليحكم بسكون لام الأمر وجزم الفعل ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم قلت وإذ من لازم حكمهم بما أنزل الله فيه اتباعهم لنبينا محمد عليه السلام والإيمان به كما يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل قال الفخر قيل المراد وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه و سلم قيل والمراد بالفاسقين من لم يمتثل من النصارى انتهى وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله وقوله سبحانه ومهيمنا أي جعل الله القرآن مهيمنا على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق وعلى ما نسبه المحرفون إليها فيصحح الحقائق ويبطل التحريف وهذا هو معنى مهيمنا أي شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين حسب اختلاف عبارة المفسرين في اللفظة وقال المبرد مهيمن أصله مؤتمن بني من أمين أبدلت همزته هاء كما قالوا ارقت الماء وهرقته واستحسنه الزجاج وقوله سبحانه فأحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق المعنى عند الجمهور أن اخترت أن تحكم فأحكم بينهم بما أنزل الله وليست هذه الآية بناسخة لقوله أو اعرض عنهم ثم حذر الله تعالى نبيه عليه السلام من اتباع أهوائهم وقوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعه ومنهاجا أي لكل أمة قاله الجمهور وهذا عندهم في الأحكام وأما في المعتقدات فالدين واحد لجميع العالم ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم وتجيء الآية مع هذا الاحتمال تنبيها لنبينا محمد عليه السلام أي فأحفظ شرعتك ومنهاجك ليلا تستزلك اليهود أو غيرهم في شيء منه وأكثر المتأولين على أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد وهي الطريق وقال ابن عباس وغيره شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة ثم أخبر سبحانه أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ولكنه لم يشأ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع كذا قال جريج وغيره ثم أمر سبحانه باستباق الخيرات في امتثال الأوامر وختم سبحانه بالموعظة والتذكير بالمعاد فقال إلى الله مرجعكم جميعا والمعنى فالبدار البدار وقوله سبحانه فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون معناه في الثواب والعقاب فتخبرون به إخبار إيقاع وهذه الآية بارعة الفصاحة جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة وكل كتاب الله كذلك إلا انا بقصور أفهامنا يبين لنا في بعض أكثر مما يبين لنا في بعض وقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم الآية الهوى مقصور يجمع على أهواء والهواء ممدود يجمع على اهوية ثم حذر تعالى نبيه عليه السلام من اليهود أن يفتنوه بأن يصرفوه عن شيء مما أنزل الله عليه من الأحكام لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا له مرارا أحكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك على دينك وقوله سبحانه فإن تولوا قبله محذوف تقديره فإن حكموك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا فأعلم الآية وخصص سبحانه إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم نوعان نوع يخصهم ونوع يتعدى إلى النبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنين وبه توعدهم الله في الدنيا وإنما يعذبون بالكل في الآخرة وقال الفخر وجوزوا ببعض الذنوب في الدنيا لأن مجازاتهم بالبعض كاف في إهلاكهم وتدميرهم انتهى وقوله سبحانه فأعلم الآية وعد للنبي صلى الله عليه و سلم وقد أنجزه بقصة بني قينقاع وقصة قريظة والنصير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم وقوله تعالى وان كثيرا من الناس لفاسقون اشارة اليهم ويندرج فى عموم الآية غيرهم وقوله تعالى افحكم الجاهلية يبغون إشارة إلى الكهان الذين كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسب الشهوات ومن أحسن من الله حكما أي لا أحد أحسن منه حكما تبارك وتعالى وقوله سبحانه يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء نهى الله سبحانه المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة وحكم هذه الآية باق وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى فإنه منهم وسبب نزول هذه الآية أنه لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع أراد النبي صلى الله عليه و سلم قتلهم فقام دونهم عبد الله ابن أبي ابن سلول مخاصما وقال يا محمد أحسن في موالي فإني امرؤ أخاف الدوائر فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد وهبتهم لك ونزلت الآية في ذلك وقوله عز و جل بعضهم أولياء بعض جملة مقطوعة من النهي وقوله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم انحاء على عبد الله بن أبي وعلى كل من أتصف بهذه الصفة وقوله سبحانه فترى الذين المعنى فترى يا محمد الذين في قلوبهم مرض إشارة إلى عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قينقاع وقوله تعالى يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة لفظ محفوظ عن عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين ودائرة معناه نازلة من الزمان وإنما كان ابن أبي يظهر أنه يستبقيهم لنصرة النبي عليه السلام وأنه الرأي وكان يبطن خلاف ذلك وقوله سبحانه فعسى الله أن يأتي بالفتح وهو ظهور نبيه عليه السلام وعلو كلمته وتمكينه من بني قينقاع وقريظة والنضير وفتح مكة أو أمر من عنده يهلك به أعداء الشرع وهو أيضا فتح لا يقع فيه للبشر سبب وقرأ ابن الزبير فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين وقوله تعالى يقول الذين ءامنوا أهولاء الذين اقسموا بالله جهد إيمانهم قرأ نافع وغيره يقول بغير واو وقرأ حمزة وغيره ويقول وقرأ أبو عمر وحده ويقول بالواو ونصب الام فذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح وحصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى فحينئذ يقول المؤمنون اهؤلاء الذين اقسموا الآية وتحتمل الآية وتحتمل الآية ان تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض نخشى أن تصيبنا دائرة إذ فهم منهم إن تمسكهم باليهود إنما هو أرصاد لله ولرسوله فمقتهم النبي عليه السلام والمؤمنون وترك لهم النبي عليه السلام بني قينقاع رغبة في المصلحة والألفة وأما قراءة أبي عمرو ويقول بالنصب فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم وقوله تعالى جهد إيمانهم نصب جهد على المصدر المؤكد والمعنى اهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الإيمان إنهم لمعكم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم وقوله حبطت أعمالهم يحتمل أن يكون إخبارا من الله سبحانه ويحتمل أن يكون من قول المؤمنين ويحتمل أن يكون قوله حبطت دعاء أي بطلت أعمالهم وقوله سبحانه يا أيها الذين ءامنوا من يرتدد منكم عن دينه الآية خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة ومعنى الآية إن الله عز و جل وعد هذه الأمة أن من أرتد منها فإنه يجيء سبحانه بقوم ينصرون الدين ويغنون عن المرتدين قال الفخر وقدم الله تعالى محبته لهم على محبتهم له إذ لولا حبه لهم لما وفقهم أن صاروا محبين له انتهى وفي كتاب القصد إلى الله سبحانه للمحاسبي قلت للشيخ فهل يلحق المحبين لله عز و جل خوف قال نعم الخوف لازم لهم كما لزمهم الإيمان لا يزول إلا بزواله وهذا هو خوف عذاب التقصير في بدايتهم حتى إذا صاروا إلى خوف الفوت صاروا إلى الخوف الذي يكون في أعلى حال فكان الخوف الأول يطرقهم خطرات وصار خوف الفوت وطنات قلت فما الحالة التي تكشف عن قلوبهم شديد الخوف والحزن قال الرجاء بحسن الظن لمعرفتهم بسعة فضل الله عز و جل وأملهم منه أن يظفروا بمرادهم إذا وردوا عليه ولولا حسن ظنهم بربهم لتقطعت أنفسهم حسرات وماتوا كمدا قلت أي شيء أكثر شغلهم وما الغالب على قلوبهم في جميع أحوالهم قال كثرة الذكر لمحبوبهم على طريق الدوام والاستقامة لا يملون ولا يفترون وقد أجمع الحكماء أن من أحب شيئا أكثر من ذكره ثم قال قال ذو النون ما اولع أحد بذكر الله إلا أفاد منه حب الله تعالى انتهى وفي الآية انحاء على المنافقين وعلى من ارتد في مدة النبي صلى الله عليه و سلم قال الفخر وهذه الآية إخبار بغيب وقد وقع الخبر على وفقه فيكون معجزا وقد ارتدت العرب وغيرهم أيام أبي بكر فنصر الله الدين وأتى بخير منهم انتهى وقوله سبحانه أذلة على المؤمنين معناه متذللين من قبل أنفسهم غير متكبرين وهذا كقوله عز و جل أشداء على الكفار رحماء بينهم وكقوله عليه السلام المؤمن هين لين وفي قراءة ابن مسعود أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين وقوله تعالى ولا يخافون لومة لائم إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم يعتذرون بممالاة الأحلاف والمعارف من الكفار ويراعون أمرهم قلت وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده على أبي ذر قال أوصاني النبي صلى الله عليه و سلم بسبع أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي يعني في شأن الدنيا وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن لا اسأل الناس شيئا وأوصاني أن استكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله انتهى وقوله سبحانه ذلك فضل الله الإشارة بذلك إلى كون القوم يحبون الله عز و جل ويحبهم وواسع معناه ذو سعة فيما يملك ويعطي وينعم به سبحانه وقوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله الآية إنما في هذه الآية حاصرة وقرأ ابن مسعود إنما مولاكم الله والزكاة هنا لفظ عام للزكاة المفروضة والتطوع بالصدقة ولكل أفعال البر إذ هي منمية للحسنات مطهرة للمرء من دنس السيئات ثم وصفهم سبحانه بتكثير الركوع وخص بالذكر لكونه من أعظم أركان الصلاة وهي هيئة تواضع فعبر به عن جميع الصلاة كما قال سبحانه والركع السجود هذا هو الصحيح وهو تأويل الجمهور ولكن انفق مع ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى خاتمه وهو راكع قال السدي وإن اتفق ذلك لعلي فالآية عامة في جميع المؤمنين ثم أخبر تعالى إن من يتولى الله ورسوله والمؤمنين فإنه غالب كل من ناواه وجاءت العبارة عامة في أن حزب الله هم الغالبون ثم نهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ الذين اتخذوا ديننا هزؤا ولعبا وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله سبحانه انا كفيناك المستهزءين وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم إنا معكم إنما نحن مستهزءون ثم أمر سبحانه بتقواه ونبه النفوس بقوله إن كنتم مؤمنين وقوله سبحانه وإذا ناديتهم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا الآية انحاء على اليهود وتبيين لسوء فعلهم وقوله وإن أكثركم فاسقون معنى المحاورة هل تنقمون منا إلا مجموع هذه الحال من انا مؤمنون وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه هل تنقم مني إلا أن صدقت انا وكذبت أنت وقال بعض المتأولين وإن أكثركم معطوف على ما كأنه قال إلا أن آمنا بالله ويكتبه وبأن أكثركم فاسقون وهذا مستقيم المعنى وقال أكثركم من حيث أن فيهم من آمن كابن سلام وغيره وقوله سبحانه قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة يعني مرجعا عند الله يوم القيامة ومنه وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر عليه السلام أن يقول لهم هل أنبئكم هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤا ولعبا قال ذلك الطبري وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئا والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين أي قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت المرجع إلى الله أولائك أسلافهم الذين لعنهم الله وغضب عليهم وقوله سبحانه وجعل هي بمعنى صير وقد تقدم قصص مسخهم قردة في البقرة وعبد الطاغوت تقديره ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة وحده وعبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن عبد لفظ مبالغة كقدس قال الفخر قيل الطاغوت هنا العجل وقيل الطاغوت أحبارهم وكل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده انتهى ومكانا يحتمل أن يريد في الآخرة فالمكان على وجهه أي المحل إذ محلهم جنهم ويحتمل أن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة والحالة وقوله سبحانه وإذا جاءوكم يعني اليهود وخاصة المنافقين منهم قاله ابن عباس وغيره وقوله والله أعلم بما كانوا يكتمون أي من الكفر والرؤية هنا تحتمل أن تكون قلبية وأن تكون بصرية وفي الإثم أي موجبات الإثم واللام في لبيس لام قسم وقوله تعالى لولا ينهاهم الربانيون والأحبار تحضيض في ضمنه توبيخ لهم قال الفخر والمعنى هلا ينهاهم انتهى قال الطبري كان العلماء يقولون ما في القرآن آية هي أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها وقال الضحاك بن مزاحم ما في القرآن آية أخوف عندي منها انا لا ننهى وقال نحو هذا ابن عباس وقوله سبحانه عن قولهم الإثم ظاهره أن الإثم هنا يراد به الكفر ويحتمل ان يراد سائر أقوالهم المنكرة في النبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنين وقرأ ابن عباس بيس ما كانوا يصنعون بغير لام قسم وقوله سبحانه وتعالى وقالت اليهود يد الله إلى قوله لا يحب المفسدين هذه الآية تعديد كبيرة في أقوالهم وكفرهم أي فمن يقول هذه العظيمة فلا يستنكر نفاقه وسعيه في رد أمر الله تعالى قال ابن عباس وجماعة معنى قولهم التبخيل وذلك أنهم لحقتهم سنة وجهد فقالوا هذه المقالة يعنون بها أن الله بخل عليهم بالرزق والتوسعه تعالى الله عن قولهم وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك فإن المراد لا تبخل ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم مثل البخيل والمتصدق الحديث وذكر الطبري والنقاش أن هذه الآية نزلت في فنحاص اليهودي وإنه قالها وقوله سبحانه غلت أيديهم خبر يحتمل في الدنيا ويحتمل في الآخرة فإن كان خبرا عن الدنيا فالمعنى غلت أيديهم عن الخير والإنفاق في وجوه البر ونحوه وإذا كان خبرا عن الآخرة فالمعنى غلت في النار قلت ويحتمل الأمرين معا وقوله تعالى بل يداه مبسوطتان العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله سبحانه وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه لا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا قال ابن عباس في هذه الآية يداه نعمتاه ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة والظاهر أن قوله سبحانه بل يداه مبسوطتان عبارة عن إنعامه على الجملة وعبر عنها باليدين جريا على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قول الأعشى ... يداك يدا مجد فكف مفيدة ... وكف إذا ما ضن بالمال تنفق ... ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الأنعام قرينة الإنفاق ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام وليزيدن كثيرا منهم يعني اليهود ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ثم قال سبحانه والقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو فهو يبغض وقد يبغض من ليس بعدو والبغضاء قد لا تتجاوز النفوس وقد ألقى الله سبحانه الأمرين على بني إسرائيل قال الفخر وقد أوقع الله بين فرقهم الخصومة الشديدة وانتهى أمرهم إلى أن يكفر بعضهم بعضا وفي قوله والقينا بينهم العداوة الآية قولان أحدهما أن المراد ما بين اليهود والنصارى من العداوة لانه جرى ذكرهم فى قوله لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وهذا قول الحسن ومجاهد والثاني ما وقع من العداوة بين فرق اليهود فإن بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم موحدة وبعضهم مشبهة وكذلك بين فرق النصارى كالملكانية والنسطورية واليعقوبية انتهى وقوله سبحانه كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله استعارة بليغة قال مجاهد معنى الآية كلما اوقدوا نار الحرب النبي ص - اطفأها الله فالآية بشارة لنبينا محمد عليه السلام وللمؤمنين وباقي الآية بين وقوله تعالى ولو أن أهل الكتاب ءامنوا الآية هذه الآية تحتمل أن يراد بها معاصرو النبي صلى الله عليه و سلم وتحتمل أن يراد بها الأسلاف والمعاصرون وقوله سبحانه ولو أنهم أقاموا التوراة أي أظهروا أحكامها فهي كإقامة السوق وإقامة الصلاة وقوله سبحانه والإنجيل يقتضي دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب في هذه الآية قلت وقال مكي معنى أقاموا التوراة والإنجيل أي عملوا بما فيهما وأقروا بصفة النبي صلى الله عليه و سلم وبنبوءته انتهى من الهداية وقوله وما أنزل إليهم من ربهم معناه من وحي وسنن على ألسنة الأنبياء عليهم السلام واختلف في معنى من فوقهم ومن تحت أرجلهم فقال ابن عباس وغيره المعنى لأعطتهم السماء مطرها والأرض نباتها بفضل الله تعالى وقال الطبري وغيره إن الكلام استعارة ومبالغة في التوسعة كما يقال فلان قد عمه الخير من قرنه إلى قدمه وقوله سبحانه منهم أمة مقتصدة معناه معتدلة والقصد والاقتصاد الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال قال ابن زيد وهؤلاء هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب قال ع وهذا هو الراجح وقوله سبحانه يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بالتبليغ على الاستيفاء والكمال لأنه قد كان بلغ صلى الله عليه و سلم وإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد وذلك أن رسالته عليه السلام تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم صلى الله عليه و سلم عنتا وربما خافهم أحيانا قبل نزول هذه الآية فقال الله تعالى له بلغ ما أنزل إليك من ربك أي كاملا والله يعصمك من الناس قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها من زعم أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية والله تعالى يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية وقال عبد الله ابن شقيق كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعتقبه أصحابه يحرسونه فلما نزلت والله يعصمك من الناس خرج فقال يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمنى قلت وخرج الترمذي هذا الحديث أيضا من طريق عائشة وكما وجب عليه التبليغ عليه السلام وجب على علماء أمته وقد قال عليه السلام بلغوا عني ولو آية وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من ليس بفقيه جاهل فقه إلى من هو أفقه منه رواه أبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي هذا حديث حسن ورواه من حديث ابن مسعود وقال حسن صحيح انتهى من السلاح وقال محمد بن كعب القرظي نزلت هذه الآية بسبب الإعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه و سلم ليقتله به قال ابن العربي قوله تعالى والله يعصمك من الناس معناه يجعل بينك وبينهم حجابا يمنع من وصل مكروههم إليك كعصام القربة الذي يمنع سيلان الماء منها ولعلمائنا في الآية تأويلات أصحها أن العصمة عامة في كل مكروه وأن الآية نزلت بعد أن شج وجهه وكسرت رباعيته صلى الله عليه و سلم وقيل أنه أراد من القتل خاصة والأول أصح وقد كان صلى الله عليه و سلم أوتي بعض هذه العصمة بمكة في قوله تعالى إنا كفيناك المستهزءين ثم كملت له العصمة بالمدينة فعصم من الناس كلهم انتهى من كتابه في تفسير أفعال الله الواقعة في القرآن ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه لستم على شيء أي على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل وفي إقامتهما الإيمان بنبينا محمد عليه السلام قلت وهذه الآية عندي من أخوف آية في القرآن كما أشار إلى ذلك سفيان فتأملها حق التأمل وقوله سبحانه وما أنزل إليكم من ربكم الآية يعني به القرآن وقوله تعالى إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا لفظ عام لكل مؤمن من ملة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ومن غيرها من الملل فكان ألفاظ الآية حصر بها الناس كلهم وبينت الطوائف على اختلافها وهذا هو تأويل الجمهور وقد مضى الكلام في سورة البقرة فراجعه هناك وقرأ الجمهور والصابون وقرىء خارج السبعة والصابين وهي بينة الإعراب وأما على قراءة الجمهور فأختلف في إعرابها ومذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير كأنه قال إن الذين ءامنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابون والنصارى كذلك قال ص ووجه ثان أن خبر ان محذوف أي إن الذين آمنوا لهم أجرهم وخبر الصابين من آمن وما بعده قال ابن عصفور وهو حسن جدا إذ ليس فيه أكثر من حذف خبر ان للفهم وهو جائز في فصيح الكلام انتهى قلت قال ابن مالك وهو أسهل من التقديم والتأخير وقيل أن الصابين في موضع نصب ولكنه جاء على لغة بلحارث الذين يجمعون التثنية بالألف على كل حال والجمع بالواو على كل حال قاله أبو البقاء وقيل غير هذا وقوله سبحانه وحسبوا ألا تكون فتنة المعنى في هذه الآية وظن هؤلاء الكفرة بالله والعصاة من بني إسرائيل أن لا يكون من الله ابتلاء لهم وأخذ في الدنيا فلجوا في شهواتهم وعموا فيها إذ لم يبصروا الحق وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم حبك الشيء يعمى ويصم وقوله سبحانه ثم تاب الله عليهم قالت جماعة من المفسرين هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم ثم عموا وصموا بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبدا ومعنى تاب الله عليهم أي رجع بهم إلى الطاعة والحق ومن فصاحة القرآن استناد هذا الفعل الشريف إلى الله تعالى واستناد العمى والصمم اللذين هما عبارة عن الضلال إليهم ثم أخبر تعالى أخبارا مؤكدا بلام القسم عن كفر القائلين إن الله هو المسيح ابن مريم وهذا قول اليعقوبية من النصارى ثم أخبر تعالى عن قول المسيح لهم فقال وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم الآية فضلوا هم وكفروا بسبب ما رأوا على يديه من الآيات وقوله تعالى وما للظالمين من أنصار يحتمل أن يكون من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل ويحتمل أن يكون إخبارا من الله سبحانه لنبيه محمد عليه السلام وقوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد الآية إخبار مؤكد كالذي قبله عن هذه الطائفة الناطقة بالتثليث وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم ولا معنى لذكر أقوالهم في كتب التفسير وقوله سبحانه ثالث ثلاثة لا يجوز فيه إلا الإضافة وخفض ثلاثة لأن المعنى أحد ثلاثة فإن قلت زيد ثالث اثنين أو رابع ثلاثة جاز لك أن تضيف كما تقدم وجاز أن لا تضيف وتنصب ثلاثة على معنى زيد يربع ثلاثة وقوله سبحانه وما من إله إلا إله واحد الآية خبر صادع بالحق وهو سبحانه الخالق المبدع المتصف بالصفات العلي سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم توعدهم إن لم ينتهوا عما يقولون ثم رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة ثم وصف نفسه سبحانه بالغفران والرحمة استجلابا للتائبين وتأنيسا لهم ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم قال ص ليمسن اللام فيه جواب قسم محذوف قبل أداة الشرط انتهى وقوله تعالى وأمة صديقة بناء مبالغة من الصدق ويحتمل من التصديق وبه سمى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهذه الصفة لمريم تدفع قول من قال أنها نبية وقوله سبحانه كانا يأكلان الطعام تنبيه على نقص البشرية وعلى حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية ويؤفكون معناه يصرفون ومنه قوله عز و جل يؤفك عنه من أفك والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها المطر والمطر في الحقيقة هو المصروف ولكن قيل أرض مأفوكة لما كانت مافوكا عنها وقوله تعالى قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم الآية الضر بفتح الضاد المصدر وبضمها الاسم وهو عدم الخير والسميع لأقوالهم والعليم بنياتهم والغلو تجاوز الحد من غلا السهم إذا تجاوز الغرض المقصود وتلك المسافة هي غلوته وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى والقوم الذين نهى النصارى عن اتباع أهوائهم هم بنو إسرائيل ووصف تعالى اليهود بأنهم ضلوا قديما وأضلوا كثيرا من اتباعهم ثم أكد الأمر بتكرار قوله تعالى وضلوا عن سواء السبيل وقوله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآية قال ابن عباس رضي الله عنه لعنوا بكل لسان لعنوا في التوراة وفي الزبور والإنجيل والفرقان وقوله سبحانه كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه الآية ذم الله سبحانه هذه الفرقة الملعونة بانهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي أنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي وأن نهي منهم ناه لم يمتنع عن مواصلة العاصي ومواكلته وخلطته وروى ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على ذنب نهاه عنه تعذيرا فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله أو خليطه فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى قال ابن مسعود وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم متكأ فجلس وقال لا والله حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق اطرا والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف أي برفق وقول معروف وأمن الضرر عليه وعلى المؤمنين فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر وقال حذاق أهل العلم ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من المعصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا وقوله سبحانه لبيس ما كانوا يفعلون اللام لا م قسم وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أفضل الجهاد كلمة حق أو قال كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر انتهى وقوله تعالى لنبيه محمد عليه السلام ترى كثيرا يحتمل أن تكون رؤية عين فلا يريد إلا معاصريه ويحتمل أن تكون رؤية قلب وعلى هذا فيحتمل أن يريد المعاصرين له ويحتمل أن يريد أسلافهم والذين كفروا عبدة الأوثان وقوله سبحانه لبيس ما قدمت لهم أنفسهم الآية أي قدمته للآخرة واجترحته ثم فسر ذلك قوله تعالى إن سخط الله عليهم فإن سخط في موضع رفع بدل من ما ويحتمل أن يكون التقدير هو إن سخط الله عليهم وقوله تعالى والنبيء إن كان المراد الأسلاف فالنبي داود وعيسى وإن كان المراد معاصري نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فالمراد بالنبي هو صلى الله عليه و سلم وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله سبحانه ترى كثيرا منهم كلام منقطع من ذكر بني إسرائيل وأنه يعني به المنافقين ونحوه لمجاهد وقوله تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا الآية اللام في قوله لتجدن لام ابتداء وقال الزجاج هي لام قسم وهذا خبر مطلق منسحب على الزمان كله وهكذا هو الأمر حتى الآن وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة المسكنة فهم قد لجت عداوتهم وكثر حسدهم فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان والنيران وأما النصارى فإنهم يعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين ويستهينون من فهموا منه الفسق فهم إن حاربوا فإنما حربهم أنفة لا أن شرعهم يأخذهم بذلك وإذا سالموا فسلمهم صاف واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلال بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة المكر والغدر ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين وفي قوله سبحانه الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى معاصري نبينا محمد صلى الله عليه و سلم من النصارى بأنهم ليسوا على حقيقة النصارنية وإنما هو قول منهم وزعم وقوله تعالى ذلك بأن منهم قسيسين وهبانا الآية معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله تعالى وعبادة وإن لم يكونوا على هدى فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة فلذلك لا يرى فيهم زاهد قال الفخر القس والقسيس اسم رئيس النصارى والجمع قسيسون وقال قطرب القس والقسيس العالم بلغة الروم وهذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين انتهى ووصف الله سبحانه النصارى بأنهم لا يستكبرون وهذا موجود فيهم حتى الآن واليهودي متى وجد عزا طغى وتكبر ثم مدحهم سبحانه فقال وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع الآية قال النووي ينبغي للقارىء أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع فهذا هو المقصود المطلوب وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب ودلائله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وقد بات جماعة من السلف يتلوا الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة أو معظم ليلة يتدبرها وصعق جماعات منهم عند سماع القرآن وقراءته ومات جماعات منهم ويستحب البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله عز و جل ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا وقد وردت آثار كثيرة في ذلك انتهى من الحلية للنووي وذكر ابن عباس وابن جبير ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليروه ويعرفوا حاله فقرأ النبي صلى الله عليه و سلم القرآن فبكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن ولم يزل مؤمنا حتى مات فصلى عليه النبي صلى الله عليه و سلم وروي أن نعش النجاشي كشف للنبي عليه السلام فكان يراه من موضعه بالمدينة وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه و سلم عليه قال أبو صالح كانوا سبعة وستين رجلا وقال ابن جبير كانوا سبعين عليهم ثياب الصوف وكلهم صاحب صومعة اختارهم النجاشي وصدر الآية في قرب المودة عام فيهم ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصا فيمن آمن وإنما وقع التخصيص من قوله تعالى وإذا سمعوا وجاء الضمير عاما إذ قد تحمد الجماعة بفعل واحد منهم وفي هذا استدعاء للنصارى ولطف من الله بهم ليؤمنوا قال ص مما عرفوا من الحق من الأولى لابتداء الغاية قال أبو البقاء ومعناها من أجل الذي عرفوا ومن الثانية لبيان ما الموصولة انتهى قال العراقي تفيض أي تسيل منها العبرة وفي الحديث اقرءوا القرآن وأبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا خرجه البزار انتهى من الكوكب الدري وفيه عن البزار ايضا ان النبي ص - قال من خرج من عينيه مثل جناح ذباب دموعا من خشية الله لم يدخل النار حتى يعود اللبن في ضرعه انتهى وقولهم مع الشاهدين يعني نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم وأمته قاله ابن عباس وغيره وقال الطبري لو قال قائل معنى ذلك مع الشاهدين بتوحيدك من جميع العالم لكان صوابا وهو كلام صحيح وكأن ابن عباس خصص أمة محمد لقول الله سبحانه وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية وقولهم وما لنالا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار والقوم الصالحون محمد صلى الله عليه و سلم وأصحابه قاله ابن زيد وغيره من المفسرين ثم ذكر تعالى ما أثابهم به من النعيم على إيمانهم وإحسانهم ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذبين وإنهم قرناء الجحيم وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية قال ابن عباس وغيره نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بلغت منهم المواعظ وخوف الله تعالى إلى أن حرم بعضهم النساء وبعضهم النوم بالليل والطيب وهم بعضهم بالاختصاء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فقال أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء وأنال الطيب فمن رغب عن سنتي فليس مني قال الطبري كان فيما يتلى من رغب عن سنتك فليس من أمتك وقد ضل عن سواء السبيل والطيبات في هذه الآية المستلذات بدليل إضافتها إلى ما أحل الله وبقرينة ما ذكر من سبب الآية وقوله سبحانه ولا تعتدوا قال عكرمة وغيره معناه في تحريم ما أحل الله وقال الحسن بن أبي الحسن المعنى و لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين كأنه قال لا تشددوا فتحرموا حلالا ولا تترخصوا فتحلوا حراما قلت وروي مالك في الموطأ عن أبي النضر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما مات عثمان بن مظعون ومر بجنازته ذهبت ولم تلتبس منها بشيء قال أبو عمر في التمهيد هذا الحديث في الموطأ مقطوع وقد رويناه متصلا مسندا من وجه صالح حسن ثم اسند أبوعمر عن عائشة قالت لما مات عثمان بن مظعون كشف النبي صلى الله عليه و سلم الثوب عن وجهه وقبل بين عينيه وبكى بكاء طويلا فلما رفع على السرير قال طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها قال أبو عمر كان عثمان بن مظعون أحد الفضلاء العباد الزاهدين في الدنيا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم المتبتلين منهم وقد كان هو وعلي بن أبي طالب هما أن يترهبا ويتركا النساء ويقبلا على العبادة ويحرما طيبات الطعام على أنفسهما فنزلت يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية ونقل هذا معمر وغيره عن قتادة انتهى وقوله سبحانه ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان معناه شددتم وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد قال الحطيئة ... قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا ... قال الفخر وأما وجه المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها فهو ما تقدم من أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم حرموا على أنفسهم المطاعم والملاذ وحلفوا على ذلك فلما نهاهم الله تعالى عن ذلك قالوا يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا فأنزل الله تعالى هذه الآية انتهى وقوله سبحانه فكفارته إطعام عشرة مساكين أي إشباعهم مرة واحدة وحكم هؤلاء أن لا يتكرر واحد منهم في كفارة يمين واحدة واختلف في معنى قوله سبحانه من أوسط فرأى مالك وجماعة معه هذا التوسط في القدر ورأى ذلك جماعة في الصنف والوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مدا بمد النبي صلى الله عليه و سلم وذلك رطل وثلث وهذا لضيق المعيشة بالمدينة ورأى في غيرها أن يتوسع ورأى من يقول أن التوسط إنما هو في الصنف أن يكون الرجل المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالوسط من ذلك ومذهب المدونة أن يراعي المكفر عيش البلد وتأويل العلماء في الحانث في اليمين بالله أنه مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق والعلماء على أن العتق أفضل ذلك ثم الكسوة ثم الإطعام بدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر قال الفخر وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعم وجودا والمقصود منه التنبيه على أنه سبحانه يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف وثانيها أن الإطعام أفضل قلت وهذا هو مشهور مذهب مالك انتهى ويجزىء عند مالك من الكسوة في الكفارة ما يجزىء في الصلاة وقوله سبحانه أو تحرير رقبة أي مؤمنة قاله مالك وجماعة لأن هذا المطلق راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في قتل الخطأ وقوله سبحانه فمن لم يجد معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة المذكورة واختلف العلماء في حد هذا العادم ومتى يصح له الصيام فقال الشافعي ومالك وجماعة من العلماء إذا كان المكفر لا يملك إلا قوته وقوت عياله يومه وليلته فله أن يصوم فإن كان عنده زائد على ذلك ما يطعم عشرة مساكين لزمه الإطعام قال الطبري وقال آخرون جائز لمن لم يكن له فضل على راس ماله الذي يتصرف به في معايشه أن يصوم وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود ثلاثة أيام متتابعات وقال بذلك جماعة وقال مالك وغيره أن تابع فحسن وإن فرق أجزأ وقوله إذا حلفتم معناه وأردتم الحنث أو وقعتم فيه وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس الآية قال ع وفي معنى الأزلام الزجر بالطير وأخذ الفال في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس وأخبر سبحانه أن هذه الأشياء رجس قال ابن عباس في هذه الآية رجس سخط وقال ابن زيد الرجس الشر قال ع الرجس كل مكروه ذميم وقد يقال للعذاب والرجز العذاب لا غير والركس العذرة لا غير والرجس يقال للأمرين وقوله سبحانه فاجتنبوه أمر باجتنابه فحرمت الخمر بظاهر القرآن ونص الأحاديث وإجماع الأمة وأمر الخمر إنما كان بتدريج ونوازل كثيرة كقصة حمزة حين جب الاسنمة وقوله وهل أنتم إلا عبيد أبي ثم أعلم سبحانه عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر وما يعترى عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال حتى ربما بقي المقمور فقيرا فتحدث من ذلك ضغائن وعداوات فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين ولذلك قال صلى الله عليه و سلم ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو والبغضاء تنقض عرى الدين وتهدم عماد الحماية وكذلك أيضا يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بإتباع الشهوات والخمر والميسر والقمار كله من أعظم الآفات في ذلك وفي قوله سبحانه فهل أنتم منتهون وعيد زائد على معنى انتهوا وقوله سبحانه ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية قال ابن عباس وغيره لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة يا رسول الله كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول فنزلت هذه الآية وهذا نظير سؤالهم عن من مات على القبلة الأولى والجناح الإثم والحرج والتكرار في قوله سبحانه اتقوا يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم وليست الآية وقفا على من عمل الصالحات كلها واتقى كل التقوى بل هي لكل مؤمن وإن كان عاصيا أحيانا إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه وطعموا معناه ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق وقوله سبحانه يا أيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد أي ليختبرنكم يرى طاعتكم من معصيتكم وقوله بشيء يقتضي تبعيضا ومن يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون لبيان الجنس كقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقوله تعالى ليعلم الله من يخافه بالغيب معناه ليستمر علمه تعالى عليه وهو موجود إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل وبالغيب قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه والظاهر أن المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة ممن خاف الله انتهى قلت وقول الطبري أظهر ثم توعد تعالى من اعتدى بعد النهي بالعذاب الأليم وهو عذاب الآخرة وقوله سبحانه يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم الآية الصيد مصدر عومل معاملة الاسماء فاوقع على الحيوان المصيد ولفظ الصيد هنا عام ومعناه الخصوص فيما عدا ما استثنى وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والفارة والعقرب والكلب العقور وأجمع الناس على إباحة قتل الحية وبسط هذا في كتب الفقه وحرم جمع حرام وهو الذي يدخل في الحرم أو في الإحرام واختلف في قوله متعمدا فقال مجاهد وغيره معناه متعمدا لقتله ناسيا لاحرامه فهذا يكفر وأما أن كان ذاكرا لاحرامه فهو أعظم من أن يكفر وقد حل ولا رخصة له وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك والزهري وغيرهم المتعمد القاصد للقتل الذاكر لاحرامه فهو يكفر وكذلك الناسي والقاتل خطأ يكفران وقرأ نافع وغيره فجزاء مثل بإضافة الجزاء إلى مثل وقرأ حمزة وغيره فجزاء بالرفع مثل بالرفع أيضا واختلف في هذه المماثلة كيف تكون فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتول في الخلقة وعظم المرأى فيجعلان ذلك من النعم جزاءه وذهب الشعبي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يقوم الصيد المقتول ثم يشتري بقيمته ند من النعم ورد الطبري وغيره هذا القول والنعم لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعت هذه الأصناف فإن انفرد كل صنف لم يقل نعم إلا للإبل وحدها وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير فيها وعلى هذا جمهور الناس قال ابن وهب في العتبية من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لماأصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما وكذلك قال مالك في المدونة إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم فإن كان لما أصاب نظير من النعم فإنه يقوم صيده طعاما لا دراهم قال وإن قوماه دراهم واشترى بها طعام لرجوت أن يكون واسعا والأول أصوب فإن شاء أطعمه وإلا صام مكان كل مد يوما وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة وقال يحيى بن عمر من أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا العدد فإن شاء أخرج ذلك الطعام وإن شاء صام عدد إمداده وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الإطعام وقوله تعالى هديا بالغ الكعبة ذكرت الكعبة لأنها أم الحرم والحرم كله منحر لهذا الهدي ولا بد أن يجمع في هذا الهدي بين الحل والحرم حتى يكون بالغ الكعبة فالهدي لا ينحر إلا في الحرم واختلف في الطعام فقال جماعة الإطعام والصوم حيث شاء المكفر من البلاد وقال عطاء بن أبي رباح وغيره الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شئت وقوله سبحانه ليذوق وبال أمره الذوق هنا مستعار والوبال سوء العاقبة والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله وعبر بأمره عن جميع حاله من قتل وتكفير وحكم عليه ومضى ماله أو تعبه بالصوم واختلف في معنى قوله سبحانه عفا الله عما سلف الآية فقال عطاء بن أبي رباح وجماعة معناه عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرمة ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان مستحلا فينتقم الله منه في الآخرة ويكفر في ظاهر الحكم وإن كان عاصيا فالنقمة هي في الزام الكفارة فقط قالوا وكلما عاد المحرم فهو يكفر قال ع ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير وهذا هو قول الفقهاء مالك ونظرائه وأصحابه رحمهم الله وقال ابن عباس وغيره أما المتعمد فإنه يكفر أول مرة وعفا الله عن ذنبه فإن اجترأ وعاد ثانيا فلا يحكم عليه ويقال له ينتقم الله منك كما قال الله تعالى وقوله سبحانه والله عزيز ذو انتقام تنبيه على صفتين تقتضيان خوف من له بصيرة ومن خاف ازدجر ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل قلت والصيد للهو مكروه وروى أبو داود في سننه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن انتهى وقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم الآية البحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا وكل نهر كبير بحر وطعامه هو كل ما قذف به وما طفا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك ومتاعا نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعا تنتفعون به وتأتدمون ولكم يريد حاضري البحر ومدنه وللسيارة المسافرين واختلف في مقتضى قوله سبحانه وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته فقالوا أن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا أن يأمر من يصيد ولا أن يأكل صيدا صيد من أجله ولا من غير أجله وأن لحم الصيد بأي وجه كان حرام على المحرم وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأسا للمحرم أن يأكل ما صاده حلال لنفسه أو لحلال مثله وقال بمثل قول عمر عثمان بن عفان والزبير ابن العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه و سلم أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلال والنبي عليه السلام محرم ثم ذكر سبحانه بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالاحرام من أجل الكعبة وإنها بيت الله تعالى وعنصر هذه الفضائل ذكر سبحانه في قوله جعل الله الكعبة البيت تنبيها سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن العكبة قوام والهدي قوام والقلائد قوام أي أمر يقوم للناس بالتأمين ووضع الحرب أوزارها وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه وجعل في هذه الآية بمعنى صير والكعبة بيت مكة وسمي كعبة لتربيعه قال أهل اللغة كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة وذهب بعض المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى قياما للناس أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات وضبط النفوس في الشهر الحرام ومع الهدي والقلائد قال مكي معنى قياما للناس أي جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر اتباعه فهي تحجزهم عن ظلم بعضهم بعضا وكذلك الهدي والقلائد جعل ذلك أيضا قياما للناس فكان الرجل إذا دخل الحرم أمن من عدوه وإذا ساق الهدي كذلك لم يعرض له وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل إلى أهله قال ابن زيد كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض ولم يكن في العرب ملوك تدفع عن بعضهم ظلم بعض فجعل الله لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض انتهى من الهداية والشهر هنا اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب وشهر مصر وهو رجب وأما الهدي فكان أمانا لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب وأما القلائد فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئا فكان ذلك أمانا له وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم وقوله ذلك إشارة إلى أن جعل الله هذه الأمور قياما وقوله سبحانه بكل شيء عليم عام عموما تاما في الجزئيات ودقائق الموجودات والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر وقوله سبحانه ما على الرسول إلا البلاغ الآية إخبار للمؤمنين مضمنه الوعيد أن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ الرسول إليهم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون قلت قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه الحق تعالى مطلع على السرائر والظواهر في كل نفس وحال فايما قلت رآه مؤثرا له حفظه من الطوارق والمحن ومضلات الفتن وقال رحمه الله ما عرف الحق من لم يؤثره وما أطاعه من لم يشكره انتهى وقوله تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب الآية لفظ عام في جميع الأمور فيتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح وهي بخلاف ذلك وقوله سبحانه فاتقوا الله يا أولي الألباب تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعلم وخص أولوا الألباب بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذين لا ينبغي لهم إهمالها مع ألبابهم وإدراكهم وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم الآية اختلف الرواة في سببها والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه و سلم الحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما هو معلوم في الروايات فزجرهم الله تعالى عن ذلك بهذه الآية وأشياء أسم لجمع شيء قال ابن عباس معنى الآية لا تسألوا عن أشياء في ضمن الأنباء عنها مساءة لكم أما بتكليف شرعي يلزمكم وأما بخبر يسوءكم ولكن إذا نزل القرءان بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ أن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وابدي ويحتمل قوله وأن تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وأن سألتم لقيتم غب ذلك وصعوبته قال النووي وعن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله عز و جل فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها رويناه في سنن الدارقطني انتهى وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم انتهى وعفا الله عنها معناه تركها ولم يعرف بها قد سألها قوم من قبلكم الآية قال الطبري كقوم صالح في سؤالهم الناقة وكبنى إسراءيل في سؤالهم المائدة أي وكطلب الأمم قديما التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف بما كلفت وقوله سبحانه ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام الآية أي لم يجعل سبحانه شيئا من ذلك ولا سنه لعباده المعنى ولكن الكفار فعلوا ذلك كعمرو بن لحي وغيره من رؤسائهم يفترون على الله الكذب بقولهم هذه قربة إلى الله وأكثرهم يعنى الأتباع لا يعقلون بل يتبعون هذه الأمور تقليدا وجعل في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق ولا بمعنى صير وإنما هي بمعنى ماسن ولا شرع قال ص ما جعل ذهب ابن عطية والزمخشري إلى انها بمعنى شرع قال ابن عطية ولا تكون بمعنى خلق لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها ولا بمعنى صير لعدم المفعول الثاني قال أبو حيان ولم يذكر النحويون لها هذا وقد جاء حذف أحد مفعولي ظن وأخواتها قليلا فتحمل هذه على حذف المفعول الثاني أي ما صير الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حاميا مشروعا وهو اولى من اثبات معنى لم يسمع فيها وذكر أبو البقاء أنها هنا بمعنى سمى انتهى قلت وحاصل كلام أبي حيان أنه شهادة على نفي وعلى تقدير صحته فيحمل كلام ابن عطية على أنه تفسير معنى لا تفسير اعراب وبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة وبحر شق كانوا إذا نتجت الناقة عشرة بطون شقوا أذنها بنصفين طولا فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع بشيء منها ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحلل للرجال وذلك كله ضلال والسائبة هي الناقة تسيب للآلهة والناقة أيضا إذا تابعت ثنتي عشرة اناثا ليس فيهن ذكر سيبت وكانت السوائب أيضا في العرب كالقربة عند المرض يبرأ منه والقدوم من السفر وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله تعالى عليه تقرب بأن يسيب ناقة فلا ينتفع منها بلبن ولا ظهر ولا غيره يرون ذلك كعتق بني ادم ذكره السدي وغيره وكانت العرب تعتقد أن من عرض لهذه النوق فأخذها أو انتفع منها بشيء فانه تلحقه عقوبة من الله والوصيلة قال اكثر الناس أن الوصيلة في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان اخرها جديا ذبحوه لبيت الآلهة وأن كان عنافا استحيوها وان كان جدي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن اكثر الناس وروي عن ابن المسيب أن الوصيلة من الإبل وأما الحامي فإنه الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشر سنين وقيل إذا ولد من صلبه عشر وقيل إذا ولد من ولد ولده قالوا حمى ظهره فسيبوه لا يركب ولا يسخر في شيء وعبارة الفخر وقيل الحامي الفحل إذا ركب ولد ولده انتهى قلت والذي في البخاري والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود وإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل شيء عليه وسموه الحامي انتهى وقوله سبحانه وإذا قيل لهم يعني لهؤلاء الكفار المستنين بهذه الأشياء تعالوا إلى ما أنزل الله يعني القرءان الذي فيه التحريم الصحيح قالوا حسبنا معناه كفانا وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم الآية قال أبو ثعلبة الخشني سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن هذه الآية فقال ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم فإن وراءكم أياما أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم وهذا هو التأويل الذي لا نظر لاحد معه لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول أو رجي رد الظالم ولو بعنف ما لم يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته أو فتنة يدخلها على المسلمين أما بشق عصا وأما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده وقوله سبحانه إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون هذا تذكير بالحشر وما بعده وذلك مسل عن أمور الدنيا مكروهها ومحبوبها روي عن بعض الصالحين أنه قال ما من يوم إلا ويجيء الشيطان فيقول ما تأكل وما تلبس وأين تسكن فأقول له آكل الموت والبس الكفن واسكن القبر قال ع فمن فكر في مرجعه إلى الله سبحانه فهذا حاله قلت وخرج البغوي في المسند المنتخب عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يا أيها الناس أنكم تعملون أعمالا تعزب عنكم إلى يوم القيامة وتوشك العوازب أن تؤب إلى أهلها فمسرور بها ومكظوم انتهى من الكوكب الدري والله المستعان وقوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان الآية إلى قوله يوم يجمع الله الرسل قال مكي هذه الآيات عند أهل المعاني من اشكل ما في القرءان اعرابا ومعنى وحكما قال ع وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها وذلك بين من كتابه وبالله نستعين لا نعلم خلافا أن سبب هذه الآية أن تميما الداري وعدي بن بداء وكانا نصرانيين سافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما وقدم المدينة أيضا ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاصي يريد الشام تاجرا قال الفخر وكان مسلما فخرجوا رفاقة فمرض ابن أبي مارية في الطريق وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رحله إلى اوليائه من بني سهم وروى ابن عباس عن تميم الداري أنه قال برى الناس من هذه الآية غيري وغير عدي بن بداء وذكر القصة إلا أنه قال وكان معه جام فضة يريد به الملك فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف وقسمنا ثمنه فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت خمسمائة فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه و سلم وحلف عمرو بن العاصي ورجل اخر معه ونزعت من عدي خمسمائة قال ع واختلفت الفاظ هذه القصة وما ذكرته هو عمود الأمر ولم تصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ثبت إسلامه وقد صنفه في الصحابة بعض المتأخرين ولا وجه عندى لذكره في الصحابة وأما معنى الآية من أولها إلى اخرها فهو أن الله سبحانه أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصى إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة انهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدنا به حق ما كتمنا فيه شهادة الله وحكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على انهما كذبا أو خانا أو نحو هذا مما هو اثم حلف رجلان من أولياء الموصى في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الاشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وابن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وغيرهم قالوا ومعنى قوله منكم أي من المؤمنين ومعنى من غيركم أي من الكافرين قال بعضهم وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا يسافرون في التجارة مع أنواع الكفرة واختلفت هذه الجماعة المذكورة فمذهب أبي موسى الاشعري وغيره ان الآية محكمة ومذهب جماعة جماعه منهم أنها منسوخة بقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم وبما عليه إجماع جمهور الناس إن شهادة الكفار لا تجوز قال ع ولنرجع الآن إلى الاعراب ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطا شديدا وذكر ذلك والرد عليه يطول وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع والله المستعان فقوله تعالى شهادة بينكم هي الشهادة التي تحفظ لتؤدي ورفعها بالابتداء والخبر في قوله اثنان وقوله تعالى إذا حضر أحدكم الموت معناه إذا قارب الحضور والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة وهذا على أن تجعل إذا بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب ولك أن تجعل إذا في هذه الآية المحتاجة إلى الجواب لكن استغنى عن جوابها بما تقدم في قوله شهادة بينكم إذ المعنى إذا حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد وقوله حين الوصية ظرف زمان والعامل فيه حضر وإن شئت جعلته بدلا من إذا وقوله ذوا عدل صفة لقوله اثنان ومنكم صفة أيضا بعد صفة وقوله من غيركم صفه لاخران وقوله تحبسونها صفة لاخران ايضا واعترض بين الموصوف والصفة بقوله أن أنتم إلى الموت وأفاد الاعتراض أن العدول إلى آخرين من غير الملة إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه واستغني عن جواب أن لما تقدم من قوله أو آخران من غيركم وقال جمهور من العلماء الصلاة هنا صلاة العصر وقال ابن عباس إنما هي صلاة الذميين وأما العصر فلا حرمة لها عندهما والفاء في قوله فيقسمان عاطفة جملة على جملة لأن المعنى تم في قوله من بعد الصلاة وقوله إن ارتبتم شرط لا يتجه تحليف الشاهدين إلا به والضمير في قول الحالفين لا نشتري به عائد على القسم أو على اسم الله وقوله لا نشتري جواب يقتضيه قوله فيقسمان بالله لأن أقسم ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيمان وقوله ثمنا أي ذا ثمن وخص ذو القربى بالذكر لأن العرب أميل الناس إلى قراباتهم واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل وقوله ولا نكتم شهادة الله أضاف الشهادة إليه تعالى من حيث هو الآمر بإقامتها الناهي عن كتمانها وروي عن الشعبي وغيره شهادة بالتنوين الله بقطع الألف دون مد وخفض الهاء وقال أيضا يقف على الهاء من شهادة بالسكون ثم يقطع الألف المكتوبة من غير مد كما تقدم وروي عنه كان يقرأ آلله بمد ألف الاستفهام في الوجهين اعني بسكون الهاء من شهادة وتحريكها منونة منصوبة ورويت هذه التي هي تنوين شهادة ومد ألف الاستفهام بعد عن علي بن أبي طالب قال أبو الفتح إنما تسكن هاء شهادة في الوقف عليها وقوله سبحانه فإن عثر استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه واستحقا إثما معناه استوجباه من الله وكانا أهلا له لأنهما ظلما وخانا وقوله تعالى فآخران أي إذا عثر على خيانتهما فألاوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو نصيبهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات وقرأ نافع وغيره استحق مضمومة التاء والاوليان على تثنية الأولى وروي عن ابن كثير استحق بفتح التاء وكذلك روي حفص عن عاصم وفي قوله استحق استعارة لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه بالمستحق حقيقة إذ تصور تصوره وتملك تملكه هكذا هي استحق في الآية على كل حال وأن أسندت إلى النصيب ونحوه وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر أستحق بضم التاء الأولين على جمع أول ومعناها من القوم الذين استحق عليهم أمرهم إذ غلبوا عليه ثم وصفهم بأنهم أولون أي في الذكر في هذه الآية وذلك في قوله اثنان ذوا عدل منكم ثم بعد ذلك قال أو آخران من غيركم وقوله فيقسمان يعني الآخرين اللذين يقومان مقام شاهدي الزور وقولهما لشهادتنا أي لما أخبرنا نحن به وذكرناه من نص القصة أحق مما ذكراه أولا وحرفاه وما اعتدينا في قولنا هذا وقولهما انا إذا لمن الظالمين تبر في صيغة الاستعظام والاستقباح للظلم وقوله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد إيمان بعد إيمانهم الآية الإشارة بذلك هي إلى جميع ما حد قبل من حبس الشاهدين من بعد الصلاة لليمين ثم أن عثر على جورهما ردت اليمين وغرما فذلك كله اقرب إلى اعتدال هذا الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل لأنهم يخافون الفضيحة ورد اليمين هذا قول ابن عباس وجمع الضمير في يأتوا أو يخافوا إذ المراد صنف ونوع من الناس والمعنى ذلك الحكم كله اقرب إلى أن يأتوا واقرب إلى أن يخافوا وباقي الآية بين قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل ذهب قوم إلى أن العامل في ما تقدم من قوله تعالى لا يهدى وذلك ضعيف ورصف الآية وبراعتها إنما هو أن يكون هذا الكلام مستأنفا والعامل مقدر أما أذكر أو تذكروا أو احذروا ونحو هذا مما حسن اختصاره لعلم السامع به والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة وخص الرسل بالذكر لإنهم قادة الخلق وهم المكلمون أولا وما ذا اجبتم معناه ما ذا أجابتكم الأمم وهذا السؤال للرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام لا علم لنا قال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع وقاله الحسن وعن مجاهد أنه قال يفزعون فيقولون لا علم لنا وضعف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى لا يحزنهم الفزع الأكبر وقال ابن عباس معنى الآية لا علم لنا إلا ما علمتنا أنت أعلم به منا وقول ابن عباس حسن وهو أصوب هذه المناحي لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر اليه إذ هو العالم بجميع ذلك على التفصيل والكمال فرأوا التسليم والخضوع لعلمه المحيط سبحانه قال مكي قال ابن عباس المعنى لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا وهو اختيار الطبري وقيل لما كان السؤال عاما يقتضي بعمومه سؤالهم عن سر الأمم وعلانيتها ردوا الأمر إليه إذ ليس عندهم إلا علم الظاهر قال مكي وهذا القول أحب الأقوال إلي قال ومعنى مسألة الله الرسل عما أجيبوا إنما هو لمعنى التوبيخ لمن أرسلوا إليه كما قال تعالى وإذا الموءودة سئلت انتهى من الهداية وقوله تعالى إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك الآية قال هنا بمعنى يقول لان ظاهر هذا القول أنه في القيامة تقدمة لقوله سبحانه ءأنت قلت للناس وقوله سبحانه وإذ تخرج الموتى أي من قبورهم وكف بني إسراءيل عنه عليه السلام هو رفعه حين أحاطوا به في البيت مع الحواريين وكذلك منعه منهم قبل ذلك إلى تلك النازلة الأخيرة فهناك ظهر عظم الكف وقوله سبحانه وإذ أوحيت إلى الحواريين هو من جملة تعديد النعم على عيسى عليه السلام وأوحيت في هذا الموضع أما أن يكون ومي الهام او وحي أمر وبالجملة فهو القاء معنى في خفاء أوصله سبحانه إلى نفوسهم كيف شاء والرسول في هذه الآية عيسى وقول الحواريين وأشهد يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله سبحانه ويحتمل أن يكون لعيسى وقوله سبحانه إذ قال الحواريون الآية اعتراض اثناء وصف حال قول الله لعيسى يوم القيامة مضمن الاعتراض أخبار نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وأمته بنازلة الحواريين في المائدة إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها تقتدي بمحاسنه وتزدجر عما ينفر منه من طلب الآيات ونحوه وقرأ الجمهور هل يستطيع ربك بالياء ورفع الباء من ربك والمعنى هل يفعل ربك هذا وهل تقع منه إجابة إليه ولم يكن منهم هذا شك في قدرة الله سبحانه إذ هم اعرف بالله من أن يشكوا في قدرته وقرأ الكساءي هل تستطيع ربك بالتاء ونصب الباء من ربك والمعنى هل تستطيع سؤال ربك وادغم اللام في التاء أعنى الكساءي وقال قوم قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الاكمه والأبرص ويحي الموتى ويظهر من قوله عليه السلام اتقوا الله إن كنتم مؤمنين إنكار لقولهم واقتراحهم الآيات والتعرض لسخط الله بها وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر ولما خاطبهم عليه السلام بهذه المخاطبة صرحوا بمقاصدهم التي حملتهم على طلب المائدة فقالوا نريد أن نأكل منها فنشرف في العالم وتطمئن قلوبنا أي تسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل من السماء بأعيننا ونعلم علم الضرورة والمشاهدة أن قد صدقتنا فلا تعرضنا الشبه التي تعرض في علم الاستدلال وهذا يؤيد أن مقالتهم كانت في مبدأ أمرهم ثم استمروا على إيمانهم وصبروا وهلك من كفر وقولهم ونكون عليها من الشاهدين أي من الشاهدين بهذه النازلة الناقلين لها إلى غيرنا الداعين إلى هذا الشرع بسببها وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن عيسى قال لهم مرة هل لكم في صيام ثلاثين يوما لله سبحانه ثم إن سألتموه حاجة قضاها فلما صاموها قالوا يا معلم الخير أن حق من عمل عملا أن يطعم فهل يستطيع ربك فأرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصوم وقوله سبحانه قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء الآية أي أجابهم عيسى عليه السلام إلى ما سألوا فيروى أنه لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي والعيد المجتمع وقوله لأولنا وآخرنا روي عن ابن عباس أن المعنى يكون مجتمعا لجميعنا أولنا وآخرنا قال فأكل من المائدة حين وضعت أول الناس كما أكل آخرهم وآية منك أي وعلامة على صدقي فأجاب الله تعالى دعوة عيسى عليه السلام وقال إني منزلها عليكم ثم شرط عليهم سبحانه شرطه المتعارف في الأمم أنه من كفر بعد آية الاقتراح عذب اشد عذاب والجمهور أن المائدة نزلت كما أخبر الله سبحانه واختلفوا في كيفية ذلك فقال أبو عبد الرحمن السلمي نزلت المائدة خبزا وسمكا وقال عطية المائدة سمكة فيها طعم كل طعام وقال ابن عباس نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه اين ما نزلوا إذا شاءوا وقال عمار بن ياسر سألوا عيسى مائدة يكون عليها طعام لا ينفد فقيل لهم إنها مقيمة لكم ما لم تخبؤا أو تخونوا فإن فعلتم عذبتم قال فما مضى يوم حتى خبئوا وخانوا يعني بني اسراءيل فمسخوا قردة وخنازير وقال ميسرة كانت المائدة إذا وضعت لبني اسراءيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم وأكثر الناس في قصص المائدة مما رأيت اختصاره لعدم سنده وقوله سبحانه وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله الآية اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول فقال السدي وغيره لما رفع الله عيسى إلى السماء قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك فسأله تعالى عن قولهم فقال سبحانك الآية ويجيء على هذا قوله وإن تغفر لهم أي في التوبة من الكفر لأن هذا قاله وهم أحياء في الدنيا وقال ابن عباس وجمهور الناس هذا القول من الله إنما هو يوم القيامة يقوله الله له على رؤس الخلائق فيرى الكفار تبريه منهم ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل فقال على هذا التأويل بمعنى يقول ونزل الماضي موضع المستقبل لدلالته على كون الأمر وثبوته وقوله آخرا وإن تغفر لهم معناه إن عذبت العالم كله فبحقك فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت لا اعتراض عليك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلانك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب وهذا القول عندي أرجح ويتقوى بما يأتي بعد وهو قوله سبحانه هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم وقوله سبحانك أي تنزيها لك عن ان يقال هذا وينطق به ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي ما يكون لبشر محدث أن يدعي الالوهية ثم قال إن كنت قلته فقد علمته لأنك أحطت بكل شيء علما وأحصيت كل شيء عددا فوفق الله عيسى لهذه الحجة البالغة وقوله تعلم ما في نفسي خص النفس بالذكر لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات والمعنى أن الله سبحانه يعلم ما في نفس عيسى ويعلم كل أمره مما عسى أن لا يكون في نفسه وقوله ولا أعلم ما في نفسك معناه ولا أعلم ما عندك من المعلومات وما أحطت به وذكر النفس هنا مقابلة لفظية في اللسان العربي يقتضيها إلإيجاز وهذا ينظر من طرف خفي إلى قوله تعالى ومكروا ومكر الله والله يستهزئ بهم فتسمية العقوبة باسم الذنب إنما قاد إليها طلب المقابلة اللفظية إذ هي من فصيح الكلام وبارع العبارة ثم أقر عيسى عليه السلام لله تعالى بأنه سبحانه علام الغيوب أي ولا علم لي أنا بغيب وقوله فلما توفيتنى أي قبضتني بالرفع والتصيير في السماء والرقيب الحافظ المراعي وقوله فإنك أنت العزيز أي في قدرتك الحكيم في أفعالك والمعنى إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله سبحانه وكل ما كان أتقى فهو أدخل في العبارة وجاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى عليه السلام في حاله وصدقه فيحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه ثم ذكر تعالى ما أعده لهم برحمته وطوله جعلنا الله منهم بمنه وسعة جوده لا رب غيره ولا مرجو في الدارين سواه وباقي الآية بين جعل الله ما كتبناه من هذه الأحرف نورا يسعى بين أيدينا بمنه والحمد لله كما هو أهله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنعام قيل كلها مكية إلا ءايات يسيرة قال ابن عباس نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون الف ملك لهم زجل يجأرون بالتسبيح قلت وعن جابر بن عبد الله قال لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط مسلم انتهى من السلاح وقوله تعالى الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه للبرهانية قال الإمام الفخر لفظ الحمد معرفا لا يقال إلا في حق الله عز و جل لأنه يدل على التعظيم ولا يجوز أن يقال الحمد لزيد قاله سيبويه وذكر ابن العربي في القانون عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما من شيء أحب إلى الله من الحمد وأبلغ الحمد الحمد لله على كل حال قال ابن العربي وفي بعض الآثار ما من نعمة عظمت إلا والحمد لله أعظم منها انتهى قال ع وجعل هاهنا بمعنى خلق ولا يجوز غير ذلك قال قتادة والسدي وجمهور من المفسرين الظلمات الليل والنور النهار وقالت فرقة الظلمات الكفر والنور الايمان قال ع وهذا على جهة التشبيه صحيح وعلى ما يفهمه عباد الأوثان غير جيد لأنه إخراج لفظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه والنور أيضا هنا للجنس وقوله تعالى ثم دالة على قبح فعل الذين كفروا لان المعنى أن خلقه السموات والأرض وغيرها الموجبة لحمده وتوحيده قد تقرر وءاياته قد سطعت وإنعامه بذلك على العباد قد تبين فكان الواجب عليهم إخلاص التوحيد له ثم هم بعد هذا كله بربهم يعدلون أي يسوون ويمثلون وعدل الشيء قرينه ومثيله والذين كفروا في هذا الموضع كل من عبد شيئا سوى الله إلا أن السابق من حال النبي صلى الله عليه و سلم أن الإشارة إلى عبدة الأوثان من العرب لمجاورتهم له ولفظ الآية أيضا يشير إلى المانوية العابدين للنور القائلين أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلام وقوله تعالى هو الذي خلقكم من طين فالمعنى خلق آدم من طين وقوله سبحانه ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده اختلف في هذين الاجلين فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره أجلا أجل الإنسان من لدن ولادته إلى موته الأجل المسمى عنده من وقت موته إلى حشره ووصفه بمسمى عنده لأنه استأثر سبحانه بعلم وقت القيامة وقال ابن عباس أجلا الدنيا وأجل مسمى الآخرة وقيل غير هذا وتمترون معناه تشكون وقوله سبحانه وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم قاعدة الكلام في هذه الآية أن حلول الله في الأماكن مستحيل تعالى أن يحويه مكان كما تقدس أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان وإذا تقرر هذا فقالت فرقة من العلماء تأويل ذلك على تقدير صفة محذوفة من اللفظ ثابتة في المعنى كأنه قال وهو الله المعبود في السموات وفي الأرض وعبر بعضهم بأن قدر وهو الله المدبر للأمر في السموات والأرض وقال الزجاج في متعلقة بما تضمنه اسم الله من المعاني كما يقال أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب قال ع وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وآثار قدرته واحاطته واستيلائه ونحو هذه الصفات فجمع هذه كلها في قوله وهو الله أي الذي له هذه كلها في السموات وفي الأرض كأنه قال وهو الله الخالق الرازق المحي المحيط في السموات وفي الأرض كما تقول زيد السلطان في المشرق والمغرب والشام والعراق فلو قصدت ذات زيد لقلت محالا وإذا كان مقصد قولك الآمر الناهي الناقض المبرم الذي يعزل ويولي في المشرق والمغرب فأقمت السلطان مقام هذه كان فصيحا صحيحا فكذلك في الآية أقام لفظة الله مقام تلك الصفات المذكورة وقالت فرقة وهو الله ابتداء وخبر تم الكلام عنده ثم استأنف وتعلق قوله في السموات بمفعول يعلم كأنه قال وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وقوله تعالى يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون خبر في ضمنه تحذير وزجر وتكسبون لفظ عام لجميع الاعتقادات والأقوال والأفعال وقوله سبحانه وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين تضمنت هذه الآية مذمة هؤلاء الذين يعدلون بالله سواه بأنهم يعرضون عن كل آية وكذبوا بالحق وهو محمد عليه السلام وما جاء به قال ص من آية من آيات ربهم من الأولى زائدة للاستغراق وما بعدها فاعل بقوله تأتيهم ومن الثانية للتبعيض انتهى وقوله تعالى فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون هذا وعيد لهم شديد وهذه العقوبات التي توعدوا بها تعم عقوبات الدنيا كبدر وغيرها وعقوبات الآخرة وقوله سبحانه ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم هذا حض على العبرة والرؤية هنا رؤية القلب والقرن الأمة المقترنة في مدة من الزمن واختلف في مدة القرن كم هي فالأكثر على أنها مائة سنة وقيل غير هذا وقيل القرن الزمن نفسه وهو على حذف مضاف تقديره من أهل قرن قال عياض في الإكمال واختلف في لفظ القرن وذكر الحربي فيه الاختلاف من عشر سنين إلى مائة وعشرين ثم قال يعننى الحربي وليس منه شيء واضح وأرى القرن كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد انتهى والضمير في مكناهم عائد على القرن والمخاطبة في لكم هي للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم من سائر الناس والسماء هنا المطر ومدرارا بناء تكثير ومعناه يدر عليهم بحسب المنفعة وقوله سبحانه وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين أنشأنا اخترعنا وخلقنا ويظهر من الآية أن القرن إنما هو وفاة الأشياخ ثم ولادة الأطفال وقوله تعالى ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس الآية لما أخبر عنهم سبحانه بأنهم كذبوا بكل ما جاءهم من آية اتبع ذلك بإخبار فيه مبالغة والمعنى ولو نزلنا بمرأى منهم عليك كتابا أي كلاما مكتوبا في قرطاس أي في صحيفة فلمسوه بأيديهم يريد أنهم بالغوا في ميزه وتقليبه ليرتفع كل ارتياب لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم وقالوا هذا سحر مبين وقوله سبحانه وقالوا لولا أنزل عليه ملك أي يصدق محمدا في نبوءته ثم رد الله عليهم بقوله ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر قال ابن عباس وغيره في الكلام حذف تقديره ولو انزلنا ملكا فكذبوه لقضي الأمر بعذابهم ولم ينظروا حسبما سلف في كل أمة اقترحت بآية وكذبت بعد أن أظهرت إليها وقالت فرقة لقضي الأمر أي لماتوا من هول رؤية الملك في صورته ويؤيد هذا التأويل ما بعده من قوله ولو جعلنا ه ملكا لجعلناه رجلا فإن أهل التأويل مجمعون أن ذلك لإنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته فإذ قد تقعد أنهم لا يطيقون رؤية الملك في صورته فالأولى في قوله لقضي الأمر أي لماتوا لهول رؤيته ثم لا ينظرون أي لا يؤخرون ومما يؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين اللذين صعدا على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي صلى الله عليه و سلم للمشركين فسمعا حس الملائكة وقائلا يقول في السحاب اقدم حيزوم فانكشف قناع قلب أحدهما فمات لهول ذلك فكيف برؤية ملك في خلقته وللبسنا أي لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به وذلك لا يحسن قلت وفي البخاري وللبسنا عليهم ما يلبسون لشبهنا وقوله سبحانه ولقد استهزئ برسل من قبلك الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم بالأسوة في الرسل وتقوية لنفسه على محاجة المشركين وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه والمستهزءين به وحاق معناه نزل وأحاط وهي مخصوصة في الشر يقال حاق يحيق حيقا وقوله سبحانه قل سيروا في الأرض حض على الاعتبار بآثار من مضى ممن فعل مثل فعلهم وقوله سبحانه قل لمن ما في السموات والأرض قل لله قال بعض أهل التأويل تقدير الكلام قل لمن ما في السموات والأرض فإذا تحيروا فلم يجيبوا قل لله والصحيح من التأويل أن الله عز و جل أمر نبيه عليه السلام أن يقطعهم بهذه الحجة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد ليتقعد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه فكأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم يا أيها الكافرون العادلون بربهم لمن ما في السموات والأرض ثم سبقهم فقال لله أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد تم ابتدأ يخبر عن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة معناه قضاها وانفذها وفي هذا المعنى أحاديث صحيحة ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وانزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ولمسلم في طريق آخر كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة وخرج مسلم والبخاري وغيرهما عنه صلى الله عليه و سلم قال لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي وفي طريق سبقت غضبي إلى غير ذلك من الأحاديث انتهى قال ع فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات تغمدنا الله بفضل منه ويتضمن هذا الإخبار عن الله سبحانه بأنه كتب الرحمة تأنيس الكفار ونفي يأسهم من رحمة الله إذا أنابوا واللام في قوله ليجمعنكم لام قسم والكلام مستأنف وهذا اظهر الأقوال وأصحها وقوله سبحانه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون الذين رفع بالابتداء وخبره فهم لا يؤمنون وقوله تعالى وله ما سكن في الليل والنهار الآية وله عطف على قوله لله وسكن هي من السكنى ونحوه أي ما ثبت وتقرر قاله السدي وغيره وقالت فرقة هو من السكون وهو ضعيف وقوله تعالى قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والأرض الآية قال الطبري وغيره أمر عليه السلام أن يقول هذه المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم فتجيء الآية على هذا جوابا لكلامهم قال ع وهذا يحتاج إلى سند والفصيح أنه لما قرر معهم أن الله تعالى له ما في السموات والأرض وله ما سكن في الليل والنهار أمر أن يقول لهم على جهة التوبيخ والتوقيف أغير الله الذي هذه أفعاله أتخذ وليا بمعنى أن هذا خطأ بين ممن يفعله والولي لفظ عام لمعبود وغير ذلك ثم أخذ في صفات الله تعالى فقال فاطر بخفض الراء نعت لله عز و جل قال ص فاطر الجهور بالجر ووجهه ابن عطية وغيره على أنه نعت لله وأبو البقاء على أنه بدل وكأنه رأى الفصل بين البدل و المبدل اسهل لان البدل في المشهور على نية تكرار العامل انتهى وفطر معناه ابتدع وخلق وانشأ وفطر أيضا في اللغة شق ومنه هل ترى من فطور أي من شقوق ويطعم ولا يطعم المقصود به يرزق ولا يرزق وقوله قل إني أمرت إلى عظيم قال المفسرون المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة ولفظة عصيت عامة في أنواع المعاصي ولكنها هاهنا إنما تشير إلى الشرك المنهي عنه واليوم العظيم هو يوم القيامة وقرأ نافع وغيره من يصرف عنه مسندا إلى المفعول وهو الضمير العائد على العذاب وقرأ حمزة وغيره من يصرف بإسناد الفعل إلى الضمير العائد إلى ربي ويعمل في ضمير العذاب المذكور لكنه محذوف وقوله وذلك إشارة إلى صرف العذاب وحصول الرحمة والفوز النجاة وقوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو يمسسك معناه يصبك وينلك والضر بضم الضاد سوء الحال في الجسم وغيره وبفتحها ضد النفع ومعنى الآية الأخبار أن الأشياء كلها بيد الله إن ضر فلا كاشف لضره غيره وإن أصاب بخير فكذلك أيضا وعن ابن عباس قال كنت خلف النبي صلى الله عليه و سلم يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رويناه في الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي زيادة احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما اخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك وفي آخره واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا قال النووي هذا حديث عظيم الموقع انتهى من الحلية وقرأت فرقة وأوحى إلي هذا القرآن على بناء الفعل للفاعل ونصب القرآن وفي أوحى ضمير يعود على الله تعالى وقوله لأنذركم به ومن بلغ معناه على قول الجمهور بلاغ القرآن أي لأنذركم وأنذر من بلغه ففي بلغ ضمير محذوف لأنه في صلة من فحذف لطول الكلام وقالت فرقة ومن بلغ الحلم وروي في معنى التأويل الأول أحاديث وظاهر الآية أنها في عبدة الأصنام وذكر الطبري أنه قد ورد من وجه لم تثبت صحته أنها في قوم من اليهود قالوا يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره فقال لهم لا اله إلا الله وبذلك أمرت فنزلت الآية والله أعلم وأمر الله سبحانه نبيه عليه السلام أن يعلن بالتبرى من شهادة الكفرة والإعلان بالتوحيد لله عز و جل والتبري من إشراكهم قال الغزالي في الأحياء وينبغي للتالي أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور وكذا إن سمع وعدا أو وعيدا وكذا ما يقف عليه من القصص فالمقصود به الاعتبار قال تعالى وكل نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وقال تعالى هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وقال وأوحي إلي هذا القرآن لإنذركم به ومن بلغ قال محمد ابن كعب القرظي من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله عز و جل انتهى وقوله سبحانه الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال قتادة وغيره يعرفون محمدا عليه السلام وقوله الذين خسروا أنفسهم الآية روي أن كل عبد له منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمنون ينزلون منازل أهل الكفر في الجنة والكافرون ينزلون منازل أهل الجنة في النار فهنا هي الخسارة البينة والربح للآخرين وباقي الآية بين وقوله سبحانه ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون المعنى واذكر يوم نحشرهم وقوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين الفتنة في كلام العرب لفظة مشتركة تقال بمعنى حب الشيء والإعجاب به وتقال بمعنى الاختبار ومن قال إن أصل الفتنة الاختبار من فتنت الذهب في النار ثم يستعار بعد ذلك في غير ذلك فقد اخطأ لان الاسم لا يحكم عليه بمعنى الاستعارة حتى يقطع عليه باستحالة حقيقته في الموضع الذي استعير له كقول ذي الرمة ولف الثريا في ملاءته الفجر ونحوه والفتنة لا يستحيل أن تكون حقيقة في كل موضع قيلت عليه وباقي الآية مضى تفسيره عند قوله سبحانه ولا يكتمون الله حديثا فأنظره هناك قال ع وعبر قتادة عن الفتنة هنا بأن قال معذرتهم وقال الضحاك كلامهم وقيل غير هذا مما هو في ضمن ما ذكرناه وقوله سبحانه انظر كيف كذبوا على أنفسهم هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والنظر نظر القلب وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هي حكاية عن يوم القيامة فلا أشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل ويفيدنا استعمال الماضي تحقيقا في الفعل وإثباتا له وهذا مهيع في اللغة وضل عنهم معناه ذهب افتراؤهم في الدنيا وكذبهم على الله وقوله سبحانه ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم اكنة جمع كنان وهو الغطاء أن يفقهوه أي يفهموه والوقر الثقل وقوله سبحانه وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها الرؤية هنا رؤية العين يريد كانشقاق القمر وشبهه وقولهم إن هذا إلا أساطير الأولين إشارة إلى القرآن والأساطير جمع إسطار كأقوال وأقاويل واسطار جمع سطر أو سطر وقيل أساطير جمع اسطارة وهي الترهات وقيل جمع أسطورة كأعجوبة وأضحوكة وقيل هو اسم جمع لا واحد له من لفظه كعباديد وشماطيط والمعنى أخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تسطر وتحكى ولا تحقق كالتواريخ وإنما شبهها الكفار بأحاديث النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية عن رستم ونحوه ومجادلة الكفار كانت مرادتهم نور الله بأقوالهم المبطلة وهم ينهون عنه قال قتادة وغيره المعنى ينهون عن القرآن وقال ابن عباس وغيره ينهون عن النبي صلى الله عليه و سلم والمعنى ينهون غيرهم ويبعدون هم بأنفسهم والنأي البعد قال ص وإن يهلكون إن نافية بمعنى ما وأنفسهم مفعول بيهلكون انتهى وما يشعرون معناه ما يعلمون علم حس ونفي الشعور مذمة بالغة إذ البهائم تشعر وتحس فإذا قلت فلان لا يشعر فقد نفيت عنه العلم النفي العام الذي يقتضي أنه لا يعلم ولا المحسوسات وقوله جلت عظمته ولو ترى إذ وقفوا على النار الآية المخاطبة فيه للنبي صلى الله عليه و سلم وجواب لو محذوف تقديره في آخر الآية لرأيت هولا عظيما ونحوه ووقفوا معناه حسوا ويحتمل قوله وقفوا على النار بمعنى دخلوها قاله الطبري ويحتمل أن يكون أشرفوا عليها وعاينوها وقولهم يا ليتنا نرد معناه إلى الدنيا وقوله سبحانه بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل الآية يتضمن أنهم كانوا يخفون أمورا في الدنيا فظهرت لهم يوم القيامة أو ظهر وبال ذلك وعاقبته فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل أن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه و سلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف ليلا يشعر بهم أتباعهم فظهر لهم ذلك يوم القيامة ويصح أن يكون مقصد الآية الأخبار عن هول ما لقوه فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغيرها فكيف الظن بما كانوا يعلنونه من كفر ونحوه وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة يوم تبلى السرائر وقوله سبحانه ولو ردوا لعادوا إخبار عن أمر لا يكون كيف كان يوجد وهذا النوع مما استأثر الله تعالى بعلمه فإن أعلم بشيء منه علم وإلا لم يتكلم فيه قال الفخر قال الواحدي هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة لأن الله تعالى حكى عن هؤلاء أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وما ذلك إلا للقضاء السابق فيهم انتهى وقوله تعالى وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين هذا على تأويل الجمهور ابتداء كلام وإخبار عنهم بهذه المقالة وإن نافية ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحشر والعودة إلى الله وقوله سبحانه أليس هذا بالحق الإشارة بهذا إلى البعث الذي كذبوا به في الدنيا وقولهم بلى وربنا إيمان ولكنه حين لا ينفع وقوله فذوقوا استعارة بليغة والمعنى باشروه مباشرة الذائق وبغتة معناه فجأة تقول بغتنى الأمر أي فجأني ومنه قول الشاعر ... ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة ... وافظع شيء حين يفجأك البغت ... ونصبها على المصدر في موضع الحال وقولهم يا حسرتنا على ما فرطنا فيها نداء الحسرة على تعظيم الأمر وتشنيعه وفرطنا معناه قصرنا والضمير في قوله فيها عائد على الساعة أي في التقدمة لها قاله الحسن ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا إذ المعنى يقتضيها وتجيء الظرفيه أمكن قلت قال عبد الحق في العاقبة لا يعرف مقدار الحياة إلا الموتى لأنهم قد ظهرت لهم الأمور وانكشفت لهم الحقائق وتبدت لهم المنازل وعلموا مقدار الأعمال الصالحة ولما استبان لهم ذلك وعلموا مقدار ما ضيعوا وقيمة ما فيه فرطوا ندموا وأسفوا وودوا أنهم إلى الدنيا رجعوا فالذي عمل صالحا ود أن لو رجع إلى الدنيا ليزداد من عمله الصالح ويكثر من تجره الرابح والمقصر يود أنه لو رد ليستدرك ما فيه فرط وقد قال عليه السلام ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيأ ندم أن لا يكون نزع خرجه الترمذي انتهى وقوله تعالى وهم يحملون الواو واو الحال والأوزار جمع وزر بكسر الواو وهو الثقل من الذنوب والوزر هنا تجوز وتشبيه بثقل الأحمال ومن قال أنه من الوزر وهو الجبل الذي يلجأ إليه فهو قول غير بين وقال الطبري وغيره هذا على جهة الحقيقة ورووا في ذلك خبرا أن المؤمن يلقاه عمله في أحسن صورة وافوحها فيسلم عليه ويقول طال ما ركبتك في الدنيا وأجهدتك فاركبني اليوم قال فيحمله تمثال العمل وان الكافر يلقاه عمله في أقبح صورة وانتنها فيشتمه ويقول أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا بشهواتك فانا اركبك اليوم قال فيحمل تمثال عمله الخبيث واو زاره على ظهره قلت والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذكره الطبري كثيرة كأحاديث مانعى الزكاة وغيرها قال مكي وروى المقبري عن أبي هريرة في حديث يرفعه قال إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله وبعث مع الكافر عمله فلا يرى المؤمن شيأ يروعه ولا شيأ يفزعه ويخافه إلا قال له عمله أبشر بالذي يسرك فإنك لست بالذي يراد بهذا ولا يرى الكافر شيأ يفزعه ويروعه ويخافه إلا قال له عمله أبشر يا عدو الله بالذي يسوءك فوالله أنك لأنت الذي تراد بهذا انتهى وقوله سبحانه وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو الآية هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا والمعنى أنها إذ كانت فانية لا طائل لها أشبهت اللعب واللهو الذي لا طائل له إذا تقضى وهذه الآية تتضمن الرد على قولهم إن هي إلا حياتنا الدنيا وهو المقصود بها قال عبد الحق في العاقبة إعلم رحمك الله أن حب الدنيا هو سبب طول الأمل والأكباب عليها يمنع من الفكرة في الخروج عنها والجهل بغوائلها يحمل على الإرادة لها والازدياد منها لان من أحب شيأ أحب الكون معه والازدياد منه ومن كان مشغوفا بالدنيا محبا لها قد خدعته بزخرفها وأمالته برونقها كيف يحب مفارقتها أو يحب مزايلتها هذا أمر لم تجر العادة به ولا حدثنا عنه بل نجد من كان على هذه الصفة أعمى عن طريق الخير أصم عن داعي الرشد أفن الرأي سيئ النظر ضعيف الإيمان لم تترك له الدنيا ما يسمع به ولا ما يرى إنما دينه وشغله وحديثه دنياه لها ينظر ولها يسمع قد ملأت عينه وقلبه ثم قال وأعلم أن أهل القبور إنما يندمون على ما يتركون ويفرحون بما يقدمون فما عليه أهل القبور يندمون أهل الدنيا عليه يقتتلون انتهى وقوله سبحانه قد نعلم الآية نعلم إذا كانت من الله تعالى تتضمن استمرار العلم وقدمه فهي تم الماضي والحال والاستقبال قلت ونحو هذا لأبى حيان قال وعبر هنا بالمضارع لأن المراد الاتصاف بالعلم واستمراره ولم يلحظ فيه الزمان كقولهم فلان يعطى ويمنع انتهى وقرأ نافع وحده ليحزنك من أحزن وقرأ الباقون ليحزنك من حزنت الرجل وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة لا يكذبونك بتشديد الذال وفتح الكاف وقرأها ابن عباس وردها على قارئي قرأ عليه يكذبونك بضم الياء وقال أنهم كانوا يسمونه الأمين وقرأ نافع والكساءي بسكون الكاف وتخفيف الذال وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان وهما بمعنى واحد فمعنى لا يكذبونك أي لا يعتقدون كذبك وأنهم يعلمون صدقك ولكنهم يجحدون عنادا وظلما وهذا تأويل قتادة والسدي وغيرهما وحكي عن طائفة من الكفار أنها كانت تقول إنا لنعلم أن محمدا صادق ولكن إذا ءامنا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة فنحن لا نؤمن به أبدا رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه وأسند الطبري أن جبريل وجد النبي صلى الله عليه و سلم حزينا فسأله فقال كذبني هؤلاء فقال إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أنك صادق ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون وجحد العناد جائز الوقوع بمقتضى النظر وظواهر القرآن تعطيه ويجحدون حقيقته في كلام العرب الإنكار بعد معرفة وهو ضد الإقرار وقوله سبحانه ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا الآية قال ابن جريج والضحاك عزى الله بهذه الآية نبيه عليه السلام ثم قوى سبحانه رجاء نبيه فيما وعده من النصر بقوله ولا مبدل لكلمات الله أي لا راد لأمره وكلماته السابقة بما يكون فكأن المعنى فاصبر كما صبروا وانتظر ما يأتي وثق بهذا الإخبار فإنه لا مبدل له وقوله تعالى وان كان كبر عليك اعراضهم الآية فيها الزام الجنحة للنبي صلى الله عليه و سلم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أن لا وجه إلا الصبر والمعنى إن كنت تعظم تكذيبهم وكفرهم على نفسك وتلتزم الحزن فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض أو على ارتقاء سلم في السماء فافعل أي ولست بقادر على شيء من هذا ولا بد لك من التزام الصبر واحتمال المشقة ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله وأمضاه وروى الدارقظي في سننه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا أصاب أحدكم هم أو حزن فليقل سبع مرات الله الله ربى لا أشرك به شيأ انتهى من الكوكب الدري وتأتيهم بآية أي بعلامة وقال مكي والمهدوي الخطاب بقوله فلا تكونن من الجاهلين للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد أمته وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ قلت وما قاله ع فيه عندي نظر لأن هذا شأن التأويل إخراج اللفظ عن ظاهره لموجب على أن أبا محمد مكيا رحمه الله نقل هذا القول عن غيره نقلا ولفظه فلا تكونن من الجاهلين أي ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه وقيل معنى الخطاب لأمة النبي صلى الله عليه و سلم والمعنى فلا تكونوا من الجاهلين ومثله في القرآن كثير انتهى من الهداية وقوله سبحانه إنما يستجيب الذين يسمعون هذا من النمط المتقدم في التسلية أي لا تحفل بمن أعرض فإنما يستجيب لداعي الإيمان الذين يفهمون الآيات ويتلقون البراهين بالقبول فعبر عن ذلك كله بيسمعون إذ هو طريق العلم وهذه لفظة تستعملها الصوفية رضي الله عنهم إذا بلغت الموعظة من أحد مبلغا شافيا قالوا سمع ثم قال تعالى والموتى يريد الكفار أي هم بمثابة الموتى فعبر عنهم بضد ما عبر عن المؤمنين وبالصفة التي تشبه حالهم في العمى عن نور الله والصمم عن وعي كلماته قاله مجاهد والحسن وقتادة ويبعثهم الله يحتمل معنيين قال الحسن معناه يبعثهم بأن يؤمنوا حين يوفقهم وقراءة الحسن ثم إليه ترجعون بالتاء من فوق فتناسبت الآية وقال مجاهد وقتادة والموتى يريد الكفار يبعثهم الله أي يحشرهم يوم القيامة ثم إليه أي إلى سطوته وعقابه يرجعون وقوله سبحانه وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه لولا تحضيض بمعنى هلا ومعنى الآية هلا نزل على محمد بيان واضح كملك يشهد له أو كنز أو غير ذلك من تشططهم المحفوظ في هذا ثم أمر عليه السلام بالرد عليهم بأن الله عز و جل قادر على ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون أنها لو نزلت ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب ويحتمل ولكن أكثرهم لا يعلمون أنه سبحانه إنما جعل الإنذار في ءايات معرضة للنظر والتأمل ليهتدي قوم ويضل آخرون وقوله سبحانه وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم المعنى في هذه الآية التنبيه على ءايات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته المنصوبة لمن فكر واعتبر كالدواب والطير ويدخل في هذين جميع الحيوان وهي أمم أي جماعات مماثلة للناس في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر ويحتمل أن يريد بالمماثلة في كونها أمما لا غير إلا أن الفائدة في هذه الآية بأن تكون المماثلة في أوصاف غير كونها أمما قال الطبري وغيره والمماثلة في أنها يهتبل بأعمالها وتحاسب ويقتص لبعضها من بعض على ما روي في الأحاديث أي فإذا كان هذا يفعل بالبهائم فأنتم أحرى إذ أنتم مكلفون عقلاء وروي أبو ذر أنه انتطحت عنزان بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم فقال أتعلمون فيما انتطحتا قلنا لا قال فإن الله يعلم وسيقضى بينهما وقال مكي المماثلة في أنها تعرف الله وتعبده وقوله بجناحيه تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة إذ يقال طائر السعد والنحس وقال تعالى الزمناه طائره في عنقه ويقال طار لفلان طائر كذا أي سهمه في المقسمات فقوله تعالى بجناحيه إخراج للطائر عن هذا كله وقوله سبحانه ما فرطنا في الكتاب من شيء التفريط التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير قال أبو حيان أصل فرطنا أن يتعدى بفى ثم يضمن معنى أغفلنا فيتعدى إلى مفعول به وهو هنا كذلك فيكون من شيء في موضع المفعول به انتهى والكتاب القرآن وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات وقيل اللوح المحفوظ ومن شيء على هذا القول عام في جميع الأشياء وعلى القول بأنه القرآن خاص ويحشرون قالت فرقة من العلماء حشر البهائم بعثها واحتجوا بالأحاديث المضمنة أن الله تعالى يقتص للجماء من القرناء ومن قال إنما هي كناية عن العدل وليست بحقيقة فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرموز ونحوها وقوله سبحانه والذين كذبوا بأياتنا صم وبكم الآية كأنه قال وما من دابة ولا طائر ولا شيء إلا وفيه ءاية منصوبة دالة على وحدانية الله تعالى ولكن الذين كذبوا بآياتنا صم وبكم لا يتلقون ذلك ولا يقبلونه وظاهر الآية أنها تعم كل مكذب وقال النقاش نزلت في بنى عبد الدار قال ع ثم تنسحب على سواهم وقوله في الظلمات ينوب عن عمي وفي الظلمات أهول عبارة وأفصح وأوقع في النفس قال أبو حيان في الظلمات خبر مبتدأ محذوف أي هم في الظلمات أو صفة لبكم أي كائنون في الظلمات أو حال من الضمير المقدر في الخبر أي صالون في الظلمات انتهى وقوله سبحانه قل ارأيتكم ابتداء احتجاج على الكفار الجاعلين لله شركاء والمعنى ارأيتم إذا خفتم عذاب الله أو خفتم هلاكا أو خفتم الساعة أتدعون أصنامكم وتلجؤن إليها في كشف ذلك أن كنتم صادقين في قولكم أنها ءالهة بل إنما تدعون الله الخالق الرازق فيكشف ما خفتموه أن شاء وتنسون أصنامكم أي تتركونهم فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ذهول وإغفال فكيف يجعل إلاها من هذه حاله في الشدائد والأزمات وقوله سبحانه ولقد ارسلنا إلى امم من قبلك فأخذناهم في الكلام حذف تقديره فكذبوا فأخذناهم أي تابعناهم بالبأساء الآية والبأساء المصائب في الأموال والضراء في الأبدان هذا قول الأكثر وقيل قد يوضع كل واحد بدل الآخر والتضرع التذلل والاستكانة ومعنى الآية توعد الكفار وضرب المثل لهم ولولا تحضيض وهي التي تلي الفعل بمعنى هلا وهذا على جهة المعاتبة لمذنب غائب وإظهار سوء فعله مع تحسر ما عليه قلت أي مع تحسر ما باعتبار حالة البشر وقوله سبحانه فلما نسوا ما ذكروا به الآية عبر عن الترك بالنسيان وفتحنا عليهم أبواب كل شيء أي من النعم الدنيوية بعد الذي أصابهم من البأساء والضراء وفرحوا معناه بطروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك لا يبيد وأنه دال على رضي الله عنهم وهو استدراج من الله تعالى وقد روي عن بعض العلماء رحم الله عبدا تدبر هذه الآية حتى إذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة وروي عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا رأيت الله تعالى يعطى العباد ما يشاءون على معاصيهم فذلك استدراج ثم تلا فلما نسوا ما ذكروا به الآية كلها وأخذناهم في هذا الموضع معناه استأصلناهم بغتة أي فجأة والمبلس الحزين الباهت اليائس من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال وقوله تعالى فتقطع دابر القوم الآية الدابر آخر القوم الذي يأتي من خلفهم وهذه كناية عن استيصال شافتهم ومحو آثارهم كأنهم وردوا العذاب حتى ورد أخرهم الذي دبرهم وحسن الحمد عقب هذه الآية لجمال الأفعال المتقدمة في أن أرسل سبحانه الرسل ولطف في الأخذ بالبأساء والضراء ليتضرع إليه فيرحم وينعم وقطع في آخر الأمر دابر ظلمة وذلك حسن في نفسه ونعمة على المؤمنين فحسن الحمد عقب هذه الأفعال وبحمده سبحانه ينبغي أن يختم كل فعل وكل مقال إذ هو المحمود على كل لا رب غيره ولا خير إلا خيره وقوله تعالى قل ارأيتم ان اخذ الله سمعكم وابصاركم الآية أخذ معناه اذهب والضمير في به عائد على المأخوذ ويصدفون معناه يعرضون وينفرون ومنه قول الشاعر ... إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه ... وهن عن كل سوء يتقى صدف ... وقوله تعالى قل ارأيتكم أن اتاكم عذاب الله بغتة الآية وعيد وتهديد قال ع ارأيتم عند سيبويه تتنزل منزلة اخبروني ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين وقوله بغتة معناه لم يتقدم عندكم منه علم وجهرة معناه تبدو لكم مخايلة ومبادية ثم يتوالى حتى ينزل قال الحسن بن أبي الحسن بغتة ليلا وجهرة نهارا وقال مجاهد بغتة فجاءة ءامنين وجهرة وهم ينظرون قال أبو حيان هل يهلك هل حرف استفهام معناه هنا النفي أي ما يهلك ولذلك دخلت الا على ما بعدها انتهى وقوله سبحانه وما نرسل المرسلين إلا مبشرين أي إلا ليبشروا بانعامنا ورحمتنا من آمن ومنذرين بعذابنا وعقابنا من كذب وكفر قال أبو حيان مبشرين ومنذرين حال فيها معنى العلية أي أرسلناهم للتبشير والإنذار انتهى ثم وعد سبحانه من سلك طريق البشارة فآمن وأصلح في امتثال الطاعة وأوعد الآخرين وقوله تعالى قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم اني ملك الآية هذا من الرد على القائلين لولا نزل عليه آية والطالبين أن ينزل ملك أو تكون له جنة أو كنز ونحو هذا والمعنى إنما أنا بشر وإنما اتبع ما يوحى إلي وهو القرآن وسائر ما يأتيه من الله سبحانه أي وفي ذلك عبر وآيات لمن تأمل وقوله سبحانه قل هل يستوي الأعمى والبصير أي هل يستوي المؤمن المفكر في الآيات مع الكافر المعرض عن النظر أفلا تتفكرون وجاء الأمر بالفكرة في عبارة العرض والتحضيض وقوله تعالى وانذر به أي وأنذر بالقرآن الذين هم مظنة الإيمان وأهل للإنتفاع والضمير في به عائد على ما يوحى وقوله سبحانه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع أخبار من الله سبحانه عن صفة الحال يوم الحشر قال الفخر قوله لعلهم يتقون قال ابن عباس معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي انتهى وقوله سبحانه ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي المراد بالذين ضعفة المؤمنين في ذلك الوقت في أمور الدنيا كبلال وصهيب وعمار وخباب وصبيح وذي الشمالين والمقداد ونحوهم وسبب الآية أن بعض أشراف الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط بهؤلاء فلو طردتهم لاتبعناك ورد في ذلك حديث عن أبن مسعود وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة فنزلت الآية ويدعون ربهم بالغداة والعشي قال الحسن بن أبي الحسن المراد به صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشيا وقيل قوله بالغداة والعشي عبارة من استمرار الفعل وأن الزمان معمور به والمراد على هذا التأويل قيل الصلوات الخمس قاله ابن عباس وغيره وقيل الدعاء وذكر الله واللفظة على وجهها وقيل القرآن وتعلمه قال أبو جعفر وقيل العبادة قاله الضحاك وقوله تعالى يريدون وجهه قلت قال الغزالي في الجواهر النية والعمل بهما تمام العبادة فالنية أحد جزئي العبادة لكنها خير الجزءين ومعنى النية إرادة وجه الله سبحانه بالعمل قال الله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ومعنى اخلاصها تصفية الباعث عن الشوائب ثم قال الغزالي وإذا عرفت فضل النية وأنها تحل حدقة المقصود فاجتهد أن تستكثر من النية في جميع أعمالك حتى تنوي بعمل واحد نيات كثيرة ولو صدقت رغبتك لهديت لطريق رشدك انتهى وقوله سبحانه ما عليك من حسابهم من شيء قال الحسن والجمهور أي من حساب عملهم والمعنى أنك لم تكلف شيئا غير دعائهم وقوله فتطردهم هو جواب النفي في قوله ما عليك وقوله فتكون جواب النهي في قوله ولا تطرد وفتنا بعضهم ببعض أي ابتلينا وليقولوا معناه ليصير بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا على جهة الإستخفاف والهزء أهؤلاء من الله عليهم من بيننا فاللام في ليقولوا لام الصيرورة وقوله سبحانه أليس الله بأعلم بالشاكرين أي يا أيها المستخفون ليس الأمر أمر استخفاف فالله أعلم بمن يشكر نعمه وقوله سبحانه وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم الآية قال جمهور المفسرين هؤلاء هم الذين نهي الله عن طردهم وشفع ذلك بأن امر سبحانه أن يسلم النبي عليه السلام عليهم ويؤنسهم قال خباب بن الأرت لما نزلت وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية فكنا نأتي النبي صلى الله عليه و سلم فيقول لنا سلام عليكم ونقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تعالى وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الآية فكان يقعد معنا فإذا بلغ الوقت الذي يقوم فيه قمنا وتركناه حتى يقوم وسلام عليكم ابتداء والتقدير سلام ثابت أو واجب عليكم والمعنى أمنة لكم من عذاب الله في الدنيا والآخرة ولفظه ولفظ الخبر وهو في معنى الدعاء قال الفخر قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة النفس هاهنا بمعنى الذات والحقيقة لا بمعنى الجسم والله تعالى مقدس عنه انتهى قلت قال ابن العربي في كتاب تفسير الأفعال الواقعة في القرآن قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة قال علماؤنا كتب معناه أوجب وعندي أنه كتب حقيقة قال النبي صلى الله عليه و سلم إن الله خلق القلم فقال له أكتب فكتب ما يكون إلى يوم القيامة انتهى وقرأ عاصم وابن عامر أنه بفتح الهمزة في الأولى والثانية فإنه الأولى بدل من الرحمة وأنه الثانية خبر ابتداء مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم هذا مذهب سيبويه وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكساءي أنه بكسر الهمزة في الأولى والثانية وقرأ نافع بفتح الأولى وكسر الثانية والجهالة في هذا الموضع تعم التي تضاد العلم والتي تشبه بها وذلك ان المتعمد لفعل الشيء الذي قد نهي عنه تسمى معصيته تلك جهالة قال مجاهد من الجهالة ان لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته أن يركب الأمر قلت أي يتعمده ومن الجهالة التي لا تضاد العلم قوله صلى الله عليه و سلم في استعاذته أو أجهل أو يجهل علي ومنها قول الشاعر ... ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ... قال الفخر قال الحسن كل من عمل معصية فهو جاهل فقيل المعنى أنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب قلت وأيضا فهو جاهل بقدر من عصاه انتهى والإشارة بقوله تعالى وكذلك نفصل الآيات إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع العارضين لذلك وتفصيل الآيات تبيينها وشرحها وإظهارها قلت ومما يناسب هذا المحل ذكر شيء مما ورد في فصل المصافحة وقد اسند أبو عمر في التمهيد عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة أنهما قالا من تمام التحية المصافحة وروى مالك في الموطأ عن عطاء الخرساني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء قال أبوعمر في التمهيد هذا الحديث يتصل من وجوه شتى حسان كلها ثم اسند أبو عمر من طريق أبي داود وغيره عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ثم أسند أبو عمر عن البراء بن عازب قال لقيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذ بيدي فقلت يا رسول الله إن كنت لاحسب أن المصافحة للعجم فقال نحن أحق بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا القيت ذنوبهما بينهما وأسند أبو عمر عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا التقى المسلمان فتصافحا انزل الله عليهما مائة رحمة تسعون منها للذي بدأ بالمصافحة وعشرة للذي صوفح وكان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا بصاحبه انتهى وقد ذكرنا طرفا من آداب المصافحة في غير هذا الموضع فقف عليه واعمل به ترشد فإن العلم إنما يراد للعمل وبالله التوفيق وخص سبيل المجرمين بالذكر لأنهم الذين آثروا ما تقدم من الأقوال وهو أهم في هذا الموضع لأنها آيات رد عليهم وأيضا فتبيين سبيلهم يتضمن بيان سبيل المؤمنين وتأول ابن زيد أن قوله المجرمين معني به الآمرون بطرد الضعفة وقوله سبحانه قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم الآية أمر الله سحبانه نبيه عليه السلام أن يجاهرهم بالتبرى مما هم فيه وتدعون معناه تعبدون ويحتمل أن يريد تدعون في أموركم وذلك من معنى العبادة واعتقادهم الأصنام آلهة وقوله تعالى قل إني على بينة من ربي المعنى قل إني على أمر بين وكذبتم به الضمير في به عائد على بين أو على الرب وقيل على القرآن وهو جلي وقال بعض المفسرين الضمير في به الثاني عائد على ما والمراد بها الآيات المقترحة على ما قال بعض المفسرين وقيل المراد به العذاب وهو يترجح من وجهين أحدهما من جهة المعنى وذلك أن قوله وكذبتم به يتضمن أنكم واقعتم ما تستوجبون به العذاب إلا أنه ليس عندي والآخر من جهة لفظ الاستعجال الذي لم يأت في القرآن إلا للعذاب وأما اقتراحهم للآيات فلم يكن باستعجال وقوله أن الحكم إلا لله أي القضاء والإنفاذ ويقتص الحق أي يخبر به والمعنى يقص القصص الحق وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما يقتضي الحق أي ينفذه وقوله سبحانه قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم المعنى لو كان عندي الآيات المقترحة أو العذاب على التأويل الآخر لقضي الأمر أي لوقع الأنفصال وتم النزاع لظهور الآية المقترحة أو لنزول العذاب بحسب التأويلين وقيل المعنى لقامت القيامة وقوله والله أعلم بالظالمين يتضمن الوعيد والتهديد وقوله تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو مفاتح جمع مفتح وهذه استعارة عبارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب ولو كان جمع مفتاح لقال مفاتيح ويظهر أيضا أن مفاتح جمع مفتح بفتح الميم أي مواضع تفتح عن المغيبات ويؤيد هذا قول السدي وغيره مفاتح الغيب خزائن الغيب فأما مفتح بالكسر فهو بمعنى مفتاح قال الزهراوي ومفتح أفصح وقال ابن عباس وغيره الإشارة بمفاتح الغيب هي إلى الخمسة في آخر لقمان إن الله عنده علم الساعة الآية قلت وفي صحيح البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير انتهى وقوله سبحانه من ورقة أي من ورق النبات ولا حبة في ظلمات الأرض يريد في أشد حال التغيب وحكى بعض الناس عن جعفر بن محمد قولا أن الورقة يراد بها القسط من أولاد بني آدم والحبة يراد بها الذي ليس بسقط والرطب يراد به الحي واليابس يراد به الميت وهذا قول جار على طريقة الرموز ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه وقوله تعالى إلا في كتاب مبين قيل يعني كتابا على الحقيقة ووجه الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحفظة وذلك أنه روي أن الحفظة يرفعون ما كتبوه ويعارضونه بهذا الكتاب المشار إليه ليتحققوا صحة ما كتبوه وقيل المراد بقوله إلا في كتاب علم الله عز و جل المحيط بكل شيء قال الفخر وهذا هو الأصوب ويجوز أن يقال ذكر تعالى ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب انتهى قال مكي قال عبد الله بن الحارث ما في الأرض شجر ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها بيبسها إذا يبست ورطوبتها إذا رطبت وقيل المعنى في كتابها أنه لتعظيم الأمر ومعناه أعملوا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب فكيف ما فيه ثواب أو عقاب انتهى من الهداية وقوله سبحانه هو الذي يتوفاكم بالليل يعني به النوم ويعلم ما جرحتم أي ما كسبتم بالنهار ويحتمل أن يكون جرحتم هنا من الجرح كأن الذنب جرح في الدين والعرب تقول جرح اللسان كجرح اليد ويبعثكم يريد به الإيقاظ والضمير في فيه عائد على النهار قاله مجاهد وغيره يحتمل أن يعود الضمير على التوفي أي يوقظكم في التوفي أي في خلاله وتضاعيفه قاله عبد الله بن كثير وليقضي أجل مسمى المراد به آجال بني آدم ثم إليه مرجعكم يريد بالبعث والنشور ثم ينبئكم أي يعلمكم إعلام توقيف ومحاسبة ففي هذه الآية إيضاح الآيات المنصوبة للنظر وفيها ضرب مثال للبعث من القبور لان هذا أيضا اماته وبعث على نحو ما وقوله سبحانه وهو القاهر فوق عباده القاهر أن أخذ صفة فعل أي مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب فيصح أن تجعل فوق ظرفية للجهة لأن هذه الأشياء إنما تعاهدها العبادة من فوقهم وأن أخذ القاهر صفة ذات بمعنى القدرة والإستيلاء ففوق لا يجوز أن تكون للجهة وإنما هي لعلو القدر والشأن على حد ما تقول الياقوت فوق الحديد والاحرار فوق العبيد ويرسل عليكم معناه يبثهم فيكم وحفظة جمع حافظ والمراد بذلك الملائكة الموكلون بكتب الأعمال وروي أنهم الملائكة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه و سلم يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار وقاله السدي وقتادة وقال بعض المفسرين حفظة يحفظون الإنسان من كل شيء حتى يأتي أجله والأول أظهر وقرأ حمزة وحده توفاه وقوله تعالى رسلنا يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له ثم ردوا أي العباد إلى الله مولاهم وقوله الحق نعت لمولاهم ومعناه الذي ليس بباطل ولا مجاز إلا له الحكم كلام مضمنه التنبيه وهز النفوس وهو أسرع الحاسبين قيل لعلي رضي الله عنه كيف يحاسب الله العباد في يوم واحد قال كما يرزقهم في الدنيا في يوم واحد وقوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية الآية هذا تماد في توبيخ العادلين بالله الأوثان وتركهم عبادة الرحمن الذي ينجي من الهلكات ويلجأ إليه في الشدائد ودفع الملمات وظلمات البر والبحر يريد بها شدائدهما فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد بظلمة حقيقية وما كان بغير ظلمة والعرب تقول عام أسود ويوم مظلم ويوم ذو كواكب يريدون به الشدة قال قتادة وغيره المعنى من كرب البر والبحر وتدعونه في موضع الحال والتضرع صفة بادية على الإنسان وخفية معناه الاختفاء وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وخفية بكسر الخاء وقرأ الأعمش وخيفة من الخوف وقوله سبحانه قل الله ينجيكم منها الآية سبق في المجادلة إلى الجواب إذ لا محيد عنه ومن كل كرب لفظ عام أيضا ليتضح العموم الذي في الظمات ثم انتم أي ثم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققكم له أنتم تشركون وقوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم الآية هذا إخبار يتضمن الوعيد والأظهر من نسق الآيات أن هذا الخطاب للكفار الذين تقدم ذكرهم وهو مذهب الطبري وقال ابي بن كعب وجماعة هو للمؤمنين وهم المراد وهذا الاختلاف إنما هو بحسب ما يظهر من أن الآية تتناول معانيها المشركين والمؤمنين وفي البخاري وغيره من حديث جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نزلت الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال أعوذ بوجهك فلما نزلت أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك فلما نزلت أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال هذا أهون أو أيسر فاحتج بهذا الحديث من قال أنها نزلت في المؤمنين قال الطبري وغيره ممتنع أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم تعوذ لأمته من هذه الأشياء التي توعد بها الكفار وهون الثالثة لأنها بالمعنى هي التي دعا فيها فمنع حسب حديث الموطأ وغيره ومن فوقكم أو من تحت أرجلكم لفظ عام للمنطبقين على الإنسان وقال السدي عن أبي مالك من فوقكم الرجم أو من تحت أرجلكم الخسف وقاله سعيد بن جبير ومجاهد وقوله سبحانه أو يلبسكم شيعا معناه يخلطكم فرقا والبأس القتل وما أشبهه من المكاره وفي قوله تعالى أنظر كيف نصرف الآيات استرجاع لهم وإن كان لفظها لفظ تعجب للنبي صلى الله عليه و سلم فمضمنها أن هذه الآيات والدلائل إنما هي لاستصرافهم عن طريق غيهم والفقه الفهم وقوله تعالى وكذب به قومك وهو الحق الضمير في به عائد على القرآن الذي فيه جاء تصريف الآيات قاله السدي وهذا هو الظاهر ويحتمل أن يعود الضمير على الوعيد الذي تضمنته الآية ونحا إليه الطبري وقوله قل لست عليكم بوكيل معناه لست بمدفوع إلى أخذكم بالإيمان والهدى وهذا كان قبل نزول آيات الجهاد والأمر بالقتال ثم نسخ وقوله سبحانه لكل نبإ مستقر أي غاية يعرف عندها صدقه من كذبه وسوف تعلمون تهديد محض ووعيد وقوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره هذا خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنون داخلون في الخطاب معه هذا هو الصحيح لأن علة النهي وهي سماع الخوض في آيات الله تشملهم وإياه فأمر النبي صلى الله عليه و سلم هو ==========================================================ج4. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي والمؤمنون أن ينابذوا الكفار بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء قلت ويدل على دخول المؤمنين مع النبي صلى الله عليه و سلم في الخطاب قوله تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انتهى والخوض أصله في الماء ثم يستعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها بغمرات الماء وأما ينسينك أما شرط وتلزمها النون الثقيلة في الأغلب وقرأ ابن عامر وحده ينسينك بتشديد السين وفتح النون والمعنى واحد إلا أن التشديد أكثر مبالغة والذكرى والذكر واحد في المعنى ووصفهم بالظالمين متمكن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه وأعرض في هذه الآية بمعنى المفارقة على حقيقة الأعراض وأكمل وجوهه ويدل على ذلك فلا تقعد وقوله سبحانه وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء روي أنه لما نزلت فلا تقعدوا معهم قال المؤمنون إذا كنا لا نقرب المشركين ولا نسمع أقوالهم فلا يمكننا طواف ولا قضاء عبادة في الحرم فنزلت لذلك وما على الذين يتقون الآية قال ع فالإباحة في هذا هي في القدر الذي يحتاج إليه من التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها وقيل أن هذه الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه وإنما معناها لا تقعدوا معهم ولا تقربوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم وليس نهيكم عن القعود لأن عليكم شيأ من حسابهم وإنما هو ذكرى لكم ويحتمل المعنى ولكن ذكرى لعلهم إذا جانبتموهم يتقون بالإمساك عن الاستهزاء ويحتمل المعنى ولكن ذكروهم ذكرى وينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدل والخوض فيه وحكى الطبري عن أبي جعفر أنه قال لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم انا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه خرجه أبو داود انتهى من الكوكب الدري وقد ذكرنا هذا الحديث من غير طريق أبي دواد بلفظ أوضح من هذا وقوله سبحانه وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا هذا أمر بالمتاركة وكان ذلك بحسب قلة المسلمين يومئذ قال قتادة ثم نسخ ذلك وما جرى مجراه بالقتال وقال مجاهد الآية إنما هي للتهديد والوعيد فهي كقوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا وليس فيها نسخ لأنها متضمنة خبرا وهو التهديد وغرتهم الحياة الدنيا أي خدعتهم من الغرور وهو الأطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله وإمهاله وطمعهم ذلك فيما لم يتحصل من رحمته وأعلم أن أعقل العقلاء مؤمن مقبل على آخرته قد جعل الموت نصب عينيه ولم يغتر بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى بل جعل همه واحدا هم المعاد وما هو صائر إليه وقد روى البزار في مسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم الدنيا ومن تشعبت به الهموم هموم الدنيا لم يبال الله تعالى في أي اوديتها هلك انتهى من الكوكب الدري وقوله سبحانه وذكر به أي بالقرآن وقيل الضمير في به عائد على الدين وأن تبسل في موضع المفعول له أي ليلا تبسل ومعناه تسلم قاله الحسن وعكرمة وقال قتادة تحبس وترهن وقال ابن عباس تفضح وقال ابن زيد تجزي وهذه كلها متقاربة المعنى ومنه قول الشنفري ... هنالك لا ارجو حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر ... وباقي الآية بين وأن تعدل كل عدل أي وإن تعطي كل فدية وإن عظمت فتجعلها عدلا لها لا يقبل منها وقال أبو عبيدة وأن تعدل هو من العدل المضاد للجور ورده الطبري بالإجماع على أن توبة الكافر مقبولة قال ع ولا يلزم هذا الرد لأن الأمر إنما هو يوم القيامة ولا تقبل فيه توبة ولا عمل قلت وأجلي من هذا أن يحمل كلام أبي عبيدة على معنى أنه لا يقبل منها عدلها لاختلال شرطه وهو الإيمان وابسلوا معناه اسلموا بما اجترحوه من الكفر والحميم الماء الحار ومنه الحمام والحمة وقوله سبحانه قل اندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا المعنى قل في احتجاجك انطيع رأيكم في أن ندعو من دون الله والدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئا موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتوكل وما لا ينفعنا ولا يضرنا يعني الأصنام ونرد على اعقابنا تشبيه بمشي القهقري وهي المشية الدنية فاستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر وقوله سبحانه كالذي استهوته الشياطين في الكلام حذف تقديره ردا كرد الذي واستهوته بمعنى استدعت هواه وأمالته وهدانا بمعنى أرشدنا فسياق هذا المثل كأنه قال أيصلح ان نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منا ارتدادا على العقب فنكون كرجل على طريق واضح فاستهوته عنه الشياطين فخرج عنه إلى دعوتهم فبقي حائرا وقوله له أصحاب يريد له أصحاب على الطريق الذي خرج منه فيشبه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يدعون من ارتد إلى الرجوع إلى الهدى وهذا تأويل مجاهد وابن عباس وايتنا من الإتيان بمعنى المجيء وقول من قال إن المراد بالذي في هذه الآية عبد الرحمن بن أبي بكر وبالأصحاب أبواه قول ضعيف يرده قول عائشة في الصحيح ما نزل فينا من القرآن شيء إلا براءتي قلت تريد وقصة الغار إذ يقول لصاحبه وقوله ولا يأتل اولوا الفضل منكم إذ نزلت في شأن ابي بكر وشأن مسطح قال ع حدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت الفقيه الإمام ابا عبد الله المعروف بالنحوي المجاور بمكة يقول من نازع أحدا من الملحدين فإنما ينبغي أن يرد عليه بالقرآن والحديث فيكون كمن يدعو إلى الهدى بقوله ايتنا ومن ينازعهم بالجدل ويحلق عليهم به فكأنه بعد من الطريق الواضح أكثر ليرد هذا الزائغ فهو يخاف عليه أن يضل قال ع وهذا انتزاع حسن جدا وباقي الآية بين وقوله سبحانه وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق أي لم يخلقها باطلا لغير معنى بل لمعان مفيدة وحقائق بينة وقوله سبحانه ويوم يقول يوم نصب على الظرف وتقدير الكلام واذكر الخلق والإعادة يوم وتحتمل الآية مع هذا أن يكون معناها واذكر الإعادة يوم يقول الله للأجساد كوني معادة وقوله تعالى يوم ينفخ في الصور الجمهور أن الصور هو القرن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه و سلم أنه ينفخ فيه للصعق ثم للبعث وباقي الآية بين وقوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين قال الطبري نبه الله نبينا محمد صلى الله عليه و سلم على الاقتداء بإبراهيم في محاجته قومه إذ كانوا أهل أصنام وكان قوم النبي صلى الله عليه و سلم أهل أصنام وقوله أصناما آلهة مفعولان وذكر أن آزر أبا إبراهيم عليه السلام كان نجارا مسحنا ومهندسا وكان نمرود يتعلق بالهندسة والنجوم فحظي عنده آزر لذلك وكان على خطة عمل الأصنام تعمل بأمره وتدبيره ويطبع هو في الصنم بختم معلوم عنده وحينئذ يعبد ذلك الصنم فلما نشأ إبراهيم ابنه على الصفة التي تأتي بعد كان أبوه يكلفه ببيعها فكان إبراهيم ينادي عليها من يشتري ما يضره ولا ينفعه ويستخف بها ويجعلها في الماء منكوسة ويقول لها أشربي فلما اشتهر أمره بذلك وأخذ في الدعاء إلى الله عز و جل قال لأبيه هذه المقالة وأراك في هذا الموضع يشترك فيها القلب والبصر ومبين بمعنى ظاهر واضح وقوله سبحانه وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض الآية المتقدمة تقضي بهداية إبراهيم عليه السلام والإشارة هنا بذلك هي إلى تلك الهداية أي وكما هديناه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر أريناه ملكوت ونرى لفظها الأستقبال ومعناها المضي وهذه الرؤية قيل هي رؤية البصر وروي في ذلك أن الله عز و جل فرج لإبراهيم عليه السلام السماوات والأرض حتى رأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل وهذا هو قول مجاهد قال تفرجت له السماوات والأرضون فرأى مكانه في الجنة وبه قال سعيد بن جبير وسلمان الفارسي وقيل هي رؤية بصر في ظاهر الملكوت وقع له معها من الاعتبار ورؤية القلب ما لم يقع لأحد من أهل زمنه الذين بعث إليهم قاله ابن عباس وغيره وقيل هي رؤية قلب رأى بها ملكوت السماوات والأرض بفكرته ونظره وملكوت بناء مبالغة وهو بمعنى الملك والعرب تقول لفلان ملكوت اليمن أي ملكه واللام في ليكون متعلقة بفعل مؤخر تقديره وليكون من الموقنين أريناه والموقن العالم بالشيء علما لا يمكن أن يطرأ له فيه شك وروي عن ابن عباس في تفسير وليكون من الموقنين قاد جلى له الأمور سرها وعلانيتها فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله له إنك لا تستطيع هذا فرده لا يرى أعمالهم وقوله سبحانه فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي الآية جن الليل ستر وغطى بظلامه ذهب ابن عباس وناس كثيرون إلى أن هذه القصة وقعت في حال صباه وقبل البلوغ والتكليف ويحتمل أن تكون وقعت له بعد بلوغه وكونه مكلفا وحكى الطبري هذا عن فرقة وقالت أنه استفهم قومه على جهة التوقيف والتوبيخ أي هذا ربي وحكي أن النمرود جبار ذلك الزمان رأى له منجموه أن مولودا يولد في سنة كذا في عمله يكون خراب الملك على يديه فجعل يتتبع الحبالى ويوكل بهن حراسا فمن وضعت انثى تركت ومن وضعت ذكرا حمل إلى الملك فذبحه وان أم إبراهيم حملت وكانت شابة قوية فسترت حملها فلما قربت ولادتها بعثت أبا إبراهيم إلى سفر وتحيلت لمضيه إليه ثم خرجت هي إلى غار فولدت فيه إبراهيم وتركته في الغار وكانت تتفقده فوجدته يتغذى بأن يمص اصابعه فيخرج له منها عسل وسمن ونحو هذا وحكي بل كان يغذيه ملك وحكي بل كانت امه تأتيه بألبان النساء التي ذبح ابناؤهن والله أعلم أي ذلك كان فشب إبراهيم أضعاف ما يشب غيره والملك في خلال ذلك يحس بولادته ويشدد في طلبه فمكث في الغار عشرة أعوام وقيل خمس عشرة سنة وأنه نظر أول ما عقل من الغار فرأى الكواكب وجرت قصة الآية والله أعلم فإن قلنا بأنه وقعت له القصة في الغار في حال الصبوة وعدم التكليف على ما ذهب إليه بعض المفسرين ويحتمله للفظ فذلك ينقسم على وجهين إما أن يجعل قوله هذا ربي تصميما واعتقادا وهذا باطل لأن التصميم على الكفر لم يقع من الأنبياء صلوات الله عليهم وأما أن نجعله تعريضا للنظر والاستدلال كأنه قال أهذا المنير البهي ربي ان عضدت ذلك الدلائل وان قلنا ان القصة وقعت له في حال كبره وهو مكلف فلا يجوز أن يقول هذا مصمما ولا معرضا للنظر لأنها رتبة جهل أو شك وهو عليه السلام منزه معصوم من ذلك كله فلم يبق إلا أن يقولها على جهة التقرير لقومه والتوبيخ لهم وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام كأنه قال أهذا المنير ربي وهو يريد على زعمكم كما قال تعالى اين شركاءي أي على زعمكم ثم عرض إبراهيم عليهم من حركة الكوكب وأفوله أمارة الحدوث وأنه لا يصلح أن يكون ربا ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك ثم في الشمس كذلك فكأنه يقول فإذا بان في هذه المنيرات الرفيعة أنها لا تصلح للربوبية فأصنامكم التي هي خشب وحجارة أحرى أن يبين ذلك فيها ويعضد عندي هذا التأويل قوله إني بريء مما تشكرون قلت وإلى ترجيح هذا أشار عياض في الشفا قال وذهب معظم الحذاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكتا لقومه مستدلا عليهم قال ع ومثل لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ونظر في الأفلاك وهذا الأمر كله إنما وقع في ليلة واحدة رأى الكوكب وهو الزهرة في قول قتادة وقال السدي هو المشتري جانحا إلى الغروب فلما أفل بزغ القمر وهو أول طلوعه فسرى الليل أجمع فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لإتنشار الصباح وخفي نوره ودنا أيضا من مغربه فسمي ذلك افولا لقربه من الأفوال التام على تجوز في التسمية وهذا الترتيب يستقيم في الليلة الخامسة عشر من الشهر إلى ليلة عشرين وليس يترتب في ليلة واحدة في واحد أهل التفسير إلا في هذه الليالي وبذلك يصح التجوز في افول القمر وافل في كلام العرب معناه غاب وقيل معناه ذهب وهذا خلاف في العبارة فقط والبزوغ في هذه الأنوار أول الطلوع وما في كون هذا الترتيب في ليلة من التجوز في أفول القمر لأن أفوله لو قدرناه مغيبه لكان ذلك عبد بزوغ الشمس وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار ويهدني يرشدني وهذا اللفظ يؤيد قول من قال أن القصة في حال الصغر والقوم الضالون هنا عبدة المخلوقات كالأصنام وغيرها ولما افلت الشمس لم ببق شيء يمثل لهم به فظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم والتبري من أشراكهم وقوله إني بريء مما تشركون يؤيد قول من قال ان القصة في حال الكبر والتكليف ووجهت وجهي أي اقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني للذي فطر السموات والأرض أي اخترعها وحنيفا أي مستقيما والحنف الميل فكانه مال عن كل جهة إلى القوام وقوله تعالى وحاجة قومه قال اتحاجوني في الله أي اتراجعوني في الحجة في توحيد الله وقد هدان أي قد أرشدني إلى معرفته وتوحيده ولا أخاف ما تشركون به الضمير في به يعود علىالله والمعنى ولا أخاف الأصنام التي تشركونها بالله في الربوبية ويحتمل أن يعود على ما والتقدير ما تشركون بسببه وقوله إلا أن يشاء ربي شيئا استثناء ليس من الأول وشيئا منصوب بيشاء ولما كانت قوة الكلام انه لا يخاف ضررا استثنى مشيئة ربه تعالى في أن يريده بضر وعلما نصب علىالتمييز وهو مصدر بمعنى الفاعل كما تقول العرب تصبب زيد عرقا المعنى تصبب عرق زيد فكذلك المعنى هنا وسع علم ربي كل شيء أفلا تتذكرون توقيف وتنبيه وإظهار لموضع التقصير منهم وقوله وكيف أخاف ما اشركتم الآية إلى تعلمون هي كلها من قول إبراهيم عليه السلام لقومه وهي حجته القاطعة لهم والمعنى وكيف أخاف أصناما لا خطب لها إذ نبذتها ولا تخافون انتم الله عزوجل وقد اشركتم به في الربوبية ما لم ينزل به عليكم سلطانا والسلطان الحجة ثم استفهم على جهة التقرير فأي الفريقين مني ومنكم أحق بالأمن قال أبوحيان وكيف استفهام معناه التعجب والإنكار انتهى وقوله سبحانه الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الآية قال ابن إسحاق وابن يد وغيرهما هذا قول من الله عز و جل ابتداء حكم فصل عام لوقت محاجة إبراهيم وغيره ولكل مؤمن تقدم أو تأخر قال ع هذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ويحسن رصفها وهو خبر من الله عز و جل ويلبسوا معناه يخلطوا والظلم في هذا الموضع الشرك تظاهرت بذلك الأحاديث الصحيحة وفي قراءة مجاهد ولم يلبسوا إيمانهم بشرك وهم مهتدون أي راشدون وقوله تعالى وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه تلك إشارة إلى هذه الحجة المتقدمة وقوله سبحانه نرفع درجات من نشاء الدرجات أصلها في الأجسام ثم تستعمل في المراتب والمنازل المعنوية وقوله سبحانه ووهبنا له إسحاق ويعقوب الآية ووهبنا عطف على آتينا وإسحاق ابنه من سارة ويعقوب هو ابن أسحاق وقوله ومن ذريته المعنى وهدينا من ذريته والضمير في ذريته قال الزجاج جائز أن يعود على إبراهيم ويعترض هذا بذكر لوط عليه السلام إذ ليس هو من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه وقيل ابن اخته ويتخرج ذلك عند من يرى الخال أبا وقيل يعود الضمير على نوح هذا هو الجيد ونصب داود يحتمل أن يكون بوهبنا ويحتمل أن يكون بهدينا وكذلك نجزي المحسنين وعد من الله عز و جل لمن أحسن في عبادته وترغيب في الإحسان وفي هذه الآية ان عيسى عليه السلام من ذرية نوح أو إبراهيم بحسب الأختلاف في عود الضمير من ذريته وهوابن ابنة وبهذا يستدل في الأحباس على أن ولد البنت من الذرية ويونس هو ابن متى وكلا فضلنا على العالمين معناه عالمي زمانهم وقوله سبحانه ومن آبائهم وذرياتهم المعنى وهدينا من آبائهم وذرياتهم وأخوانهم جماعات فمن للتبعيض والمراد من آمن منهم نبيا كان أو غير نبي واجتبيناهم أي تخيرناهم وهديناهم أي ارشدناهم الى الايمان والفور برضى الله عز و جل والذرية الابناء ويطلق علي جميع البشر ذرية لأنهم ابناء وقوله تعالى ذلك هدى الله الآية ذلك إشارة إلى النعمة في قوله واجتبيناهم وأولئك إشارة إلى من تقدم ذكره والكتاب يراد به الصحف والتوراة والإنجيل والزبور وقوله سبحانه فإن يكفر بها هؤلاء إشارة إلى كفار قريش وإلى كل كافر في ذلك العصر قاله ابن عباس وغيره وقوله فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين هم مؤمنو أهل المدينة قاله ابن عباس وغيره والآية على هذا التأويل وأن كان القصد بنزولها هذين الصنفين فهي تعم الكفرة والمؤمنين إلى يوم القيامة وقال الحسن وغيره المراد بالقوم من تقدم ذكره من الأنبياء والمؤمنين وقال أبو رجاء المراد الملائكة قلت ويحتمل أن يكون المراد الجميع وقوله سبحانه اولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده الظاهر في الإشارة بأولائك إلى المذكورين قبل من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين المهديين ومعنى الأقتداء اتباع الأثر في القول والفعل والسيرة وإنما يصح اقتداؤه صلى الله عليه و سلم بجمعيهم في العقود والإيمان والتوحيد الذي ليس بينهم فيه اختلاف وأما أعمال الشرائع فمختلفة وقد قال عز و جل لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وأعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم هو وغيره مخاطب بشرع من قبله في العقود والإيمان والتوحيد لأنا نجد شرعنا بنبىء أن الكفار الذين كانوا قبل النبي صلى الله عليه و سلم كابويه وغيرهما في النار ولا يدخل الله تعالى أحدا النار إلا بترك ما كلف وذلك في قوله سبحانه وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وغير ذلك وقاعدة المتكلمين أن العقل لا يوجب ولا يكلف وإنما يوجب الشرع فالوجه في هذا أن يقال أن آدم عليه السلام فمن بعده دعا إلى توحيد الله عز و جل دعاء عاما واستمر ذلك على العالم فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع الآمر بتوحيد الله تعالى وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرع النظر فيها ويؤمن ولا يعبد غير الله فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم بشرع آمر بتوحيد الله وهو مع ذلك لم يكفر ولا عبد صنما بل تخلى فأولائك أهل الفترات الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة وهم بمنزلة الأطفال والمجانين ومن قصر في النظر والبحث فعبد صنما أو غيره وكفر فهو تارك للواجب عليه مستوجب للعقاب بالنار فالنبي صلى الله عليه و سلم قبل مبعثه ومن كان معه من الناس وقبله مخاطبون على ألسنة الأنبياء قبل التوحيد وغير مخاطبين بفروع شرائعهم إذ هي مختلفة وإذ لم يدعهم إليها نبي قال الفخر واحتج العلماء بهذه الاية على أن محمد صلى الله عليه و سلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام وتقريره انا بينا أن خصال الكمال وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمد صلى الله عليه و سلم أن يجمع من خصال الطاعة والعبودية والأخلاق الحميدة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك امتنع أن يقال أنه قصر في تحصيلها فثبت أنه حصلها ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه أجتمع فيه من خصال الخير ما كان فيهم مفرقا بأسرهم ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال أنه أفضلهم بكليتهم والله أعلم انتهى وقرا حمزة والكسائي فبهداهم اقتدى بحذف الهاء في الوصل واثباتها في الوقف وهذا هو القياس شبيهة بألف الوصل في انها تقطع في الأبتداء وتسقط في الوصل وقوله سبحانه قل لا اسألكم عليه أجرا أي قل لهؤلاء الكفرة المعاندين لا أسألكم على دعائي إياكم بالقرآن إلى عبادة الله تعالى أجرة إن هو إلا موعظة وذكرى ودعاء لجميع العالمين وقوله سبحانه وما قدروا الله حق قدره الآية قال ابن عباس هذه الآية نزلت في بني إسرائيل قال النقاش وهي آية مدنية وقيل المراد رجل مخصوص منهم يقال له مالك بن الضيف قاله ابن جبير وقيل فنحاص قاله السدي وقدروا هو من توفية القدر والمنزلة وتعليله بقولهم ما أنزل الله يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثة الرسل قال الفخر قال ابن عباس ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموا الله حق تعظيمه وقال الأخفش ما عرفوه حق معرفته وقال أبو العالية ما وصفوه حق قدرته وعظمته وهذه المعانى كلها صحيحة انتهى وروي أن مالك بن الضيف كان سمينا فجاء يخاصم النبي صلى الله عليه و سلم بزعمه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انشدك الله الست تقرأ فيما أنزل على موسى أن الله يبغض الحبر السمين فغضب وقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء قال الفخر وهذه الآية تدل على أن النكرة في سياق النفي تعم ولو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا إبطالا لقولهم ونقضا عليهم انتهى وقوله تعالى قل من أنزل الكتاب يعنى التوراة وقراطيس جمع قرطاس أي بطائق وأوراقا وتوبيخهم بالابداء والاخفاء هو على إخفائهم أمر محمد صلى الله عليه و سلم وجميع ما عليهم فيه حجة وقوله سبحانه وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم يحتمل وجهين احدهما أن يقصد به الإمتنان عليهم وعلى ءابائهم والوجه الثاني أن يكون المقصود ذمهم أي وعلمتم أنتم وءاباؤكم ما لم تعلموه فما انتفعتم به لاعراضكم وضلالكم ثم أمره سبحانه بالمبادرة إلى موضع الحجة أي قل الله هو الذي أنزل الكتاب على موسى ثم أمره سبحانه بترك من كفر وأعرض وهذه آية منسوخة بآية القتال أن تؤولت موادعة ويحتمل أن لا يدخلها نسخ إذا جعلت تتضمن تهديدا ووعيدا مجردا من موادعة وقوله سبحانه وهذا كتاب انزلناه مبارك هذا إشارة إلى القرآن وقوله مصدق الذي بين يديه يعنى التوراة والإنجيل لان ما تقدم فهو بين يدي ما تأخر وأم القرى مكة ثم ابتدأ تبارك وتعالى بمدح قوم وصفهم وأخبر عنهم انهم يؤمنون بالآخرة والبعث والنشور ويؤمنون بالقرآن ويصدقون بحقيقته ثم قوى عز و جل مدحهم بأنهم يحافظون على صلاتهم التي هي قاعدة العبادات وأم الطاعات وإذا أنضافت الصلاة إلى ضمير لم تكتب إلا بالالف ولا تكتب في المصحف بواو إلا إذا لم تضف إلا ضمير وقد جاءت وأثار صحيحة في ثواب من حافظ على صلاته وفي فضل المشي إليها ففي سنن أبي داود عن بريدة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة وروي أبو داود أيضا بسنده عن سعيد بن المسيب قال حضر رجلا من الأنصار الموت فقال إني محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا أحتسابا سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا توضأ أحدكم فاحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة فليقرب أو ليبعد فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي صلى ما ادرك واتم ما بقي كان كذلك فإن اتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص - من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله عز و جل مثل أجر من صلاها أو حضرها لا ينقص ذلك من أجورهم انتهى وقوله سبحانه ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي الي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله هذه الفاظ عامة فكل من واقع شيئا مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في الظلم الذي قد عظمه الله تعالى وقال قتادة وغيره المراد بهذه الآيات مسيلمة والأسود العنسي وقال عكرمة أولها في مسيلمة والآخر في عبد الله بن أبي سرح وقيل نزلت في النضر بن الحارث وبالجملة فالآية تتناول من تعرض شيئا من معانيها إلى يوم القيامة كطليحة الأسدي والمختار بن أبي عبيد وسواهما وقوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت الآية جواب لو محذوف تقديره لرأيت عجبا أو هولا ونحو هذا وحذف هذا الجواب ابلغ في نفس السامع والظالمون لفظ عام في أنواع الظلم الذي هو كفر والغمرات جمع غمرة وهي المصيبة المذهلة وهي مشبهة بغمرة الماء والملائكة يريد ملائكة قبض الروح وباسطوا أيديهم كناية عن مدها بالمكروه وهذا المكروه هو لا محالة أوائل العذاب وإماراته قال ابن عباس يضربون وجوههم وأدبارهم وقوله أخرجوا أنفسكم حكاية لما تقوله الملائكة والتقدير يقولون لهم أخرجوا أنفسكم وذلك على جهة الإهانة وإدخال الرعب عليهم ويحتمل أخرجوا أنفسكم من هذه المصائب والمحن إن كان ما زعمتموه حقا في الدنيا وفي ذلك توبيخ وتوقيف على سالف فعلهم القبيح قلت والتأويل الأول هو الصحيح وقد أسند أبو عمر في التمهيد عن ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثم ذكر سنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالت أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجى حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان قال فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها فيقال من هذا فيقولون فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء يعني السابعة وإذا كان الرجل السوء وحضرته الملائكة عند موته قالت أخرجى أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشرى بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج وذكر الحديث انتهى والهون الهوان وقوله تعالى بما كنتم تقولون على الله غير الحق الآية لفظ عام لانواع الكفر ولكنه يظهر منه الأنحاء على من قرب ذكره وقوله سبحانه ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة الآية هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم وأعلم أيها الأخ أن هذه الآية الكريمة ونحوها من الآي وأن كان مساقها في الكفار فللمؤمن الموقن فيها معتبر ومزدجر وقد قيل أن القبر بحر الندامات وقد روى أبن المبارك في رقائقه بسنده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وان كان مسيئا ندم الا يكون نزع انتهى وكما خلقناكم أول مرة تشبيها بالانفراد الأول في وقت الخلقة وخولناكم معناه أعطيناكم ووراء ظهوركم إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجودا وقوله سبحانه وما نرى معكم شفعاءكم توقيف على الخطا في عبادة الأصنام واعتقادهم أنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى قال أبو حيان وما نرى لفظه لفظ المستقبل وهو حكاية حال انتهى وقرأ نافع والكساءي بينكم بالنصب على أنه ظرف والتقدير لقد تقطع الاتصال والارتباط بينكم ونحو هذا وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس مجاهد وغيره وقرأ باقي السبعه بينكم بالرفع وقرأ ابن مسعود وغيره لقد تقطع ما بينكم وضل معناه تلف وذهب وما كنتم تزعمون يريد دعواهم أنها تشفع وأنها تشارك الله في الألوهية تعالى الله عن قولهم وقوله سبحانه ان الله فالق الحب والنوى هذا ابتداء تنبيه على العبرة والنظر ويتصل المعنى بما قلبله لأن المقصد أن الله فالق الحب والنوى لا هذه الأصنام قال قتادة وغيره هذه إشارة إلى فعل الله سبحانه في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه ويشق النوى عن جميع الأشجار الكائنة منه وقوله يخرج الحي من الميت الآية قال ابن عباس وغيره الاشارة الى اخراج الانسان الحي من النطفة الميته وإخراج النطفة المتية من الإنسان الحي وكذلك سائر الحيوان من الطير وغيره وهذا القول أرجح ما قيل هنا وقوله سبحانه ذلكم الله ابتداء وخبر متضمن التنبيه فإنى تؤفكون أي تصرفون وتصدون وفالق الأصباح أي شاقه ومظهره والفلق الصبح وحسبانا جمع حساب أي يجريان بحساب هذا قول ابن عباس وغيره وقال مجاهد في صحيح البخاري المراد بحسبان كحسبان الرحى وهوالدولاب والعود الذي عليه دورانه وقوله سبحانه وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر الآية هذه المخاطبة تعم المؤمنين والكافرين والحجة بها على الكافرين قائمة والعبرة بها للمؤمنين متمكنة وقوله سبحانه وهوالذي أنشأكم من نفس واحدة يريد آدم عليه السلام فمستقر ومستودع اختلف المتأولون في معنى هذا الأستقرار والاستيداع فقال الجمهور مستقر في الحرم ومستودع في ظهور الآباء حتى يقضي الله بخروجهم قال ابن عون مشيت إلى منزل إبراهيم النخعي وهو مريض فقالوا قد توفي فأخبرني بعضهم أن عبد الرحمن أبن الأسود سأله عن مستقر ومستودع فقال مستقر في الرحم ومستودع في الصلب وقال ابن عباس المستقر الأرض والمستودع عندالرحمن وقال ابن جبير المستودع في الصلب والمستقر في الآخرة قال الفخر والمنقول عن ابن عباس في أكثر الروايات أن المستقر هو الأرحام والمستودع الأصلاب ثم قرأ ونقر في الأرحام ما نشاء ومما يدل على قوة هذا القول ان النطفة لا تبقى في صلب الأب زمانا طويلا والجنين في رحم الأم يبقى زمانا طويلا ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى انتهى قال ع والذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه وليس بمستقر فيه استقرارا مطلقا لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى الدنيا ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى المحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار فيستقر في أحدهما استقرارا مطلقا وليس فيها مستودع لأنه لا نقلة له بعد وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الطرفين مستقر بالإضافة إلى التي قبلها ومستودع بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بد وقوله تعالى وهوالذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء السماء في هذا الموضع السحاب وكل ما اظلك فهو سماء وقوله نبات كل شيء قيل معناه مما ينبت وقال الطبري المراد بكل شيء كل ما ينمو من جميع الحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك لأن ذلك كله يتغدى وينمو بنزول الماء من السماء والضمير في منه يعود على النبات وفي الثاني يعود على الخضر وخضرا بمعنى أخضر ومنه قوله عليه السلام الدنيا خضرة حلوة بمعنى خضراء وكأن خضرا إنما يأتي ابدا لمعنى النضارة وليس للون فيه مدخل وأخضر إنما تمكنه في اللون وهو في النضارة تجوز وحبا متراكبا يعم جيمع السنابل وما شاكلها كالصنوبر والرمان وغير ذلك وقوله ومن النخل تقديره ونخرج من النخل الطلع أول ما يخرج من النخل في أكمامه وقنوان جمع قنو وهوالعذق بكسر العين وهي الكباسة والعرجون عوده الذي فيه ينتظم التمر ودانية معناه قريبة من التناول قاله ابن عباس وغيره وقرأ الجمهور وجنات بالنصب عطفا على قوله نبات وروي عن عاصم وجنات بالرفع على تقدير ولكم جنات أو نحو هذا والزيتون والرمان بالنصب إجماعا عطفا على قوله حبا ومتشابها وغير متشابه قال قتادة معناه يتشابه في الورق ويتباين في الثمر وقال الطبري جائز أن يتشابه في الثمر ويتباين في الطعم ويحتمل أن يريد يتشابه في الطعم ويتباين في المنظر وهذه الأحوال موجودة بالاعتبار في أنواع الثمرات وقوله سبحانه انظروا هونظر بصر تتركب عليه فكرة قلب والثمر في اللغة جنى الشجر وما يطلع وأن سمي الشجر ثمارا فبتجوز وقرأ جمهور الناس وينعه بفتح الياء وهومصدر ينع يينع إذا نضج وبالنضج فسره ابن عباس وقد يستعمل ينع بمعنى استقل وأخضر ناضرا قال الفخر وقدم سبحانه الزرع لأنه غذاء والثمار فواكه وإنما قدم النخل على الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب انتهى وقوله سبحانه وجعلوا لله شركاء الجن جعلوا بمعنى صيروا والجن مفعول وشركاء مفعول ثان قال ص وجعلوا لله شركاء الجن جعلوا بمعنى صيروا والجمهور على نصب الجن فقال ابن عطية وغيره هو مفعول أول لجعلوا وشركاء الثاني وجوزوا فيه أن يكون بدلا من شركاء ولله في موضع المفعول الثاني وشركاء الأول ورده أبو حيان بأن البدل حينئذ لا يصح ان يحل محل المبدل منه إذ لو قلت وجعلوا لله الجن لم يصح وشرط البدل أن يكون على نية تكرار العامل على الأشهر أو معمولا للعامل في المبدل منه على قول وهذا لا يصح كما ذكرنا قلت وفيه نظرا انتهى قلت وما قاله الشيخ أبو حيان عندي ظاهر وفي نظر الصفاقسي نظر وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله تعالى والقائلين أن الجن تعلم الغيب العابدين للجن وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الوادي في اسفارها ونحو هذا وأما الذين خرقوا البنين فاليهود في ذكر عزيز والنصارى في ذكرالمسيح وأما ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا الملائكة بنات الله تعالى الله عن قولهم فكان الضمير في جعلوا وخرقوا لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا وبعضهم هذا وبنحو هذا فسر السدي وابن زيد وقرأ الجمهور وخلقهم بفتح اللام على معنى وهو خلقهم وفي مصحف ابن مسعود وهو خلقهم والضمير في خلقهم يحتمل العودة على الجاعلين ويحتملها على المجعولين وقرأ السبعة سوى نافع وخرقوا بتخفيف الراء بمعنى اختلقوا وافتروا وقرأ نافع وخرقوا بتشديد الراء على المبالغة وقوله بغير علم نص على قبح تقحم المجهلة وافتراء الباطل على عمى وسبحانه معناه تنزه عن وصفهم الفاسد المستحيل عليه تبارك وتعالى وبديع بمعنى مبدع وأني بمعنى كيف واين فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد وقوله سبحانه وخلق كل شيء لفظ عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن تدخل تحته صفات الله تعالى وكلامه فليس هو عموما مخصصا على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصص هو أن يتناول العموم شيئا ثم يخرجه التخصيص وهذا لم يتناول قط هذه التي ذكرناها وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان قتلت كل فارس وافحمت كل خصم فلم يدخل القائل قط في هذا العموم الظاهر من لفظه وأما قوله وهو بكل شيء عليم فهو عموم على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كل شيء لا رب غيره وباقي الآية بين وقوله سبحانه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار أجمع أهل السنة على أن الله عز و جل يرى يوم القيامة يراه المؤمنون والوجه أن يبين جواز ذلك عقلا ثم يستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز واختصار تبيين ذلك ان يعتبر بعلمنا بالله عز و جل فمن حيث جاز أن نعلمه لا في مكان ولا متحيزا ولا مقابلا ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود جاز أن نراه غير مقابل ولا مجاذي ولا مكيفا ولا محددا وكان الإمام أبوعبد الله النحوي يقول مسألة العلم حلقت لحى المعتزلة ثم ورد الشرع بذلك كقوله عز و جل وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وتعدية النظر بإلى إنما هو في كلام العرب لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم فيما صح عنه وتواتر وكثر نقله أنكم ترون ربكم يوم القيامة كا ترون القمر ليلة البدر ونحوه من الأحاديث الصحيحة على اختلاف ألفاظها واستمحل المعتزلة الرؤية بآراء مجردةوتمسكوا بقوله تعالى لا تدركه الأبصار وانفصال اهل السنة عن تمسكهم بأن الآية مخصوصة في الدنيا ورؤية الآخرة ثابتة بأخبارها وأيضا فانا نفرق بين معنى الإدراك ومعنى الرؤية ونقول أنه عز وجل تراه الأبصار ولا تدركه ودلك أن الادراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته وذلك كله محال في اوصاف الله عز و جل والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرأي بالمرئي ويبلغ غايته وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله وهو يدرك الأبصار ويحسن معناه ونحو هذا روي عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي انهم فرقوا بين الرؤية والإدراك واللطيف المتلطف في خلقه واختراعه والبصائر جمع بصيرة فكأنه قال قد جاءكم في القرءان والآيات طرائق أبصار الحق والبصيرة للقلب مستعارة من أبصار العين والبصيرة أيضا هي المعتقد وقوله سبحانه فمن أبصر ومن عمي عبارة مستعارة فيمن اهتدى ومن ضل وقوله وما انا عليكم بحفيظ كان في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان صلى الله عليه و سلم حفيظا على العالم آخذا لهم بالإسلام أو السيف وقوله سبحانه وكذلك نصرف الآيات أي نرددها ونوضحها وقرأ الجمهور وليقولوا درست بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة أي لما صار أمرهم إلى ذلك وقرأ نافع وغيره درست أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيئنا به وقرأ ابن كثير وغيره دارست أي دارست غيرك وناظرته وقرأ ابن عامر درست بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم اشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وأمحت واللام في قوله ليقولوا وفي قوله ولنبينه متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله وليقولوا فتقدير الكلام عندهم ولأن لا يقولوا درست كما اضمروها في قوله يبين الله لكم أن تضلوا قال ع وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع قلت ولكنه حسن جدا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه درس أو دارس أحدا صلى الله عليه و سلم فتأمله وقوله سبحانه اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو الآية فيها موادعة وهي منسوخة وقوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية مخاطبة للمؤمنين والنبي صلى الله عليه و سلم قال ابن عباس سببها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما أن نسب الهه ونهجوه فنزلت الآية وحكمها على كل حال باق في الأمة فلا يحل لمسلم أن يتعرض إلى ما يؤدي إلى سب الإسلام أو النبي صلى الله عليه و سلم أو الله عز و جل وعبر عن الأصنام بالذين وهي لا تعقل وذلك على معتقد الكفرة فيها وفي هذه الآية ضرب من الموادعة وعدوا مصدر من الإعتداء وبغير علم بيان لمعنى الإعتداء وقوله تعالى كذلك زينا لكل أمة عملهم إشارة إلى ما زين لهؤلاء من التمسك بأصنامهم وتزيين الله عمل الأمم هو ما يخلقه سبحانه في النفوس من المحبة للخير والشر وتزيين الشيطان هو ما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء وقوله ثم إلى ربهم مرجعهم الآية تتضمن وعدا جميلا للمحسنين ووعيدا ثقيلا للمسيئين وقوله سبحانه واقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها اللام في قوله لئن لام توطئة للقسم وأما المتلقية للقسم فهي قوله ليؤمنن بها وآية يريد علامة وحكي أن الكفار لما نزلت ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين أقسموا حينئذ انها ان نزلت آمنوا فنزلت هذه الآية وحكي أنهم اقترحوا أن يعود الصفا ذهبا وأقسموا على ذلك فقام النبي صلى الله عليه و سلم يدعو في ذلك فجاءه جبريل فقال له ان شئت أصبح ذهبا فإن لم يؤمنوا هلكوا عن آخرهم معاجلة كما فعل بالأمم المقترحة إن شئت اخروا حتى يتوب تائبهم فقال عليه الصلاة و السلام بل حتى يتوب تائبهم ونزلت الآية قال ابن العربي قوله جهد ايمانهم يعني غاية ايمانهم التي بلغها علمهم وانتهت إليها قدرتهم انتهى من الأحكام ثم قال تعالى قل لهم يا محمد على جهة الرد والتخطئة إنما الآيات عند الله وليست عندي فتقترح علي ثم قال وما يشعركم قال مجاهد وابن زيد المخاطب بهذا الكفار وقال الفراء وغيره المخاطب بهذا المؤمنون وما يشعركم معناه وما يعلمكم وما يدريكم وقرأ ابن كثير وغيره أنها بكسر الألف على القطع واستيناف الأخبار قرأ تؤمنون بالتاء وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبة أولا وآخرا للكفار ومن قرأ بالياء وهي قراءة نافع وغيره فيحتمل أن يخاطب أولا وآخرا المؤمنين ويحتمل أن يخاطب بقوله وما يشعركم الكفار ثم يستأنف الأخبار عنهم للمؤمنين وقرا نافع وغيره أنها بفتح الألف فقيل أن لا زائدة في قوله لا يؤمنون كما زيدت في قوله تعالى وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ودعا إلى التزام هذا حفظ المعنى لأنها لو لم تكن زائدة لعاد الكلام عذرا للكفار وفسد المراد بالآية وضعف الزجاج وغيره زيادة لا ومنهم من جعل أنها بمعنى لعلها وحكاه سيبويه عن الخيل وهذا التأويل لا يحتاج معه إلى تقدير زيادة لا وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي وما أدراكم لعلها إذا جاءت ورجح أو علي أن تكون لا زائدة وبسط شواهده في ذلك وقوله سبحانه ونقلب افئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون فالمعنى على ما قالت فرقة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار وفي لهبها في الآخرة لما لم يؤمنوا في الدنيا ثم استأنف على هذا ونذرهم في الدنيا في طغيانهم يعمهون وقالت فرقة إنما المراد بالتقليب التحويل عن الحق والهدى والترك في الضلالة والكفر ومعنى الآية أن هؤلاء الذين اقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب افئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من عبادة الله تعالى فأخبر الله عز و جل على هذا التأويل بصورة فعله بهم وقالت فرقة قوله كما في هذه الآية إنما هي بمعنى المجازاة أي لما لم يؤمنوا أول مرة نجازيهم بأن نقلب افئدتهم عن الهدى ونطبع على قلوبهم فكأنه قال ونحن نقلب افئدتهم وأبصارهم جزاء لما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من الشرع والضمير في به يحتمل أن يعود على الله عز و جل أو على القرآن أو على النبي صلى الله عليه و سلم ونذرهم معناه نتركهم والطغيان التخبط في الشر والإفراط فيما يتناوله المرء ويعمهون معناه يترددون في حيرتهم وقوله سبحانه ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى الآية أخبر سبحانه أنه لو أتي بجميع ما اقترحوه من انزال ملائكة واحياء سلفهم حسبما اقترحه بعضهم أن يحشر قصي وغيره فيخبر بصدق محمد عليه السلام أويحشر عليهم كل شيء قبلا ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف الذي يخلقه ويخترعه سبحانه في نفس من يشاء لا رب غيره وقرأ نافع وغيره قبلا ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس وغيره ونصبه على الحال وقال المبرد معناه ناحية كما تقول لي قبل فلان دين قال ع فنصبه على هذا هو على الظرف وقرأ حمزة وغيره قبلا بضم القاف والباء واختلف في معناه فقال بعضهم هو بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر وقال الزجاج والفراء هو جمع قبيل وهو الكفيل أي وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء بصدق محمد صلى الله عليه و سلم وقال مجاهد وغيره هو جمع قبيل أي صنفا صنفا ونوعا نوعا والنصب في هذا كله على الحال ولكن أكثرهم يجهلون أي يجهلون في اعتقادهم أن الآية تقتضي إيمانهم ولا بد فيقتضي اللفظ أن الأقل لا يجهل فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت لم يؤمن إلا من شاء الله منه ذلك قلت وقال مكي ولكن أكثرهم يجهلون أي في مخالفتك وهم يعلمون أنك نبيء صادق فيما جئتهم به وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يداعب أبا سفيان بعد الفتح بمخصرة في يده ويطعن بها أبا سفيان فإذا أحرقته قال نح عني مخصرتك فوالله لو أسلمت إليك هذا الأمر ما اختلف عليك فيه اثنان فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أسألك بالذي أسلمت له قتالك إياي عن أي شيء كان فقال له أبو سفيان تظن أني كنت أقاتلك تكذيبا مني لك والله ما شككت في صدقك قط وما كنت أقاتلك إلا حسدا مني لك فالحمد لله الذي نزع ذلك من قلبي فكان النبي صلى الله عليه و سلم يشتهي ذلك منه ويتبسم انتهى من الهداية وقوله سبحانه وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الانس والجن الآية تتضمن تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وعرض القدوة عليه أي هذا الذي امتحنت به يا محمد من الأعداء قد امتحن به غيرك من الأنبياء ليبتلي الله أولى العزم منهم وشياطين الإنس والجن يريد المتمردين من النوعين ويوحى معناه يلقيه في اختفاء فهو كالمناجاة والسرار وزخرف القول محسنه ومزينه بالأباطيل قاله عكرمة ومجاهد والزخرفة أكثر ما تستعمل في الشر والباطل وغرورا مصدر ومعناه يغرون به المضللين والضمير في فعلوه عائد على اعتقادهم العداوة ويحتمل على الوحي الذي تمضنه يوحى وقوله سبحانه فذرهم وما يفترون لفظ يتضمن الأمر بالموادعة وهو منسوخ قال قتادة كل ذر في كتاب الله منسوخ بالقتال وقوله سبحانه ولتصغى معناه لتميل قال الفخر والضمير في قوله ولتصغى إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة يعود على زخرف القول وكذلك في قوله وليرضوه والإقتراف معناه الإكتساب وقال الزجاج وليقترفوا أي يختلقوا ويكذروا والأول أفصح انتهى والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال على أنها لام كي معطوفة على غرورا وحكما أبلغ من حكام إذ هي صيغة للعدل من الحكام والحاكم جار على الفعل فقد يقال للجائر ومفصلا معناه مزال الأشكال والكتاب أولا هو القرآن وثانيا اسم جنس للتوراة والإنجيل والزبور والصحف وقوله تعالى فلا تكونن من الممترين تثبيت ومبالغة وطعن علىالممترين قلت وقد تقدم التنبيه على أنه صلى الله عليه و سلم معصوم وأن الخطاب له والمراد غيره ممن يمكن منه الشك وقوله سبحانه وتمت كلمات بك صدقا وعدلا الآية تمت في هذا الموضع بمعنى استمرت وصحت في الأزل صدقا وعدلا وليس بتمام من نقص ومثله ما وقع في كتب السيرة من قولهم وتم حمزة على إسلامه في الحديث مع أبي جهل والكملمات ماأنزل على عباده ولا مبدل لكلماته معناه في معانيها وقوله سبحانه وان تطع أكثر من في الأرض الآية المعنى فامض يا محمد لما أمرت به وبلغ ما أرسلت به فإنك أن تطع أكثر من في الأرض يضلوك قال ابن عباس الأرض هنا الدنيا وحكي أن سبب هذه الآية أن المشركين جادلوا النبي صلى الله عليه و سلم في أمر الذبائح وقالوا أتأكل ما تقتل وتترك ما قتل الله فنزلت الآية ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدرون بظنونهم ويتبعون تخرصهم والخرص الحرز والظن وهذه الآية خبر في ضمنه وعيد للضالين ووعد للمهتدين وقوله سبحانه فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين الآية القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها ولا قصد في الآية إلى ما نسي المؤمن فيه التسمية أو تعمدها بالترك وقوله سبحانه وما لكم إلا تأكلوا الآية ما استفهام يتضمن التقرير وقد فصل لكم ما حرم عليكم أي فصل الحرام من الحلال وانتزعه بالبيان وما في قوله إلا ما اضطررتم إليه يريد بها من جميع ما حرم كالميتة وغيرها وهي في موضع نصب بالاستثناء والاستثناء منقطع وقوله سبحانه وأن كثيرا يريد الكفرة المحادين المجادلين ثم توعدهم سبحانه بقوله إن ربك هو أعلم بالمعتدين وقوله جلت عظمته وذروا ظاهر الإثم وباطنه نهي عام والظاهر والباطن يستوفيان جميع المعاصي وقال قوم الظاهر الأعمال والباطن المعتقد وهذا أيضا حسن لأنه عام وروي ابن المبارك في رقائقه بسنده عن أبي إمامة قال سأل رجل النبي صلى الله عليه و سلم ما الاثم قال ما حك في صدرك فدعه وروى ابن المبارك أيضا بسنده أن رجلا قال يا رسول الله ما يحل لي مما يحرم علي فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فرد عليه ثلاث مرات في كل ذلك يسكت رسول الله ثم قال أين السائل فقال أنا ذا يا رسول الله قال ما أنكر قلبك فدعه انتهى وقد ذكرنا معناه من طرق في غير هذا الموضع فاغنى من عادته ثم توعد تعالى كسبة الاثم بالمجازاة على ما اكتسبوه من ذلك والأقتراف الإكتساب وقوله سبحانه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق الآية مقصد الآية النهي عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين تتركون ما قتل الله ومع ذلك فلفظها يعم ما تركت التسمية عليه من ذبائح الإسلام وبهذا العموم تعلق ابن عمر وابن سيرين والشعبي وغيرهم فقالوا ما تركت التسمية عليه لم يؤكل عمدا كان أو نسيانا وجمهور العلماء على أنه يوكل أن كان تركها نسيانا بخلاف العمد وقيل يؤكل سواء تركت عمدا أو نسيانا إلا أن يكون مستخفا وقوله تعالى وان الشياطين الآية قال عكرمة هم مردة الانس من مجوس فارس وذلك أنهم كانوا يوالون قريشا على عداوة النبي صلى الله عليه و سلم ليوحون إلى أوليائهم من قريش ليجادلوكم بقولهم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله فذلك من مخاطبتهم هو الوحي والأولياء هم قريش وقال ابن زيد وعبدالله بن كثير بل الشياطين الجن واللفظة علىوجهها واولياؤهم كفرة قريش ووحيهم بالوسوسة وعلى ألسنة الكهان ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمن الوعيد وعرض أصعب مثال في أن يشبه المؤمن بالمشرك قال ابن العربي قوله تعالى وان الشياطين يموحون إلى أوليائهم سمى الله تعالى ما يقع في القلوب من الالهام وحيا وهذا مما يطلقه شيوخ المتصوفة وينكره جهال المتوسمين بالعلم ولم يعلموا أن الوحي على ثمانية أقسام وان اطلاقه في جميعها جائز في دين الله انتهى من أحكام القرآن وقوله سبحانه أو من كان ميتا فأحييناه لما تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين مثل سبحانه في الطائفتين بأن شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما وشبه الكافرين وحيرة جهلهمم بقوم في ظلمات يترددون فيها ولا يمكنهم الخروج منها ليبين عز و جل الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين ونورا أمكن ما يعنى به الإيمان قيل ويحتمل أن يراد به النور الذي يوتاه المؤمن يوم القيامة وجعلنا في هذه الآية بمعنى صيرنا فهي تتعدى إلى مفعولين الأول مجرميها والثاني أكابر وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر وقدم الأهم إذ لعلة كبرهم أجرموا ويصح أن يكون المفعول الأول أكابر ومجرميها مضاف والمفعول الثاني في قوله في كل قرية وليمكروا نصب بلام الصيروروة والأكابر جمع أكبر كما الأفاضل جمع أفضل قال الفخر وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر علىالغدر والمكر وركوب الباطل من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يحملان الإنسان على المبالغة في حفظهما وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة كالغدر والمكر والكذب والغيبة والنميمة والايمان الكاذبة ولو لم يكن للمال والجاه سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الأوصاف الذميمة من كان له مال وجاه لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه انتهى وما ذكره في المال والجاه هوالأغلب وما يشعرون أي ما يعلمون وقوله سبحانه وإذا جاءتهم ءاية أي علامة ودليل على صحة الشرع تشططوا وقالوا لن نؤمن حتى يفلق لنا البحر ويحي لنا الموتى ونحو ذلك فرد الله تعالى عليهم بقوله الله أعلم حيث يجعل رسالاته فيمن اصطفاءه وانتخبه لا فيمن كفر وجعل يتشطط علىالله سبحانه قال الفخر قال المفسرون قال الوليد بن المغيرة لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها قال الضحاك أراد كل واحد من هؤلاء الكفرة أن يخص بالوحي والرسالة كما أخبر عنهم سبحانه بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة انتهى ثم توعد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند الله صغار وذلة وقوله سبحانه فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام الآية من شرط ويشرح جواب الشرط والآية نص في أن الله تعالى يريد هدى المؤمن وضلال الكافر وهذا عند جميع أهل السنة بالإرادة القديمة التي هي صفة ذاته تبارك وتعالى والهدى هنا هو خلق الإيمان في القلب وشرح الصدر هو تسهيل الإيمان وتحبيبه وإعداد القلب لقبوله وتحصيله والصدر عبارة عن القلب وفي يشرح ضمير يعود على اسم الله عز و جل يعضده اللفظ والمعنى ولا يحتمل غيره والقول بأنه عائد علىالمهدى قول يتركب عليه مذهب القدرية في خق الأعمال ويجب أن يعتقد ضعفه والحذر منه وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله كيف يشرح الصدر قال إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفس قالوا وهل لذلك علامة يا رسول الله قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت والقول في قوله ومن يرد أن يضله كالقول في قوله فمن يرد الله أن يهديه وقرأ حمزة وغيره حرجا بفتح الراء وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأها يوما بفتح الراء فقرأها له بعض الصحابة بكسر الراء فقال أبغوني رجلا من كنانة وليكن راعيا وليكن من بني مدلح فلما جاء قال له يا فتى ما الحرجة عندكم قال الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية قال عمر كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير وقوله سبحانه كانما يصعد في السماء أي كأن هذا الضيق الصدر متى حاول الإيمان أو فكر فيه يجد صعوبته عليه والعياذ بالله كصعوبة الصعود في السماء قاله ابن جريج وغيره وفي السماء يريد من سفل إلى علو وتحتمل الآية أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤد كأنه يصعد بها في الهواء ويصعد معناه يعلو ويصعد معناه يتكلف من ذلك ما يشق عليه وقوله كذلك يجعل الله الرجس أي وكما كان الهدى كله من الله والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل الله الرجس قال أهل اللغة الرجس يأتي بمعنى العذاب ويأتي بمعنى النجس وقوله تعالى وهذا صراط ربك مستقيما الآية هذا إشارة إلى القرآن والشرع الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس وفصلنا معناه بينا وأوضحنا وقوله سبحانه لقوم يذكرون أي للمؤمنين والضمير في قوله لهم دار السلام عائد عليهم والسلام يتجه أن يكون اسما من أسماء الله عز و جل ويتجه أن يكون مصدر بمعنى السلامة وقوله تعالى عند ربهم يريد في الآخرة بعد الحشر ووليهم أي ولي الأنعام عليهم وبما كانوا يعملون أي بسبب ما كانوا يقدمون من الخير ويفعلون من الطاعة والبر وقوله سبحانه ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس المعنى وأذكر يوم وفي الكلام حذف تقديره نقول يا معشر الجن وقوله قد استكثرتم معناه افرطتم ومن الانس يريد في اضلالهم واغوائهم قاله ابن عباس وغيره وقال الكفار من الانس وهم أولياء الجن الموبخين على جهة الاعتذار عن الجن ربنا استمتع بضعنا ببعض أي انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجن إذ كان العربي إذا نزل واديا ينادي يا رب الوادي إني استجير بك في هذه الليلة ثم يرى سلامته إنما هي بحفظ جني ذلك الوادي ونحو ذلك وبلوغ الأجل المؤجل هو الموت وقيل هو الحشر وقوله تعالى قال النار مثواكم الآية اخبار من الله تعالى عما يقول لهم يوم القيامة اثر كلامهم المتقدم ومثواكم أي موضع ثوابكم كمقامكم الذي هو موضع الإقامة قاله الزجاج والاستثناء في قوله إلا ما شاء الله قالت فرقة ما بمعنى من فالمراد إلا من شاء الله ممن آمن في الدنيا بعد ان كان من هؤلاء الكفرة وقال الطبري أن المستثنى هي المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار وقال الطبري عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أنه مبلغ حال هؤلاء في علم الله ثم أسند إليه أنه قال أن هذه الآية آية لا ينبغي لاحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا قال ع والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار ولا يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه قال ص إلا ما شاء الله قيل استثناء منقطع أي لكن ما شاء الله من العذاب الزائد على النار وقيل متصل واختلفوا في تقدره فقيل هو استثناء من الأشخاص وهم من آمن في الدنيا ورد بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه فيكون منقطعا لا متصلا لأن من شرط المتصل اتخاذ زماني المخرج والمخرج منه انتهى وقيل غير هذا وقوله سبحانه وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا قال قتادة معناه نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم وقال أيضا المعنى نجعل بعضهم يلي بعضا في دخول النار وقال ابن زيد معناه نسلط بعض الظالمين على بعض ونجعلهم أولياء النقمة منهم قال ع وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين كقول ابن الزبير إلا أن فم الذبان قتل لطيم الشيطان وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون وقوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم الآية هذا الكلام داخل في القول يوم الحشر قال الفخر قال أهل اللغة المعشر كل جماعة أمرهم واحد وتحصل بينهم معاشرة ومخالطة فالمعشر المعاشر انتهى ومنكم يعنى من الانس قاله ابن جريج وغيره وقال ابن عباس من الطائفتين ولكن رسل الجن هم رسل رسل الإنس وهم النذر ويقصون من القصص وقولهم شهدنا إقرار منهم بالكفر وقوله سبحانه وغرتهم الحياة الدنيا التفاتة فصيحة تضمنت أن كفرهم كان بأذم الوجوه لهم وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل ويحتمل غرتهم أن يكون بمعنى أشبعتهم وأطغتهم بحلوائها كما يقال غر الطائر فرخه وقوله سبحان وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين الجمع بين هذه الآية وبين الآيي التي تقتضي إنكار المشركين الاشراك هو إما بأنها طوائف وإما بأنها طائفة واحدة في مواطن شتى وقوله ذلك أن لم يكن أي ذلك الأمر والقرى المدن والمراد أهل القرى وبظلم يحتمل معنيين أحدهما أنه لم يكن سبحانه ليهلكهم دون نذارة فيكون ظلما لهم والله تعالى ليس بظلام للعبيد والآخران الله عز و جل لم يهلكهم بظلم واقع منهم دون أن ينذرهم وهذا هو البين القوي وذكر الطبري رحمه الله التأويلين وقوله سبحانه ولكل درجات مما عملوا الآية اخبار من الله سبحانه أن المؤمنين في الآخرة على درجات من التفاضل بحسب أعمالهم وتفضل المولى سبحانه عليهم ولكن كل راض بما أعطي غاية الرضى والمشركون أيضا علىدركات من العذاب قلت وظاهر الآية أن الجن يثابون وينالون الدرجات والدركات وقد ترجم البخاري على ذلك فقال ذكر الجن وثوابهم وعقابهم لقوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم الآية إلى قوله وما ربك بغافل عما يعلمون قال الداودي قال الضحاك من الجن من يدخل الجنة ويأكل ويشرب انتهى وقوله سبحانه وربك الغني ذو الرحمة أن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدهم ما يشاء الآية مضمنة وعيدا وتحذيرا من بطش الله عز و جل في التعجيل بذلك وأما مع المهلة ومرور الجديدين فذلك عادته سبحانه في الخلق باذهاب خلق واستخلاف آخرين وقوله سبحانه إنما توعدون ءلات هو من الوعيد بقرينة وما أنتم بمعجزين أي وما أنتم بناجين هربا فتعجزون طالبكم ثم أمر سبحانه نبيه عليه السلام أن يتوعدهم بقوله اعملوا أي فسترون عاقبة عملكم الفاسد وصيغة افعل هنا هي بمعنى الوعيد والتهديد وعلى مكانتكم معناه على حالكم وطريقتكم وعاقبة الدار أي مآل الآخرة ويحتمل مآل الدنيا بالنصر والظهور ففي الآية إعلام بغيب وقوله وجعلوا لله مما ذرأ يعني مشركي العرب الذين تقدم الرد عليهم من أول السورة وذرأ معناه خلق وأنشأ وبث وسبب نزول هذه الآية أن العرب كانت تجعل من غلاتها وزروعها وثمارها وأنعامها جزأ تسمية لله وجزأ تسمية لأصنامها وكانت عادتها التحفي والاهتبال بنصيب الأصنام أكثر منها بنصيب الله إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فقر وليس ذلك بالله سبحانه فكانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت من الذي لله إلىالذي لشركائهم أقروه وإذا حملت من الذي لشركائهم إلى الذي لله ردوه وإذا لم يصيبوا في نصيب شركائهم شيئا قالوا لا بد للآلهة من نفقة فيجعلون نصيب الله تعالى في ذلك قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم انهم كانوا يفعلون هذا ونحوه من الفعل وكذلك في الأنعام كانوا إذا أصابتهم ألسنة أكلوا نصيب الله وتحاموا نصبب شركائهم وقوله سبحانه وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم الكثير هنا يراد به من كان يئد من شركي العرب والشركاء هاهنا الشياطين الآمرون بذلك المزينون له والحاملون عليه أيضا من بني آدم ومقصد الآية الذم للوأد والانحناء على فعلته وليردوهم معناه ليهلكوهم من الردى وليلبسوا معناه ليخلطوا وقوله سبحانه ولو شاء الله ما فعلوه يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة الله عز و جل وفيها رد على من قال بأن المرء يخلق أفعاله وقوله فذرهم وعيد محض وقوله سبحانه وقالوا هذه أنعام وحرت حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها الآية تتضمن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذبا منهم على الله سبحانه وحجر معناه التحجير وهو المنع والتحريم وانعام لا يذكرون أسم الله عليها قال جماعة من المفسرين أنهم كانت لهم سنة في أنعام ما أن لا يحج عليها فكانت تركب في كل وجه إلا في الحج وقالت فرقة بل ذلك في الذبائح جعلوا لآلهتهم نصيبا منها لا يذكرون الله على ذبحها وقوله سبحانه وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكرونا ومحرم على أزواجنا الآية كان من مذاهبهم الفاسدة في بعض الأنعام أن يحرموا ما ولدت على نسائهم ويخصصونه لذكورهم فأزواجنا يراد به جماعة النساء التي هي معدة أن تكون أزواجا قاله مجاهد وقوله وإن يكن ميتة يعني أنه كان من سنتهم أن ماخرج من الأجنة ميتا من تلك الأنعام الموقوفة فهو حلال للرجال والنساء جميعا وكذلك ما مات من الأنعام الموقوفة نفسها ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات وقوله سبحانه قد خسر الذ1ين قتلوا أولادهم سفها بغير علم الآية تتضمن التشنيع بسوء فعلهم والتعجيب من سوء حالهم فيما ذكر قال عكرمة وكان الوأد في ربيعة وفي مضر قال ع وكان جمهور العرب لا يفعله ثم ان فاعليه كان منهم من يفعله خوف العيلة والأفتقار وكان منهم من يفعله غيره مخافة السباء وقد ضلوا اخبار عنهم بالحيرة وما كانوا يريد في هذه الفعلة ويحتمل أن يريد وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفعله مهتدين ولكنهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا وقوله سبحانه وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات الآية تنبيه على مواضع الإعتبار وأنشأ معناه خلق واخترع ومعروشات قال ابن عباس ذلك في ثمر العنب منها ما عرش وسمك ومنها ما لم يعرش ومتشابها يريد في المنظر وغير متشابه في الطعم قاله ابن جريج وغيره وقوله كلوا من ثمره نص في الإباحة وقوله سبحانه وءاتوا حقه يوم حصاده قال ابن عباس وجماعة هي في الزكاة المفروضة قال ع وهذا القول معترض بأن السورة مكية وبانه لا زكاة فيما ذكر من الرمان وما في معناه وحكى الزجاج ان هذه الآية قيل فيها أنها نزلت بالمدينة وقال مجاهد وغيره بل قوله وآتوا حقه يوم حصاده ندب إلى اعطاء حقوق من المال غير الزكاة والسنة أن يعطي الرجل من زرعه عند الحصاد وعند الذرو وعند تكديسه في البيدر فإذا صفى وكال أخرج من ذلك الزكاة وقالت طائفة هذا حكم صدقات المسلمين حتى نزلت الزكاة المفروضة فنسختها قال ع والنسخ غير مترتب في هذه الآية ولا تعارض بينها وبين آية الزكاة بل تنبنى هذه على الندب وتلك على الفرض وقوله سبحانه ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين النهي عن الاسراف أما للناس عن التمنع عن أدائها لان ذلك اسراف من الفعل وأما للولاة عن التشطط على الناس والاذاية لهم وكل قد قيل به في تأويل الآية وقوله سبحانه ومن الأنعام حمولة وفرشا محمولة عطف على جنات معروشات التقدير وأنشأنا من الانعام حمولة والحمولة ما تحمل الأثقال من الابل والبقر عند من عادته أن يحمل عليها والفرش ما لا يحمل ثقلا كالغنم وصغار البقر والابل وهذا هو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم ولا مدخل في الآية لغير الأنعام وقوله كلوا مما رزقكم الله نص أباحة وأزالة ما سنه الكفرة من البحيرة والسائبة وغير ذلك ثم تابع النهي عن تلك السنن الآفكة بقوله سبحانه ولا تتبعوا خطوات الشيطان وهي جمع خطوة أي لا تمشوا في طريقه قلت ولفظ البخاري خطوات من الخطو والمعنى ءاثاره انتهى وقوله سبحانه ثمانية أزواج اختلف في نصبها فقيل على البدل من ما في قوله كلوا مما رزقكم الله وقيل على الحال وقيل على البدل من قوله حمولة وفرشا وهذا أصوب الأقوال وأجراها مع معنى الآية والزوج الذكر والزوج الأنثى فكل واحد منهما زوج صاحبه وهي أربعة أنواع فتجيء ثمانية أزواج والضأن جمع ضائنة وضائن وقوله سبحانه قل آلذكرين حرم أم الأنثيين هذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله أي لا بد أن يكون حرم الذكرين فيلزمكم تحريم جميع الذكور أو الأنثيين فيلزمكم تحريم جميع الإناث أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فيلزمكم تحريم الجميع وانتم لم تلتزموا شيأ يوجبه هذا التقسيم وفي هذه السؤالات تقريع وتوبيخ ثم اتبع تقريعهم بقوله نبؤنى أي أخبرونى بعلم أي من جهة نبؤة أو كتاب من كتب الله أن كنتم صادقين وأن شرط وجوابه في نبؤنى وقوله سبحانه ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم الآية القول في هذه الآية في المعنى وترتيب التقسيم كما تقدم فكأنه قال انتم الذين تدعون أن الله حرم خصائص من هذه الأنعام لا يخلو تحريمه من أن يكون في الذكرين أو في الأنثيين أو فيما اشتملت عليه أرحام الأنثيين لكنه لم يحرم لا هذا ولا هذا ولا هذا فلم يبق إلا أنه لم يقع تحريم قال الفخر والصحيح عندي أن هذه الآية لم ترد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم بل هي استفهام على سبيل الانكار وحاصل الكلام أنكم لا تعترفون بنبوءة أحد من الأنبياء فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة انتهى وقوله سبحانه أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا أستفهام على سبيل التوبيخ وشهداء جمع شهيد وباقي الآية بين وقوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي الي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميته الآية هذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالخمر وكأكل كل ذي ناب من السباع مما وردت به السنة قال ع ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور غاية المنع والحظر وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع عليه الكل منهم ولم تضطرب فيه الفاظ الأحاديث وأمضاه الناس وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة وهذه صفة تحريم الخمر وما أقترنت به قرينة اضطراب الفاظ الحديث واختلف الأمة فيه مع علمهم بالاحاديث كقوله عليه السلام كل ذي ناب من السباع حرام وقد روي عنه نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو على الكراهية ونحوها وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الأنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنها لم تخمس وتأول بعضهم أن ذلك ليلا تفنى حمولة الناس وتأول بعضهم التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في لحمها فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها وباقي الآية بين وقوله سبحانه وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآية هذا خبر من الله سبحانه يتضمن تكذيب اليهود في قولهم أن الله لم يحرم علينا شيأ وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه وكل ذي ظفر يراد به الابل والنعام وإلاوز ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريم الشحوم عليهم وهي الثروب وشحم الكلى وما كان شحما خالصا خارجا عن الاستثناء الذي في الآية واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم فعن مالك كراهية شحومهم من غير تحريم وقوله تعالى إلا ما حملت ظهورهما يريد ما أختلظ باللحم في الظهر والأجنا ونحوه قال السدي وأبو صالح الأليات مما حملت ظهورهما والحوايا ما تحوى في البطن واستدار وهي المصارين والحشوة ونحوها وقال ابن عباس وغيره هي المباعر وقوله أو ما أختلط بعظم يريد في سائر الشخص وقوله سبحانه ذلك جزيناهم ببغيهم يقتضى أن هذا التحريم إنما كان عقوبة لهم على بغيهم واستعصائهم على انبيائهم وقوله سبحانه وانا لصادقون اخبار يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا شيأ وقوله سبحانه فإن كذبوك أي فيما أخبرت به أن الله حرمه عليهم فقل ربكم ذو رحمة واسعة أي في امهاله إذ لم يعاجلكم بالعقوبة مع شدة جرمكم ولكن لا تغتروا بسعة رحمته فإن له بأسا لا يرد عن القوم المجرمين اما في الدنيا وأما في الأخرة وهذه الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمها بآية القتال ثم أخبر سبحانه نبيه عليه السلام بأن المشركين سيحتجون لتصويب ما هم عليه من شركهم و تدينهم بتحريم تلك الأشياء بإمهال الله تعالى لهم وتقريره حالهم وأنه لو شاء غير ذلك لما تركهم على تلك الحال ولا حجة لهم فيما ذكروه لأنه سبحانه شاء اشراكهم واقدرهم على الأكتساب ويلزمهم على احتجاجهم أن تكون كل طريقة وكل نحلة صوابا إذ كلها لو شاء الله لم تكن وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام كانه قال سيقول المشركون كذا وكذا وليس في ذلك حجة لهم ولا شيء يقتضى تكذيبك ولكن كذلك كذب الذين من قبلهم بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم وفي قوله تعالى حتى ذاقوا بأسنا وعيد بين وقوله سبحانه قل هل عندكم من علم أي من قبل الله قل فلله الحجة البالغة يريد البالغة غاية المقصد في الأمر الذي يحتج له ثم أعلم سبحانه أنه لو شاء لهدى العالم بأسره وهلم معناها هات وهي حينئذ متعدية وقد تكون بمعنى أقبل فلا تتعدى وبعض العرب يجعلها اسم فعل كرويدك وبعضهم يجعلها فعلا ومعنى الآية قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعمتم تحريمه فإن شهدوا أي فإن افترى لهم أو زور شهادة أو خبرا عن نبوءة ونحو ذلك فجنب انت ذلك ولا تشهد معهم قلت وهذه الآية والتي بعدها من نوع ما تقدم من أن الخطاب له صلى الله عليه و سلم والمراد غيره ممن يمكن ذلك منه وهم بربهم يعدلون أي يجعلون له اندادا يسوونهم به تعالى الله عن قولهم وقوله سبحانه قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيأ هذا أمر من الله عز و جل لنبيه عليه السلام أن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله بشرع الإسلام المبعوث به إلى الأسود والحمر وما نصبت بقوله اتل وهي بمعنى الذي وأن في قوله أن لا تشركوا في موضع رفع التقدير الأمر أن أو ذاك أن وقال كعب الأحبار هذه الآية هي مفتتح التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا اتل ما حرم ربكم إلى آخر الآيات وقال ابن عباس هذه الآيات هي المحكمات المذكورة ي ال عمران اجتمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قط في مله وقد قيل أنها العشر الكلمات المنزلة على موسى والاملاق الفقر وعدم المال قاله ابن عباس وغيره قال القشيري خوف الفقر قرينة الكفر وحسن الثقة بالرب سبحانه نتيجة الإيمان انتهى من التحبير وقوله سبحانه ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن قال مجاهد التي هي أحسن التجارة فيه والأشد هنا الحزم والنظر في الأمور وحسن التصرف فيها وليس هذا بالأشد المقرون بالأربعين بل هذا يكون مع صغر السن في ناس كثير وقوله سبحانه واوفوا الكيل والميزان أمر بالاعتدال وقوله سبحانه لا نكلف نفسا إلا وسعها يقتضي أن هذه الاوأمر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز وقوله تعالى وإذا قلتم فاعدلوا يتضمن الشهادات والأحكام والتوسط بين الناس وغير ذلك أي ولو كان ميل الحق على قراباتكم وقوله سبحانه وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه الإشارة بهذا هي إلى الشرع الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقال الطبري الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدمت من قوله قل تعالوا وقال ابن مسعود ان الله سبحانه جعل طريقه صراطا مستقيما طرقه محمد صلى الله عليه و سلم وشرعه ونهايته الجنة وتتشعب منه طرق فمن سلك الجادة نجا ومن خرج إلى تلك الطرق افضت به إلى النار وقال أيضا خط لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما خطا فقال هذا سبيل الله ثم خط عن يمين ذلك وعن شماله خطوطا فقال هذه سبل على كل سببيل منها شيطان يدعو إليها ثم قرأ هذه الآية قال ع وهذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد ولعلكم ترج بحسبنا ومن حيث كانت المحرمات الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله جاءت العبارة لعلكم تعقلون والمحرمات الأخر شهوات وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر وركوب الجادة الكاملة يتضمن فعل الفضائل وتلك درجة التقوى وقوله سبحانه ثم ءاتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ثم في هذه الآية أنما مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به نبينا محمد صلى الله عليه و سلم كأنه قال ثم مما قضيناه أنا ءاتينا موسى الكتاب ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدم بالزمان على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وتلاوته ما حرم الله والكتاب التوراة وتماما مصدر وقوله على الذي أحسن مختلف في معناه فقالت فرقة الذي بمعنى الذين وأحسن فعل ماض صلة الذين وكأن الكلام وآتينا موسى الكتاب تفضلا على المحسنين من أهل ملته وإتماما للنعمة عليهم وهذا تأويل مجاهد ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود تماما على الذين أحسنوا وقالت فرقة المعنى تماما على ما أحسن هو من عبادة ربه يعني موسى عليه السلام وهذا تأويل الربيع وقتادة وقالت فرقة المعنى تماما على الذي أحسن الله فيه إلى عباده من النبوءات وسائر النعم وبلقاء ربهم أي بالبعث وقوله سبحانه وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون هذا إشارة إلى القرآن ومبارك وصف بما فيه من التوسعات وأنواع الخيرات ومعناه منمى خيره مكثر والبركة الزيادة والنمو فاتبعوه دعاء إلى الدين واتقوا أمر بالتقوى العامة في جميع الأشياء بقرينة قوله لعلكم ترحمون وأن في قوله أن تقولوا في موضع نصب والعامل فيه انزلناه والتقدير وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن تقولوا والطائفتان اليهود والنصارى بإجماع المتأولين والدراسة القراءة والتعلم بها ومعنى الآية إزالة الحجة ومن أيدي قريش وسائر العرب ولما تقرر أن البينة قد جاءتهم والحجة قد قامت عليهم حسن بعد ذلك أن يقع التقرير بقوله سبحانه فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها أي حاد عنها وزاغ وأعرض وسنجزي الذي وعيد وقوله سبحانه هل ينظرون أي ينتظرون يعني العرب المتقدم الآن ذكرهم والملائكة هنا هم ملائكة الموت الذين يصحبون عزراءيل المخصوص بقبض الأرواح قاله مجاهد وقتادة وابن جريج وقوله تعالى أو يأتي ربك قال الطبري لموقف الحساب يوم القيامة وأسند ذلك إلى قتادة وجماعة من المتأولين وقال الزجاج أن المراد أو يأتي عذاب ربك قال ع وعلى كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك أو بطش ربك أو حساب ربك وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل على الله تعالى ألا ترى أن الله عز و جل يقول فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فهذا اتيان قد وقع وهو على المجاز وحذف المضاف قال الفخر والجواب المعتمد عليه هنا أن هذا حكاية مذهب الكفار واعتقادهم فلا يفتقر إلى تأويله وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة انتهى قلت وما ذكره الفخر من أن هذا حكاية مذهب الكفار هي دعوى تفتقر إلى دليل وقوله سبحانه أو يأتي بعض آيات ربك قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى طلوع الشمس من مغربها بدليل التي بعدها قال ع ويصح أن يريد سبحانه بقوله أو يأتي بعض آيات ربك جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص سبحانه بعد ذلك بقوله يوم يأتي بعض آيات ربك الآية التي ترتفع التوبة معها وقد بينت الأحاديث الصحاح في البخاري ومسلم أنها طلوع الشمس من مغربها ومقصد الآية تهديد الكفار بأحوال لا يخلون منها وقوله أو كسبت في ايمانها خيرا يريد جميع أعمال البر وهذا الفصل هو للعصاة من المؤمنين كما أن قوله لم تكن آمنت من قبل هو للكافرين فالآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين قال الداودي قوله تعالى أو كسبت في أيمانها خيرا يريد أن النفس المؤمنة التي ارتكبت الكبائر لا تقبل منها التوبة يومئذ وتكون في مشيئة الله تعالى كأن لم تتب وعن عائشة رضي الله عنها إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال انتهى وقوله سبحانه قل انتظروا انا متظرون لفظ يتضمن الوعيد وقوله سبحانه ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء قال ابن عباس وغيره المراد بالذين اليهود والنصارى أي فرقوا دين إبراهيم ووصفهم بالشيع إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات ففي الآية حض للمؤمنين على الائتلاف وترك الاختلاف وقال أبو الأحوص وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم الآية في أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أي فرقوا دين الإسلام وقرأ حمزة والكسائي فارقوا ومعناه تركوا وقوله تعالى لست منهم في شيء أي لا تشفع لهم ولا لهم بك تعلق وهذا على الإطلاق في الكفار وعلى جهة المبالغة في العصاة وقوله سبحانه إنما أمرهم إلى الله الآية وعيد محض وقال السدي هذه آية لم يؤمر فيها بقتال فهي منسوخة بالقتال قال ع الآية خبر لا يدخله نسخ ولكنها تضمنت بالمعنى أمرا بموادعة فيشبه أن يقال ان النسخ وقع في ذلك المعنى الذي قد تقرر نسخه في آيات أخرى وقوله سبحانه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الآية قال ابن مسعود وغيره الحسنة هنا لا إله إلا الله السيئة الكفر قال ع وهذه هي الغاية من الطرفين وقالت فرقة ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات وهذا هو الظاهر وتقدير الآية من جاء بالحسنة فله ثواب عشر أمثالها وقرأ يعقوب وغيره فله عشر بالتنوين أمثالها بالرفع وقوله تعالى قل انني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم الآية في غاية الوضوح والبيان وقيما نعت للدين ومعناه مستقيما وملة بدل من الدين وقوله سبحانه قل إن صلاتي ونسكي الآية أمر من الله عز و جل لنبيه عليه السلام ان يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته من ذبيجة وغيرها وتصرفه مدة حياته وحاله من اخلاص وإيمان عند مماته إنما هو لله عز و جل وارادة وجهه وطلب رضاه وفي إعلان النبي صلى الله عليه و سلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز و جل ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أن صلاته ونسكه وحياته ومماته بيد الله عز و جل والله يصرفه في جميع ذلك كيف شاء سبحانه ويكون قوله وبذلك أمرت على هذا التأويل راجعا إلى قوله لا شريك له فقط أو راجعا إلى القول وعلى التأويل الأول يرجع إلى جميع ما ذكر من صلاة وغيرها وقالت فرقة النسك في هذه الآية الذبائح قال ع ويحسن تخصيص الذبيحة بالذكر في هذه الآية أنها نازلة قد تقدم ذكرها والجدل فيها في السورة وقالت فرقة النسك في هذه الاية جميع أعمال الطاعات من قولك نسك فلان فهو ناسك إذا تعبد وقرأ السبعة سوى نافع ومحياي بفتح الياء وقرأ نافع وحده ومحياي بسكون الياء قال أبو حيان وفيه جمع بين ساكنين وسوغ ذلك ما في الألف من المد القائم مقام الحركة انتهى وقوله وأنا أول المسلمين أي من هذه الأمة وقوله سبحانه قل أغير الله ابغي ربا وهو رب كل شيء الاية حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك فنزلت هذه الآية وهي استفهام يقتضي التوبيخ لهم وابغي معناه أطلب فكأنه قال أفيحسن عندكم أن اطلب إلها غير الله الذي هو رب كل شيء وما ذكرتم من كفالتكم باطل ليس الأمر كما تظنون فلا تكسب كل نفس من الشر والإثم إلا عليها وحدها ولا تزر أي تحمل وازرة أي حاملة حمل أخرى وثقلها والوزر أصله الثقل ثم استعمل في الإثم تجوزا واستعارة ثم إلى ربكم مرجعكم تهديد ووعيد وقوله فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون أي في أمرى في قول بعضكم هو ساحر وبعضكم هو شاعر إلى غير ذلك قاله بعض المتأولين وهذا التأويل يحسن في هذا الموضع وأن كان اللفظ يعم جميع أنواع الاختلافات بين الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك وخلائف جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضا لأن من أتى خليفة لمن مضى وهذا يتصور في جميع الأمم وسائر أصناف الناس ولكنه يحسن في أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائف للأمم وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم وعليهم تقوم الساعة وروي الحسن بن أبي الحسن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال توفون سبعين أمة انتم خيرها وأكرمها على الله عز و جل ويروى انتم آخرها وأكرمها على الله وقوله ورفع بعضكم فوق بعض درجات لفظ عام في المال والقوة والجاه وجودة النفوس والأذهان وغير ذلك وكل ذلك إنما هو ليختبر الله سبحانه الخلق فيرى المحسن من المسيء ولما أخبر الله عز و جل بهذا ففسح للناس ميدان العمل وحضهم سبحانه على الاستباق إلى الخيرات توعد ووعد تخويفا منه وترجية فقال ان ربك سريع العقاب إما بأخذاته في الدنيا وإما بعقاب الآخرة وحسن أن يوصف عقاب الآخرة بسريع لما كان متحققا مضمون الاتيان والوقوع وكل آت قريب وأنه لغفور رحيم ترجية لمن أذنب وأراد التوبة وهذا في كتاب الله كثير وهو اقتران الوعيد بالوعد لطفا من الله سبحانه بعباده اللهم أجعلنا ممن شملته رحمتك وغفرانك بجودك وإحسانك ومن كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي رحمه الله قال من أراد أن لا يضره ذنب فليقل رب أعوذ بك من عذابك يوم تبعث عبادك وأعوذ بك من عاجل العذاب ومن سوء الحساب فإنك لسريع الحساب وإنك لغفور رحيم رب إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفر لي وتب علي لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين انتهى نسأل الله أن ينفع به ناظره وأن يجعله لنا ذخرا ونورا يسعى بين أيدينا يوم لقائه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما انتهى هذا الجزء الأول مصححا بالمقابلة على خط مؤلفه شكر الله سعيه وقدس سره بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعراف مكية كلها قاله الضحاك وغيره وقال مقاتل هي مكية الا قوله سبحانه واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الى قوله من ظهورهم ذرياتهم فان هذه الآيات مدنية قوله جلت عظمته المص كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين تقدم القول في تفسير الحروف المقطعة في اوائل السور والحرج الضيق ومنه الحرجة الشجر المتلف الذي قد تضايق والحرج هاهنا يعم الشك والخوف والهم وكل ما يضيق الصدر والضمير فى منه عائد على الكتاب أي بسبب من اسبابه وقوله سبحانه فلا يكن في صدرك حرج منه اعتراض في اثناء الكلام ولذلك قال بعض الناس ان فيه تقديما وتاخيرا وقوله وذكرى معناه تذكرة وارشاد وقوله سبحانه اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم امر يعم جميع الناس ولا تتبعوا من دونه أي من دون ربكم اولياء يريد كل من عبد واتبع من دون الله وقليلا نعت لمصدر نصب بفعل مضمر وقال مكي هو منصوب بالفعل الذي بعده وما في قوله ما تذكرون مصدرية وقوله سبحانه وكم من قرية اهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون قالت فرقة المراد وكم من اهل قرية وقالت فرقة اللفظ يتضمن هلاك القرية واهلها وهو اعظم من العقوبة والفاء في قوله سبحانه فجاءها بأسنا لترتيب القول فقط وقيل المعنى اهلكناها بالخذلان وعدم التوفيق فجاءها بأسنا بعد ذلك وبياتا نصب على المصدر في موضع الحال وقائلون من القائلة وانما خص وقتي الدعة والسكون لان مجيء العذاب فيهما افظع واهول لما فيه من البغتة والفجأة قال ابو حيان أو للتفصيل أي جاء بعضهم بأسنا ليلا وبعضهم نهارا انتهى و قوله عز و جل فما كان دعواهم اذ جاءهم بأسنا الا ان قالوا انا كنا ظالمين هذه الآية يتبين منها ان المراد في الآية قبلها اهل القرى والدعوى في كلام العرب تأتي لمعنيين احدهما الدعاء ومنه قوله عز و جل فما زالت تلك دعواهم والثاني الادعاء وهذه الآية تحتمل المعنيين ثم استثنى سبحانه من غير الاول كأنه قال لم يكن منهم دعاء او ادعاء إلا الاقرار والاعتراف أي هذا كان بدل الدعاء والادعاء واعترافهم وقولهم انا كنا ظالمين هو في المدة التي ما بين ظهور العذاب الى اتيانه على انفسهم وفي ذلك مهلة بحسب نوع العذاب تتسع لهذه المقالة وغيرها وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم وقوله سبحانه فلنسئلن الذين أرسل اليهم ولنسئلن المرسلين الآية وعيد من الله عز و جل لجميع العالم أخبر سبحانه انه يسأل الامم اجمع عما بلغ اليهم عنه وعن جميع اعمالهم ويسأل النبيين عما بلغوا وهذا هو سؤال التقرير فان الله سبحانه قد احاط علما بكل ذلك قبل السؤال فأما الانبياء والمؤمنون فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة وأما الكفار ومن نفذ عليه الوعيد من العصاة فيعقبهم جوابهم عذابا وتوبيخا ت وروى ابو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم بسنده عن مالك انه قال بلغني ان العلماء يسألون يوم القيامة كما تسأل الانبياء يعني عن تبليغ العلم انتهى وخرج ابو نعيم الحافظ من حديث الاعمش عن النبي صلى الله عليه و سلم ما من عبد يخطو خطوة الا يسأل عنها ما اراد بها وقد ذكرنا حديث مسلم عن ابي برزة في غير هذا الموضع وخرج الطبراني بسنده عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول اذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله انتهى وروى مالك عن يحيى بن سعيد قال بلغني ان اول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة فان قبلت منه نظر فيما بقي من عمله وان لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله وروى ابو داود والترمذي والنساءي وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من اعمالهم الصلاة قال يقول ربنا عز و جل للملائكة انظروا في صلاة عبدي اتمها أم نقصها فان كانت تامة كتبت له تامة وان كان انتقص منها شيء قال الله انظروا هل لعبدي من تطوع فان كان له تطوع قال اتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الاعمال على ذلك انتهى واللفظ لابي داود وقال النساءي ثم سائر الاعمال تجري على ذلك انتهى من التذكرة وقوله سبحانه فلنقصن عليهم بعلم أي فلنسردن عليهم اعمالهم قصة قصة بعلم أي بحقيقة ويقين وما كنا غائبين وقوله عز و جل والوزن يومئذ الحق التقدير والوزن الحق ثابت او ظاهر يومئذ أي يوم القيامة قال جمهور الامة ان الله عز و جل اراد ان يبين لعباده ان الحاسب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير ونهاية العدل بامر قد عرفوه في الدنيا وعهدته افهامهم فميزان القيامة له عمود وكفتان على هيئة موازين الدنيا جمع لفظ الموازين اذ في الميزان موزونات كثيرة فكانه اراد التنبيه عليها قال الفخر والاظهر اثبات موازين في يوم القيامة لاميزان واحد لظواهر الآيات وحمل الموازين على الموزونات او على الميزان الواحد يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ وذلك انما يصار اليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع هاهنا منه فوجب اجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له كفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة وما الموجب لتركه والمصير إلى التأويل انتهى قال أبو حيان موازينه جمع باعتبار الموزونات وهذا على مذهب الجمهور في أن الميزان واحد وقال الحسن لكل واحد ميزان فالجمع إذن حقيقة انتهى والآيات هنا البراهين والأوامر والنواهي وقوله سبحانه ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش الآية خطاب لجميع الناس والمعايش بكسر الياء دون همز جمع معيشة وهي لفظة تعم جميع المأكول الذي يعاش به والتحرف الذي يؤدى إليه وقليلا نصب بتشكرون ويحتمل أن تكون ما مع الفعل بتأويل المصدر وقليلا نعت لمصدر محذوف تقديره شكرا قليلا شكركم أو شكرا قليلا تشكرون وقوله سبحانه ولد خلقناكم ثم صورناكم الآية هذه الآية معناها التنبيه على مواضع العبرة والتعجيب من غريب الصنعة وإسداء النعمة واختلف العلماء في ترتيب هذه الآية لأن ظاهرها يقتضي أن الخلق والتصوير لبني آدم قبل القول للملائكة أن يسجدوا وقد صححت الشريعة أن الأمر لم يكن كذلك فقالت فرقة المراد بقوله سبحانه ولقد خلقناكم ثم صورناكم آدم وأن كان الخطاب لبنيه وقال مجاهد المعنى ولقد خلقناكم ثم صورناكم في صلب آدم وفي وقت استخراج ذرية آدم من ظهره امثال الذر في صورة البشر ويترتب في هذين القولين أن تكون ثم على بابها في الترتيب والمهلة وقال ابن عباس والربيع بن أنس أما خلقناكم فآدم وأما صورناكم فذريته في بطون الأمهات وقال قتادة وغيره بل ذلك كله في بطون الأمهات من خلق وتصوير وثم لترتيب الإخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجمل في أنفسها وقوله سبحانه فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم تقدم الكلام على قصص الآية في سورة البقرة وما في قوله ما منعك استفهام على جهة التوبيخ والتقريع و لا في قوله ألا تسجد قيل هي زائدة والمعنى ما منعك أن تسجد وكذلك قال أبو حيان أنها زائدة كهي في قوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب قال ويدل على زيادتها سقوطها في قوله تعالى ما منعك أن تسجد في ص انتهى وجواب إبليس اللعين ليس بمطابق لما سئل عنه لكن لما جاء بكلام يتضمن الجواب والحجة فكأنه قال منعني فضلي عليه إذ أنا خير منه وظن إبليس أن النار أفضل من الطين وليس كذلك بل هما في درجة واحدة من حيث أنهما جماد مخلوق ولما ظن إبليس أن صعود النار وخفتها يقتضي فضلا على سكون الطين وبلادته قاس أن ما خلق منها افضل مما خلق من الطين فأخطأ قياسه وذهب عليه أن الروح الذي نفخ في آدم ليس من الطين وقال الطبري ذهب عليه ما في النار من الطيش والخفة والاضطراب وفي الطين من الوقار والأناة والحلم والتثبت وروي عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والمقر إلا بالقياس وهذا القول منهما ليس هو بإنكار للقياس وإنما خرج كلامهما نهيا عما كان في زمانهما من مقاييس الخوارج وغيرهم فأرادا حمل الناس على الجادة وقوله سبحانه فاهبط منها الآية يظهر منه أنه اهبط أولا وأخرج من الجنة وصار في السماء لأن الأخبار تظاهرت أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجنة ثم أمر اخرا بالهبوط من السماء مع آدم وحواء والحية وقوله إنك من الصاغرين حكم عليه بضد معصيته التي عصى بها وهي الكبرياء فعوقب بالحمل عليه بخلاف شهوته وامله والصغار الذل قاله السدي ومعنى أنظرني أخرني فأعطاه الله النظرة إلى النفخة الأولى قاله أكثر الناس وهو الأصح والأشهر في الشرع وقوله فبما يريد به القسم كقوله في الآية الأخرى فبعزتك وأغويتني قال الجمهور معناه أضللتني من الغي وعلى هذا المعنى قال محمد بن كعب القرظي قاتل الله القدرية لإبليس أعلم بالله منهم يريد في أنه علم أن الله يهدي ويضل وقوله لأقعدن لهم صراطك المعنى لاعتراضن لهم في طريق شرعك وعبادتك ومنهم النجاة فلا صدنهم عنه ومنه قوله عليه السلام إن الشيطان قعد لابن آدم باطراقه نهاه عن الإسلام وقال تترك دين آبائك فعصاه فاسلم فنهاه عن الهجرة فقال تدع اهلك وبلدك فعصاه فهاجر فنهاه عن الجهاد فقال تقتل وتترك ولدك فعصاه فجاهد فله الجنة الحديث وقوله سبحانه ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لاملأن جهنم منكم أجمعين مقصد الآية أن إبليس أخبر عن نفسه أنه يأتي اضلال بني آدم من كل جهة فعبر عن ذلك بألفاظ تقتضي الإحاطة بهم وفي اللفظ تجوز وهذا قول جماعة من المفسرين قال الفخر وقوله لأقعدن لهم صراتك المستقيم أي على صراطك اجمع النحاة على تقدير على في هذا الموضع انتهى وقوله ولا تجد أكثرهم شاكرين اخبر اللعين أن سعايته تفعل ذلك ظنا منه وتوسما في خلقة آدم حين رأى خلقته من أشياء مختلفة فعلم أنه ستكون لهم شيم تقتضي طاعته كالغل والحسد والشهوات ونحو ذلك قال ابن عباس وقتاده إلا أن إبليس لم يقل أنه يأتي بني آدم من فوقهم ولا جعل الله له سبيلا إلى أن يحول بينهم وبين رحمة الله وعفوه ومنه وما ظنه إبليس صدقه الله عز و جل ومنه قوله سبحانه ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا قريقا من المؤمنين فجعل أكثر العالم كفرة ويبينه قوله صلى الله عليه و سلم في الصحيح يقول الله عز و جل يا آدم أخرج بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة ونحوه مما يخص أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود وشاكرين معناه مؤمنين لأن ابن آدم لا يشكر نعمة الله إلا بأن يؤمن قاله ابن عباس وغيره وقوله سبحانه أخرج منها أي من الجنة مذءوما أي معيبا مدحورا أي مقصيا مبعدا لمن تبعك بفتح اللام هي لام قسم وقال أبو حيان الظاهر إنها الموطئة للقسم ومن شرطية في موضع رفع بالابتداء وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه ويجوز أن تكون لام ابتداء ومن موصولة في موضع رفع بالابتداء والقسم المحذوف وجوابه وهو لاملأن في موضع خبرها انتهى وقال الفخر وقيل مذءوما أي محقورا فالمذءوم المحتقر قاله الليث وقال ابن الانباري المذءوم المذموم وقال الفراء اذأمته إذا عيبته انتهى وباقي الآية بين اللهم انا نعوذ بك من جهد البلاء وسوء القضاء ودرك الشقاء وشامتة الأعداء جلا وعلا ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين إذا امر الانسان بشيء وهو متلبس به فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله ويتمادى في هيئته وقوله سبحانه لآدم اسكن وهو من هذا الباب وقد تقدم الكلام في سورة البقرة عل الشجرة وتعيينها وقوله سبحانه هذه قال م الأصل هذى والهاء بدل من الياء ولذلك كسرت الذال إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى عز و جل فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما الوسوسة الحديث في إخفاء همسا وأسرارا من الصوت والوسواس صوت الحلى فشبه الهمس به وسمي إلقاء الشيطان في نفس ابن آدم وسوسة إذ هي أبلغ الأسرار وأخفاه هذا في حال الشيطان معنا الآن وأما مع آدم فممكن أن تكون وسوسة بمحاورة خفية أو بإلقاء في نفس واللام في ليبدي هي في قول الأكثرين لام الصيرورة والعاقبة ويمكن أن تكون لام كي على بابها وما ووري معناه ما ستر من قولك وأرى يواري إذا ستر والسوأة الفرج والدبر ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء وقالت طائفة إن هذه العباده إنما قصد بها أنها كشفت لهما معائهما وما يسوءهما ولم يقصد بها العورة وهذا القول محتمل إلا أن ذكر خصف الورق يرده إلا أن يقدر الضمير في عليهما عائد على بدنيهما فيصح سبحانه وقال ما نهاكما الآية هذا القول المحكي عن إبليس يدخله من التأويل ما دخل الوسوسة فممكن أن يقول هذا مخاطبة وحوارا وممكن أن يقولها إلقاء في النفس ووحيا وإلا أن تقديره عند سيبويه والبصريين إلا كراهية ان وتقديره عند الكوفيين إلا أن لا على اضمار لا ويرجح قول البصريين أن إضمار الأسماء احسن من إضمار الحروف وقرأ جمهور الناس ملكين بفتح اللام وقرأ ابن عباس ملكين بكسرها ويؤيده قوله وملك لا بيلي وقال بعض الناس يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أفضل من البشر وهي مسئلة اختلف الناس فيها وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وقاسمهما أي حلف لهما بالله وهي مفاعلة إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم عز و جل فدلاهما بغرور قال ع يشبه عندي أن تكون هذه استعارة من الرجل يدلي آخر من هوة بحبل قد ارم أو سبب ضعيف يغتر به فإذا تدلى به وتورك عليه انقطع به وهلك فيشبه الذي يغر بالكلام حتى يصدقه فيقع في مصيبة بالذي يدلي من هوة بسبب ضعيف سبحانه بدت قيل تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسهما وتطايرت تبريا منهما ويخصفان معناه يلصقانها والمخصف الاشقى وضم الورق بعضه إلى بعض اشبه بالخرز منه بالخياطة قال البخاري يخصفان يؤلفان الورق بعضه إلى بعض انتهى وهو معنى ما تقدم وروى أبي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن آدم عليه السلام كان يمشي في الجنة كأنه النخلة السحوق فلما أكل من الشجرة وبدت له حاله فر على وجهه فأخذت شجرة بشعر رأسه فقال لها أرسلني فقالت ما أنا بمرسلتك فناداه ربه جل وعلا أمني تفر يا آدم فقال لا يا رب ولكن استحييك فقال أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك قال بلى يا رب ولكن وعزتك ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش الأكدا عن تلكما يريد بحسب اللفظ أنه إنما أشار إلى شجرة مخصوصة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين إشارة إلى الآية التي في طه في قوله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وهذا هو العهد الذي نسيه آدم على مذهب من جعل النسيان على بابه وقولهما ربنا ظلمنا أنفسنا اعتراف من آدم وحواء عليهما السلام وطلب للتوبة والستر والتغمد بالرحمة فطلب آدم هذا فأجيب وطلب إبليس النظرة ولم يطلب التوبة فوكل إلى سوء رأيه قال الضحاك وغيره هذه الآية هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه عز و جل قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو المخاطبة بقوله اهبطوا قال أبو صالح والسدي والطبري وغيرهم هي لآدم وحواء وإبليس والحية وقالت فرقة هي مخاطبة لآدم وذريته وإبليس وذريته قال ع وهذا ضعيف لعدمهم في ذلك الوقت ت وما ضعفه رحمه الله صححه في سورة البقرة فتأمله هناك وعداوة الحية معروفة روى قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم ما سالمناهن منذ حاربناهن سبحانه يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم الآية خطاب لجميع الأمم وقت النبي صلى الله عليه و سلم والسبب والمراد قريش ومن كان من العرب يتعرى في طوافه بالبيت قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع آيات وقوله أنزلنا يحتمل التدريج أي لما أنزل المطر فكان عنه جميع ما يلبس ويحتمل أن يريد بانزلنا خلقنا كقوله وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وأنزلنا الحديد ولباسا عام في جميع ما يلبس ويوارى يستر وقرأ الجهور وريشا وقرأ عاصم وأبو عمرو ورياشا وهما عبارتان عن سعة الرزق ورفاهة العيش وجودة الملبس والتمتع وقال البخاري قال ابن عباس وريشا المال انتهى وقرأ نافع وغيره ولباس بالنصب وقرأ حمزة وغيره بالرفع وقوله ذلك من آيات الله إشارة إلى جميع ما أنزل الله من اللباس والريش وحكى النقاش إن الإشارة إلى لباس التقوى أي هو في العبد آية أي علامة وإمارة من الله تعالى أنه قد رضي عنه ورحمه وقال ابن عباس لباس التقوى هو السمت الحسن في الوجه وقاله عثمان بن عفان على المنبر وقال ابن عباس أيضا هو العمل الصالح وقال عروة بن الزبير هو خشية الله وقيل هو لباس الصوف وكل ما فيه تواضع لله عز و جل وقال الحسن هو الورع وقال معبد الجهني هو الحياء وقال ابن عباس أيضا لباس التقوى العفة قال ع وهذه كلها مثل وهي من لباس التقوى ولعلهم ترج بحسبهم ومبلغهم من المعرفة وقوله عز و جل يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة الآية خطاب لجميع العالم والمقصود بها في ذلك الوقت من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا قيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس وهم قريش ومن والاها وهذا هو الصحيح ثم نودي بمكة في سنة تسع لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان والفتنة في هذه الآية الاستهواء والغلبة على النفس وأضاف الإخراج في هذه الآية إلى إبليس تجوزا لما كان هو السبب في ذلك قال أبو حيان كما أخرج كما في موضع نصب أي فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم انتهى سبحانه إنه يراكم زيادة في التحذير وإعلام بأن الله عز و جل قد مكن إبليس من بني آدم في هذا القدر وبحسب ذلك يجب أن يكون التحرز بطاعة الله عز و جل وقبيل الشيطان يريد نوعه وصنفه وذريته والشيطان موجود وهو جسم قال النووي وروينا في كتاب ابن السني عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم أن يقول الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه بسم الله الذي لا إله إلا هو انتهى وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنف أن يقولوا بسم الله رواه الترمذي وقال إسناده ليس بالقوي قال النووي قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن مضوعا وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الانكحة فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب انتهى لأبي عمر بن عبد البر في - كتاب فضل العلم ثم أخبر عز و جل أنه صير الشياطين أولياء أي صحابة ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم وقوله وإذا فعلوا وما بعده داخل في صفة الذين لا يؤمنون والفاحشة في هذه الآية وإن كان اللفظ عاما هي كشف العورة عند الطواف فقد روي عن الزهري أنه قال إن في ذلك نزلت هذه الآية وقاله ابن عباس ومجاهد عز و جل قل أمر ربي بالقسط تضمن معنى اقسطوا ولذلك عطف عليه قوله واقيموا حملا على المعنى والقسط العدل واختلف في قوله سبحانه وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد فقال مجاهد والسدي أراد إلى الكعبة والمقصد على هذا على هذا شرع القبلة والتزامها وقيل أراد الأمر بإحضار النية لله في كل صلاة والقصد نحوه كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع وقيل المراد إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض أي حيث ما كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجوهكم فيه لله عز و جل سبحانه كما بدأكم تعودون قال ابن عباس وقتادة ومجاهد المعني كما اوجدكم واخترعم كذلك يعيدكم بعد الموت والوقف على هذا التأويل تعودون وفريقا نصب بهدى والثاني منصوب بفعل تقديره وعذب فريقا وقال جابر بن عبد الله وغيره وروي معناه عن النبي صلى الله عليه و سلم أن المراد الإعلام بأن من سبقت له من الله الحسنى وكتب سعيدا كان في الآخرة سعيدا ومن كتب عليه أنه من أهل الشقاء كان في الآخرة شقيا ولا يتبدل من الأمور التي أحكمها ودبرها وأنفذها شيء فالوقف في هذا التأويل في قوله تعودون غير حسن وفريقا على هذا التأويل نصب على الحال والثاني عطف على الأول ويحسبون أنهم مهتدون معناه يظنون قال الطبري وهذه الآية دليل على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب سبحانه يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد الآية هذا خطاب عام لجميع العالم كما تقدم وأمروا بهذه الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مشركي العرب فيها والزينة الثياب الساترة قاله مجاهد وغيره و عند كل مسجد أي عند موضع سجود فهي إشارة إلى الصلوات وستر العورة فيها ت ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللباس فمن احسن الأحاديث في ذلك وأصحها ما رواه مالك في الموطإ عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أن أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ما سقط من اسفل ذلك ففي النار قال ذلك ثلاث مرات لا ينظر الله عز و جل إلى من جر أزاره بطرا وحدث أبو عمر في التمهيد بسنده عن ابن عمر قال فيما قال رسول الله صلى الله عليه ولم في الأزار فهو في القميص يعني ما تحت الكعبين من القميص في النار كما قال في الأزار وقد روى أبو خيثمة زهير بن معاوية قال سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول ادركتهم وقمصهم إلى نصف الساق أو قريب من ذلك وكم أحدهم لا يجاوز يده انتهى وورى أبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت كانت يد كم قميص رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الرسغ وأما احب اللباس فما رواه أبو داود عن أم سلمة قالت كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم القميص انتهى وجاء في المسبل وعيد شديد وعنه صلى الله عليه و سلم أن قال لرجل اسبل ازاره ان هذا كان يصلى وهو مسبل ازاره وأن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل ازاره رواه أبو داود انتهى سبحانه وكلوا واشربوا إباحة لما التزموه من تحريم اللحم والودك في أيام المواسم قاله ابن زيد وغيره ويدخل في ذلك البحيرة والسائبة ونحو ذلك نص على ذلك قتادة سبحانه ولا تسرفوا معناه لا تفرطوا قال أهل التأويل يريد تسرفوا بأن تحرموا ما لم يحرم الله عز و جل واللفظة تقتضي النهي عن السرف مطلقا ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد واوسط الأمور فحسن وإن أفرط جعل أيضا من المسرفين وقال ابن عباس في هذه الآية أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة قال ابن العربي قوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا الإسراف تعدى الحد فنهاهم سبحانه عن تعدى الحلال إلى الحرام وقيل لا يزيد على قدر الحاجة وقد اختلف فيه على قولين فقيل حرام وقيل مكروه وهو الأصح فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والإنسان والطعمان انتهى من أحكام القرآن وقوله سبحانه قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده أي قل لهم على جهة التوبيخ وزينة الله هي ما حسنته الشريعة وقررته وزينة الدنيا كل ما اقتضته الشهوة وطلب العلو في الأرض كالمال والبنين والطيبات قال الجمهور يريد المحللات وقال الشافعي وغيره هي المستلذات أي من الحلال وإنما قاد الشافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوزغ ونحوها فإنه يقول هي من الخبائث ت وقال مكي المعنى قل من حرم زينة الله أي اللباس الذي يزين الإنسان بأن يستر عورته ومن حرم الطيبات من الرزق المباحة وقيل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر انتهى وقوله سبحانه قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة قال ابن جبير المعنى قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ينتفعون بها في الدنيا ولا يتبعهم إثمها يوم القيامة وقال ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة وغيرهم المعنى هو أن يخبر صلى الله عليه و سلم أن هذه الطيبات الموجودات هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا وإن كانت أيضا لغيرهم معهم وهي يوم القيامة خالصة لهم أي لا يشركهم أحدا في استعمالها في الآخرة وقرأ نافع وحده خالصة بالرفع والباقون بالنصب وقوله سبحانه كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون أي كما فصلنا هذه الأشياء المتقدمة الذكر نفصل الآيات أي نبين الإمارات والعلامات والهدايات لقوم لهم علم ينتفعون به وقوله عز و جل قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن الآية لما تقدم إنكار ما حرمه الكفار بآرائهم اتبعه بذكر ما حرم الله عز و جل و الفواحش في اللغة ما فحش وشنع وأصله من القبح في النظر وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه فكل ما حرمه الشرع فهو فاحش والإثم لفظ عام في جميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم هذا قول الجمهور وقال بعض الناس هي الخمر وهذا قول مردود لأن هذه السورة مكية وإنما حرمت الخمر بالمدينة بعد احد والبغي التعدي وتجاوز الحد وان تقولوا على الله مالا تعلمون من أنه حرم البحيرة والسائبة ونحوه وقوله سبحانه ولكل أمة اجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون المعنى ولكل أمة أجل مؤقت لمجيء العذاب إذا كفروا وخالفوا أمر ربهم فأنتم أيتها الأمة كذلك قاله الطبري وغيره وقوله ساعة لفظ عين به الجزء القليل من الزمان والمراد جميع أجزائه والمعنى لا يستأخرون ساعة ولا اقل منها ولا أكثر وقوله عز و جل يا بني آدم أما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها اولائك أصحاب النار هم فيها خالدون الخطاب في هذه الآية لجميع العالم وان هي الشرطية دخلت عليها ما مؤكدة وكان هذا الخطاب لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم ومتحصل منه لحاضري نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أن هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه ويأتينكم مستقبل وضع موضع ماض ليفهم أن الإتيان باق رقت الخطاب لتقوى الإشارة بصحة النبؤة إلى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وهذا على مراعاة وقت نزول الآية واسند الطبري إلى أبي سيار السلمي قال إن الله سبحانه خاطب آدم وذريته فقال يا بني آدم أما يأتينكم رسل منكم الآية قال ثم نظر سبحانه إلى الرسل فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون الحديث قال ع ولا محالة أن هذه المخاطبة في الأزل وقيل المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ذكره النقاش ويقصون أي يسردون ويوردون والآيات لفظ جامع لآيات الكتب المنزلة وللعلامات التي تقترن بالأنبياء ونفي الخوف والحزن يعم جميع أنواع مكاره النفس وانكادها قوله سبحانه فمن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته الآية هذه الآية وعيد واستفهام على جهة التقرير أي لا أحد أظلم منه والكتاب هو اللوح المحفوظ في قول الحسن وغيره وقيل ما تكتبه الحفظة ونصيبهم من ذلك هو الكفر والمعاصي قاله مجاهد وغيره وقيل هو القرآن وحظهم فيه سواد الوجوه يوم القيامة وقال الربيع بن أنس وغيره المعنى بالنصيب ما سبق لهم في أم الكتاب من رزق وعمر وخير وشر في الدنيا ورجحه الطبري واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك إذا جاءتهم رسلنا عند انقضاء ذلك فكان معنى الآية على هذا التأويل اولائك يتمتعون ويتصرفون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءتهم رسلنا لموتهم وهذا تأويل جماعة وعلى هذا يترتب ترجيح الطبري وقالت فرقة رسلنا يريد بهم ملائكة العذاب يوم القيامة ويتوفونهم معناه عندهم يستوفونهم عددا في السوق إلى جهنم وقوله سبحانه حكاية عن الرسل اين ما كنتم تدعون استفهام تقرير وتوبيخ وتوقيف على خزي وتدعون معناه تعبدون وتؤملون وقولهم ضلوا عنا معناه هلكوا وتلفوا وفقدوا ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين قوله سبحانه قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار هذه حكاية ما يقول الله سبحانه لهم يوم القيامة بواسطة ملائكة العذاب نسأل الله العافية وعبر عن يقول بقال لتحقق وقوع ذلك وصدق القصة وهذا كثير وخلت حكاية عن حال الدنيا أي ادخلوا في النار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة ت وكذا قدره أبو حيان في جملة أمم قال وقيل في بمعنى مع أي مع أمم وتقدم له في البقرة أن في تجيء للمصاحبة كقوله تعالى ادخلوا في أمم قد خلت انتهى وقدم ذكر الجن لأنهم اعرق في الكفر وإبليس اصل الضلال والإغواء وهذه الآية نص في أن كفرة الجن في النار والذي يقتضيه النظر أن مؤمنيهم في الجنة لأنهم عقلاء مكلفون مبعوث إليهم آمنوا وصدقوا وقد بوب البخاري رحمه الله بابا في ذكر الجن وثوابهم وعقابهم وذكر عبد الجليل أن مؤمني الجن يكونون ترابا كالبهائم وذكر في ذلك حديثا مجهولا وما أراه يصح والله أعلم والأخوة في هذه الآية أخوة الملة قال ص في النار متعلق بخلت أو بمحدوف وهو صفة لأمم أي في أمم سابقة في الزمان كائنة من الجن والأنس كائنة في النار ويحتمل أن يتعلق بادخلوا على أن في الأولى بمعنى مع والثانية للظرفية وإذا اختلف مدلول الحرفين جاز تعلقهما بمحل واحد انتهى وأدركوا معناه تلاحقوا اصله تداركوا ادغم فجلبت الف الوصل وقال البخاري اداركوا إجتمعوا انتهى وقوله سبحانه قالت أخراهم لأولهم معناه قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة وسننا كاذبة مستعملة للأولى التي شرعت ذلك وافترت على الله وسلكت سبيل الضلال ابتداء ربنا هؤلاء أضلونا أي طرقوا لنا طرق الضلال قال لكل ضعف أي عذاب مشدد على الأول والآخر ولكن لا تعلمون أي المقادير وصور التضعيف قوله سبحانه وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل أي قد استوت حالنا وحالكم فذوقوا العذاب باجترامكم وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخرة وقيل قوله فذوقوا هو من كلام الله عز و جل لجميعهم وقوله سبحانه إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة الآية هذه الآية عامة في جميع الكفرة قديمهم وحديثهم قرأ نافع وغيره لا تفتح بتشديد التاء الثانية وقرأ أبو عمر وتفتح بالتاء أيضا وسكون الفاء وتخفيف ا لثانية وقرأ حمزة يفتح بالياء من أسفل وتخفيف التاء ومعنى الآية لا يرتفع لهم عمل ولا روح ولا دعاء فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين قاله ابن عباس وغيره ثم نفى سبحانه عنهم دخول الجنة وعلق كونه بكون محال وهو أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة حيث يدخل الخيط والجمل كما عهد والسم كما عهد وقرأ جمهور المسلمين الجمل واحد الجمال وقرأ ابن عباس وغيره الجمل بضم ا لجيم تشديد الميم وهو حبل السفينة والسم الثقب من الإبرة وغيرها وكذلك أي وعلى هذه الصفة وبمثل هذا الحتم وغيره نجزى الكفرة وأهل الجرائم على الله لهم من جهنم مهاد أي فراش ومسكن ومضجع يتمهدونه وهي لهم غواش جمع غاشية وهي ما يغشى الإنسان أي يغطيه ويستره من جهة فوق وقوله سبحانه لا نكلف نفس إلا وسعها اولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون هذه آية وعد مخبرة أن جميع المؤمنين هم أصحاب الجنة ولهم الخلد فيها ثم اعترض فيها القول بعقب الصفة التي شرطها في المؤمنين باعتراض يخفف الشرط ويرجى في رحمة الله ويعلم أن دينه يسر وهذه الآية نص في أن الشريعة لا يتقرر من تكاليفها شيء لا يطاق وقد تقدم ذلك في سورة البقرة والواسع معناه الطاقة وهو القدر الذي يتسع له البشر وقوله سبحانه ونزعنا ما في صدورهم من هذا إخبار من الله عز و جل أنه ينقى قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد وذلك أن صاحب الغل معذب به ولا عذاب في الجنة وورد في الحديث الغل على باب الجنة كمبارك ألا بل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين والغل الحقد والاحنة الخفية في النفس وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا الإشارة بهذا يتجه أن تكون إلى الإيمان والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة ويحتمل أن تكون إلى الجنة نفسها أي أرشدنا إلى طرقها وقرأ ابن عامر وحده ما كنا لنهتدي بسقوط الواو وكذلك هي في مصاحف أهل الشام ووجهها أن الكلام متصل مرتبط بما قبله ولما رأو تصديق ما جآت به الأنبياء عن الله سبحانه وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أي قيل لهم بصياح وهذا النداء من قبل الله وإن مفسرة لمعنى النداء بمعنى أي وقوله بما كنتم تعملون لا على طريق وجوب ذلك على الله تعالى لكن بقرينة رحمته وتغمده والأعمال امارة من الله سبحانه وطريق إلى قوة الرجاء ودخول الجنة إنما هو بمجرد رحمته والقسم فيها على قدر الأعمال وأورثتم مشيرة إلى الأقسام وقوله سبحانه ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا الآية هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار وقوله سبحانه فأذن مؤذن بينهم أي اعلم معلم والظالمون هنا هم الكافرين ت حكي عن غير واحد أن طاووس دخل على هشام بن عبد الملك فقال له اتق الله وأحذر يوم الأذان فقال وما يوم الأذان فقال قوله تعالى فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين فصعق هشام فقال طاووس هذا ذل الوصف فكيف ذل المعاينة انتهى ويبغونها عوجا أي يطلبونها أو يطلبون لها والضمير في يبغونها عائد على السبيل وقوله سبحانه وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم وبينهما أي بين الجنة والنار ويحتمل بين الجمعين والحجاب هو السور الذي ذكره الله عز و جل في قوله فضرب بينهم بسور له باب قال ابن عباس وقال مجاهد الأعراف حجاب بين الجنة والنار وقال ابن عباس أيضا هو تل بين الجنة والنار وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أن احدا جبل يحبنا ونحبه وأنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحتبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة والأعراف جمع عرف وهو المرتفع من الأرض ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعلوهما وقال بعض الناس سمي الأعراف أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس قال ع وهذه عجمة وإنما المراد على أعراف ذلك الحجاب أي أعاليه وقوله رجال قال الجمهور انهم رجال من البشر ثم اختلفوا في تعيينهم فقال شرحبيل بن سعد هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم وقال ابن عباس وغيره هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ووقع في مسند خثيمة بن سليمان في آخر الجزء الخامس عشر عن جابر بن عبد اله قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار قيل يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته قال أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون وقيل غير هذا من التأويلات قال واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار ويعرفون كلا بسيماهم أي بعلاماتهم من بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة وسوادها وقبحها في أهل النار إلى غير ذلك في حيز هؤلاء وحيز هؤلاء وقوله لم يدخلوها وهم يطمعون المراد به أهل الأعراف فقط وهو تأويل ابن مسعود والسدي وقتادة والحسن وقال والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم قال ع وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية ولا نظر لأحد مع قول النبي صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه وإذا صرفت أبصارهم أي أبصار أصحاب الأعراف فهم يسلمون على أصحاب الجنة وإذا نظروا إلى النار وأهلها قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين قاله ابن عباس وجماعة من العلماء وقوله سبحانه ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم يريد من أهل النار ما أغنى عنكم جمعكم ما استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ وما الثانية مصدرية وجمعكم لفظ يعم المال والأجناد والخول وقوله سبحانه أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اله برحمة ادخلوا الجنة أهل الأعراف هم القائلون إشارة إلى أهل الجنة والذين خوطبوا هم أهل النار والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبؤ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة وقال النقاش اقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم فنادتهم الملائكة أهولاء ثم نادت أصحاب الأعراف أدخلوا الجنة وقرأ عكرمة دخلوا الجنة على الأخبار بفعل ماض قوله سبحانه ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء الآية لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وقع لهم علم بأن أهل الجنة يسمعون نداءهم وجائز أن يكون ذلك وهم يرونهم بادراك يجعله الله لهم على بعد السفل من العلو وجائز أن يكون ذلك وبينهم السور والحجاب المتقدم الذكر وروي أن ذلك النداء هو عند اطلاع أهل الجنة عليهم وقوله سبحانه أو مما رزقكم الله إشارة إلى الطعام قاله السدي فيقول لهم أهل الجنة إن الله حرم طعام الجنة وشرابها على الكافرين وإجابة أهل الجنة بهذا الحكم هو عن أمر الله تعالى ومعنى قوله تعالى الذين اتخذوا دينهم لهوا أي بالإعراض والاستهزاء بمن يدعوهم إلى الإسلام وغرتهم الحياة الدنيا أي خدعتهم بزخرفها واعتقادهم أنها الغاية القصوى وقوله فاليوم ننساهم هو من أخبار الله عز و جل عما يفعل بهم والنسيان هنا بمعنى الترك أي نتركهم في العذاب كما تركوا النظر للقاء هذا اليوم قاله ابن عباس وجماعة وما كانوا عطف على ما من قوله كما نسوا ويحتمل أن تقدر ما الثانية زائدة ويكون قوله وكانوا عطفا على قوله نسوا وقوله سبحانه ولقد جئناهم بكتاب الضمير في جئناهم لمن نقدم ذكره والكتاب اسم جنس واللام في لقد لام قسم وقال يحيى بن سلام بل الكلام تم في يجحدون وهذا الضمير لمكذبي نبيا محمد صلى الله عليه و سلم وهو ابتداء كلام آخر والمراد بالكتاب القرآن الكريم وعلى علم معناه على بصيرة وقوله سبحانه هل ينظرون أي ينتظرون إلا تأويله أي مئاله وعاقبته يوم القيامة قاله ابن عباس وغيره وقال السدي مئالة في الدنيا وقعة بدر وغيرها ويوم القيامة أيضا ثم أخبر تعالى أن مئال حال هذا الدين يوم يأتي يقع معه ندمهم ويقولون تأسفا على ما فاتهم من الإيمان لقد جاءت رسل ربنا بالحق فالتأويل على هذا من آل يؤل ونسوه يحتمل أن يكون بمعنى الترك وباقي الآية بين ت وهذا التقرير يرجح تأويل ابن سلام المتقدم وقوله سبحانه إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام الآية خطاب عام يقتضي التوحيد والحجة عليه بدلائله وجاء في التفسير والأحاديث أن الله سبحانه ابتدأ الخلق يوم الأحد وكملت المخلوقات يوم الجمعة وهذا كله والساعة اليسيرة في قدرة الله سبحانه سواء قال م في ستة أيام ستة أصلها سدسة فأبدلوا من السين تاء ثم ادغموا الدال في التاء وتصغيره سديس وسديسة انتهى وقوله سبحانه ثم استوى على العرش معناه عند أبي المعالى وغيره من حذاق المتكلمين الملك والسلطان وخص العرش بالذكر تشريفا ا إذ هو أعظم المخلوقات وقوله سبحانه ألا له الخلق والأمر إلا استفتاح كلام وأخذ المفسرون الخلق بمعنى المخلوقات أي هي كلها ملكه واختراعه وأخذوا الأمر مصدرا من آمر يأمر قال ع ويحتمل أن تؤخذ لفظة الخلق على المصدر من خلق يخلق خلقا أي له هذه الصفة إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم ويؤخذ الأمر على أنه واحد الأمور فيكون بمنزلة قوله وإليه يرجع الأمر كله وإلى الله ترجع الأمور وكيف ما تأولت الآية فالجميع لله سبحانه وتبارك معناه عظم وتعالى وكثرت بركاته ولا يوصف بها إلا الله سبحانه و تبارك لا يتصرف في كلام العرب فلا يقال منه يتبارك و العالمين جمع عالم وقوله عز و جل ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يجب المعتدين هذا أمر بالدعاء وتعبد به ثم قرن سبحانه بالأمر به صفات تحسن معه وقوله تضرعا معناه بخشوع وإستكانه والتضرع لفظة تقتضي الجهر لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيآت أعضاء تقترن بالطلب وخفية يريد في النفس خاصة وقد أثنى الله سبحانه على ذلك في قوله سبحانه إذ نادى ربه نداء خفيا ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه و سلم خير الذكر الخفي والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر ت ونحو هذا لابن العربي لما تكلم على هذه الآية قال الأصل في الأعمال الفرضية الجهر والأصل في الأعمال النفلية السر وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر بذلك في الدنيا والتفاخر على الأصحاب بالأعمال وقلوب الخلق جبلت بالميل إلى أهل الطاعة انتهى من الأحكام وقوله سبحانه إنه لا يحب المعتدين يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما والاعتداء في الدعاء على وجوه منها الجهر الكثير والصياح وفي الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ومنها أن يدعو في محال ونحو هذا من التشطط وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المراء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وقال البخاري إنه لا يحب المتعدين أي في الدعاء وغيره انتهى ت قال الخطابي وليس معنى الاعتداء الإكثار فقد جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله يحب الملحين في الدعاء وقال إذا دعا أحدكم فليستكثر فإنما هو يسأل ربه انتهى وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن مغفل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهر والدعاء انتهى وقوله سبحانه ولا تفسدوا في الأرض الآية ألفاظها عامة تتضمن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر والقصد بالنهي هو العموم وتخصيص شيء دون شيء في هذا تحكم إلا أن يقال على جهة المثال وقوله سبحانه وأدعوه خوفا وطمعا أمر بأن يكون الإنسان في حالة تقرب وتحرز وتأميل لله عز و جل حتى يكون الخوف والرجاء كالجناحين للطير يحملانه في طريق استقامة وان انفرد أحدهما هلك الإنسان وقد قال كثير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة فإذا جاء الموت غلب الرجاء وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير وهذا كله طريق احتياط ومنه تمنى الحسن البصري أن يكون الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف ثم أنس سبحانه بقوله إن رحمت الله قريب من المحسنين وقوله سبحانه وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا الآية هذه آية اعتبار واستدلال وقرأ عاصم الرياح بالجمع بشرا بالباء المضمومة والشين الساكنة وروي عنه بشرا بضم الباء والشين ومن جمع الريح في هذه الآية فهو أسعد وذلك أن الرياح حيث وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرحمة كقوله ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات واكثر ذكر الريح مفردة إنما هو بقرينة عذاب كقوله سبحانه وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم وقد تقدم إيضاح هذا في سورة البقرة ومن قرأ في هذه الآية الريح بالإفراد فإنما يريد به اسم الجنس وأيضا فتقييدها بنشرا يزيل الاشتراك والإرسال في الريح هو بمعنى الأجراء والإطلاق ونشرا أي تنشر السحاب وأما بشرا بضم الباء والشين فجمع بشير كنذير ونذر والرحمة في هذه آية المطر وبين يدي أي أمام رحمته وقدامها وأقلت معناه رفعته من الأرض واستقلت به وثقالا معناه من الماء والعرب تصف السحاب بالثقل والريح نسوق السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة والضمير في سقناه عائد على السحاب ووصف البلد بالموت استعارة بسبب شعثه وجذوبته والضمير في قوله فأنزلنا به يحتمل أن يعود على السحاب أي منه ويحتمل أن يعود على البلد ويحتمل أن يعود على الريح وقوله تبارك وتعالى كذلك نخرج الموتى يحتمل مقصدين أحدهما أن يراد كهذه القدرة العظيمة هي القدرة على إحياء الموتى وهذا مثال لها الثاني أن يراد أن هكذا نصنع بالأموات من نزول المطر عليهم حتى يحيوا به حسب ما وردت به الآثار فيكون الكلام خبرا لا مثالا وقوله سبحانه والبلد الطيب يخرج نباته آية متممة للمعنى الأول في الآية قبلها معرفة بعادة الله سبحانه في إنبات الأرضين فمن أراد أن يجعلها مثالا لقلب المؤمن وقلت الكافر كما هو محكي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي فذلك مترتب لكن ألفاظ الآية لا تقتضي أن المثل قصد به ذلك والطيب هو الجيد التراب الكريم الأرض وخص بإذن ربه مدحا وتشريفا وهذا كما تقول لمن تغض منه أنت كما شاء الله فهي عبارة تعطي مبالغة في مدح أو ذم والخبيث هو السباخ ونحوها من رديء الأرض و النكد العسير القليل كذلك نصرف الآيات أي هكذا نبين الأمور و يشكرون معناه يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه قوله عز و جل لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون قال الطبري أقسم الله تعالى أنه أرسل نوحا وكذا قال أبو حيان لقد اللام جواب قسم محذوف انتهى وغيره بالرفع بدل من قوله من اله لأنه في موضع رفع ويجوز أن يكون نعتا على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره والملأ الجماعة من الإشراف قيل أنهم مأخذون من أنهم يملؤن النفس والعين ويحتمل من أنه إذا تمالؤا على أمرتم وقولهم إنا لنراك يحتمل من رؤية البصر ويحتمل من رؤية القلب وهو أظهر وفي ضلال أي في تلف وجهالة بما تسلك وقوله لهم جواب عن هذا ليس بي ضلالة مبالغة في حسن الأدب والإعراض عن الجفاء منهم وتناول رفيق وسعة صدر حسب ما تقتضيه خلق النبؤة وقوله ولكني رسول تعرض لمن يريد النظر والبحث والتأمل في المعجزة وقوله عليه السلام وأعلم من الله ما لا تعلمون لفظ مضمنه الوعيد لا سيما وهم لم يسمعوا قط بأمة عذبت وقوله أو عجبتكم إن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا أنهم كانوا قوما عمين الاستفهام هنا على جهة التقرير والتوبيخ وقوله على رجل منكم قيل على بمعنى مع وقيل هو على حذف مضاف تقديره على لسان رجل ويحتمل أن يكون معناه منزل على رجل منكم إذ كل ما يأتي من الله سبحانه فله حكم النزول ولعلكم ترج بحسب حال نوح ومعتقده وقوله سبحانه فأنجيناه والذين معه في الفلك الآية وفي التفسير أن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رجلا وقيل ثمانون رجلا وثمانون امرأة وقيل عشرة وقيل ثمانية قاله قتادة وقيل سبعة والله أعلم وفي كثير من كتب الحديث الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام وقوله عمين جمع عم ويريد عمي البصائر وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نوحا أول الرسل وقوله سبحانه وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين عاد اسم الحي وهم عرب فيما يذكر وأخاهم نصب بأرسلنا وهو معطوف على نوح وهذه أيضا نذارة من هود عليه السلام وقوله افلا تتقون استعطاف إلى التقوى والإيمان وقوله أو عجبتم إن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قوله وزادكم في الخلق أي في الخلقة والبسطة الكمال في الطول والعرض وقيل زادكم على أهل عصركم وقال الطبري زادكم على قوم نوح وقاله قتادة قال ع واللفظ يقتضي أن الزيادة على جميع العالم وهوالذي يقتضيه ما يذكر عنهم وروي أن طول الرجل منهم كان مائة ذراع وطول اقصرهم ستون ونحوها والآلاء جمع الى على مثل معي وهي النعمة والمنة قال الطبري وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إسحاق من ولد عاد بن ارم بن عوص بن سام بن نوح وكانت مساكنهم الشحر من ارض اليمن وما وإلى حضرموت إلى عمان قال السدي وكانوا بالأحقاف وهي الرمال وكانت بلادهم اخصب بلاد فردها الله صحارى وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن قبر هود عليه السلام هنالك في كثيب احمر تخالطه مدرة ذات أراك وسدر وكانوا قد فشوا في جميع الأرض وملكوا كثيرا بقوتهم وعددهم وظلموا الناس وكانوا ثلاثة عشر قبيلة وكانوا أصحاب أوثان فبعث الله إليهم هودا من أفضلهم وأوسطم نسبا فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وإلى ترك الظلم قال ابن إسحاق ولم يأمرهم فيما يذكر بغير ذلك فكذبوه وعتوا واستمروا على ذلك إلى أن أراد الله إنفاذ أمره أمسك عنهم المطر ثلاث سنين فشقوا بذلك وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر بالذكر تشريفا ا إذ هو أعظم الله فيه تعظيما له مؤمنهم وكافرهم وأهل مكة يؤمئد العماليق وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بكر فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وفدا إلى مكة يستسقون الله لهم فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال وعتيل بن ضد ابن عاد الأكبر ومرثد بن سعد وكان هذا مؤمنا يكتم إيمانه وجلهمة بن الخيبري في سبعين رجلا من قومهم فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارج الحرم فأنزلهم وأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية ولما رأى معاوية إقامتهم وقد بعثهم عاد للغوث أشفق على عاد وكان ابن أختهم أمه كلهذة ابنة الخيبري اخت جلهمة وقال هلك أخوالي وشق عليه أن يأمر اضيافه بالانصراف عنه فشكا ذلك إلى قينتيه فقالتا أصنع شعرا نغني به عسى أن ننبههم فقال ... ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يصحبنا غماما ... ... فتسقى أرض عاد أن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما ... ... من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما ... ... وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عياما ... ... وان الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما ... ... وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما ... ... فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما ... فغنت به الجرادتان فلما سمعه القوم قال بعضهم يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حل بهم فادخلوا هذا الحرم وادعوا لعل الله يغيثهم فخرجوا لذلك فقال لهم مرثد ابن سعد إنكم والله ما تسقون بدعائكم ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم وأظهر إيمانه يومئذ فخالفه الوفد وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر احبسا عنا مردا ولا يدخل معنا الحرم فإنه قد اتبع هودا ومضوا إلى الحرم فاستسقى قيل بن عنز وقال يا الاهنا أن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا فانشأ الله تعالى سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم نادى مناد من السماء يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شئت فقال قيل قد اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فنودي قد اخترت رمادا رمددا لا تبقى من عاد أحدا لا والدا ولا ولدا إلا جعلتهم همدا وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها قالوا هذا عارض ممطرنا حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها مهدر فصاحت وصعقت فلما أفاقت قيل لها ما رأيت قالت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك فأعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه من ريح إلا ما يلتذ به قال ع وهذا قصص وقع في تفسير الطبري مطولا وفيه اختلاف فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز وفي خبرهم أن الريح كانت تدمغهم بالحجارة وترفع الظعينة عليها المرأة حتى تلقيها في البحر وفي خبرهم أن أقوياءهم كان أحدهم يسد بنفسه مهب الريح حتى تغلبه فتلقيه في البحر فيقوم آخر مكانه حتى هلك الجميع وقال زيد بن أسلم بلغني أن ضبعا ربت أولادها في حجاج عين رجل منهم وفي خبرهم أن الله سبحانه لما اهلكهم بعث طيرا فنقلت جيفهم حتى طرحتها في البحر فذلك قوله سبحانه فاصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وفي بعض ما روي من شأنهم أن الريح لم تبعث قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فذلك قوله سبحانه فاهلكوا بريح صرصر عاتية وروي أن هودا لما هلكت عاد نزل بمن آمن معه إلى مكة فكانوا بها حتى ماتوا فالله أعلم أي ذلك كان وقولهم أجئتنا لنعبد الله وحده الآية ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم ويفردون العبادة لله مع إقرارهم بالإله الخالق المبدع وهذا هو الأظهر فيهم وفي عباد الأوثان كلهم ولا يجحد ربوبية الله تعالى من الكفرة إلا من أفرطت غباوته وقولهم فاتنا بما تعدنا تصميم على التكذيب واستعجال للعقوبة وقوله سبحانه قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا الآية أعلمهم بأن القضاء قد نفذ وحل عليهم الرجس وهو السخط والعذاب وقوله أتجادلونني في أسماء سميتموها أي في مسميات سميتموها آلة وقطعنا دابر استعارة تستعمل فيمن يستأصل بالهلاك والدابر الذي يدبر القوم ويأتي خلفهم فإذا انتهى القطع والاستيصال إلى ذلك فلم يبق أحد وقوله كذبوا بآياتنا دال على المعجزة وإن لم تتعين ت ومن معجزاته قوله فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه وقوله سبحانه وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب اليم قرأ الجمهور وإلى ثمود بغير صرف على ارادة القبيلة وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وإلى ثمود بالصرف على إرادة الحي والقراءتان فصيحتان مستعملتان وقد قال تعالى ألا إن ثمودا كفروا ربهم و أخاهم عطف على نوح والمعنى وأرسلنا إلى ثمود أخاهم وهي أخوة نسب وهم قوم عرب فهود وصالح عربيان وكذلك إسماعيل وشعيب كذا قال الناس في أمر إسماعيل ت النظر الذي أشار إليه لا يخفى عليك وذلك أن إسماعيل والده إبراهيم عليه السلام أعجمي وتعلم إسماعيل العربية من العرب الذين نزلوا عليه بمكة حسب ما ذكره أهل السيرة فهذا وجه النظر الذي أشار إليه وفي نظره رحمة الله نظر يمنعني من البحث معه ما أنا له قاصد من الإيجار والاختصار دون البسط والانتشار نعم خرج أبو بكر والآجري الآجري من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال وأربعة من العرب هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر انتهى يذكر إسماعيل فهذا الحديث قد يعضد ما قاله ع وصالح عليه السلام هو صالح بن عبيد بن عابر بن ارم بن سام بن نوح كذا ذكر مكي قال وهب بعثه الله حين راهق الحلم ولما هلك قومه ارتحل بمن معه إلى مكة فأقاموا بها حتى ماتوا فقبورهم بين دار الندوة والحجر أي كما ارتحل هود بمن معه إلى مكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقوله قد جاءتكم بينة من ربكم أي آية أو حجة أو موعظة بينة من ربكم قال بعض الناس أن صالحا جاء بالناقة من تلقاء نفسه وقال الجمهور بل كانت مقترحة وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم روي أن قومه طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان وقالوا يا صالح إن كنت صادقا فادع لنا ربك يخرج لنا من هذه الهضبة وفي بعض الروايات من هذه الصخرة لصخرة بالحجر ناقة عشراء فدعا الله فتمخضت تلك الهضبة وانشقت عن ناقة عظيمة وروي أنها كانت حاملا فولدت سقبها المشهور وروي أنه خرج معها فصيلها من الصخرة وقيل لها ناقة الله تشريفا لها وتخصيصا وهي إضافة خلق إلى خالق وجعل الله لها شربا يوما ولهم شرب يوم وكانت آية في شربها وحلبها قال المفسرون كانت خلقا عظيما تأتي إلى الماء بين جبلين فيزحمانها من العظم وقاسمت ثمود في الماء يوما بيوم فكانت الناقة ترد يومها فتستوفي ماء بيرهم شربا ويحلبونها ما شاءوا من لبن ثم تمكث يوما وترد بعد ذلك غبا فاستمر ذلك ما شاء الله حتى ملتها ثمود وقالوا ما نصنع باللبن الماء أحب إلينا منه وكان سبب الملل فيما روي أنها كانت تصيف في بطن الوادي وادي الحجر وتشتو في ظاهره فكانت مواشيهم تفر منها فتمالئوا على ملل الناقة وروي أن صالحا أوحى الله إليه أن قومك سيعقرون الناقة وينزل بهم العذاب عند ذلك فأخبرهم بذلك فقالوا عياذا بالله أن نفعل ذلك فقال إن لم تفعلوا أنتم أوشك أن يولد فيكم من يفعله وقال لهم صفة عاقرها أحمر أشقر أزرق فولد قدار على الصفة المذكورة فكان الذي عقرها بالسيف وقيل بالسهم في ضرعها وهرب فصيلها عند ذلك حتى صعد على جبل يقال له القارة فرغا ثلاثا فقال يا صالح هذا ميعاد ثلاثة أيام للعذاب وأمرهم قبل رغاء الفصيل أن يطلبوه عسى أن يصلوا إليه فيندفع عنهم العذاب به فراموا الصعود إليه في الجبل فارتفع الجبل في السماء حتى ما تناله الطير وحينئذ رغا الفصيل وروي أن صالحا عليه السلام قال لهم حين رغا الفصيل ستصفر وجوهكم في اليوم الأول وتحمر في الثاني وتسود في الثالث فلما ظهرت العلامات التي قال لهم أيقنوا بالهلاك واستعدوا ولطخوا ابدانهم بالمر وحفروا القبور وتحنطوا وتكفنوا في الأنطاع فأخذتهم الصيحة وخرج صالح ومن آمن معه حتى نزل رملة فلسطين وقد اكثر الناس في هذا القصص وهذا القدر كاف ومن أراد استيفاء هذا القصص فليطالع الطبري قال ع وبلاد ثمود هي بين الشام والمدينة وهي التي مر بها رسول الله صلى الله عليه و سلم مع المسلمين في غزوة تبوك فقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم اعتجر بعمامة وأسرع السير حتى جاز الوادي صلى الله عليه و سلم ت ولفظ البخاري ثم قنع رأسه وأسرع السير الحديث وقوله سبحانه واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض الآية بوأكم معناه مكنكم وهي مستعملة في المكان وظروفه و القصور جمع قصر وهي الديار التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصة بخلاف بيوت العمود وقصرت على الناس قصرا تاما والنحت النجر والقشر في الشيء الصلب كالحجر والعود ونحوه وكانوا ينحتون الجبال لطول أعمارهم و تعثوا معناه تسفدوا قال أبو حيان ومفسدين حال مؤكدة انتهى و الذين استكبروا هم الأشراف والعظماء الكفرة و الذين استضعفوا هم العامة والاغفال في الدنيا وهم اتباع الرسل وقولهم أتعلمون استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف فأجاب المؤمنون بالتصديق والصرامة في دين الله فحملت الانفة الأشراف على مناقضة المؤمنين في مقالتهم واستمروا على كفرهم وقوله سبحانه فعقروا الناقة يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير إن عقر الناقة كان على تمالىء منهم واتفاق وكذلك روي أن قدارا لم يعقرها حتى كان يستشير وعتوا معناه خشنوا وصلبوا ولم يذعنوا للأمر والشرع وصمموا على تكذيبه واستعجلوا النقمة بقولهم ائتنا بما تعدنا فحل بهم العذاب والرجفة ما تؤثره الصيحة أو الطامة التي يرجف بها الإنسان وهو أن يتحرك ويضطرب ويرتعد ومنه فرجع بها رسول الله صلى الله عليه و سلم يرجف فؤاده وروي أن صيحة ثمود كان فيها من كل صوت مهول وكانت مفرطة شقت قلوبهم فجثموا على صدورهم والجاثم اللاطىء بالأرض على صدره فجاثمين معناه باركين قد صعق بهم وهو تشبيه بجثوم الطير وجثوم الرماد قال بعض المفسرين معناه حمما محترقين كالرماد الجاثم وذهب صاحب هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعق محرقة وروي أن الصيحة أصابت كل من كان منهم في شرق الأرض وغربها إلا رجلا كان في الحرم فمعنه الحرم ثم هلك بعد خروجه من الحرم ففي مصنف أبي داود قيل يا رسول اله من ذلك الرجل قال أبو رغال وذكره الطبري أيضا عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا الخبر يرد ما في السير من أن أبا رغال هو دليل الفيل وقوله فتولى عنهم أي تولى عنهم وقت عقر الناقة وذلك قل نزول العذاب وكذلك روي أنه عليه السلام خرج من بين أظهرهم قبل نزول العذاب وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم ويحتمل أن يكون خطابه لهم وهم موتى على جهة التفجع عليهم وذكر حالهم أو غير ذلك كما خاطب النبي صلى الله عليه و سلم أهل قليب بدر قال الطبري وقيل أنه لم تهلك أمة ونبيها معها وروي أنه أرتحل بمن معه حتى جاء مكة فأقام بها حتى مات ولفظ التولي يقتضي اليأس من خيرهم واليقين في إهلاكهم وقوله ولكن لا تحبون الناصحين عبارة عن تغليبهم الشهوات على الرأي السديد إذ كلام الناصح صعب مضاد لشهوة الذي ينصح ولذلك تقول العرب أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك وقوله سبحانه ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين لوط عليه السلام بعثه الله سبحانه إلى أمة تسمى سدوم وروي أنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام ونصبه إما بارسلنا المتقدم في الأنبياء وأما بفعل محذوف تقديره واذكر لوطا والفاحشة إتيان الذكور في الأدبار وروي أنه لم تكن هذه المعصية في أمة قبلهم وحكم هذه الفاحشة عند مالك وغيره الرجم أحصن أم لم يحصن وحرق أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلا عمل عمل قوم لوط وقرأ نافع وغيره إنكم على الخبر كأنه فسر الفاحشة والإسراف الزيادة الفاسدة ولم تكن مراجعة قومه باحتجاج منهم ولا بمدافعة عقلية وإنما كانت بكفر وخذلان و يتطهرون معناه يتنزهون عن حالنا وعادتنا قال قتادة عابوهم بغير عيب وذموهم بغير ذم واستثنى الله سبحانه امرأة لوط عليه السلام من الناجين وأخبر أنها هلكت والغابر هو الباقي هذا هو المشهور في اللغة وقد يجيء الغابر بمعنى الماضي وكذلك حكى أهل اللغة غبر بمعنى بقي وبمعنى مضى وقوله و أمطرنا عليهم مطرا الآية أي بحجارة وروي أن الله تعالى بعث جبريل فاقتلعها بجناحه وهي ست مدن وقيل خمس وقيل أربع فرفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ الديكة ونباح الكلاب ثم عكسها ورد أعلاها أسفلها وأرسلها إلى الأرض وتبعتهم الحجارة مع هذا فأهلكت من كان منهم من كان في سفر أو خارجا من البقع المرفوعة وقالت امرأة لوط حين سمعت الوجبة واقوماه والتفتت فأصابتها صخرة فقتلتها وقوله سبحانه وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها الآية قيل في مدين أنه اسم بلد وقطر وقيل اسم قبيلة وقيل هم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل وهذا بعيد وروي أن لوطا هو جد شعيب لأمه وقال مكي كان زوج بنت لوط وأخاهم منصوب بأرسلنا في أول القصص والبينة إشارة إلى معجزته ولا تبخسوا معناه ولا تظلموا ومنه قولهم تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة خادعة وقال في سورة هود البخس النقص ت ويحتمل والله أعلم أن البخس هو ما اعتاده الناس من ذم السلع ليتوصلوا بذلك إلى رخصها فتأمله والله أعلم بما أراد سبحانه قال أبو حيان ولا تبخسوا متعد إلى مفعولين تقول بخست زيدا حقه أي نقصته إياه انتهى و أشيائهم يريد أمتعتهم وأموالهم ولا تفسدوا لفظ عام في دقيق الفساد وجليلة وكذلك الإصلاح عام ذلكم خير لكم أي عند الله إن كنتم مؤمنين أي بشرط الإيمان والتوحيد وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان ولا تقعدوا بكل صراط الآية قال السدي هذا نهي عن العشارين والمتغلبين ونحوه من أخذ أموال الناس بالباطل و الصراط الطريق وذكل أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل بخسهم ونقصهم الكيل والوزن وقال أبو هريرة رضي الله عنه هو نهي عن السلب وقطع الطرق وكان ذلك من فعلهم وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم وما تقدم من الآية يؤيد هذين القولين وقال ابن عباس وغيره قوله ولا تقعدوا نهى لهم عما كانوا يفعلونه من رد الناس عن شعيب وذلك أنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه وما بعد هذا من الألفاظ يشبه هذا من القول والضمير في به يحتمل أن يعود على اسم الله وأن يعود على شعيب في قوله من رأى القعود على الطرق للرد عن شعيب قال الداودي وعن مجاهد يبغونها عوجا يلتمسون لها الزيغ انتهى ثم عدد عليهم نعم الله تعالى وأنه كثرهم بعد قلة عدد وقيل أغناهم بعد فقرهمثم حذرهم ومثل لهم بمن امتحن من الأمم وقوله وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا الآية قوله اصبروا تهديد للطائفة الكافرة وقولهم أو لتعودن في ملتنا معناه أو لتصيرن وعاد في كلام العرب على وجهين أحدهما عاد الشيء إلى حال قد كان فيها قبل ذلك وهي على هذا الوجه لا تتعدى فإن عديت فبحرف ومنه قول الشاعر ... ألا ليت أيام الشباب جديد ... وعمرا تولى بابثين يعود ... ومنه قوله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه والوجه الثاني أن تكون بمعنى صار وعاملة عملها ولا تتضمن أن الحال قد كانت متقدمة ومنه قول الشاعر ... تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد ابوالا ... ومنه قول الآخر ... وعاد راسى كالثغامة ... ومنه قوله تعالى حتى عاد كالعرجون القديم على أن هذه محتملة بقوله في الآية أو لتعودن وشعيب عليه السلام لم يك قط كافرا فيقتضى أنها بمعنى صار وأما في جهة المؤمنين به بعد كفرهم فيترتب المعنى الآخر ويخرج عنه شعيب وقوله أو لو كنا كارهين توقيف منه لهم على شنعة المعصية وطلب أن يقروا بالسنتهم بإكراه المؤمنين على الإخراج ظلما وغسما قال ص قد افترينا هو بمعنى المستقبل لأنه سد مسد جواب الشرط وهو أن عدنا أو هو جوابه على قول انتهى وقوله إلا أن يشاء الله ربنا يحتمل أن يريد إلا أن يسبق علينا في ذلك من الله سابق سوء وينفذ منه قضاء لا يرد قال ع والمؤمنون هو المجوزون لذلك وأما شعيب فقد عصمته النبوءة وهذا أظهر مما يحتمل القول ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات وقيل أن هذا الاستثناء إنما هو تسنن وتأدب وقوله وسع ربنا كل شيء علما معناه وسع علم ربنا كل شيء كما تقول تصبب زيد عرقا أي تصبب عرق زيد و وسع بمعنى أحاط وقوله افتح معناه أحكم وقوله على الله توكلنا استسلام لله سبحانه وتمسك بلطفه وذلك يؤيذ التأويل الأول في قوله إلا أن شاء الله ربنا وقوله سبحانه وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا الآية أي قال الملأ لتباعهم ومقلديهم والرجفة الزلزلة الشديدة التي ينال الإنسان معها اهتزاز وارتعاد واضطراب فيحتمل أن فرقة من قوم شعيب هلكت بالرجفة وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة والرجفة كانتا في حين واحد ت و الرجفة هي الصيحة يرجف بسببها الفؤاد وكذلك هو مصرح بها في قصة قوم شعيب في قوله سبحانه وأخذت الذين ظلموا الصيحة الآية وقوله سبحانه كان لم يغنوا فيها الضمير في قوله فيها عائد على دارهم و يغنوا معناه يقيمون بنعمة وخفض عيش وهذا اللفظ فيه قوة الإخبار عن هلاكهم ونزول النقمة بهم والتنبيه على العبره والاتعاظ بهم ونحو هذا قول الشاعر ... كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ... قال ع فغنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضي وقوله يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم كلام يقتضي حزنا وإشفاقا لما رأى هلاك قومه إذ كان أمله فيهم غير ذلك ولما وجد في نفسه ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلى عنهم فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم ثم قال لنفسه لما نظر وفكر فكيف أسى على قوم كافرين ونحو هذا قوله صلى الله عليه و سلم لأهل قليب بدر و أسى معناه احزن قال مكي وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها وقوله سبحانه وما أرسلنا في قرية من بني إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون أخبر سبحانه أنه ما بعث نبيا في قرية وهي المدينة إلا أخذ أهلها المكذبين له بالبأساء وهي المصائب في المال وعوارض الزمن والضراء وهي المصائب في البدن كالأمراض ونحوها لعلهم يضرعون أي ينقادون إلى الإيمان وهكذا قولهم الحمى أضرعتني لك ثم بدلنا مكان السيئة وهي البأساء والضراء الحسنة وهي البأساء والضراء الحسنة وهي السراء والنعمة حتى عفوا معناه حتى كثروا يقال عفا النبات والريش إذا كثر نباته ومنه قوله صلى الله عليه و سلم احفوا الشوارب واعفوا اللحى ولما بدل الله حالهم بالخير لطفا بهم فنموا رأوا أن إصابة الضراء والسراء إنما هي بالاتفاق وليست بقصد كما يخبر به النبيء واعتقدوا أن ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم فجعلوه مثالا أي قد أصاب هذا آبائنا فلا ينبغي لنا أن ننكره ثم أخبر سبحانه أنه أخذ هذه الطوائف اللتي هذا معتقدها وقوله بغتة أي فجأة وأخذة أسف وبطشا للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه وقوله تعالى ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض أي من بركات المطر والنبات وتسخير الرياح والشمس والقمر في مصالح العباد وهذا بحسب ما يدركه نظر البشر ولله سبحانه خدام غير ذلك لا يحصى عددهم وما في علم الله أكثر وقوله سبحانه افأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون الآية تتضمن وعيدا للكافرين المعاصرين لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية قال ومن يؤمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك وهذا استفهام على جهة التوقيف والبأس العذاب و مكر الله هي إضافة مخلوق إلى خالق والمراد فعل يعاقب به مكرة الكفرة والعرب تسمي العقوبة باسم الذنب وقوله سبحانه أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها هذه الف تقرير دخلت على واو العطف و يهدي معناه يبين فيحتمل أن يكون المبين الله سبحانه ويحتمل أن يكون المبين قوله أن لو نشاء أي علمهم بذلك وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد يهدي معناه يتبين وهذه أيضا آية وعيد أي ألم يظهر لوارثي الأرض بعد أولئك الذين تقدم ذكرهم وما حل بهم أنا نقدر لو شئنا أصبناهم بذنوبهم كما فعلنا بمن تقدم وفي العبارة وعظ بحال من سلف من المهلكين وقوله سبحانه تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين تلك ابتداء و القرى قال قوم هو نعت والخبر نقص وعندي أن أهل القرى هي خبر الابتداء وفي ذلك معنى التعظيم لها ولمهلكها وهذا كما قيل في قوله تعالى الكتاب قال عليه السلام اولئك الملأ وكقوله ابن أبي الصلت تلك المكارم وهذا كثير ثم ابتدأ سبحانه الخبر عن جميعهم بقوله جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل هذا الكلام يحتمل وجوها من التأويل أحدها أن يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم فكذبوه لأول أمره ثم استبانت حجته وظهرت الآيات الدالة على صدقه مع استمرار دعوته فلجوا هم في كفرهم ولم يؤمنوا بما سبق به تكذيبهم والثاني من الوجوه أن يريد فما كان آخرهم في الزمن ليؤمن بما كذب به أولهم في الزمن بل مشى بعضهم على سنن بعض في الكفر أشار إلى هذا التأويل النقاش والثالث أن هؤلاء لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا لم يكن منهم إيمان قاله مجاهد وقرنه بقوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه والرابع أنه يحتمل فما كانوا ليؤمنوا بما سبق في علم الله سبحانه انهم مكذبون به وذكر هذا التأويل المفسرون وقوله سبحانه وما وجدنا لأكثرهم من عهد الآية اخبر سبحانه أنه لم يجد لأكثرهم ثبوتا على العهد الذي أخذه سبحانه على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره قاله أبو العالية عن أبي بن كعب ويحتمل أن يكون المعنى وما وجدنا لأكثرهم التزام عهد وقبول وصاة مما جاءتهم به الرسل عن الله ولا شكروا نعم الله عز و جل قال ص لأكثرهم يحتمل أن يعود على الناس أو على أهل القرى أو الأمم الماضية انتهى وقوله سبحانه ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها الآيات في هذه الآية عام في التسع وغيرها والضمير في من بعدهم عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم وقوله سبحانه فانظر كيف كان عاقبة المفسدين فيه وعيد وتحذير للكفرة المعاصرين لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق قرأ نافع وحده على بإضافة على إليه وقرأ الباقون على بسكون الياء قال الفارسي معنى هذه القراءة أن على وضعت موضع الباء كأنه قال حقيق بان لا أقول على الله إلا الحق وقال قوم حقيق صفة لرسول تم عندها الكلام وعلى خبر مقدم وأن لا أقول ابتداء وإعراب أن على قراءة من سكن الياء خفض وعلى قراءة من فتحها مشددة رفع وفي قراءة عبد الله حقيق أن لا أقول وهذا المخاطبة إذا تأملت غاية في التلطف ونهاية في القول اللين الي أمر به عليه السلام وقوله قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معني بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين البينة هنا إشارة إلى جميع آياته وهي على المعجزة منها أدل وهذا من موسى عليه السلام عرض نبؤته ومن فرعون استدعاء خرق العادة الدال على الصدق وظاهر هذه الآية وغيرها أن موسى عليه السلام لم تنبن شريعته إلا على بني إسرائيل فقط ولم يدع فرعون وقومه إلا إلى إرسال بني إسرائيل وذكره لعله يتذكر أو يخشى وقوله فالقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين روي ان موسى قلق به وبمجاورته فرعون فقال لأعوانه خذوه فألقى موسى العصا فصارت ثعبانا وهمت بفرعون فهرب منها وقال السدي أنه أحدث وقال يا موسى كفه عني فكفه وقال نحوه سعيد بن جبير ويقال أن الثعبان وضع اسفل لحييه في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر والثعبان الحية الذكر وهو أهول وأجرأ قاله الضحاك وقال قتادة صارت حية اشعر ذكرا وقال ابن عباس غرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها إلى فرعون وقوله مبين معناه لا تخييل فيه بل هو بين أنه ثعبان حقيقة و نزع يده معناه من جبيبه أو كمه حسب الخلاف في ذلك وقوله فإذا هي بيضاء للنظارين قال مجاهد كاللبن أو أشد بياضا وروي أنها كانت تظهر منيرة شفافة كالشمس تأتلق وكان موسى عليه السلام آدم أحمر إلى السواد ثم كان يرد يديه فترجع إلى لون بدنه قال فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارضة ودعا إلى الله بهما وخرق العادة بهما ت وظاهر الآية كما قال وليس في الآية ما يدل على أنه أراد بإلقاء العصا الانتظار والتخويف كما يعطيه ما تقدم ذكره من القصص وقوله عز و جل قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون لا محالة أنهم خافوا أمر موسى وجالت ظنونهم كل مجال وقوله فماذا تأمرون الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم لبعض وقيل انه من كلام فرعون لهم وروى كردم عن نافع تأمرون بكسر النون وكذلك في الشعراء وما استفهام وذا بمعنى الذي فهما ابتداء وخبر وفي تأمرون ضمير عائد على الذي تقديره تأمرون به ويجوز أن تجعل ماذا بمنزلة اسم واحد في موضع نصب بتأمرون ولا يضمر فيه على هذا وقوله قالوا ارجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم أشار الملأ على فرعون بأن يؤخر موسى وهارون ويدع النظر في أمرهما ويجمع السحرة وحكى النقاش أنه لم يكن يجالس فرعون ولد غية وإنما كانوا أشرافا ولذلك أشاروا بالإرجاء ولم يشيروا بالقتل وقالوا أن قتلته دخلت على الناس شبهة ولكن أغلبه بالحجة وقوله سبحانه وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين الأجر هنا الأجرة واختلف الناس في عدد السحرة على أقوال كثيرة ليس لها سند يوقف عنده والحاصل من ذلك أنهم جمع عظيم وقوله تعالى قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس وخير السحرة موسى في أن يتقدم في الإلقاء أو يتأخر وهذا فعل المدل الواثق بنفسه والظاهر أن التقدم في التخييلات والمخاريق أنجح لأن بديهتها تمضي بالنفوس فليظهر الله أمر نبوءة موسى قوى نفسه ويقينه ووثق بالحق فأعطاهم التقدم فنشطوا وسروا حتى أظهر الله الحق وأبطل سعيهم وقوله سبحانه سحروا أعين الناس نص في أن لهم فعلا ما زائد على ما يحدثونه من التزويق واسترهبوهم بمعنى أرهبوهم أي فزعوهم ووصف الله سبحانه سحرهم بالعظيم ومعنى ذلك من كثرته وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين بعيرا موقورة بالجبال والعصي فلما ألقوها تحركت وملأت الوادي يركب بعضها بعضا فاستهول الناس ذلك واسترههم قال الزجاج قيل أنهم جعلوا فيها الزيبق فكانت لا تستقر وقوله سبحانه وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون وروي أن موسى عليه السلام لما كان يوم الجمع خرج متكئا على عصاه ويده في يد أخيه وقد صف له السحرة في عدد عظيم حسبما ذكر فلما القوا واسترهبوا أوحى الله إليه أن ألق فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فعظم حتى كان كالجبل وروي أن السحرة لما ألقوا وألقى موسى جعلوا يرقون وجعلت حبالهم تعظم وجعلت عصا موسى تعظم حتى سدت الأفق وابتلعت الكل وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال والعصي أكلا واعدمها الله عز و جل ومد موسى يده إلى فمه فعاد عصا كما كان فعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر فخروا سجدا مؤمنين بالله ورسوله وتلقف معناه تبتلع وتزدرد وقرأ ابن جبير تلقم بالميم وقوله سبحانه فوقع الحق الآية أي نزل ووجد وقال أبو حيان فوقع أي فظهر والحق يريد به سطوع البرهان وظهور الإعجاز وما كانوا يعملون لفظ يعم سحر السحرة وسعي فرعون وشيعته والضمير في قوله فغلبوا عائد على جميعهم أيضا وفي قوله وانقلبوا صاغرين إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة فهم في الضمير وإن قدرناه بعد إيمانهم فليسوا في الضمير في قوله فغلبوا عائد على جميعهم أيضا وفي قوله وانقلبوا صاغرين إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة فهم في الضمير وإن قدرناه بعد إيمانهم فليسوا في الضمير ولا لحقهم صغار لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم وقوله سبحانه وإلقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال أأمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين لما رأى السحرة من عظيم القدرة ما تيقنوا به نبوءة موسى آمنوا بقلوبهم وانضاف إلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفزع من قدرة الله عز و جل فخروا لله سبحانه متطارحين قائلين بالسنتهم آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال ع وهارون أخو موسى اسن منه بثلاث سنين وقول فرعون به قبل أن آذن لكم دليل على وهنه وضعف أمره لأنه إنما جعل ذنبهم عدم إذنه والضمير في به يحتمل أن يعود على اسم الله سبحانه ويحتمل أن يعود على موسى عليه السلام وعنفهم فرعون على الإيمان قل أذنه ثم الزمهم أن هذا كان عن اتفاق منهم وروي في ذلك عن ابن عباس وابن مسعود أن موسى اجتمع مع رئيس السحرة واسمه شمعون فقال له موسى أرأيت إن غلبتكم أتؤمنون بي فقال نعم فعلم بذلك فرعون فلهذا قال إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ثم توعدهم وقوله سبحانه قالوا انا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا الآية هذا استسلام من مؤمني السحرة واتكال على الله سبحانه وثقة بما عنده وقرأ الجمهور تنقم بكسر القاف ومعناه وما تعد علينا ذنبا تواخذنا به إلا أن آمنا قال ابن عباس وغيره فيهم اصبحوا سحرة وأمسوا شهداء قال ابن عباس لما آمنت السحرة البتع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل وقول ملا فرعون أتذر موسى وقومه الآية مقالة تتضمن إغراء فرعون وتحريضه وقولهم ويذرك وإلهتك روي أن فرعون كان في زمنه للناس إلهة من بقر وأصنام وغير ذلك وكان فرعون قد شرع ذلك وجعل نفسه الاله الأعلى فقوله على هذا أنا ربكم الأعلى إنما يريد بالنسبة إلى تلك المعبودات وقيل إن فرعون كان يعبد حجرا يعلقه في صدره كأنه ياقوتة أو نحوها وعن الحسن نحوه وقوله سنقتل أبناءهم المعنى سنستمر على ما كنا عليه من تعذيبهم وقوله وانا فوقهم يريد في المنزلة والتمكن من الدنيا و قاهرون يقتضي تحقير أمرهم أي هم أقل من أن يهتم بهم قلت وهذا من عدو الله تجلد وإلا فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه أن هؤلاء لشرذمة قليلون وأنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون وقوله سبحانه قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا الآية لما قال فرعون سنقتل أبناءهم وتوعدهم قال موسى لبني إسرائيل يثبتهم ويعدهم عن الله تعالى استعينوا بالله والأرض هنا أرض الدنيا وهو الأظهر وقيل المراد هنا أرض الجنة وأما في الثانية فأرض الدنيا لا غير والصبر في هذه الآية يعم الانتظار الذي هو عبادة والصبر في المناجزات والبأس وقولهم أوذينا من قبل أن تأتينا يعنون به الذبح الذي كان في المدة التي كان فرعون يتخوف فيها أن يولد المولود الذي يخرب ملكه ومن بعد ما جئتنا يعنون به وعيد فرعون وسائر ما كان خلال تلك المدة من الاخافة لهم وقال ابن عباس والسدي إنما قالت بنوا إسرائيل هذه المقالة حين اتبعهم فرعون واضطرهم إلى البحر قال ع وبالجملة فهو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل من اضطرابهم على أنبيائهم وقلة يقينهم واستعطاف موسى لهم بقوله عسى ربكم أن يهلك عدوكم ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض يدل على أنه يستدعي نفوسا نافرة ويقوي هذا الظن في جهة بني إسرائيل سلوكهم هذا السبيل في غير ما قصة وقوله فينظر كيف تعملون تنبيه وحض على الاستقامة ولقد استخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان وقد فتحوا بيت المقدس مع يوشع وقوله سبحانه ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين أي بالجدوب والقحوط وهذه سيرة الله في الأمم وقوله ونقص من الثمرات أي حتى روي أن النخلة من نخلهم لا تحمل إلا ثمرة واحدة وقال نحوه رجاء بن حيوة وفعل الله تعالى بهم هذا لينيبوا ويزدجروا عماهم عليه من الكفر إذ أحوال الشدة ترق معها القلوب وترغب فيما عند الله سبحانه وقوله عز و جل فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه الآية كان القصد في اصابتهم بالقحط والنقص في الثمرات ان ينيبوا ويرجعوا فإذا هم قد ضلوا وجعلوها تشاؤما بموسى فكانوا إذا اتفق لهم اتفاق حسن في غلات ونحوها قالوا هذه لنا وبسببنا وإذا نالهم ضر قالوا هذا بسبب موسى وشؤمه قاله مجاهد وغيره وقرأ الجمهور يطيروا بالياء وشد الطاء والياء الأخيرة وقرأ طلحة بن مصرف وغيره تطيروا بالتاء وتخفيف الطاء وقرأ طلحة بن مصرف وغيره تطيروا بالتاء وتخفيف الطاء وقرأ مجاهد تشاءموا بموسى بالتاء حظهم ونصيبهم قال ابن عباس وهو مأخوذ من زجر الطير فسمي ما عند الله من فوق وبلفظ الشؤم وقوله سبحانه الا إنما طائرهم عند الله من القدر للإنسان طائرا لما كان الإنسان يعتقد أن كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في الطائر فهي لفظة مستعارة ومهما أصلها عند الخليل ماما فأبدلت الألف الأولى هاء وقال سيبويه هي مه ما خلطتا وهي حرف واحد لمعنى واحد وقال غيره معناها مه أي كف وما جزاء ذكره الزجاج وهذه الآية تتضمن طغيانهم وعتوهم وقطعهم على أنفسهم بالكفر البحت وقوله سبحانه فأرسلنا عليهم الطوفان الآية الطوفان مصدر من قولك طاف يطوف فهو عام في كل شيء يطوف إلا أن استعمال العرب له كثير في الماء والمطر الشديد قال ابن عباس وغيره الطوفان في هذه الآية هو المطر الشديد أصابهم وتوالى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم وقيل طم فيض النيل عليهم وروي في كيفيته قصص كثير وقالت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الطوفان المراد في هذه الآية هو الموت قلت ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا وروي أن الله عز و جل لما والى عليهم المطر عرقت أرضهم وامتنعوا من الزراعة قالوا يا موسى أدع لنا ربك في كشف هذا الغرق ونحن نؤمن فدعا فكشفه الله عنهم فانبتت الأرض إنباتا حسنا فنكثوا وقالوا ما نود انا لم نمطر وما هذا إلا إحسان من الله الينا فبعث الله عليهم حينئذ الجراد فأكل جميع ما انبتت الأرض فروى ابن وهب عن مالك أنه أكل حتى أبوابهم وأكل الحديد والمسامير وضيق عليهم غاية التضييق وترك الله من نباتهم ما يقوم به الرمق فقالوا لموسى ادع لنا ربك في كشف الجراد ونحن نؤمن فدعا الله فكشفه ورجعوا إلى كفرهم فبعث الله عليهم القمل وهي الدبى صغار الجراد الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس وغيره وقرأ الحسن القمل بفتح القاف وسكون الميم فهي على هذا القمل المعروف وروي أن موسى مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه فانتشر كله قملا في مصر ثم أنهم قالوا أدع في كشف هذا فدعا فرجعوا إلى طغيانهم وكفرهم فبعث الله عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم وإذا هم الرجل أن يتكلم وثب ضفدع في فمه قال ابن جبير كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع وقال ابن عباس لما أرسلت الضفادع عليهم وكانت برية سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء فقالوا يا موسى ادع في كشف هذا فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم فبعث الله عليهم الدم فرجع ماؤهم الذي يستقونه ويحصل عنده دما فروي أنه كان يستقى القبطي والإسرائيلي باناء واحد فإذا خرج الماء كان الذي يلي القبطي دما والذي يلي الإسراءيلي ماء إلى نحو هذا وشبهه من العذاب بالدم المنقلب عن الماء هذا قول جماعة من المتأولين وقال زيد بن أسلم إنما سلط عليهم الرعاف فهذا معنى قوله والدم وقوله آيات مفصلات التفصيل اصله في الإجرام إزالة الاتصال فهو تفريق شيئين فإذا استعمل في المعاني فيراد به أنه فرق بينها وأزيل اشتباكها وإشكالها فيجيء من ذلك بيانها وقالت فرقة مفصلات يراد بها مفرقات في الزمن قال الفخر قال المفسرون كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت وبين العذاب والعذاب شهر وهذا معنى قوله آيات مفصلات على هذا التأويل أي فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم وينظر ايقبلون الحجة والدليل أم يستمرون على الخلاف والتقليد انتهى وقوله عز و جل ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى أدع لنار بك بما عهد عندك الآية الرجز العذاب والظاهر من الآية أن المراد بالزجر هنا العذاب المتقدم الذكر من الطوفان والجراد وغيره وقال قوم الرجز هنا طاعون أنزله الله بهم والله أعلم وهذا يحتاج إلى سند وقولهم بما عهد عندك لغظ يعم جميع الوسائل بين الله وبين موسى من طاعة من موسى ونعمة من الله تبارك وتعالى ويحتمل أن يكون ذلك منهم على جهة القسم على موسى وقولهم لئن كشفت أي بدعائك لنؤمن ولنرسلن قسم وجوابه وهذا عهد من فرعون ملائه وروي أنه لما انكشف العذاب قال فرعون لموسى أذهب ببني إسرائيل حيث شئت فخالفه بعض ملائه فرجع ونكث وإذا هنا للمفاجأة والأجل يراد به غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت كما تقول أخرت كذا إلى وقت وأنت لا تريد وقتا بعينه فاللفظ متضمن توعدا ما وكانوا عنها غافلين أي غافلين عما تضمنته الآيات من النجاة والهدى وقوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها الآية الذين كانوا يستضعفون كناية عن بني إسرائيل ومشارق الأرض ومغاربها قال الحسن وغيره هي الشام وقالت فرقة يريد الأرض كلها وهذا يتجه إما على المجاز لأنه ملكهم بلادا كثيرة وإما على الحقيقة في أنه ملك ذريتهم وهم سليمان بن داود ويترجح التأويل الأول بوصف الأرض بأنها التي بارك فيها سبحانه وقوله سبحانه وتمت كلمة ربك الحسنى أي ما سبق لهم في علمه وكلامه في الأزل من النجاة من عدوهم والظهور عليه قاله مجاهد ويعرشون قال ابن عباس ومجاهد معناه يبنون قال ع رأيت للحسن البصري رحمه الله أنه احتج بقوله سبحانه وتمت كلمة ربك إلى آخر الآية على أنه ينبغي أن لا يخرج عن ملوك السوء وإنما ينبغي أن يصبر عليهم فإن الله سبحانه يدمرهم ورأيت لغيره أنه إذا قابل الناس البلاء بمثله وكلهم الله إليه وإذا قابلوه بالصبر وانتظار الفرج أتى الله بالفرج وروي هذا أيضا عن الحسن وقوله سبحانه وجاوزنا ببني إسرائيل البحر بحر القلزم فأتوا على قوم قيل هم الكنعانيون وقيل هم من لخم وجذام والقوم في كلام العرب هم الرجال خاصة يعكفون العكوف الملازمة على أصنام لهم قيل كانت بقرا وقال ابن جريج كانت تماثيل بقر من حجارة وعيدان ونحوها وذلك كان أول فتنة العجل وقولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة يظهر منه استحسانهم لما رأوه من تلك الآلهة بجهلهم فارادوا أن يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى أجعل لنا صنما نفرده بالعبادة ونكفر بربك وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي نصه النبي صلى الله عليه و سلم في قول أبي واقد الليثي أجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فأنكره النبي صلى الله عليه و سلم وقال الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل أجعل لنا إلها كما لهم آلهة لتتبعن سنن من قبلكم الحديث ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادا وقال بعض الناس كان ذلك من بني إسرائيل كفرا ولفسظة الآله تقتضي ذلك وهذا محتمل وما ذكرته أولا أصح والله أعلم قلت وقولهم هذا ألهكم واله موسى وجواب موسى هنا يقوى الاحتمال الثاني نعم الذي يجب أن يعتقد أن مثل هذه المقالات إنما صدرت من اشرارهم وقريبي العهد بالكفر قال الشيخ الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي ثم السهيلي ذكر النقاش في قوله تعالى فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم انهم كانوا من لحم وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر وأن السامري كان أصله منهم ولذلك نزع إلى عبادة العجل انتهى والله أعلم وهذا هو معنى ما تقدم من كلام ع وقوله إن هؤلاء متبر ما هم فيه أي مهلك مدمر رديء العاقبة والتبار الهلاك واناء متبر أي مكسور وكسارته تبر ومنه تبر الذهب لأنه كسارة وقوله ما هم فيه يعم جميع أحوالهم وباطل معناه فاسد ذاهب مضمحل وابغيكم معناه أطلب ثم عدد عليهم سبحانه في هذه الآية النعم التي بحب من أجلها أن لا يكفروا به ولا يرغبوا في عبادة غيره فقال وإذ أنجيناكم من آل فرعون الآية و يسومونكم معناه يحملونكم ويكلفونكم ومساومة البيع تنظر إلى هذا فإن كل واحد من المتساومين يكلف صاحبه أرادته ثم فسر سوء العذاب بقوله يقتلون أبناءكم الآية وقوله سبحانه وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر الآية قال ابن عباس وغيره الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة وان العشر هي عشر ذي الحجة وروي أن الثلاثين إنما وعد بأن يصومها وأن مدة المناجاة هي العشر وحيث ورد أن المواعدة أربعون ليلة فذلك اخبار بجملة الأمر وهو في هذه الآية اخبار بتفصيله والمعنى في قوله وكلمه ربه أنه خلق له أدراكا سمع به الكلام القائم بالذات القديم الذي هو صفة ذات وكلام الله سبحانه لا يشبه كلام المخلوقين وليس في جهة من الجهات وكما هو موجود لا كالموجودات ومعلوم لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه علامات الحدوث وجواب لما في قوله قال والمعنى أنه لما كلمه الله عز و جل وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشوق إلى ذلك فسأل ربه الرؤية ورؤية الله عز و جل عند أهل السنة جائزة عقلا لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته قالوا لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالا وإنما سأله جائزا وقوله سبحانه لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل الآية ليس بجواب من سأل محالا ولن تنفي الفعل المستقبل ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه موسى أبدا ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى بالحديث المتواتر أن أهل الإيمان يرون الله يوم القيامة فموسى عليه السلام أحرى برؤيته قلت وأيضا قال تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فهو نص في الرؤية بينه صلى الله عليه و سلم ففي الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وازواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث من غير وجه مرفوعا وموقوفا انتهى قال مجاهد وغيره أن الله عز و جل قال له يا موسى لن تراني ولكن سأتجلى للجبل وهو أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي فستمكنك أنت رؤيتي قال ع فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالا قلت وقول ع ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه موسى أبدا ولا في الآخرة قول مرجوح لم يتفطن له رحمه الله والحق الذي لا شك فيه أن لن لا تقتضي النفي المؤبد قال بدر الدين أبو عبد الله بن مالك في شرح التسهيل ولن كغيرها من حروف النفي في جواز كون استقبال المنفي بها منقطعا عند حد وغير منقطع وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لتأبيد النفي وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يرى وهو اعتقاد باطل لصحة ثبوت الرؤية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنفي بها مغيا إلى غاية ينتهي بانتهائها كما في قوله تعالى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى وهو واضح انتهى ونحوه لأبن هشام ولفظه ولا تفيد لن توكيد المنفي خلافا للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافا له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل قيل ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في فلن اكلم اليوم أنسيا ولكان ذكره الأبد في ولن يتمنوه أبدا تكرارا والأصل عدمه انتهى من المعنى وقوله سبحانه فلما تجلى ربه للجبل التجلي هو الظهور من غير تشبيه ولا تكليف وقوله جعله دكا المعنى جعله أرضا دكا يقال ناقة دكاء أي لا سنام لها وخر موسى صعقا أي مغشيا عليه قاله جماعة من المفسرين قال ص وخر معناه سقط وقوله سبحانك أن تنزيها لك كذا فسره النبي صلى الله عليه و سلم وقوله تبت إليك معناه من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها فيها قال ع ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول المطلع ولم يعن التوبة من شيء معين ولكنه لفظ لائق بذلك المقام والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال المحال كما زعمت المعتزلة وقوله وأنا أول المؤمنين أي من قومه قاله ابن عباس وغيره أو من أهل زمانه إن كان الكفر قد طبق الأرض أو أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية 3وقوله سبحانه فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين فيه تأديب وتقنيع وحمل على جادة السلامة ومثال لكل أحد في حاله فإن جميع النعم من عند الله سبحانه بمقدار وكل الأمور بمرأى منه ومسمع وكتبنا له في الألواح من كل شيء أي من كل شيء ينفع في معنى الشرع وقوله وتفصيلا لكل شيء مثله وقوله بقوة أي بجد وصبر عليها قاله ابن عباس وقوله بأحسنها يحتمل معنيين أحدهما التفضيل كما إذا عرض مثلا مباحان كالعفو والقصاص فيأخذون بالأحسن منهما والمعنى الثاني يأخذون بحسن وصف الشريعة بجملتها كما تقول الله أكبر دون مقايسة وقوله سبحانه ساوريكم دار الفاسقين الرؤية هنا رؤية عين هذا هو الأظهر إلا أن المعنى يتضمن الوعد للمؤمنين والوعيد للفاسقين ودار الفاسقين قيل هي مصر والمراد آل فرعون وقيل الشام والمراد العمالقة وقيل جهنم والمراد الكفرة بموسى وقيل غير هذا مما يفتقر إلى صحة إسناد وقوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض الآية المعنى سأمنع وأصد قال سفيان ابن عيينة الآيات هنا كل كتاب منزل قال ع والمعنى عن فهمها وتصديقها وقال ابن جريج الآيات العلامات المنصوبة الدالة على الوحدانية والمعنى عن النظر فيها والتفكر والاستدلال بها واللفظ يعم الوجهين والمتكبرون في الأرض بغير الحق هم الكفار قلت ويدخل في هذا المعنى من تشبه بهم من عصاة المؤمنين والمعنى في هذه الآية سأجعل الصرف عن الآيات عقوبة للمتكبرين على تكبرهم وقوله وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتم من الله على الطائفة التي قدر عليهم أن لا يؤمنوا وقوله ذلك إشارة إلى الصرف المتقدم وقوله سبحانه والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة الآية هذه الآية مؤكدة للتي قبلها وفيها تهديد وقوله سبحانه واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار الخوار صوت البقر وقرأت فرقة له جؤار بالجيم أي صياح ثم بين سبحانه سوء فطرهم وقرر فساد اعتقادهم بقوله ألم يروا أنه لا يكلمهم الآية وقوله وكانوا ظالمين اخبار عن جميع أحوالهم ماضيا وحالا ومستقبلا وقد مر في البقرة قصة العجل فأغنى عن إعادته قال أبو عبيدة يقال لمن ندم على أمر وعجز عنه سقط في يده وقول بني إسرائيل لئن لم يرحمنا ربنا إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم ورؤيتهم أنهم قد خرجوا من الدين ووقعوا في الكفر وقوله سبحانه ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا يريد رجع من المناجات والأسف قد يكون بمعنى الغضب الشديد وأكثر ما يكون بمعنى الحزن والمعنيان مترتبان هنا وعبارة ص غضبان صفة مبالغة والغضب غليان القلب بسبب ما يؤلم وأسفا من أسف فهو أسف كفرق فهو فرق يدل على ثبوت الوصف ولو ذهب به مذهب الزمان لقيل أسف على وزن فاعل والأسف الحزن انتهى وقوله تعالى اعجلتم معناه اسابقتم قضاء ربكم واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر به قال سعيد بن جبير عن ابن عباس كان سبب إلقائه الألواح غضبه على قومه في عبادتهم العجل وغضبه على أخيه في إهمال أمرهم قال ابن عباس لما ألقاها تكسرت فرفع أكثرها الذي فيه تفصيل كل شيء وبقي الذي في نسخته الهدى والرحمة وهو الذي أخذ بعد ذلك قال ابن عباس كانت الألواح من زمرذ وقيل من ياقوت وقيل من زبرجد وقيل من خشب والله أعلم وقوله ابن أم استعطاف برحم الأم إذ هو الصق القرابات وقوله كادوا معناه قاربوا ولم يفعلوا وقوله ولا تجعلني مع القوم الظالمين يريد عبدة العجل وقوله سبحانه إن الذين أتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وقد وقع ذلك النيل بهم في عهد موسى عليه السلام فالغضب والذلة هو أمرهم بقتل أنفسهم وقال بعض المفسرين الذلة الجزية ووجه هذا القول أن الغضب والذلة بقيت في عقب هؤلاء وقال ابن جريج الإشارة إلى من مات من عبدة العجل قبل التوبة بقتل الأنفس وإلى من فر فلم يكن حاضرا وقت القتل والغضب من الله عز و جل إن اخذ بمعنى الإرادة فهو صفة ذات وإن أخذ بمعنى العقوبة وإحلال النقمة فهو صفة فعل وقوله وكذلك نجزي المفترين المراد أولا أولئك الذين افتروا على الله سبحانه في عبادة العجل وتكون قوة اللفظ تعم كل مفتر إلى يوم القيامة وقد قال سفيان بن عيينة وأبو قلابة وغيرهما كل صاحب بدعة أو فرية ذليل واستدلوا بالآية وقوله سبحانه والذين عملوا السيئات الآية تضمنت وعدا بأن الله سبحانه يغفر للتائبين وقرأ معاوية بن قرة ولما سكن عن موسى الغضب قال أبو حيان واللام في لربهم يرهبون مقوية لوصول الفعل وهو يرهبون إلى مفعوله المتقدم وقال الكوفيون زائدة وقال الأخفش لام المفعول له أي لأجل ربهم انتهى قلت قال ابن هشام في المغنى ولام التقوية هي المزبدة لتقوية عامل ضعف إما لتأخير نحو لربهم يرهبون وإن كنتم للرؤيا تعبرون أو لكونه فرعا في العمل نحو مصدقا لما معهم فعال لما يريد وقد اجتمع التأخير والفرعية في كنا لحكمهم شاهدين انتهى وقوله واختار موسى قومه الآية قال الفخر قال جماعة النحويين معناه واختار موسى من قومه فحذف من يقال اخترت من الرجال زيدا واخترت من الرجال زيدا انتهى قال ع معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام اختار من قومه هذه العدة ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء فيكون منه ومنهم اعتذار إلى الله سبحانه من خطأ بني إسرائيل في عبادة العجل وقد تقدم في سورة البقرة قصصهم قالت فرقة من العلماء أن موسى عليه السلام لما أعلمه الله سبحانه بعبادة بني إسرائيل العجل وبصفته قال موسى أي رب ومن أختاره قال أنا قال موسى فأنت يا رب أضللتهم أن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء أي أن الأمور بيدك تفعل ما تريد وقوله سبحانه واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة الآية اكتب معناه اثبت واقض والكتب مستعمل في كل ما يخلد وحسنة لفظ عام في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة لله سبحانه وغير ذلك وحسنة الأخرى الجنة لا حسنة دونها ولا مرمى وراءها وهدنا بضم الهاء معناه تبنا وقوله سبحانه قال عذابي أصيب به من أشاء يحتمل أن يريد بالعذاب الرجفة التي نزلت بالقوم ثم أخبر سبحانه عن رحمته ويحتمل وهو الأظهر أن الكلام قصد به الخبر عن عذابه وعن رحمته وتصريف ذلك في خليقته كما يشاء سبحانه ويندرج في عموم العذاب أصحاب الرجفة وقرأ الحسن بن أبي الحسن وطاوس وعمرو بن فائد من أساء من الإساءة ولا تعلق فيه للمعتزلة وأطنب القراء في التحفظ من هذه القراءة وحملهم على ذلك شحهم على الدين وقوله سبحانه ورحمتي وسعت كل شيء قال بعض العلماء هو عموم في الرحمة وخصوص في قوله كل شيء والمراد من قد سبق في علم الله أن يرحمهم وقوله سبحانه فسأكتبها أي أقدرها وأقضيها وقال نوف البكالي أن موسى عليه السلام قال يا رب جعلت وفادتي لأمه محمد عليه السلام وقوله ويؤتون الزكاة الظاهر أنها الزكاة المختصة بالمال وروي عن ابن عباس أن المعنى يؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم وقوله سبحانه الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الآية هذه ألفاظ أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله فسأكتبها للذين يتقون وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس وغيره قلت وهذه الآية الكريمة معلمة بشرف هذه الأمة على العموم في كل من آمن بالله تعالى وأقر برسالة النبي صلى الله عليه و سلم ثم هم يتفاوتون بعد في الشرف بحسب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبي صلى الله عليه و سلم قال الغزالي رحمة الله في الأحياء وإنما أمته صلى الله عليه و سلم من اتبعه وما أتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة فإنه عليه السلام ما دعا إلا إلى الله واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما تعرض عن الدنيا وتقبل على الآخرة تسلك سبيله الذي سلكه صلى الله عليه و سلم وبقدر ما سلكت سبيله فقد اتبعته وبقدر ما اتبعته صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى انتهى فإن أردت إتباع النبي صلى الله عليه و سلم على الحقيقة واقتفاء أثره فأبحث عن سيرته وخلقه في كتب الحديث والتفسير قال ابن القطان في تصنيفه الذي صنفه في الآيات والمعجزات والقول الوجيز في زهده وعبادته وتواضعه وسائر حلاه ومعاليه صلى الله عليه و سلم أنه ملك من أقصى اليمن إلى صحراء عمان إلى أقصى الحجاز ثم توفي عليه السلام وعليه دين ودرعه مرهونة في طعام لأهله ولم يترك دينارا ولا درهما ولا شيد قصرا ولا غرس نخلا ولا شقق نهرا وكان يأكل على الأرض ويجلس على الأرض ويلبس العباءة ويجالس المساكين ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ويلعق أصابعه ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويصلح خصه ويمهن لأهله ولا يأكل متكئا ويقول أنا عبد آكل كما يأكل العبد ويقتص من نفسه ولا يرى ضاحكا ملء فيه ولو دعي إلى ذراع لأجاب ولو اهدي إليه كراع لقبل لا يأكل وحده ولا يضرب عبده ولا يمنع رفده ولا ضرب قط بيده إلا في سبيل الله وقام لله حتى ورمت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبدا شكورا وكان يسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء إذا قال بالليل صلى الله عليه و سلم على آله وأتباعه صلاة دائمة إلى يوم القيامة انتهى وقال الفخر قوله تعالى الذين يتبعون الرسول الآية قال بعضهم الإشارة بذلك إلى من تقدم ذكره من بني إسرائيل والمعنى يتبعونه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل وقال بعضهم بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام النبي صلى الله عليه و سلم فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا أتبعوا النبي الأمي قال الفخر وهذا القول أقرب وقوله يجدونه أي يجدون صفة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ونعته ففي البخاري غيره عن عبد الله بن عمرو أن في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه و سلم يا أيها النبي أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزئى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فنقيم به قلوبا غلفا وآذانا صما واعينا عميا وفي البخاري فيفتح به عيونا عمياء وآذانا صما وقلوبا غلفا ونص كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إلا أنه قال قلوبا غلوفا وآذانا صموما سبحانه يأمرهم بالمعروف الآية يحتمل أن يكون ابتداء كلام وصف به النبي صلى الله عليه و سلم ويحتمل أن يكون متعلقا بيجدونه في موضع الحال على تجوز أي يجدونه في التوراة أمرا بشرط وجوده والمعروف ما عرف بالشرع وكل معروف من جهة المرؤة فهو معروف بالشرع فقد قال صلى الله عليه و سلم بعثت لأتمم محاسن الأخلاق والمنكر مقابله والطيبات عند مالك هي المحللات والخبائث هي المحرمات وكذلك قال ابن عباس والأصر الثقل وبه فسر هنا قتادة وغيره والأصر أيضا العهد وبه فسر ابن عباس وغيره وقد جمعت هذه الآية المعنيين فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم العهد بأن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقال ابن جبير الأصر شدة العبادة وقرأ أبن عامر آسارهم بالجمع فمن وحد الأصر فإنما هو اسم جنس عنده يراد به الجمع والأغلال التي كانت عليهم عبادة مستعارة أيضا لتلك الأثقال كقطع الجلد من أثر البول وإن لادية ولا بد من قتل القاتل إلى غير ذلك هذا قول جمهور المفسرين وقال ابن زيد إنما المراد هنا بالأغلال قول الله عز و جل في اليهود غلت أيديهم فمن آمن بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم زالت عنه الدعوة وتغليلها ومعنى عزروه أي وقروه فالتعزير والنصر مشاهدة خاصة للصحابة واتباع النور يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة والنور كناية عن جملة الشرع وشبه الشرع والهدى بالنور إذ القلوب تستضيء به كما يستضيء البصر بالنور وقوله سبحانه قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا هذا أمر من الله سبحانه لنبيه بإشهار الدعوة العامة وهذه من خصائصه صلى الله عليه و سلم من بين سائر الرسل فإنه صلى الله عليه و سلم بعث إلى الناس كافة وإلى الجن وكل نبي إنما بعث إلى فرقة دون العموم وقوله سبحانه فآمنوا بالله ورسوله الآية حض على اتباع نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله الذي يؤمن بالله وكلماته أي يصدق بالله وكلماته والكلمات هنا الآيات المنزلة من عند الله كالتوراة والإنجيل وقوله واتبعوه لفظ عام يدخل تحته جميع الزامات الشريعة جعلنا الله من متبعيه على ما يلزم بمنه ورحمته قلت فإن أردت الفوز أيها الأخ فعليك باتباع النبي صلى الله عليه و سلم وتعظيم شريعته وتعظيم جميع أسبابه قال عياض ومن إعظامه صلى الله عليه وإكباره إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته ومعاهده وما لمسه عليه السلام أو عرف به حدثت أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا ... ولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا ... ... نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا ... وحكي عن بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة الرسول عليه السلام أنشأ يقول ... رفع الحجاب للنا فلاح لناظري ... قمر تقطع دونه الأوهام ... ... وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام ... ... قربنا من خير من وطئى الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام ... وحكي عن بعض المشايخ أنه حج ماشيا فقيل له في ذلك فقال العبد الآبق يأتي إلى بيت مولاه راكبا لو قدرت أن أمشي على رأسي ما مشيت على قدمي قال عياض وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل وتردد فيها جبريل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح واشتملت ربتها على جسد سيد البشر وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر مدارس آيات ومساجد وصلوات ومشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات ان تعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها وتقبل ربوعها وجدراتها ... يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام خص بالآيات ... ... عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمرات ... الآبيات انتهى من الشفا وقوله سبحانه ومن قوم موسى أمة يهدون أي يرشدون أنفسهم وهذا الكلام يحتمل أن يريد به وصف المؤمنين منهم على عهد موسى وما والاه من الزمن فأخبر سبحانه أنه كان في بني إسرائيل على عتوهم وخلافهم من اهتدى واتقى وعدل ويحتمل أن يريد الجماعة التي آمنت بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم من بني إسرائيل على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم وقوله أسباطا بدل من اثنتي والتمييز الذي بين العدد محذوف تقديره اثنتي عشرة فرقة أو قطعة أسباطا وقوله سبحانه وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن أضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام الآية انبجست بمعنى انفجرت وقد تقدم الكلام على هذه المعاني في البقرة وقوله سبحانه وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب تغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون القرية هي بيت المقدس وقيل أريحاء وبدل معناه غير اللفظ وقوله سبحانه وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الآية قال بعض المتأولين أن اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه و سلم قالوا أن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به فنزلت هذه الآية موبخة لهم فسؤالهم إنما هو على جهة التوبيخ والقرية هنا ايلة قاله ابن عباس وغيره وقيل مدين وحاضرة البحر أي البحر فيها حاضر ويحتمل أن يريد معنى الحاضرة على جهة التعظيم لها أي هي الحاضرة في مدن البحر ويعدون معناه يخالفون الشرع من عدا يعدو وشرعا أي مقلبة إليهم مصطفة كما تقول شرعت الرماح إذا مدت مصطفة وعبارة البخاري شرعا أي شوارع انتهى والعامل في قوله ويوم لا يسبتون قوله لا تأتيهم وهو ظرف مقدم ومعنى قوله كذلك الإشارة إلى أمر الحوت وفتنتهم به هذا على من وقف على تأتيهم ومن وقف على كذلك فالإشارة إلى كثرة الحيتان شرعا أي فما أتى منها يوم لا يسبتون فهو قليل ونبلوهم أي نمتحنهم بفسقهم وعصيانهم وقد تقدم في البقرة قصصهم وقوله سبحانه قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا جمهور المفسرين أن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق فرقة عصت وفرقة نهت وجاهرت وتكلمت واعتزلت وفرقة اعتزلت ولم تعص ولم تنه وإن هذه الفرقة لما رأت مجاهرة الناهية وطفيان العاصية وعتوها قالت للناهية لم تعظون قوما يريدون العاصية الله مهلكهم أو معذبهم فقالت الناهية موعظنتنا معذرة إلى الله أي إقامة عذر ومعنى مهلكهم أي في الدنيا أو معذبهم أي في الآخرة والضمير في قوله نسوا للمنهيين وهو ترك سمي نسيانا مبالغة وما في قوله ما ذكروا به بمعنى الذي والسؤ لفظ عام في جميع المعاصي إلا الذي يختص هنا بحسب قصص الآية هو صيد الحوت والذين ظلموا هم العاصون وقوله بعذاب بيس معناه مؤلم موجع شديد واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه فقيل نجت مع الناجين وقيل هلكت مع العاصين وقوله بما كانوا يفسقون أي لأجل ذلك وعقوبة عليه والعتو الاستعصاء وقلة الطواعية وقوله سبحانه قلنا لهم كونوا يحتمل أن يكون قولا بلفظ من ملك أسمعهم فكان اذهب في الأغراب والهول والاصغار ويحتمل أن يكون عبارة عن القدرة المكونة لهم قردة وخاسئين معناه مبعدين فخاسئين خبر بعد خبر فهذا اختيار أبي الفتح وضعف الصفة فروي أن الشباب منهم مسخوا قردة والرجال الكبار مسخوا خنازير وقوله سبحانه وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب معنى هذا الآية وإذ علم الله ليبعثن وتقتضي قوة الكلام أن ذلك العلم منه سبحانه مقترن بانفاذ وامضاء كما تقول في أمر عزمت عليه علم الله لأفعلن وقال الطبري وغيره تأذن معناه اعلم وقال مجاهد تأذن معناه أمر وقالت فرقة معنى تأذن تألى والضمير في عليهم لبني إسرائيل وقوله يسومهم وقوله من يسومهم قال ابن عباس هي إشارة إلى محمد صلى الله عليه و سلم وأمته يسومون اليهود سوء العذاب قال ع والصحيح أن هذا حالهم في كل قطر ومع كل ملة ويسومهم معناه يكلفهم ويحملهم وسوء العذاب الظاهر منه أنه الجزية والإذلال وقد حتم الله عليهم هذا وحط ملكهم فليس في الأرض راية ليهودي ثم حسن في آخر الآية التنبيه على سرعة العقاب والتخويف لجميع الناس ثم رجى سبحانه بقوله لغفور رحيم لطفا منه بعباده جل وعلا وقطعناهم في الأرض معناه فرقناهم في الأرض قال الطبري عن جماعة من المفسرين ليس في الأرض بقعة إلا وفيها معشر من اليهود والظاهر في المشار إليهم بهذه الآية أنهم الذين بعد سليمان وقت زوال ملكهم والظاهر أنهم قبل مدة عيسى عليه السلام لأنهم لم يكن فيهم صالح بعد كفرهم بعيسى صلى الله عليه و سلم وبلوناهم معناه امتحناهم بالحسنات أي بالصحة والرخاء ونحو هذا مما هو بحسب رأي ابن آدم ونظره والسيئات مقابلات هذه لعلهم يرجعون إلى الطاعة وقوله سبحانه فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب الآية خلف معناه حدث خلفهم وبعدهم وخلف بإسكان اللام يستعمل في الأشهر في الذم وقوله سبحانه يأخذون عرض هذا الأدنى إشارة إلى الرشى والمكاسب الخبيثة والعرض ما يعرض ويعن ولا يثبت والأدنى إشارة إلى عيش الدنيا وقولهم سيغفر لنا ذم لهم باغترارهم وقولهم سيغفر لنا مع علمهم بما في كتاب الله من الوعيد على المعاصي وإصرارهم وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها فهؤلاء عجزة كما قال النبي صلى الله عليه و سلم والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله فهؤلاء قطعوا بالمغفرة وهم مصرون وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم وقوله سبحانه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب الآية تشديد في لزوم قول الحق على الله في الشرع والأحكام وقوله ودرسوا ما فيه معطوف على قوله ألم يؤخذ لأنه بمعنى المضي والتقدير أليس قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه وبهذين الفعلين تقوم الحجة عليهم في قولهم الباطل وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وادارسوا ما فيه ثم وعظ وذكر تبارك وتعالى بقوله والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون وقرأ أبو عمرو أفلا يعقلون بالياء من اسفل وقوله سبحانه والذين يمسكون بالكتاب عطف على قوله للذين يتقون وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر يمسكون بسكون الميم وتخفيف السين وقرأ الأعمش والذين استمسكوا وقوله عز و جل وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة معناه اقتلعنا ورفعنا وقد تقدم قصص الآية في البقرة وقوله سبحانه ما فيه تدبروه واحفظوا أوامره ونواهيه فما وفوا وقوله سبحانه وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا الآية قوله من ظهورهم قال النحاة هو بدل اشتمال من قوله من بني آدم وتواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي صلى الله عليه و سلم من طرق أن الله عز و جل استخرج من ظهر آدم عليه السلام نسم بنيه ففي بعض الروايات كالذر وفي بعضها كالخردل وقال محمد بن كعب أنها الأرواح جعلت لها مثالات وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أخذوا من ظهر آدم كما يؤخذ بالمشط من الرأس وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا اله غيره فاقروا بذلك والتزموه وأعلمهم أنه سيبعث الرسل إليهم مذكرة وداعية فشهد بعضهم على بعض وشهد الله عليهم وملائكته قال الضحاك بن مزاحم من مات صغيرا فهو على العهد الأول ومن بلغ فقد أخذه العهد الثاني يعني الذي في هذه الحياة المعقولة الآن وقوله شهدنا يحتمل أن يكون من قول بعض النسم لبعض فلا يحسن الوقف على قوله بلى ويحتمل أن يكون قوله شهدنا من قول الملائكة فيحسن الوقف على قوله بلى قال السدي المعنى قال الله وملائكته شهدنا ورواه عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين الآية المعنى ليلا تقولوا أو مخافة أن تقولوا والمعنى في هذه الآية أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان احداهما أن يقولوا كنا عن هذا غافلين والأخرى كنا تباعا لأسلافنا فكيف نهلك والذنب إنما هو لمن طرق لنا واضلنا فوقع شهادة بعضهم على بعض وشهادة الملائكة عليهم لتنقطع لهم هذه الحجة وقوله سبحانه واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا قال ابن عباس هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم بن باعوراء وقيل بلعام بن باعر وقيل غيره هذا وكان في جملة الجبارين الذين غزاهم موسى عليه السلام فلما قرب منهم موسى لجؤا إلى بلعام وكان صالحا مستجاب الدعوة وقيل كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها وقيل كان يعلم أسم الله الأعظم قاله ابن عباس أيضا وهذا الخلاف هو في المراد بقوله آتيناه آياتنا فقال له قومه أدع الله على موسى وعسكره فقال لهم وكيف ادعوا على نبي مرسل فما زالوا به حتى فتنوه فخرج حتى أشرف على جبل يرى منه عسكر موسى وكان قد قال لقومه لا أفعل حتى استامر ربي ففعل فنهي عن ذلك فقال لهم قد نهيت فما زالوا به حتى قال سأستامره ثانية ففعل فسكت عنه فاخبرهم فقالوا له ان الله لم يدع نهيك إلا وقد أراد ذلك فخرج فلما أشرف على العسكر جعل يدعو على موسى فتحول لسانه بالدعاء لموسى والدعاء على قومه فقالوا له ما تقول فقال إني لا أملك هذا وعلم أنه قد أخطأ فروي أنه قد خرج لسانه على صدره فقال لقومه إني قد هلكت ولكن لم يبق لكم إلا الحيلة فأخرجوا النساء إلى عسكر موسى على جهة التجر وغيره ومروهن إلا تمتنع امرأة من رجل فأنهم إذا زنوا هلكوا ففعلوا فخرج النساء فزنى بهن رجال من بني إسرائيل وجاء فنحاص بن العيزار بن هارون فانتظم برمحه امرأة ورجلا من بني إسرائيل ورفعهما على أعلى الرمح فوقع في بني إسرائيل الطاعون فمات منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا ثم ذكر المعتمر عن أبيه أن موسى عليه السلام قتل بعد ذلك الرجل المنسلخ من آيات الله قال المهدوي روي أنه دعا على موسى أن لا يدخل مدينة الجبارين فأجيب ودعا عليه موسى أن ينسى اسم الله الأعظم فأجيب وفي هذه القصة روايات كثيرة تحتاج إلى صحة إسناد وانسلخ عبارة عن البراءة منها والإنفصال والبعد كالمنسلخ من الثياب والجلد واتبعه الشيطان أي صيره تابعا كذا قال الطبري إما لضلالة رسمها له وإما لنفسه ومن الغاوين أي من الضالين ولو شيئنا لرفعناه بها قال ابن عباس وجماعة معنى لرفعناه لشرفنا ذكره ورفعنا منزلته لدينا بهذه الآيات التي آتيناه ولكنه اخلذ إلى الأرض أي تقاعس إلى الحضيض الأسفل الأخس من شهوات الدنيا ولذاتها وذلك أن الأرض وما أرتكن فيها هي الدنيا وكل ما عليها فإن ومن أخلد إلى الفاني فقد حرم حظ الآخرة الباقية ت قال الهروي قوله أخلد إلى الأرض معناه سكن إلى لذاتها واتبع هواه يقال أخلد إلى كذا أي ركن إليه واطمأن به انتهى قال عبد الحق الأشبيلي رحمه الله في العاقبة وأعلم رحمك الله أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابا ولها طرق وأبواب أعظمها الاكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة وقد سمعت بقصة بلعام بن الإكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء وماكان أتاه الله تعالى من آياته واطلعه عليه من بيناته وما أراه من عجائب ملكوته أخلد إلى الأرض واتبع هواه فسلبه الله سبحانه جميع ما كان أعطاه وتركه مع من استماله وأغواه انتهى وقوله فمثله كمثل الكلب شبه به في أنه كان ضالا قبل أن يؤتى الآيات ثم اوتيها فكان أيضا ضالا لم تنفعه فهو كالكلب في انه لا يفارق اللهت في كل حال هذا قول الجمهور وقال السدي وغيره أن هذا الرجل عوقب في الدنيا فإنه كان يلهث كما يلهت الكلب فشبه به صورة وهيئة وذكر الطبري عن ابن عباس أن معنى أن تحمل عليه ان تطرده وقوله وقوله ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي هذا المثل يا محمد مثل هؤلاء الذين كانوا ضالين قبل أن تأتيهم بالهدى والرسالة ثم جئتهم بها فبقوا على ضلالتهم ولم ينتفعوا بذلك فمثلهم كمثل الكلب وقوله فاقصص القصص أي أسرد عليهم ما يعلمون أنه من الغيوب التي لا يعلمها إلا أهل الكتب الماضية ولست منهم لعلهم يتفكرون في ذلك فيؤمنوا وقوله سبحانه من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون القول فيه أن ذلك كله من عند الله الهداية منه وبخلقه واختراعه وكذلك الإضلال وفي الآية تعجيب من حال المذكورين وقوله سبحانه ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس خبر من الله تعالى أنه خلق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا وفي ضمنه وعيد للكفار وذرأ معناه خلق وأوجد مع بث ونشر وقوله سبحانه لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل الآية لما كانت هذه الطائفة الكافرة المعرضة عن النظر في آيات الله لم بنفعهم النظر بالقلب ولا بالعين ولا ما سمعوه من الآيات والمواعظ استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون والفقه الفهم أولئك كالأنعام في أن الأنعام لا تفقه الأشياء ولا تعقل المقاييس ثم حكم سبحانه عليهم بأنهم أضل لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها وهؤلاء معدون للفهم والنظر ثم بين سبحانه بقوله أولئك هم الغافلون الطريق الذي به صاروا أضل من الأنعام وهو الغفلة والتقصير قال الفخر أما قوله تعالى أولئك كالأنعام بل هم أضل فتقريره أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة ومتشاركة أيضا في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وسائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق فلما أعرض الكفار عن أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق كانوا كالأنعام بل هم أضل لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل وقد قال حكيم الشعراء ... الروح من عند رب العرش مبدؤه ... وتربة الأرض أصل الجسم والبدن ... ... قد ألف الملك الجبار بينهما ... ليصلحا لقبول الأمر والمحن ... ... فالروح في غربة والجسم في وطن ... فلتعرفن ذمام النازح الوطن ... انتهى وقوله سبحانه ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها الآية السبب في هذه الآية على ما روي أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ فيذكر الله تعالى في قراءته ومرة يذكر الرحمن ونحو ذلك فقال محمد يزعم أن الإله واحد وهم إنما يعبد آلهة كثيرة فنزلت هذه الآية ومن أسماء الله تعالى ما ورد في القرآن ومنها ما ورد في الحديث وتواتر وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه وقوله سبحانه ذروا الذين يلحدون في أسمائه قال ابن زيد معناه اتركوهم فالآية على هذا منسوخة وقيل معناه الوعيد كقوله سبحانه ومن خلقت وحيدا وذرهم يأكلوا ويتمتعوا يقال الحد ولحد بمعنى جار ومال وأنحرف والحد أشهر ومنه لحد القبر ومعنى الإلحاد في أسماء الله عز و جل أن يسموا اللات نظير أسم الله تعالى قاله ابن عباس والعزى نظير العزيز قاله مجاهد ويسمون الله أبا ويسمون أوثانهم أربابا وقوله سبحانه سيجزون ما كانوا يعملون وعيد محض وقوله سبحانه وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الآية تتضمن الأخبار عن قوم أهل إيمان واستقامة وهداية وظاهرها يقتضي كل مؤمن كان من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة وروي عن كثير من المفسرين أنها في أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وروي في ذلك حديث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذه الآية لكم وقوله سبحانه والذين كذبوا بآياتنا الآية وعيد والإشارة إلى الكفار وسنستدرجهم معناه سنسوقهم شيئا بعد شيء ودرجة بعد درجة بالنعم عليهم والإمهال لهم حتى يغتروا ويظنوا أنهم لا ينالهم عقاب وقوله من حيث لا يعلمون أي من حيث لا يعلمون أنه استدراج لهم وهذه عقوبة لهم من الله سبحانه على التكذيب لما حتم عليهم بالعذاب أملى لهم ليزدادوا إثما وقوله وأملى معناه أوخر ملاوة من الدهر أي مدة ومتين معناه قوي وقوله سبحانه أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة الآية تقرير يقارنه توبيخ للكفار والوقف على قوله أو لم يتفكروا ثم ابتدأ القول بنفي ما ذكروه فقال ما بصاحبهم من جنة أي بمحمد صلى الله عليه و سلم ويحتمل أن يكون المعنى أو لم يتفكروا أنه ما بصاحبهم من جنة ويظهر من رصف الآية أنها باعثة لهم على الفكرة في أمره صلى الله عليه و سلم وأنه ليس به جنة كما احالهم بعد هذه الآية على النظر وقال الفخر قوله تعالى أولم يتفكروا أمر بالفكر والتأمل والتدبر وفي اللفظ محذوف والتقدير أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة والجنة حالة من الجنون كالجلسة ودخول من في قوله من جنة ينفي أنواع الجنون انتهى وقوله سبحانه أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض الآية النظر هنا بالقلب عبرة وفكرا وملكوت بناء عظمة ومبالغة وقوله وما خلق الله من شيء لفظ يعم جميع ما ينظر فيه ويستدل به من الصنعة الدالة على الصانع ومن نفس الإنسان وحواسه ومواضع رزقه والشيء واقع على الموجودات وان عسى عطف على قوله في ملكوت والمعنى توقيفهم على ان لم يقع لهم نظر في شيء من هذا ولا في أنهم قربت اجالهم فما تواففات أوان التدارك ووجب عليهم المحذور ثم وقفهم بأي حديث أوامر يقع إيمانهم وتصديقهم إذا لم يقع بأمر فيه نجاتهم ودخولهم الجنة ونحو هذا المعنى قول الشاعر ... وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل ... والضمير في بعده يراد به القرآن وقيل المراد به النبي صلى الله عليه و سلم وقصه وأمره أجمع وقيل هو عائد على الأجل أي بعد الأجل إذ لا عمل بعد الموت وقوله سبحانه من يضلل الله فلا هادي له الآية هذا شرط وجواب مضمنه اليأس منهم والمقت لهم لأن المراد أن هذا قد نزل بهم والطغيان الإفراط في الشيء وكأنه مستعمل في غير الصلاح والعمه الحيرة وقوله سبحانه يسئلونك عن الساعة قال قتادة السائلون هم قريش وقال ابن عباس هم أحبار اليهود ت وفي السيرة لابن هشام أن السائلين من أحبار اليهود حمل بن أبي قشير وسموأل بن زيد انتهى والساعة القيامة موت كل من كان حيا حينئذ وبعث الجميع وأيان معناه متى وهي مبنية على الفتح قال الشاعر ... أيان تقتضي حاجتي ايانا ... أما ترى لفعلها أبانا ... ومرساها معناه مثبتها ومنتهاها مأخوذ من أرسى يرسي فمرساها رفع بالابتداء والخبر أيان وعبارة البخاري أيان مرساها متى خروجها انتهى ويجليها معناه يظهرها وقوله سبحانه ثقلت في السموات والأرض قيل معناه ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها وقال الحسن بن أبي الحسن معناه ثقلت هيئتها والفزع على أهل السموات والأرض لأتأتيكم إلا بغتة أي فجأة وقوله سبحانه يسئلونك كأنك حفي عنها قال ابن عباس وغيره المعنى يسئلونك كأنك حفي أي متحف ومهتبل بهم وهذا ينحو إلى ما قالت قريش يا محمد إنا قرابتك فأخبرنا بوقت الساعة وقال ابن زيد وغيره معناه كأنك حفي في المسألة عنها والأشتغال بها حتى حصلت علمها وقرأ ابن عباس فيما ذكر أبو حاتم كأنك حفي بها وقوله سبحانه ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال الطبري معناه لا يعلمون أن هذا الأمر لا يعلمه إلا الله بل يظن أكثرهم أنه مما يعلمه البشر وقوله سبحانه قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله الآية هذا أمر بأن يبالغ في الاستسلام ويتجرد من المشاركة في قدرة الله وغيبه وأن يصف نفسه لهؤلاء السائلين بأنه لا يملك من منافع نفسه ومضارها إلا ما سنى الله وشاء ويسر وهذا الاستثناء منقطع وأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لعمل بحسب ما يأتي واستعد لكل شيء استعداد من يعلم قدر ما يستعد له وهذا لفظ عام في كل شيء وقوله وما مسني السوء يحتمل وجهين وبكليهما قيل أحدهما أن ما معطوفة على قوله لاستكثرت أي ولما مسني السوء والثاني أن يكون الكلام مقطوعا تم في قوله لاستكثرت من الخير وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه وهو الجنون الذي رموه به قال مؤرج السدوسي السوء الجنون بلغة هذيل وأما على التأويل الأول فلا يريد بالسوء الجنون ويترجح الثاني بنحو قوله سبحانه ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم الآية ولقوم يؤمنون يحتمل معنيين أحدهما أن يريد لقوم يطلب منهم الإيمان وهؤلاء الناس أجمع والثاني أن يخبر أنه نذير ويتم الكلام ثم يبتدئ يخبر أنه بشير للمؤمنين به ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه وقوله جلت عظمته هو الذي خلقكم من نفس واحدة الآية قال جمهور المفسرين المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام وبقوله وجعل منها زوجها حواء وقوله منها هو ما تقدم ذكره من أن آدم نام فاستخرجت قصرى اضلاعه وخلقت منها حواء وقوله ليسكن إليها أي ليأنس ويطمئن وكان هذا كله في الجنة ثم ابتدأ بحالة أخرى وهي في الدنيا بعد هبوطهما فقال فلما تغشاها أي غشيها وهي كناية عن الجماع والحمل الخفيف هو المني الذي تحمله المرأة في رحمها وقوله فمرت به أي استمرت به وقرأ ابن عباس فاستمرت به وقرأ ابن مسعود فاستمرت بحملها وقرأ عبد الله ابن عمرو بن العاص فمارت به أي جاءت به وذهبت وتصرفت كما تقول مارت الريح مورا واثقلت دخلت في الثقل كما تقول أصبح وأمسى والضمير في قوله دعوا على هذا التأويل عائد على آدم وحواء وروي في قصص ذلك أن الشيطان أشار على حواء أن تسمي هذا المولود عبد الحارث وهو اسم إبليس وقال لها أن لم تفعلي قتلته فزعموا أنهما أطاعاه حرصا على حياة المولود فهذا هو الشرك الذي جعلا لله في التسمية فقط وقال الطبري والسدي في قوله فتعالى الله عما يشركون كلام منفصل من خبر آدم وحواء يراد به مشركوا العرب ت وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس ولم أقف بعد على صحة ما روي في هذه القصص ولو صح لوجب تأويله نعم روى الترمذي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه عبد الحارث فسمته عبد الحارث فعاش ذلك وكان ذلك من وحي وأمره قال الترمذي هذا حديث حسن غريب انفرد به عمر بن إبراهيم عن قتادة وعمر شيخ بصري انتهى وهذا الحديث ليس فيه أنهما أطاعاه وعلى كل حال الواجب التوقف والتنزيه لمن اجتباه الله وحسن التأويل ما أمكن وقد قال ابن العربي في توهين هذا القول وتزييفه وهذا القول ونحوه مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره وفي الإسرائيليات التي ليس لها ثابت ولا يعول عليها من له قلب فإن آدم وحواء وإن كانا غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من حجر مرتين وما كانا بعد ذلك ليقبلا له نصحا ولا يسمعا له قولا والقول الاشبه بالحق أن المراد بهذا جنس الآدميين انتهى من الأحكام قال ع وقوله صالحا قال الحسن معناه غلاما وقال ابن عباس وهو الأظهر بشرا سويا سليما وقال قوم إنما الغرض من هذه الآية تعديد النعمة في الأزواج وفي تسهيل النسل والولادة ثم ذكر سوء فعل المشركين الموجب للعقاب فقال مخاطبا لجميع الناس هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها يريد آدم وحواء أي واستمرت حالكم واحدا واحدا كذلك فهذه نعمة يختص كل واحد بجزء منها ثم جاء قوله فلما تغشاها إلى آخر الآية وصفا لحال الناس واحدا واحدا أي هكذا يفعلون فإذا أتاهم الله ولدا صالحا سليما كما أرادوه صرفوه عن الفطرة إلى الشرك فهذا فعل المشركين قال ابن العربي في أحكامه وهذا القول هو الاشبه بالحق واقرب للصدق وهو ظاهر الآية وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر فكيف بساداتهم وأنبيائهم انتهى وهو كلام حسن وبالله التوفيق وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر شركا بكسر الشين وسكون الراء على المصدر وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم شركاء على الجمع وهي بينة على هذا التأويل الأخير وقلقة على قول من قال أن الآية الأولى في آدم وحواء وفي مصحف أبي بن كعب فلما أتاهما صالحا أشركا فيه وقوله أيشركون ما لا يخلق شيئا الآية ذهب بعض من قال بالقول الأول إلى أن هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدم وفيه قلق وتعسف من التأويل في المعنى وإنما تنسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الأخير فإنهم قالوا إن الآية في مشركي الكفار الذين يشركون الأصنام في العبادة وأياها يراد في قوله ما لا يخلق وعبر عن الأصنام بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائها ويخلقون معناه ينحتون ويصنعون يعني الأصنام ويحتمل أن يكون المعنى وهؤلاء المشكرون يخلقون أي فكان حقهم أن يعبدوا خالقهم لا من لا يخلق شيئا وقرأ أبو عبد الرحمن عما تشركون بالتاء من فوق أتشكرون وقوله سبحانه وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ن قال أن الآيات في آدم عليه السلام قال هذه مخاطبة مستأنفة للنبي صلى الله عليه و سلم وأمته في أمر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه و سلم ومن قال بالقول الآخر قال أن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ أيشركون بالياء من تحت وللكفار فقط على قراءة من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف أي هذا حال الأصنام معكم أن دعوتموهم لم يجيبوكم وقوله سبحانه إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فأدعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين الآية مخاطبة للكفار في تحقير شأن اصنامهم وقوله فأدعوهم أي فاختبروا فإن لم يستجيبوا فهم كما وصفنا وقوله سبحانه لهم ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها الآية الغرض من هذه الآية ألهم حواس الحي وأوصافه فإذا قالوا لا حكموا بأنها جمادات من غير شك لا خير عندها قال الزهراوي المعنى أنتم أفضل منهم بهذه الجوارح النافعة فكيف تعبدونهم ثم أمر سبحانه نبيه عليه السلام أن يعجزهم بقوله قل ادعوا شركاءكم أي استنجدوهم واستنفروهم إلى إضراري وكيدي ولا تؤخروني المعنى فإن كانوا آلهة فسيظهر فعلكم ولما احالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضرره وأراهم أن الله سبحانه هو القادر على كل شيء لا تلك عقب ذلك بالإستناد إلى الله سبحانه والتوكل عليه والإعلام بأنه وليه وناصره فقا ان وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين وقوله والذين تعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون إنما تكرر القول في هذا وترددت الآيات فيه لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكنا من نفوس العرب في ذلك الزمان ومستوليا على عقولها فاوعب القول في ذلك لطفا منه سبحانه بهم وقوله وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا الآية قالت فرقة هذا خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وأمته في أمر الكفار والهاء والميم في قوله تدعوهم للكفار ووصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون إذ لم يتحصل لهم عن النظر والاستماع فائدة قاله مجاهد والسدي وقال الطبري المراد بالضمير المذكور الأصنام ووصفهم بالنظر كناية عن المحاذاة والمقابلة ولما فيها من تخييل النظر كما تقول دار فلان تنظر إلى دار فلان وقوله سبحانه خذ العفو وأمر بالعرف الآية وصية من الله سبحانه لنبيه عليه السلام تعم جميع أمته وأخذ بجميع مكارم الأخلاق قال الجمهور معنى خذ العفو أقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عفوا دون تكلف فالعفو هنا الفضل والصفو قال مكي قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف الآية قال بعض أهل المعاني في هذه الآية بيان قول النبي صلى الله عليه و سلم أوتيت جوامع الكلم فهذه الآية قد جمعت معان كثيرة وفوائد عظيمة وجمعت كل خلق حسن لأن في أخذ العفو صلة القاطعين والصفح عن الظالمين وإعطاء المانعين وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وطاعته وصلة الرحم وصون الجوارح عن المحرمات وسمي هذا ونحوه عرفا لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه وفي الأعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مخاطبة السفيه ومنازعة اللجوج وغيره ذلك من الأفعال المرضية انتهى من الهداية وقوله وأمر بالعرف معناه بكل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة ومن ذلك أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عن من ظلمك الحديث فالعرف بمعنى المعروف وقوله عز و جل وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم هذه الآية وصية من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه و سلم تعم أمته رجلا رجلا والنزغ حركة فيها فساد وقلما تستعمل إلا في فعل الشيطان لأن حركته مسرعة مفسدة ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فالمعنى في هذه الآية فأما تلمن بك لمة من الشيطان فاستعذ بالله وعبارة البخاري ينزغنك يستخفنك انتهى ونزغ الشيطان عام في الغضب وتحسين المعاصي واكتساب الغوائل وغير ذلك وفي جامع الترمذي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ان للملك لمة وللشيطان لمة الحديث قال ع وعن هاتين اللمتين هي الخواطر من الخير والشر فالآخذ بالواجب يلقى لمة الملك بالامتثال والاستدامة ولمة الشيطان بالرفض والاستعاذة واستعاذ معناه طلب أن يعاذ وعاذ معناه لاذ وانضوى واستجار قال الفخر قال ابن زيد لما نزل قوله تعالى واعرض عن الجاهلين قال النبي صلى الله عليه و سلم كيف يا رب والغضب فنزل قوله وأما ينزغنك من الشيطان نزغ وقوله أنه سيمع عليم يدل على أن الاستعاذة لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة فكأنه تعالى قال اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك وفي الحقيقة القول اللساني دون المعارف العقلية عديم الفائدة والأثر انتهى وقوله سبحانه إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا الآية خرجت مخرج المدح للمتقين والتقوى هاهنا عامة في اتقاء الشرك والمعاصي وقرأ ابن كثير وغيره طيف قال أبو علي الطائف كالخاطر والطيف كالخطرة وقوله تذكروا إشارة إلى الاستعاذة المأمور بها وإلى ما لله عز و جل من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرض الشيطان فيها وقرأ ابن الزبير من الشيطان تأملوا فإذا هم وفي مصحف أبي بن كعب إذا طاف من الشيطان طائف تأملوا وقوله مبصرون من البصيرة أي فإذا هم قد تبينوا الحق ومالوا إليه والضمير في إخوانهم عائد على الشياطين وفي يمدونهم عائد على الكفار وهم المراد بالإخوان هذا قول الجمهور قال ع وقرأ جميع السبعة غير نافع يمدونهم من مددت وقرأ نافع يمدونهم من أمددت قال الجمهور هما بمعنى واحد إلا أن المستعمل في المحبوب أمد والمستعمل في المكروه مد فقراءة الجماعة جارية على المنهاج المستعمل وقراءة نافع هي مقيدة بقوله في الغي ما يجوز أن تقيد البشارة فتقول بشرته بشر ومد الشياطين للكفرة أي ومن نحا نحوهم هو بالتزيين لهم والإغواء المتتابع وقوله ثم لا يقصرون من أقصر والضمير عائد على الجميع أي هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء وهؤلاء لا يقصرون في الطاعة للشياطين وقوله سبحانه وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها سببها فيما روي أن الوحي كان يتأخر أحيانا فكان الكفار يقولون هلا اجتبيتها أي اخترتها فأمره الله عز و جل أي يجيب بالتسليم لله وأن الأمر في الوحي إليه ينزله متى شاء ثم أشار بقوله هذا بصائر إلى القرآن أي علامات هدى وأنوار تستضيء القلوب به وقوله سبحانه وإذا قرئى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ذكر الطبري وغيره أن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كانوا بمكة بتكلمون في المكتوبة بحوائجهم فنزلت الآية أمرا لهم بالاستماع والإنصات في الصلاة وأما قول من قال أنها في الخطبة فضعيف لأن الآية مكية والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة وألفاظ الآية على الجملة تتضمن تعظيم القرآن وتوقيره وذلك واجب في كل حالة والإنصات السكوت قال الزجاج ويجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصتوا أي اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه قال ابن العربي في أحكامه روى الترمذي وأبو داود عن عبادة بن الصامت قال صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الصبح فثقلت عليه القراءة فلما أنصرف قال إني لأراكم تقرءون وراء إمامكم قلنا يا رسول الله إي والله فقال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وقد روى الناس في قراءة المأمومين خلف الإمام بفاتحة الكتاب أحاديث كثيرة وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطني وقد جمع البخاري في ذلك جزءا وكان رأيه قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية وهي إحدى روايات مالك وهو اختيار الشافعي انتهى وقد تقدم أول الكتاب ما اختاره ابن العربي وقوله سبحانه وأذكر ربك في نفسك الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم وتعم جميع أمته وهو أمر من الله تعالى بذكره وتسبيحه وتقديسه والثناء عليه بمحامده والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس ولا يراعى إلا بحركة اللسان ويدل على ذلك من هذه الآية قوله دون الجهر من القول وهذه مرتبة السر والمخافتة وقال الفخر المراد بقوله تعالى وأذكر ربك في نفسك كونه عارفا بمعاني الإذكار التي يقولها بلسانه مستحضرا لصفات الجلال والعظمة وذلك أن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة إلا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئا فإنه لا ينعقد البيع والشراء فكذلك هنا قال المتكلمون وهذه الآية تدل على إثبات كلام النفس وقوله تعالى ولا تكن من الغافلين يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائما وأن لا يغفل الإنسان لحظة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية وتحقيق القول في هذا أن بين الروح والبدن علاقة عجيبة لأن كل أثر يحصل في البدن يصعد منه نتائج إلى إلى الروح ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس منه وإذا تخيل حالة مكروهة أو غضب سخن بدنه انتهى وتضرعا معناه تذللا وخضوعا البخاري وخيفة أي خوفا انتهى وقوله بالغدو والآصال معناه دأبا وفي كل يوم وفي أطراف النهار ولا تكن من الغافلين تنبيه منه عز و جل ولما قال سبحانه ولا تكن من الغافلين جعل بعد ذلك مثالا من اجتهاد الملائكة ليبعث على الجد في طاعة الله سبحانه ت قال صاحب الكلم الفارقية غفلة ساعة عن ربك مكدرة لمرآة قلبك فكيف بغفلة جميع عمرك انتهى قال ابن عطاء الله رحمه الله لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز انتهى قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى ولا تكن من الغافلين أي فيما أمرت به وكلفته وهذا خطاب له عليه السلام والمراد به جميع أمته انتهى وقوله الذين يريد به الملائكة وقوله عند إنما يريد به المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان فهم بذلك عنده ثم وصف سبحانه حالهم من تواضعهم وإدمانهم العبادة والتسبيح والسجود وفي الحديث اطت السماء وحق لها ان تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد وهذا موضع سجدة قال عبد الرحمن بن محمد عفا الله عنه كمل ما انتخبناه في تفسير السورة والحمد لله على ما به انعم وصلى الله على سيدنا محمد وأله وسلم تسليما كثيرا بسم الله الرحمن الحريم سورة الأنفال مدينة كلها قال مجاهد إلا أية واحد وهي قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية ولا خلاف أن هذه السورة نزلت في شأن بدر وأمر غنائمه قوله عز و جل يسئلونك عن الأنفال الآية النفل والنافلة في كلام العرب الزيادة على الواجب والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وقالت فرقة إنما سألوه الأنفال نفسها محتجين بقراءة سعد بن أبي وقاص وغيره يسئلونك الأنفال وعن أبي إمامة الباهلي قال سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا أهل بدر نزلت حين اختلفنا وساءت اخلاقنا فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسوله صلى الله عليه و سلم وقسمه عليه السلام بين المسلمين على بواء يريد على سواء فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين قال ع ويجيء من مجموع الآثار المذكورة هنا أن نفوس أهل بدر تنافرت ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة لا سيما من أبلى فأنزل الله عز و جل الآية فرضي المسلمون وسلموا فأصلح ذات بينهم ورد عليهم غنائمهم قال بعض أهل التأويل عكرمة ومجاهد كان هذا الحكم من الله سبحانه لرفع الشغب ثم نسخ بقوله واعلموا إنما غنمتم من شيء الآية وقوله سبحانه واصلحوا ذات بينكم بأنه شجر بينهم اختلاف ومالت النفوس إلى التشاح وذات في هذا الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته والذي يفهم من بينكم هو معنى يعم جميع الوصل والالتحامات والمودات وذات ذلك هو المأمور باصلاحها أي نفسه وعينه وباقي الآية بين وقوله سبحانه إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية إنما لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع ويصلح مع ذلك للحصر بحسب القرينة فقوله هنا إنما المؤمنون ظاهرها أنها للمبالغة والتأكيد فقط أي الكاملون قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري الساحلي المالقي في كتابه الذي ألفه في السلوك واعلم أن الإنسان مطلوب بطهارة نفسه وتزكيتها وطرق التزكية وإن كثرت فطريق الذكر أسرع نفعا وأقرب مراما وعليه درج أكثر مشائخ التربية ثم قال والذكر ضد النسيان والمطلوب منه عمارة الباطن بالله تعالى في كل زمان ومع كل حال لأن الذكر بدل على المذكور لا محالة فذكره دبدنا يوجب المحبة له والمعرفة به والذكر وإن اختلفت ألفاظه ومعانيه فلكل معنى معانيه اختصاص بنوع من التحلية والتخلية والتزكية ثم قال والذكر على قسمين ذكر العامة وذكر الخاصة أما ذكر العامة وهو ذكر الأجور فهو أن يذكر العبد مولاه بما شاء من ذكره لا يقصد غير الأجور والثواب واما ذكر الخاصة فهو ذكر الحضور وهو أن يذكر العبد مولاه باذكار معلومة على صفة مخصوصة لينال بذلك المعرفة بالله سبحانه بطهارة نفسه من كل خلق ذميم وتحليتها بكل خلق كريم انتهى ووجلت معناه فزعت ورقت وخافت وبهذه المعاني فسرتها العلماء وتليت معناه سردت وقرئت والآيات هنا القرآن المتلو ومن كلام صاحب الكلم الفارقية أن تيقظت يقظة قلبية وانتبهت انتباهة حقيقية لم تر في وقتك سعة لغير ذكر ربك واستشعار عظمته ومهابته والإقبال على طاعته ما في وقت العاقل فضلة في غير ما خلق له من عبادة خالقه والاهتمام بمصالح آخرته والاستعداد لمعاده اعرف العبيد بجلال مولاه أخلاهم عما سواه وأكثرهم لهجا بذكره وتعظيما لأمره وأحسنهم تأملا لآثار صنعته وبدائع حكمته وأشدهم شوقا إلى لقائه ومشاهدته انتهى وزيادة الإيمان على وجوه كلها خارج عن نفس التصديق منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله عز و جل في القرآن فنزل على النبي صلى الله عليه و سلم فسمعه فآمن به زاد إيمانا إلى سائر ما قد آمن به إذ لكل حكم تصديق خاص وهذا يترتب فيمن بلغه ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة وترتب زيادة الإيمان بزيادة الدلائل ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص ويترتب بزيادة الأعمال البرة على قول من يرى أن لفظة الإيمان واقعة على التصديق والطاعات وهؤلاء يقولون يزيد وينقص وقوله سبحانه وعلى ربهم يتوكلون عبارة جامعة لمصالح الدنيا والآخرة إذا اعتبرت وعمل بحسبها في أن يمتثل الإنسان ما أمر به ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز وينتظر بعدما وعد به من نصر أو رزق أو غيره وهذه أوصاف جميلة وصف الله بها فضلاء المؤمنين فجعلها غاية للأمة يستبق إليها الأفاضل ثم أتبع ذلك وعدهم ووسمهم باقامة الصلاة ومدحهم بها حضا على ذلك وقوله ومما رزقناهم ينفقون قال جماعة من المفسرين هي الزكاة وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام بإقامة الصلاة وإلا فهو لفظ عام في الزكاة ونوافل الخير وصلات المستحقين ولفظ ابن عباس في هذا المعنى محتمل وقوله سبحانه لهم درجات ظاهره وهو قول الجمهور إن المراد مراتب الجنة ومنازلها ودرجاتها على قدر أعمالهم ورزق كريم يريد مآكل الجنة ومشاربها وكريم صفة تقتضي رفع المذام كقوله ثوب كريم وقوله سبحانه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الآية اختلف في معنى هذه الآية فقال الفراء التقدير امض لأمرك في الغنائم وإن كرهوا كما أخرجك ربك قال ع وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي صلى الله عليه و سلم فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله يجادلونك كلاما مستأنفا يراد به الكفار أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان وهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص وقال مجاهد وغيره المعنى في الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودون غير ذلك الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لاما يريدون هم وقائل هذه المقالة يقول أن المجادلين هم المؤمنون وقائل المقالة الأولى يقول أن المجادلين هم المشركون وهذان القولان يتم بهما المعنى ويحسن رصف اللفظ وقيل غير هذا وقوله من بيتك يريد من المدينة يثرب قاله الجمهور وقوله سبحانه وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم الآية في هذه الآية قصص حسن محل استيعابه كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبن هشام واختصاره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بلغه وقيل أوحي إليه أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام بالعير التي فيها تجارة قريش وأموالها قال لأصحابه أن عير قريش قد عنت لكم فأخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها قال فأبعث معه من خف وثقل قوم وكرهوا الخروج وأسرع رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يلوي على من تعذر ولا ينظر من غاب ظهره فسار في ثلاث مائة وثلاثة عشر أو نحو ذلك من أصحابه بين مهاجري وأنصاري وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يلقى حربا فلم يكثر استعدادهم وكان أبو سفيان في خلال لك يستقصي ويحذر فلما بلغه خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستنفر أهلها ففعل ضمضم فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خروجهم أوحى الله إليه وحيا غير متلو يعده إحدى الطائفتين فعرف رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه بذلك فسروا وودوا أن تكون لهم العير التي لا قتال معها فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلى الله عليه و سلم منه أخذ طريق الساحل وأبعد وفات ولم يبق إلا لقاء أهل مكة وأشار بعض الكفار على بعض بالانصراف وقالوا هذه عيرنا قد نجت فلننصرف فحرش أبو جهل ولج حتى كان أمر الواقعة وقال بعض المؤمنين نحن لم نخرج لقتال ولم نستعد له فجمع رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه وهو بواد يسمى دقران وقال أشيروا علي أيها الناس فقام أبو بكر فتكلم واحسن وحرض الناس على لقاء العدو فأعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم الاستشارة فقام عمر بمثل ذلك فأعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم الاستشارة فتكلم المقداد بن الأسود الكندي فقال لا نقول لك يا رسول الله كما قالت بنو إسرائيل أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول إنا معكما مقاتلون والله لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة الحبشة لقاتلنا معك من دونها فسر رسول الله صلى اله عليه وسلم بكلامه ودعا له بخير ثم قال أشيروا علي أيها الناس فكلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة ويحتمل هما معا فقال يا رسول الله كأنك إيانا تريد معشر الأنصار فقال النبي صلى الله عليه و سلم أجل فقال إنا قد آمنا بك واتبعناك وبايعناك فامض لأمر الله فوالله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك فقال النبي صلى الله عليه و سلم امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم فالتقوا وكانت وقعة بدر ت وفي صحيح البخاري من حديث عائشة في خروج أبي بكر من مكة فلقيه ابن الدغنة عند برك الغماد الحديث وليست بمدينة الحبشة من غير شك فالله أعلم ولعلهما موضعان انتهى والشوكة عبارة عن السلاح والحدة وقوله سبحانه ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين المعنى ويريد الله أن يظهر الإسلام ويعلي دعوة الشرع بكلماته التي سبقت في الأزل والدابر الذي يدبر القوم أي يأتي أخرهم وإذا قطع فقد أتى على أخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم وهي عبارة في كل من أتى الهلاك عليه وقوله سبحانه ليحق الحق أي ليظهر الحق الذي هو دين الإسلام ويبطل الباطل أي الكفر وتستغيثون معناه تطلبون الغوث وممدكم أي مكثركم ومقويكم من امددت ومردفين معناه متبعين وقرأ سائر السبعة غير نافع مردفين بكسر الدال نافع بفتحها وروي عن ابن عباس خلف كل ملك ملك وهذا معنى التتابع يقال ردف وأردف إذا اتبع وجاء بعد الشيء ويحتمل أن يراد مردفين للمؤمنين ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضا وأنشد الطبري شاهدا على أن أردف بمعنى جاء تابعا قول الشاعر ... إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا ... والثريا تطلع قبل الجوزاء وروي في الصحيح الاشهران الملائكة قاتلت يوم بدر واختلف في غره قال ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس أنه قالحدثني رجل من بني غفار قال أقلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون فننتهب مع من ينتهب قال فبينما نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول اقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة عن أبي سعيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى انتهى من سيرة ابن هشام وقوله سبحانه وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم الضمير في جعله عائد على الوعد وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى وقيل عائد على المدد والإمداد وقيل عائد على الأرداف وقيل عائد على الألف وقوله وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم توقيف على أن الأمر كله لله وأن تكسب المرء لا يغني إذا لم يساعده القدر وإن كان مطلوبا بالجد كما ظاهر رسول الله صلى الله عليه و سلم بين درعين وقوله سبحانه إذ يغشيكم النعاس امنة منه القصد تعديد نعمه سبحانه على المؤمنين في يوم بدر والتقدير اذكروا إذ فعلنا بكم كذا وإذ فعلنا كذا والعامل في إذا اذكروا وقرأ نافع يغشيكم بضم الياء وسكون الغين وقرأ حمزة وغيره يغشيكم بفتح الغين وشد الشين المكسورة وقرأ ابن كثير وغيره يغشاكم بفتح الياء وألف بعد الشين النعاس بالرفع ومعنى يغشيكم يغطيكم والنعاس أخف النوم وهو الذي يصيب الإنسان وهو واقف أو ماش وينص على ذلك قصص هذه الآية أنهم إنما كان بهم خفق بالرؤوس وقوله امنة مصدر من أمن يأمن أمنا وامنة وأمانا والهاء فيه لتأنيث المصدر كماه هي في المساءة والحماقة والمشقة وروي عن ابن مسعود أنه قال النعاس عند حضور القتال علامة أمن وهو من الله وهو في الصلاة من الشيطان قال ع وهذا إنما طريقة الوحي فهو لا محالة يسنده وقوله سبحانه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وذلك أن قوما من المؤمنين لحقتهم جنابات في سفرهم وعدموا الماء قريب بدر فصلوا كذلك فوسوس الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العدو وقلتهم وأيضا فكانت بينهم وبين ماء بدر مسافة من رمل دهس تسوخ فيها الأرجل فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكفار إلى ماء بدر فأنزل الله تلك المطرة فسالت الأودية فاغتسلوا وطهرهم الله تعالى فذهب رجز الشيطان وتدمث الطريق وتلبدت تلك الرمال فسهل الله عليهم السير وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى ماء بدر وأصاب المشركين من ذلك المطر ما صعب عليهم طريقهم فسر المؤمنين وتبينوا من فعل الله بهم ذلك قصد المعونة لهم فطابت نفوسهم واجتمعت وتشجعت فذلك الربط على قلوبهم وتثبيت أقدامهم على الرملة اللينة والضمير فيه على هذا الاحتمال عائد على الماء ويحتمل عوده على ربط القلوب ويكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب ونزول الماء كان في الزمن قبل تغشية النعاس ولم يترتب كذلك في الآية إذ القصد فيها تعديد النعم فقط وقوله سبحانه فثبتوا الذين آمنوا ولثبيتهم يكون بقتالهم وبحضورهم وبأقوالهم المونسة ويحتمل أن يكون التثبيت بما يلقيه الملك في القلب بلمته من توهم الظفر واحتقار الكفار وبخواطر تشجعه قال ع ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وعلى هذا التأويل يجيء قوله سالقى في قلوب الذين كفروا الرعب مخاطبة للملائكة ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين وقوله سبحانه فاضربوا فوق الأعناق عكرمة هي على بابها وارد الرؤوس وهذا أنبل الأقوال قال ع ويحتمل عندي أن يريد وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق دون عظم الرأس في المفصل كما وصف دريد بن الصمة فيجيء على هذا فوق الأعناق متمكنا والبنان قالت فرقة هي المفاصل حيث كانت من الأعضاء وقالت فرقة البنان الأصابع وهذا هو الصحيح لأنه إذا قطع البنان لم ننتفع صاحبه بشيء من أعضائه واستاسر وشاقوا معناه خالفوا ونابذوا وقطعوا وهو مأخوذ من الشق وهو القطع والفصل بين شيئين وعبر المفسرون عن قوله شاقوا أي صاروا في شق غير شقه قال ع وهذا وإن كان معناه صحيحا فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه وقوله فإن الله شديد العقاب جواب للشرط تضمن وعيدا وتهديدا وقوله سبحانه فذوقوه للكفار أي ذلكم الضرب والقتل وما أوقع الله بهم يوم بدر فكأنه قال الأمر ذلكم فذوقوه وكذا قرره سيبويه وقال بعضهم يحتمل أن يكون ذلكم في موضع نصب كقوله زيدا فأضربه وقوله سبحانه يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا الآية يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص أي يزحف بعضهم إلى بعض واصل الزحف الأندفاع على الآلية ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب رويدا زاحفا إذ في مشيته من التماهل والتباطىء ما في مشي الزاحف وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب ونهى الله سبحانه في هذه الآية عن تولي الأدبار وهذا مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين والفرار هنالك كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة وقوله ومن يولهم يومئذ دبره الآية قال جمهور الأمة الإشارة بيومئذ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله إذا لقيتم وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله سبحانه ت قال ابن رشد وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا فإن بلغ حرم الفرار وإن زاد المشركون على الضعف للحديث لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة فإن أكثر أهل العلم خصصوا بهذا الحديث عموم الآية وعن ملك مثله انتهى وفهم ع الحديث على التعجب ذكره عند قوله ويوم حنين وما قاله ابن رشد هو الصواب والله أعلم و متحرفا لقتال يراد به الذي إن فعله ذلك أنكى للعدو ونصبه على الحال وكذلك نصب متحيزا وأما الاستثناء فهو من المولين الذي تضمنهم من والفئة هنا الجماعة الحاضرة للحرب هذا قول الجمهور وقوله سبحانه فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى هذه الألفاظ ترد على من يزعم أن أفعال العباد خلق لهم ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسب للعبد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم أخذ يومئذ ثلاث قبضات من حصى وتراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عند آخر رمية ويروى أنه قال يوم بدر شاهت الوجوه وهذه الفعلة أيضا كانت يوم حنين بلا خلاف وليبلي المؤمنين أي ليصيبهم ببلاء حسن وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة والظفر والعزة إن الله سميع لاستغاثتكم عليم بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو وقوله سبحانه ذلكم إشارة إلى ما تقدم من قتل الله لهم ورميه إياهم وموضع ذلكم من الأعراب رفع قال سيبويه التقدير الأمر ذلكم وموهن معناه مضعف مبطل وقوله سبحانه إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح الآية قال أكثر المتأولين هذه الآية مخاطبة لكفار مكة روي أن قريشا لما عزموا على الخروج إلى حماية العير تعلقوا بأستار الكعبة واستفتحوا وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر اللهم أنصر أحب الفئتين إليك وأظهر خير الدينين عندك اللهم اقطعنا للرحم فاحنه الغداة ونحو هذا فقال الله لهم إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم أي كما ترونه عليكم لا لكم وفي هذا توبيخ لهم وإن تنتهوا عن كفركم وغيكم فهو خير لكم وإن تعودوا للاستفتاح نعد بمثل وقعة بدر وباقي الآية بين وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله الآية قيل أنها نزلت بسبب اختلافهم في النفل ومجادلتهم في الحق وكراهيتهم خروج النبي صلى الله عليه و سلم وتولوا أصله تتولوا وقوله وأنتم تسمعون يريد دعاءه لكم بالقرآن والمواعظ وقوله كالذين قالوا يريد الكفار إما من قريش لقولهم سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا وأما الكفار على الإطلاق وقوله سبحانه إن شر الدواب عند الله الصم البكم مقصد الآية بيان أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند الله سبحانه وأنها في أخس المنازل لديه وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم وقوله الصم البكم عبارة عما في قلوبهم وعدم انشراح صدورهم وإدراك عقولهم وقوله ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم أي سماع هدى وتفهم ولو اسمعهم أي ولو فهمهم لتولوا بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول الآية استجيبوا بمعنى أجيبوا وقوله لما يحييكم قال مجاهد والجمهور المعنى للطاعة وما يتضمنه القرآن وهذا إحياء مستعار لأنه من موت الكفر والجهل والطاعة تؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة وقوله سبحانه واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه يحتمل وجوها منها أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة حضهم على المبادرة والاستعجال وأعلمهم أنه يحول بين المرء وقلبه بالموت والقبض أي فبادروا الطاعات ويلتئم مع هذا التأويل قوله وإنه إليه تحشرون أي فبادروا الطاعات وتزودوها ليوم الحشر ومنها أن يقصد أعلامهم أن قدرة الله وعلمه وإحاطته حائلة بين المرء وقلبه فكان هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله المطلع على الضمائر حكي هذا التأويل عن قتادة ويحتمل أن يريد تخويفهم إن لم يمتثلوا الطاعات ويستجيبوا لله وللرسول أن يحل بهم ما حل بالكفار الذين أرادهم بقوله ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون لأنه حتمه عليهم بأنهم لو سمعوا لم ينتفعوا يقتضي أنه كان قد حال بينهم وبين قلوبهم ومنا أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة العدو فيجعله جراءة وقوة وبضد ذلك للكفار أي فإن الله تعالى هو مقلب القلوب كما كان قسم النبي صلى الله عليه و سلم وقيل غير هذا قال مكي وقال الطبري هذا خبر من الله عز و جل أنه أملك بقلوب العباد منهم لها وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا من إيمان ولا كفر ولا يعي شيئا ولا يفهم شيئا إلا بإذنه ومشيئته سبحانه وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم كثيرا ما يقول في دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك انتهى الهداية وروى مالك بن أنس والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا أبي بن كعب وهو في الصلاة فلم يجبه وأسرع في بقية صلاته فلما فرغ جاء فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ألم يقل الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم قال أبي لأجرم يا رسول الله لا تدعوني أبدا إلا أجبتك الحديث بطوله واختلاف ألفاظه وفي البخاري ومسلم أن ذلك وقع مع أبي سعيد بن المعلى وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق وقوله عز و جل واتقوا فتنة لا تصبين الذين ظلموا منكم خاصة في الآية تأويلات أسبقها إلى النفس أن الله سبحانه حذر جميع المؤمنين من فتنة أن أصابت لم تخص الظلمة فقط بل تصيب الكل من ظالم وبريء وهذا تأويل الزبير بن العوام والحسن البصري وكذلك تأويل ابن عباس فإنه قال أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب وخاصة نعت لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة فهي نصب على الحال وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره لتصيبن باللام على جواب قسم والمعنى على هذا وعيد للظلمة فقط وقوله سبحانه واذكروا إذ أنتم قليل الآية هذه الآية تتضمن تعديد نعم الله على المؤمنين وإذ ظرف لمعمول واذكروا تقديره واذكروا حالكم الكائنة أو الثابتة إذ أنتم قليل ولا يجوز أن تكون إذ ظرفا للذكر وإنما يعمل الذكر في إذ لو قدرناها مفعولة واختلف في الحال المشار إليها بهذه الآية فقالت فرقة وهي الأكثر هي حال المؤمنين بمكة في وقت بداءة الإسلام والناس الذين يخاف تخطفهم كفار مكة والمأوى المدينة والتأييد بالنصر وقعة بدر وما أنجر معها في وقتها والطيبات الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به وقالت فرقة الحال المشار إليها هي حالهم في غزوة بدر والناس الذين يخاف تخطفهم على هذا عسكر مكة وسائر القبائل المجاورة فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يتخوف من بعضهم والمأوى على هذا والتأييد بالنصر هو الإمداد بالملائكة والتغليب على العدو والطيبات الغنيمة وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة وهو يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها والخيانة التنقص للشيء بإختفاء وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما مالا كان أو سرا أو غير والخيانة لله عز و جل هي في تنقص أوامره في سر وقوله وتخونوا أماناتكم قال الطبري يحتمل أن يكون داخلا في النهي كأنه قال لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم ويحتمل أن يكون المعنى لا تخونوا الله والرسول فذلك خيانة لأماناتكم وقوله فتنة يريد محنة واختبارا وامتحانا ليرى كيف العمل في جميع ذلك وقوله وإن الله عنده أجر عظيم يريد فوز الآخرة فلا تدعوا حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن المذخور للآخرة أعظم أجرا قوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله الآية وعد للمؤمنين بشرط التقوى والطاعة لله سبحانه ويجعل لكم فرقانا معناه فرقا بين حقكم وباطل من ينازعكم بالنصر والتأييد وعبر قتادة وبعض المفسرين عن الفرقان هاهنا بالنجاة وقال مجاهد والسدي معناه مخرجا ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه وقد يوجد للعرب استعمال الفرقان كما ذكر المفسرون وعلى ذلك شواهد منها قول الشاعر ... وكيف أرجى الخلد والموت طالبي ... ومالي من كاس المنية فرقان ... ت قال ابن رشد واحسن ما قيل في هذا المعنى قوله تعالى لكم فرقانا أي فصلا بين الحق والباطل حتى يعرقوا ذلك بقلوبهم ويهتدوا إليه انتهى من البيان وقوله سبحانه وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية تذكير بحال مكة وضيقها مع الكفرة وجميل صنع الله تعالى في جميع ذلك والمكر المخاتلة والتداهى تقول فلان يمكر بفلان إذا كان يستدرجه وهذا المكر الذي ذكر الله تعالى في هذه الآية هو بإجماع المفسرين إشارة إلى اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره الحديث بطوله وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم بسببه ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب ففي القصة أن أبا جهل قال الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قويا جلدا فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفا ويأتون محمد في مضجعه فيضربونه ضربة رجل واحد فلا تقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها فيأخذون العقل ونستريح منه فقال النجدي صدق الفتى هذا الرأي لا رأي غيره فافترقوا على ذلك فأخبر الله تعالى بذلك نبيه صلى الله عليه و سلم وأذن له في الخروج إلى المدينة فخرج رسول الله صلى الله عيله وسلم من ليلته وقال لعلي بن أبي طالب التف في بردى الحضرمي واضطجع في مضجعي فإنه لا يضرك شيء ففعل فجاء فتيان قريش فجعلوا يرصدون الشخص وينتظرون قيامه فيثورون به فلما قام رأوا عليا فقالوا له أين صاحبك فقال لا أدري وفي السير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج عليهم وهم في طريقه فطمس الله أعينهم عنه وجعل على راس كل واحد منهم ترابا ومضى لوجهه فجاءهم رجل فقال ما تنتظرون قالوا محمدا قال إني رأيته الآن جائيا من ناحيتكم وهو لا محالة وضع التراب على رؤوسكم فمد كل واحد يده إلى رأسه فإذا عليه التراب وجاءوا إلى مضجع رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجدوا عليا فركبوا وراءه حينئذ كل صعب وذلول وهو بالغار ومعنى ليثبتوك ليسجنوك قاله عطاء وغيره وقال ابن عباس وغيره ليوثقوك وقوله سبحانه وإذا تتلى عليهم آياتنا يعني القرآن قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا وقولهم إن هذا إلا أساطير الأولين أي قصصهم المكتوبة المسطورة وأساطير جمع أسطورة ويحتمل جمع أسطار وتواترت الروايات عن ابن جريج وغيره أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث وذلك أنه كان كثير السفر إلى فارس والحيرة فكان قد سمع من قصص الرهبان وأخبار رستم واسفنديار فلما سمع القرآن ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم قال لو شئت لقلت مثل هذا وكان النضر من مردة قريش النائلين من النبي صلى الله عليه و سلم ونزلت فيه آيات كثيرة من كتاب الله عز و جل وأمكن الله منه يوم بدر وقتله رسول الله صلى الله عليه و سلم صبرا بالصفراء منصرفة من بدر في موضع يقال له الأثيل وكان أسره المقداد فلما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بضرب عنقه قال المقداد أسيري يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه كان يقول في كتاب الله ما قد علمتم ثم أعاد الأمر بقتله فأعاد المقداد مقالته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم أغن المقداد من فضلك فقال المقداد هذا الذي أردت فضربت عنق النضر وقوله عز و جل وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية روي عن مجاهد وغيره أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث المذكور وفيه نزلت هذه الآية قال ع وترتب أن يقول النضر مقالة وينسبها القرآن إلى جميعهم لأن النضر كان فيهم موسوما بالنبل والفهم مسكونا إلى قوله فكان إذا قال قولا قاله منهم كثير واتبعوه عليه حسب ما يفعله الناس أبدا بعلمائهم وفقهائهم ت وخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال قال أبو جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو آتينا بعذاب أليم فنزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم إلى عن المسجد الحرام والمشار إليه بهذا هو القرآن وشرع محمد صلى الله عليه و سلم والذي حملهم على هذه المقالة هو الحسد فعميت بصائرهم عن الهدى وصمموا على أن هذا ليس بحق نعوذ بالله من جهد البلاء وسوء القضاء وحكى ابن فورك أن هذه المقالة خرجت منهم مخرج العناد وهذا بعيد في التأويل ولا يقول هذا على جهة العناد عاقل وقراءة الناس إنما هي بنصب الحق على أنه خبر كان ويكون هو فصلا فهو حينئذ اسم وأمطر إنما تستعمل غالبا في المكروه ومطر في الرحمة قاله أبو عبيدة وقوله سبحانه وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية قالت فرقة نزلت هذه الآية كلها بمكة وقالت فرقة نزلت كلها بعد وقعة بدر حكاية عما مضى وقال ابن أبزي نزل قوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم بمكة أثر قولهم أو أتينا بعذاب أليم ونزل قوله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون عند خروج النبي صلى الله عليه و سلم من مكة في طريقه إلى المدينة وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون ونزل قوله وما لهم إلا يعذبهم الله إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم وهذا التأويل بين وعليه واعتمد عياض في الشفا قال وفي الآية تأويل آخر ثم ذكر حديث الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال قال النبي صلى الله عليه و سلم انزل الله تعالى علي امانين لأمتي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار انتهى قال ع وأجمع المتأولون على أن معنى قوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم أن الله عز و جل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها أي فما كان الله ليعذب هذه الأمة وأنت فيهم بل كرامتك لديه أعظم وقوله عز و جل ومالهم إلا يعذبهم الله توعد بعذاب الدنيا والضمير في قوله أولياءه عائد على الله سبحانه أو على المسجد الحرام كل ذلك جيد وروي الأخير عن الحسن وقال الطبري عن الحسن بن أبي الحسن أن قوله سبحانه وما لهم إلا يعذبهم الله ناسخ لقوله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون قال ع وفيه نظر لأنه خبر لا يدخله نسخ وقوله سبحانه وما كان صلاتهم عند البيت الامكاء وتصدية المكاء الصفير قاله ابن عباس والجمهور والتصدية عبر عنها أكثر الناس بأنها التصفيق وذهب أكثر المفسرين إلى أن المكاء والتصدية إنما أحدثهما الكفار عند مبعث النبي صلى الله عليه و سلم لتقطع عليه وعلى المؤمنين قراءتهم وصلاتهم وتخلط عليهم فلما نفى الله تعالى ولايتهم للبيت أمكن أن يعترض منهم معترض بأن يقول وكيف لا نكون أولياءه ونحن نسكنه ونصلي عنده فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأن قال وما كان صلاتهم عند البيت إلا المكاء والتصدية قال ع والذي مربى من أمر العرب مربى من أمر العرب في غير ما ديوان أن المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع وعلى هذا يستقيم تغييرهم وتنقصهم بأن شرعهم وصلاتهم لم تكن رهبة ولا رغبة وإنما كانت مكاء وتصدية من نوع اللعب ولكنهم كانوا يتزيدون فيهما وقت النبي صلى الله عليه و سلم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصلاة وقوله سبحانه فذوقوا العذاب الآية إشارة إلى عذابهم ببدر بالسيف قاله الحسن وغيره فيلزم أن هذه الآية الآخرة نزلت بعد بدر ولا بد قال ع والاشبه أن الكل نزل بعد بدر حكاية عما مضى وقوله سبحانه إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله الآية لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقراباتهم فقالوا لمن خلص ماله في العير إن محمدا قد نال منا ما ترون ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب الوقعة فلعلنا ان ننال منه ثارا يريدون نفقته في غزوة أحد وقوله سبحانه فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون الحسرة التلهف على فائت وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون فكان كما أخبر ثم أخبر سبحانه عن الكافرين وأنهم يجمعون إلى جهنم والحشر الجمع وقوله سبحانه ليميز الله الخبيث من الطيب وقرأ حمزة والكسائي ليميز الله بضم الياء وفتح الميم وشد الياء قال ابن عباس وغيره المعنى بالخبيث الكفار وبالطيب المؤمنون وقال ابن سلام والزجاج الخبيث ما أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله والطيب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله قال ع روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله سبحانه يخرج يوم القيامة من الأموال ما كان صدقة أو قربة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار وعلى التأويلين فقول سبحانه ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا إنما هي عبارة عن جمع ذلك وضمه وتأليف أشتاته وتكاثفه بالإجماع ويركمه في كلام العرب يكثفه ومنه سحاب مركوم وعبارة البخاري فيركمه فيجمعه انتهى وقوله سبحانه إن ينتهوا يعني عن الكفر يغفر لهم ما قد سلف لأن الإسلام يجب ما قبله وإن يعودوا يريد به إلى القتال ولا يصح أن يتأول وأن يعودوا إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وقوله فقد مضت سنة الأولين عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله حين صد في وجه نبيه بمن هلك في يوم بدر بسيف الإسلام وقوله سبحانه وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما الفتنة الشرك قال ع وهذا هو الظاهر ويفسر هذه الآية قوله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث وقال ابن إسحاق معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كماكانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم وقوله ويكون الدين كله لله أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره سبحانه ثم قال تعالى فإن انتهوا عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز عليه عنده ثوابه وجميل المقارضة عليه وقوله سبحانه وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير معادلة لقوله فإن انتهوا المعنى وإن تولوا ولم ينتهو فاعلموا أن الله تعالى ينصركم عليهم وهذا وعد محض بالنصر والظفر والمولى هاهنا الموالى والمعين والمولى في اللغة على معان هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين وقوله عز و جل إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله صلى الله عليه و سلم الصيام في الشتاء هي الغنيمة الباردة وقوله من شيء ظاهره العموم ومعناه الخصوص فأما الناض والمتاع والأطفال والنساء وما لا يؤكل لحمه من الحيوان ويصح تملكه فالإمام يأخذ خمسه ويقسم الباقي في الجيش وأما الأرض فقال فيها مالك يقسمها الإمام إن رأى ذلك صوابا كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم بخيبر أو لا يقسمها بل يتركها لنوائب المسلمين إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأرض مصر وبسواد الكوفة وأما الرجال ومن شارف البلوغ من الصبيان فالإمام عند مالك وجمهور العلماء مخير فيهم على خمسة أوجه منها القتل وهو مستحسن في أهل الشجاعة والنكاية ومنها الفداء وهو مستحسن في ذي المنصب الذي ليس بشجاع ولا يخاف منه رأي ومكيدة لانتفاع المسلمين بالمال الذي يؤخذ منه ومنها المن وهو مستحسن فيمن يرجى أن يحنو على أسرى المسلمين ونحو ذلك من القرائن ومنها الاسترقاق ومنها ضرب الجزية والترك في الذمة وأما الطعام والغنم ونحوها مما يكل فهو مباح في بلد العدو أكله وما فضل منه كان في المغنم ومحل استيعاب فروع هذا الفصل كتب الفقه وقوله سبحانه وما أنزلنا على عبدنا أي من النصر والظهور الذي أنزله الله سبحانه يوم بدر ويحتمل أن تكون الإشارة إلى قرآن نزل يوم بدر أو في قصة يوم بدر ويوم الفرقان معناه يوم الفرق بين الحق والباطل بإعزاز الإسلام وإذلال الشرك والجمعان يريد جمع المسلمين وجمع الكفار وهو يوم بدر ولا خلاف في ذلك وقوله سبحانه والله على كل شيء قدير بعضد أن قوله وما أنزلنا على عبدنا يراد به النصر والظفر أي الآيات والعظائم من غلبة القليل للكثير وذلك بقدرة الله عز و جل الذي هو على كل شيء قدير قوله سبحانه إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم العدوة شفير الوادي وحرفه الذي يتعذر المشي فيه بمنزلة رجاء البير لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادي أي منعته ومنه قوله الشاعر ... عدتني عن زيارتك العوادي ... وحالت دونها حرب زبون وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالعدوة بكسر العين وقوله الدنيا والقصوى إنما هو بالإضافة إلى المدينة وبين المدينة ووادي بدر موضع الوقعة مرحلتان والدنيا من الدنو والقصوى من القصو وهو البعد والركب بإجماع من المفسرين عير أبي سفيان وقوله أسفل في موضع خفض تقديره في مكان أسفل كذا قال سيبويه وكان الركب ومدبر أمره أبو سفيان بن حرب قد نكب عن بدر حين نذر بالنبي صلى الله عليه و سلم وأخذ سيف البحر فهو اسفل بالإضافة إلى أعلى الوادي وقوله سبحانه ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد المقصد من الآية تبيين نعمة الله سبحانه في شأن قصة بدر وتيسيره سبحانه ما يسر من ذلك والمعنى لو تواعدتم لاختلفتم في المعياد بسبب العوارض التي تعرض للناس إلا مع تيسير الله الذي تمم ذلك وهذا كما تقول لصاحبك في أمر سناه الله تعالى دون تعب كثير لو بنينا على هذا وسعينا فيه لم يتم هكذا ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا أي لينفذ ويظهر أمرا قد قدره في الأزل مفعولا لكم بشرط وجودكم في وقت وجودكم وهذا كله معلوم عنده عز و جل لم يتجدد له به علم وقوله عز و جل ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة قال الطبري المعنى ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم ببيان من الله واعذار بالرسالة ويحكي أيضا ويعيش من عاش عن بيان منه أيضا وأعذرا لا حجة لأحد عليه سبحانه ت قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم في قوله عز و جل ليهلك من هلك عن بينة الآية البينة ما بان به الحق انتهى وقال ابن إسحاق وغيره معنى ليهلك أي ليكفر ويحي أي ليؤمن فالحياة والهلاك على هذا التأويل مستعارتان وقوله سبحانه إذ يريكهم الله في منامك قليلا الآية وتظاهرت الروايات أن هذه الآية نزلت في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى فيها عدد الكفار قليلا فأخبر بذلك أصحابه فقويت نفوسهم وحرصوا على اللقاء قاله مجاهد وغيره والظاهر أنه رآهم صلى الله عليه و سلم في نومه قليلا قدرهم وبأسهم ويحتمل أنه رآهم قليلا عددهم فكان تأويل رؤياه انهزامهم والفشل الخور عن الأمر ولتنازعتم أي لتخالفتم في الأمر يريد في اللقاء والحرب وسلم لفظ يعم كل متخوف وقوله سبحانه وإذ يريكموهم إذ التقيتم الآية وهذه الرؤية هي في اليقظة بإجماع وهي الرؤية التي كانت حين التقوا ووقعت العين على العين والمعنى أن الله تعالى لما أراده من انفاذ قضائه في نصرة الإسلام وإظهار دينه قلل كل طائفة في عيون الأخرى فوقع الخلل في التخمين والحزر الذي يستعمله الناس في هذا لتجسر كل طائفة على الأخرى وتتسبب أسباب الحرب والأمر المفعول المذكور في الآيتين هو القصة بأجمعها وقوله وإلى الله ترجع الأمور تنبيه على أن الحول بأجمعه لله وإن كل أمر فله وإليه وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا الآية هذا أمر من الله سبحانه بما فيه داعية النصر وسبب العز وهي وصية منه سبحانه بحسب التقييد الي في آية الضعف والفئة الجماعة أصلها فئوة وهي من فأوت أي جمعت ثم أمر سبحانه بإكثار ذكره هنالك إذ هو عصمة المستنجد ووزر المستعين قال قتادة افترض الله ذكره عند اشغل ما يكون عند الضراب والسيوف قال ع وهذا ذكر خفي لان رفع الصوت في موطن القتال رديء مكروه إذا كان الغاطا فأما إن كان من الجميع عند الحملة فحسن فات في عضد العدو قال قيس بن عباد كان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يكرهون الصوت عند ثلاث عند قراءة القرآن وعند الجنازة وعند القتال وقال النبي صلى الله عليه و سلم أطلبوا إجابة الدعاء عند القتال وإقامة الصلاة ونزول الغيث وقال ابن عباس يكره التلثم عند القتال قال النووي وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن القدر الذي يصير به المرء من الذاكرين الله كثيرا فقال إذا واظب على الأذكار المأثور المشتة صباحا ومساء وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهارا وهي مبينة في كتب عمل اليوم والليلة كان من الذاكرين الله كثيرا والله سبحانه أعلم انتهى من الحلية ت وأحسن من هذا جوابه صلى الله عليه و سلم حيث قال سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رواه مسلم والترمذي وعنده قالوا يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون في ذكر الله يضع عنهم الذكر أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا قال صاحب سلاح المؤمن المستهترون في ذكر الله هو بفتح التاءين المثناتين يعني الذين أو لعوا به يقال استهتر فلان بكذا أي اولع به والله اعلم انتهى فقد بين صلى الله عليه و سلم هنا صفة الذاكرين الله كثيرا وقد نقلنا في غير هذا المحل بيان صفة الذاكرين الله كثيرا بنحو هذا من طريق ابن المارك وإذا كان العبد مستهترا بذكر مولاه انس به واحبه واحب لقاءه فلم يبال بلقاء العدو وإن هي إلا أحدى الحسنيين أما النصر وهو الأغلب لمن هذه صفته أو الشهادة وذلك مناه ومطلبه انتهى وتفلحون تنالون بغيتكم وتنالون آمالكم والجمهور على أن الريح هنا مستعارة قال مجاهد الريح النصر والقوة وذهب ريح أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم حين نازعوه يوم أحد وقوله سبحانه واصبروا إلى آخر الآية تتميم في الوصية وعدة مونسة وقوله سبحانه ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم الآية الإشارة إلى كفار قريش والبطر الأشر وغمط النعمة وروي أن أبا سفيان لما أحرز عيره بعث إلى قريش وقال أن الله قد سلم عيركم فارجعوا فأنى رأي الجماعة على ذلك وخالف أبو جهل وقال والله لا نفعل حتى نأتي بدرا وكانت بدر سوقا من أسواق العرب لها يوم موسم فننحر عليها الإبل ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب ويهابنا الناس فهذا معنى قوله تعالى ورئاء الناس وقوله سبحانه وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس الضمير في لهم عائد على الكفار والشيطان إبليس نفسه والذي عليه الجمهور وتظاهرت به الروايات إن إبليس جاء كفار قريش ففي السير لأبن هشام أنه جاءهم بمكة وفي غيرها أنه جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو سيد من ساداتهم فقال لهم إني جار لكم ولن تخافوا من قومي وهم لكم أعوان على مقصدكم ولن يغلبكم أحد فروي أنه لما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام فلما رأى الملائكة نكص فقال له الحارث أتفر يا سراقة فلم يلو عليه ويروي أنه قال له ما تضمنته الآية وروي أن عمير بن وهب أو الحارث بن هشام قال له أين يا سراق فلم يلو مثل عدو الله فذهب ووقعب الهزيمة فتحدثوا أن سراقة لا فر بالناس فبلغ ذلك سراقة بن مالك فأتى مكة فقال لهم والله ما علمت بشيء من أمركم حتى بلغتني هزيمتكم ولا رأيتكم ولا كنت معكم ت قال ابن إسحاق ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة ينكرونه حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص عدو الله على عقبيه فاوردهم ثم أسلمهم انتهى من السيرة لابن هشام وقوله إني جار لكم أي انتم في ذمتي وحماءى وتراءت تفاعلت من الرؤية أي رأى هؤلاء هؤلاء وقوله نكص على عقبيه أي رجع من حيث جاء واصل النكوص في اللغة الرجوع القهقري وقوله أنى أرى ما لا ترون يريد الملائكة وهو الخبيث إنما شرط إلا غالب لهم من الناس فلما رأى الملائكة وخرق العادة خاف وفر وقوله إني أخاف الله قال الزجاج وغيره خاف مما رأى من الأمر وهو له أنه يومه الذي انظر إليه ويقوي هذا أنه رأى خرق العادة ونزول الملائكة للحرب وقوله سبحانه إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض الآية قال المفسرون إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق إنما هم من أهل عسكر الكفار ممن كان الإسلام داخل قلوبهم خرجوا مع المشركين إلى بدر منهم مكره وغير مكره فلما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم ارتابوا وقالوا مشيرين إلى المسلمين غر هؤلاء دينهم قال ع ولم يذكر أحد ممن شهد بدرا بنفاق الاما ظهر بعد ذلك من معتب ابن قشير فإنه القائل يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة لما وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة قالوا هذه المقالة ثم أخبر الله سبحانه بأن من توكل عليه وفوض أمره إليه فإن عزته سبحانه وحكمته كفيلة بنصره وقوله سبحانه ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوهم وأدبارهم الآية هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر قاله مجاهد وغيره وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم وقوله وأدبارهم قال جل المفسرين يريد استاههم ولكن الله كريم كنى وقال ابن عباس والحسن أراد ظهورهم وما أدبر منهم وباقي الآية بين وقوله سبحانه كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم الآية الدأب العادة في كلام العرب وهو مأخوذ من دأب على العمل إذا لازمه وقوله سبحانه ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الآية معنى هذه الآية إخبار من الله سبحانه إذا أنعم على قوم نعمة فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغييرها وتنكيدها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد أو تحسن منهم فإذا فعلوا ذلك غير الله نعمته عندهم بنقمته منهم ومثال هذه نعمة الله على قريش بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم فكفروا به فغير الله تلك النعمة بأن نقلها إلى غيرهم من الأنصار وأحل بهم عقوبته وقوله تعالى كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم هذا التكرير هو لمعنى ليس للأول إذ الأول دأب في أن هلكوا لما كفروا وهذا الثاني دأب في أن لم يغير نعمتهم حتى غيروا ما بأنفسهم والإشارة بقوله والذين من قبلهم إلى قوم شعيب وصالح وهود ونوح وغيرهم وقوله سبحانه إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون أجمع المتأولون أن الآية نزلت في بني قريظة وهي بعد تعم كل من أتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة وقوله في كل مرة يقتضي أن الغدر قد تكرر منهم وحديث قريظة هو أنهم عاهدوا النبي صلى الله عليه و سلم على أن لا يحاربوه ولا يعينوا عليه عدوا من غيرهم فلما اجتمعت الأحزاب على النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة غلب على ظن بني قريظة أن النبي صلى الله عليه و سلم مغلوب ومستأصل وخدع حي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم فغدروا ووالوا قريشا وأمدوهم بالسلاح والادراع فلما انجلت تلك الحال عن النبي صلى الله عليه و سلم أمره الله تعالى بالخروج إليهم وحربهم فاستنزلوا وضربت أعناقهم بحكم سعد واستيعاب قصتهم في السير وإنما اقتضبت منها ما يخص تفسير الآية وقوله سبحانه فأما تثقفنهم في الحرب الآية معنى تثقفنهم تأسرهم وتحصلهم في ثقفك أو تلقاهم بحال تقدر عليهم فيها وتغلبهم ومعنى فشرد أي طرد وأبعد وخوف والشريد المبعد عن وطن ونحوه ومعنى الآية فإن أسرت هؤلاء الناقضين في حربك لهم فأفعل بهم من النقمة ما يكون تشريدا لمن يأتي خلفهم في مثل طريقتهم وعبارة البخاري فشرد فرق انتهى والضمير في لعلهم عائد على الفرقة المشردة وقال ابن عباس المعنى نكل بهم من خلفهم وقالت فرقة معناه سمع بهم والمعنى متقارب ومعنى خلفهم أي بعدهم ويذكرون أي يتعظون وقوله سبحانه وأما تخافن من قوم خيانة الآية قال اكثر المفسرين أن الآية في بني قريظة والذي يظهر من ألفاظ الآية أن أمر بني قريظة قد انقضى عند قوله فشرد بهم من خلفهم ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة إلى آخر الدهر وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته وقوله فأنبذ إليهم أي الق إليهم عهدهم وقوله على سواء قيل معناه حتى يكون الأمر في بيانه والعلم به على سواء منك ومنهم فتكونون في استشعار الحرب سواء وذكر الفراء أن المعنى فأنبذ إليهم على اعتدال وسواء من الأمر أي بين لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تفجأ بحرب بل افعل بهم مثل ما فعلوا بك يعني موازنة ومقايسة وقرأ نافع وغيره ولا تحسبن بالتاء مخاطة للنبي صلى الله عليه و سلم وسبقوا معناه فأتوا بأنفسهم وانجوها أنهم لا يعجزون أي لا يفلتون ولا يعجزون طالبهم وروي أن الآية نزلت فيمن أفلت من الكفار في بدر وغيره فالمعنى لا تظنهم ناجين بل هم مدركون وقرأ حمزة وغيره ولا يحسبن بالياء من تحت وبفتح السين وقوله سبحانه وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الآية المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين وفي صحيح مسلم إلا أن القوة الرمي إلا أن القوة الرمي ولما كانت الخيل هي أصل الحرب وأوزارها والتي عقد الخير في نواصيها خصها الله تعالى بالذكر تشريفا لها ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحرب وانكاه في العدو وأقربه تناولا للأرواح خصها صلى الله عليه و سلم بالذكر والتنبيه عليها ت وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من تعلم الرمي وتركه فليس منا أو قد عصى وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة انفس الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله فارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا كل شيء يلهوبه الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته انتهى ورباط الخيل مصدر من ربط ولا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة ويجوز أن يكون مصدرا من رابط وإذا ربط كل واحد من المؤمنين فرسا لأجل صاحبه فقد حصل بينهم رباط عليه السلام من ارتبط فرسا في سبيل الله فهو كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ت وقد ذكرنا بعض ما ورد في فضل الرباط في آخر آل عمران قال صاحب التذكرة وعن عثمان بن عفان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كالف ليلة صيامها وقيامها وعن أبي بن كعب قال قال النبي صلى الله عليه و سلم لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا أراه قال من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى أهله سالما لم تكتب عليه سيئة ألف سنة ويكتب له من الحسنات ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة قال القرطبي في تذكرته فدل هذا الحديث على أن رباط يوم في رمضان يحصل له هذا الثواب الدائم وإن لم يمت مرابطا خرج هذا الحديث والذي قبله ابن ماجه انتهى من التذكرة وترهبون معناه تخوفون وتفزعون والرهبة الخوف وقوله وآخرين من دونهم فيه أقوال قيل هم المنافقون وقيل فارس وقيل غير هذا قال ع ويحسن أن يقدر قوله لا تعلمونهم بمعنى لا تعلمونهم فازعين راهبين وقال ص لا تعلمونهم بمعنى لا تعرفونهم فيتعدى لواحد ومن عداه إلى اثنين قدره محاربين واستبعد لعدم تقدم ذكره فهو ممنوع عند بعضهم وعزيز جدا عند بعضهم انتهى وقوله سبحانه وإن جنحوا للسلم فأجنح لها جنح الرجل إلى الأمر إذا مال إليه وعاد الضمير في لها مؤنثا إذ السلم بمعنى المسالمة والهدنة وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة والضمير في جنحوا هو للذين نبذ إليهم على سواء وقوله سبحانه وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله الآية الضمير في قوله وإن يريدوا عائد على الكفار الذين قال فيهم وإن جنحوا أي وإن يريدوا أن يخدعوك بأن يظهروا السلم ويبطنوا الغدر والخيانة فإن حسبك الله أي كافيك ومعطيك نصره وأيدك معناه قواك وبالمؤمنين يريد الأنصار بذلك تظاهرت أقوال المفسرين وقوله وألف بين قلوبهم الآية إشارة إلى العداوة التي كانت بين الاوس والخزرج قال ع ولو ذهب ذاهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار وجعل التأليف ما كان بين جميعهم من التحاب لساغ ذلك وقال ابن مسعود نزلت هذه الآية في المتحابين في الله وقال مجاهد إذا تراأي المتحابين في الله وتصافحا تحاتت خطاياهما فقال له عبدة بن أبي لبابة أن هذا ليسير فقال له لا تقل ذلك فإن الله تعالى يقول لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم قال عبدة فعرفت أنه افقه منى قال ع وهذا كله تمثيل حسن بالآية لا أن الآية نزلت في ذلك وقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال المؤمن مالفة لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف قال ع والتشابه سبب الألفة فمن كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه ت وفي صحيح البخاري الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف انتهى وروى مالك في الموطأ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وروينا عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يا عبد الله بن مسعود أتدري أي عرى الإيمان أوثق قلت الله ورسوله أعلم قال الولاية في الله الحب والبغض فيه ورواه البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه و سلم أيضا وعن عبد الله في قوله تعالى لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما التف بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم قال نزلت في المتحابين في الله قال أبو عمر وأما قوله اليوم أظلهم في ظلي فأنه أراد والله أعلم في ظل عرشه وقد يكون الظل كناية عن الرحمة كما قال أن المتقين في ظلال وعيون يعني بذلك ما هم فيه من الرحمة والنعيم انتهى وقوله سبحانه يا أيها النبي حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين قال النقاش نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر وحكي عن ابن عباس أنها نزلت في الأوس والخزرج وقيل أنها نزلت حين أسلم عمر وكمل المسلمون أربعين قاله ابن عمر وأنس فهي على هذا مكية وحسبك في كلام العرب وشرعك بمعنى كافيك ويكفيك والمحسب الكافي قالت فرقة معنى الآية يكفيك الله ويكفيك من اتبعك فمن في موضع رفع وقال الشعبي وابن زيد معنى الآية حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين فمن في موضع نصب عطفا على موضع الكاف لأن موضعها نصب على المعنى بيكفيك التي سدت حسبك مسدها قال ص ورد بأن الكاف ليس موضعها نصب لأن إضافة حب إليها أضافة صحيحة انتهى وقوله سبحانه يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال الآية حرض المؤمنين أي حثهم وحضهم وقوله سبحانه إن يكن منكم إلى آخر الآية لفظ خبر مضمنه وعد بشرط لأن قوله إن يكن منكم عشرون صابرون بمنزلة أن يقال أن بصبر منكم عشرون يغلبوا وفي ضمنه الأمر بالصبر قال الفخر وحسن هذا التكليف لما كان مسبوقا بقوله حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين فلما وعد الله المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على أذايته انتهى وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ثبوت الواحد للعشرة كان فرضا على المؤمنين ثم لما شق ذلك عليهم حط الله الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين وهذا هو نسخ الأثقل بالأخف وقوله لا يفقهون معناه لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون به إلا الغلبة الدنيوية فهم يخافون الموت إذا صبر لهم ومن يقاتل ليغلب أو يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدما لا محالة وقوله والله مع الصابرين لفظ خبر في ضمنه وعد وحض على الصبر ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر بأنه يغلب وقوله سبحانه ما كان لنبي أن يكون له أسرى الآية قال ع هذه آية تتضمن عندي معاتبة من الله عز و جل لأصحاب نبيه عليه السلام والمعنى ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان ولذلك استمر الخطاب لهم بتريدون والنبي صلى الله عليه و سلم لم يأمر باستبقاء الرجل وقت الحرب ولا أراد صلى الله عليه و سلم قط عرض الدنيا وإنما فعله جمهور مباشري الحرب وجاء ذكر النبي صلى الله عليه و سلم في الآية مشيرا إلى دخوله عليه السلام في العتب حين لم ينه عن ذلك حين رآه من العريش وأنكره سعد بن معاذا لكنه صلى الله عليه و سلم شغله بغت الأمر وظهور النصر عن النهي ومر كثير من المفسرين على أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب إشارة من أشار على النبي صلى الله عليه و سلم بأخذ الفدية حين استشارهم في شأن الأسرى والتأويل الأول أحسن والإثخان هو المبالغة في القتل والجراحة ثم أمر مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فقال تريدون عرض الدنيا أي مالها الذي يعز ويعرض والمراد ما أخذ من الأسرى من الأموال والله يريد الآخرة أي عمل الآخرة وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال للناس إن شئتم أخذتم فداء الأسرى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم فقالوا نأخذ المال ويستشهد منا وذكر عبد ابن حميد بسنده أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه و سلم بتخيير الناس هكذا وعلى هذا فالأمر في هذا التخيير من عند الله فإنه إعلام بغيب وإذا خيروا رضي الله عنهم فكيف يقع التوبيخ بعد بقوله تعالى لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فهذا يدلك على صحة ما قدمناه أن العتب لهم إنما هو على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبة في أخذ المال وهو الذي أقول به وذكر المفسرون أيضا في هذه الآيات تحليل المغانم ولا أقول ذلك لأن تحليل المغانم قد تقدم قبل بدر في السرية التي قتل فيها ابن الحضرمي وإنما المبتدع في بدر استبقاء الرجال لأجل المال والذي من الله به فيها الحاق فدية الكافر بالمغانم التي تقدم تحليلها قوله سبحانه كتاب من الله سبق الآية قال ابن عباس وأبو هريرة والحسن وغيرهم الكتاب هو ما كان الله قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لهذه الأمة وقال مجاهد وغيره الكتاب السابق مغفرة الله لأهل بدر وقيل الكتاب السابق هو أن لا يعذب الله أحد بذنب إلا بعد النهي عنه حكاه الطبري قال ابن العربي في أحكام القرآن وهذه الأقوال كلها صحيحة ممكنة لكن أقواها ما سبق من إحلال الغنيمة وقد كانوا غنموا أول غنيمة في الإسلام حين أرسل النبي صلى الله عليه و سلم عبد الله بن جحش انتهى وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لو نزل في هذا الأمر عذاب لنجا منه عمر بن الخطاب وفي حديث آخر وسعد بن معاذ وذلك أن رأيهما كان أن تقتل الأسرى وقوله سبحانه فكلوا مما غنمتم الآية نص على إباحة المال الذي أخذ من الأسرى وإلحاق له بالغنيمة التي كان تقدم تحليلها وقوله سبحانه يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم روي أن الأسرى ببدر اعلموا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن لهم ميلا إلى الإسلام وأنهم إن رجعوا إلى قومهم سعوا في جلبهم إلى الإسلام قال ابن عباس الأسرى في هذه الآية عباس وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم آمنا بما جئت به ونشهد أنك لرسول الله ولننصحن لك على قومنا فنزلت هذه الآية ومعنى الكلام إن كان هذا عن جد منكم وعلم الله من أنفسكم الخير والإسلام فإنه سيجبر عليكم أفضل مما أعطيتم فدية ويغفر لكم جميع ما أجترمتموه وروي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال في وفي أصحابي نزلت هذه الآية وقال حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم من مال البحرين ما قدر أن يقول هذا خير مما أخذ مني وأنا بعد أرجو أن يغفر الله لي وروي عنه أنه قال ما أود أن هذه الآية لم تنزل ولي الدنيا بأجمعها وذلك أن الله تعالى قد أتاني خيرا مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر لي وقوله فقد خانوا الله من قبل أي بالكفر فأمكن منهم أي بأن جعلهم أسرى والله عليم بما يبطنونه حكيم فيما يجازيهم به سبحانه الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا وذكر المهاجرين بعد الحديبية فقدم أولا ذكر المهاجرين وهم أصل الإسلام وتأمل تقديم عمر لهم في الاستشارة وهاجر معناه هجر أهله وقرابته وهجروه والذين أووا ونصروا هم الأنصار فحكم سبحانه على هاتين الطائفيتين بأن بعضهم أولياء بعض فقال كثير من المفسرين هذه الموالاة هي المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي وعليه فسر الطبري الآية وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية وقال ابن عباس وغيره هذه الموالاة هي في المواريث وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم آخى بين المهاجرين والأنصار فكان المهاجري إذا مات ولم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ورثه أخوه الأنصاري وكان المسلم الذي لم يهاجر لا ولاية بينه وبين قريبه المهاجري ولا يرثه ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه وأولوا الأرحام الآية وعلى التأولين ففي الآية حض على الهجرة قال أبو عبيدة الولاية بالكسر من وليت الأمر إليه فهي في السلطان وبالفتح هي من المولى يقال مولى بين الولاية بفتح الواو وقوله سبحانه وإن استنصروكم يعني إن استدعى هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا نصركم فعليكم النصر الأعلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم لأن ذلك غدر ونقض للميثاق وقوله سبحانه والذين كفروا بعضهم أولياء بعض وذلك يجمع الموارثة والمعاونة والنصرة وهذه العبارة تحريض وإقامة لنفوس المؤمنين كما تقول لمن تريد تحريضه عدوك مجتهد أي فأجتهد أنت وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن قتادة أنه قال أبى الله أن يقبل إيمان من آمن ولم يهاجر وذلك في صدر الإسلام وفيهم قال النبي صلى الله عليه و سلم أنا بريء من مسلم أقام بين المشركين لا تتراأى نارهما الحديث على اختلاف ألفاظه وقول قتادة إنما هو فيمن كان يقيم متربصا يقول من غلب كنت معه وكذلك ذكر في كتاب الطبري وغيره والضمير في قوله إلا تفعلوا قيل هو عائد على المؤازرة والمعاونة ويحتمل على الميثاق المذكور ويحتمل على النصر للمسلمين المستنصرين ويحتمل على الموارثة والتزامها ويجوز أن يعود مجملا على جميع ما ذكر والفتنة المحنة بالحرب وما أنجر معها من الغارات والجلاء والأسر والفساد الكبير ظهور الشرك وقوله سبحانه والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا تضمنت الآية تخصيص المهاجرين والأنصار وتشريفهم بهذا الوصف العظيم ت وهي مع ذلك عند التأمل يلوح منها تأويل قتادة المتقدم فتأمله والرزق الكريم هو طعام الجنة كذا ذكر الطبري وغيره قال ابن العربي في أحكامه وإذا كان الإيمان في القلب حقا ظهر ذلك في استقامة الأعمال بامتثال الأمر واجتناب المنهي عنه وإذا كان مجازا قصرت الجوارح في الأعمال إذ لم تبلغ قوته إليها انتهى والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم قوله من بعد يريد به من بعد الحديبية وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك وكان يقال لها الهجرة الثانية وجاهدوا معكم لفظ يقتضي أنهم تبع لاصدار وقوله سبحانه وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قال من تقدم ذكره هذه في المواريث وهي ناسخة للحكم المتقدم ذكره وقالت فرقة منها مالك أن الآية ليست في المواريث وهذا فرار من توريث الخال والعمة ونحو ذلك وقالت فرقة هي في المواريث إلا أنها نسخت بآية المواريث المبينة وقوله في كتاب الله معناه القرآن أي ذلك مثبت في كتاب الله وقيل في اللوح المحفوظ كمل تفسير السورة والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم تسليما تفسير سورة براءة وهي مدنية إلا آيتين قوله سبحانه لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرها وتسمى سورة التوبة قاله حذيفة وغيره وتسمى الفاضحة قاله ابن عباس وقال ما زال ينزل ومنهم ومنهم حتى ظن أنه لا يبقى أحد وهي من آخر ما أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم قال علي رضي الله عنه لأبن عباس بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبشارة وبراءة نزلت بالسيف ونبذ العهود فلذلك لم تبدأ بالأمان قوله عز و جل براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين التقدير هذه الآيات براءة ويصح أن يرتفع براءة بالابتداء والخبر في قوله إلى الذين وبراءة معناه تخلص وتبر من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض قاله ابن العربي في أحكامه تقول برأت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء إذا أنزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه انتهى ومعنى السياحة في الأرض الذهاب فيها مسرحين آمنين كالسيح من الماء وهو الجاري المنبسط قال الضحاك وغيره من العلماء كان من العرب من لا عهد بينه وبين النبي صلى الله عليه و سلم جملة وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا فقوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر هو أجل ضربه الله لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه وأول هذا الأجل يوم الآذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر وقوله سبحانه فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حكم مباين للأول حكم به في المشركين الذين لا عهد لهم البتة فجاء أجل تأمينهم خمسين يوما أولها يوم الأذان وآخرها انقضاء المحرم وقوله إلا الذين عاهدتم يريد به الذين لهم عهد ولم ينقضوا ولا تحسس منهم نقض وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة كان بقي من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر وقوله عز و جل وأعلموا أنكم غير معجزي الله أي لا تفلتون الله ولا تعجزونه هربا وقوله واذان من الله ورسوله الآية أي إعلام ويوم الحج الأكبر قال عمر وغيره هو يوم عرفة وقال أبو هريرة وجماعة هو يوم النحر وتظاهرت الروايات أن عليا أذن بهذه الآيات يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالاذان بها يوم النحر وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر من يعينه في الاذان بها كأبي هريرة وغيره وتتبعوا بها أيضا أسواق العرب كذى المجاز وغيره وهذا هو سبب الخلاف فقالت طائفة يوم الحج الأكبر عرفة حيث وقع أو الاذان وقالت أخرى هو يوم النحر حيث وقع إكمال الاذان وقال سفيان ابن عيينة المراد باليوم أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل ويتجه أن يوصف بالأكبر على جهة المدح لا بالإضافة إلى أصغر معين بل يكون المعنى الأكبر من سائر الأيام فتأمله واختصار ما تحتاج إليه هذه الآية على ما ذكر مجاهد وغيره من صورة تلك الحال أن رسول الله صلى الله عليه و سلم افتتح مكة سنة ثمان فاستعمل عليها عتاب بن أسيد وقضى أمر حنين والطائف وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خرج إلى تبوك ثم أنصرف من تبوك في رمضان سنة تسع فأراد الحج ثم نظر في أن المشركين يحجون في تلك السنة ويطوفون عراة فقال لا أريد أن أرى ذلك فأمر أبا بكر على الحج بالناس وأنفذه ثم أتبعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقته العضباء وأمره أن يؤذن في الناس بأربعين آية صدر صورة براءة وقيل ثلاثين وقيل عشرين وفي بعض الروايات عشر آيات وفي بعضها تسع آيات وأمره أن يؤذن الناس بأربعة أشياء وهي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وفي بعض الروايات ولا يدخل الجنة كافر ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته وفي بعض الروايات ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها فإذا انقضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله قال ع وأقول أنهم كانوا ينادون بهذا كله فأربعة أشهر للذين لهم عهد وتحسس منهم نقضه والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر منه نقض وذكر الطبري أن العرب قالت يومئذ نحن نبرأ من عهدك ثم لام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش فأسلموا كلهم ولم يسح أحد قال ع وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا وقوله سبحانه إن الله بريء من المشركين ورسوله أي ورسوله بريء منهم وقوله فإن تبتم أي عن الكفر وقوله سبحانه إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم هذا هو الاستثناء الذي تقدم ذكره وقرأ عكرمة وغيره ينقضوكم بالضاد المعجمة ويظاهروا معناه يعاونوا والظهير المعين وقوله إن الله يحب المتقين تنبيه على أن الوفاء بالعهد من التقوى وقوله سبحانه فإذا أنسلخ الأشهر الحرم الانسلاخ خروج الشيء عن الشيء المتلبس به كانسلاخ الشاة عن الجلد فشبه انصرام الأشهر بذلك وقوله سبحانه فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية قال ابن زيد هذه الآية وقوله سبحانه فأما منا بعد وأما فداءهما محكمتان أي ليست احداهما بناسخة للأخرى قال ع هذا هو الصواب وقوله وخذوهم معناه الأسر وقوله كل مرصد معناه مواضع الغرة حيث يرصدون ونصب كل على الظرف أو بإسقاط الخافض التقدير في كل مرصد وقوله فإن تابوا أي عن الكفر وقوله سبحانه وإن أحدا من المشركين استجارك أي جلب منك عهدا وجوارا يأمن به حتى يسمع كلام الله يعني القرآن والمعنى يفهم أحكامه قال الحسن وهذه آية محكمة وذلك سنة إلى يوم القيامة وقوله سبحانه إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام الآية قال ابن إسحاق هي قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في العهد فأمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض منهم وقوله سبحانه كيف وإن يظهروا عليكم الآية في الكلام حذف تقديره كيف يكون لهم عهد ونحوه وفي كيف هنا تأكيد للاستبعاد الذي في الأولى ولا يرقبوا معناه لا يراعوا ولا يحفظوا وقرأ الجمهور إلا وهو الله عز و جل قاله مجاهد وأبو مجلز وهو أسمه بالسريانية وعرب ويجوز أن يراد به العهد والعرب تقول للعهد والحلف والجوار ونحو هذه المعاني إلا والذمة أيضا بمعنى الحلف والجوار ونحوه وقوله سبحانه وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم الآية ويليق هنا ذكر شيء من حكم طعن الذمي في الدين والمشهور من مذهب مالك أنه إذا فعل شيئا من ذلك مثل تكذيب الشريعة وسب النبي صلى الله عليه و سلم قتل وقوله سبحانه فقاتلوا ايمة الكفر أي رؤسهم وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه وأصوب ما يقال في هذه الآية أنه لا يعني بها معين وإنما وقع الأمر بقتال ايمة الناكثين للعهود من الكفرة إلى يوم القيامة واقتضت حال كفار العرب ومحاربي النبي صلى الله عليه و سلم أن تكون الإشارة إليهم أولا ثم كل من دفع في صدر الشريعة إلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم وقرأ الجمهور لا إيمان لهم جمع يمين أي لا إيمان لهم يوفى بها وتبر هذا المعنى يشبه الآية وقرأ ابن عامر وحده من السبعة لا إيمان لهم وهذا يحتمل وجهين أحدهما لا تصديق لهم قال أبو علي وهذا غير قوي لأنه تكرير وذلك أنه وصف ايمة الكفر بأنه لا إيمان لهم والوجه في كسر الألف أنه مصدر من أمنته أيمانا ومنه قوله تعالى وآمنهم من خوف فالمعنى أنه لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة الكتابيون إذ المشركون ليس لهم إلا الإسلام أو السيف قال أبو حاتم فسر الحسن قراءته لا إسلام لهم قال ع والتكرير الذي فر أبو علي منه متجه لأنه بيان المهم الذي يوجب قتلهم وقوله عز و جل الا تقاتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول الآية الاعرض وتحضيض قال الحسن والمراد بإخراج الرسول إخراجه من المدينة وهذا مستقيم كغزوة أحد والأحزاب وقال السدي المراد من مكة وقوله سبحانه وهم بدءوكم أول مرة قيل يراد أفعالهم بمكة بالنبي صلى الله عليه و سلم وبالمؤمنين وقال مجاهد يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه و سلم فكان هذا بدأ النقض وقال الطبري يعني فعلهم يوم بدر قال الفخر قال ابن إسحاق والسدي والكلبي نزلت هذه الآية في كفار مكة نكثوا إيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة انتهى وقوله سبحانه أتخشونهم استفهام على معنى التقرير والتوبيخ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإيمان وقوله سبحانه قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة ثم حض على القتال مقترنا بذنوبهم لتنبعث الحمية مع ذلك ثم جزم الأمر بقتالهم في هذه الآية مقترنا بوعد وكيد يتضمن النصر عليهم والظفر بهم وقوله سبحانه يعذبهم الله بأيديكم معناه بالقتل والأسر ويخزهم معناه يذلهم على ذنوبهم يقال خزي الرجل يخزى خزيا إذا ذل من حيث وقع في عار وأخزاه غيره وخزي يخزى خزاية إذا استحي وأما قوله تعالى ويشف صدور قوم مؤمنين فيحتمل أن يريد جماعة المؤمنين لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور المؤمنين ويحتمل أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين وروي أنهم خزاعة قاله مجاهد والسدي ووجه تخصيصهم أنهم الذين نقض فيهم العهد ونالتهم الحرب وكان يومئذ في خزاعة مؤمنين كثير ويقتضي ذلك قول الخزاعي المستنصر بالنبي صلى الله عليه و سلم ثمت اسلمنا فلم ننزع يدا وفي آخر الرجز وقتلونا ركعا وسجدا وقرأ جمهور الناس ويتوب بالرفع على القطع مما قبله والمعنى أن الآية استانفت الخبر بأنه قد يتوب على بعض هؤلاء الكفرة الذين أمر بقتالهم وعبارة ص ويتوب الجمهور بالرفع على الاستيناف وليس بداخل في جواب الأمر لأن توبته سبحانه على من يشاء ليست جزاء على قتال الكفار انتهى وقوله عز و جل أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم الآية خطاب للمؤمنين كقوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة الآية ومعنى الآية اظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحان والمراد بقوله ولما يعلم الله أي لم يعلم الله ذلك موجودا كما علمه ازلا بشرط الوجود وليس يحدث له علم تبارك وتعالى عن ذلك ووليجة معناه بطانة ودخيلة وهو مأخوذ من الولوج فالمعنى أمر باطنا مما ينكر وفي الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج قال الفخر قال أبو عبيدة كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة وأصله من الولوج قال الواحدي يقال هو وليجة للواحد والجمع انتهى وقوله سبحانه ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله إلى قوله إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله الآية لفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ت زاد ابن الخطيب في روايته فإن الله تعالى يقول إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر انتهى من ترجمة محمد بن عبد الله وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال أن الله ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمن والأمان والجواز على الصراط يوم القيامة خرجه علي بن عبد العزيز البغوي في المسند المنتخب له وروى البغوي أيضا في هذا المسند عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا أوطن الرجل المساجد بالصلاة والذكر تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم عليهم انتهى من الكوكب الدري قيل ومعنى يتبشبش أي يفرح به وقوله سبحانه ولم يخش إلا الله يريد خشية التعظيم والعبادة وهذه مرتبة العدل من الناس ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه وقوله سبحانه أجعلتم سقاية الحاج الآية سقاية الحاج كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها قال الحسن ولما نزلت هذه الآية قال العباس ما أراني إلا أترك السقاية فقال النبي صلى الله عليه و سلم أقيموا عليها فهي خير لكم وعمارة المسجد الحرام قيل هي حفظه ممن يظلم فيه أو يقول هجرا وكان ذلك إلى العباس وقيل هي السدانة وخدمة البيت خاصة وكان ذلك في بني عبد الدار وكان يتولاها عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة وأقرها النبي صلى الله عليه و سلم لهما ثاني يوم الفتح وقال خذاها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فقال مجاهد أمروا بالهجرة فقال العباس أنا أسقي الحاج وقال عثمان بن طلحة أنا حاجب الكعبة وقال محمد بن كعب أن العباس وعليا وعثمان بن طلحة تفاخروا فنزلت الآية وقيل غير هذا وقوله سبحانه الذين أمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله الآية لما حكم سبحانه في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بين ذلك في هذه الآية الأخيرة واوضحه فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس وحكم على أن أهل هذه الخصال أعظم درجة عند الله من جميع الخلق ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه والفوز بلوغ البغية أما في نيل رغيبة أو نجاة من هلكة وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث دعوا إلى أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل احد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وتمهد الشرع وقوله سبحانه يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان هذا وعد كريم من رب رحيم وفي الحديث الصحيح إذا استقر أهل الجنة في الجنة يقول الله عز و جل لهم هل رضيتم فيقولون وكيف لا نرضى يا ربنا فيقول إني سأعطيكم أفضل من ذلك رضواني أرضي عليكم فلا أسخط عليهم أبدا الحديث وقوله سبحانه يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ظاهر هذه المخاطبة أنه لجميع المؤمنين كافة وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة وروت فرقة أنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر وقوله سبحانه قل إن كان آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم الآية هذه الآية تقوي مذهب من رأى أن هذه الآية والتي قبلها إنما مقصودهما الحض على الهجرة وفي ضمن قوله فتربصوا وعيد بين وقوله بأمره قال الحسن الإشارة إلى عذاب أو عقوبة من الله تعالى وقال مجاهد الإشارة إلى فتح مكة وذكر الأبناء في هذه الآية دون التي قبلها لما جلبت ذكرهم المحبة والأبناء صدر في المحبة وليسوا كذلك في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة واقترفتموها معناه اكتسبتموها ومساكن جمع مسكن بفتح الكاف مفعل من السكنى وما كان من هذا معتل الفاء فإنما يأتي على مفعل بكسر العين كموعد وموطن وقوله سبحانه لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعدد الله تعالى نعمه عليهم والمواطن المشار إليها بدر والخندق والنضير وقريظة وخيبر وغيرها وحنين واد بين مكة والطائف وقوله إذ أعجبتكم كثرتكم روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال حين رأى جملته اثني عشر ألفا لن تغلب اليوم من قلة وروي أن رجلا من أصحابه قالها فأراد الله تعالى إظهار العجز فظهر حين فر الناس ت العجب جائز في حق غير النبي صلى اله عليه وسلم وهو معصوم منه صلى الله عليه و سلم والصواب في فهم الحديث أنه خرج مخرج الإخبار لا على وجه العجب وعلى هذا فهمه ابن رشد وغيره وأنه إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا حرم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف وعليه عول في الفتوى وقوله تعالى وضاقت عليكم الأرض بما رحبت معناه برحبها كأنه قال على ما هي عليه في نفسها رحبة واسعة لشدة الحال وصعوبتها فما مصدرية وقوله سبحانه ثم وليتم مدبرين أي فرارا عن النبي صلى الله عليه و سلم واختصار هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما فتح مكة وكان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليهم ألفان من الطلقاء فصار في اثني عشر ألفا سمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له هوازن والفاها وعليهم ملك بن عوف النصري وثقيف وعليهم عبد ياليل بن عمرو وانضاف إليهم اخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اجتمعوا بحنين فلما تصاف الناس حمل المشركون من محاني الوادي وانهزم المسلمون قال قتادة وكان يقال أن الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا القاء الهزيمة في المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم على بغلته البيضاء قد اكتنفه العباس عمه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وبين يديه أيمن بن أم أيمن وثم قتل رحمه الله والنبي صلى الله عليه و سلم يقول ... أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب ... فلما رأى نبي الله صلى الله عليه و سلم شدة الحال نزل عن بغلته إلى الأرض قالت البراء بن عازب واستنصر الله عز و جل فأخذ قبضه من تراب وحصى فرمى بها في وجوه الكفار وقال شاهت الوجوه ونادى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأنصار وأمر العباس أن ينادي أين أصحاب الشجرة أين أصحاب سورة البقرة فرجع الناس عنقا واحدا للحرب وتصافحوا بالسيوف والطعن والضرب وهناك قال عليه السلام الآن حمي الوطيس وهزم الله المشركين واعلى كلمة الإسلام إلى يوم الدين قال يعلى بن عطاء فحدننى أبناء المنهزمين عن آبائهم قالوا لم يبق منا أحد إلا دخل عينيه من ذلك التراب واستيعاب هذه القصة في كتب السير ومدبرين نصب على الحال المؤكدة كقوله وهو الحق مصدقا والمؤكدة هي التي يدل ما قبلها عليها كدلالة التولى على الإدبار وقوله سبحانه ثم أنزل الله سكينته الآية السكينة النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس والجنود الملائكة والرعب قال أبو حاجز يزيد بن عامر كان في أجوافنا مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب وعذب الذين كفروا أي بالقتل والأسر وروى أبو داود عن سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم حنين فاطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء رجل فارس فقال يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذ أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشياههم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال تكل غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله الحديث انتهى فكانوا كذلك غنيمة بحمد الله كما أخبر صلى الله عليه و سلم وقوله عز و جل يا أيها الذين أمنوا إنما المشركون نجس قال ابن عباس وغيره معنى الشرك هو الذي نجسهم كنجاسة الخمر ونص الله سبحانه في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام فقاس مالك رحمه الله وغيره جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد وقوة قوله سبحانه فلا يقربوا يقتضي أمر المسلمين بمنعهم وقوله بعد عامهم هذا يريد بعد عام تسع من الهجرة وهو عام حج أبو بكر بالناس وقوله سبحانه وإن خفتم عيلة أي فقرا فسوف يغنيكم الله من فضله وكان المسلمون لما منع المشركون من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات قذف الشيطان في نفوسهم الخوف من الفقر وقالوا من أين نعيش فوعدهم الله سبحانه بأن يغنيهم من فضله فكان الأمر كما وعد الله سبحانه فأسلمت العرب فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم وقوله سبحانه قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية هذه الآية تضمنت قتال أهل الكتاب قال مجاهد وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزو الروم ومشى نحو تبوك ونفى سبحانه عن أهل الكتاب الإيمان بالله واليوم الآخر حيث تركوا شرع الإسلام وأيضا فكانت اعتقاداتهم غير مستقيمة لأنهم تشعبوا وقالوا عزير بن الله والله ثالث ثلاثة وغير ذلك ولهم أيضا في البعث آراء فاسدة كشراء منازل الجنة من الرهبان إلى غير لك من الهذيان ولا يدينون دين الحق أي لا يطيعون ولا يمتثلون ومنه قول عائشة ما عقلت أبوي إلا وهما يدينان الدين والدين هنا الشريعة قال ابن القاسم وأشهب وسحنون وتؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها وأما عبدة الأوثان والنيران وغير ذلك فجمهور العلماء على قبول الجزية منهم وهو قول مالك في المدونة وقال الشافعي وأبو ثور لا تؤخذ الجزية إلا من اليهود والنصارى والمجوس فقط وأما قدرها في مذهب مالك وغيره فأربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة وهذا في العنوة وأما الصلح فهو ما صالحوا عليه قليل أو كثير وقوله عن يد يحتمل وجوها منها أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر واليد في كلام العرب القوة ومنها أن يريد سوق الذمي لها بيده لا أن يبعثها مع رسول ليكون في ذلك إذلال لهم ومنها أن يريد نقدها ناجزا تقول بعته يدا بيد أي لا يؤخروا بها ومنها أن يريد عن استسلام يقال القى فلان بيده إذا عجز واستسلم وقوله سبحانه وقالت اليهود عزير بن الله الذي كثر في كتب أهل العلم أن فرقة من اليهود قالت هذه المقالة وروي أنه قالها نفر يسير منهم فنحاص وغيره قال النقاش ولم يبق الآن يهودي يقولها بل انقرضوا قال ع فإذا قالها ولو واحد من رؤسائهم توجهت شنعة المقالة على جماعتهم وحكى الطبري وغيره أن بني إسرائيل أصابتهم فتن وجلاء وقيل مرض وأذهب الله عنهم التوراة في ذلك ونسوها وكان علماؤهم قد دفنوها أول ما أحسوا بذلك البلاء فلما طالت المدة فقدت التوراة جملة فحفظها الله عزيرا كرامة منه له فقال لبني إسرائيل أن الله قد حفظني التوراة فجعلوا يدرسونها من عنده ثم أن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي مساوية لما كان عزير يدرس فضلوا عند ذلك وقالوا إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله نعوذ بالله من الضلال وقوله بافواهم أي بمجرد الدعوى من غير حجة ولا برهان ويضاهون قراءة الجماعة ومعناه يحاكون ويماثلون والإشارة بقوله الذين كفروا من قبل إما لمشركي العرب إذ قالوا الملائكة بنات الله قاله الضحاك وإما لأمم سالفة قبلها إما للصدر الأول من كفرة اليهود والنصارى ويكون يضاهون لمعاصري النبي صلى الله عليه و سلم وإن كان الضمير في يضاهون للنصارى فقط كانت الإشارة بالذين كفروا من قبل إلى اليهود وعلى هذا فسر الطبري وحكاه غيره عن قتادة وقوله قاتلهم الله دعاء عليهم عام لأنواع الشر وعن ابن عباس أن المعنى لعنهم الله قال الداودي وعن ابن عباس قاتلهم الله لعنهم الله وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن انتهى وأنى يؤفكون أي يصرفون عن الخير وقوله سبحانه اتخذوا أحبارهم ورهبانهم الآية هذه الآية يفسرها ما حكاه الطبري أن عدي بن حاتم قال جئت رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي عنقي صليب ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الصليب من عنقك فسمعته يقرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله فقلت يا رسول الله وكيف ذلك ونحن لم نعبدهم فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا قلت نعم قال فذلك ومعنى سبحانه تنزيها له ونور الله في هذه الآية هداه الصادر عن القرآن والشرع وقوله بافواههم عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها وقوله بالهدى يعم القرآن وجميع الشرع وقوله ليظهره على الدين كله وقد فعل ذلك سبحانه فالضمير في ليظهره عائد على الدين وقيل على الرسول وهذا وإن كان صحيحا فالتأويل الأول ابرع منه وأليق بنظام الآية وقوله عز و جل يا أيها الذين أمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل المراد بهذه الآية بيان نقائص المذكورين ونهي المؤمنين عن تلك النقائص مترتب ضمن ذلك واللام في ليأكلون لام التوكيد وصورة هذا الأكل هي بأنهم يأخذون من أموال اتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يؤهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتقرب إلى الله وهم خلال ذلك يحتجنون تلك الأموال كالذي ذكره سلمان في كتاب السير عن الراهب الذي استخرج كنزه وقوله سبحانه ويصدون عن سبيل الله أي عن شريعة الإسلام والإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه والذين ابتداء وخبره فبشرهم والذي يظهر من ألفاظ الآية أنه لما ذكر نقص الأحبار والرهبان الآكلين للمال بالباطل ذكر بعد ذلك بقول عام نقص الكانزين المانعين حق المال وقرأ طلحة بن مصرف الذين يكنزون بغير واو وعلى هذه القراءة يجرى قول معاوية أن الآية في أهل الكتاب وخالفه أوب ذر فقال بل هي فينا ويكنزون معناه يجمعون ويحفظون في الأوعية وليس من شرط الكنز الدفن والتوعد في الكنز إنما وقع على منع الحقوق منه وعلى هذا كثير من العلماء وقال علي رضي الله عنه أربعة آلاف درهم فما دونهما نفقة وما زاد عليها فهو كنز وإن أديت زكاته وقال أبو ذر وجماعة معه ما فضل من مال الرجل على حاجة نفسه فهو كنز وهذان القولان يقتضيان أن الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط ت وحدث أبو بكر بن الخطيب بسنده عن علي بن أبي طالب وابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أن الله فرض للفقراء في أموال الأغنياء قدر ما يسعهم فإن منعوهم حتى يجوعوا ويعروا ويجهدوا حاسبهم الله حسابا شديدا وعذبهم عذابا نكرا انتهى وقوله سبحانه فتكوى بها جباههم الآية قال ابن مسعود والله لا يمس دينار دينارا بل يمد الجلد حتى يكوى بكل دينار وبكل درهم قال الفخر قال أبو بكر الوراق وخصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبينه وإذا جلس إلى جنبه تباعد عنه وولاه ظهره انتهى وقوله سبحانه إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله هذه الآية والتي بعدها تتضمن ما كانت العرب عليه في جاهليتها من تحريم شهور الحل وتحليل شهور الحرمة وإذا نص ما كانت العرب تفعله تبين معنى الآيات فالذي تظاهرت به الروايات ويتخلص من مجموع ما ذكره الناس أن العرب كانت لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وأعمال سلاحها فكانوا إذا توالت عليهم حرمة الأشهر الحرم صعب عليهم واملقوا وكان بنوفقيم من كنانة أهل دين في العرب وتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسى الشهور للعرب ثم خلفه على ذلك بنوه وذكر الطبري وغيره أن الأمر كان في عدوان قبل بني مالك بن كنانة وكانت صورة فعلهم أن العرب كانت إذا فرغت من حجها جاء إليه من شاء منهم مجتمعين فقالوا إنسانا شهرا أي أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر فيحل لهم المحرم فيغيرون فيه ثم يلتزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر الحرم الأربعة قال مجاهد ويسمون ذلك الصفر المحرم ثم يسمون ربيعا الأول صفرا وربيعا الآخر ربيعا الأول وهكذا في سائر الشهور وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم المحلل ثم المحرم الذي هو في الحقيقة صفر وفي هذا قال الله عز و جل إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا أي ليس ثلاثة عشر ثم كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة حقيقة وهم يسمونه ذا الحجة ثم حج رسول الله صلى الله عليه و سلم سنة عشر في ذي الحجة حقيقة فذلك قوله عليه السلام أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وقوله في كتاب الله أي فيما كتبه وأثبته في اللوح المحفوظ أو غيره فهي صفة فعل مثل خلقه ورزقه وليست بمعنى قضائه وتقديره لأن تلك هي قبل خلق السماوات والأرض وقوله سبحانه منها أربعة حرم نص على تفضيل هذه الأربعة وتشريفها قال قتادة اصطفى الله من الملائكة والبشر رسلا ومن الشهور المحرم ورمضان ومن البقع المساجد ومن الأيام الجمعة ومن الليالي ليلة القدر ومن الكلام ذكره فينبغي أن يعظم ما عظم الله وقوله سبحانه ذلك الدين القيم قالت فرقة معناه الحساب المستقيم وقال ابن عباس فيما حكى المهدوي معناه القضاء المستقيم قال ع والاصوب عندي أن يكون الدين هاهنا على اشهر وجوهه أي ذلك الشرع والطاعة وقوله فلا تظلموا فيهن أي في الاثنى عشر شهرا أي لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كله وقال قتادة المراد الأربعة الأشهر وخصصت تشريفا لها قال سعيد بن المسيب كان النبي صلى الله عليه و سلم يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله في ذلك حتى نزلت براءة وقوله تعالى وقاتلوا المشركين معناه فيهن فاحرى في غيرهن وقوله كافة معناه جميعا وقوله سبحانه إنما النسي يعني فعل العرب في تأخيرهم الحرمة زيادة في الكفر أي جار مع كفرهم بالله وخلافهم للحق فالكفر متكثر بهذا الفعل الذي هو باطل في نفسه ومما وجد في أشعارهم قول جذل الطعان ... وقد علمت معد أن قومي ... كرام الناس ان لهم كراما ... ... السنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما ... وقوله سبحانه يحلونه عاما ويحرمونه عاما معناه عاما من الأعوام وليس يريد أن تلك كانت مداولة وقوله سبحانه لواطئوا عدة ما حرم الله معناه ليوافقوا والمواطأة الموافقة وقوله سبحانه يا أيها الذين أمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض هذه الآية بلا خلاف أنها نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام غزا فيها الروم في عشرين ألف بين راكب وراجل والنفر هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان وقوله اثاقلتم أصله تثاقلتم وكذلك قرأ الأعمش وهو نحو قوله اخلد إلى الأرض وقوله أرضيتم تقرير والمعنى أرضيتم نزر الدنيا على خطير الآخرة وحظها الأسعد قال ابن هشام فمن من قوله من الآخرة للبدل انتهى ثم أخبر سبحانه أن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر فتعطى قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر الفاني بدل الكثير الباقي ت وفي صحيح مسلم والترمذي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا ترجع قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله سبحانه إلا تنفروا يعذبكم شرط وجواب ولفظ العذاب عام يدخل تحته أنواع عذاب الدنيا والآخرة وقوله ويستبدل قوما غيركم توعد بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوما لا يقعدون عند استنفاره إياهم والضمير في قوله ولا تضروه شيئا عائد على الله عز و جل ويحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه و سلم وهو أليق وقوله سبحانه الا تنصروه فقد نصره الله هذا أيضا شرط وجواب ومعنى الآية أنكم ==========================================================ج5. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي إن تركتم نصره فالله متكفل به إذ قد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو ولن يترك نصره الآن وقوله إذ أخرجه الذين كفروا أسند الإخراج إليهم تذنيبا لهم ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله من طردت كل مطرد لم يقره النبي صلى الله عليه و سلم على ما علم في كتب السيرة والإشارة إلى خروج النبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر واختصار القصة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان ينتظر إذن الله سبحانه في الهجرة من مكة وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أصبر لعل الله يسهل الصحبة فلما أذن الله لنبيه في الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي مكة ثلاث ليال وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهوا إلى الغار فطمس الله عليهم الأثر وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه و سلم لو نظر أحدهم إلى قدمه لرءانا فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما هكذا في الحديث الصحيح ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار وكان يروج عليهما باللبن عامر بن فهيرة وقوله ثاني أثنين معناه أحد اثنين وقوله إن الله معنا يريد بالنصر والنجاة واللطف وقوله سبحانه وكلمة الله هي العليا قيل يريد لا إله إلا الله وقيل الشرع بأسره وقوله سبحانه انفروا خفافا وثقالا معنى الخفة والثقل هاهنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهوله ومن يمكنه بصعوبة وأما من لا يمكنه كالعمي ونحهم فخارج عن هذا وقال أبو طلحة ما اسمع الله عذر أحدا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات وقال أبو أيوب ما اجدني أبدا إلا خفيفا أو ثقيلا وقوله سبحانه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون تنبيه وهز للنفوس وقوله سبحانه لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك هذه الآية في المنافقين المتخلفين في غزوة تبوك وكشف ضمائرهم وأما الآيات التي قبلها فعامة فيهم وفي غيرهم والمعنى لو كان هذا الغزو لعرض أي لمال وغنيمة تنال قريبا بسفر قاصد يسيرا لبادروا لا لوجه الله ولكن بعدت عليهم الشقة وهي المسافة الطويلة وقوله وسيحلفون بالله يريد المنافقين وهذا إخبار بغيب وقوله عز و جل عفا الله عنك لم أذنت لهم هذه الآية هي في صنف مبالغ في النفاق استأذنوا دون اعتذار منهم الجد بن قيس ورفاعة بن التابوت ومن اتبعهم قال مجاهد وذلك أن بعضهم قال نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإلا قعدنا وقدم له العفو قبل العتاب إكراما له صلى الله عليه و سلم وقالت فرقة بل قوله سبحانه عفا عنك استفتاح كلام كما تقول اصلحك الله وأعزك الله ولم يكن منه عليه السلام ذنب يعفى عنه لأن صورة الاستنفار وقبول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده وقوله حتى يتبين لك الذين صدقوا يريد في استيذانك وأنك لو لم تأذن لهم خرجوا معك وقوله وتعلم الكاذبين أي بمخالفتك لو لم تأذن لأنهم عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن وقال الطبري معناه حتى تعلم الصادقين في أن لهم عذرا والكاذبين في أن لا عذر لهم والأول أصوب والله أعلم وأما قوله سبحانه في سورة النور فإذا استاذنوك لبعض شأنهم الآية ففي غزوة الخندق نزلت وارتابت قلوبهم أي شكت ويترددون أي يتحيرون إذ كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي صلى الله عليه و سلم أحيانا وأنه غير صحيح أحيانا فهم مذبذبون وقوله سبحانه ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة أي لو أرادوا الخروج بنياتهم لنظروا في ذلك واستعدوا له وقوله ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم قال ص ولكن أصلها أن تقع بين نقيضين أو ضدين أو خلافين على خلاف فيه انتهى وانبعاثهم نفوذهم لهذه الغزوة والتثبيط التكسيل وكسرا لعزم وقوله سبحانه وقيل اقعدوا يحتمل أن يكون حكاية عن الله أي قال الله في سابق قضائه أقعدوا مع القاعدين ويحتمل أن يكون حكاية عنهم أي كانت هذه مقالة بعضهم لبعض ويحتمل أن يكون عبارة عن إذن النبي صلى الله عليه و سلم لهم في العقود أي لما كره الله خروجهم يسر أن قلت لهم أقعدوا مع القاعدين والقعود هنا عبارة عن التخلف وكراهية الله انبعاثهم رفق بالمؤمنين وقوله سبحانه لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا الخبال الفساد في والأشياء المؤتلفة كالمودات وبعض الإجرام ولا أوضعوا معناه لأسرعوا السير وخلالكم معناه فيما بينكم قال ص خلالكم جمع خلل وهو الفرجة بين الشيئين وانتصب على الظرف بلا أوضعوا ويبغونكم حال أي باغين انتهى والإيضاع سرعة السير ووقعت لاأوضعوا بألف بعد لا في المصحف وكذلك وقعت في قوله أولااذبحنه يبغونكم الفتنة أي يطلبون لكم الفتنة وفيكم سماعون لهم قال مجاهد وغيره معناه جواسيس يسمعون الأخبار وينقلونها إليهم وقال الجمهور معناه وفيكم مطيعون سامعون لهم وقوله سبحانه لقد ابتغوا الفتنة من قبل في هذه الآية تحقير لشأنهم ومعنى قوله من قبل ماكان من حالهم في احد وغيرها ومعنى قوله وقلبوا لك الأمور دبروها ظهرا لبطن وسعوا بكل حيلة ومنهم من يقول ايذن لي ولا تفتني نزلت في الجد بن قيس واسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر فقال الجد ايذن لنا ولا تفتنا بالنساء وقال ابن عباس أن الجد قال ولكني أعينك بمالي وقوله سبحانه إلا في الفتنة سقطوا أي في الذي أظهروا افرار منه وقوله سبحانه إن تصبك حسنة الآية الحسنة هنا بحسب الغزوة هي الغنيمة والظفر والمصيبة الهزيمة والخيبة واللفظ عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه ومعنى قوله قد أخذنا أمرنا من قبل أي قد أخذنا بالحزم في تخلفنا ونظرنا لأنفسنا ثم أمر تعالى نبيه فقال قل لهم يا محمد لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وهو إما ظفرا وسرورا عاجلا وإما أن نستشهد فندخل الجنة وباقي الآية بين وقوله سبحانه قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين أي قل للمنافقين والحسنيين الظفر والشهادة وقوله أو بأيدينا يريد القتل وقوله سبحانه قل أنفقوا طوعا أو كرها الآية سببها أن الجد بن قيس حين قال ايذن لي ولا تفتني قال أني أعينك بمالي فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده وقول عز و جل وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها ونحو ذلك وهذا مقنع لا يحتاج معه إلى نظر وأما أن ينتفع بها في الآخرة فلا وكسالى جمع كسلان وقوله سبحانه فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا الآية حقر في الآية شأن المنافقين وعلل إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها في الحياة الدنيا وفي الآخرة قال ابن زيد وغيره تعذيبهم بها في الدنيا هو بمصائبها ورزاياها هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها ومن ذلك قهر الشرع لهم على أداء الزكاة والحقوق الواجبات قال الفخر أما كون كثيرة الأموال والأولاد سببها للعذاب في الدنيا فحاصل من وجوه منها أن كلما كان حب الإنسان للشيء أشد وأقوى كان حزنه وتألم قلبه على فراقه أعظم وأصعب ثم عند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته لمفارقته المحبوب فالمشغوف بحب المال والولد لا يزال في تعب فيحتاج في اكتساب الأموال وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة ثم عند حصولها يحتاج إلى متاعب أشد وأصعب في حفظها وصونها لأن حفظ المال بعد حصوله أصعب من اكتسابه ثم أنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال فالتعب كثير والنفع قليل ثم قال وأعلم أن الدنيا حلوة خضرة والحواس الخمس ماثلة إليها فإذا كثرت وتوالت استغرقت فيها وانصرف الإنسان بكليته إليها فيصير ذلك سببا لحرمانه من ذكر الله ثم أنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوه وقهر وكلما كان المال والجاه أكثر كانت تلك القسوة أقوى وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى إن الإنسان ليطغى إن رءاه استغنى فظهر أن كثرة الأموال والاولاد سبب قوي في زوال حب الله تعالى وحب الآخرة من القلب وفي حصول الدنيا وشهواتها في القلب وعند الموت كان الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ومن مجالسة الأقرباء والأحبة إلى موضع الغربة والكربة فيعظم تألمه ويقوى حزمنه ثم عند الحشر حلالها حساب وحرامها عقاب فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة انتهى ثم أخبر سبحانه أنهم ليسوا من المؤمنين وإنما هم يفزعون منهم والفرق الخوف وقوله سبحانه لو يجدون ملجأ الملجأ من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم وقرأ الجمهور أو مغارات بفتح الميم وهي الغيران في أعراض الجبال أو مدخلا معناه السرب والنفق في الأرض وهو تفسير ابن عباس في هذه الألفاظ وقرأ جمهور الناس يجمحون ومعناه يسرعون قال الفخر قوله وهم يجمحون أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء ومن هذا يقال جمح الفرس وفرس جموح وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام انتهى وقوله عز و جل ومنهم من يلمزك الآية أي ومن المنافقين من يلمزك أي يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول الشاعر ... إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه ... ومنه قوله سبحانه ويل لكل همزة لمزة سبحانه ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ورسوله الآية المعنى لو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق لهم وما أعطاهم على يد رسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيرا لهم وحذف الجواب لدلالة ظاهر الكلام عليه وذلك من فصيح الكلام وإيجازه وقوله سبحانه إنما الصدقات للفقراء الآية إنما في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف وإنما اختلف في صورة القسمة ومذهب مالك وغيره أن ذلك على قدر الإحتهاد وبحسب الحاجة وأما الفقير والمسكين فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري وابن زيد وغيرهم المساكين الذين يسعون ويسئلون والفقراء الذين يتصاونون وهذا القول أحسن ما قيل في هذا تحريره أن الفقير هو الذي لا مال له إلا أنه لم يذل نفسه ولا يذل وجهه وذلك أما لتعفف مفرط وإما لبلغة تكون له كالحلوبة وما أشبهها والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل وخضوع وسؤال فهذه هي المسكنة ويقوى هذا أن الله سبحانه قد وصف بني إسرائيل بالمسكنة وقرنها بالذلة مع غناهم وإذا تأملت ما قلناه بأن أنهما صنفان موجودان في المسلمين ت وقد أكثر الناس في الفرق بين الفقير والمسكين وأولى ما يعول عليه ما ثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم وقد روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين الذي ليس له غنى بغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس انتهى وأول أبو عمر في التمهيد هذا الحديث فقال كأنه أراد والله أعلم ليس المسكين على تمام المسكنة وعلى الحقيقة إلا الذي لا يسأل الناس انتهى وأما العاملون فهم جباتها يستنيبهم الإمام في السعي على الناس وجمع صدقاتهم قال الجمهور لهم قدر تعبهم ومئسونتهم وأما المؤلفة قلوبهم فكانوا مسلمين وكافرين مستترين مظهرين للإسلام حتى وثقه الإستيلاف في أكثرهم واستيلافهم إنما كان لتجلب إلى الإسلام منفعة أو تدفع عنه مضرة والصحيح بقاء حكمهم إن احتيج إليهم وأما الرقاب فمذهب مالك وغيره هو ابتداء عتق مؤمن وأما الغارم فهو الرجل يركبه دين في غير معصية ولا سفه كذا قال العلماء وأما في سبيل الله فهو الغازي وإن كان مليا ببلده وأما ابن السبيل فهو المسافر وإن كان غنيا ببلده وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته السبيل ومن ادعى الفقر صدق إلا لويبة فيكلف حينئذ البينة وأما إن أدعى أنه غارم أو ابن السبيل أو غاز ونحو ذلك مما لا يعلم إلا منه فلا يعطي إلا ببينه وأهل بلد الصدقة أحق بها إلا أن تفضل فضلة فتنقل إلى غيرهم قال ابن حبيب وينبغي للامام أن يأمر السعاة بتفريقها في المواضع التي جبيت فيها ولا يحمل منها شيء إلا الإمام وفي الحديث تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم وقوله سبحانه فريضة من الله أي موجبة محدودة وقوله سبحانه ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو إذن قل إذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي ومن المنافقين ويؤذون لفظ يعم أنواع اذايتهم له صلى الله عليه و سلم وخص بعد ذلك من قولهم هو إذن وروي أن قائل هذه المقالة نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين وفيه قال صلى الله عليه و سلم من سره أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث وكان ثائر الرأس منتفش الشعر أحمر العينين اسفع الخدين مشوها قال الحسن البصري ومجاهد قولهم هو إذن أي يسمع معاذيرنا ويقبلها أي فنحن لا نبالي من الوقوع فيه وهذا تنقص بقلة الحزم وقال ابن عباس وغيره أنهم أرادوا بقولهم هو إذن أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي غليه ويقبله فهذا تشك منه عليه السلام ومعنى إذن سماع وهذا من باب تسمية الشيء بالشيء إذا كان منه بسبب كما يقال للرؤية عين وكما يقال للمسنة من الإبل التي قد بزل نابها ناب وقيل معنى الكلام ذو إذن أي ذو سماع وقيل أنه مشتق من قولهم أذن إلى شيء إذا استمع ومنه قول الشاعر ... صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ... وقرأ نافع إذن بسكون الذال فيهما وقرأ الباقون بضمها فيهما وكلهم قرأ بالإضافة إلى خير إلا ما روي عن عاصم وقرأ الحسن وغيره قل إذن خير بتنوين إذن ورفع خير وهذا جار على تأويله المتقدم والمعنى من يقبل معاذيركم خير لكم ورويت هذه القراءة عن عاصم ومعنى إذن خير على الإضافة أي سماع خير وحق ويؤمن بالله معناه يصدق بالله ويؤمن للمؤمنين قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة وقيل يقال أمنت لك بمعنى صدقتك ومنه وما أنت بمؤمن لنا قال ع وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه به وكذلك قوله وما أنت بمؤمن لنا بما نقوله ت ولما كانت أخبار المنافقين تصل إلى النبي صلى الله عليه و سلم تارة بإخبار الله له وتاره بإخبار المؤمنين وهم عدول ناسب اتصال قوله سبحانه ويؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين بما قبله ويكون التصديق هنا خاصا بهذه القضية وإن كان ظاهر اللفظ عاما إذ من المعلوم أنه صلى الله عليه و سلم لم يزل مصدقا بالله وقرأ جميع السبعة إلا حمزة ورحمة بالرفع عطفا على إذن وقرأ حمزة وحده ورحمة بالخفض عطفا على خير وخصص الرحمة للذين آمنوا إذ هم الذين فازوا ونجوا بالرسول عليه السلام يحلفون بالله لكم يعني المنافقين وقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه التقدير عند سيبويه والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه فحذف الخبر من الجملة الأولى لدلالة الثانية عليه وقيل الضمير في يرضوه عائد على المذكور كما قال رؤبة ... فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق ... أي كان المذكور وقوله ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله الآية يحادد معناه يخالف ويشاق وقوله سبحانه يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم يحذر خبر عن حال قلوبهم وقال الزجاج وغيره معنى يحذر الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه قال ليحذر وقوله سبحانه قل استهزءوا لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد ثم أخبر سبحانه أنه مخرج لهم ما يحذرونه إلى حين الوجود وقد فعل ذلك تبارك وتعالى في سورة براءة فهي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين وقوله سبحانه ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب الآية نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين في وديعة بن ثابت وذلك أنه مع قوم من المنافقين كانوا يسيرون في غزوة تبوك فقال بعضهم هذا يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات فوقفهم رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك وقال لهم قلتم كذا وكذا فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال رأيت قائل هذه المقالة وديعة متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول إنما كنا نخوض ونلعب والنبي صلى الله عليه و سلم يقول أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ثم حكم سبحانه عليهم بالكفر فقال لهم لا تعتذروا قد كفرتم الآية وقوله سبحانه إن يعف عن طائفة منكم يريد فيما ذكره المفسرون رجلا واحد قيل اسمه مخشى بن حمير قاله ابن إسحاق وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وقد كان تاب وتسمى عبد الرحمن فدعا الله أن يستشهد ويجهل أمره فكان كذلك ولم يوجد جسده وكان مخشي مع المنافقين الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب فقيل كان منافقا ثم تاب توبة صحيحة وقل كان مسلما مخلصا إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم وقوله سبحانه المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يريد في الحكم والمنزلة في الكفر ولما تقدم قبل وما هم منكم حسن هذا الإخبار ويقبضون أيديهم أي عن الصدقة وفعل الخير نسوا الله أي تركوه حين تركوا اتباع نبيه وشرعه فنسيهم أي فتركهم حين لم يهدهم والكفار في الآية المعلنون وقوله هي حسبهم أي كافيتهم وقوله تعالى كالذين من قبلكم أي انتم أيها المنافقون كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة فعصوا فأهلكوا فأنتم أولى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء فخلاق المرء الشيء الذي هو به خليق والمعنى عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا الآخرة فاتبعتموهم أنتم اولائك حبطت اعمالهم في الدنيا والآخرة المعنى وأنتم أيضا كذلك ويحتمل أن يريد بأولئك المنافقين وقوله سبحانه ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود الآية المعنى ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله بتكذيب رسله فأهلكها وقوم إبراهيم نمرود وأصحابه وإتباع دولته وأصحاب مدين قوم شعيب والمؤتفكات أهل القرى الأربعة أو السبعة التي بعث اليهم لوط عليه السلام ومعنى المؤتفكات المنصرفات والمنقلبات أفكت فائتفكت لأنها جعل عاليها سافلها ولفظ البخاري المؤتفكات والمنقلبات أفكت فأئتفكت لأنها جعل عاليها سافلها ولفظ البخاري المؤتفكات ائتفكت انقلبت بهم الأرض انتهى والضمير في أتتهم رسلهم عائد على هذه الأمم المذكورة ثم عقب سبحانه بذكر المؤمنين وما من به عليهم من حسن الأعمال ترغيبا وتنشيطا لمبادرة ما به أمر لطفا منه بعباده سبحانه لا رب غيره ولا خير إلا خيره وقوله سبحانه ويقيمون الصلوة قال ابن عباس هي الصلوات الخمس قال ع وبحسب هذا تكون الزكاة هي المفروضة والمدح عندي بالنوافل أبلغ إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض والسين في قوله سيرحمهم مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه سبحانه وفضله سبحانه زعيم بالإنجاز وذكر الطبري في قوله تعالى ومساكن طيبة عن الحسن أنه سأل عنها عمران ابن حصين وأبا هريرة فقالا على الخبير سقطت سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارا من يقوته حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ ويقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز ت وتمام الحديث من الأحياء وكتاب الآجري المعروف بكتاب النصيحة عن الحسن عن عمران ابن حصين وأبي هريرة قالا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن في كل غداة من القوة ما يأتي على ذلك أجمع وأما قوله سبحانه ورضوان من الله أكبر ففي الحديث الصحيح أن الله عز و جل يقول لعباده إذا استقروا في الجنة هل رضيتم فيقولون وكيف لا نرضى يا ربنا فيقول أني سأعطيكم أفضل من هذا كله رضواني أرضي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا الحديث وقوله أكبر يريد أكبر من جميع ما تقدم ومعنى الآية والحديث متفق وقال الحسن بن أبي الحسن وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة قال الإمام الفخر وإنما كان الرضوان أكبر لأنه عند العارفين نعيم روحاني وهو أشرف من النعيم الجسماني انتهى أنظره في أوائل آل عمران قال ع ويظهر أن يكون قوله تعالى ورضوان من الله أكبر إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنيم والذين يرون كما يرى النجم الغار في الأفق وجميع من في الجنة راض والمنازل مختلفة وفضل الله متسع والفوز النجاة والخلاص ومن أدخل الجنة فقد فاز والمقربون هم في الفوز العظيم والعبارة عندي بسرور وكمال أجود من العبارة عنها بلذة واللذة أيضا مستعملة في هذا وقوله سبحانه يا أيها النبي جاهد الكفار أي بالسيف والمنافقين أي باللسان والتعنيف والاكفهرار في الوجه وبإقامة الحدود عليهم قال الحسن وأكثر ما كانت الحدود يومئذ تصيب المنافقين ومذهب الطبري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعرفهم ويسترهم وأما قوله وأغلظ عليهم فلفظة عامة في الأفعال والأقوال ومعنى الغلظ خشن الجانب فهو ضد قوله تعالى وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقوله عز و جل يحلفون بالله ما قالوا الآية نزلت في الجلاس بن سويد وقوله لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمر فسمعها منه ربيبة أو رجل آخر فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم فجاء الجلاس فحلف بالله ما قال هذه الكلمة فنزلت الآية فكلمة الكفر هي مقالته هذه لأن مضمنها قوي في التكذيب قال مجاهد وقوله وهموا بما لم ينالوا يعني أن الجلاس قد كان هم بقتل صاحبه الذي أخبر النبي صلى الله عليه و سلم قوال قتادة نزلت في عبد الله بن أبي أبن سلول وقوله في غزوة المريسيع ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول سمن كلبك ياكلك ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك فنزلت الآية مكذبة له ت وزاد ابن العربي في أحكامه قولا ثالثا أن الآية نزلت في جماعة المنافقين قال الحسن وهو الصحيح لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم انتهى وحدث أبو بكر بن الخطيب بسنده قال سئل سفيان بن عيينة عن الهم أيواخذ به صاحبه قال نعم إذا كان عزما ألم تسمع إلى قوله تعالى وهموا بما لم ينالوا الآية إلى قوله فإن يتوبوا يك خيرا لهم فجعل عليهم فيه التوبة قال سفيان الهم يسود القلب انتهى قال ع وعلى تأويل قتادة فالإشارة بكلمة الكفر إلى تمثيل ابن ابي سمن كلبك ياكلك قال قتادة والإشارة بهموا إلى قوله لئن رجعنا إلى المدينة وقال الحسن هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى الله عليه و سلم بما لم ينالوا وقال تعالى بعد إسلامهم ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم وقوله سبحانه وما نقموا إلا أن أغناهم الله الآية كان الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر وذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم سبب في ذلك وعلى هذا الحد قال عليه السلام للأنصار في غزوة حنين كنتم عالة فأغناكم الله قال العراقي نقموا أي أنكروا وقال ص إلا أن أغناهم الله أن وصلتها مفعول نقموا أي ما كرهوا إلا إغناء الله إياهم وقيل هو مفعول من أجله والمفعول به محذوف أي ما كرهوا الإيمان إلا للإغناء انتهى ثم فتح لهم سبحانه باب التوبة رفقا بهم ولطفا فروي أن الجلاس تاب من النفاق وقال إن الله قد ترك لي باب التوبة فأعترف وأخلص وحسنت توبته وقوله سبحانه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن الآية هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال الحسن وفي معتب بن قشير معه واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعل لي مالا فإني لو كنت ذا مال لقضيت حقوقه وفعلت فيه الخير فراده النبي صلى الله عليه و سلم وقال قليل تودي شكره خي رمن كثير لا تطيقه فعاود فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهبا لسارت فأعاد عليه حتى دعا له النبي صلى الله عليه و سلم بذلك فأتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى عنها وكثرت غنمه حتى كان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيدا فترك الصلاة ونجم نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاه فبعث النبي صلى الله عليه و سلم مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال هذه أخت الجزية ثم قال لهم دعوني حتى أرى رأي فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبروه قال ويح ثعلبة ثلاثا ونزلت الآية فيه فحضر القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك فقد نزل فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فبفي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان وفي قوله تعالى فاعقبهم نص في العقوبة على الذنب بما هو أشد منه قوله إلى يوم يلقونه يقتضي موافاتهم على النفاق قال ابن العربي في ضمير يلقونه قولان أحدهما أنه عائد على الله تعالى والثاني أنه عائد على النفاق مجازا على تقدير الجزاء كأنه قال فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه جزاءه انتهى من الأحكام ويلمزون معناه ينالون بالسنتهم واكثر الروايات في سبب نزول الآية أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف وامسك مثلها وقيل هو عمر بن الخطاب تصدق بنصف ماله وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة وسق فقال المنافقون ما هذا إلا رياء فنزلت الآية في هذا كله وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل تصدق بصاع من تمر فقال بعضهم إن الله غني عن صاع أبي عقيل وخرجه البخاري وقيل أن الذي لمز في القليل هو أبو خيثمة قاله كعب بن مالك فيسخرون منهم معناه يستهزءون ويستخفون وروى مسلم عن جرير بن عبد الله قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية إن الله كان عليكم رقيبا والآية التي في سورة الحشر واتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمره قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء انتهى وقوله سبحانه استغفر لهم أو لا تستغفر لهم المعنى أن الله خير نبيه في هذا فكأنه قال له إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرة وهذا هو الصحيح في تأويل الآية لقول النبي صلى الله عليه و سلم لعمر إن الله قد خيرني فاخترت ولو علمت إني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت الحديث وظاهر لفظ الحديث رفض إلزام دليل الخطاب وظاهر صلاته صلى الله عليه و سلم على ابن أبي أن كفره لم يكن يقينا عنده ومحال أن يصلي على كافر ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز و جل وعلى هذا كان ستر المنافقين وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح إن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى في سورة المنافقين سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ت والظاهر أن الآيتين بمعنى فلا نسخ فتأمله ولولا الإطالة لا وضحت ذلك قال ع وأما تمثيله بالسبعين دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرا ما يجيء غاية ومقنعا في الكثرة وقوله ذلك إشارة إلى امتناع الغفران وقوله عز و جل فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله الآية هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ وفي ضمنها وعيد وقوله المخلفون لفظ يقتضي تحقيرهم وانهم الذين أبعدهم الله من رضاه ومقعد بمعنى القعود وخلاف معناه بعد ومنه قول الشاعر ... فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تأهب لأخرى مثلها فكأن قد ... يريد بعد الذي مضى وقال الطبري هو مصدر خالف يخالف وقولهم لا تنفروا في الحر كان هذا القول منهم لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر وطيب الثمار وقوله سبحانه فليضحكوا قليلا إشارة إلى مدة العمر في الدنيا وقوله وليبكوا كثيرا إشارة إلى تأبيد الخلود في النار فجاء بلفظ الأمر ومعناه الخبر عن حالهم وتقدير الكلام ليبكوا كثيرا إذ هم معذبون جزاء بما كانوا يكسبون وخرج ابن ماجه بسنده عن يزيد الرقاشي عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى تصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن لجرت وخرجه ابن المبارك أيضا عن أنس قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول يا أيها الناس أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا اجريب فيها لجرت انتهى من التذكرة وقوله سبحانه فإن رجعك الله إلى طائفة منهم الآية يشبه أن تكون هذه الطائفة قد حتم عليها بالموافاة على النفاق وعينوا للنبي صلى الله عليه و سلم وقوله وماتوا وهم فاسقون نص في موافاتهم على ذلك ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم عينهم لحذيفة بن اليمان وكان الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة تأخروا هم عنها وروي عن حذيفة أنه قال يوما بقي من المنافقين كذا وكذا وقوله أول هو بالإضافة إلى وقت الاستيذان والخالفون جمع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر وتظاهرت الروايات أنه صلى الله عليه و سلم صلى على عبد الله بن أبي ابن سلول وأن وقوله ولا تصل على أحد منهم نزلت بعد ذلك وقد خرج ذلك البخاري من رواية عمر بن الخطاب انتهى وقوله سبحانه ولا تعجبك أموالهم وأولادهم تقدم تفسير مثل هذه الآية والطول في هذه الآية المال قاله ابن عباس وغيره والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن قيس ونظرائه والقاعدون الزمني وأهل العذر في الجملة والخوالف النساء جمع خالفة هذا قول جمهور المفسرين وقال أبو جعفر النحاس يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة فهذا جمعه بحسب اللفظ والمراد اخسة الناس واخلافهم ونحوه عن النضر بن شميل وقالت فرقة الخوالف جمع خالف كفارس وفوارس وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون أي لا يفهمون والخيرات جمع خيرة وهو المستحسن من كل شيء وقوله سبحانه أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم أعد معناه يسر وهيأ وباقي الآية بين وقوله سبحانه وجاء المعذرون من الأعراب الآية قال ابن عباس وغيره هؤلاء كانوا مؤمنين وكانت أعذارهم صادقة وأصل اللفظة المعتذرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت وقال قتادة وفرقة معه بل الذين جاءوا كفرة وقولهم وعذرهم كذب قال ص والمعنى تكلفوا العذر ولا عذر لهم وكذبوا الله ورسوله أبي في إيمانهم انتهى وقوله سيصيب الذين كفروا منهم الآية قوله منهم يؤيد أن المعذرين كانوا مؤمنين فتأمله قال ابن إسحاق المعذرون نفر من بني غفار وهذا يقتضي أنهم مؤمنون وقوله جلت عظمته ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية يقول ليس على أهل الأعذار من ضعف بدن أو مرض أو عدم نفقة إثم والحرج الإثم وقوله إذا نصحوا يريد بنياتهم وأقوالهم سرا وجهرا ما على المحسنين من سبيل أي من لائمة تناط بهم ثم أكد الرجاء بقوله سبحانه والله غفور رحيم وقرأ ابن عباس والله لأهل الإساءة غفور رحيم هذا على جهة التفسير أشبه منه على جهة التلاوة لخلافه المصحف واختلف فيمن المراد بقوله الذين لا يجدون ما ينفقون فقالت فرقة نزلت في نبي مقرن ستة أخوة وليس في الصحابة ستة أخوة غيرهم وقيل كانوا سبعة وقيل نزلت في عائد بن عمرو المزني قاله قتادة وقيل في عبد الله بن معقل المزني قاله ابن عباس وقوله عز و جل ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم هذه الآية نزلت في البكائين واختلف في تعيينهم فقيل في أبي موسى الأشعري ورهطه وقيل في بني مقرن وعلى هذا جمهور المفسرين وقيل نزلت في سبعة نفر من بطون شتى فهم البكاءون وقال مجاهد البكاءون هم بنو مقرن من مزينة ومعنى قوله لتحملهم أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث ت وقصة أبي موسى الأشعري ورهطه مذكورة في الصحيح قال ابن العربي في أحكامه القول بأن الآية نزلت في أبي موسى وأصحابه هو الصحيح انتهى وقوله سبحانه إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء الآية هذه الآية نزلت في المنافقين المتقدم ذكرهم عبد الله بن أبي والجد بن قيس ومعتب وغيرهم وقوله إذا رجعتم يريد من غزوة تبوك ومعنى لن نؤمن لكم لن نصدقكم والإشارة بقوله قد نبأنا الله من أحباركم إلى قوله ما زادوكم إلا خبالا ولا أوضعوا خلالكم ونحوه من الآيات وقوله سبحانه وسيرى الله عملكم توعد والمعنى فيقع الجزاء عليه قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي أعمل للدنيا بقدر مقامك فيها وأعمل للآخرة بقدر بقائك فيها واستحي من الله تعالى بقدر قربه منك وأطعه بقدر حاجتك إليه وخفه بقدر قدرته عليك وأعصه بقدر صبرك على النار انتهى من سراج الملوك وقوله ثم تردون يردي البعث من القبور وقوله عز و جل سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم الآية قيل أن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك وقوله إنهم رجس أي نتن وقذر وناهيك بهذا الوصف محطه دنياويه ثم عطف بمحطة الآخرة فقال ومأواهم جهنم أي مسكنهم وقوله فإن ترضوا إلى آخر الآية شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها وقوله سبحانه الأعراب أشد كفرا ونفاقا هذه الآية نزلت في منافقين كانوا في البوادي ولا محالة أن خوفهم هناك كان أقل من خوف منافقي المدينة فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم وأجدر معناه أحرى وقال ص معناه أحق والحدود هنا السنن والأحكام وقوله سبحانه ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما الآية نص في المنافقين منهم والدوائر المصائب ويحتمل أن تشتق من دوران الزمان والمعنى ينتظر بكم ما تأتي به الأيام وتدور به ثم قال على جهة الدعاء عليهم دائرة السوء وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز و جل فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن هذا ويل لكل همزة لمزة ويل للمطففين فهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى ت وهذه قاعدة جيدة وما وقع له رحمه الله مما ظاهره مخالف لهذه القاعدة وجب تأويله بما ذكره هنا وقد وقع له ذلك بعد هذا في قوله صرف الله قلوبهم بأنهم قوم يفقهون قال يحتمل أن يكون دعاء عليهم ويحتمل أن يكون خبرا أي استوجبوا ذلك وقد أوضح ذلك عند قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود فأنظره هناك وقوله سبحانه ومن الأعراب من يؤمن بالله قال قتادة هذه ثنية الله تعالى من الأعراب وروي أن هذه الآية نزلت في بني مقرن وقاله مجاهد ويتخذ في الآيتين بمعنى يجعله قصده والمعنى ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم وصلوات الرسول دعاؤه ففي دعائه خير الدنيا والآخرة والضمير في قوله إنها يحتمل عوده على النفقة ويحتمل عوده على الصلوات وباقي الآية بين وقوله سبحانه والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الآية قال أبو موسى الأشعري وغيره السابقون الأولون من صلى القبلتين وقال عطاء هم من شهد بدرا وقال الشعبي من أدرك بيعة الرضوان والذين اتبعوهم بإحسان يريد سائر الصحابة ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان وقرأ عمر بن الخطاب وجماعة والأنصار بالرفع عطفا على والسابقون وقرأ ابن كثير من تحتها الأنهار وقرأ الباقون تحتها بإسقاط من وقوله سبحانه وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق الإشارة بمن حولكم إلى جهينة ومزينة وأسلم وغفار وعصية ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة فأخبر الله سبحانه عن منافقيهم وتقدير الآية ومن أهل المدينة قوم أو منافقون هذا أحسن ما حمل اللفظ ومردوا قال أبو عبيدة معناه مرنوا عليه ولجوا فيه وقيل غير هذا مما هو قريب منه قال ابن زيد قاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون والظاهر من اللفظة أن التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج والاشتهار به والعتو على الزاجر وركوب الرأس في ذلك وهو مستعمل في الشر لا في الخير ومنه شيطان مريد ومارد وقال ابن العربي في أحكامه مردوا على النفاق أي استمروا عليه وتحققوا به انتهى ذكره بعد قوله تعالى الذين اتخذوا مسجدا ضررا ثم نفى عز و جل علم نبيه بهم على التعيين وقوله سبحانه سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم لفظ الآية يقتضي ثلاث مواطن من العذاب ولا خلاف بين المتأولين أن العذاب العظيم الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب القبر واختلف في عذاب المرة الأولى فقال ابن عباس عذابهم بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه وقال ابن إسحاق عذابهم هو همهم بظهر الإسلام وعلو كلمته وقال ابن عباس أيضا هو الأشهر عنه عذابهم هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق وقيل غير هذا وقوله عز و جل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية قال ابن عباس وأبو عثمان هذه الآية في الأعراب وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة قال ابو عثمان ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة منها وقال مجاهد بل نزلت هذه الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة لما أشار لهم إلى حلقه ثم ندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد وقالت فرقة عظيمة بل نزلت هذه الآية في شأن المخلفين عن غزوة تبوك ت وخرج البخاري بسنده عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاتي الليلة أتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءى وشطر كأقبح ما أنت راءى قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتجاوز الله عنهم انتهى وقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة الآية روي أن الجماعة التائبة لما تيب عليها قالوا يا رسول الله إنانريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا فقال لهم صلى الله عليه و سلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من الله فتركهم حتى نزلت هذه الآية فهم المرا0د بها فروي أنه صلى الله عليه و سلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى من أموالهم فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال المتأولين وقالت جماعة من الفقهاء المراد بهذه الآية الزكاة المفروضة وقوله تعالى تطهرهم وتزكيهم بها احسن ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه وصل عليهم معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونا لأنفسهم وطمانينة ووقارا فهي عبارة عن صلاح المعتقد والضمير في قوله ألم يعلموا قال ابن زيد يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين ويحتمل أن يراد به الذين تابوا وقوله ويأخذ الصدقات قال الزجاج معناه ويقبل الصدقات وقد جاءت أحاديث صحاح في معنى هذه الآية منها حديث أبي هريرة أن الصدقة قد تكون قدر اللقمة يأخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد وقوله عن عباده هي بمعنى من وقوله سبحانه وقل اعملوا فسيرى الله علمكم ورسوله والمؤمنين وستردون إلى عالم الغيب والشهادة الآية هذه الآية صيغتها صيغة أمر مضمنها الوعيد وقال الطبري المراد بها الذين اعتذروا ولم يتوبوا من المتخلفين وتابوا قال ع والظاهر أن المراد بها الذين اعتذروا ولم يتوبوا وهم المتوعدون وهم الذي في ضمير ألم يعلموا ومعنى فسيرى الله عملكم أي موجودا معرضا للجزاء عليه بخير أو بشر وقال ابن العربي في أحكامه قوله سبحانه وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله هذه الآية نزلت بعد ذكر المؤمنين ومعناها الأمر أي أعملوا بما يرضي الله سبحانه وأما الآية المتقدمة وهي قوله تعالى قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله فإنها نزلت بعد ذكر المنافقين ومعناها التهديد وذلك لأن النفاق موضع ترهيب والإيمان موضع ترغيب فقوبل أهل كل محل من الخطاب بما يليق بهم انتهى وقوله سبحانه وآخرون مرجون لأمر الله عطف على قوله اولا وآخرون اعترفوا ومعنى الإرجاء التأخير والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وجماعة الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك وصاحباه على ما سيأتي إن شاء الله وقيل إنما نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار وعلى هذا يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلا من آخرون أو خبر مبتدأ تقديره هم الذين وقرأ عاصم وعوام القراء والناس في كل قطر إلا بالمدينة والذين اتخذوا وقرأ أهل المدينة نافع وغيره الذين اتخذوا بإسقاط الواو على أنه مبتدأ والخبر لا يزال بنيانهم وأما الجماعة المرادة بالذين اتخذوا بإسقاط الواو على أنه مبتدأ والخبر لا يزال بنيانهم وأما الجماعة المرادة بالذين اتخذوا مسجدا فهم منافقوا بني غنيم بن عوف وبني سالم بن عوف واسند الطبري عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أنه قال أقبل النبي صلى الله عليه و سلم من غزوة تبوك حتى نزل بذي اوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه صلى الله عليه و سلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله انا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة وانا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما قفل ونزل بذي اوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم مالك بن الدخشن ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث لهدامه وتحريقه عمار بن ياسر ووحشيا مولى المطعم بن عدي وكان بانوه اثني عشر رجلا منهم ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل بن الحارث وغيرهم وروي أنه لما بني صلى الله عليه و سلم مسجدا في بني عمرو ابن عوف وقت الهجرة وهو مسجد قباء وتشرف القوم بذلك حسدهم حينئذ رجال من بني عمهم من بن بني غنم بن عوف وبنى سالم بن عوف وكان فيهم نفاق وكان موضع مسجد قباء مربطا لحمار امرأة من الأنصار اسمها لية فكان المنافقون يقولون والله لا نصبر على الصلاة في مربط حمار لية ونحو هذا من الأقوال وكان أبو عامر المعروف بالراهب منهم وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان سيدا من نظراء عبد الله بن أبي أبن سلول فلما جاء الله بالإسلام نافق ولم يزل مجاهرا بذلك فسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم الفاسق ثم خرج في جماعة من المنافقين فخرب على النبي صلى الله عليه و سلم الأحزاب فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهرا لعداوته فلما فتح الله مكة هرب إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف خرج هاربا إلى الشام يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلى الله عليه و سلم وكتب إلى المنافقين من قومه أن ابنوا مسجدا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له فأني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه فذلك قوله وارصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر وقولهم سيأتي أبو عامر وقوله ضرارا أي داعية للتضارر من جماعيتن وقوله وتفريقا بين المؤمنين يريد تفريقا بين الجماعة التي كانت تصلي في مسجد قباء فإن من جاور مسجدهم كانوا يصرفونه إليه وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان وقيل أراد بقوله بين المؤمنين جماعة مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وروي أن مسجد الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة ترمى فيه الأقذار والقمامات وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نزلت لا تقم فيه أبدا كان لا يمر بالطريق التي هو فيها وقوله لمسجد قيل أن اللام قسم وقيل هي لام ابتداء كما تقول لزيد احسن الناس فعلا وهي مقتضية تأكيدا وذهب ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين إلى أن المراد بمسجد أسس على التقوى مسجد قباء وروي عن ابن عمر وأبى سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبي صلى الله عليه و سلم ويليق القول الأول بالقصة إلا أن القول الثاني مروي عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا نظر مع الحديث قال ابن العربي في أحكامه وقد روي ابن وهب وأشهب عن مالك أن المراد بمسجد أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه و سلم حيث قال الله تبارك وتعالى وتركوك قائما وكذلك روى عنه ابن القاسم وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل هو مسجد قباء وقال الآخر هو مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو مسجدي هذا قال أبو عيسى هذا حديث صحيح وخرجه مسلم انتهى ومعنى أن تقوم فيه أي بصلاتك وعبادتك وقوله فيه رجال يحبون أن يتطهروا اختلف في الضمير أيضا هل يعود على مسجد النبي صلى الله عليه و سلم أو على مسجد قباء روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يا معشر الأنصار أني رأيت الله أثنى عليكم بالطهور فما ذا تفعلون قالوا يا رسول الله انا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء يريدون الاستنجاء ففعلنا نحن ذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تدعوه إذن والبنيان الذي أسس على شفا جرف هو مسجد الضرار بإجماع والشفا الحاشية والشفير وهار معناه متهدم بال وهو من هار يهور البخاري هار هائر تهورت البير إذا تهدمت وانهارت مثله انتهى وتأسيس البناء على تقوى إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه الله تعالى وإظهار شرعه كما صنع في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم وفي مسجد قباء والتأسيس على شفا جرف هار إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين المؤمنين فهذه تشبيهات صحيحة بارعة وقوله سبحانه فانهار به في نار جهنم الظاهر منه أنه خارج مخرج المثل وقيل بل ذلك حقيقة وأن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم قاله قتادة وابن جريج وروي عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وروي في بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رآه حين انهار بلغ الأرض السابعة ففزع لذلك صلى الله عليه و سلم وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة أيام وهذا كله بإسناد لين والله أعلم واسند الطبري عن خلف بن ياسين أنه قال رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن فرأيت فيه مكانا يخرج منه الدخال وذلك في زمن أبي جعفر المنصور وروي شبيه بهذا أو نحوه عن ابن جريج اسنده الطبري قال ابن العربي في أحكامه وفي قوله تعالى فانهار به في نار جهنم مع قوله فأمه هاويه إشارة إلى أن النار تحت كما أن الجنة فوق انتهى والريبة الشك وقد يسمى ريبة فساد المعتقد ومعنى الريبة في هذه الآية أمر يعم الغيظ والحنق ويعم اعتقاد صواب فعلهم ونحو هذا مما يؤدي كله إلى الارتياب في الإسلام فمقصد الكلام لا يزال هذا البنيان الذي هدم لهم يبقى في قلوبهم حزازة وأثر سوء وبالشك فسر ابن عباس الريبة هنا وبالجملة أن الريبة هنا تعم معان كثيرة يأخذ كل منافق منها بحسب قدره من النفاق وقوله إلا أن تقطع قلوبهم بضم التاء يعني بالموت قاله ابن عباس وغيره وفي مصحف أبي حتى الممات وفيه حتى تقطع وقوله عز و جل إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية هذه الآية نزلت في البيعة الثالثة وهي بيعة العقبة الكبرى وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وذلك أنهم اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه و سلم عند العقبة فقالوا اشترط لك ولربك والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة فاشترط نبي الله حمايته مما يحمون منه أنفسهم واشترط لربه التزام الشريعة وقتال الأحمر والأسود في الدفع عن الحوزة فقالوا ما لنا على ذلك يا نبي الله فقال الجنة فقالوا نعم ربح البيع لا تقيل ولا تقال وفي بعض الروايات ولا نستقيل فنزلت الآية في ذلك وهكذا نقله ابن العربي في أحكامه عن عبد اله بن رواحة ثم ذكر من طريق الشعبي عن أبي إمامة اسعد بن زرارة نحو كلام ابن رواحة قال ابن العربي وهذا وإن كان سنده مقطوعا فإن معناه ثابت من طرق انتهى ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه و سلم إلى يوم القيامة قال بعض العلماء ما من مسلم إلا والله في عنقه هذه البيعة وفي بها أو لم يف وفي الحديث أن فوق كل بر برا حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل فلا بر فوق ذلك واسند الطبري عن كثير من أهل العلم أنهم قالوا ثامن الله تعالى في هذه الآية عبادة فأغلى لهم وقاله ابن عباس وغيره وهذا تأويل الجمهور وقال ابن عيينة معنى الآية اشترى منهم أنفسهم ألا يعملوها إلا في طاعته وأموالهم ألا ينفقوها إلا في سبيله فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله وقوله يقاتلون في سبيل الله على تأويل ابن عيينة مقطوع ومستأنف وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال وقوله سبحانه عدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن قال المفسرون يظهر من قوله في التوراة والإنجيل والقرآن أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه قال ع ويحتمل أن ميعاد أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم تقدم ذكره في هذه الكتب والله أعلم قال ص وقوله فاستبشروا ليس للطلب بل بمعنى ابشروا كاستوقد قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ببهجة المجالس وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ما وعده ومن اوعده على عمل عقابا فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعن ابن عباس مثله انتهى وباقي الآية بين قال الفخر واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات فأولها قوله سبحانه إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم فكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والحيلة من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد والثاني أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد وثالثهما قوله وعدا ووعد الله حق ورابعها قوله عليه وكلمة على للوجوب وخامسها قوله حقا وهو تأكيد للتحقيق وسادسها قوله في التوراة والإنجيل والقرآن وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والمرسلين على هذه المبايعة وسابعها قوله ومن أوفى بعهده من الله وهو غاية التأكيد وثامنها قوله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وهو أيضا مبالغة في التأكيد وتاسعها قوله وذلك هو الفوز وعاشرها قوله العظيم فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق انتهى وقوله عز و جل التائبون العابدون إلى قوله وبشر المؤمنين هذه الأوصاف هي من صفات المؤمنين الذين ذكر الله أنه أشترى منهم أنفسهم وأموالهم ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها سبحانه ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى رتبة والآية الأولى مستقله بنفهسا يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها وقالت فرقة بل هذه الصفات جاءت على جهة الشرط والآتيان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف وهذا تحريج وتضييق والأول أصوب والله أعلم والشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد وقد روي أن الله عز و جل يحمل على الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ختم الله لنا بالحسنى والسائحون معناه الصائمون وروي عن عائشة أنها قالت سياحة هذه الأمة الصيام أسنده الطبري وروي أنه من كلام النبي صلى الله عليه و سلم وقال الفخر ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض سمي الصائم سائحا لاستمراره على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من المفطرات قال الفخر وعندي فيه وجه آخر وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه باب الشهوات انفتحت له أبواب الحكمة وتجلت له أنوار عالم الجلال ولذلك قال صلى الله عليه و سلم من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام ومن درجة إلى درجة انتهى قال ع وقال بعض الناس وهو قول حسن وهو من أفضل العبادات والراكعون الساجدون هم المصلون الصلوات كذا قال أهل العلم ولكن لا يختلف في أن من يكثر النوافل هو ادخل في الاسم واعرق في الاتصاف وقوله والحافظون لحدود الله لفظ عام تحته التزام الشريعة ت قال البخاري قال ابن عباس الحدود الطاعة قال ابن العربي في أحكامه وقوله الحافظون لحدود الله خاتمة البيان وعموم الاشتمال لكل أمر ونهي انتهى وقوله سبحانه وبشر المؤمنين قيل هو لفظ عام أمر صلى الله عليه و سلم أن يبشر أمته جميعا بالخير من الله وقيل بل هذه الألفاظ خاصة لمن لم يغز أي لما تقدم في الآية وعد المجاهدين وفضلهم أمر صلى الله عليه و سلم أن يبشر سائر المؤمنين ممن لم يغز بأن الإيمان مخلص من النار والحمد لله رب العالمين وقوله سبحانه ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين الآية جمهور المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل عليه حين احتضر فوعظه وقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله وكان بالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقالا له يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فقال أبو طالب يا محمد والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدى من بعدي لأقررت بها عينك ثم قال هو على ملة عبد المطلب ومات على ذلك إذ لم يسمع منه صلى الله عليه و سلم ما قال العباس فنزلت إنك لا تهدي من أحببت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والله لاستغفرن لك ما لم انه عنك فكان يستغفر له حتى نزلن هذه الآية فترك نبي الله الاستغفار لأبي طالب وروي أن المؤمنين لما رأوا نبي الله يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهم فلذلك دخلوا في النهي والآية على هذا ناسخة لفعله صلى الله عليه و سلم إذ أفعاله في حكم الشرع المستقر وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما إنما نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم عليه السلام فنزلت الآية في ذلك وقوله سبحانه وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الآية المعنى لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم عليه السلام فإن ذلك لم يكن الاعن موعدة واختلف في ذلك فقيل عن موعدة من إبراهيم وذلل قوله سأستغفر لك ربي إنه كان في حفيا وقيل عن موعدة من أبيه له في أنه سيؤمن فقوي طمعه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه وموعدة من الوعد وأما تبينه أنه عدو لله قيل ذلك بموت أزر على الكفر وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي وقوله سبحانه إن إبراهيم لاواه حليم ثناء من الله تعالى على إبراهيم والاواه معناه الخائف الذي يكثر التأوه من خوف الله عز و جل والتأوه التوجع الذي يكثر حتى ينطق الإنسان معه باوه ومن هذا المعنى قول المثقب العبدي ... إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه أهة الرجل الحزين ويروى آهة وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع وجيب قلبه من الخشية كما تسمع أجنحة النسور وللمفسرين في الاواه عبارات كلها ترجع إلى ما ذكرته ت روى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال حدثنا شهر بن حوشب قال حدثني عبد الله بن شداد قال قال رجل يا رسول الله ما الاواه قال الاواه الخاشع الدعاء المتضرع قال الله سبحانه إن إبراهيم لاواه حليم انتهى وحليم معناه صابر محتمل عظيم العقل والحلم العقل وقوله سبحانه وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم الآية معناه التأنيس للمؤمنين وقيل أن بعضهم خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين فنزلت الآية مؤنسة أي ما كان الله بعد إن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنبا لم يتقدم من الله عنه نهي فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع شيئا من ذلك بعد النهي استوجب العقوبة وباقي الآية بين وقوله سبحانه لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الآية التوبة من الله تعالى هو رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها فقد تكون من الأكثر رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها وهذه توبته سبحانه في هذه الآية على نبيه عليه السلام وأما توبته على المهاجرين والأنصار فمعرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضى وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله في هذه الآية ذكر الله سبحانه توبة من لم يذنب ليلا يستوحش من أذنب لأنه ذكر النبي صلى الله عليه و سلم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا ثم قال وعلى الثلاثة الذين خلفوا فذكر من لم يذنب ليونس من قد أذنب انتهى من لطائف المنن وساعة العسرة يريد وقت العسرة والعسرة الشدة وضيق الحال والعدم وهذا هو جيش العسرة الذي قال فيه صلى الله عليه و سلم من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف جمل وألف دينار وجاء أيضا رجل من الأنصار بسبعمائة وسق من تمر وهذه غزوة تبوك ت وعن ابن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله فقال أتحب ذلك قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين يعني مسلما والبخاري انتهى من السلاح ووصل النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك إلى أوائل بلد العدو فصالحه أهل أذرح وإيله وغيرهما على الجزية ونحوها وأنصرف والزيغ المذكور هو ما همت به طائفة من الانصراف لما لقوا من المشقة والعسرة قاله الحسن وقيل زيغها إنما كان بظنون لها ساءت في معنى عزم النبي صلى الله عليه و سلم على تلك الغزوة لما رأته من شدة الحال وقوة العدو المقصود ثم أخبر عز و جل أنه تاب أيضا على هذا الفريق وراجع به وأنس بإعلامه للامه بأنه رؤوف رحيم والثلاثة الذين خلفوا هم كعب بن مالك وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم وهو في السير فلذلك اختصرنا سوقه وهم الذين تقدم فيهم وآخرون مرجون لأمر الله ومعنى خلفوا أخروا وترك النظر في أمرهم قال كعب وليس بتخلفنا عن الغزو وهو بين من لفظ الآية وقوله وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ظنوا هنا بمعنى أيقنوا قال الشيخ بن أبي جمرة رحمه الله قال بعض أهل التوفيق إذا نزلت بي نازلة ما من أي نوع كانت فألهمت فيها اللجأ فلا أبالي بها واللجأ على وجوه منها الاشتغال بالذكر والتعبد وتفويض الأمر له عز و جل لقوله تعالى على لسان نبيه من شغله ذكرى عن مسئلتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين ومنها الصدقة ومنها الدعاء فكيف بالمجموع انتهى وقوله سبحانه ثم تاب عليهم ليتوبوا لما كان هذا القول في تعديد النعم بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز و جل ليكون ذلك منها على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره ولو كان هذا القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي على المذنب كما قال عز و جل فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ليكون ذلك أشد تقريرا للذنب عليهم وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه وبيان هذه الآية ومواقع ألفاظها إنما يكمل مع مطالعة حديث الثلاثة الذين خلفوا في الكتب المذكورة فأنظره وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدمهم فيه إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر وفي هذا ما يقتضي أن الرجل العالم والمقتدي به أقل عذرا في السقوط من سواه وكتب الأوزاعي رحمه الله إلى أبي جعفر المنصور في آخر رسالة وأعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه و سلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظما ولا طاعته إلا وجوبا ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكارا والسلام وقوله سبحانه يا أيها الذين أمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين هذا الأمر بالكون مع الصادقين حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين وكان ابن مسعود يتأول الآية في صدق الحديث وإليه نحا كعب بن مالك وقوله سبحانه ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله الآية هذه الآية معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف عن النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة وقوة الكلام تعطي الأمر بصحبته أين ما توجه غازيا وبذل النفوس دونه والمخمصة مفعلة من خموص البطن وهو ضموره واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم له ومن ذلك قول الأعشى ... تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا ... وقوله ولا ينالون من عدو نيلا لفظ عام لقليل ما يصنعه المؤمنون بالكفرة من أخذ مال أو إيراد هوان وكثيره ونيلا مصدر نال ينال وفي الحديث ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا ت وروى أبو داود في سننه عن أبي مالك الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وأن له الجنة انتهى قال ابن العربي في أحكامه قوله عز و جل ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم يعني إلا كتب لهم ثوابه وكذلك قال في المجاهد إن ارواث دوابه وابوالها حسنات له وكذلك أعطى سبحانه لأهل العذر من الأجر ما أعطى للقوي العامل بفضله ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في هذه الغزوة بعينها أن بالمدينة قوما ما سلكتم واديا ولا قطعتم شعبا إلا وهم معكم حبسهم العذر انتهى وقوله سبحانه وما كان المؤمنون لينفروا كافة الآية قالت فرقة أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكانا ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قول الله عز و جل ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب الآية أهمهم ذلك فنفروا إلى النبي صلى الله عليه و سلم خشية أن يكونوا عصاة في التخلف عن الغزو فنزلت هذه الآية في نفرهم ذلك وقالت فرقة سبب هذه الآية أن المنافقين لما نزلت الآيات في المتخلفين قالوا هلك أهل البوادي فنزلت هذه الآية مقيمة لعذر أهل البوادي قال ع فيجيء قوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر وتجيء هذه الآية مبينة لذلك وقالت فرقة هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير والقتال وقال ابن عباس ما معناه أن هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغزو وقالت فرقة يشبه أن يكون التفقه في الغزو وفي السرايا لما يرون من نصرة الله لدينه وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على الكثير من الكافرين وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته قال ع والجمهور على أن التفقه إنما هو بمشاهدة رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحبته وقيل غير هذا ت وصح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا وقد استنفر رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس في غزوة تبوك وأعلن بها حسب ما هو مصرح به في حديث كعب ابن مالك في الصحاح فكان العتب متوجها على من تأخر عنه بعد العلم فيظهر والله أعلم أن الآية الأولى باق حكمها كما قال ابن عباس وتكون الثانية ليست في معنى الغزو بل في شأن التفقه في الدين على الإطلاق وهذا هو الذي يفهم من استدلالهم بالآية على فضل العلم قد قالت فرقة أن هذه الآية ليست في معنى الغزو وإنما سببها قبائل من العرب أصابتهم مجاعة فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا يفسدونها وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما اضرعه الجوع فنزلت الآية في ذلك والإنذار في الآية عام للكفر والمعاصي والحذر منها أيضا كذلك قال ابن المبارك في رقائقة أخبرنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال إذا أراد الله تبارك وتعالى بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال فقها في الدين وزهادة في الدنيا وبصره بعيوبه انتهى وقوله تعالى يا أيها الذين أمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار قيل أن هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام قال ع وهذا ضعيف فإن هذه السورة من آخر ما نزل وقالت فرقة معنى الآية أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يليه من الكفرة وقوله سبحانه وليجدوا فيكم غلظة أي خشونة وبأسا ثم وعد سبحانه في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو وقد قال بعض الصحابة إنما تقاتلون الناس بأعمالكم ووعد سبحانه أنه مع المتقين ومن كان الله معه فلن يغلب وقوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه إيمانا الآية هذه الآية نزلت في شأن المنافقين وقولهم أيكم زادته هذه إيمانا يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم أو لقوم من قراباتهم على جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السورة ثم ابتدأ عز و جل الرد عليهم بقوله فأما الذين أمنوا فزادتهم إيمانا وذلك أنه إذا نزلت سورة حدث للمؤمنين بها تصديق خاص لم يكن قبل فتصديقهم بما تضمنته السورة من أخبار وأمر ونهي أمر زائد على الذي كان عندهم قبل وهذا وجه من زيادة الإيمان ووجه آخر أن السورة ربما تضمنت دليلا أو تنبيها على دليل فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة فإذا نزلت السورة زادت في أدلته ووجه آخر من وجوه الزيادة أن الإنسان ربما عرضه شك يسير أو لاحت له شبهة مشغبة فإذا نزلت السورة أرتفعت تلك الشبهة وقوي إيمانه ارتقى اعتقاده عن معارضة الشبهات والذين في قلوبهم مرض هم المنافقون والرجس في اللغة يجيء بمعنى القذر ويجيء بمعنى العذاب وحال هؤلاء المنافقين هي قذر وهي عذاب عاجل كفيل بآجل وإذا تجدد كفرهم بسورة فقد زاد كفرهم فذلك زيادة رجس إلى رجسهم وقوله سبحانه أو لا يرون يعني المنافقين وقرأ حمزة أو لا ترون بالتاء من فوق على معنى أو لا ترون أيها المؤمنون أنهم يفتنون أي يختبرون وقرأ مجاهد مرضة أو مرضتين والذين يظهر مما قبل الآية ومما بعدها أن الفتنة والاختبار إنما هي بكشف الله أسرارهم وإفشائه عقائدهم إذ يعلمون أن ذلك من عند الله وبهذا تقوم الحجة عليهم وأما الاختبار بالمرض فهو في المؤمنين وقوله سبحانه وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم المعنى وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أسرار المنافقين نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد أي هل معكم من ينقل عنكم هل يراكم من أحد حين تدبرون أموركم ثم انصرفوا عن طريق الاهتداء وذلك أنهم وقت كشف أسرارهم والأعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر فلو أريد بهم خير لكان ذلك الوقت مظنة الاهتداء وقد تقدم بيان قوله صرف الله قلوبهم وقوله عز و جل لقد جاءكم رسول من أنفسكم الآية مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم إذ جاءهم بلسانهم وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة وشرفوا به غابر الدهر وقوله من أنفسكم يقتضي مدحا لنسبه صلى الله عليه و سلم وأنه من صميم العرب وشرفها وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من أنفسكم بفتح الفاء من النفاسة ورويت عن النبي صلى الله عليه و سلم وقوله ما عنتم معناه عنتكم فما مصدرية والعنت المشقة وهي هنا لفظة عامة أي عزيز عليه ما شق عليكم من قتل واسار وامتحان بحسب الحق واعتقادكم أيضا معه حريص عليكم أي على إيمانكم وهداكم وقوله بالمؤمنين رؤوف أي مبالغ في الشفقة عليهم قال أبو عبيدة الرأفة أرق الرحمة ثم خاطب سبحانه نبيه بقوله فإن تولوا أي اعرضوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم هذه الآية من آخر ما نزل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة يونس عليه السلام بعضها نزل بمكة وبعضها بالمدينة قوله عز و جل الر تلك آيات الكتاب الحكيم المراد بالكتاب القرآن والحكيم بمعنى محكم ويمكن أن يكون حكيم بمعنى ذي حكمة فهو على النسب وقوله عز و جل أكان للناس عجبا الآية قال ابن عباس وغيره سبب هذه الآية استبعاد قريش أن يبعث الله بشرا رسولا والقدم هنا ما قدم واختلف في المراد بها هاهنا فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم هي الأعمال الصالحات من العبادات وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة هي شفاعة محمد صلى الله عليه و سلم وقال ابن عباس أيضا وغيره هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ وهذا أليق الأقوال بالآية ومن هذه اللفظة قول حسان رضي الله عنه ... لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع ... ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه و سلم حتى يضع الجبار فيها قدمه أي ما قدم لها هذا على الجبار اسم الله تعالى والصدق هنا بمعنى الصلاح وقال البخاري قال زيد بن أسلم قدم صدق محمد صلى الله عليه و سلم انتهى وقولهم إن هذا لسحر مبين إنما هو بسبب أنه فرق بذلك كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فاشبه ذلك ما يفعله الساحر في ظنهم القاصر فسموه سحرا وقوله سبحانه إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام الآية هذا ابتداء دعاء إلى عبادة الله عز و جل وتوحيده وذكر بعض الناس أن الحكمة في خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة محدودة ممتدة وفي القدرة أن يقول لها كن فتكون إنما هي ليعلم عباده التؤدة والتماهل في الأمور قال ع وهذا مما لا يوصل إلى تعليله وعلى هذا هي الأجنة في البطون وخلق الثمار وغير ذلك والله عز و جل قد جعل لكل شيء قدرا وهو أعلم بوجه الحكمة في ذلك وقوله سبحانه يدبر الأمر يصح أن يريد بالأمر اسم الجنس من الأمور ويصح أن يريد الأمر الذي هو مصدر أمر يأمر وتدبيره لا إله إلا هو إنما هو الإنفاذ لأنه قد أحاط بكل شيء علما قال مجاهد يدبر الأمر معناه يقضيه وحده وقوله سبحانه ما من شفيع إلا من بعد إذنه رد على العرب في اعتقادهم أن الأصنام تشفع لها عند الله ذلكم الله أي الذي هذه صفاته فاعبدوه ثم قررهم على هذه الآيات والعبر فقال أفلا تذكرون وقوله إليه مرجعكم جميعا الآية إنباء بالبعث من القبور ليجزي هي لام كي والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال وقوله بالقسط أي بالعدل وقوله الذين كفروا ابتداء والحميم الحار المسخن وحميم النار فيما ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم إذا أدناه الكافر من فيه تساقطت فروة رأسه وهو كما وصفه سبحانه يشوي الوجوه وقوله سبحانه هوا لذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا الآية هذا استمرار على وصف آياته سبحانه والتنبيه على صنعته الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته وقوله وقدره منازل يحتمل أن يعود الضمير على القمر وحده لأنه المراعي في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب ويحتمل أن يريد الشمس والقمر معا لكنه اجتزأ بذكر أحدهما كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه وقوله لتعلموا عدد السنين والحساب أي رفقا بكم ورفعا للالتباس في معايشكم وغير ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة التواريخ وقوله لقوم يعلمون إنما خصهم لأن نفع هذا فيهم ظهر وقوله سبحانه إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض الآية آية اعتبار وتنبيه والآيات العلامات وخصص القوم المتقين تشريفا لهم إذ الاعتبار المنظور فيها أفضل من نسبة من لم يهتد ولا اتقى وقوله سبحانه إن الذين لا يرجون لقاءنا الآية قال أبو عبيدة وغيره يرجون في هذه الآية بمعنى يخافون واحتجوا ببيت أبي ذؤيب ... إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل ... قال ابن سيدة والفراء لفظة الرجاء إذا جاءت منفية فإنها تكون بمعنى الخوف فعلى هذا التأويل معنى الآية إن الذين لا يخافون لقاءنا وقال بعض أهل العلم الرجاء في هذه الآية على بابه وذلك أن الكافر المكذب بالبعث لا يحسن ظنا بأنه يلقى الله ولا له في الآخرة أمل إذ لو كان له فيها أمل لقارنه لا محالة خوف وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النجاة قال ع والذي أقول به أن الرجاء في كل موضع هو على بابه وأن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها قال ابن زيد هذه الآية في الكفار وقوله سبحانه ورضوا بالحيوة الدنيا يريد كانت منتهى غرضهم وقال قتادة في تفسير هذه الآية إذا شئت رأيت هذا الموصوف صاحب دنيا لها يغضب ولها يرضى ولها يفرح ولها يهتم ويحزن فكان قتادة صورها في العصاة ولا يترتب ذلك إلا مع تأول الرجاء على بابه لأن المؤمن العاصي مستوحش من أخرته فأما على التأويل الأول فمن لا يخاف الله فهو كافر وقوله وأطمأنوا بها تكميل في معنى القناعة بها والرفض لغيرها وقوله والذين هم عن آياتنا غافلون يحتمل أن يكون ابتداء إشارة إلى فرقة أخرى ثم عقب سبحانه بذكر الفرقة الناجية فقال إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم الآية الهداية في هذه الآية تحتمل وجهين أحدهما أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم الثاني أن يريد أنه يرشدهم إلى طريق الجنان في الآخرة وقوله بإيماهم يحتمل أن يريد بسبب إيمانهم ويحتمل أن يكون الإيمان هو نفس الهدى أي يهديهم إلى طريق الجنة بنور إيمانهم قال مجاهد يكون لهم إيمانهم نورا يمشون به ويتركب هذا التأويل على ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة وبعكس هذا في الكافر ونحو هذا ما أسنده الطبري وغيره وقوله سبحانه دعواهم أي دعاؤهم فيها وسبحانك اللهم تقديس وتسبيح وتنزيه لجلاله سبحانه عن كل ما لا يليق به وقال علي بن أبي طالب في ذلك هي كلمات رضيها الله تعالى لنفسه وقال طلحة بن عبيد الله قلت يا رسول الله ما معنى سبحان الله فقال معناها تنزيها لله من السوء وحكي عن بعض المفسرين أنهم رووا أن هذه الكلمة إنما يقولها المؤمن عندما يشتهي الطعام فإنه إذا رأى طائرا أو غير ذلك قال سبحانك اللهم فنزلت تلك الإرادة بين يديه فوق ما اشتهى رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة وعبارة الداودي عن ابن جريج دعواهم فيها قال إذا مر بهم الطائر يشتهونه كان دعواهم به سبحانك اللهم فيأكلون منه ما يشتهون ثم يطير وإذا جاءتهم الملائكة بما يشتهون سلموا عليهم فذلك قوله وتحيتهم فيها سلام وإذا أكلوا حاجتهم قالوا الحمد لله رب العالمين فذلك قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وقوله سبحانه وتحيتهم فيها سلام يريد تسليم بعضهم على بعض والتحية مأخوذة من تمنى الحياة للإنسان والدعاء بها يقال حياه ويحييه ومنه قول زهير بن جناب ... من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية ... يريد دعاء الناس للملوك بالحياة وقال بعض العلماء وتحيتهم يريد تسليم الله تعالى عليهم والسلام مأخوذ من السلامة وآخر دعواهم أي خاتمة دعائهم وكلامهم في كل موطن حمد الله وشكره على ما أسبغ عليهم من نعمه وقال ابن العربي في أحكامه في تفسير هذه الآية قولان الأول أن الملك يأتيهم بما يشتهون فيقول سلام عليكم أي سلمتم فيردون عليه فإذا أكلوا قالوا الحمد لله رب العالمين الثاني أن معنى تحيتهم أي تحية بعضهم بعضا فقد ثبت في الخبر أن الله تعال خلق آدم ثم قال له أذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم فجاءهم فقال لهم سلام عليكم فقالوا له وعليك السلام ورحمة الله فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة وبين في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنة فهي تحية موضوعة من أول الخلقة إلى غير نهاية وقد روى ابن القاسم عن مالك في قوله تعالى وتحيتهم فيها سلام أي هذا السلام الذي بين أظهركم وهذا أظهر الأقوال والله أعلم انتهى وقرأ الجمهور أن الحمد لله وهي عند سيبويه أن المخففة من الثقيلة قال أبو الفتح فهي بمنزلة قول الأعشى ... في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل ... وقوله سبحانه ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم الآية هذه الآية نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ولده أو ماله فأخبر سبحانه أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريد فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم وحذف بعد ذلك جملة يتضمنها الظاهر تقديرها فلا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجعون لقاءنا الآية وقيل إن هذه الآية نزلت في قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وقيل نزلت في قولهم أتينا بما تعدنا وما جرى مجراه والعمه الخبط في ضلال وقوله سبحانه وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه الآية هذه الآية أيضا عتاب على سوء الخلق من بعض الناس ومضمنه النهي عن مثل هذا والأمر بالتسليم إلى الله والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره وقوله لجنبه في موضع الحال كأنه قال مضطجعا والضر عام لجميع الأمراض والرزايا وقوله مر يقتضى أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر وعاص وقوله سبحانه ولقد أهلكنا القرون من قبلكم الآية آية وعيد للكفار وضرب أمثال لهم وخلائف جمع خليفة وقوله لننظر معناه لنبين في الوجود ما علمناه أزلا لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز وقال عمر رضي الله عنه إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية وقوله سبحانه وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا يعني بعض كفار قريش ايت بقرآن غير هذا أو بدله ثم أمر سبحانه نبيه أن يرد عليهم بالحق الواضح فقال قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أعلمكم به وأدريكم بمعنى أعلمكم تقول دريت بالأمر وأدريت به غيري ثم قال فقد لبثت فيكم عمرا من قبله يعني الأربعين سنة تبل بعثه عليه السلام أي فلم تجربوني في كذب ولا تكلمت في شيء من هذا أفلا تعقلون أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن ولى عمره وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه وقوله فمن أظلم استفهام وتقرير أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ممن كذب بآياته بعد بيانها والضمير في يعبدون لكفار قريش وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله هذا قول النبلاء منهم ثم أمر سبحانه نبيه أن يقررهم ويوبخهم بقوله اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض وذكر السماوات لأن من العرب من يعبد الملائكة والشعرى وبحسب هذا حسن أن يقول هؤلاء شفعاؤنا وقيل ذلك تجاوز في الأصنام التي لا تعقل وقوله سبحانه وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا قالت فرقة المراد آدم كان أمة وحده ثم اختلف الناس بعده وقالت فرقة المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد أبنيه الآخر ويحتمل أن يريد كان الناس صنفا واحدا بالفطرة معدا للاهتداء وقد تقدم الكلام على هذا في قوله سبحانه كان الناس أمة واحدة وقوله سبحانه ولولا كلمة سبقت من ربك يريد قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال الموقتة ويحتمل أن يريد الكلمة في أمر القيامة وأن العقاب والثواب إنما يكون حينئذ وقوله فقل إنما الغيب لله أي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وقوله فانتظروا وعيد وقوله سبحانه وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضر مستهم الآية هذه الآية في الكفار وهي بعد تتناول من العصاة من لا يؤدي شكر الله عند زوال المكروه عنه ولا يرتدع بذلك عن معاصيه وذلك في الناس كثير والرحمة هنا بعد الضراء كالمطر بعد القحط والأمن بعد الخوف ونحو هذا مما لا ينحصر والمكر الاستهزاء والطعن عليها من الكفار واطراح الشكر والخوف من العصاة وقال أبو علي أسرع من سرع لا من أسرع يسرع إذ لو كان من أسرع لكان شاذا قال ع وفي الحديث في نار جهنم لهي أسود من القار وما حفظ للنبي صلى الله عليه و سلم فليس بشاذ ص ورد بأن أسود من فعل لا من أفعل تقول سود فهو أسود وإنما امتنع من سود ونحوه عند البصريين لأنه لون انتهى وقوله سبحانه هو الذي يسيركم في البر والبحر الآية تعديد نعم منه سبحانه على عباده وقوله سبحانه دعوا الله مخلصين له الدين أي نسوا الأصنام والشركاء وأفردوا الدعاء لله سبحانه وذكر الطبري في ذلك عن بعض العلماء حكاية قول العجم هيا شراء هيا ومعناه يا حي يا قيوم ويبغون معناه يفسدون وقوله متاع الحياة الدنيا متاع خبر مبتدأ محذوف تقديره هو متاع أو ذلك متاع ومعنى الآية إنما بغيكم وإفسادكم مضر لكم وهو في حالة الدنيا ثم تلقون عقابه في الآخرة قال سفيان بن عيينة إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا أي تعجل لكم عقوبته وعلى هذا قالوا البغي يصرع أهله قال ع وقالوا الباغي مصروع قال تعالى ثم بغي عليه لينصرنه الله وقال النبي عليه السلام ما ذنب أسرع عقوبة من بغي وقوله سبحانه إنما مثل الحيوة الدنيا أي تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ مصير ذلك إلى الفناء كمطر نزل من السماء فاختلط به نبات الأرض أي اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء ولفظ البخاري قال ابن عباس فاختلط به نبات الأرض فنبت بالماء من كل لون انتهى وأخذت الأرض لفظة كثرت في مثل هذا كقوله خذوا زينتكم والزخرف التزيين بالألوان وقرأ ابن مسعود وغيره وتزينت وهذه أصل قراءة الجمهور وقوله وظن أهلها على بابها وهذا الكلام فيه تشبيه جملة أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها وحتى غاية وهي حرف ابتداء لدخولها على إذا ومعناهما متصل إلى قوله قادرون عليها ومن بعد ذلك بدأ الجواب والأمر الآتي واحد الأمور كالريح والصر والسموم ونحو ذلك وتقسيمه ليلا أو نهارا تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في كل وقت وحصيدا بمعنى محصود أي تالفا مستهلكا كأن لم تغن أي كان لم تنضر ولم تنعم ولم تعمر بغضارتها ومعنى الآية التحذير من الاغترار بالدنيا إذ هي معرضة لتلف كنبات هذه الأرض وخص المتفكرين بالذكر تشريفا للمنزلة وليقع التسابق إلى هذه الرتبة والله يدعوا إلى دار السلام الآية نص أن الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر والهداية التي هي الإرشاد مختصة بمن قدر إيمانه والسلام هنا قيل هو اسم من أسماء الله تعالى والمعنى يدعو إلى داره التي هي الجنة وقيل السلام بمعنى السلامة وقوله سبحانه للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال الجمهور الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز و جل في صحيح مسلم من حديث صهيب فيكشف الحجار فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز و جل وفي رواية ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة واخرج هذه الزيادة النسائي عن صهيب وأخرجها عن صهيب أيضا أبو داود الطيالسي انتهى من التذكرة وقوله سبحانه ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة الآية ويرهق معناه يغشى مع غلبة وتضييق والقتر الغبار المسود وقوله سبحانه والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها قالت فرقة التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها وقالت فرقة التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة تعم السيئات هاهنا الكفر والمعاصي والعاصم المنجى والمجير واغشيت كسيت والقطع جمع قطعة وقرأ ابن كثير والكسائي قطعا من الليل بسكون الطاء وهو الجزء من الليل والمراد الجزء من سواده وباقي الآية بين ومكانكم اسم فعل الأمر ومعناه قفوا واسكنوا ت قال ص وقدر باثبتوا وأما من قدره بالزموا مكانكم فمردود لأن الزموا متعد ومكانكم لا يتعدى فلا يقدر به وإلا لكان متعديا واسم الفعل على حسب الفعل إن متعديا فمتعد وإن لازما فلازم ثم اعتذر بأنه يتمكن يمكن أن يكون تقديره بالزموا تقدير معنى لا تقدير إعراب فلا اعتراض انتهى قال ع فأخبر سبحانه عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون بالإقامة في موقف الخزي مع أصنامهم ثم ينطق الله شركاءهم بالتبري منهم وقوله فزيلنا بينهم معناه فرقنا في الحجة والمذهب روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الكفار إذا رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قيل لهم اتبعوا ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد هؤلاء فتقول الأصنام والله ما كنا نسمع ولا نعقل وما كنتم إيانا تعبدون فيقولون والله لإياكم كنا نعبد فتقول الآلهة فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم الآية وظاهر الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى بدليل القول لهم مكانكم أنتم وشركاؤكم ودون فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم إن كنا عن عبادتكم لغافلين وإن هذه عند سيبويه المخففة من الثقيلة موجبة ولزمتها اللام فرقا بينها وبين أن النافية وعند الفراء أن نافية بمعنى ما واللام بمعنى إلا وقرأ نافع وغيره تبلوا بالباء الموحدة بمعنى تختبر وقرأ حمزة والكسائي تتلوا بتاءين بمعنى تتبع وتطلب ما أسلف من أعمالها ت قال ص كقوله ... إن المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذيب يتلو الذيبا ... أي يتبعه انتهى ويصح أن يكون بمعنى تقرا كتبها التي تدفع إليها وقوله ومن يدبر الأمر الآية تدبير الأمر عام في جميع الأشياء وذلك استقامة الأمور كلها على أرادته عز و جل وليس تدبيره سبحانه بفكر وروية وتغييرات تعالى عن ذلك بل علمه سبحانه محيط كامل دائم فسيقولون الله أي لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه فإذا اقروا بذلك فقل أفلا تتقون في افترائكم وجعلكم الأصنام آله وقوله فذلكم الله ربكم الآية يقول فهذا الذي هذه صفاته ربكم الحق أي المستوجب للعبادة والألوهية وإذا كان كذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق قال ع وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازا ووضوحا وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسئلة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها من مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد لأن الكلام فيها إنما في تقرير وجود ذات كيف هي وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقوله فأنى تصرفون تقرير كما قال فأين تذهبون ثم قال كذلك حقت أي كما كانت صفات الله كما وصف وعبادته واجبة كما تقرر وانصراف هؤلاء كما قدر عليهم كذلك حقت كلمات ربك الآية وقرأ أبو عمر وغيره كلمة على الإفراد الذي يراد به الجمع كما يقال للقصيدة كلمة فعبر عن وعيد الله تعالى بكلمة وقوله سبحانه قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده الآية توقيف على قصور الأصنام وعجزها وتنبيه على قدرة الله عز و جل وتؤفكون معناه تصرفون وتحرمون وأرض مأفوكة إذا لم يصبها مطر فهي بمعنى الخيبة وقوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق أي يبين طرق الصواب ثم وصف الأصنام بأنها لا تهدى إلا أن تهدى وقوله الا أن يهدي فيه تجوز لأنا نجدها لا تهدى وإن هديت وقال بعضهم هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها وقرأ نافع وأبو عمر يهدي بسكون الهاء وتشديد الدال وقرأ ابن كثير وابن عامر يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ حمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وسكون الهاء ومعنى هذه القراءة أمن لا يهدى أحد إلا أن يهدي ذلك الأحد ووقف القراء فما لكم ثم يبدأ كيف تحكمون وقوله سبحانه وما يتبع أكثرهم إلا ظنا الآية أخبر الله سبحانه عن فساد طريقتهم وضعف نظرهم وأنه ظن ثم بين منزلة الظن من المعارف وبعده عن الحق وقوله سبحانه وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه هذا رد لقول من يقول أن محمدا يفتري القرآن والذي بين يديه التوراة والإنجيل وهم يقطعون أنه لم يطالع تلك الكتب ولا هي في بلده ولا في قومه وتفصيل الكتاب هو تبيينه وقوله أم يقولون افتراه الآية أم هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام في قوله أزيد قام أم عمرو ومذهب سيبوية أنها بمنزلة بل ثم عجزهم سبحانه بقوله قل قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم الآية والتحدي في هذه الآية عند الجمهور وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن إحداهما النظم والرصف والإيجاز والجزالة كل ذلك في التعريف والأخرى المعاني من الغيب لما مضى ولما يستقبل وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده ثم قال ع هذا قول جماعة المتكلمين ثم اختار أن الإعجاز في الآيتين إنما وقع في النظم لا في الإخبار بالغيوب ت والصواب ما تقدم للجمهور وإليه رجع في سورة هود واوجه إعجاز القرآن أكثر من هذا وانظر الشفا وقوله من استطعتم إحالة على شركائهم وقوله سبحانه بل كذبوا بم لم يحيطوا بعلمه الآية المعنى ليس الأمر كما قالوا من أنه مفترى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله أي تفسيره وبيانه ويحتمل أن يريد بما لم يأتهم تأويله أي ما يؤل إليه أمره كما هو في قوله هل ينظرون إلا تأويله وعلى هذا فالآية تتضمن وعيدا والذين من قبلهم من سلف من أمم الأنبياء وقوله سبحانه ومنهم من يؤمن به الآية أي ومن قريش من يؤمن بهذا الرسول ولهذا الكلام معنيان قالت فرقة معناه من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ومنهم من حتم الله عليه أنه لا يؤمن به أبدا وقالت فرقة معناه ومنهم من يؤمن بهذا الرسول إلا أنه يكتم إيمانه حفظا لرياسته أو خوفا من قومه كالفتية الذين قتلوا مع الكفار ببدر قال ع وفائدة الآية على هذا التأويل التفريق لكلمة الكفار وإضعاف نفوسهم وفي قوله وربك أعلم بالمفسدين تهديد ووعيد وقوله سبحانه وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم الآية منابذه ومتاركة قال كثير من المفسرين منهم ابن زيد هذه الآية منسوخة بالقتال وباقي الآية بين وقوله سبحانه ويوم نحشرهم الآية وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعارفهم على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض حيث لا بنفع ذلك وقوله سبحانه قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله إلى آخرها حكم من الله عز و جل على المكذبين بالخسران وفي اللفظ إغلاظ وقيل أن هذا الكلام من كلام المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم ت والأول أبين وقوله وأما نرينك الآية أما شرط وجوابه فإلينا والرؤية في نرينك بصرية ومعنى هذه الآية الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى أي إن أريناك عقوبتهم أو لم نركها فهم عل كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب ثم مع ذلك فالله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم فثم لترتيب الإخبار لا لترتيب القصص في أنفسها وأما هي إن زيدت عليها ما ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت إن وحدها لم يجز ص واعترض بأن مذهب سيبويه جواز دخولها وإن لم تكن ما انتهى وقوله سبحانه ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط قال مجاهد وغيره المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم صير قوم للجنة وقوم للنار فذلك القضاء بينهم بالقسط وقوله سبحانه ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون الآية الضمير في يقولون لكفار قريش وسؤالهم عن الوعد تحرير منهم بزعمهم للحجة أي هذا العذاب الذي توعدنا به حدد لنا وقته لنعلم الصدق في ذلك من الكذب ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول على جهة الرد عليهم قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ولكن لكل أمة أجل انفرد الله بعلم حده ووقه وباقي الآية بين وقوله ماذا يستعجل منه المجرمون أي فما تستعجلون منه وأنتم لا قبل لكم به والضمير في منه يحتمل أن يعود على الله عز و جل يحتمل أن يعود على العذاب وقوله أثم إذا ما وقع ءامنتم به المعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم حينئذ وذلك غير نافعكم بل جوابكم الآن وقد كنتم تستعجلونه مكذبين به ويستنبئونك معناه يستخبرونك وهي على هذا تتعدى إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر الجملة وقيل هي بمعنى يستعملونك فعلى هذا تحتاج إلى ثلاثة مفاعيل ص ورد بأن الاستنباء لا يحفظ تعديه إلى ثلاثة ولا استعلم الذي هو بمعناه انتهى وأحق هو قيل الإشارة إلى الشرع والقرآن وقيل إلى الوعيد وهو أظهر وقوله أي وربي أي بمعنى نعم وهي لفظة تتقدم القسم ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا يجيء تقول أي وربي وأي ربي ومعجزين معناه مفلتين وقوله سبحانه ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة الآية وأسروا لفظة تجيء بمعنى أخفوا وهي حينئذ من السر وتجيء بمعنى أظهروا وهي حينئذ من أسارير الوجه ص قال أبو البقاء وهو مستأنف وهو حكاية ما يكون في الآخرة وقوله تعالى ألا إن لله ما في السموات والأرض الآية ألا استفتاح وتنبيه وباقي الآية بين وقوله سبحانه يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم الآية هذه آية خوطب بها جميع العالم والموعظة القرآن لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق القلوب وبعد ويوعد وهذه صفة الكتاب العزيز وقوله من ربكم يريد لم يختلقها محمد ولا غيره وما في الصدور يريد به الجهل ونحوه وجعله موعظة بحسب الناس أجمع وجعله هدى ورحمة بحسب المؤمنين فقط وهذا تفسير صحيح المعنى إذا تأمل بأن وجهه وقوله سبحانه قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال ابن عباس وغيره الفضل الإسلام والرحمة القرآن وقال أبو سعيد الخدري الفضل القرآن والرحمة أن جعلهم من أهله وقال زيد بن أسلم والضحاك الفضل القرآن والرحمة الإسلام قال ع ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند شيء منه إلى النبي صلى الله عليه و سلم وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه أن الفضل هو هداية الله تعالى إلى دينه والتوفيق إلى اتباع شرعه والرحمة هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على التشرع بالإسلام والإيمان به ومعنى الآية قل يا محمد لجميع الناس بفضل الله ورحمته فليقع الفرح منكم لا بأمور الدنيا وما يجمع من حطامها فإن قيل كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية وقد ورد ذمه في قوله فرح فخور وفي قوله لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين قيل أن الفرح إذا ورد مقيدا في خير فليس بمذموم وكذلك هو في هذه الآية وإذا ورد مقيدا في شر أو مطلقا لحقه ذم إذ ليس من أفعال الآخرة بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على دينه وخوفه لربه وقوله مما يجمعون يريد مال الدنيا وحطامها الفاني المردى في الآخرة وقوله سبحانه قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا الآية قال ص ارأيتم مضمن معنى اخبروني وما موصولة قال ع هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر والسوائب وغير ذلك وقوله أنزل لفظة فيها تجوز وقوله وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة آية وعيد لما تحقق عليهم بتقسيم الآية التي قبلها أنهم مفترون على الله عظم في هذه الآية جرم الافتراء أي ظنهم في غاية الرداءة بحسب سوء أفعالهم ثم ثنى بذكر الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان إذ الإمهال لهم داعية إلى التوبة والإنابة ثم الآية تعم جميع فضل الله سبحانه وجميع تقصير الخلق وقوله سبحانه وما تكون في شأن الآية مقصد هذه الآية وصف إحاطة الله عز و جل بكل شيء لا رب غيره ومعنى اللفظ وما تكون يا محمد والمراد هو وغيره في شأن من جميع الشؤون وما تتلوا منه الضمير عائد على شأن أي فيه وبسببه من قرآن ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن وقال ص ضمير منه عائد على شأن ومن قرآن تفسير للضمير انتهى وهو حسن ثم عم سبحانه بقوله ولا تعملون من عمل وفي قوله سبحانه ألا كنا عليكم شهودا تحذير وتنبيه ت وهذه الآية عظيمة الموقع لأهل المراقبة تثير من قلوبهم أسرارا ويغترفون من بحر فيضها أنوارا وتفيضون معناه تأخذون وتنهضون بجد وما يعزب معناه وما يغيب عن ربك من مثال ذرة والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ ويحتمل ما كتبته الحفظة وقوله سبحانه ألا إن أولياء الله الآية ألا استفتاح وتنبيه وأولياء الله هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة وهذه الآية يعطى ظاهرها أن من آمن واتقى الله فهو داخل في أولياء الله وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سئل من أولياء الله فقال الذين إذا رأيتهم ذكرت الله قال ع وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون وروي عنه صلى الله عليه و سلم أيضا أنه قال أولياء الله قوم تحابوا في الله واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه وروي الدارقطني في سننه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خيار عباد الله الذين إذ ارءوا ذكر الله وشر عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرءاء العيب انتهى من الكوكب الدري وقوله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يعني في الآخرة ويحتمل في الدنيا لا يخافون أحدا من أهل الدنيا ولا من اعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم منها والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا يخافون في الآخرة جملة ولا في الدنيا الخوف الدنياوي وذكر الطبري عن جماع من العلماء مثل ما في الحديث في الأولياء أنهم هم الذين إذا رءاهم أحد ذكر الله وروي فيهم حديث أن أولياء الله هم قوم يتحابون في الله ويجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير وجوههم فهم في عرصات القيامة لا يخافون ولا يحزنون وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله قالوا ومن هم يا رسول الله قال قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال الحديث ثم قرأ ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ت وقد خرج هذا الحديث أبو داود والنسائي قال أبو داود في هذا الحديث فوالله أن وجوههم لنور وأنهم لعلى نور ذكره بإسناد آخر انتهى ورواه أيضا ابن المبارك في رقائقه بسنده عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه و سلم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيئون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله عز و جل فقال أعرابي أنعتهم لنا يا بني الله فقال هم ناس من أبناء الناس لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا فيه يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا يفزع الناس يوم القيامة وهم لا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون انتهى وقوله تعالى لهم البشرى الآية أما بشرى الآخرة فهي بالجنة بلا خلاف قولا واحدا وذلك هو الفضل الكبير وأما بشرى الدنيا فتظاهرت الأحاديث من طرق عن النبي صلى الله عليه و سلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وقال قتادة والضحاك البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة ويصح أن تكون بشرى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشرات ويقوي ذلك بقوله لا تبديل لكلمات الله ويؤول قوله صلى الله عليه و سلم هي الرؤيا أنه أعطى مثالا يعم جميع الناس وقوله سبحانه لا تبديل لكلمات الله يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره وقد أخذ ذلك ابن عمر على نحو غير هذا وجعل التبديل المنفي في الألفاظ وذلك انه روي أن الحجاج خطب فقال ألا أن عبد الله بن الزبير قد بدل كتاب الله فقال له عبد الله بن عمر إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير لا تبديل لكلمات الله وقد روي هذا النظر عن ابن عباس في غير مقاولة الحجاج ذكره البخاري وقوله تعالى ولا يحزنك قولهم أي قول قريش فهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم ولفظه القول تعم جحودهم واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك ثم ابتدأ تعالى فقال إن العزة لله جميعا أي لا يقدرون لك على شيء ولا يؤذونك إلا بما شاء الله ففي الآية وعيد لهم ثم استفتح بقوله ألا أن لله من في السموات ومن في الأرض أي بالملك والإحاطة وقوله تعالى وما يتبع يصح أن تكون ما استفهاما ويصح أن تكون نافية ورجح هذا الثاني وقوله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن نافية ويخرصون معناه يحرصون ويخمنون وقوله عز و جل هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه الآية في هذه الألفاظ إيجاز وإحالة على ذهن السامع لأن العبرة في أن الليل مظلم يسكن فيه والنهار مبصر يتصرف فيه فذكر طرفا من هذا وطرفا من الجهة الثانية ودل المذكوران على المتروكين وقوله يسمعون يريد يوعون والضمير في قالوا لكفار العرب ثم الآية بعد تعم كل من قال نحو هذا القول كالنصارى وسبحانه معناه تنزيها له وبراءة من ذلك فسره بهذا النبي صلى الله عليه و سلم وقوله إن عندكم من سلطان بهذا إن نافية والسلطان الحجة وكذلك معناه حيث تكرر في القرآن ثم وبخهم تعالى بقوله أتقولون على الله ما لا تعلمون وقوله سبحانه إن الذين يفترون الآية توعد لهم بأنهم لا يظفرون ببغية ولا يبقون في نعمة إذ هذه حال من يصير إلى العذاب وأن نعم في دنياه يسيرا وقوله تعالى متاع مرفوع على خبر ابتداء أي ذلك متاع قال ص متاع جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف لا يفلحون وهم في الدنيا مفلحون بأنواع التلذذات فقيل ذلك متاع فهو خبر مبتدأ محذوف انتهى وهذا الذي قدره ص يفهم من كلام ع وقول نوح عليه السلام يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي الآية المقام وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو نحوه والمقام بضم الميم إقامته ساكنا في موضع أو بلد ولم يقرأ هنا بضم الميم فيما علمت وتذكيره وعظه وزجره وقوله فأجمعوا من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه الحديث ما لم يجمع مكثا وأمركم يريد به قدرتكم وحيالكم ونصب الشركاء بفعل مضمر كأنه قال وادعوا شركاءكم فهو من باب ... علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همالة عيناها ... وفي مصحف أبي فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم قال الفارسي وقد ينتصب الشركاء بواو مع كما قالوا جاء البرد والطيالسة وقوله ثم لا يكن أمركم عليكم غمة أي ملتبسا مشكلا ومنه قوله عليه السلام في الهلال فإن غم عليكم وقوله ثم اقضوا إلى ولا تنظرون أي أنفذوا قضاءكم نحوي ولا تؤخروني والنظرة التأخير وقوله سبحانه فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف مضى شرح هذه المعاني وقوله سبحانه فأنظر كيف كان عاقبة المنذرين مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم يشاركه في معناها جميع الخلق وقوله سبحانه ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم الضمير في من بعده عائد على نوح عليه السلام وقوله تعالى فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه باياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين معنى هذه الآية ضرب المثل لحاضري نبينا محمد عليه السلام ليعتبروا بمن سلف والبينات المعجزات والضمائر في ما كانوا ليؤمنوا وفي كذبوا تعود الثلاثة على قوم الرسل وقيل الضمير في كذبوا يعود على قوم نوح وقد تقدم تفسير نظيرها في الأعراف وقوله سبحانه فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين الآية يريد بالحق آيتي العصا واليد وقوله أسحر هذا قالت فرقة هو حكاية عن موسى عنهم ثم أخبرهم موسى عن الله أن الساحرين لا يفلحون ثم اختلفوا في معنى قول قوم فرعون فقال بعضهم قالها منهم كل مستفهم جاهل بالأمر فهو يسأل عنه وهذا ضعيف وقال بعضهم بل قالوا ذلك على معنى التعظيم للسحر الذي رأوه وقالت فرقة ليس ذلك حكاية عن موسى عنهم وإنما هو من كلام موسى وتقدير الكلام أتقولون للحق لما جآكم سحر ثم ابتدأ يوقفهم بقوله أسحر هذا على جهة التوبيخ وقوله لتلفتنا أي لتصرفنا وتلوينا وتردنا عن دين آبائنا يقال لفت الرجل عنق الآخر إذا ألواه ومنه قولهم التفت فإنه افتعل من لفت عنقه إذا ألواه والكبرياء مصدر من الكبر والمراد به في هذا الموضع الملك قاله أكثر المتأولين لأنه أعظم تكبر الدنيا وقرأ أبو عمر وحده به السحر بهمزة استفهام ممدودة وفي قراءة أبي ما أتيتم به سحر والتعريف هنا في السحر ارتب لأنه تقدم منكرا في قولهم إن هذا لسحر فجاء هنا بلام العهد قال ص قال الفراء إنما قال السحر بال لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بأل وتبعه ابن عطية ورد بأن شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرة المعادة كقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول وهنا السحر المنكر هو ما أتى به موسى والمعروف ما أتوا به هم فاختلف مدلولهما والاستفهام هنا على سبيل التحقير انتهى وهو حسن وقوله إن الله سيبطله إيجاب عن عدة من الله تعالى وقوله إن الله لا يصلح عمل المفسدين يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله عز و جل ويحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام وكذلك قوله ويحق الله الحق الآية محتمل للوجهين وكون ذلك كله من كلام موسى أقرب وهو الذي ذكر الطبري وأما قوله بكلماته فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد بذلك وقوله عز و جل فما ءامن لموسى الاذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم اختلف المتأولون في عود الضمير الذي في قومه فقالت فرقة هو عائد على موسى وذلك في أول مبعثه وملا الذرية هم أشراف بني إسرائيل قال ص وهذا هو الظاهر وقالت فرقة الضمير في قومه عائد على فرعون وضمير ملائهم عائد على الذرية قال ع ومما يضعف عود الضمير على موسى أن المعروف من أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوما تقدمت فيهم النبوات ولم يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به فدل على أن الذرية من قوم فرعون وقوله سبحانه وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا الآية هذا ابتداء حكاية قول موسى لجماعة بني إسرائيل مونسا لهم ونادبا إلى التوكل على الله عز و جل الذي بيده النصر قال المحاسبي قلت لأبي جعفر محمد بن موسى أن الله عز و جل يقول وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين فما السبيل إلى هذا التوكل الذي ندب الله إليه وكيف دخول الناس فيه قال إن الناس متفاوتون في التوكل وتوكلهم على قدر إيمانهم وقوة علومهم قلت فما معنى إيمانهم قال تصديقهم بمواعيد الله عز و جل وثقتهم بضمان الله تبارك وتعالى قلت من أين فضلت الخاصة منهم على العامة والتوكل في عقد الإيمان مع كل من آمن بالله عز و جل قال إن الذي فضلت به الخاصة على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب والهدو عن الحركة فعندها يا فتى استراحوا من عذاب الحرص وفكوا من أسر الطمع واعتقوا من عبودية الدنيا وأبنائها وحظوا بالروح في الدارين جميعا فطوبى لهم وحسن مآب قلت فما الذي يولد هذا قال حالتان دوام لزوم المعرفة والاعتماد على الله عز و جل وترك الحيل والثانية الممارسة حتى يألفها ألفا ويختارها اختيارا قيصير التوكل والهدو والسكون والرضى والصبر له شعارا ودثارا انتهى من كتاب القصد إلى الله سبحانه وقولهم ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين المعنى لا تنزل بنا بلاء بأيديهم أو بغير ذلك مدة محارتنا لهم فيفتنون لذلك ويعتقدون صلاح دينهم وفساد ديننا قاله مجاهد وغيره فهذا الدعاء على هذا التأويل يتضمن دفع فصلين أحدهما القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون والآخر ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق ونحو هذا قوله صلى الله عليه و سلم بيس الميت أبو إمامه ليهود والمشركين يقولون لو كان نبيا لم يمت صاحبه ورجح ع في سورة الممتحنة قول ابن عباس أن معنى لا تجعلنا فتنة للذين كفروا لا تسلطهم علينا فيفتنونا أنظره هناك وقوله سبحانه وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا روي أن فرعون أخاف بني إسرائيل وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ونحو هذا فأوحى الله إلى موسى وهارون أن تبوءا أي اتخذا وتخيرا لنبي إسرائيل بمصر بيوتا قال مجاهد مصر في هذه الآية الإسكندرية ومصر ما بين أسوان والإسكندرية وقوله سبحانه واجعلوا بيوتكم قبلة قيل معناه مساجد قاله ابن عباس وجماعة قالوا خافوا فأمروا بالصلاة في بيوتهم وقيل معناه موجهة إلى القبلة قاله ابن عباس ومن هذا حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خير بيوتكم ما استقبل به القبلة وقوله وأقيموا الصلوة خطاب لنبي إسرائيل وهذا قبل نزول التوراة لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر وقوله وبشر المؤمنين أمر لموسى عليه السلام وقال الطبري ومكي هو أمر لنبينا محمد عليه السلام وهذا غير متمكن وقوله سبحانه وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة الآية هذا غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم لما عتوا وعاندوا وقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها وآتيت معناه أعطيت واللام في ليضلوا لام كي ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة المعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا وقرأ حمزة وغيره ليضلوا بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم وقوله ربنا أطمس على أموالهم هو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه منه وتكرير قوله ربنا استغاثة كما يقول الداعي يا الله يا الله روي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة ودراهمهم ودنانيرهم وحبوب اطعمتهم رجعت حجارة قاله قتادة وغيره وقال مجاهد وغيره معناه أهلكها ودمرها وقوله وأشدد على قلوبهم بمعنى أطبع وأختم عليهم بالكفر قاله مجاهد والضحاك وقوله فلا يؤمنوا مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفا على قوله ليضلوا وقيل منصوب في جواب الأمر وقال الفراء والكسائي هو مجزوم على الدعاء وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية وذلك لعلمه من الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره ثم أجاب الله دعوتهما قال ابن عباس العذاب هنا الغرق وروي أن هارون كان يؤمن على دعاء موسى فلذلك نسب الدعوة إليهما قاله محمد ابن كعب القرظي قال البخاري وعدوا من العدوان انتهى وقول فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل الآية روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن جبريل عليه السلام قال ما أبغضت أحد قط بغضي لفرعون ولقد سمعته يقول آمنت الآية فأخذت من حال البحر فملأت فمه مخافة أن تلحقه رحمة الله وفي بعض الطرق مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتلحقه الرحمة قال ع فأنظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم ولا عذر لأحد في جهل هذا وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه كقول علي رضي الله عنه أهللت باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه و سلم والحال الطين والآثار بهذا كثيرة مختلفة الألفاظ والمعنى واحد وقوله سبحانه ءالآن وقد عصيت قبل وهذا على جهة التوبيخ له والإعلان بالنقمة منه وهذا الكلام يحتمل أن يكون من ملك موصل عن الله أو كيف شاء الله ويحتمل أن يكون هذا الكلام معنى حاله وصورة خزيه وهذه الآية نص في رد توبة المعاين وقوله سبحانه فاليوم ننجيك ببدنك الآية يقوي أنه صورة حالة لان هذه الألفاظ إنما يظهر أنها قيلت بعد غرقه وسبب هذه المقالة على ما روي أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق فرعون وهلاكه لعظمه في نفوسهم وكذب بعضهم أن يكون فرعون يموت فنجي على نجوة من الأرض حتى رآه جميعهم ميتا كأنه ثور أحمر وتحققوا فرقه والجمهور على تشديد ننجيك فقالت فرقة معناه من النجاة أي من غمرات البحر والماء وقال جماعة معناه نلقيك على نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها وقرأ يعقوب بسكون النون وتخفيف الجيم وقوله ببدنك قالت فرقة معناه بشخصك وقالت فرقة معناه بدرعك وقرأ الجمهور خلفك أي من أتى بعدك وقرىء شاذا لمن خلفك بفتح اللام المعنى ليجعلك الله آية له في عباده وباقي الآية بين وقوله سبحانه ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم المعنى ولقد اخترنا لبني إسرائيل أحسن اختيار وأحللناهم من الأماكن أحسن محل ومبوأ صدق أي يصدق فيه ظن قاصده وساكنه ويعني بهذه الآية احلالهم بلاد الشام وبيت المقدس قاله قتادة وابن زيد وقيل بلاد الشام ومصر والأول أصح وقوله سبحانه فما اختلفوا أي في نبوءة نبينا محمد عليه السلام وهذا التخصيص هو الذي وقع في كتب المتأولين كلهم وهو تأويل يحتاج إلى سند والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظ أن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرق فرعون اختلفوا فالآية ذامة لهم ت فر رحمه الله من التخصيص فوقع فيه فلو عمم اختلافهم على أنبيائهم موسى وغيره وعلى نبينا لكان أحسن وما ذهب إليه المتأولون من التخصيص أحسن لقرينة قوله فإن كنت في شك فالربط بين الآيتين واضح والله أعلم وقوله عز و جل فإن كنت في شك الآية الصواب في معنى الآية أنه مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك أو يعارض ت وروينا عن أبي داود سليمان بن الأشعث قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال المراء في القرآن كفر قال عياض في الشفا تأول بمعنى الشك وبمعنى الجدال انتهى والذين يقرءون الكتاب من قبلك من اسلم من أهل الكتاب كابن سلام وغيره وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لما نزلت هذه الآية أنا لا أشك ولا اسأل ثم جزم سبحانه الخبر بقوله لقد جاءك الحق من ربك واللام في لقد لام قسم وقوله مما أنزلنا إليك يريد به من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في أمره إلا من بعد مجيئه عليه السلام هذا قول أهل التأويل قاطبة قال ع وهذا هو الذي يشبه أن ترجى إزالة الشك فيه من قبل أهل الكتاب ويحتمل اللفظ أن يريد بما أنزلنا جميع الشرع ت وهذا التأويل عندي أبين إذا لخص وإن كان قد استبعده ع ويكون المراد بما أنزلنا ما ذكره سبحانه من قصصهم وذكر صفته عليه السلام وذكر أنبيائهم وصفتهم وسيرهم وسائر أخبارهم الموافقة لما في كتبهم المنزلة على أنبيائهم كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف وتكون هذه الآية تنظر إلى قوله سبحانه ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه فتأمله والله أعلم وأما قوله هذا قول أهل التأويل قاطبة فليس كذلك وقد تكلم صاحب الشفا على الآية فأحسن ولفظه واختلف في معنى الآية فقيل المراد قل يا محمد للشاك إن كنت في شك الآية قالوا وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل وهو قوله تعالى قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني الآية ثم قال عياض وقيل أن هذا الشك الذي أمر غير النبي صلى الله عليه و سلم بسؤال الذين يقرءون الكتاب عنه إنما هو في ما قصه الله تعالى من أخبار الأمم لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة انتهى وقوله سبحانه فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بايات الله الآية مما خوطب به النبي صلى الله عليه و سلم والمراد سواه قال ع ولهذا فائدة ليست في مخاطبة الناس به وذلك شدة التخويف لأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحذر من مثل هذا فغيره من الناس أولى أن يحذر ويتقي على نفسه وقوله سبحانه إن الذين حقت عليهم كلمات ربك أي حق عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه لا يومنون ولو جاءتهم كل آية إلا في الوقت الذي لا ينفعهم فيه الإيمان كما صنع فرعون وأشباهه وذلك وقت المعاينة وقوله سبحانه فلولا كانت قرية ءامت الآية وفي مصحف أبي وابن مسعود فهلا والمعنى فيهما واحد وأصل لولا التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره ومعنى الآية فهلا آمن أهل القرية وهم على مهل لم يتلبس العذاب بهم فيكون الإيمان نافعا لهم في هذا الحال ثم استثنى قوم يونس فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع وهو بحسب اللفظ استثناء منقطع وهو بحسب المعنى متصل لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس وروي في قصة قوم يونس أن القوم لما كفروا أي تمادوا على كفرهم أوحى الله تعالى إليه أن أنذرهم بالعذاب لثالثة ففعل فقالوا هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام بين أظهركم فلا عليكم وإن أرتحل عنكم فهو نول العذاب لا شك فيه فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله وآمنوا ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم وكان العذاب فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل منهم وروي على ميل وقال ابن جبير غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر فرفع الله عنهم العذاب فلما مضت الثالثة وعلم يونس أن العذاب لم ينزل بهم قال كيف أنصرف وقد وجدوني في كذب فذهب مغاضبا كما ذكر الله سبحانه في غير هذه الآية وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خصوا من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي تلبس العذاب أو الموت بشخص الإنسان كقصة فرعون وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد ت وما قاله الطبري عندي أبين ومتعناهم إلى حين يريد إلى آجالهم المقدرة في الأزل وروي أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وقوله سبحانه أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين المعنى أفأنت تكره الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم والله عز و جل قد شاء غير ذلك والرجس هنا بمعنى العذاب وقوله سبحانه قل انظروا ماذا في السموات والأرض الآية هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع من آيات السموات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك المعنى انظروا في ذلك بالواجب فهو ينهيكم إلى المعرفة بالله وبوحدانيته ثم أخبر سبحانه أن الآيات والنذر وهم الأنبياء لا تغنى إلا بمشيئته فما على هذا نافية ويجوز أن تكون استفهاما في ضمنه نفي وقوع الغنى وفي الآية على هذا توبيخ لحاضري النبي صلى الله عليه و سلم قال ص والنذر جمع نذير أما مصدر بمعنى الإنذارات وإما بمعنى منذر انتهى وقوله سبحانه فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم الآية وعيد إذا لجوا في الكفر حل بهم العذاب وقوله سبحانه ثم ننجي رسلنا والذين ءامنوا أي عادة الله سلفت بانجاء رسله ومتبعيهم عند نزول العذاب بالكفرة كذلك حقا علينا ننج المؤمنين قال ص أي مثل ذلك الانجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي من آمن بك انتهى وخط المصحف في هذه اللفظة ننج بجيم مطلقة دون ياء وكلهم قرأ ننجي مشددة الجيم إلا الكسائي وحفصا عن عاصم فإنهما قرءا بسكون النون وتخفيف الجيم وقوله سبحانه قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني الآية مخاطبة عامة للناس أجمعين إلى يوم القيامة وقوله وإن أقم وجهك للدين الآية الوجه في هذه الآية بمعنى المنحي والمقصد أي أجعل طريقك واعتمالك للدين والشرع وقوله تعالى ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك الآية قد تقدم أن ما كان من هذا النوع فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد غيره وقوله سبحانه وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو الآية مقصود هذه الآية أن الحول والقوة لله والضر لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان وقوله وإن يردك بخير لفظ تام العموم وقوله سبحانه قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه هذه مخاطبة لجميع الكفار ومستمرة مدى الدهر والحق هو القرآن والشرع الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وما أنا عليكم بوكل منسوخة بالقتال وقوله سبحانه واتبع ما يوحى إليك وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين قوله حتى يحكم الله وعد للنبي صلى الله عليه و سلم بأن يغلبهم كما وقع وهذا الصبر منسوخ أيضا بالقتال وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة هود عليه السلام مكية إلا نحو ثلاث آيات قال الداودي وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قلت يا رسول الله لقد أسرع إليك الشيب قال شيبتي هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وفي رواية عن ابن عباس هود وأخواتها انتهى قوله عز و جل الم كتاب أحكم آياته أي أتقنت وأجيدت وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل ثم فصل بتقطيعه وتبيين أحكامه وأوامره على محمد نبيه عليه السلام في أزمنة مختلفة فثم على بابها فالأحكام صفة ذاتية والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له والكتاب بأجمعه محكم ومفصل والأحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك قال ص ثم فصلت ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان ولدن بمعنى عند انتهى قال الداودي وعن الحسن أحكمت آياته قال أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد وعنه فصلت بالثواب والعقاب انتهى وقدم النذير لأن التحذير من النار هو الأهم وإن استغفروا ربكم أي اطلبوا مغفرته وذلك بطلب دخولكم في الإسلام ثم توبوا من الكفر يمتعكم متاعا حسنا ووصف المتاع بالحسن لطيب عيش المؤمن برجائه في ثواب ربه وفرحه بالتقرب إليه بأداء مفترضاته والسرور بمواعيده سبحانه والكافر ليس في شيء من هذا ويؤت كل ذي فضل أي كل ذي إحسان فضله فيحتمل أن يعود الضمير من فضله على ذي فضل أي ثواب فضله ويحتمل أن يعود على الله عز و جل أي يؤتي الله فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين ونحو هذا المعنى ما وعد به سبحانه من تضعيف الحسنات وإن تولوا فإني أخاف عليكم أي فقل إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير وهو القيامة وقوله سبحانه الا أنهم يثنون صدورهم الآية قيل إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبي صلى الله عليه و سلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمتستر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدا منهم وكراهية للقائه وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه أو عن الله عز و جل وقيل هي استعارة للغل والحقد الذي كانوا ينطوون عليه فمعنى الآية ألا انهم يسرون العداوة ويتكتمون بها لتخفى في ظنهم عن الله وهو سبحانه حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون ويستغشون معناه يجعلونها أغشية وأغطية قال ص قرأ الجمهور يثنون بفتح الياء مضارع ثنى الشيء ثنيا طواه انتهى وقرأ ابن عباس وجماعة تثنونى صدورهم بالرفع على وزن تفعوعل وهي تحتمل المعنيين المتقدمين وحكى الطبري عن ابن عباس على هذه القراءة أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لا يأتون النساء والحدث ألا ويستغشون ثيابهم كراهية أن يفضوا بفروجهم إلى السماء وقوله عز و جل وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها الآية المراد جميع الحيوان المحتاج إلى رزق والمستقر صلب الأب والمستودع بطن الأم وقيل غير هذا وقد تقدم وقوله في كتاب إشارة إلى اللوح المحفوظ قال ص ليبلوكم اللام متعلقة بخلق وقيل بفعل محذوف أي أعلم بذلك ليبلوكم انتهى ولئن قلت اللام في لئن مؤذنة بأن اللام في ليقولن لام قسم لا جواب شرط وقولهم إن هذا إلا سحر مبين تناقض منهم لأنهم مقرون بأن الله خلق السماوات والأرض وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيسر من ذلك وهو البعث من القبور وإذ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولئن أخرنا عنهم العذاب أي المتوعد به إلى أمة معدودة أي مدة معدودة ليقولن ما يحبسه أي ما هذا الحابس لهذا العذاب على جهة التكذيب وحاق معناه حل وأحاط البخاري حاق نزل ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة الآية الرحمة هنا تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك والإنسان هنا اسم جنس والمعنى أن هذا الخلق في سجية الإنسان ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح وكفور هنا من كفر النعمة والنعماء تشمل الصحة والمال والضراء من الضر وهو أيضا شامل ولفظة ذهاب السيئات عني يقتضي بطرا وجهلا إن ذلك بأنعام من الله تعالى والسيئات هنا كل ما يسوء في الدنيا والفرح هنا مطلق فلذلك ذم إذ الفرح انهمال النفس ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحا إلا إذا قيد بأنه في خير وقوله إلا الذين صبروا استثناء متصل على ما قدمنا من أن الإنسان عام يراد به الجنس وهو الصواب ومن قال أنه مخصوص بالكافر قال هاهنا الاستثناء منقطع وهو قول ضعيف من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما تقتضي لفظة الإنسان واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره والمثابرة على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره والمثابرة على عبادة الله وليس شيء من ذلك في سجية البشر وإنما حمل على ذلك خوف الله وحب الدار الآخرة والصبر على العمل الصالح لا ينفع إلا مع هداية وإيمان ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم وقوله سبحانه فلعللك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك إن يقولوا لولا أنزل عليه كنز سبب هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك وقالوا له ايت بقرآن غير هذا أو بدله ونحو هذا من الأقوال فخاطب الله تعالى نبيه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطبة ووقفه بها توقيفا رادا على أقوالهم ومبطلا لها وليس المعنى أنه عليه السلام هم بشيء من ذلك فزجر عنه فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه ولا ضاق صدره به وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان قال ص وع وعبر بضائق وإن كان أقل استعمالا من ضيق لمناسبة تارك ولأن ضائق وصف عارض بخلاف ضيق فإنه يدل على الثبوت والصالح هنا الأول بالنسبة إليه صلى الله عليه و سلم والضمير في به عائد على البعض ويحتمل أن يعود عل ما وإن يقولوا أي كراهة أن يقولوا أو ليلا يقولوا ثم آنسه تعالى بقوله إنما أنت نذير أي هذا القدر هو الذي فوض إليك والله تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء أم يقولون افتراه أم بمعنى بل والافتراء أخص من الكذب ولا يستعمل إلا فيما بهت به المرء وكابر وقوله سبحانه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين تقدم تفسير نظيرها وقال بعض الناس هذه الآية متقدمة على التي في يونس إذ لا يصح أن يعجزوا في واحدة ثم يكلفوا عشرا قال ع وقائل هذا القول لم يلحظ ما ذكرناه من الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة كما هو في سورة يونس ووقوفها على النظم مرة كما هو هنا وقوله إن كنتم صادقين يريد في أن القرآن مفترى وقوله سبحانه فالم يستجيبوا لكم لهذه الآية تأويلان أحدهما أن تكون المخاطبة من النبي صلى الله عليه و سلم للكفار أي ويكون ضمير يستجيبوا على هذا التأويل عائدا على معبوداتهم والثاني أن تكون المخاطبة من الله تعالى للمؤمنين ويكون قوله على هذا فأعلموا بمعنى دوموا على علمكم قال مجاهد قوله تعالى فعل أنتم مسلمون هو لأصحاب محمد عليه السلام وقوله سبحانه من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها الآية قال قتادة وغيره هي في الكفرة وقال مجاهد هي في الكفرة وأهل الرياء من المؤمنين وإليه ذهب معاوية والتأويل الأول أرجح بحسب تقدم ذكر الكفار وقال ابن العربي في أحكامه بل الآية عامة في كل من ينوي غير الله بعمله كان معه إيمان أو لم يكن وفي هذه الآية بيان لقوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئى ما نوى وذلك أن العبد لا يعطى إلا على وجه قصده وبحكم ما ينعقد في ضميره وهذا أمر متفق عليه وقوله نوف إليهم أعمالهم فيها قيل ذلك في صحة أبدانهم وإدرار أرزاقهم وقيل إن هذه الآية مطلقة وكذلك التي في حم عسق من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه الآية إلى آخرها قيدتهما وفسرتهما الآية التي في سورة سبحانه وهي قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الآية فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله يحكم ما يريد ثم ذكر ابن العربي الحديث الصحيح في النفر الثلاثة الذين كانت أعمالهم رياء وهم رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال وقول الله لكل واحد منهم ماذا عملت ثم قال في آخر الحديث ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار ثم قرأ قوله تعالى اولائك الذين ليس لهم في الآخرة إلى النار وحبط ما صنعوا فيها أي في الدنيا وهذا نص في مراد الآية والله أعلم انتهى وحبط معناه بطل وسقط وهي مستعملة في فساد الأعمال قال ص قوله ما صنعوا ما بمعنى الذي أو مصدرية وفيها منغلق بحبط والضمير في فيها عائد على الآخرة أي ظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة أو متعلق بصنعوا فيكون عائدا على الدنيا انتهى والباطل كل ما تقتضي ذاته أن لا تنال به غاية في ثواب ونحوه وقوله سبحانه افمن كان على بينة من ربه في الآية تأويلات قال ع والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية أن يكون آفمن للمؤمنين أو لهم وللنبي صلى الله عليه و سلم معهم والبينة القرآن وما تضمن والشاهد الإنجيل يريد أو أعجاز القرآن في قول والضمير في يتلوه للبينة وفي منه للرب والضمير في قبله للبينة أيضا وغير هذا مما ذكر محتمل فإن قيل إذا كان الضمير في قبله عائدا على القرآن فلم لم يذكر الإنجيل وهو قبله وبينة وبين كتاب موسى فالجواب أنه خص التوراة بالذكر لأنه مجمع عليه والإنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالف فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الجميع أولى وهذا يجري مع قول الجن انا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى والأحزاب هاهنا يراد بهم جميع الأمم وروى سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم أن قال ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا من اليهود والنصارى ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار قال سعيد فقلت أين مصداق هذا في كتاب الله حتى وجدته في هذه الآية وكنت إذا سمعت حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم طلبت مصداقه في كتاب الله عز و جل وقرأ الجمهور في مرية بكسر الميم وهو الشك والضمير في منه عائد على كون الكفرة موعدهم النار وسائر الآية بين وقوله تعالى ويقول الأشهاد قالت فرقة يريد الشهداء من الأنبياء والملائكة وقالت فرقة الأشهاد بمعنى المشاهدين ويريد جميع الخلائق وفي ذلك إشادة بهم وتشهير لخزيهم وروى في نحو هذا حديث أنه لا يخزي أحد يوم القيامة إلا ويعلم ذلك جميع من شهد المحشر وباقي الآية بين مما تقدم في غيرها قال ص وقوله ألا لعنة الله على الظالمين يحتمل أن يكون داخلا في مفعول القول وإليه نحا بعضهم انتهى وقوله سبحانه ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون يحتمل وجوها أحدها أنه وصف سبحانه هؤلاء الكفار بهذه الصفة في الدنيا على معنى أنهم لا يسمعون سماعا ينتفعون به ولا يبصرون كذلك والثاني أن يكون وصفهم بذلك من أجل بغضتهم في النبي صلى الله عليه و سلم فهم لا يستطيعون أن يحملوا نفوسهم على السمع منه والنظر إليه وما في هذين الوجهين نافية الثالث أن يكون التقدير يضاعف لهم العذاب بما كانوا أي بسبب ما كانوا فما مصدرية وباقي الآية بين وقوله سبحانه لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ان الذين ءامنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربهم الآية لا جرم تقدم بيانها واخبتوا قال قتادة معناه خشعوا وقيل معناه أنابوا قاله ابن عباس وقيل اطمأنوا اله مجاهد وقيل خافوا قاله أبن عباس أيضا وهذه أقوال بعضها قريب من بعض وقوله سبحانه مثل الفريقين الآية الفريقان الكافرون والمؤمنون شبه الكافر بالأعمى والأصم وشبه المؤمن بالبصير والسميع فهو تمثيل بمثالين وقوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا الآية فيها تمثيل لقريش وكفار العرب وإعلام بأن محمدا عليه السلام ليس ببدع من الرسل والأراذل جمع الجمع فقيل جمع أرذل وقيل جمع أرذال وهم سفلة الناس ومن لا خلاق له ولا يبالي ما يقول ولا ما يقال له وقرأ الجمهور بادي الرأي بياء دون همز من بدا يبدو فيحتمل أن يتعلق بادي الرأي بنراك أي وما نراك بأول نظر وأقل فكرة وذلك هو بادي الرأي إلا ومتبعوك أراذلنا ويحتمل أن يتعلق بقوله اتبعك أي وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا الأراذل ثم يحتمل على هذا قوله بادي الرأي معنيين أحدهما أن يريدوا أتبعك في ظاهر أمرهم وعيسى أن بواطنهم ليست معك والثاني أن يريدوا اتبعوك بأول نظر وبالرأي وصفا منهم لنوح أي تدعي عظيما وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك ونصبه على الحال أو على الصفة لبشر وقوله سبحانه قال يا قوم ارأيتم أن كنت على بينة من ربي وءاتاني رحمة من عنده الآية كأنه قال ارأيتم إن هداني الله وأضلكم ااجبركم على الهدى وأنتم له كارهون وعبارة نوح عليه السلام كانت بلغته دالة على المعنى القائم بنفسه وهو هذا المفهوم من هذه العبارة العربية فبهذا استقام أن يقال كذا وكذا إذ القول ما أفاد المعنى القائم في النفس وقوله على بينة أي على أمر بين جلي وقرأ الجمهور فعميت ولذلك وجهان من المعنى أحدهما خفيت والثاني أن يكون المعنى فعميتم أنتم عنها وقوله انلزمكموها يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل وقوله وما أنا بطارد الذين ءامنوا يقتضي أن قومه طلبوا طرد الضعفاء الذين بادروا إلى الإيمان به نظير ما اقترحت قريش وتزدرى أصله تزترى تفتعل من زرى يزري ومعنى تزدري تحتقر والخير هنا يظهر فيه أنه خير الآخرة اللهم إلا أن يكون أزدراؤهم من جهة الفقر فيكون الخير المال وقد قال بعض المفسرين حيث ما ذكر الله الخير في القرآن فهو المال قال ع وفي هذا الكلام تحامل والذي يشبه أن يقال أنه حيث ما ذكر الخير فإن المال يدخل فيه ت وهذا أيضا غير ملخص والصواب أن الخير أعم من ذلك كله وأنظر قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فإنه يشمل المال وغيره ونحوه وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وانظر قوله عليه السلام اللهم لا خير إلا خير الآخرة وقوله تعالى إن علمتم فيهم خيرا فهاهنا لا مدخل للمال إلا على تجوز وقد يكون الخير المراد به المال فقط وذلك بحسب القرائن كقوله تعالى إن ترك خيرا الآية وقوله الله أعلم بما في أنفسكم تسليم لله تعالى وقال بعض المتأولين هي رد على قولهم أتبعك أراذلنا في ظاهر أمرهم حسب ما تقدم في بعض التأويلات ثم قال إني إذا لو فعلت ذلك لمن الظالمين وقولهم قد جادلتنا معناه قد طال منك هذا الجدال والمراد بقولهم بما تعدنا العذاب والهلاك وما أنتم بمعجزين أي بمفلتين وقوله سبحانه أم يقولون افتراه الآية قال الطبري وغيره هذه الآية اعترضت في قصة نوح وهي في شأن النبي صلى الله عليه و سلم مع قريش قال ع ولو صح هذا بسند لوجب الوقوف عنده وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن نوح عليه السلام وتتسق الآية ويكون الضمير في افتراه عائد على ما توعدهم به أو على جميع ما أخبرهم به وأم بمعنى بل وقوله سبحانه وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن الآية قيل لنوح هذا بعد أن طال عليه كفر القرن بعد القرن به وكان يأتيه الرجل بابنه فيقول يا بني لا تصدق هذا الشيخ فهكذا عهده أبي وجدي كذابا مجنونا رواه عبيد بن عمير وغيره فروي أنه لما أوحي إليه ذلك دعا فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وتبتئس من البؤس ومعناه لا تحزن وقوله بأعيننا يمكن أن يريد بمرأى منا فيكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال عز من قائل فنعم القادرون والعقيدة أنه تعالى منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره ويحتمل قوله بأعيننا أي بملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على مواضع حفظك ومعونتك فيكون الجمع على هذا التأويل للتكثير وقوله ووحينا معناه وتعليمنا له صورة العمل بالوحي وروي في ذلك أن نوحا عليه السلام لما جهل كيفية صنع السفينة أوحى الله إليه أن أصنعها على مثال جوجو الطائر إلى غير ذلك مما علمه نوح من عملها وقوله ولا تخاطبني في الذين ظلموا الآية قال ابن جريج في هذه الآية تقدم الله إلى نوح أن لا يشفع فيهم وقوله ويصنع الفلك التقدير فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال والملأ هنا الجماعة وقوله سخروا منه الآية السخر الاستجهال مع استهزاء وإنما سخروا منه في أن صنعها في برية وقوله فانا نسخر منكم قال الطبري يريد في الآخرة قال ع ويحتمل الكلام وهو الأرجح أن يريد إنانسخر منكم الآن والعذاب المخزي هو الغرق والمقيم هو عذاب الآخرة والأمر واحد الأمور ويحتمل أن يكون مصدر أمر فمعناه أمرنا للماء بالفوران وفار معناه انبعث بقوة واختلف الناس في التنور والذي عليه الأكثر منهم ابن عباس وغيره أنه هو تنور الخبز الذي يوقد فيه وقالوا كانت هذه إمارة جعلها الله لنوح أي إذا فار التنور فأركب في السفينة وقوله سبحانه قلنا أحمل فيه من كل زوجين أثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن الآية الزوج يقال في مشهور كلام العرب للواحد مما له أزدواج فيقال هذا زوج هذا وهما زوجان والزوج أيضا كلام في العرب النوع وقوله وأهلك عطف على ما عمل فيه أحمل والأهل هنا القرابة وبشرط من آمن منهم خصصوا تشريفا ثم ذكر من آمن وليس من الأهل واختلف في الذي سبق عليه القول بالعذاب فقيل ابنه يام أو كنعان وقيل امرأته والعة بالعين المهملة وقيل هو عموم فيمن لم يؤمن من أهل نوح ثم قال سبحانه إخبارا عن حالهم وما آمن معه إلا قليل وقوله تعالى وقال أركبوا فيها أي وقال نوح لمن معه أركبوا فيها وقوله بسم الله يصح أن يكون في موضع الحال من ضمير أركبوا أي أركبوا متبركين بسم الله أو قائلين بسم الله ويجوز أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة ثانية من مبتدأ وخبر لا تعلق لها بالأولى كأنهم أمرهم أولا بالركوب ثم أخبر أن مجراها ومرساها بسم الله قال الضحاك كان نوح إذا أراد جري السفينة جرت وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف وقرأ الجمهور بضم الميم من مجراها ومرساها على معنى إجرائها وإرسائها وقرأ الأخوان حمزة والكسائي وحفص بفتح ميم مجريها وكسر الراء وكلهم ضم الميم في مرساها ت قوله وكسر الراء يريد إمالتها وفي كلامه تسامح ولفظ البخاري مجراها مسيرها ومرساها موقفها وهو مصدر أجريت وأرسيت انتهى قال النووي وروينا في كتاب ابن السني بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وما قدروا الله حق قدره الآية هكذا هو في النسخ إذا ركبوا ولم يقل في السفينة انتهى وقوله وكان في معزل أي في ناحية أي في بعد عن السفينة أو عن الدين واللفظ يعمها وقوله ولا تكن مع الكافرين يحتمل أن يكون نهيا محضا مع علمه بأنه كافر ويحتمل أن يكون خفي عليه كفره والأول أبين وقوله لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم الظاهر أن لا عاصم اسم فاعل على بابه وقوله إلا من رحم يريد الا الله الراحم فمن كناية عن الله المعنى لا عاصم اليوم إلا الذي رحمنا وقوله سبحانه وقيل يا أرض ابلعي ماءك الآية البلع تجرع الشيء وازدراده والإقلاع عن الشيء تركه وغيض معناه نقص وأكثر ما يجيء فيما هو بمعنى الجفوف وقوله وقضي الأمر إشارة إلى جميع القصة بعث الماء وأهلاك الأمم وانجاء أهل السفينة قال ع وتظاهرت الروايات وكتب التفسير بأن الغرق نال جميع أهل الأرض وعم الماء جميعها قاله ابن عباس وغيره وذلك بين من أمر نوح بحمل الأزواج من كل الحيوان ولولا خوف فنائها من جميع الأرض ما كان ذلك وروي أن نوحا عليه السلام ركب في السفينة من عين الوردة بالشام أول يوم من رجب واستوت على الجودي في ذي الحجة وأقامت عليه شهرا وقيل له أهبط في يوم عاشوراء فصامه هو ومن معه وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسى على واحد منها فتطاولت كلها وبقي الجودي وهو جبل الموصل في ناحية الجزيرة لم يتطاول تواضعا لله فاستوت السفينة بأمر الله عليه وقال الزجاج الجودي هو بناحية أمد وقال قوم هو عند باقردي وأكثر الناس في قصص هذه الآية والله أعلم بما صح من ذلك وقوله وقيل بعدا يحتمل أن يكون من قول الله عز و جل عطفا على قوله وقيل الأول ويحتمل أن يكون من قول نوح والمؤمنين والأول أظهر وقوله إن ابني من أهلي الآية احتجاج من نوح عليه السلام أن الله أمره بحمل أهله وابنه من أهله فينبغي أن يحمل فأظهر الله له أن المراد من آمن من الأهل وهذه الآية تقتضي أن نوحا عليه السلام ظن أن ابنه مؤمن وقوله انه ليس من أهلك أي الذين عمهم الوعد لأنه ليس على دينك وإن كان ابنك بالولادة وقوله عمل غير صالح جعله وصفا له بالمصدر لى جهة المبالغة في وصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها ... ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وأدبار ... أي ذات إقبال وأدبار ويبين هذا قراءة الكسائي أنه عمل غير صالح فعلا ماضيا ونصب غير على المفعول لعمل وقول من قال أن الولد كان لغية خطأ محض وهذا قول ابن عباس والجمهور قالوا وأما قوله تعالى فخانتاهما فإن الواحدة كانت تقول للناس هو مجنون والأخرى كانت تنبه على الاضياف وأما خيانة غير هذا فلا ويعضده المعنى لشرف النبوءة وجوز المهدوي أن يعود الضمير في أنه على السؤال أي أن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح قاله النخعي وغيره انتهى والأول أبين وعليه الجمهور وبه صدر المهدوي ومعنى قوله فلا تسألني ما ليس لك به علم أي إذا وعدتك فأعلم يقينا أنه لا خلف في الوعد فإذا رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أن ذلك بحق واجب عند الله قال ع ولكن نوحا عليه السلام حملته شفقة الأبوة وسجية البشر على التعرض لنفحات الرحمة وعلى هذا القدر وقع عتابه ولذلك جاء بتلطف وترفيع في قوله سبحانه أني أعظك أن تكون من الجاهلين ويحتمل قوله فلا تسألني ما ليس لك به علم أي لا تطلب مني أمرا لا تعلم المصلحة فيه علم يقين ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي وهذا والأول في المعنى واحد وقوله رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم إنابه منه عليه السلام وتسليم لأمر ربه والسؤال الذي وقع النهي عنه إنما هو سؤال العزم الذي معه محاجة وطلبه ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه وأما السؤال على جهة الاسترشاد والتعلم فغير داخل في هذا ثم قيل له أهبط بسلام وذلك عند نزوله من السفينة والسلام هنا السلامة والأمن والبركات الخير والنمو في كل الجهات وهذه العدة تعم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة قاله محمد بن كعب القرظي ثم قطع قوله وأمم على وجه الأبتداء وهؤلاء هم الكفار إلى يوم القيامة وقوله سبحانه تلك إشارة إلى القصة وباقي الآية بين وقوله عز و جل وإلى عاد أخاهم هودا الآية عطف على قوله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه وقوله ويا قوم استغفروا ربكم الآية الاستغفار طلب المغفرة فقد يكون ذلك باللسان وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد وقوله ثم توبوا إليه أي بالإيمان من كفركم والتوبة عقد في ترك متوب منه يتقدمها علم بفساد المتوب منه وصلاح ما يرجع إليه ويقترن بها ندم على فارط المتوب منه لا ينفك منه وهو من شروطها ومدرارا بناء تكثير وهو من در يدر وقد تقدمت قصة عاد وقوله سبحانه ويزدكم قوة إلى قوتكم ظاهره العموم في جميع ما يحسن الله تعالى فيه إلى العباد ويحتمل أن خص القوة بالذكر إذ كانوا أقوى العوالم فوعدوا بالزيادة فيما بهروا فيه ثم نهاهم عن التولي عن الحق وقولهم عن قولك أي لا يكون قولك سبب تركنا وقال ص عن قولك حال من الضمير في تاركي أي صادرين عن قولك وقيل عن للتعليل كقوله إلا عن موعدة وقولهم أن نقول الآية معناه ما نقول إلا أن بعض آلهتنا التي ضللت عبدتها أصابك بجنون يقال عر يعر واعترى يعتري إذا ألم بالشيء وقوله فكيدونى جميعا أي أنتم وأصنامكم ويذكر أن هذه كانت له عليه السلام معجزة وذلك أنه حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكفرهم فلم يقدروا على نيله بسوء وتنظرون معناه تؤخروني أي عاجلوني بما قدرتم عليه وقوله إن ربي على صراط مستقيم يريد أن أفعال الله عز و جل في غاية الإحكام وقوله الصدق ووعده الحق وعنيد من عند إذا عتا وقوله سبحانه واتبعوا في هذه الدنيا لعنة الآية حكم عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكفر ولا يلعن معين حي لا من كافر ولا من فاسق ولا من بهيمة كل ذلك مكروه بالأحاديث ت وتعبيره بالكراهية لعله يريد التحريم ويوم ظرف ومعناه أن اللعنة عليهم في الدنيا وفي يوم القيامة ثم ذكر العلة الموجبة لذلك وهي كفرهم بربهم وباقي الآية بين وقوله عز و جل وإلى ثمود أخاهم صالحا الآية التقدير وأرسلنا إلى ثمود وانشأكم من الأرض أي اخترعكم واوجدكم وذلك باختراع آدم عليه السلام وقال ص من الأرض لابتداء الغاية باعتبار الأصل المتولد منه النبات المتولد منه الغذاء المتولد منه المني ودم الطمث المتولد عنه الإنسان انتهى وقد نقل ع في غير هذا الموضع نحو هذا ثم أشار إلى مرجوحيته وأنه داع إلى القول بالتولد قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى واستعمركم فيها أي خلقكم لعمارتها ولا يصح أن يقال هو طلب من الله لعمارتها كما زعم بعض الشافعية ت والمفهوم من الآية أنها سيقت مساق الامتنان عليهم انتهى وقولهم يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا قال جمهور المفسرين معناه مسودا نؤمل فيك أن تكون سيدا سادا مسد الأكابر وقولهم وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب معنى مريب ملبس متهم وقوله ارأيتم أي تدبرتم فالرؤية قلبية و ءاتاني منه رحمة يريد النبوءة وما انضاف إليها وقال ص قد تقرر في ارأيتم أنه بمعنى أخبروني انتهى والتخسير هو من الخسارة وليس التخسير في هذه الآية إلا لهم وفي حيزهم وهذا كما تقول لمن توصيه أنا أريد بك خيرا وأنت تريد بي شرا وقال ص غير تخسير من خسر وهو هنا للنسبية كفسقته وفجرته إذا نسته إليهما ت ونقل الثعلبي عن الحسين بن الفضل قال لم يكن صالح في خسارة حين قال فما تزيدونني غير تخسير وإنما المعنى ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم للخسارة وهو من قول العرب فسقته وفجرته إذا نسبته إلى الفسوق والفجور انتهى وهو حسن وباقي الآية بين قد تقدم الكلام في قصصها وأخذ الذين ظلموا الصحية الصيحه قال أبو البقاء في حذف التاء من أخذ ثلاثة أوجه أحدها أنه فصل بين الفعل والفاعل والثاني أن التأنيث غير حقيقي والثالث أن الصيحة بمعنى الصياح فحمل على المعنى انتهى وقد أشار ع إلى الثلاثة واختار الأخير وقوله سبحانه ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى الرسل الملائكة قال المهدوي بالبشرى يعنى بالولد ويقيل البشرى بهلاك قوم لوط انتهى قالوا سلاما أي سلمنا عليك سلاما وقرأ حمزة والكسائي قالوا سلاما قال سلم فيحتمل أن يريد بالسلم السلام ويحتمل أن يريد بالسلم ضد الحرب وحنيذ بمعنى محنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه وهذا القطر يفصل الحنيذ من جملة المشويات وهيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى بحجارة أو رمل محمى أو حائل بينه وبين النار يغطى به والمعرض من الشواء الذي يصفف على الجمر والمضهب الشواء الذي بينه وبين النار حائل ويكون الشواء عليه لا مدفونا به والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل على جل ليتصبب عرقه ونكرهم على ما ذكر كثير من الناس معناه أنكرهم وأوجس منهم خيفة من أجل امتناعهم من الأكل إذ عرف من جاء بشر إلا يأكل طعام المنزول به قال ابن العربي في أحكامه ذهب الليث بن سعد إلى أن الضيافة واجبة لقوله صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وما وراء ذلك صدقة وفي رواية ثلاثة أيام ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه وهذا حديث صحيح خرجه الأيمة واللفظ للترمذي وذهب علماء الفقه إلى أن الضيافة لا تجب وحملوا الحديث على الندب قال ابن العربي والذي أقول به أن الضيافة فرض على الكفاية ومن الناس من قال أنها واجبة في القرى حيث لا مأوى ولا طعام بخلاف الحواضر لتيسر ذلك فيها قال ابن العربي ولا شك أن الضيف كريم والضيافة كرامة فإن كان عديما فهي فريضة انتهى وأوجس معناه أحس والوجيس ما يعترى النفس عند الحذر وأوائل الفزع وقوله سبحانه فضحكت قال الجمهور هو الضحك المعروف وذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا له انا لا نأكل طعاما إلا بثمن فقال لهم ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل لأصحابه بحق اتخذ الله هذا خليلا ثم بشر الملائكة سارة بإسحاق وبأن إسحاق سيلد يعقوب ويسمى ولد الولد وراء وهو قريب من معنى وراء في الظرف إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده وقال ص وراء هنا استعمل غير ظرف لدخول من عليه أي ومن بعد إسحاق انتهى وقولها ياويلتى الألف بدل من ياء الإضافة اصلها ياويلتي ومعنى ياوليتا في هذا الموضع العبارة عمادهم النفس من العجب في ولادة عجوز ومن أمر الله واحد الأمور وقوله سبحانه رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت يحتمل أن يكون دعاء وأن يكون خبرا ص ونصب أهل البيت على النداء أو على الاختصاص أو على المدح انتهى وهذه الآية تعطى أن زوجة الرجل من أهل بيته ت وهي هنا من أهل البيت على كل حال لأنها من قرابته وابنة عمه والبيت في هذه الآية وفي سورة الأحزاب بيت السكنى وقوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا أي أخذ يجادلنا في قوم لوط وقوله تعالى إن إبراهيم لحليم اواه منيب وصف عليه السلام بالحلم لأنه لم يغضب قط لنفسه إلا أن بغضب لله وأمره بالاعتراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصا على إسلامهم وأمر ربك واحد الأمور أي نفذ فيهم قضاؤه سبحانه وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق الله الداعي إلى طلب المقدور فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع ت والكلام في هذه المسئلة متسع رحب ومن أحسن ما قيل فيها قول الغزالي في الأحياء فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا يرد فالجواب أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات انتهى وقد أطال في المسئلة ولولا الإطالة لاتيت بنبذ يثلج لها الصدر وخرج الترمذي في جامعة عن أبي حزامة واسمه رفاعة عن أبيه قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله ارأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله قال أبو عيسى هذا حديث حسن وفي بعض نسخه حسن صحيح انتهى فليس وراء هذا الكلام من السيد المعصوم مرمى لأحد وتأمل جواب الفاروق لأبي عبيدة حين هم بالرجوع من أجل الدخول على أرض بها الطاعون وهي الشام وقوله سبحانه ولما جاءت رسلنا لوطا الرسل هنا الملائكة أضياف إبراهيم قال المهدوي والرسل هنا جبريل وميكائيل واسرافيل ذكره جماعة من المفسرين انتهى والله أعلم بتعيينهم فإن صح في ذلك حديث صير إليه وإلا فالواجب الوقف وسيء بهم أي أصابه سوء والذرع مصدر مأخذوذ من الذراع ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان قيل في الأمر الذي لا طاقة له به ضاق بهذا الأمر ذراع فلان وذرع فلان أي حيلته بذراعه وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا فلان رحب الذراع إذا وصفوه باتساع القدرة وعصيب بناء اسم فاعل معناه يعصب الناس بالشر فهو من العصابة ثم كثر وصفهم لليوم بعصيب ومنه وقد سلكوك في يوم عصيب وبالجملة فعصيب في موضع شديد وصعب الوطأة ويهرعون معناه يسرعون ومن قبل كانوا يعملون السيئات أي كانت عادتهم إتيان الفاحشة في الرجال وقوله هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يعني بالتزويج وقولهم وإنك لتعلم ما نريد إشارة إلى الاضياف فلما رأى لوط استمرارهم في غيهم قال على جهة التفجع والاستكانه لو أن لي بكم قوة قال ع لو أن جوابها محذوف أي لفعلت كذا وكذا ويروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات وقالوا إن ركنك لشديد وقال النبي صلى الله عليه و سلم يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد فالعجب منه لما استكان قال ع وإنما خشي لوط عليه السلام أن يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الاضياف كما أمهلهم فيما قبل ذلك ثم إن جبريل عليه السلام ضرب القوم بجناحه فطمس أعينهم ثم أمروا لوطا بالسرى وأعلموه بأن العذاب نازل بالقوم فقال لهم لوط فعذبوهم الساعة فقالوا له إن موعدهم الصبح أي بهذا أمر الله ثم أنسوه في قلقه بقولهم أليس الصبح بقريب والقطع القطعة من الليل قال ص إلا امرأتك ابن كثير وأبو عمرو بالرفع والباقون بالنصب فقيل كلاهما استثناء من أحد وقيل النصب على الاستثناء من اهلك انتهى وقوله سبحانه وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ذهب فرقة منهم ابن عباس إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ كانت من طين قد تحجر وإن سجيلا معناها ماء وطين وهذا القول هو الذي عليه الجمهور وقالت فرقة من سجيل معناه من جهنم لأنه يقال سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاما وقيل غير هذا ومنضود معناه بعضه فوق بعض متتابع ومسومة أي معلمة بعلامة وقوله تعالى وما هي إشارة إلى الحجارة والظالمون قيل يعني قريشا وقيل يريد عموم كل من اتصف بالظلم وهذا هو الأصح وقيل يعني بهذا الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة وما تقدم أبين وقوله عز و جل وإلى مدين أخاهم شعبيا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير الآية قوله بخير قال ابن عباس معناه في رخص من الأسعار وقيل قوله بخير عام في جميع نعم الله تعالى وتعثوا معناه تسعون في فساد يقال عثا يعثو وعثي يعثى إذا افسد وقوله بقيت الله خير لكم قال ابن عباس معناه الذي يبقى الله لكم من أموالكم بعد توفيتكم الكيل والوزن خير لكم مما تستكثرون به على غير وجهه وهذا تفسير يليق بلفظ الآية وقال مجاهد معناه طاعة الله وهذا لا يعطيه لفظ الآية قال ص وقرأ الحسن تقية الله أي تقواه قال ع وإنما المعنى عندي إبقاء الله عليكم إن أطعتم وقولهم اصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا قالت فرقة أرادوا الصلوات المعروفة وروي أن شعيبا عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة وقال الحسن لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة وقيل أرادوا ادعواتك وذلك أن من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع فمعنى هذا لما كنت مصليا تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا فكأن حاله من الصلاة جسرته على ذلك فقيل أمرته كما قال تعالى أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر قال ص و ع أو وإن نفعل معطوف على ما يعبد واو للتنويع انتهى وظاهر حالهم الذي أشاروا إليه هو بخس الكيل والوزن الذي تقدم ذكره وروي أن الإشارة إلى قرضهم الدينار والدرهم وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس قاله محمد بن كعب القرضي وتؤول أيضا بمعنى تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس قال ابن العربي قال ابن المسيب قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض وكذلك قال زيد بن أسلم في هذه الآية وفسرها به ومثله عن يحيى بن سعيد من رواية مالك قال ابن العربي وإذا كان قطع الدنانير والدراهم وقرضها من الفساد عوقب من فعل ذلك وقرض الدراهم غير كسرها فإن الكسر فساد الوصف والقرض تنقيص للقدر وهو أشد من كسرها فهو كالسرقة انتهى من الأحكام مختصرا وبعضه بالمعنى وقولهم إنك لأنت الحليم الرشيد قيل أنهم قالوه على جهة الحقيقة أي أنت حليم رشيد فلا ينبغي لك أن تنهانا عن هذه الأحوال وقيل إنما قالوا هذا على جهة الاستهزاء وقوله ورزقني منه رزقا حسنا أي سالما من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم وجواب الشرط الذي في قوله إن كنت على بينة من ربي محذوف تقديره ااضل كما ضللتم أو أترك تبليغ رسالة ربي ونحو هذا وقوله لا يجرمنكم معناه لا يكسبنكم وشقاقي معناه مشاقتي وعداوتي وإن مفعولة بيجرمنكم قال ص وع وما قوم لوط منكم ببعيد أي بزمان بعيد أو بمكان قال ص ودود بناء مبالغة من ود الشيء إذا أحبه وأثره ع ومعناه أن أفعاله سبحانه ولطفه بعباده لما كانت في غاية الإحسان إليهم كانت كفعل من يتودد ويود المصنوع له وقولهم ما نفقه كقول قريش قلوبنا في اكنة والظاهر من قولهم انا لنراك فينا ضعيفا أنهم أرادوا ضعف الانتصار والقدرة وان رهط الكفرة يراعون فيه والرهط جماعة الرجل وقولهم لرجمناك أي بالحجارة قاله ابن زيد وقيل بالسب باللسان وقولهم بعزيز أي بذي منعة وعزة ومنزلة والظهري الشيء الذي يكون وراء الظهر وذلك يكون في الكلام على وجهين إما بمعنى الاطراح كما تقول جعلت كلامي وراء ظهرك ودبر إذنك وعلى هذا المعنى حمل الجمهور الآية أي اتخذتم أمر الله وشرعه وراء ظهوركم أي غير مراعي وأما بأن يستند إليه ويلجأ كما قال عليه السلام وألجأت ظهري إليك وعلى هذا المعنى حمل الآية قوم أي وأنتم تتخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم وقوله اعملوا على مكانتكم معناه على حالاتكم وفيه تهديد وقوله سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب والصحيح أن الوقف في قوله إني عامل وقوله سبحانه وأخذت الذين ظلموا الصيحة هي صيحة جبريل عليه السلام وقوله سبحانه كان لم يغنوا فيها الآية يغنوا معناه يقيمون بنعمة وخفض عيش ومنه المغاني وهي المنازل المعمورة بالأهل وضمير فيها عائد على الديار وقوله بعدا مصدر دعاء به كقولك سحقا للكافرين وفارقت هذه قولهم سلام عليكم لأن بعدا إخبار عن شيء قد وجب وتحصل وتلك إنما هي دعاء مرتجى ومعنى البعد في قراءة بعدت بكسر العين الهلاك وهي قراءة الجمهور ومنه قول خرنق بنت هفان ... لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وءافة الجزر ومنه قول مالك بن الربيع ... يقولن لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا ... وأما من قرأ بعدت وهو السلمي وأبو حيوة فهو من البعد الذي هو ضد القرب ولا يدعى به إلا على مبغوض قال ص وقال ابن الأنباري من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب فيقولون فيهما بعد يبعد وبعد يبعد انتهى وقوله سبحانه فاتبعوا أمر فرعون أي وخالفوا أمر موسى وما أمر فرعون برشيد أي بمرشد إلى خير وقال ع برشيد أي بمصيب في مذهبه يقدم قومه أي يقدمهم إلى النار والورد في هذه الآية هو ورود دخول قال ص والورد فاعل بيس والمورود المخصوص بالذم وفي الأول حذف أي مكان الورد ليطابق المخصوص بالذم وجوز ع وأبو البقاء أن يكون المورود صفة لمكان الورد والمخصوص محذوف أي بيس مكان الورد المورود النار والورد يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الورود أو بمعنى الواردة من الإبل وقيل الورد بمعنى الجمع للوارد والمورود صفة لهم والمخصوص بالذم ضمير مححذوف أي بيس القوم المورود بهم هم انتهى واتبعوا في هذه لعنة يريد دار الدنيا وقوله بيس الرفد المرفود أي بيس العطاء المعطى لهم وهو العذاب والرفد في كلام العرب العطية وقوله سبحانه ذلك من أنباء القرى الآية ذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم المذكورة منها قائم وحصيد أي منها قائم الجدرات ومتهدم داثر والآية بحملتها متضمنة التخويف وضرب المثل للحاضرين من أهل مكة وغيرهم والتتبيب الخسران ومنه تبت يدا أبي لهب وقوله وكذلك الإشارة إلى ما ذكر من الأخذات في الأمم وهذه آية وعيد يعم قرى المؤمنين والكافرين فإن ظالمة أعم من كافرة وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة وأما الظلمة فمعاجلون في الغالب وقد يملي لبعضهم وفي الحديث من رواية أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة الآية وهذه قراءة الجماعة وهي تعطى بقاء الوعيد واستمراره في الزمان إن في ذلك لآية أي لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف عذاب الآخرة ثم عظم الله أمر الآخرة فقال ذلك يوم مجموع له الناس وهو يوم الحشر وذلك يوم مشهود بشهده الأولون والآخرون من الملائكة والأنس والجن والحيوان في قول الجمهور وما نوخره إلا لأجل معدود لا يتقدم عنه ولا يتأخر قال ص والظاهر أن ضمير فاعل يأتي يعود على ما عاد عليه ضمير نوخره والناصب ليوم لا تكلم والمعنى لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بأذنه سبحانه انتهى وقوله تعالى فمنهم عائد على الجمع الذي يتضمنه قوله نفس إذ هو اسم جنس يراد به الجمع فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق وهي اصوات المكروبين والمحزونين والمعذبين ونحو ذلك قال قتادة الزفير أول صوت الحمار والشهيق آخره فصياح أهل النار كذلك وقال أبو العالية الزفير من الصدر والشهيق من الحلق والظاهر ما قال أبو العالية وقوله سبحانه خالدين فيها ما دامت السموات والأرض يروى عن ابن عباس أن الله خلق السماوات والأرض من نور العرش ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة فلهما ثم بقاء دائم وقيل معنى ما دامت السماوات والأرض العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب وذلك ان من فصيح كلامها إذا أرادت أن تخبر عن تأبيد شيء أن تقول لا أفعل كذا وكذا أمد الدهر وما ناح الحمام وما دامت السماوات والأرض وقيل غير هذا قال ص وقيل المراد سماوات الآخرة وأرضها يدل عليه قوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات انتهى وأما قوله إلا ما شاء ربك في الاستثناء ثلاثة أقوال أحدها أنه متصل أي إلا ما شاء ربك من أخراج الموحدين وعلى هذا يكون قوله فأما الذين شقوا عام في الكفرة والعصاة ويكون الاستثناء من خالدين وهذا قول قتادة وجماعة الثاني أن هذا الاستثناء ليس بمتصل ولا منقطع وإنما هو على طريق الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام فهو على نحو قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله الثالث إن إلا في هذه الآية بمعنى سوى والاستثناء منقطع وهذا قول الفراء فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى وسيبويه يقدره بلكن أي سوى ما شاء الله زائد على ذلك ويؤيد هذا التأويل قوله بعد عطاء غير مجذوذ وقيل سوى ما أعد الله لهم من أنواع العذاب واشد من ذلك كله سخطه سبحانه عليهم وقيل الاستثناء في الآيتين من الكون في النار والجنة وهو زمان الموقف وقيل الاستثناء في الآية الأولى من طول المدة وذلك على ما روي أن جهنم تخرب ويعدم أهلها وتخفق أبوابها فهم على هذا يخلدون حتى يصير أمرهم إلى هذا قال ع وهذا قول محتمل والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره أن ما يخلى من النار إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين وهذا الذي يسمى جهنم وسمى الكل به تجوزا ت وهذا هو الصواب إن شاء الله وهو تأويل صاحب العاقبة أن الذي يخرب ما يخص عصاة المؤمنين وتقدم الكلام على نظير هذه الآية وهو قوله في الأنعام خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم قال ع والأقوال المترتبة في الاستثناء الأول مرتبة في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إلا تأويل من قال هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم فإنه لا يترتب هنا والمذوذ المقطوع والإشارة بقوله مما يعبد هؤلاء إلى كفار العرب وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص معناه من العقوبة وقال الداودي عن ابن عباس وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص قال ما قدر لهم من خير وشر انتهى وقوله ولقد آيتنا موسى الكتاب فاختلف فيه أي اختلف الناس عليه فلا يعظم عليك يا محمد أمر من كذبك وقال ص فيه الظاهر عوده على الكتاب ويجوز أن يعود على موسى وقيل في بمعنى على أي عليه انتهى والكلمة هنا عبارة عن الحكم والقضاء لقضي بينهم أي لفصل بين المؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا ووصف الشك بالريب تقوية لمعنى الشك فهذه الآية يحتمل أن يكون المراد بها أمة موسى ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبي صلى الله عليه و سلم وأن يعمهم اللفظ أحسن ويؤيده قوله وإن كلا وقرأ نافع واين كثير وإن كلا لما وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد إن وقرأ حمزة وحفص بتشديد إن وتشديد لما فالقراءتان المتقدمتان بمعنى فإن فيهما على بابها وكلا اسمها وعرفها أن تدخل علىخبرها لام وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضا على خبر أن فلما اجتمع لامان فصل بينهما بما هذا قول أبي علي والخبر في قوله ليوفينهم وهذه الآية وعيد ومعنى الآية إن كل الخلق موفى عمله وقوله عز و جل فاستقم كما أمرت ومن تاب معك أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت وهو أمر لسائر الأمة وروي أن بعض العلماء رأى النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقال يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود فقال له قوله عز و جل فاستقم كما أمرت قال ع والتأويل المشهور في قوله عليه السلام شيبتني هود وأخواتها أنه إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السالفة فكان حذره على هذه مثل ذلك شيبه عليه السلام وقوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا الآية الركون السكون إلى الشيء والرضى به قال أبو العالية الركون الرضى قال ابن زيد الركون الادهان قال ع فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره والنهي هنا يترتب من معنى الركون على الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب من ترك التغيير عليهم مع القدرة والذين ظلموا هنا هم الكفرة ويدخل بالمعنى أهل المعاصي وقوله سبحانه وأقم الصلوة طرفي النهار الآية لا خلاف أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء قاله مجاهد وغيره وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في المغرب والعشاء هما زلفتا الليل وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر قاله الحسن وقتادة والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول بل هي في غيرها قال ع والأول أحسن الأقوال عندي ورجح الطبري القول بأن الطرفين الصبح والمغرب وهو قول ابن عباس وغيره وإنه لظاهر إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى والزلف الساعات القريب بعضها من بعض وقوله تعالى ان الحسنات يذهبن السيئات ذهب جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس وإلى هذه الآية ذهب عثمان رضي الله عنه في وضوئه على المقاعد وهو تأويل مالك وقال مجاهد الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال ع وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات ومن أجل أن الصلوات الخمس هي معظم الأعمال والذي يظهر أن لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات بقوله عليه السلام ما اجتنبت الكبائر وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار وهو أبو اليسر بن عمرو وقيل أسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال له قد ستر الله عليك فاستر على نفسك فقلق الرجل فجاء أبو بكر فشكا إليه فقال له مثل مقالة عمر فقلق الرجل فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فصلى معه ثم أخبره وقال اقض في ما شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلها زوجة غاز في سبيل الله قال نعم فوبخه النبي صلى الله عليه و سلم وقال ما أدري فنزلت هذه الآية فدعاه النبي صلى الله عليه و سلم فتلاها عليه فقال معاذ بن جبل يا رسول الله أهذا له خاصة فقال بل للناس عامة قال ابن العربي في أحكامه وهذا الحديث صحيح رواه الايمة كلهم انتهى قال ع وروي أن الآية قد كانت نزلت قبل ذلك واستعملها النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك الرجل وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها إن اجتنبت الكبائر وقوله ذلك ذكرى إشارة إلى الصلوات أي هي سبب الذكرى وهي العظة ويحتمل أن تكون إشارة إلى الأخبار بأن الحسنات يذهبن السيئات ويحتمل أن تكون إشارة إلى جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي والقصص في هذه السورة وهو تفسير الطبري فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية الآية لولا هي التي للتخضيض لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد وهذا نحو قوله سبحانه يا حسرة على العباد والقرون من قلبنا قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره وقوله أولوا بقية أي أولوا بقية من عقل وتمييز ودين ينهون عن الفساد وإنما قيل بقية لأن الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول والفساد في الأرض هو الكفر وما اقترن به من المعاصي وهذه الآية فيها تنبيه لهذه الأمة وحض على تغيير المنكر ثم استثنى الله عز و جل القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم وقليلا استثناء منقطع أي لكن قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد والمترف المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى هلك وما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه سبحانه وتعالى عن ذلك ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة أي مؤمنة لا يقع منهم كفر قاله قتادة ولكنه عز و جل لم يشأ ذلك فهم لا يزالون مختلفين في الأديان والآراء والملل هذا تأويل الجمهور إلا من رحم ربك أي بأن هداه إلى الإيمان وقوله تعالى ولذلك خلقهم قال الحسن أي وللاختلاف خلقهم قال ع وذلك أن الله تعالى خلق خلقا للسعادة وخلقا للشقاوة ثم يسر كلا لما خلق له وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو إمارة الشقاوة وبه علق العقاب فيصح أن يحمل قول الحسن هنا وللاختلاف خلقهم أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من شقاوة أو سعادة وقال اشهب سألت مالكا عن هذه الآية فقال خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير وقيل غير هذا وقوله تعالى وتمت كلمة ربك أي نفذ فقضاؤه وحق أمره واللام في لأملان لام قسم وقوله سبحانه وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وكلا مفعول مقدم بنقص وما بدل من قوله وكلا ونثبت به فؤادك أي نؤنسك فيما تلقاه نجعل لك الأسوة وجاءك في هذه الحق قال الحسن هذه إشارة إلى دار الدنيا وقال ابن عباس هذه إشارة إلى السورة وهو قول الجمهور قال ع ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها بحق والقرآن كله حق إن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر أي جاءك في هذه السورة الحق الي أصاب الأمم الماضية وهذا كما يقال عند الشدائد جاء الحق وإن كان الحق يأتي في غير الشدائد ثم وصف سبحانه أن ما تضمنته السورة هو موعظة وذكرى للمؤمنين وقوله سبحانه وقل للذين لا يؤمنون الآية ءاية وعيد وقوله تعالى ولله غيب السموات والأرض الآية آية تعظيم وانفراد بما لا حظ لمخلوق فيه ثم أمر سبحانه العبد بعبادته والتوكل عليه وفيهما زوال همة وصلاحه ووصوله إلى رضوان الله تعالى فقال فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون اللهم اجعلنا ممن توكل عليه ووفقته لعبادتك كما ترضى وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وسحبة وسلم تسليما والحمد لله على جزيل ما به أنعم بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة يوسف عليه السلام هذه السورة مكية والسبب في نزولها أن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فنزلت السورة وقيل سبب نزولها تسلية النبي صلى الله عليه و سلم عما يفعله به قومه بما فعل أخوة يوسف بيوسف وسورة يوسف لم يتكرر من معانيها في القرآن شيء كما تكررت قصص الأنبياء ففيها حجة على من اعترض بأن الفصاحة تمكنت بترداد القول وفي تلك القصص حجة على من قال في هذه لو كرر لفترت فصاحتها وقوله عز و جل الر تلك ءايات الكتاب المبين الكتاب هنا القرآن ووصفه بالمبين من جهة بيان أحكامه وحلاله وحرامه ومواعظه وهداه ونوره ومن جهة بيان اللسان العربي وجودته والضمير في أنزلناه للكتبا وقرءانا حال وعربيا صفة له وقيل قرآنا توطئة للحال وعربيا حال وقوله سبحانه نحن نقص عليك أحسن القصص الآية روى ابن مسعود أن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ملوا ملة فقالوا لو قصصت علينا يا رسول الله فنزلت هذه الآية ثم ملوا ملة أخرى فقالوا لو حدثتنا يا رسول الله فنزلت الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الآية والقصص الأخبار بما جرى من الأمور وقوله بما أوحينا إليك أي بوحينا إليك هذا والقرآن نعت لهذا ويجوز فيه البدل والضمير في قبله للقصص العام لما في جميع القرآن منه ومن الغافلين أي عن معرفة هذا القصص وعبارة المهدوي قال قتادة أي نحن نقص عليك من الكتب الماضية وأخبار الأمم السالفة أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين عن أخبار الأمم انتهى وقوله سبحانه إذ قال يوسف لابيه يا ابت اني رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قيل أنه رأى كواكب حقيقة والشمس والقمر فتأولها يعقوب أخوته وأبويه وهذا هو قول الجمهور وقيل الأخوة والأب والخالة لأن أمه كانت ميتة وروي أن رؤيا يوسف خرجت بعد أربعين سنة وقيل بعد ثمانين سنة وقوله قال يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا من هنا ومن فعل أخوة يوسف بيوسف يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت وما وقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتؤامر في قتله وكذلك يجتنبك ربك أي يختارك ويصطفيك ويعلمك من تأويل الاحاديث قال مجاهد وغيره هي عبارة الرؤيا وقال الحسن هي عواقب الأمور وقيل هي عامة لذلك وغيره من المغيبات ويتم نعمته عليك الآية يريد بالنبوءة وما انضاف إليها من سائر النعم ويروى أن يعقوب علم هذا من دعوة إسحاق له حين تشبه بعيصو وباقي الآية بين وقوله سبحانه لقد كان في يوسف واخوته ءايات للسائلين إذ كل أحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذا القصص إذ هي مقر العبر والاتعاظ وقولهم وأخوه يريدون به يامين وهو أصغر من يوسف ويقال له بنيامين قيل وهو شقيقه أحب إلى أبينا منا أي لصغرهما وموت أمهما وهذا من حب الصغير هي فطرة البشر وقولهم ونحن عصبة أي جماعة تضر وتنفع وتحمي وتخذل أي لنا كانت تنبغي المحبة والمراعاة والعصبة في اللغة الجماعة وقولهم لفي ضلال مبين أي لفي انتلاف وخطأ في محبة يوسف وأخيه وهذا هو معنى الضل وإنما يصغر قدره ويعظم بحسب الشيء الذي فيه يقع الانتلاف ومبين معناه ظاهر للمتأمل وقولهم أو اطرحوه أرضا أي بأرض بعيدة فارضا مفعول ثان بإسقاط حرف الجر والضمير في بعده عائد على يوسف أو قتله أو طرحه وصالحين قال مقاتل وغيره أنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم والقائل منهم لا تقتلوه هو روبيل اسنهم قاله قتادة وأبن إسحاق وقيل هو شمعون قاله مجاهد وهذا عطف منه على أخيه لا محالة لما أراد الله من انفاذ قضائه والغيابة ما غاب عنك والجب البير اللتي لم تطو لانها جبت من الأرض فقط قال المهدوي والجب في اللغة البير المقطوعة التي لم تطو انتهى والسيارة جمع سيار وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام وقوله سبحانه قالوا يا ابانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون الآية المتقدمة تقتضي أن أباهم قد كان علم منهم إرادتهم السوء في جهة يوسف وهذه الآية تقتضي أنهم علموا هم منه بعلمه ذلك وقرأ أبو عارم وابن عمرو نرتع ونلعب بالنون فيهما وإسكان العين والباء ونرتع على هذا من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب وقرأ ابن كثير نرتع ونلعب بالنون فيهما وكسر العين وإسكان الباء وقد روي عنه ويلعب بالياء ونرتع على هذا من رعاية الإبل وقال مجاهد من المراعاة أي يرعى بعضنا بعضا ويحرسه وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يرتع ويلعب بإسناد ذلك كله إلى يوسف وقرأ نافع يرتع ويلعب فيرتع على هذا من رعاية الإبل قال أبو علي وقراءة ابن كثير نرتع بالنون ويلعب بالياء نزعها حسن لاسناد النظر في المال والرعاية إليهم واللعب إلى يوسف لصباه ولعبهم هذا داخل في اللعب المباح والمندوب كاللعب بالخيل والرمي وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه من الرتوع واللعب والنشاط وإنما خاف يعقوب عليه السلام الذيب دون سواه وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبث في القطر ولصغر يوسف وأجمعوا معناه عزموا وقوله سبحانه وأوحينا إليه يحتمل أن يكون الوحي إلى يوسف حينئذ برسول ويحتمل أن يكون بالهام أو بنوم وكل ذلك قد قيل وقرأ الجمهور لتنبئنهم بالتاء من فوق وقوله وهم لا يشعرون قال ابن جريج معناه لا يشعرون وقت التنبئة أنك يوسف وقال قتادة لا يشعرون بوحينا إليك وقوله وجاءو اباهم عشاء يبكون أي وقت العشاء وقرأ الحسن عشى على مثال دجى جمع عاش ومعنى ذلك أصابهم عشى من البكاء أو شبه العشى إذ كذلك هي عين الباكي لأنه يتعاشى ومثل شريح امرأة بكت وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية ونستبق معناه على الأقدام وقيل بالرمي أي ننتضل وهو نوع من المسابقة قاله الزجاج وقولهم وما أنت بمؤمن لنا لنا أي بمصدق لنا ولو كنا صادقين بمعنىوإن كنا صادقين في معتقدنا وقوله سبحانه وجاءو على قميصه بدم كذب روي أنهم أخذوا سخلة أوجديا فذبحوه ولطخوا به قميص يوسف وقالوا ليعقوب هذا قميصه فاخذه وبكى ثم تأمله فلم ير خرقا ولا أثر ناب فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم متى كان الذيب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه قص هذا القصص ابن عباس وغيره وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحة القميص واستند الفقهاء إلى هذا في أعمال الامارات في مسائل كالقسامة بها في قول مالك إلى غير ذلك قال الشعبي كان في القميص ثلاث آيات دلالته على كذبهم وشهادته في قده ورد بصر يعقوب به ووصف الدم بالكذب الذي هو مصدر على جهة المبالغة ثم قال لهم يعقوب بل سولت لكم أي رضيت وجعلت سولا ومرادا أمر أي صنعا قبيحا بيوسف وقوله فصر جميل إما على حذف المبتدأ أي فشأني صبر جميل وإما على حذف الخبر تقديره فصبر جميل أمثل وجميل الصبر أن لا تقع شكوى إلى البشر وقال النبي صلى الله عليه و سلم من بث لم يصبر صبرا جميلا وقوله سبحانه وقوله والله المستعان على ما تصفون تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه وجاءت سيارة فارسلوا واردهم قيل أن السيارة جاءت في اليوم الثاني من طرحه والسيارة بناء مبالغة للذين يرددون السير في الطرق قال ص والسيارة جمع سيار وهو الكثير السير في الأرض انتهى والوارد هوالذي يأتي الماء يستقي منه لجماعته وهو يقع على الواحد وعلى الجماعة وروي أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن دعر ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ثلاثة فرسخ من منزل يعقوب ويقال أدلى دلوه إذا ألقاه ليستقي الماء وفي الكلام حذف تقديره فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلى قال يا بشراي وروي أن يوسف كان يومئذ ابن سبع سنين ويرجح هذا لفظة غلام فإنها لما بين الحولين إلى البلوغ فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز وقرأ نافع وغيره يا بشراي بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول أحضري فهذا وقتك وقرأ حمزة والكسائي يا بشري ويمين ولا يضيفان وقرأ عاصم كذلك إلا أنه بفتح الراء ولا يميل واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي كان في أصحاب هذا الوارد رجل اسمه بشرى فناداه وأعلمه بالغلام وقيل هو على نداء البشرى كما قدمنا وقوله سبحانه وأسروه بضاعة قال مجاهد وذلك أن الوراد خشوا من تجار الرفقة إن قالوا وجدناه أن يشاركوهم في الغلام الموجود يعني أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا أخيارافأسروا بينهم أن يقولوا ابضعه معناه بعض أهل المصر وبضاعة حال والبضاعة القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من الربح مأخوذ من قولهم بضعة أي قطعة وقيل الضمير في أسروه يعود على أخوة يوسف وقوله سبحانه وشروه بثمن بخس شروه هنا بمعنى باعوه قال الداودي وعن أبي عبيدة وشروه أي باعوه فإذا ابتعت أنت قلت أشتريت انتهى وقال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى وشروه بثمن بخس يقال اشتريت بمعنى بعت وشريت بمعنى أشتريت لغ انتهى وعلى هذا فلا مانع من حمل اللفظ على ظاهره ويكون شروه بمعنى اشتروه قال ع روي أن أخوة يوسف لما علموا أن الوراد قد أخذوه جاءوهم فقالوا هذا عبد قد أبق منا ونحن نبيعه منكم فقارهم يوسف على هذه المقالة خوفا منهم ولينفذ الله أمره والبخس مصدر وصف به الثمن وهو بمعنى النقص وقوله دراهم معدودة عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما كان دون الاوقية وهي أربعون درهما وقوله سبحانه وكانوا فيه من الزاهدين وصف يترتب في أخوة يوسف وفي الوراد ولكنه في أخوة يوسف أرتب إذ حقيقة الزهد في الشيء أخراج حبه من القلب ورضفه من اليد وهذه كانت حال أخوة يوسف في يوسف وأما الوراد فإن تمسكهم به وتجرهم يمانع زهدهم إلا على تجوز قال ابن العربي في أحكامه وكانوا فيه من الزاهدين أي إخوته والواردة أما إخوته فلأن مقصودهم زوال عينه وأما الواردة فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم انتهى وقوله سبحانه وقال الذي اشتراه من مصر لأمرته أكرمي مثواه عيسى أن ينفعنا روي أن مبتاع يوسف ورد به مصر البلد المعروف ولذلك لا ينصرف فعرضه في السوق وكان أجمل الناس فوقعت فيه مزايدة حتى بلغ ثمنا عظيما فقيل وزنه من ذهب ومن فضه ومن حرير فاشتراه العزيز وهو كان حاجب الملك وخازنه واسم الملك الريان بن الوليد وقيل مصعب بن الريان وهو أحد الفراعنة واسم العزيز المذكور قطيفين قاله ابن عباس وقيل اظفير وقيل قنطور واسم امرأته راعيل قاله ابن إسحاق وقيل زليخا قال البخاري ومثواه مقامه وقوله أونتخذه ولدا أي نتبناه وكان فيما يقال لا ولد له ثم قال تعالى وكذلك أي وكما وصفنا مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه فعلنا ذلك والأحاديث الرؤيا في النوم قاله مجاهد وقيل أحاديث الأنبياء والأمم والضمير في أمره يحتمل أن يعود على يوسف قاله الطبري ويحتمل أن يعود على الله عز و جل قاله ابن جبير فيكون إخبارا منبها على قدرة الله عز و جل ليس في شأن يوسف خاصة بل عاما في كل أمر والأشد استكمال القوة وتناهي بنية الإنسان وهما أشدان أولهما البلوغ والثاني الذي يستعمله العرب وقوله سبحانه ءاتيناه حكما وعلما يحتمل أن يريد بالحكم الحكمة والنبوة وهذا على الأشد الأعلى ويحتمل أن يريد بالحكم الشلطان في الدنيا وحكما بين الناس وتدخل النبوءة وتأويل الآحاديث وغير ذلك في قوله وعلما وقال ابن العربي ءاتيناه حكما وعلما الحكم هو العمل بالعلم انتهى وقوله سبحانه وكذلك نجزي المحسنين عبارة فيها وعد للنبي صلى الله عليه و سلم أي فلا يهولنك فعل الكفرة وعتوهم عليك فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع وقوله سبحانه وراودته التي هو في بيتها عن نفسه المراودة الملاطفة في السوق إلى غرض والتي هو في بيتها هي زليخا امرأة العزيز وقوله عن نفسه كناية عن غرض المواقعة وظاهر هذه النازلة أنها كانت قبل أن ينبأ عليه السلام وقولها هيت لك معناه الدعاء أي تعالى وأقبل على هذا الأمر قال الحسن معناها هلم قال البخاري قال عكرمة هيت لك بالحورانية هلم وقال ابن جبير تعاله انتهى وقرأ هشام عن أبن عامر هئت لك بكسر الهاء والهمزة وضم التاء ورويت عن أبي عمر وهاذ يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا حسن هيئته ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت ومعاذ نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله ثم قال إنه ربي أحسن مثواي فيحتمل أن يعود الضمير في أنه على الله عز و جل ويحتمل أن يريد العزيز سيده أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني قال مجاهد وغيره ربي معناه سيدي وإذا حفظ الأدمي لإحسانه فهو عمل زاك وأحرى أن يحفظ ربه والضمير في قوله انه لا يفلح مراد به الأمر والشأن فقط وحكى بعض المفسرين أن يوسف عليه السلام لما قال معاذ الله ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة امتحنه الله عز و جل بالهم بما هم به ولو قال لا حول ولا قوة إلا بالله ودافع بعنف وتغيير لم يهم بشيء من المكروه وقوله سبحانه وهم بها اختلف في هم يوسف قال ع والذي أقول به في هذه الآية أن كون يوسف عليه السلام نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به روايه فإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ويجوز عليه الهم الذي هو أراده الشيء دون مواقعته وإن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر ولا يصح عندي شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك لن العصمة مع النبوءة وللهم بالشيء مرتبتان فالخاطر المجرد دون استصحاب يجوز عليه ومع استصحاب لا يجوز عليه إذ الإجماع منعقد أن الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز ولا داخل في التجاوز ت قال عياض والصحيح أن شاء الله تنزييهم أيضا قبل النبوءة من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب ثم قال عياض بعد هذا وأما قول الله سبحانه ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه فعلى طريق كثير من الفقهاء والمحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به وليس بسيئة لقوله عليه السلام عن ربه إذا هم عبدي بسيئة فلم يعلمها كتبت له حسنة فلا معصية في همه إذن وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وظنت عليه النفس سيئة وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه وهذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله وما ابرئى نفسي الآية أي من هذا الهم أو يكون ذلك منه على طريق التواضع انتهى واختلف في البرهان الذي رآه يوسف فقيل ناداه جبريل يا يوسف لا تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء وقيل رأى يعقوب عاضا على ابهامه وقيل غيره هذا وقيل بل كان البرهان فكرته في عذاب الله ووعيده على المعصية والبرهان في كلام العرب الشيء الذي يعطى القطع واليقين كان مما يعلم ضرورة أو بخبر قطعي أو بقياس نظري وأن في قوله لولا أن رأى في موضع رفع تقديره لولا رؤيته برهان ربه لفعل وذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله ولقد همت به وأن جواب لولا في قوله وهم بها وان المعنى لولا أن رأى البرهان لهم أي فلم يهم عليه السلام وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف ت وقد ساق عياض هذا القول مساق احتجاج به متصلا بما نقلناه عنه آنفا ولفظه فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة أن يوسف إليهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير أي ولقد همت به ولولا أن رأى برهان به لهم بها وقد قال الله تعالى عن المرأة ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وقال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وقال معاذ الله الآية انتهى وكذا نقله الداودي ولفظه وقد قال سعيد بن الحداد في الكلام تقديم وتأخير ومعناه أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان لم يهم انتهى قال ابن العربي في أحكامه وقد أخبر الله سبحانه عن حال يوسف من حين بلوغه بأنه آتاه حكما وعلما والحكم هو العمل بالعلم وكلام الله صادق وخبره صحيح ووصفه حق فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنا وتحريم خيانة السيد في أهله فما تعرض لامرأة العزيز ولا أناب إلى المراودة بل أدبر عنها وفر منها حكمة خص بها وعمل بما علمه الله تعالى وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إلى الصديق ما لا يليق وأقل ما اقتحموا من ذلك هتك السراويل والهم بالفتك فيما رأوه من تأويل وحاشاه من ذلك فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثا يقولون فعل فعل والله تعالى إنما قال هم بها قال علماء الصوفية إن فائدة قوله تعالى ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما إن الله عز و جل أعطاه العلم والحكمة بأن غلب الشهوة ليكون ذلك سببا للعصمة انتهى والكاف من قوله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا واقدارنا كذلك لنصرف ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير عصمتنا له كذلك وقرأ ابن كثير وغيره المخلصين بكسر اللام في سائر القرآن ونافع وغيره بفتحها وقوله تعالى واستبقا الباب الآية معناه سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها فقبضت في أعلى فميصه فتخرق القميص عند طوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص قال البخاري وألفيا أي وجدا الفوا آباءهم وجدوهم انتهى والقد القطع وأكثر مايستعمل فيما كان طولا والقط يستعمل فيماكان عرضا والفيا وجدا والسيد الزوج قاله زيد ابن ثابت ومجاهد وقوله سبحانه قالت ماجزاء من أراد بأهلك سوء الآية قال نوف الشامي كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة فلما بغت عليه غضب فقال الحق فأخبر أنها هي راودته عن نفسه فروي أن الشاهد كان ابن عمها قال انظروا إلى القميص وقال ابن عباس كان رجلا من خاصة الملك وقاله مجاهد وغيره والضمير في رأى هو العزيز وهو القائل أنه من كيدكن قاله الطبري وقيل بل الشاهد قال ذلك ونزع بهذه الآية من يرى الحكم بالإمارة من العلماء فإنها معتمدهم ويوسف في قوله يوسف أعرض عن هذا منادى قال ابن عباس ناداه الشاهد وهو الرجل الذي كان مع العزيز وأعرض عن هذا معناه عن الكلام به أي أكتمه ولا تتحدث به ثم رجع إليها فقال واستغفري لذنبك أي استغفري زوجك وسيدك وقال من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لأن الخاطئين أعم وقوله سبحانه وقال نسوة في المدينة أمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه نسوة جمع قلة وجمع التكثير نساء ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعا امرأة خبازة وامرأة بوابة وامرأة سجانة والعزيز الملك والفتى الغلام وعرفه في المملوك ولكنه قد قيل في غير المملوك ومنه إذ قال موسى لفتاه واصل الفتى في اللغة الشاب ولكن لماكان جل الخدمة شبابا استعير لهم اسم الفتى وشغفها معناه بلغ حتى صار من قلبها موض الشغاف وهو على اكثر القول غلاف من أغشية القلب وقيل الشغاف سويداء القلب وقيل الشغاف داء يصل إلى القلب فلما سمعت بمكرهن ارسلت اليهن ليحضرن واعتدت لهن متكأ أي أعدت ويسرت ما يتكأ عليه من فرش ووسائد وغير ذلك وقرأ ابن عباس وغيره متكا بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف واختلف في معناه فقيل هو الاترنج وقيل هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين وقولها أخرج عليهن أمر ليوسف واطاعها بحسب الملك وقوله أكبرنه معناه أعظمنه واستهولن جماله هذا قول الجمهور وقطعن أيديهن أي كثرن الخز فيها بالسكاكين وقرأ أبو عمرو وحده حاشى لله وقرأ سائر السبعة حاش لله فمعنى حاش لله أي حاشى يوسف لطاعته لله أو لمكانه من الله أن يرمى بما رميته به أو يدعى إلى مثله لأن تلك أفعال البشر وهو ليس منهم إنما هو ملك هكا رتب بعضهم معنى هذا الكلام على القرائتين وقرأ الحسن وغيره ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم بكسر اللام من ملك وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته قلن ما هذا مما يصلح أن يكون عبدا بشرا إن هذا إلا مما يصلح أن يكون ملكا كريما ت وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ففتح لنا فإذا بيوسف صلى الله عليه و سلم وإذا هو قد اعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير انتهى وقولها فذلكن الذي لمتنني فيه المعنى فهذا الذي لمتنني فيه وقطعتن أيديكن بسببه هو الذي جعلني ضالة في هواه ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة واستأمنت اليهن في ذلك إذ علمت أنهن قد عذرنها واستعصم معناه طلب العصمة وتمسك بها وعصاني ثم جعلت تتوعده وهو يسمع بقولها ولئن لم يفعل ما ءامره إلى آخر الآية ت واعترض ص بأن تفسير استعصم باعتصم أولى من جعله للطلب إذ لا يلزم من طلب الشيء حصوله انتهى والام في ليسجنن لام قسم واللام الأولى هي المؤذنة بالمجيء بالقسم والصاغرون الأذلاء وقول يوسف عليه السلام رب السجن أحب إلى إلى قوله من الجاهلين كلام يتضمن التشكي إلى الله تعالى من حاله معهن وأصب مأخوذ من الصبوة وهي أفعال الصبا ومن ذلك قول دريد ابن الصمة ... صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاة قال للباطل أبعد ... قال ص أصب معناه امل وهو جواب الشرط والصبابة إفراط الشوق انتهى فاستجاب له ربه أي أجابه إلى ارادته وصرف عنه كيدهن في أن حال بينه وبين المعصية وقوله سبحانه ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين بدا معناه ظهر ولما أبى يوسف عليه السلام من المعصية ويئست منه امرأة العزيز طالبته بأن قالت لزوجها إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب أختياره وأنا محبوسة محجوبة فأما أذنت لي فخرجت إلى الناس فأعتذرت وكذبته وأما حبسته كما أنا محبوسة فحينئذ بدا لهم سجنه ع وليسجننه جملة دخلت عليها لام قسم والآيات ذكر فيها أهل التفسير أنها قد القميص وخمش الوجه وحز النساء أيديهن وكلام الصبي علىما روي قال ع ومقصد الكلام إنما هو أنهم رأوى سجنه بعد ظهور الآيات المبرئة له من التهمة فهكذا يبين ظلمهم له والحين في كلام العرب وفي هذه الآية الوقت من الزمان غير محدود يقع للقليل والكثير وذلك بين من موارده في القرآن وقوله سبحانه ودخل معه السجن فتيان الآية المعنى فسجنوه فدخل معه السجن غلامان سجنا أيضا وروي أنهما كانا لملك الأعظم الوليد بن الريان أحدهما خبازه وأسمه مجلث والآخر ساقيه وأسمه نبو وروي أن الملك اتهمهما بأن الخباز منهما أراد سمه ووافقه على ذلك الساقي فسجنهما قاله السدي فلما دخل يوسف السجن استمال الناس فيه بحسن حديثه وفضله ونبله وكان يسلي حزينهم ويعود مريضهم ويسأل لفقيرهم ويندبهم إلى الخير فأحبه الفتيان ولزماه وأحبه صاحب السجن والقيم عليه وكان يوسف عليه السلام قد قال لأهل السجن أني اعبر الرؤيا وأجيد فروي عن ابن مسعود أن الفتيين استعملا هاتين المنامتين ليجرباه وروي عن مجاهد أنهما رأيا ذلك حقيقة فقال أحدهما اني اراني اعصر خمرا قيل فيه أنه سمى العنب خمرا بالمئال وقيل هي لغة ازد عمان يسمون العنب خمرا وفي قراءة أبي وابن مسعود أعصر عنبا وقوله أنا نراك من المحسنين قال الجمهور يريدان في العلم وقال الضحاك وقتادة المعنى من المحسنين في جريه مع أهل السجن واجماله معهم وقوله عز و جل قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما روي عن السدي وابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما علم شدة تعبير منامة الرأءى الخبز وأنها تؤذن بقتله ذهب إلى غير ذلك من الحديث عسى أن لا يطالباه بالتعبير فال لهما معلما بعظيم عمله للتعبير أنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل الذي أعلمكما به فروي أنهما قالا ومن أي لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم فال لهما ذلك مما علمني ربي ثم نهض ينحى لهما على الكفر ويقبحه ويحسن الإيمان بالله فروي أنه قصد بذلك وجهين أحدهما تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه إذ في ذلك النذارة بقتل أحدهما والآخر الطماعية في أيمانهما ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته وقال ابن جريج أراد يوسف عليه السلام لا يأتيكما طعام في اليقظة قال ع فعلى هذا إنما عليهم بأنه يعلم مغيبات لاتعلق لها برؤيا وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين وهذا على ما روي أنه بنئ في السجن فأخباره كأخبرا عيسى عليه السلام وقوله تركت مع أنه لم يتشبث بها جائز صحيح وذلك أنه أخبر عن تجنبه من أول بالترك وساق لفظ الترك استجلابا لهما عسى أن يتركا الترك الحقيقي الذي هو بعد الأخذ في الشيء والقومالمتروك ملتهم الملك وأتباعه وقوله واتبعت الآية تماد من يوسف عليه السلام في دعائهما إلى الملة الحنيفية وقوله ماكان لنا أن نشرك بالله من شيء من هي الزائدة الموكدة التي تكون مع الحجود وقوله لا يشكرون يريد الشكر التام الذي فيه الإيمان بالله عز و جل وقوله يا صاحبي السجن ءارباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار وصفه لهما بصاحبي السجن من حيث سكناه كما قال أصحاب الجنة وأصحاب النار ونحو ذلك ويحتمل أن يريد صحبتهما له في السجن كأنه قال يا صاحباي في السجن وعرضه عليهما بطلان أمر الأوثان بأن وصفها بالتفرق ووصف الله تعالى بالوحدة والقهر تلطف حسن وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل وعاندته وهكذا الوجه في محاجة الجاهل أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها ثم كذلك ابدا حتى يصل إلى الحق وإن أخذ الجاهل بجميع المذهب الذي يساق إليه دفعة أباه للحين وعانده ولقد ابتلى بارباب متفرقين من يخدم ابناء الدنيا ويؤملهم وقوله ما تعبدون من دونه إلا أسماء أي مسميات ويحتمل وهو الراجح المختار أن يريد ما تعبدون من دونه الوهية ولا لكم تعلق باله إلا بحسب أن سميتم أصنامكم آلهة فليست عبادتكم لا لله إلا بالاسم فقط لا بالحقيقة وأما الحقيقة فهي وسائر الحجارة والخشب سواء وإنما تعلقت عبادتكم بحسب الأسم الذي وضعتهم فذلك هو مبعودكم ومفعول سميتم الثاني محذوف تقديره آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذوات الأصنام وأما على المعنى المختار من أن عبادتهم إنما هي لمعان تعطيها الأسماء وليست موجودة في الأصنام فقوله سميتموها بمنزلة وضعتموها أن الحكم إلا لله أي ليس لأصنامكم والقيم معناه المستقيم وأكثر الناس لا يعلمون لجهالتهم وكفرهم ثم نادى يا صاحبي السجن ثانية لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب فروي أنه قال لنبو أما أنت فتعوذ إلى مرتبتك وسقاية ربك وقال لمجلث أما أنت فتصلب وذلك كله بعد ثلاث فروي أنهما قالا له ما رأينا شيئا وإنما تحالمنا لنجربك وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب وقيل كأنا رأينا ثم أنكرا ثم أخبرهما يوسف عن غيب علمه من الله تعالى أن الأمر قد قضي ووافق القدر وقوله وقال للذين ظن أنه ناج منهما الآية الظن هنا بمعنى اليقين لأن ما تقدم من قوله قضى الأمر يلزم ذلك وقال قتادة الظن هنا على بابه لأن عبارة الرؤيا ظن قال ع وقول يوسف عليه السلام قضي الأمر دال على وحي ولا يترتب قول قتادة إلا بإن يكون بعد وفي الآية تأويل آخر وهو أن يكون ن مسندا إلى الذي قيل له أه يسقى ربه خمرا لأنه داخله السرور بما بشر به وغلب على ظنه ومعتقده أنه ناج وقوله أذكرني عند ربك يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق أو يذكره يحمله ذلك والضمير في انساه قيل هو عائد على يوسف أي نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله فروي أن جبريل جاءه فعاتبه عن الله عز و جل في ذلك قيل أوحي إليه يا يوسف أتخذت من دوني وكيلا لا طيلن سبحانك والله أعلم بصحته وقيل الضمير في انساه عائد على الساقي قاله ابن إسحاق أي نسي ذكر يوسف عند ربه وهو الملك والبضع اختلف فيه والأكثر أنه من الثلاثة إلى العشرة قاله ابن عباس وعلى هذا فقه مذهب مالك في الدعاوي والإيمان وقال قتادة البضع من الثلاثة إلى التسعة ويقوى هذا قوله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر الصديق في يقصة خطره مع قريش في غلبة الروم لفارس أما علمت أن البضع من الثلاث إلى التسع وقوله سبحانه وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف روي أنه قال رأيتها خارجة من نهر وخرجت وراءها سبع عجاف فأكلت تلك السمان وحصلت في بطونها ورأى السنابل أيضا كما ذكر والعجاف التي بلغت غاية الهزال ثم قال لحاضريه يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون وعبارة الرؤيا مأخذوة من عبر النهر وهو تجاوزه من شط إلى شط فكان عابر الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها قال ص وإنما لم يضف سبع إلى عجاف لأن اسم العدد لا يضاف إلى الصفة إلا في الشعر انتهى وقوله سبحانه قالوا أضغاث أحلام الآية الضعث في كلام العرب أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه وربما كان ذلك من جنس واحد وربما كان من اخلاط النبات والمعنى أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط من الأحلام بسبب النوم ولسنا من أهل العلم بما هو مختلط ورديء والأحلام جمع حلم وهو ما يخيل إلى الإنسان في منامه والأحلام والرؤيا مما أثبتته الشريعة وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الرؤيا من الله وهي من المبشرة والحلم المحزن من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث مرات وليقل أعوذ بالله من شر ما رأيت فإنه لا تضره وما كان عن حديث النفس في اليقظة فإنه لا يلتفت إليه ولما سمع الساقي الذي نجا هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه تذكر يوسف وعلمه بالتأويل فقال مقالته في هذه الآية وادكر أصله اذتكر من الذكر فقلبت التءا دالا وأدغم الأول في الثاني وقرا جمهور الناس بعد أمة وهي المدة من الدهر وقرأ ابن عباس وجماعة بعد أمة وهو النسيان وقرأ مجاهد وشبل بعد أمة بسكون الميم وهو مصدر من أمه إذا نسي وبقوله أذكر يقوى قول من قال إن الضمير في أنساه عائد على الساقي والأمر محتمل وقرأ الجمهور انا انبئكم وقرأ الحسن بن أبي الحسن انا آتيكم وكذلك في مصحف أبي وقوله فارسلون استيذان في المضي وقوله يوسف أيها الصديق افتنا المعنى فجاء الرسول وهو الساقي إلى يوسف فقال له يوسف أيها الصديق وسماه صديقا من حيث كان جرب صدقه في غير ما شيء وهو بناء مبالغة من الصدق ثم قال له افتنا في سبع بقرات أي فيمن رأى في المنام سبع بقرات وقوله لعلهم يعلمون أي تأويل هذه الرؤيا فيزول هم الملك لذلك وهم الناس وقيل لعلهم يعلمون مكانتك من العلم وكنه فضلك فيكون ذلك سببا لتخلصك ودأبا معناه ملازمة لعادتكم في الزراعة وقوله فما حصدتم فذروه في سنبله إشارة برأيى نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة ابقائها في السنبل والمعنى أتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل فيجتمع الطعام هكذا ويتركب ويؤكل الأقدام فالأقدام وروي أن يوسف عليه السلام لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره قال له الملك قد اسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة فكان هذا أول ما ولي يوسف وتحصنون معناه تحرزون وتخزنون قاله ابن عباس وهو مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ ومنه تحصن النساء لأنه بمعنى التحرز وقوله يغاث الناس جائز أن يكون من الغيث وهو قول ابن عباس وجمهور المفسرين أي يمطرون وجائز أن يكون من أغاثهم الله إذا فرج عنهم ومنه الغوث وهو الفرج وفيه يعصرون قال جمهور المفسرين هي من عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل ومص ربلد عصر لأشياء كثيرة وقوله سبحانه وقال الملك ايتوني به فلما جاءه الرسول الآية لما رأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن مع ما وصف به من الصدق عظم يوسف في نفس الملك وقال ايتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك يعني الملك فسأله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن وقصده عليه السلام بيان براءته وتحقق منزلته من العفة والخير فرسم القصة بطرف منها إذا وقع النظر عليه بأن الأمر كله ونكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم صاحب ملك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لبثت في السجن لبث يوسف لاجبت الداعي المعنى لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها إلى يوم القيامة فأراد صلى الله عليه و سلم حمل الناس على الاحزم من الأمور وذلك أن التارك لمثل هذه الفرصة ربما نتج له بسبب التأخير خلاف مقصوده وإن كان يوسف قد آمن ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن ذلك فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه و سلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح ليقتدى به وما فعله يوسف عليه السلام حالة صبر وتجلد قال ابن العربي في أحكامه وأنظر إلى عظيم حلم يوسف عليه السلام ووفرو أدبه كيف قال ما بال النسوة اللتي قطعن أيديهن فذكر النساء جملة لتدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح دون التصريح انتهى وهذه كانت أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لا يقابل أحد بمكروه وإنما يقول ما بال أقوام يفعلون كذا من غير تعيين وبالجملة فكل خصلة حميدة مذكورة في القرآن أتصف بها الأنبياء والأصفياء فقد أتصف بها نبينا محمد صلى الله عليه و سلم إذ كان خلقه القرآن كما روته عائشة في الصحيح وكما ذكر الله سبحانه اولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده انتهى وقوله إن ربي بكيدهن عليم فيه وعيد وقوله قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه المعنى فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن وقال لهن ما خطبكن الآين أي أي شيء كانت قصتكن فجاوب النساء بجواب جيد تظهر منه براءة أنفسهن واعطين يوسف بعض براءة فقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء فلماس معت امرأة العزيز مقالتهن وحيدتهن حضرتها نية وتحقيق فقالت الآن حصحص الحق أي تبين الحق بعد خفائه قاله الخليل وغيره قال البخاري حاش وحاشى تنزيه واستثناء وحصحص وضح انتهى ثم أقرت على نفسها بالمراودة والتزمت الذنب وابرأت يوسف البراءة التامة وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب إلى قوله ربي غفور رحيم اختلف فيه أهل التأويل هل هو من قول يوسف أو من قول امرأة العزيز وقوله سبحانه وقال الملك ايتوني به استخلصه لنفسي المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف وتحقق في القصة أمانته وفهم أيضا صبره وعلو همته عظمت عنده منزلته وتيقن حسن خلاله فقال ايتوني به استخلصه لنفسي فلما جاءه وكلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين أي متمكن مما أردت أمين على ما ائتمنت عليه من شيء أما أمانته فلظهور براءته وأما مكانته فلثبوت عفته وتراهته انتهى ولما فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره قال أجعلني على خزائن الأرض لما في ذلك من مصالح العباد قال ع وطلبه يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام في رغبته في أن يقع العدل وجائز أيضا للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره والخزائن لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره وقوله سبحانه وكذلك مكنا ليوسف في الأرض الإشارة بذلك إلى جميع ما تقدم من جميل صنع الله به فروي أن العزيز مات في تلك الليالي وقال ابن إسحاق بل عزله الملك ثم مات اظفير فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته فلما دخلت عليه عروسا قال لها أليس هذا خيرا مما كنت أردت فدخل يوسف بها فوجدها بكرا وولدت له ولدين وروي أيضا أن الملك عزل العزيز وولي يوسف موضعه ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع قال مجاهد وأسلم الملك آخر أمره ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه ومات وافتقرت زوجته وشاخت فلما كان في بعض الأيام لقيت يوسف في طريق والجنود حوله ووراءه وعلى رأسه بنود عليها مكتب هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة انا ومن ابعني وسبحان الله وما انا من المشركين فصاحب به وقالت سبحان الله من أعز العبيد بالطاعة وأذل الأرباب بالمعصية فعرفها وقالت له تعطف علي وارزقني شيئا فدعا له وكلمها واشفق لحالها ودعا الله تعالى فرد عليها جمالها وتزوجها وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته ويطول الكلام بسبوقه وباقي الآية بين واضح للمستبصرين ونور وشفاء لقلوب العارفين وقوله ليوسف ابو البقاء اللام زائدة أي مكنا يوسف ويجوز ألا تكون زائدة فالمفعول محذوف أي مكنا ليوسف الأمور انتهى وقوله عز و جل وجاء أخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون قال السدي وغيره سبب مجيئهم أن المجاعة اتصلت ببلادهم وكان الناس يمتارون من عند يوسف وهو في رتبة العزيز المتقدم وكان لا يعطى الوارد أكثر من حمل بعير يسوي بين الناس فلما ورد أخوته عرفهم ولم يعرفوه لبعد العهد وتغير سنه ولم يقع لهم بسبب ملكه ولسانه القبطي ظن عليه وروي في بعض القصص أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجيمع أمرهم فباحثهم بأن قال لهم بترجمان اظنكم جواسيس فاحتاجوا حينئذ إلى التعريف بأنفسهم فقالوا نحن أبناء رجل صديق وكنا اثني عشر ذهب منا واحد في البرية وبقي أصغرنا عند أبينا وجئنا نحن للميرة وسقنا بعير الباقي منا وكنا عشرة ولهم أحد عشر بعير فقال لهم يوسف ولم تخلف أحدكم قالوا لمحبة أبينا فيه قال فأتوا بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لم أحبه أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين وروي في القصص أنهم وردوا مصر واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستيذان فعرفهم وأمر بإنزالهم وأدخالهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وروي أنه كان متلثما ابدا سترا لجماله وأنه كان يأخذ الصلواع فينقره ويفهم من طنينه صدق الحديث من كذبه فسئلوا عن أخبارهم فكلما صدقوا قال لهم يوسف صدقتم فلما قالوا وكان لنا أخ أكله الذيب أطن يوسف الصواع وال كذبتم ثم تغير لهم وقال أراكم جواسيس وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك في قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن والجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وقوله بأخ لكم ص نكره ليريهم أنه لا يعرفه وفرق بين غلام لك وبين غلامك ففي الأول أنت جاهل به وفي الثاني أنت عالم لأن التعريف به يفيد نوع عهد في الغلام بينك وبين المخاطب انتهى وقول يوسف ألا ترون أني أوفي الكيل الآية يرغبهم في نفسه آخرا ويؤنسهم ويستميلهم والنزلين يعني المضيفين ثم توعدهم بقوله فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون أي في المستأنف وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال كان يوسف يلقى حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيظن فيقول لهم إن هذا الإناء يخبرني أن لكم أبا شيخا وروي أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام إظهارا لعزته بحسب غلائه وروي أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس ثم املاكهم وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى وقوله لعلهم يعرفونها يريد لعلهم يعرفوا لها يدا وتكرمة يرون حقها فيرغبون في الرجوع إليناوأما ميز البضاعة فلا يقال فيه لعل وقيل قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوام ن أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن وهذا ضعيف من وجوه وسرورهم بالبضاعة وقولهم هذه بضاعتنا ردت إلينا يكشف أن يوسف لم يقصد هذا وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم ويظهر أن ما فعله يوسف من صلتهم وجبرهم في تلك الشدة كان واجبا عليه وقيل علم عدم البضاعة والدرهم عند أبيه فرد البضاعة إليهم ليلا يمنعهم العدم من الرجوع إليه وقيل جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة والظاهر من القصة أنه إنما أراد الاستيلاف وصلة الرحم وأصل نكتل نكتئل وقولهم منع منا الكيل ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله فلا كيل لكم عندي فهو خوف من المستأنف وقيل اشاروا إلى بعير يامين والأول أرجح ثم تضمنوا له حفظه وحيطته وقول يعقوب عليه السلام هل آمنكم عليه الآية هل توقيف وتقرير ولم يصرح بممنعهم من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة لكنه أعلمهم بقلة طمانينته إليهم ولكن ظاهر أمرهم أنهم قد أنابوا إلى الله سبحانه وانتقلت حالهم فلم يخف على يامين كخوفه على يوسف وقرأ نافع وغيره خير حفظا وقرأ حمزة وغيره خير حافظا ونصب ذلك في القراءتين على التمييز والمعنى أن حفظ الله خير من حفظكم فاستسلم يعقوب عليه السلام لله وتوكل عليه وقولهم ما نبغي يحتمل أن تكون ما استفهاما قاله قتادة ونبغي من البغية أي ماذا نطلب بعد هذه التكرمة هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا قال الزجاجويحتمل أن تكون مانافية أي ما بقي لنا ما نطلب ويحتمل أن تكون أيضا نافية ونبغي منا البغي أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا نفي وصف اجماله واكرامه هذه البضاعة ردت إلينا وقرأ أبو حيوة ما تبغي على مخاطبة يعقوب وهي بمعنى ما تريد وما تطلب وقولهم ونزدادكيل بعير يردون بعير أخيهم إذ كان يوسف إنما حمل لهم عشرة أبعرة ولم يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه وقولهم ذلك كيل يسير قيل معناه يسير على يوسف أن يعطيه وقال السدي يسير أي سريع لا نحبس فيه ولا نمطل وقوله تعالى فلما ءاتوه موثقهم فالآية أي لما عاهدوه اشهد الله بينه وبينهم بقوله الله على ما نقول وكيل والوكيل القيم الحافظ الضامن وقوله إلا أن يحاط بكم لفظ عام لجميع وجوه الغلبة أنظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة وأشهد الله تعالى ووصى بنيه وأخبر بعد ذلك بتوكله فهذا توكل مع من سبب وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شذ في رفض السعي بالكلية وقنع بالماء وبقل البرية فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء عليهم السلام والشارعون منهممثبتون سنن التسبب الجائز قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي حمزة رضي الله عنه وقد أشتمل القرآن على أحكام عديدة فمنها التعلق بالله تعالى وترك الأسباب ومنها عمل الأسباب في الظاهر وخلو الباطن من التعلق بها وهو اجلها وازكاها لأن ذلك جمع بين الحكمة وحقيقة التوحيد وذلك لا يكون إلا للافذاذ الذين من الله عليهم بالتوفيق ولذلك مدح الله تعالى يعقوب عليه الصلاة و السلام في كتابه فقال وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنه عمل الأسباب وأجتهد في توفيتها وهو مقتضى الحكمة ثم رد الأمر كله لله تعالى واستسلم إليه وهو حقيقة التوحيد فقال وما أغنى عنكم من الله من شيء أن الحكم إلا لله الآية فأنثى الله تعالى عليه من أجل جمعه بين هاتين الحالتين العظيمتين وقوله لا تدخلوا من باب واحد قيل خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد وكانوا أهل جمال وبسطة قاله ابن عباس وغيره وقوله سبحانه ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له أن أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا وفي كتاب أبي منصور المهراني أنه خاطبه بكتاب قرئى على يوسف فبكى وقوله سبحانه ما كان يغنى عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها بمثابة قولهم لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أربا ليعقوب قضاه فالاستثناء ليس من الأول والحاجة هي ان يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين ونظير هذا الفعل أن النبي صلى الله عليه و سلم سد كوة في قبر بحجر وقال إن هذا لا يغني شيئا ولكنه تطييب لنفس الحي ثم اثنى الله عز و جل على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى وأن أكثر الناس ليس كذلك وقال قتادة معناه لعامل بما علمناه وقال سفيان من لا يعمل لا يكون عالما قال ع وهذا لا يعطيه اللفظ إما أنه صحيح في نفسه يرجحه المعنى وما تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام وقوله اني الا اخوك قال ابن إسحاق وغيره أخبره بأنه أخوه حقيقة واستكتمه وقال له لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم وكان يامين شقيق يوسف وقوله فلا تبتئس بما كانوا يعملون يحتمل أن يشير إلى ما عمله الأخوة ويحتمل الإشارة إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السقاية ونحو ذلك وتبتئس من البؤس أي لا تحزن ولا تهتم وهكذا عبر المفسرون وقوله سبحانه فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يستعبد السارق وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه العزم فعلم يوسف أن أخوته لثقتهم ببراءة ساحتهم سيدعون في السرقة إلى حكمهم فتحيل لذلك واستسهل الأمر على ما فيه من رمي ابرياء وادخال الهم على يعقوب وعليهم لما علم في ذلك من الصلاح في الآجل وبوحي لا محالة واردة من الله محنتهم بذلك والسقاية الإناء الذي به يشرب الملك وبه كان يكيل الطعام للناس هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس وغيره ووري أنه كان من فضة وهذا قول الجمهور وكان هذا الجعل بغير علم من يامين قاله السدي وهو الظاهر فلما فصلت العير باوقارها وخرجت من مصر فيما روي امر بهم فحبسوا واذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ومخاطبة العير مجاز والمراد أربابها ت قال الهروي قوله تعالى ايتها العير الإبل والحمير التي يحمل عليها الأحمال وأراد أصحاب العير وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم يا خيل الله أركبي أراد يا أصحاب خيل الله اكبي وأنت ايا لأنه للعير وهي جماعة انتهى فلما سمع أخوة يوسف هذه المقالة اقبلوا عليم وساءهم أن يرموا بهذه المثلبة وقالوا ماذا تفقدون ليقع التفتيش فتظهر براءتهم ولم يلوذوا بالإنكار من أول بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن يكون فيها ما تبطل به فلا يحتاج إلى خصام قالوا نفقد صواع الملك وهو المكيال وهو السقاية قال أبو عبيدة يؤنث الصواع من حيث سمي سقاية ويذكر من حيث هو صاع ت ولفظ أبي عبيدة الهروي قال الأخفش الصاع يذكر ويؤنث قال الله تعالى ثم استخرجهامن وعاء أخيه فانث وقال لمن جاء به حمل بعير فذكر لأنه عني به الصواع انتهى وقوله ولمن جاء به حمل بعير أي لمن دل على سارقه وجبر الصواع وهذا جعل وقوله وأنا به زعيم حمالة قال مجاهد الزعيم هو المؤذن الذي قال أيتها العير والزعيم الضامن في كلام العرب وقوله تعالى قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض روي أن أخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة الموجودة في الرحال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا لقد علمتم أي لقدعلمتم منا التحري وروي أنهم كانوا قد اشتهروا بمصر بصلاح وتعفف وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم ليلا تنال زروع الناس فلذلك قالوا لقد علمتم والتاء في تالله بدل من الواو ولا تدخل التاء في القسم إلا في هذا الإسم قال ابن العربي في أحكامه قال الطبري قوله تعالى قالوا جزاؤه من وجد في رحله على حذف مضاف تقديره جزاؤه استعباد أو استرقاق من وجد في رحله انتهى وقولهم كذلك نجزي الظالمين أي هذه سنتنا وديننا في أهل السرقة أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق وقوله سبحانه فبدأ بأوعيتهم الآية بدؤه أيضا من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة وأضاف الله سحبانه الكيد إلى ضميره لما خرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتقاد الناس كيد وقال السدي والضحاك كدنا معناه صنعنا ودين الملك فسره ابن عباس بسلطانه وفسره قتادة بالقضاء والحكم وهذا متقارب قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى كذلك كذنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إذ كان الملك لا يرى استرقاق السارق وإنما كان دينه أن يأخذ المجني عليه من السارق مثلي السرقة إلا إن يشاء الله التزام الأخوة لدين يعقوب بالاسترقاق فقضى عليهم به انتهى قال ع والاستثناء في هذه الآية حكاية حال التقدير إلا أن يشاء الله وما وقع من هذه الحيلة وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده عن مالك عن زيد بن أسلم أنه قال في قوله عز و جل نرفع درجات من نشاء قال بالعلم انتهى من كتاب العلم وقوله سبحانه وفوق كل ذي علم عليم المعنى أن البشر في العلم درجات فكل عالم فلا بد من أعلم منه فأما من البشر وأما الله عز و جل فهذا تأويل الحسن وقتادة وابن عباس وروي أيضا عن ابن عباس إنما العليم الله وهو فوق كل ذي علم قال ابن عطاء الله في التنوير أعلم أن العلم حيث ما تكرر في الكتاب العزيز أو في السنة فإنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية وتكتنفه المخافة انتهى قال الشيخ العراف أبو القاسم عبد الرحمن ابن يوسف اللجاءي رحمه الله إذا كملت للعبد ثلاث خصال وصدق فيهاتفجر العلم من قلبه على لسناه وهي الزهد والإخلاص والتقوى قال ولا مطمع في هذا العلم المذكور إلا بعد معالجة القلب من علله التي تشينه كالكبر والحسد والغضب والرياء والسمعة والمحمدة والجاه والشرف وعلو المنزلة والطمع والحرص والقسوة والمداهنة والحقد والعداوة وكل ما عددناه من العلل وما لم نعده راجع إلى أصل واحد وهو حب الدنيا لأن حبها عنه يتفرع كل شر وعنه يتشعب كل قبيح فإذا زالت هذه العل ظهر الصدق والإخلاص والتواضع والحلم والورع والقناعة والزهد والصبر والرضى والأنس والمحبة والشوق والتوكل والخشية والحزن وقصر الأمل ومزاج النية بالعلم فينبع العلم وينتفي الجهل ويضيء القلب بنور الاهي ويتلألأ الإيمان وتوضح المعرفة ويتسع اليقين ويتقوى الإلهام وتبدو الفراسات ويصفى السر وتتجلى الأسرار وتوجد الفوائد قال رحمه الله وليس بين العبد والترقي من سفل إلى علو الأ حب الدنيا فإن الترقي يتعذر من أجل حبها لأنها جاذبة إلى العالم الظلماني وطباع النفوس لذلك ماثلة فإن أردت أن تقتفي أثر الذاهبين إلى الله تعالى فاستخفف بدنياك وأنظرها بعين الزوال وأنزل نفسك عند أخذ القوت منها منزلة المضطر إلى الميتة والسلام انتهى وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئا استغفر الله عز و جل من فعله ذلك وظاهر كلام قتادةوغيره أن المستغفر هو يوسف حتى انتهى إلى رحل بنيامين فقال ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا فقال له إخوته والله لا تبرح حتى تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ففتش حينئذ فأخرج السقاية وروي أن أخوة يوسف لما رأوا ذلك عنفوا بنيامين وقالوا له كيف سرقت هذه السقاية فقال لهم والله ما فعلت فقالوا له فمن وضعها في رحلك قال الذي وضع البضاعة في رحالكم والضمير في قوله استخرجها عائد على السقاية ويحتمل على السرقة وقوله سبحانه قالوا إن يسرق أي قالوا أخوة يوسف إن كان هذا قد سرق فغير بدع من ابني راحيل لأن أخه يوسف قد كان سرق فهذا من الأخوة إنحاء على ابني راحيل يوسف ويامين وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر موجب الحكم في النازلتين فلم يعنوا في غيبة ليوسف وإنما قصدوا الأخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم ويختص بها هذان الشقيقان وأما ما روي في سرقة يوسف فالجمهور على أن عمته كانت ربته فلما شب أراد يعقوب أخذه منها فولعت به وأشفقت من فراقه فأخذت منطقة إسحاق وكانت متوارثة عندهم فنطقته بها من تحت ثيابه ثم صاحب وقالت إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها ففتشت فوجدت عنده فاسترقته حسب ما كان في شرعهم وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه وقوله فاسرها يوسف يعني أسر الخرة التي حدثت في نفسه من قول الأخوة وقوله أنتم شر مكانا الآية الظاهرمنه أنه قالها افصاحا كأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم نجههم بوقهل أنتم شر مكانا أي لسوء أفعالكم والله أعلم إن كان ما وصفتموه حقا وفي اللفظ إشارة إلى تكذبيهم ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام وقالت فرقة لم يقل هذا الكلام إلا في نفسه وأنه تفسير للذي أسر في نفسه فكأن المراد قال في نفسه انتم شر مكانا وذكر الطبري هنا قصصا اختصاره أنه لما استخرجت السقاية من رحل يامين قال أخوته يا بني راحيل لا يزال البلاء ينالنا من جهتكم فقال يامين بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم ذهبتم بأخي فأهكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم فقالوا لا تذكر الدراهم ليلا نؤخذ بها ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فظن فقال أنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم فبعتموه فسجد يامين وقال أيها العزيز سل سواعك هذا يخبرك بالحق في قصص يطول أثرنا اختصاره وروي أن روبيل غضب وقف شعره حتى خرج من ثيابه فأمر يوسف بنياله فمسه فسكن غضبه فقال روبيل لقد مسني أحد من ولد يعقوب ثم أنهم تشاوروا في محاربة يوسف وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذل فلما أحس يوسف بذلك قال إلى روبيل فلببه وصرعه فرأوا من قوته ما استعظموه وقالوا يا أيها العزيز الآية وخاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته علىما روي في ذلك وقوله فخذ أحدنا مكانه يحتمل أن يكون ذلك منهم مجازا ويحتمل أن يكون حقيقة على طريق الحمالة حتى يصل يامين إلى أبيه ويعرف يعقوب جلية الأمر فمنع يوسف من ذلك وقال معاذ الله الآية وقوله سبحانه فلما استيأسوا منه الآية يقا يئس واستيأس بمعنى واحد قال البخاري خلصوا نجيا اعتزلوا والجمع أنجية وللأثنين والجمع نجي وأنجية انتهى وقال الهروي خلصوا نجيا أي تميزوا عن الناس متناجين انتهى وكبيرهم قال مجاهد هو شمعون كان كبيرهم رأيا وعلما وإن كان روبيل أسنهم وقال قتادة هو روبيل لأنه اسنهم وهذا أظهر ورجحه الطبري وذكرهم أخوهم ميثاق أبيهم لتأتننى به إلا أن يحاط بكم وقوله فلن أرح الأرض قال ص برح التامة بمعنى ذهب وظهر ومنه برح الخفاء أي ظهر والمتوجه هنا معنى ذهب لكنه لاينصب الظرف المكاني المختص إلا بواسطة فاحتيج إلى تضمينه معنى فارق والأرض مفعول به ولا يجوز أن تكون ابرح ناقصة انتهى وقوله ارجعوا إلى أبيكم الأمر بالرجوع قيل هو من قول كبيرهم وقيل من قول يوسف والأول أظهر وذكر الطبري أن يوسف قال لهم إذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه السلام وقولوا له إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله وقرأ الجمهور سرق وروي عن الكسائي وغيره سرق ببنائه للمفعول وما شهدنا إلا بما علمنا أي باعتبار الظاهر والعلم في الغيب إلى الله ليس ذلك في حفظنا هذا تأويل ابن إسحاق ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيها وهي مصر قاله ابن عباس والمراد أهلها قال البخاري سولت أي زبنت وقوله يعقوب عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يعني بيوسف ويامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض ورجاؤه هذا من جهات منها حسن ظنه بالله سبحانه في كل حال ومنها رؤيا يوسف المتقدمة فإنه كان ينتظرها ومنها ما أخبروه عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه وقوله سبحانه وتولى عنهم أي زال بوجهه عنهم ملتجأ إلى الله وقال يا اسفى على يوسف قال الحسن خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب يا اسفى قال ع والمراد يا اسفى لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفا نحو يا غلاما ويا ابتا ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا اسفى لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام وروي أني عقوب عليه السلام حزم حزم سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو كظيم بمعنى كاظم كما قال والكاظمين الغيظ ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره فكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ت وهذاينظر إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم القب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب الحديث ذكر هذا صلى الله عليه و سلم عند موت ولده إبراهيم قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قال كظم على الحزن فلم يقل إلا خيرا انتهى قال ابن العربي في أحكامه وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في أبنه إبراهيم أن العين دمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى الرب وانا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون وقال أيضا في الصحيح صلى الله عليه و سلم إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب وإنما يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم انتهى خرجه البخاري وغيره وقوله تعالى قالوا تالله تفتؤا الآية المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذا الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئي القيس ... فقلت يمين الله ابرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ... ومنه قول الآخر ... تالله يبقى على الآيام ذو حيد ... أراد لا أبرح ولا يبقى وفتضى بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل تقول والله لافتئت قاعدا كما تقول لا زلت ولا برحت وعبارة الداودي وعن ابن عباس تفتؤا أي لا زلا تذكر يوسف حتى تكون حرضا انتهى والحرض الذي قد نهاه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس يقال رجل حارض أي ذو هم وحزن ومنه قول الشاعر ... إني امرؤ لج بي حب فاحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم ... والحرض بالجملة الذي فسد ودنا موته قال مجاهد الحرض ما دون الموت وفي حديث النبي صلى الله عليه و سلم ما من مؤمن يمرض حتى يحرضه المرض إلا غفر له انتهى من رقائق ابن المبارك ثم اجابهم يعقوب عليه السلام بقوله إنما اشكوا بثي وحزني إلى الله أي إني لست ممن يجزع ويضجر وإنما أشكوا إلى الله والبث ما في صدر الإنسان مما هو معتزم أن يثبته وينشره وقالوا أبو عبيدة وغيره البث أشد الحزن قال الداودي عن ابن بير قال من بث فلم يصبر ثم قرأ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله انتهى وقول وتيأسوامن روح الله الآية الروح الرحمة ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين إذ فيه ما التكذيب بالربوبية وأما الجهل بصفات الله تعالى والبضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء ولزمها عرف الفقه فيما لاحظ لحملها من الربح والمزجاة معناها المدفعوة المتحيل لها وبالجملة فمن يسوق شيئا ويتلطف في تسييره فقد ازجاه فإذا كانت الدراهم مدفوعة نازلة القدر تحتاج أنيعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة فقيل كان ذلك لأنها كانت زيوفا قاله ابن عباس وقيل كانت بضاعتهم عروضا وقولهم وتصدق علينا معناه ما بين الدراهم الجياد وبين هذه المزجاة قاله السدي وغيره وقال الداودي عن ابن جريج وتصدق علينا قال أردد علينا أخانا انتهى وهو حسن وقوله تعالى هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون روي أن يوسف عليه السلام لما قال له إخوته مسنا وأهلنا الضر واستعطفوه رق ورحمهم قال ابن إسحاق وأرفض دمعه باكيا فشرع في كشف أمره إليهم فروي أنه حسر قناعة وقال لهم هل علمتم الآيةوما فعلتم بيوسف وأخيه أي من التفريق بينهما في الصغر وما نالهما بسببكم من المحن غذ أنتم جاهلون نسبهم إما إلى جهل المعصية وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة فلما خاطبهم هذه المخاطبة تنبهوا ووقع لهم الظن القوي وقرائن الحال أنه يوسف فقالوا ائنك لانت يوسف مستفهمين فأجباهم يوسف كاشفا أمره قال أنا يوسف وهذا أخي وباقي الآية بين وقوله سبحانه قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخطاطئين هذا منهم استنزال ليوسف وأقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه وءاثرك لفظ يعم جميع التفضيل وقوله لا تثريب عليكم عفو جميل وقال عكرمة أوحى الله إلى يوسف بعفوك عن أخوتك رفعت لك ذكرك والتثريب اللوم والعقوبة وماجرى معهما من سوء معتقد ونحوه وعبر بعض الناس عن التثريب بالتعيير ووقف بعض القرأة عليكم وابتدأ اليوم يغفر الله لكم ووقف أكثرهم اليوم وابتدأ يغفر الله لكم على جهة الدعاء هو تأويل ابن إسحاق والطبري وهو الصحيح الراجح في المعنى لأن الوقف الآخر فيه حكم على مغفرة الله اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي وقوله إذهبوا بقميصى هذا فالقوه على وجه أبى قال النقاش روي أن هذا القميص كان من ثياب الجنة كساه الله إبراهيم ثم توارثه بنوه قال ع وهذا يحتاج إلى سند والظاهر أنه قميص يوسف كسائر القمص وقول يوسف يأت بصيرا فيه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله تعالى وروي أن يعقوب وجد ريح يوسف وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام قاله ابن عباس وقال هاجت ريح فحملت عرفه وقول يعقوب إني لاجد ريح يوسف مخاطبة لحاضريه فروي أنهم كانوا حفدته وقيل كانوا بعض بنيه وقيل كانوا قرابته وتفندون معناه تردون رأيي وتدفعون في صدره وهذاهو التفنيذ لغة قال منذر بن سعيد يقال شيخ مفند أي قد فسد رأيه والذي يشبه أن تفتيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعقتدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف وقال ص معنى تفندون تسفهون انتهى وقولهم إنك لفي ضلالك القديم يريدون لفي انتلافك في محبة يوسف وليس بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به وقوله سبحانه فلما ان جاء البشير القاه على وجهه فارتد بصيرا روي عن ابن عباس أن البشير كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم وبصيرا معناه مبصرا وروي أنه قال للبشير على أي دين تركت يوسف قال على الإسلام قال الحمد لله الآن كملت النعمة وقوله تعالى قالوا يا ابانا استغفر لنا ذنوبنا الآية روي أن يوسف عليه السلام لما غفر لأخوته وتحققوا أن أباهم يغفر لهم قال بعضهم لبعض ما يغنى عنا هذا أن لم يغفر الله لنا فطلبوا حينئذ من يعقوب عليه السلام أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى واعترفوا بالخطأ فقال لهم يعقوب سوف استغفر لكم ربي ت وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعلي رضي الله عنه إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقد قال أخي يعقوب لنبيه سوف استغفر لكم ربي يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وذكر الحديث رواه الترمذي وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلما انتهى من السلاح وقوله سبحانه ءاوى إليه أبويه قال بن إسحاق والحسن أراد بالأبوين أباه وأمه وقيل أراد أباه وخالته قال ع والأول أظهر بحسب اللفظ إلا أن يثبت بسند أن أمه قد كانت ماتت وقوله إن شاء الله هذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن إليه أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه في الستقبل والعرش سرير الملك وخروا له سجدا أي سجود تحية فقيل كان كالسجود المعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض وقيل بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان وأجمع المفسرون أنه كان سجود تحية لا سجود عبادة وقال الحسن الضمير في له لله عز و جل ورد هذا القول على الحسن وقوله عز و جل وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا المعنى قال يوسف ليعقوب هذا السجود الذي كان منكم هو ما آلت إليه رؤياي قديما في الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر قد جعلها ربي حقا ثم أخذ عليه السلام يعدد نعم الله عليه وقال وقد أخرجني من السجن وترك ذكر أخراجه من الجب لأن في ذكره تجدبد فعل أخوته وخزيهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس ووجه آخر أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا واضح أن ربي لطيف لما يشاء أي من الأمور أن يفعله أنه هو العليم الحكيم قال ع ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه وأراد من صورة جمعهم لا إله إلا هو وقال النقاش كان ذلك الوحي في الجب وهو قوله سبحانه وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وهذا محتمل وقوله رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث الآية ذكر كثير من المفسرين أن يوسف عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين ورأى أن الدنيا قليلة فتمنى الموت في قوله توفني مسلما والحقني بالصالحين وقال ابن عباس لم يتمن الموت نبيء غير يوسف وذكر المهدوي تأويلا آخر وهو الأقوى عندي أنه ليس في الآية تمني موت وإنما تمنى عليه السلام الموافاة على الإسلام لا الموت وكذا قال القرطبي في التذكرة أن معنى الآية إذا جاء أجلي توفني مسلما قال وهذا القول هو المختار عند أهل التأويل والله أعلم انتهى وقوله صلى الله عليه و سلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحا وقد قال صلى الله عليه و سلم في بعض أدعيته وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون وقوله أنت وليي أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ورحمتي وقوله عز و جل ذلك من أبناء الغيب نوحيه إليك ذلك إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه والضمير في لديهم عائد على أخوة يوسف واجمعوا معناه عزموا والأمر هنا هو إلقاء يوسف في الجب وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني أنه قال والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم أنهم الأنبياء من أهل الجنة ولكن الله قص علينا نبأهم ليلا يقنط عبده وقوله سبحانه وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وقوله وما تسألهم عليه من أجر الآية توبيخ للكفرة وإقامة للحجة عليهم ثم ابتدأ الأخبار عن كتابه العزيز أنه ذكر وموعظة لجميع العالم نفعنا الله به ووفر حظنا منه وقوله سبحانه وكأين من آية في السموات والأرض يعني بالآية هنا المخلوقات المنصوبة للاعتبار الدالة على توحيد خالقها سبحانه وفي مصحف عبد الله يمشون عليها وقوله سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون قال ابن عباس هي في أهل الكتاب وقال مجاهد وغيره هي في العرب وقيل نزلت بسبب قول قريش في الطواف التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سمع أحدهم يقول لبيك لا شريك لك يقول له قط قط أي قف هنا لا تزد إلا شريكا هو لك والغاشية ما يغشى ويضى ويضم وبغتة أي فجأة وهذه الآية من قوله وكاين من آية وأن كانت في الكفار فإن العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغويا كالرياء فقد قال عليه السلام الرياء الشرك الأصغر وقوله سبحانه قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله الآية إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها قال ابن زيد المعنى هذا أمري وسنتي ومنهاجي والبصيرة اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين وقوله انا ومن اتبعني يحتمل أن يكون أنا تأكيد للضمير المستكن في أدعوا ومن معطوف عليه وذلك بأن تكون الأمة كلها أمرت بالمعروف داعية إلى الله الكفرة والعصاة قال ص ويجوز أن يكون أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبر مقدم ومن معطوف عليه انتهى وسبحان الله تنزيه لله أي وقل سبحان الله متبريا من الشرك وقوله سبحانه وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم الآية تتضمن الرد على من استغرب إرسال الرسل من البشر والقرى المدن قال الحسن لم يبعث الله رسولا قط من أهل البادية قال ع والتبدي مكروه إلا في الفتنة وحين يفر بالدين ولا يعترض هذا ببدو يعقوب لأن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود بل هو بتقر وفي منازل وربوع وأيضا إنما جعله بدوا بالاضافة إلى مصر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر ثم أحال سبحانه على الأعتبار في الأمم السالفة ثم حض سبحانه على الآخرة والأستعداد لها بقوله ولدار الآخرة خير الآية قال ص ولدار الآخرة خرجه الكوفيون على أنه من إضافة الموصوف لصفته وأصله وللدار الآخرة والبصريون على أنه من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وأصله ولدار المدة الآخرة أو النشأة الآخرة انتهى وبتضمن قوله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا اممهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات فصاروا في حيز من يعتبر بعاقبته فلهذا المضمن حسن أن ندخل حتى في قوله حتى إذا استيأس الرسل وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وظنوا أنهم قد كذبوا بتشديد الذال وقرأ الباقون كذبوا بضم الكاف وكسر الذال المخففة فأما الأولى فمعناها أن الرسل ظنوا أن أممهم قد كذبتهم والظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين ويحتمل أن يكون الظن على بابه ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابن جبير أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيماأدعوه من النبوة أو فيما توعدوهم به من العذاب لما طال الامهال واتصلت العافية جاءهم نصرنا وأسند الطبري أن مسلم بن يسار قال لسعيد بن جبير يا أبا عبد الله آية بلغت مني كل مبلغ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا فهذا هو الموت أن تظن الرسل الرسل أنهم قد كذبوا مخففة فقال له ابن جبير يا أبا عبد الرحمن إنما يئس الرسل من قومهم أن يجيبوهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال فرجت عني فرج الله عنك قال ع فBهم كيف كان خلقهم في العلم وقال بهذا التأويل جماعة وهو الصواب وأما تأويل من قال أن المعنى وظنوا أنهم قد كذبهم من أخبرهم عن الله فغير صحيح ولا يجوز هذا على الرسل وأين العصمة والعلم ت قال عياض فإن قيل فما معنى قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا على قراءة التخفيف قلنا المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضي الله عنها معاذ الله أن تظن الرسل ذلك بربها وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من اتباعهم كذبوهم وعلى هذا أكثر المفسرين وقل الضمير في ظنوا عائد على الاتباع والأمم لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنخعي وابن جبير وجماعة وبهذا المعنى قرأ مجاهد كذبوا بالفتح فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء فكيف بالأنبياء انتهى من الشفا وقوله سبحانه جاءه نصرنا أي بتعذيب أممهم الكافرة فننجي من نشاء أي من اتباع الرسل ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين أي الكافرين والبأس العذاب وقوله سبحانه لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب أي في قصص يوسف وأخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على الجملة ولما كان ذلك كله في القرآن قال عنه ما كان حديثا يفترى والذي بين يديه التوراة والإنجيل وباقي الآية بين واضح ت كنت في وقت انظر في السيرة لأبن هشام وأتأمل في خطبة النبي صلى الله عليه و سلم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فإذا هاتف يقول لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى وقد كان حصل في القلب عبرة في أمره صلى الله عليه و سلم وافاضل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وسلك بنا مناهجهم المرضية والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الرعد قيل مكية إلا بعض آيات وقيل مدنية والظاهر أن المدني فيها كثير قوله عز و جل المر تلك ءايات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق قال ابن عباس هذه الحروف هي من قوله انا الله اعلم وأرى وقوله سبحانه الله الذي رفع السموات بغير عمد الآية قال جمهور الناس لا عمد للسموات البتة وهذا هو الحق والعمد اسم جمع وقوله سبحانه ثم استوى على العرش ثم هنا لعطف الجمل لا للترتيب لأن الاستواء على العرش قبل رفع السماوات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وقد تقدم القول في هذا وفي معنى الاستواء ت والمعتقد في هذا أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته كان الله ولا شيء معه كان سبحانه قبل أن يخلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان وقوله سبحانه وسخر الشمس والقمر تنبيه على القدرة وفي ضمن الشمس والقمر والكواكب ولذلك قال كل يجرى أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر والأجل المسمى هو إنقضاء الدنيا وفساد هذه البنية يدبر الأمر معناه يبرمه وينفذه وعبر بالتدبير تقريبا للفهام وقال مجاهد يدبر الأمر معناه يقضيه وحده ولعلكم بلقاء ربكم توقنون أي توقنون بالبعث وقوله سبحانه وهوالذي مد الأرض وجعل فيها رواسي لما فرغت آيات السماء ذكرت آيات الأرض والرواسي الجبال الثابتة وقوله سبحانه جعل فيها زوجين أثنين الزوج في هذه الآية الصنف والنوع وليس بالزوج المعروف في المتلازمين الفردين من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض الآية ومنه وانبتنا فيه من كل زوج بهيج وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان فإن اتفق أن يوجد من ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية وقطع جمع قطعة وهي الأجزاء وقيد منها في هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكل اغرب وقرأ الجمهور وجنات بالرفع عطفا على قطع وقرأ نافع وغيره وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان بالخفض في الكل عطفا على اعناب وقرأ ابن كثير وغيره وزرع بالرفع في الكل عطفا على قطع وصنوان جمع صنو وهو الفرع يكون مع الآخر في اصل واحد قال البراء بن عازب الصنوان المجتمع وغير الصنوان المفترق فردا فردا وفي الصحيح العم صنو الأب وإنما نص على الصنوان في هذه الآية لأنهابمثابة التجاور في القطع تظهر فيها غرابة اختلاف الأكل والأكل بضم الهمزة اسم ما يؤكل والكل المصدر وحكى الطبري عن ابن عباس وغيره قطع متجاورات أي واحدة سبخة وأخرى عذبة ونحو هذا من القول وقال قتادة المعنى قرى متجاورات قال ع وهذا وجه من العبرة كأنه قال وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماء واحد ولكن تختلف فيما تخرجه والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور أنها من تربة واحدة ونوع واحد وموضع العبرة في هذا ابين وعلى المعنى الأول قال الحسن هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم الأرض واحدة وينزل عليها ماء واحد من السماء فتخرج هذه زهرة وثمرة وتخرج هذه سبخة وملحا وخبثا وكذلك الناس خلقوا من آدم فنزلت عليهم من السماء تذكرة فرقت قلوب وخشعت وقست قلوب ولهت قال الحسن فوالله ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قال الله تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقوله سبحانه وان تعجب فعجب قولهم ائذا كنا ترابا انا لفي خلق جديد المعنى وان تعجب يا محمد من جهالتهم واعراضهم عن الحق فهم أهل لذلك وعجب غريب قولهم انعود بعد كوننا ترابا خلقا جديد اولائك الذين كفروا بربهم لتصميمهم على الجحود وانكارهم للبعث واولائك الاغلال في اعناقهم أي في الآخرة ويحتمل أن يكون خبرا عن كونهم مغللين عن الإيمان كقوله تعالى انا جعلنا في اعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وقوله سبحانه ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة الآية تبيين لخطاهم كطلبهم سقوط كسف من السماء وقولهم امطر علينا حجارة من السماء ونحو هذا مع نزول ذلك باناس كثير وقرأ الجمهور المثلات بفتح الميم وضم الثاء وقرأ مجاهد المثلات بفتح الميم والثاء أي الاخذة الفذة بالعقوبة ثم رجى سبحانه بقوله وان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ثم خوف بقوله وان ربك لشديد العقاب قال ابن المسيب لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لولا عفو الله ومغفرته ما تهنأ أحد عيشا ولولا عقابه لاتكل كل احد وقال ابن عباس ليس في القرآن ارجى من هذه الآية والمثلات هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلا يتمثل به ومنه التمثيل بالقتلى ومنه المثلة بالعبيد ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه هذه من اقتراحاتهم والآية هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش كالملك والكنز وغير ذلك ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد قال عكرمة وأبو الضحى المراد بالهادي محمد صلى الله عليه و سلم فهاد عطف على منذر كانه قال إنما أنت منذر وهاد لكل قوم وهاد على هذا التأويل بمعنى داع إلى طريق الهدى وقال مجاهد وابن زيد المعنى إنما أنت منذر ولكل أمة سلفت هاد أي نبيء يدعوهم أي فليس أمرك يا محمد ببدع ولا منكر وهذا يشبه غرض الآية وقالت فرقة الهادي في هذه الآية الله عز و جل والألفاظ تقلق بهذا المعنى ويعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع والقولان الأولان أرجح ما تأول في الآية وقوله سبحانه اله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد هذه الآيات أمثال منبهات على قدرة الله تعالى القاضية بتجويز البعث وما تغيض الأرحام معناه ما تنقص ثم أختلف المتأولون في صورة الزيادة والنقصان وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم هو نقص الدم على الحمل وقال الضحاك غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد والزيادة أن تضعه لمدة كامله ونحوه لقتادة وقوله وكل شيء عنده بمقدار عام في كل ما يدخله التقدير والغيب ما غاب عن الأدراكات والشهادة ما شوهد من الأمور وقوله الكبير صفة تعظيم والمتعال من العلو وقوله سبحانه سواء منكم من أسر القول الآية أي لا يخفى على الله شيء والسارب في اللغة المتصرف كيف شاء وقوله سبحانه له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله المعنى جعل الله للعبد معقبات يحفظونه في كل حال من كل ما جرى القدر باندفاعه فإذا جاء المقدور الواقع اسلم المرء إليه والمعقبات على هذا التأويل الحفظة على العباد أعمالهم والحفظة لهم أيضا قاله الحسن وروى فيه عن عثمان بن عفان حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا أقوى التأويلات في الآية وعبارة البخاري معقبات ملائكة حفظة يعقب الأول منها الآخر انتهى وقالت فرقة الضمير في له عائد على اسم الله المتقدم ذكره أي لله معقبات يحفظون عبده والضمير في قوله يديه وما بعده من الضمائر عائد على العبد ثم ذكر سبحانه أنه لايغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير العبد ما بنفسه والمعقبات الجماعات التي يعقب بعضها بعضا وهي الملائكة وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث وفي قراءة أبي بن كعب من بين يديه ورقيب من خلفه وقرأ ابن عباس ورقباء من خلفه يحفظونه بأمر الله وقوله يحفظونه أي يحرسونه ويذبون عنه ويحفظون أيضا أعماله ثم أخبر تعالى أنه إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له ولا حفظ منه وقوله سبحانه هو الذي يريكم البرق الآية قد تقدم في أول البقرة تفسيره والظاهر أن الخوف إنما هو من صواعق البرق فالطمع في الماء الذي يكون معه وهو قول الحسن والسحاب جمع سحابة ولذلك جمع الصفة والثقال معناه بحمل الماء قاله قتادة ومجاهد والعرب تصفها بذلك وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده وقال ابن أبي زكريا من قال إذا سمع الرعد سبحان اله وبحمده لم تصبه صاعقة ت وعن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك رواه الترمذي والنسائي والحكم في المستدرك ولفظهم واحد انتهى من السلاح قال الداودي وعن ابن عباس قال من سمع الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته انتهى وقوله سبحانه ويرسل الصواعق الآية قال ابن جريج كان سبب نزولها قصة اربد وعامر بن الطفيل سألا النبي صلى الله عليه و سلم أن يجعل الأمر بعده لعامر بن الطفيل ويدخلا في دينه فأبى عليه السلام ثم تؤامر في قتل النبي صلى الله عليه و سلم فقال عامر لاربد أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف فجعل عامر يحدثه واربد لا يصنع شيئا فلما انصرفا قال له عامر والله يا اربد لاخفتك أبدا ولقد كنت أخافك قبل هذا فقال له أربد والله لقد أردت أخراج السيف فما قدرت على ذلك ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك فمضيا للحشد على النبي صلى الله عليه و سلم فأصابت أربد صاعقة فقتلته والمحال القوة والاهلاك ت وفي صحيح البخاري المحال العقوبة وقوله عز و جل له دعوة الحق الضمير في له عائد على اسم الله عز و جل قال ابن عباس ودعوة الحق لا إله إلا الله يريد وما كان من الشريعة في معناها وقوله والذين يراد به ما عبد من دون الله والضمير في يدعون لكفار قريش وغيرهم ومعنى الكلام والذين يدعونهم الكفار في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بشيء إلا ثم مثلا سبحانه مثالا لاجابتهم بالذي يبسط كفيه نحو الماء ويشير إليه بالاقبال إلى فيه فلا يبلغ فمه أبدا فكذلك اجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا يقع وقوله هو يريد به الماء وهو البالغ والضمير في بالغة لفهم ويصح ان يكون هو يراد به الفم وهو البالغ أيضا والضمير في بالغة للماء لأن الفم لا يلغ الماء أبدا على تلك الحال ثم أخبر سبحانه عن دعاء الكافرين أنه في انتلاف وضلال لا يفيد وقوله تعالى ولله يسجد من في السموات والأرض الآية تنبيه على قدرته وعظمته سبحانه وتسخير الأشياء له والطعن على الكفار التاركين للسجود ومن تقع على الملائكة عموما وسجودهم طلوع وأما أهل الأرض فالمؤمنون داخلون في من وسجودهم أيضا طوع وأما سجود الكفرة فهو الكره وذلك على معنيين فإن جعلنا السجود هذه الهيئة المعهودة فالمراد من الكفرة من اسلم خوف سيف الإسلام كما قاله قتادة وأن جعلنا السجود الخضوع والتذلل حسب ما هو في اللغة فيدخل الكفار أجمعون في من لأنه ليس من كافر إلا ويلحقه من التدلل والاستكانه لقدرة الله تعالى أنواع أكثر من أن تحصى بحسب رزاياه واعتباراته وقوله سبحانه وظلالهم بالغدو والآصال أخبار عن أن الضلال لها سجود لله تعالى كقوله تعالى أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ضلاله الآية وقال مجاهد ظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره وروي أنا الكافر إذا سجد لصنمه فإن ظله يسجد لله حينئذ وباقي الآية بين ثم مثل الكفار والمؤمنين بقوله قل هل يستوي الأعمى والبصير وشبه الكافر بالأعمى والكفر بالظلمات وشبه المؤمن بالبصير والإيمان بالنور وقوله سبحانه قل الله خالق كل شيء لفظ عام يراد به الخصوص كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع وقوله سبحانه أنزل من السماء ماء يريد به المطر فسألت اودية بقدرها الأودية ما بين الجبال من الأنخفاض والخنادق وقوله بقدرها يحتمل أن يريد بما قدر لها من الماء ويحتمل أن ريد بقدر ماتحمله على قدر صغرها وكبرها ت وقوله فأحتمل بمعنى حمل كاقدر وقدر قاله ص والزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه والرابي المنتفخ الذي قد ربا ومنه الربوة وقوله سبحانه ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أومتاع زبد مثله المعنى ومن الأشياء التي توقدون عليها ابتغاء الحلي وهي الذهب والفضة أو ابتغاء الأستمتاع بها في المرافق وهي الحديد والرصاص والنحاس ونحوها من الأشياء التي توقدون عليها فأخبر تعالى أن من هذا أيضا إذا أحمي عليها يكون لها زبد مماثل للزبد الذي يحمله السيل ثم ضرب سبحانه ذلك مثلا للحق والباطل أي أن الماء الذي تشربه الأرض من السيل فيقع النفع به هو كالحق والزبد الذي يخمد وينفش ويذهب هو كالباطل وكذلك ما يخلص من الذهب والفضة والحديد ونحوه هو كالحق وما يذهب في الدخان هو كالباطل وقوله جفاء مصدر من قولهم اجفأت القدر إذا غلت حتى خرج زبدها وذهب وقال ص جفاء حال أي مضمحلا متلاشيا أبو البقاء وهمزته منقلبة عن واو وقيل أصل انتهى وقوله ما ينفع الناس يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار وقوله سبحانه للذين استجابوا لربهم الحسنى ابتداء كلام والحسنى الجنة والذين لم يستجيبوا هم الكفرة وسوء الحساب هو التقصي على المحاسب وأن لا يقع في حسابه من التجاوز شيء قاله شهر بن حوشب والنخعي وفرقد السنجي وغيرهم وقوله سبحانه أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كم هو أعمى المعنى أسواء من هداه الله فعلم صدق نبوتك وآمن بك كمن هو أعمى البصيرة باق على كفره روي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل وهي بعد هذا مثال في جميع العالم إنما يتذكر أولو الألباب إنما في هذه الآية حاصرة أي إنما يتذكر فيؤمن ويراقب الله من له لب ثم أخذ في وصفهم فقال الذين يوفون بعهد الله الآية قال الثعلبي قال عبد الله بن المبارك هذه ثمان خلال مسيرة إلى ثمانية أبواب الجنة وقال أبو بكر الوراق هذه ثمان جسور فمن أراد القربة من الله عبرها انتهى وباقي الآية ألفاظها واضحة وأنوارها لذوي البصائر لائحة ويدرءون يدفعون قال الغزالي لما ذكر هذه الآية والذي ءاثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب انتهى وجنات بدل من عبقى وتفسير لها وعدن هي مدينة الجنة ووسطها ومعناها جنات الأقامة من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلا ومنه المعادن وجنات عدن يقال هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط قاله عبد الله بن عمرو بن العاص ويروى أن لهاخمسة آلاف باب وقوله ومن صلح أي عمل صالحا والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم أي يقولون سلام عليكم والمعنى هذا بما صبرتم وباقي الآية واضح وقوله سبحانه والذين ينقضون عهد الله الآية هذه صفة حال مضادة للمتقدمة نعوذ بالله من سخطه وقوله سبحانه الله يبسط الرزق لمن يشاء الآية لما أخبر عن من تقدم وصفه بأن لهم اللعنة وسوء الدار أنحى بعد ذلك على أغنيائهم وحقر شأنهم وشأن أموالهم المعنى أن هذا كله بمشيئة الله يهب الكافر المال ليهلكه به ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره وقوله ويقدر من التقدير المناقض للبسط والاتساع ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه قل إن الله يضل من يشاء الآية رد على مقترحي الآيات من كفار قريش كما تقدم وقوله سبحانه الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الذين بدل من من في قوله من أناب وطمأنينة القلوب هي الاستكانة والسرور بذكر الله والسكون به كمالا به ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين ثم قال سبحانه الا بذكر الله تطمئن القلوب أي لا بالآيات المقترحة التي ربماكفر بعدها فنزل العذاب والذين الثاني مبتدأ وخبره طوبى لهم واختلف في معنى طوبى فقال ابن عباس طوبى اسم الجنة بالحبشية وقيل طوبى اسم الجنة بالهندية وقيل طوبى اسم شجرة في الجنة وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه و سلم طوبى اسم شجرة في الجنة يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها الحديث قال ص طوبى فعل من الطيب والجمهور أنهامفردة مصدر كسقيا وبشرى قال الضحاك ومعناها غبطة لهم قال القرطبي والصحيح أنها شجرة للحديث المرفوع انتهى ت وروى الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن الخطيب البغدادي في تاريخه عن شيخه أبي نعيم الأصبهاني بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أن رجلا قال له يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك قال طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني فقال له رجل يا رسول الله ما طوبى قال شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها انتهى من ترجمة أحمد بن الحسن وقوله تعالى كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم أي كما أجرينا عادتنا كذلك أرسلناك الاية وقوله وهم يكفرون بالرحمن قال قتادة نزلت في قريش لما كتب في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم في قصة الحديبية فقال قائلهم نحن لا نعرف الرحمن قال ع وذلك منهم اباية اسم فقط وهروب عن هذه العبارة التي لم يعرفوها إلا من قبل النبي عليه السلام والمتاب المرجع كالمآب لأن التوبة هي الرجوع وقوله سبحانه ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض الآية قال ابن عباس وغيره أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا وأجعل لنا أرضنا قطع غراسة وحرث وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلانا وفلانا فنزلت الآية في ذكل معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله وقوله تعالى افلم ييأس الذين ءامنوا الآية ييأس معناه يعلم وهي لغة هوازن وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة أفلم يتبين ثم أخبر سبحانه عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبي صلى الله عليه و سلم وغزواته ثم قال او تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم هذا تأويل ابن عباس وغيره وقال الحسن بن ابي الحسن المعنى أو تحل القارعة قريبا من دارهم ووعد الله على قوله ابن عباس وغيره هو فتح مكة وقال الحسن الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة وان حال الكفرة هكذا هي إلى يوم القيامة ووعد الله قيام الساعة والقارعة الرزية التي تقرع قلب صاحبها وقوله سبحانه ولقد استهزئى برسل الآية تأنيس وتسليه له عليه السلام قال البخاري فأمليت أي أطلت من الملي والملاوة ومنه مليا ويقال للواسع الطويل من الأرض ملى من الأرض انتهى وقوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أي أهو أحق بالعبادة أم الجمادات وقوله قل سموهم أي سموا من له صفات يستحق بها الألوهية ومكرهم يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل المناقضة الشرع ولهم عذاب في الحيواة الدنيا أي بالقتل والأسر والجدوب وغير ذلك وأشق من المشقة أي أصعب والواقي الساتر على جهة الحماية من الوقاية وقوله سبحانه مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها قد تقدم تفسير نظيره وقوله أكلها معناه ما يؤكل فيها وقوله سبحانه والذين آتيناهم الكتاب يفرحون الآية قال ابن زيد المراد بالآية من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره قال ع والمعنى مدحهم وباقي الآية بين وقوله سبحانه يمحوا الله ما يشاء ويثبت المعنى أن الله سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء ويغيرها عن أحوالها مما سبق في علمه محوه وتغييره ويثبتها في الحالة التي ينقلها إليها حسب ما سبق في علمه قال ع وأصوب ما يفسر به أم الكتاب أنه كتاب الأمور المجزومة التي قد سبق في القضاء فيها بما هو كائن وسبق أن لا تبدل ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت قال نحوه قتادة وقوله سبحانه واما نرينك بعض الذي نعدهم ان شرط دخلت عليها ما وقوله أو نتوفينك أو عاطفة وقوله فإنما جواب الشرط ومعنى الآية أن نبقك يا محمد لترى بعض الذي نعدهم أو نتوفينك قبل ذلك فعلى كلا الوجهين فإنما يلزمك البلاغ فقط والضمير في قوله أو لم يروا عائد على كفار قريش كالذي في نعدهم وقوله نأتي معناه بالقدرة والأمر والأرض يريد بها اسم الجنس وقيل يريد أرض الكفار المذكورين المعنى أو لم يروا انا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك من القبائل والبلاد المجاورة لهم فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضا قاله ابن عباس وهذا على أن الآية مدنية ومن قال أن الأرض اسم جنس جعل انتقاص الأرض بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفار وقيل الانتقاص بموت البشر ونقص الثمار والبركة وقيل بموت العلماء والأخيار قاله ابن عباس أيضا وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية وجملة معنى هذه الآية الموعظة وضرب المثل وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رباح في معنى ننقصها من أطرافها قال بذهاب فقهائها وخيار أهلها وعن وكيع نحوه وقال الحسن نقصانها هو بظهور المسلمين على المشركين قال أبو عمر وقول عطاء في تأويل الآية حسن جدا تلقاه أهل العلم بالقبول وقوله الحسن أيضا حسن انتهى وقوله سبحانه فلله المكر جميعا أي العقوبات التي أحلها بهم وسماها مكرا على عرف تسمية العقوبة بأسم الذنب وباقي الآية تحذير ووعيد ويقول الذين كفروا لست مرسلا المعنى ويكذبك يا محمد هؤلاء الكفرة ويقولون لست مرسلا قل كفا بالله شهيدا أي شاهد بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال قتادة يريد من آمن منهم كعبد الله بن سلام وغيره كمل تفسير السورة وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة إبراهيم عليه السلام هذه السورة مكية إلا آيتين وهما قوله عز و جل الم ترى إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا إلى آخر الآيتين ذكره مكي والنقاش قوله عز و جل الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور قال القاضي بن الطيب وأبو المعالي وغيرهما أن الأنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة الذات لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى جبريل عليه السلام من الكلام وقوله لتخرج الناس من الظلمات إلى النور هذه اللفظة تشريف للنبي صلى الله عليه و سلم وعم الناس إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق وقرأن نافع وابن عامر الله الذي له ما في السموات وما في الأرض برفع اسم الله على القطع والابتداء وقرأ الباقون بخفض الهاء وويل معناه وشدة وبلاء وباقي الآية بين وقوله سبحانه وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم الآية هذه الآية طعن ورد علىالمستغربين أمر محمد صلى الله عليه و سلم وباقي الآية بين وقوله سبحانه لموسى وذكرهم بأيام الله أي عظهم بالتهديد بنقم الله التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم وعبر عن النعم والنقم بالأيام إذ هي في أيام وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكر بها وفي الحديث الصحيح بينما موسى في قومه يذكرهم أيام الله الحديث في قصة موسى مع الخضر قال عياض في الاكمال أيام الله نعماؤه وبلاؤه انتهى وقال الداودي وعن النبي صلى الله عليه و سلم وذكرهم بأيام الله قال بنعم الله وعن قتادة لآيات لكل صبار شكور قال نعم والله العبد إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر انتهى وقال ابن العربي في أحكامه وفي أيام الله قولان أحدهما نعمه والثاني نقمه انتهى وقوله وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم الآية تأذن بمعنى أذن أي أعلم قال بعض العلماء الزيادة على الشكر ليست في الدنيا وإنما هي من نعم الآخرة والدنيا أهون من ذلك قال ع وجائز أن يزيد الله المؤمن على شكره من نعم الدنيا والآخرة والكفر هنا يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون كفر النعم لا كفر الجحد وفي الآية ترجية وتخويف وحكى الطبري عن سفيان وعن الحسن أنهما قالا معنى الآية لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي قال ع وضعفه الطبري وليس كما قال بل هو قوي حسن فتأمله ت وتضعيف الطبري بين من حيث التخصيص والأصل التعميم وقوله الم يأتكم هذا أيضا من التذكير بأيام الله وقوله سبحانه فردوا أيديهم في أفواههم قل معناه ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت وقال الحسن ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتا لهم وهذا أشنع في الرد وقوله عز و جل قالت رسلهم أفي الله شك التقدير أفي إلاهية الله شك أو أفي وحدانية الله شك وما في قوله ما ءاذتمونا مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي قال الداودي عن أبي عبيدة لمن خاف مقامي مجازه حيث أقيمه بين يدي للحساب انتهى قال عبد الحق في العاقبة قال الربيع بن خيثم من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن طال أمله ساء عمله انتهى وباقي الآية بين وقوله سبحانه واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد استفتحوا أي طلبوا الحكم والفتاح الحاكم والمعنى أن الرسل استفتحوا أي سألوا الله تبارك وتعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وقيل بل استفتح الكفار على نحو قول قريش عجل لنا قطنا وعلىنحو قول أبي جهل يوم بدر اللهم اقطعنا للزحم وأتينا بما لا نعرف فاحنه الغداة وهذا قول ابن زيد وقرأت فرقة واستفتحوا بكسر التاء على معنى الأمر للرسل وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وخاب معناه خسر ولم ينجح والجبار المتعظم في نفسه والعنيد الذي يعاند ولا يناقد وقوله من ورائه قال الطبري وغيره معناه من أمامه وعلى ذلك حملوا قوله تعالى وكان وراءهم ملك وليس الأمر كما ذكروا بل الوراء هنا وهناك على بابه أي هو ما يأتي بعد في الزمان وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء إنما هو الزمان وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد كما نقول في التوراة والأنجيل أنهما بين يدي القرآن والقرآن وراءهما وعلى هذا فما تأخر في الزمان فهو وراء المتقدم ويسقى من ماء صديد الصديد القيح والدم وهو ما يسيل من أجساد أهل النار قاله مجاهد والضحاك وقوله يتجرعه ولا يكاد يسيغه عبارة عن صعوبة أمره عليهم وروي أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار فيتكرهها فإذا ادنيت منه شوت وجهه وسقطت فيها فروة رأسه فإذا شربها قطعت أمعاءه وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله عز و جل ويأتيه الموت من كل مكان أي من كل شعرة في بدنه قاله إبراهيم التيمي وقيل من جميع جهاته الست ما هو بميت لا يراح بالموت ومن ورائه عذاب غليظ قال الفضيل بن عياض العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وفي الحديث تخرج عنق من النار تكلم بلسان طلق ذلق لها عينان تبصر بهما ولها لسان تكلم به فتقول أني أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر وبكل جبار عنيد وبمن قتل نفسا بغير نفس فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام فتنطوي عليهم فتقذفهم في جهنم خرجه البزار انتهى من الكوكب الدري وقوله في يوم عاصف وصف اليوم بالعصوف وهي من صفات الريح بالحقيقة لما كانت في اليوم كقول الشاعر ... ونمت وما ليل المطي بنائم ... وباقي الآية بين وبرزوا لله جميعا معناه صاروا في البراز وهي الأرض المتسعة فقال الضعفاء وهم الاتباع للذين استكبروا وهم القادة وأهل الرأي وقولهم سواء علينا اجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيض المفر والملجأ مأخوذ من حاص يحيص إذ نفر وفر ومنه في حديث هرقل فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب وروي عن ابن زيد وعن محمد بن كعب أن اهل النار يقولون إنما نال أهل الجنة الرحمة بالصبر على طاعة الله فتعالوا فلنصبر فيصبرون خمس مائة سنة فلا ينثعون فيقولون هلم فلنجزع فيضجون ويصيحون ويبكون خمس مائة سنة أخرى فحينئذ يقولون هذه المقالة سواء علينا الآية وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في موقف العرض وقت البروز بين يدي الله عز و جل وقوله عز و جل وقال الشيطان لما قضي الأمر المراد هنا بالشيطان إبليس الإقدام وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم من طريق عقبة بن عامر أنه قال يقوم يوم القيامة خطيبان أحدهما إبليس يقوم في الكفرة بهذه الألفاظ والثاني عيسى بن مريم يقوم بقوله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به الآية وروي في حديث أن ابليس إنما يقوم بهذه الألفاظ في النار على أهلها عند قولهم مالنا من محيص في الآية المتقدمة فعلى هذه الرواية يكون معنى قوله قضي الأمر أي حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وهو تأويل الطبري وقوله وما كان لي عليكم من سلطان أي من حجة بينة وإلا أن دعوتكم استثناء منقطع ويحتمل أن يريد بالسلطان في هذه الآية الغلبة والقدرة والملك أي ما اضطررتكم ولا خوفتكم بقوة مني بل عرضت عليكم شيئا فأتى رأيكم عليه وقوله فلا تلوموني يريد بزعمه إذ لا ذنب لي ولوموا أنفسكم أي في سوء نظركم في اتباعي وقله تثبتكم ما أنابمصرخكم المصرخ المغيث والصارخ المستغيث وأما الصريخ فهو مصدر بمنزلة البريح وقوله إني كفرت بما اشركتمون ما مصدرية وكأنه يقول إني الآن كافر باشراككم أياي مع الله قبل هذا الوقت فهذا تبر منه وقد قال تعالى ويوم القيامة يكفرون بشرككم وقوله عز و جل وادخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم الأذن هنا عبارة عن القضاء والأمضاء وقوله سبحانه ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ألم تر بمعنى ألم تعلم قال ابن عباس وغيره الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله مثلها الله سبحانه بالشجرة الطيبة وهي النخلة في قول أكثر المتأولين فكان هذه الكلمة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية وأنواع الحسنات هو فرعها يصعد إلى السماء من قبل العبد والحين القطعة من الزمان غير محدودة كقوله تعالى ولتعلمن نبأه بعد حين وقد تقتضي لفظة الحين بقرينتها تحديدا كهذه الآية والكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر وما قاربها من كلام السوء في الظلم ونحوه والشجرة الخبيثة قال أكثر المفسرين هي شجرة الحنظل ورواه أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا عندي على جهة المثل أجتثت أي اقتعلت جثتها بنزع الأصول وبقيت في غاية الوهن والضعف فتقلبها أقل ريح فالكافر يرى أن بيده شيئا وهو لا يستقر ولا يغنى عنه كهذه الشجرة الذي يظن بها على بعد أو للجهل بها أنهاشيء نافع وهي خبيثة الجنى غير باقية وقوله سبحانه يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة القول الثابت في الحياة الدنيا كلمة الأخلاص والنجاة من النار لا إله إلا الله والأقرار بالنبوة وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة قال طاوس وقتادة وجمهور العلماء الحياة الدنيا هي مدة حياة الإنسان وفي الآخرة وقت سؤاله في قبره وقال البراء بن عازب وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره ورواه البراء عن النبي صلى الله عليه و سلم في لفظ متأول وفي الآخرة هو يوم القيامة عند العرض والأول أحسن ورجحه الطبري ت ولفظ البخاري عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة انتهى وحديث البراء خرجه البخاري ومسلم وابو داود والسنائي وابن ماجه قال صاحب التذكرة وقد روى هذا الحديث أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد الخدري كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا أيها الناس أن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الأنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فاقعده فقال ما تقول في هذا الرجل الحديث وفيه قال بعص أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا هبل فقال النبي صلى الله عليه و سلم الدينا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء انتهى قال أبو عمر بن عبد البر وروينا من طرق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعمر كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير إذا مت وأنطلق بك قومك فقاسوا ثلاثة أذرع وشبرا في ذراع وشبر ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك فوضعوك فيه ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير اصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران شعورهما معهما مرزبة لو أجتمع عليها أهل الأرض لم يقلبوها فقال عمر يا رسول الله أن فرقنا فحق لنا أن نفرق انبعث على ما نحن عليه قال نعم إن شاء الله قال إذن اكفيكهما انتهى والظالمون في هذه الآية الكافرون ويفعل الله ما يشاء أي بحق الملك فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه وجاءت أحاديث صحيحة في مسايلة العبد في قبره وجماعة السنة تقول أن الله سبحانه يخلق للعبد في قبره ادراكات وتحصيلا أما بحياة كالمتعارفة وإما بحضور النفس وان لم تتلبس بالجسد كالعرف كل هذا جائز في قدرة الله تبارك وتعالى غير أن في الأحاديث الصحيحة أنه يسمع خفق النعال ومنها أنه يرى الضوء كأن الشمس دنت للغروب وفيها أنه يراجع وفيها فيعاد روحه إلى جسده وهذا كله يتضمن الحياة فسبحان من له هذه القدرة العظيمة وقوله سبحانه ألم تر إلىالذين بدلوا نعمت الله كفرا المراد بالذين بدلوا نعمة الله كفرة قريش وقد خرجه البخاري وغيره مسندا عن أبن عباس انتهى والتقدير بدلوا شكر نعمته الله كفرا ونعمة الله تعالى في هذه الآية هو محمد صلى الله عليه و سلم ودينه وأحلوا قومهم أي من أطاعهم وكأن الإشارة والتعنيف إنما هو للرءوس والأعلام والبوار الهلاك قال عطاء بن يسار نزلت هذه الآية في قتلى بدر والأنداد جمع ند وهو المثيل والمراد الأصنام واللام في قوله ليضلوا بضم الياء لام كي وبفتحها لام عاقبة وصيرورة والقراءتان سبعيتان سبحانه قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا الصلوة الآية العباد جمع عبد وعرفه في التكرمة بخلاف العبيد والسر صدقة التنفل والعلانية المفروضة هذا هو مقتضى الأحاديث وفسر ابن عباس هذه الآية بزكاةا الأموال مجملا وكذلك فسر الصلاة بأنها الخمس وهذا عندي منه تقريب للمخاطب والخلال مصدر من خالل إذا واد وصافى ومنه الخلة والخليل والمراد بهذا اليوم يوم القيامة وقوله سبحانه الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم هذه الآية تذكير بآلائه سبحانه وتنبيه على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر لتقوم الحجة عليهم وقوله بأمره مصدر أمر يأمر وهذا راجع إلى الكلام القديم القائم بالذات ودائبين معناه متماديين ومنه قوله صلى الله عليه و سلم لصاحب الجمل الذي بكى واجهش إليه أن هذا الجمل شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه أي تديمه في الخدمة والعمل وظاهر الآية أن معناه دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة وعن ابن عباس أنه قال معناه دائبين في طاعة الله وقوله سبحانه وءاتاكم من كل ما سألتموه المعنى أن جنس الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به وقرأ ابن عباس وغيره من كل ما سألتموه بتنوين كل ورويت عن نافع وقوله تعالى وأن تعدوا نعمت الله لا تحصوها أي لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك وقال طلق بن حبيب أن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين ت ومن الكلم الفارقية أيها الحريص على نيل عاجل حظه ومراده الغافل عن الاستعداد لمعاده تنبيه لعظمة من وجودك بإيجاده وبقاؤك بارفاده ودوامك بإمداده أنت طفل في حجر لطفه ومهد عطفه وحضانة حفظه يغذك بلبان بره ويقلبك بأدي أياديه وفضله وأنت غافل عن تعظيم أمره جاهل بما أولاك من لطيف سره وفضلك به على كثير من خلقه أذكر عهد الإيجاد ودوام الأمداد والأرفاد وحالتي الاصدار والإيراد وفاتحة المبدا وخاتمة المعاد انتهى وقوله سبحانه إن الإنسان يريد به النوع والجنس المعنى توجد فيه هذه الخلال وهي الظلم والكفر فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى وقوله سبحانه وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا تقدم تفسيره وقوله واجنبني وبني أن نعبد الأصنام واجنبني معناه امنعني يقال جنبه كذا واجبنه وجنبه إذا منعه من الأمر وضماه منه ت وكذا قال ص واجنبني معناه أمنعني أصله من الجانب وعبارة المهدوي أي أجعلني جابنا من عبادتها وقال الثعلبي واجنبني أي بعدني وأجعلني منها على جانب بعيد انتهى وهذه الألفاظ كلها متقاربة المعاني وأراد إبراهيم عليه السلام بني صلبه وأما باقي نسله فمنهم من عبد الأصنام وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي افراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته فكيف يخاف أن يعبد صنما لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب حسن الخاتمة والأصنام هي المنحوتة على خلقة البشر وما كان منحوتا على غير خلقه البشر فهي أوثان قاله الطبري عن مجاهد ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيرا من الناس تجوزا وحقيقة الأضلال إنما هي لمخترعها سبحانه وقيل أراد بالأصنام هنا الدنانير والدراهم وقوله ومن عصاني ظاهره بالكفر لمعادلة قوله فمن تبعني فإنه مني وإذا كان ذلك كذلك فقوله فإنك غفور رحيم معناه بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر وحمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب صلى الله عليه و سلم قال قتادة اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه و سلم والله ما كانوا طعانين ولا لعانين وكلك قول نبي الله عيسى عليه السلام وأن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وأسند الطبري عن عبد الله بن عمرو حديثا أن النبي صلى الله عليه و سلم تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي يقول من يأمن على نفسه بعدخوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام وقوله ومن ذريتي يريد إسماعيل عليه السلام وذلك أن سارة لما غارت بهاجر بعد أن ولدت إسماعيل تشوش قلب إبراهيم منهما فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة فتركهما هناك وركب منصرفا من يومه ذلك وكان ذلك كله بوحي من الله تعالى فلما ولى دعا بمضمن هذه الآية وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل ففي كتاب البخاري وغيره وفي السير ذكر ذلك كله مستوعبا ت وفي صحيح البخاري من حديث الطويل في قصة إبراهيم مع هاجر وولدها لما حملهما إلى مكة قال وليس بمكة يومئذ أحد وليس فيها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه انيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له ءالله أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعاء بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم حتى بلغ يشكرون الحديث بطوله وفي طريق قالت يا إبراهيم إلى من تتركنا قال إلى الله عز و جل قالت رضيت انتهى وفي هذا الحديث من الفوائد لارباب القلوب والمتوكلين وأهل الثقة بالله سبحانه ما يطول بنا سردها فاليك استخراجها ولما انقطعت هاجر وابنها إلى الله تعالى ءاواهما الله وأنبع لهما ماء زمزم المبارك الذي جعله غذاء قال ابن العربي وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم ماء زمزم لما شرب له قال ابن العربي ولقد كنت مقيما بمكة سنة سبع وثمانين وأربعمائة وكنت أشرب ماء زمزم كثيرا وكلما شربت نويت به العلم والإيمان ونسيت أن أشربه للعمل ففتح لي في العلم ويالتني شربته لهما معا حتى يفتح لي فيهما ولم يقدر فكان صغوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل انتهى من الأحكام ومن في قوله ومن ذريتي للتبعيض لأن إسحاق كان بالشام والوادي ما بين الجبلين وليس من شرطه أن يكون فيه ماء وجمعه الضمير في قوله ليقيموا يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هناك ويكون له نسل واللام في ليقيموا لام كي هذا هو الظاهر ويصح أن تكون لام الأمر كأنه رغب إلى الله سبحانه أن يوفقهم لآقامة الصلاة والأفئدة القلوب جمع فؤاد سمي بذلك لاتقاده مأخوذ من فأد ومنه المفتأد وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم وقوله من الناس تبعيض ومراده المؤمنون وباقي الآية بين وقوله رب اجعلني مقيم الصلوة دعاء إبراهيم عليه السلام في أمر كان مثابرا عليه متمسكا به ومتى دعا الإنسان في مثل هذا فإنما المقصد أدامة ذلك الأمر واستمراره قال السهيلي قوله تعالى رب أجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي بحرف التبعيض ولذلك أسلم بعض ذريته دون بعض انتهى وفاقا لما تقدم الآن وقوله ربنا اغفر لي ولوالدي أختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة كان ذلك قبل يأسه من إيمان أبيه وتبينه أنه عدو لله فأراد أباه وأمه لأنها كانت مؤمنة وقيل أراد آدم ونوحا عليهما السلام وقرأ الزهري وغيره ولولدي على أنه دعاء لأسماعيل وإسحاق وأنكرهما عاصم الجحدري وقال أن في مصحف أبي بن كعب ولأبوي وقوله عز و جل ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يوخرهم الآية هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين وتسلية للمظلومين والخطاب بقوله تحسبن للنبي صلى الله عليه و سلم وتشخص فيه الأبصار معناه تحد النظر لفرط الفزع ولفرظ ذلك يشخص المحتضر والمهطع المسرع في مشيه قاله ابن جبير وغيره وذلك بذلة واستكانه كاسراع الأسير ونحوه وهذا أرجح الأقوال وقال ابن عباس وغيره الأهطاع شدة النظر من غير أن يطرف وقال ابن زيد المهطع الذي لا يرفع رأسه قال أبو عبيدة قد يكون الأهطاع للوجهين جميعا الأسراع وأدامة النظر والمقنع هوالذي يرفع رأسه قدما بوجهه نحو الشيء ومن ذلك قول الشاعر ... يباكرن العضاه بمقنعات ... نواجذهن كالحد الوقيع ... يصف الإبل عند رعيها أعالي الشجر وقال الحسن في تفسير هذه الآية وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد وذكر المبرد فيما حكي عنه مكي أن الأقناع يوجد في كلام العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة قال ع والأول أشهر وقوله سبحانه لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يطرفون من الحذر والجزع وشدة الحال وقوله وافئدتهم هواء تشبيه محض وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة فهي متخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وأنخراقه ويحتمل أن تكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تذهب وتجيء وتبلغ على ما روي حناجرهم فهي في ذلك كالهواء الذي هو ابدأ في اضطراب وقوله سبحانه وانذر الناس يوم يأيتهم العذاب المراد باليوم يوم القيامة ونصبه على أنه معفول بأنذر ولا يجوز أن يكون ظرفا لأن القيامة ليست بموطن أنذار قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة يجب التصديق بكل ما أخبر الله ورسوله به ولا يتعرض إلى الكيفية في كل ماء جاء من أمر الساعة وأحوال يوم القيامة فإنه أمر لا تسعه العقول وطلب الكيفية فيه ضعف في الإيمان وإنما يجب الجزم بالتصديق بجميع ما أخبر الله به انتهى قال الغزالي فأعلم العلماء وأعرف الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم ولا غم إلا التفكر في خطر تلك الأحوال وما الذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أو سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا انتهى من الأحياء وقوله أو لم تكونوا الآية معناه يقال لهم وقوله ما لكم من زوال هو المقسم عليه وهذه الآية ناظرة إلىما حكى الله سبحانه عنهم في قوله وأقسموا بالله جهدا إيمانهم لا يبعث الله من يموت وقوله سبحانه وسكنتم الآية المعنى يقول الله عز و جل وسكنتم أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر من الأمم السالفة فنزلت بهم المثلات فكان حقكم الأعتبار والأتعاظ وقوله وعند الله مكرهم أي جزاء مكرهم وقرأ السبعة سوى الكسائي وإن كان مكرهم لتزول بكسر اللام من لتزول وفتح الأخيرة وهذا على ما تكون أن نافيه بمعنى ما ومعنى الآية تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها هذا هو تأويل الحسن وجماعة المفسرين وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم أي وإن كان شديدا وقرأ الكسائي وإن كان مكرهم لتزول من منه الجبال بفتح اللام الأولى من لتزول وضم الأخيرة وهي قراءة ابن عباس وغيره ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته ولكن الله تعال أبطله ونصر أولياءه وهذا أشد في العبرة وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي وإن كاد مكرهم وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال وقوله سبحانه فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله الآية تثبيت للنبي صلى الله عليه و سلم ولغيره من أمته ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسبن مثل هذا ولكن خرجت العبارة هكذا والمارد بما فيها من الزجر غيره إن الله عزيز لا يمتنع منه شيء ذو انتقام من الكفرة وقوله سبحانه يوم تبدل الأرض الآية يوم ظرف للأنتقام المذكور قبله وروي في تبديل الأرض أخبار منها في الصحيح يبدل الله هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي وفي الصحيح أنالله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه وروي أنها تبدل أرضا من فضة وروي أنها أرض كالفضة من بياضها وروي أنها تبدل من نار قال ع وسمعت من أبي رحمه الله أنه روي أن التبديل يقع في الأرض ولكن يبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه وفريق يكون على فضلة أن صح السند بها وفريق الكفرة يكونون على نار ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله عز و جل وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بارض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها ولا سفك فيها دم وليس فيها معلم لأحد وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش وروي عنه أنه قال الناس وقت التبديل على الصراط وروي أنه قال الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان في سؤال الحبر وقوله يا محمد أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال صلى الله عليه و سلم هم في الظلمة دون الجسر الحديث بطوله وخرجه مسلم وأبن ماجه جميعا قالا حدثنا أبو بكر بن ابن أبي شيبة ثم أسندا عن عائشة قالت سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فأين يكون الناس قال على الصراط وخرجه الترمذي من حديث عائشة قالت يا رسول الله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه فأين يكون المؤمنون يومئذ قال على الصراط يا عائشة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى من التذكرة وترى المجرمين أين الكفار ومقرنين أي مربوطين في قرن وهو الحبل الذي تشد به رؤوس الإبل والبقر والأصفاد هي الأغلال واحدها صفد والسرابيل القمص والقطران هو الذي تهنأ به الإبل وللنار فيه اشتعال شديد فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه وقرا عمر بن الخطاب وعلي وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم من قطرآن والقطر القصدير وقيل النحاس وروي عن عمر أنه قال ليس بالقطران ولكنه النحاس يسربلونه وآن صفة وهو الذائب الحار الذي تناهى حره قال الحسن قد سعرت عليه جهنم منذ خلقت فتناهى حره وقوله سبحانه ليجزي الله كل نفس ما كسبت الآية جاء من لفظة الكسب بما يعم المسيء والمحسن لينبه على أن المحسن أيضا يجازى بإحسانه خيرا وقوله سبحانه هذا بلاغ للناس الآية إشارة إلى القرآن والوعيد الذي تضمنه والمعنى هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به وليذكر أولوا الألباب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الحجر مكية قوله عز و جل الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين قال مجاهد وقتادة الكتاب في الآية ما نزل من الكتب قبل القرآن ويحتمل أن يراد بالكتاب القرآن ثم تعطف الصفة عليه وربما للتقليل وقد تجيء شاذة للتكثير وقال قوم أن هذه من ذلك وأنكر الزجاج أن تجيء رب للتكثير واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن يكونوا مسلمين فقالت فرقة هو عند معاينة الموت حكي ذلك الضحاك وقالت فرقة هو عند معاينة أهوال يوم القيامة وقال ابن عباس وغيره هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة وروي فيه حديث من طريق أبي موسى وقوله سبحانه ذرهم يأكلوا ويتمتعوا الآية وعيد وتهديد وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف وروى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا الأوزاعي عن عروة بن رويم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همتهم الوان الطعام والوان الثياب يتشدقون بالكلام انتهى وقوله فسوف يعلمون وعيد ثان وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه قال الأول في الدنيا والثاني في الآخرة فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين وقوله ويلههم الأمل أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها قال عبد الحق في العاقبة أعلم رحمك الله أن تقصير الأمل مع حب الدنيا متعذر وانتظار الموت مع الأكباب عليها غر متيسر ثم قال وأعلم أن كثرة الاشتغال بالدنيا والميل بالكلية إليها ولذة أمانيها تمنع مرارة ذكر الموت أن ترد على القلب وأن تلج فيه لأن القلب إذا امتلأ بشيء لم يكن لشيء آخر فيه مدخل فإذا أراد صاحب هذا القلب سماع الحكمة والأنتفاع بالموعظة لم يكن له بد من تفريقه ليجد الذكر فيه منزلا وتلفى الموعظة فيه محلا قابلا قال ابن السماك رحمه الله أن الموتى لم يبكوا من الموت لكنهم بكوا من حسرة الفوت فأتتهم والله دار لم يتزودوا منها ودخلوا دار لم يتزودا لها انتهى وإنما حصل لهم الفوت بسبب استغراقهم في الدنيا وطول الأمل الملهى عن المعاد الهمنا الله رشدنا بمنه وقوله سبحانه وما أهلكنا من قرية الآية أي فلا تستبطئن هلاكهم فليس من قرية مهلك إلا بأجل وكتاب معلوم محدود وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر الآية القائلون هذه المقالة هم كفار قريش ولو ما بمعنى لولا فتكون تحضيضا كما هي في هذه الآية وفي البخاري لوما تأتينا هلا تأتينا وقوله إلا بالحق قال مجاهد المعنى بالرسالة والعذاب والظاهر أن معناه كما ينبغي ويحق من الوحي والمنافع التي أراها الله لعباده لا على اقتراح كافر ثم ذكر عادته سبحانه في الأمم من أنه لم يأتهم بآية افتراح إلا ومعها العذاب في أثرها أن لم يؤمنوا والنظرة التأخير وقوله سبحانه انا نحن نزلنا الذكر رد على المستخفين في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر وقوله وانا له لحافظون قال مجاهد وغيره الضمير في له عائد على القرآن المعنى وانا له لحافظون من أن يبدل أويغير قوله سبحانه ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم أي لا يضق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الأستهزاء في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر وغير ذلك والشيعة الفرقة التابعة لراس ما ت قال الفراء في شيع الأولين أنه من أضافة الموصوف إلى صفته كحق اليقين وجانب الغربي وتأوله البصريون على حذف الموصوف أي شيع الأمم الأولين انتهى من ص وقوله سبحانه كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا بؤمنون به وقد خلت سنة الأولين يحتمل أن يكون الضمير في نسلكه يعود على الذكر المحفوظ المتقدم وهوالقرآن ويكون الضمير في به عائد عليه أيضا ويحتمل أن يعود الضميران معا على الأستهزاء والشرك ونحوه والباء في به باء السبب أي لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائدا على الأستهزاء والشرك والضمير في به عائد على القرآن والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض ونسلكه معناه ندخله والمجرمين هنا يراد بهم كفار قريش ومعاصرو النبي صلى الله عليه و سلم وقوله لا يؤمنون به عموم معناه الخصوص فيمن حتم عليه وقوله وقد خلت سنة الأولين أي على هذه الوتيرة ولو فتحنا عليهم أي على قريش وكفرة العصر والضمير في قوله فظلوا عائد عليهم وهو تأوي الحسن ويعرجون معناه يصعدون ويحتمل أن يعود على الملائكة أي ولو رأو الملائكة يصعدون وبتصرفون في باب مفتوح في السماء لما آمنوا وهذا هو تأويل ابن عباس وقرأ السبعة سوى ابن كثير سكرت بضم السين وشد الكاف وقرأ ابن كثير بتخفيف الكاف تقول العرب سكرت الريح تسكر سكورا إذا ركدت ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولا وسكر الرجل من الشراب إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ لما كان بسبيله أن ينفذ فيه وتقول العرب سكرت البثق في مجاري الماء سكرا إذا طمسته وصرفت الماء عنه فلم ينفذ لوجهه قال ع فهذه اللفظة سكرت بشد الكاف إن كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح فهي فعل عدي بالتضعيف وإن كانت من سكر مجاري الماء فتضعيفها للمبالغة لا للتعدي لأن المخفف من فعله متعد ومعنى هذه المقالة منهم أي غيرت أبصارنا عما كانت عليه فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء كما كانت تفعل وقوله سبحانه ولقد جلعنا في السماء بروجا البروج المنازل وأحدها برج وسمي بذلك لظهوره ومنه تبرج المرأة ظهورها وبدوها وحفظ السماء هو بالرجم بالشهب على ما تضمنته الأحاديث الصحاح قال النبي صلى الله عليه و سلم أن الشياطين تقرب من السماء أفواجا قال فينفرد المارد منها فيعلوا فيسمع فيرمى بالشهاب فيقول لأصحابه أنه من الأمر كذا وكذا فيزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا الحديث وإلا بمعنى لكن ويظهر أن الأستثناء من الحفظ وقال محمد بن يحي عن أبيه إلا من استرق السمع فإنها لم تحفظ منه وقوله موزون قال الجمهور معناه مقدر محرر بقصد وأرادة فالوزن على هذا مستعار وقال ابن زيد المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة وغير ذلك مما يوزن والمعايش جمع معيشة وقوله ومن لستم له برازقين يحتمل أن يكون عطفا على معايش كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش وهي ما يؤكل ويلبس ثم عدد النعم في الحيوان والعبيد وغير ذلك مما ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم وقوله تعالى وأن من شيء إلا عندنا خزائنه قال ابن جريج هو المطر خاصة قال ع وينبغي أن يكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات وقوله سبحانه وأرسلنا الرياح لواقح أي ذات لقح يقال لقحت الناقة والشجر فهي لاقحة إذا حملت فالوجه في الريح ملحقة لا لاقحة وقال الداودي وعن ابن عمر الرياح ثمان أربع رحمة وأربعة عذاب فالرحمة المرسلات المبشرات والناشرات والذاريات وأما العذاب فالصرصر والعقيم والقاصف والعاصف وهما في البحرانتهى وقوله جلت عظمته وإنا لنحن نحي ونميت الآيات هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته المعنى وإنا لنحن نحي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة ونميت بإزالة الحياة عمن كان حيا ونحن الوارثون أي لا يبقى شيء سوانا وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين أي من لدن آدم إلى يوم القيامة قال ابن العربي في أحكامه روى الترمذي وغيره في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أنه قال كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن عباس ولا والله ما رأيت مثلها قط قال فكان بعض المسلمين إذا صلوا تقدموا وبعضهم يستأخر فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله الآية ثم قال ابن العربي في شرح المراد بهذه الآية خمسة أقوال أحدها هذا القول الثاني المتقدمين في الخلق إلى اليوم والمتأخرين الذين لم يخلقوا بعد بيان أن الله يعلم الموجود والمعدوم قاله قتادة وجماعة الثالث من مات ومن بقي قاله ابن عباس أيضا الرابع المستقدمين سائر الأمم والمستأخرين أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم قاله مجاهد الخامس قال الحسن معناه المتقدمين في الطاعة والمستأخرين في المعصية انتهى ت والحديث المتقدم أن صح فلا بد من تأويله فإن الصحابة ينزهون عن فعل ماذكر فيه فيؤول بأن ذلك صدر من بعض المنافقين أو بعض الأعراب الذين قرب عهدهم بالإسلام ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم وأما ابن عباس فإنه كان يومئذ صغيرا بلا شك هذا إن كانت الآية مدنية فإن كانت مكية فهو يومئذ في سن الطفولية وبالجملة فالظاهر ضعف هذا الحديث من وجوه انتهى وباقي الآية بين ولقد خلقنا الإنسان يعني آدم قال ابن عباس خلق من ثلاثة من طين لازب وهو اللازق الجيد ومن صلصال وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف ومن حماء مسنون وهو الطين فيه الحمأة والمسنون قال معمر هو المنتن وهو من أسن الماء إذا تغير ورد من جهة التصريف وقيل غير هذا وفي الحديث أن الله تعالى عز و جل خلق آدم من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأسود والأحمر وقوله والجان يراد به جنس الشياطين وسئل وهب بن منبه عنهم فقال هم أجناس قال ع والمراد بهذه الخلقة إبليس أبو الجن وقوله من قبل لأن إبليس خلق قبل آدم بمدة والسموم في كلام العرب افراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح وأما أضافة النار إلى السموم في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار انواعا ويكون السموم أمرا يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ وإن لم يكن هذا فيخرج هذا على قولهم مسجد الجامع ودار الاخرة علىحذف مضاف قوله عز و جل وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون أخبر الله سبحانه الملائكة بعجب عندهم وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور فهي مخلوقات لطاف فأخبرهم سبحانه أنه يخلق جسما حيا ذا بشرة وأنه يخلقه من صلصال والبشرة هي وجه الجلد في الأشهر من القول وقوله من روحي أضافة خلق وملك إلى خالق ومالك وقول إبليس لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال الآية ليس ابايته نفس كفره عند الحذاق لأن أبايته إنما هي معصية فقط وإنما كفره بمقتضى قوله وتعليله إذ يقتضى أن الله خلق خلقا مفضولا وكلف خلقا أفضل منه أن يذل له فكأنه قال وهذا جور وقد تقدم تفسير أكثر هذه المعاني وقوله عز و جل قال فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض الآية بما أغويتني قال أبو عبيدة وغيره اقسم بالأغواء قال ع كأنه جعله بمنزلة قوله رب بقدرتك على وقضائك ويحتمل أن نكون باء السبب وقوله سبحانه هذا صراط علي مستقيم المعنى هذا أمر إلي يصير والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي إليه يصير النظر في أمرك والآية تتضمن وعيدا وظاهر قوله عبادي الخصوص في أهل الإيمان والتقوى فيكون الأستثناء منقطعا وان أخذنا العباد عموما كان الأستناء متصلا ويكون الأقل في القدر من حيث لا قدر للكفار والنظر الأول أحسن وإنما الغرض أن لا يقع في الأستثناء الأكثر من الأقل وإن كان الفقهاء قد جوزوه وقوله لموعدهم أي موضع اجتماعهم عافانا الله من عذابه بمنه وعاملنا بمحض جوده وكرمه وقوله سبحانه أن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام الآية السلام هنا يحتمل أن يكون السلامة ويحتمل أن يكون التحية والفل الحقد قال الداودي عن النبي صلى الله عليه و سلم ونزعنا ما في صدورهم الآية قال إذا خلص المؤمنون من الصراط جبسوا على صراط بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض بمظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا إذن لهم في دخول الجنة والله لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة من منزله في الدنيا انتهى والسرر جمع سرير ومتقابلين الظاهر أن معناه في الوجوه إذ الأسرة متقابلة فهي أحسن في الرتبة قال مجاهد لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه وقيل غير هذا مما لا يعطيه اللفظ والنصب التعب ونبئى معناه أعلم قال الغزالي رحمه الله في منهاجه ومن الآيات اللطيفة الجامعة بين الرجاء والخوف قوله تعالى نبئى عبادي اني انا الغفور الرحيم ثم قال في عقبه وان عذابي هو العذاب الأليم ليلا يستولي عليك الرجاء بمرة وقوله تعالى شديد العقاب ثم قال في عقبه ذي الطول ليلا يستولي عليك الخوف واعجب من ذلك قوله تعالى ويحذركم الله نفسه ثم قال في عقبه والله رءوف بالعباد واعجب منه قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب فعلق الخشية باسم الرحمن دون اسم الجبار أو المنتقم أو المتكبر ونحوه ليكون تخويفا في تأمين وتحريكا في تسكين كما تقول أما تخشى الوالدة الرحيمة أما تخشى الوالد الشفيق والمراد من ذلك أن يكون الطريق عدلا فلا تذهب إلى أمن وقنوط جعلنا الله وإياكم من المتدبرين لهذا الذكر الحليم العاملين بما فيه أنه الجواد الكريم انتهى وقوله سبحانه ونبئهم عن ضيف إبراهيم الآية هذه ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول والضيف مصدر وصف به فهو للواحد والأثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد وقوله انامنكم وجلون أي فزعون وإنما وجل منهم لما قدم إليهم العجل الحنيذ فلم يرهم يأكلون وكانت عندهم العلامة المؤمنة أكل الطعام وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للنازل والمنزول به وقوله ان مسني الكبر أي في حالة قد مسني فيه الكبر وقول إبراهيم عليه السلام فبم تبشرون تقرير على جهة التعجب والاستبعاد لكبرهما أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة بالمسرات الدنيوية لمضي العمر واستيلاء الكبر وقولهم بشرناك بالحق فيه شدة ما أي أبشر بما بشرت به ولا تكن من القانطين والقنوط أتم اليأس وقوله سبحانه قال فما خطبكم أيها المرسلون لفظة الخطب إنما تستعمل في الأمور الشداد وقولهم الا ءال لوط اسثناء منقطع والآل القوم الذين يئول أمرهم إلى المضاف إليه كذا قال سيبويه وهذا نص في أن لفظة آل ليست لفظة أهل كما قال النحاس وإلا امرأته استثناء متصل والاستثناء بعد الاستثناء يرد المشتثنى الثاني في حكم الأمر الأول والغابرين هنا أي الباقين في العذاب وغبر من الأضداد يقال في الماضي وفي الباقي وقول الرسل للوط بل جئناك بما كانوا فيه يمترون أي بما وعدك الله من تعذيبهم الذي كانوا يشكون فيه والقطع الجزء من الليل وقوله سبحانه واتبع أدبارهم أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يلتفت مأخوذ من الألفتات الذي هو نظر العين قال مجاهد المعنى لا ينظر أحد وراءه ونهوا عن النظر مخافة العلقة وتعلق النفس بمن خلف وقيل ليلا تنفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها طرحها وقوله سبحانه وقضينا إليه ذلك الأمر أي امضيناه وحتمنا به ثم أدخل في الكلام إليه من حيث أوحي ذلك إليه وأعلمه الله به وقوله يستبشرون أي بالأضياف طمعا منهم في الفاحشة وقولهم أو لم ننهك عن العالمين روي أنهم كانوا تقدموا إليه في أن لا يضيف أحدا والعمر والعمر بفتح العين وضمها واحد وهما مدة الحياة ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح وفي هذه الآية شرف لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم لأن الله عز و جل أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع بشر سواه قاله ابن عباس ت وقال ص اللام في لعمرك للأبتداء والكاف خطاب للوط عليه السلام والتقدير قالت الملائكة له لعمرك واقتصر على هذا وما ذكره ع هو الذي عول عليه عياض وغيره وقال ابن العربي في أحكامه قال المفسرون بإجمعهم أقسم الله في هذه الآية بحياة محمد صلى الله عليه و سلم ولا أدري ما أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد عليه السلام وما المانع أن يقسم الله بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء وكل ما يعطى الله للوط من فضل ويؤتيه من شرف فلنبينا محمد عليه السلام ضعفاه لأنه أكرم على الله منه وإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة نبينا محمد عليه السلام أرفع ولا يخرج من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذكر لغير ضرورة انتهى ت وما ذكره الجمهور أحسن لأن الخطاب خطاب مواجهة ولأنه تفسير صحابي وهو مقدم على غيره ويعمهون معناه يترددون في حيرتهم ومشرقين معناه قد دخلوا في الأشراق وهو سطوع ضوء الشمس وظهوره قاله ابن زيد وهذه الصيحة هي صحية الوجبة وليست كصيحة ثمود وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين وباقي قصص الآية تقدم تفسيره والمتوسمين قال مجاهد المتفرسون وقال أيضا المعتبرون وقيل غير هذا وهذا كله تفسر بالمعنى وأما تفسير اللفظة فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى وكأن معصية هؤلاء ابقت من العذاب والأهلاك وسما فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي ليلا ينزل به ما نزل بهم ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر ... توسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من ءال هاشم ... والضمير في قوله وأنها لبسبيل مقيم يحتمل أن يعود على المدينة المهلكة أي أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر وهذا تأويل مجاهد وغيره ويحتمل أن يعود على الآيات ويحتمل أن يعود على الحجارة ويقويه ما روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال أن حجارة العذاب معلقة بين السماء والأرض منذ ألفي سنة لعصاة أمتي وقوله سبحانه وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم الآيتة الغيضة والشجر المتلف المخضر قال الشاعر ... الا انما الدنيا غضارة ايكة ... اذا احضر منها جانب جف جانب ... وكان هؤلاء قوما يسكنون غيضة ويرتفقون بها في معايشهم فبعث إليهم شعيب فكفروا به فسلط الله عليهم الحر فدام عليهم سبعة أيام ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا بها فأمطرت عليهم نارا وحكى الطبري قال بعث شعيب إلى أمتين فكفرتا فعذبتا بعذابين مختلفين أهل مدين عذبوا بالصحية وأصحاب الأيكة بالظلة وقوله وانهما لبامام مبين الضمير في أنهما يحتمل أن يعود على مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة ويحتمل أن يعود على لوط وشعيب عليهما السلام أي أنهما على طريق من الله وشرع مبين والأمام في كلام العرب الشيء الذي يهتدي به ويؤتم به فقد يكون الطريق وقد يكون الكتاب وقد يكون الرجل المقتدى به ونحو هذا ومن رأى عود الضمير علىالمدينتين قال الإمام الطريق وقيل على ذلك الكتاب الذي سبق فيه اهلاكهما وأصحاب الحجر هم ثمود وقد تقدم قصصهم والحجر مدينتهم وهي ما بين المدينة وتبوك وقال المرسلين من حديث يلزم من تكذيب رسول واحد تكذيب الجميع إذ القول في المعتقدات واحد وقوله ينحتون من الجبال بيوتا آمنين النحت النقر بالمعاول وآمنين قيل معناه من أنهدامها وقيل من حوادث الدنيا وقيل من الموت لاغترارهم بطول الأعمار وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة فكانوا لا يعلمون بحسبها وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق أي لم تخلق عبثا سدى وان الساعة ءلاتية فلا تهتم يا محمد بأعمال الكفرة فإن الله لهم بالمرصاد عز و جل ولقد آتيناك سبعا من الثماني ذهب ابن مسعود وغيره إلى أن السبع المثاني هنا هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن السبع هنا آيات الفاتحة وهو نص حديث أبي بن كعب وغيره ت وهذا هو الصحيح وقد تقدم بيان ذلك أول الكتاب وقوله سبحانه لا تمدن عينيك إلى ما معتنا به أزواجا منهم حكى الطبري عن سفيان بن عيينة أنه قال هذه الآية أمرة بالأستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا قال ع فكأنه قال آتيناك عظيما خطيرا فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعا من هؤلاء الكفرة ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم من أوتي القرآن فرأى أن أحد أعطي أفضل مما اعطي فقد عظم صغيرا وصغر عظيما ت وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فخطب الناس فقال لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا الحديث وفي رواية أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال بركات الأرض الحديث وفي رواية أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح لكم من زهرة الدنيا وزينتها الحديث انتهى والأحاديث في هذه الباب أكثر من أن يحصيها كتاب قال الغزالي في المنهاج وإذا أنعم الله عليك بنعمة الدين فإياك أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها فإن ذلك منك لا يكون إلا بضرب من التهاون بما أولاك مولاك من نعم الدارين أما تمع قوله تعالى لسيد المرسلين ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم الآية تقديره أن من أوتي القرآن العظيم حق له أن لا ينظر إلى الدنيا الحقيرة نظرة باستحلاء فضلا عن أن يكون له فيهارغبة فليلتزم الشكر على ذلك فإنه الكرامة التي حرص عليها الخليل لأبيه والمصطفى عليه السلام لعمه فلم يفعل وأما حطام الدنيا فإن الله سبحانه يصبه على كل كافر وفرعون وملحد وزنديق وجاهل وفاسق الذين هم أهون خلقه عليه ويصرفه عن كل نبي وصفي وصديق وعالم وعابد الذين هم أعز خلقه عليه حتى أنهم لا يكادون يصيبون كسرة وخرقة ويمن عليهم سبحانه بأن لا يلطخهم بقذرها انتهى وقال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم المعنى أعطيناك الآخرة فلا تنظر إلى الدنيا وقد أعطيناك العلم فلا تتشاغل بالشهوات وقد منحناك لذة القلب فلا تنظر إلى لذة البدن وقد أعطيناك القرآن فاستغن به فمن استغنى به لا يطمح بنظره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى حيي بالباقي وفني عن الفاني انتهى وقوله سبحانه وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين قال ع والذين أقول به في هذه أن المعنى وقل أنا نذير كما قال قبلك رسلنا ونزلنا عليهم كما أنزلنا عليك واختلف في المقتسمين من هم فقال ابن عباس وابن جبير المقتسمون هم أهل الكتاب الذي فرقوا دينهم وجعلوا كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض وقال لنحوه مجاهد وقالت فرقة المقتسمون هم كفار قريش جعلوا القرآن سحرا وشعرا وكهانة وجعلوه أعضاء بهذا التقسيم وقالت فرقة عضين جميع عضة وهي اسم للسحر خصاة بلغة قريش وقاله عكرمة ت وقال الواحدي كما أنزلنا عذابا على المقتسمين الذي اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان انتهى من مختصره وقوله سبحانه فوربك لنسالنهم أجمعين الآية ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه فالكافر يسأل عن التوحيد والرسالة وعن كفره وقصده به والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه وكل مكلف عما كلف القيام به وفي هذا المعنى أحاديث قال ابن عباس وكل مكلف عما كلف القيام به وفي هذا المعنى أحاديث قال ابن عباس في هذه الآية يقال لهم لم عملتم كذا وكذا قال وقوله تعالى فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان معناه لا يقال له ماذا اذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه وقوله سبحانه فاصدع بما تومر اصدع معناه انفذ وصرح بما بعثت به وقوله واعرض عن المشركين من آيات المهادنة التي نسختها آية السيف قاله ابن عباس ثم اعلمه الله تعالى بأنه قد كفاه المستهزءين به من كفار مكة ببوائق اصابتهم من الله تعالى قال ابن إسحاق وغيره وهم الذي قذفوا في قليب بدر كأبي جهل وغيره انتهى وقوله سبحانه ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون آية تانيس للنبي صلى الله عليه و سلم واليقين هنا الموت قاله ابن عمر وجماعة قال الداودي وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما أوحي إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين انتهى وابقي الآية بين وصلى الله عليى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة النحل وهي مكية غير آيات يسيرة يأتي بيانها إن شاء الله قوله سبحانه أتى أمر الله فلا تستعجلوه روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قال جبريل في سرد الوحي أتى أمر الله وثب رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما فلما قال فلا تستعجلوه سكن وقوله أمر الله قال فيه جمهور المفسرين أنه يريد القيامة وفيها وعيد للكفار وقيل المراد نصر محمد صلى الله عليه و سلم فمن قال أن الأمر القيامة قال أن قوله تعالى فلا تستعجلوه رد على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد واختلف المتأولون في قوله تعالى ينزل الملائكة بالروح فقال مجاهد الروح النبؤة وقال ابن عباس الروح الوحي وقال قتادة بالرحمة والوحي وقال الربيع بن أنس كل كلام الله روح ومنه قوله تعالى أوحينا اليك روحا من أمرنا وقال الزجاج الروح ما تحي به القلوب من هداية الله عز و جل وهذا قول حسن قال الداودي عن ابن عباس قال الروح خلق من خلق الله وأمر من أمر الله على صور بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه روح كالحفيظ عليه لا يتكلم ولا يراه ملك ولا شيء مما خلق الله وعن مجاهد الروح خلق من خلق الله لهم أيد وأرجل انتهى والله أعلم بحقيقة ذلك وهذا أمر لا يقال بالرأي فإن صح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم وجب الوقوف عنده انتهى ومن في قوله من يشاء هي للأنبياء وقوله تعالى خلق الإنسان من نطفة يريد بالإنسان الجنس وقوله خصيم يحتم أن يريد به الكفرة الذين يجادلون في آيات الله قال الحسن البصري ويحمل أن يريد أعم من هذا على ان الآية تعديد نعمة الذهن والبيان علىالبشر وقوله سبحانه والأنعام خلقها لكم فيها دفء الدفء السخانة وذهاب البرد بالاكسية ونحوها وقيل الدفء تناسل الإبل وقال ابن عباس هو نسل كل شيء والمعنى الأول هو الصحيح والمنافع ألبانها وما تصرف منها وحرثها والنضح عليها وغير ذلك وقوله جمال أي في المنظر وتريحون معنا حين ترودونها وقت الرواح إلى المنازل وتسرحون معناه تخرجونها غدوة إلى السرح والأثقال الأمتعة وقيل الأجسام كقوله وأخرجت الأرض أثقالها أي اجساد بني آدم وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيتها ت ويجب على من ملكه الله شيئا من هذا الحيوان أن يرفق به ويشكر الله تعالى على هذه النعمة التي خولها وقد روى مالك ف الموطأ عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن خالد بن معدان يرفعه قال إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها فإن كانت الأرض جدبة فأنجوا عليها بنقيها وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار وإياكم والتعريس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات قال أبو عمر في التمهيد هذا الحديث يستند عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه كثيرة فأما الرفق فمحمود في كل شيء وما كان الرفق في شيء إلا زانه وقد روى مالك بسنده عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله عز و جل يحب الرفق في الأمر كله وأمر المسافر في الخصب بأن يمشي رويدا ويكثر النزول لترعى دابته فأما الأرض الجدبة فالسنة للمسافر أن يسرع السير ليخرج عنها وبدابته شيء من الشحم والقوة والنقي في كلام العرب الشحم والودك انتهى وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم انتهى وقوله سبحانه ويخلق ما لا تعلمون عبرة منصوبة على العموم أي أن مخلوقات الله من الحيوان وغيره لا يحيط بعلمها بشر بل ما يخفى عنه أكثر مما يعلمه وقوله سبحانه وعلى الله قصد السبيل الآية هذه أيضا من أجل نعم الله تعالى أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه بنصب الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله ورحمته وتنعيمه طريقه وإلى ذلك مصيره وطريق قاصد معناه بين مستقيم قريب والألف واللام في السبيل للعهد وهي سبيل الشرع وقوله ومنها جائر يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم فالضمير في منها يعود على السبل التي يتضمنها معنى الآية وقوله سبحانه فيه تسيمون يقال أسام الرجل ماشيته إذا أرسلها ترعى وقوله سبحانه وما ذرأ لكم ذرأ معناه بث ونشر ومختلفا ألوانه أي أصنافه ويحتمل أن يكون التنبيه على اختلاف الألوان ==========================================================ج6. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي من حمرة وصفرة وغير ذلك والأول أبين وقوله سبحانه وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون البحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا قال ابن العربي في أحكامه قوله تعالى وتستخرجوا منه حلية تلبسونها يعني به اللؤلؤ والمرجان وهذا امتنان عام للرجال والنساء فلا يحرم عليهم شيء من ذلك انتهى ومواخر جمع ماخرة والمخر في اللغة الصوت الذي يكون من هبوب الريح على شيء يشق أو يصحب في الجملة الماء فيترتب منه أن يكن المخر من الريح وأن يكون من السفينة ونحوها وهو في هذه الآية من السفن وقال بعض النحاة المخر في كلام العرب الشق يقال مخر الماء الأرض وهذا أيضا بين أن يقال فيه للفلك مواخر وقوله وسبلا لعلكم تهتدون يحتمل تهتدون في مشيكم وتصرفكم في السبل ويحتمل تهتدون بالنظر في دلالة هذه المصنوعات على صانعها وعلامات وبالنجم هم يهتدون قال ابن عباس العلامات معالم الطرق بالنهار والنجوم هداية الليل وهذا قول حسن فإنه عموم بالمعنى واللفظة عامة وهذا إن كان ما دل على شيء وأعلم به فهو علامة والنجم هنا اسم جنس وهذا هو الصواب وقوله سبحانه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها الآية وبحسب العجز عن عد نعم الله تعال يلزم أن يكون الشاكر لها مقصرا عن بعضها فلذلك قال عز و جل لغفور رحيم أي عن تقصيركم في السكر عن جميعها نحا هذا المنحى الطبري ويرد عليه أن نعمة الله في قول العبد الحمد لله رب العالمين مع شرطها من النية والطاعة يوازي جميع النعم ولكن أين قولها بشروطها والمخاطبة بقوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها عامة لجمع الناس والذين تدعون من دون الله أي تدعونهم آلهة وأموات يراد به الذين يدعون من دون الله ورفع أموات على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره هم أموات وقوله غير أحياء أي لم يقبلوا حياة قط ولا اتصفوا بها وقوله سبحانه وما يشعرون أيان يبعثون أي وما يشعر الكفار متى يبعثون إلى التعذيب وقوله سبحانه الهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة أي منكرة اتحاد الاله ت وهذا كما حكى عنهم سبحانه في قولهم أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وقوله لأجرم عبرت فرقة من اللغويين عن معناها بلا بد ولا محالة وقالت فرقة معناها حق إن الله ومذهب سبيويه أن لا نفي لما تقدم من الكلام وجرم معناه وجب أو حق ونحو هذا مذهب الزجاج ولكن مع مذهبهما لا ملازمة لجرم لا تنفك هذه من هذه وقوله سبحانه إنه لا يحب المستكبرين عام في الكافرين والمؤمنين يأخذ كل أحد منهم بقسطه قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله موت النفوس حياتها من أحب أن يحي يموت ببذل أهل التوفيق نفوسهم وهوانها عليهم نالوا ما نالوا وبجب أهل الدنيا نفوسهم هانوا وطرأ عليهم الهوان هنا وهناك وقد ورد في الحديث أنه ما من عبد إلا وفي رأسه حكمه بيد ملك فإن تعاظم وارتفع ضرب الملك رأسه وقال له أتضع وضعك الله وإن تواضع رفعه الملك وقال له ارتفع رفعك الله من الله علينا بما به يقربنا إليه بمنه انتهى وقوله سبحانه وإذا قيل لهم يعني كفار قريش ماذا أنزل ربكم الآية يقال أن سببها النضر بن الحارث واللام في قوله ليحملوا يحتمل أن تكون لام العاقبة ويحتمل أن تكون لام كي ويحتلم أن تون لام الأمر على معنى الحتم عليهم والصغار الموجب لهم وقوله سبحانه ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم من للتبعيض وذلك أن هذا الرأس المضل يحمل وزر نفسه ووزرا من وزر كل من ضل بسببه ولا ينقص من أوزار أولئك شي والأوزار هي الأثقال وقوله سبحانه قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم الآية قال ابن عباس وغيره من المفسرين الإشارة بالذين من قبلهم إلى نمرود الذي بنى صرحا ليصعد فيه إلى السماء بزعمه فلما أفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين على ما حكى النقاش بعث الله عليه ريحا فهدمته وخر سقفه عليه وعلى أتباعه وقي أن جبريل هدمه بجناحه وألقى أعلاه في البحر وانجعف من أسفله وقالت فرقة المراد بالذين من قبلهم جميع من كفر من الأمم المتقدمة ومكر ونزلت به عقوبة وقوله على هذا فأتى الله نبيانهم من القواعد إلى آخر الآية تمثيل وتشبيه أي حالهم كحال من فعل به هذا وقوله يخزيهم لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار ودخولهم فيها وتشاقون معناه تحاربون أي تكونون في شق والحق في شق والذين أوتوا العلم هم الملائكة فيما قال بعض المفسرين وقال يحي بن سلام هو المؤمنون قال ع والصواب أن يعم جميع من آتاه الله علم ذلك من ملائكة وأنبياء وغيرهم وقد تقدم تفسير الخزي وأنه الفضيحة المخجلة وفي الحديث أن العار والتخزية لتبلغ من العبد في المقام بين يدي الله تعالى ما أن يتمنى أن ينطلق به إلى النار وينجو من ذلك المقام أخرجه البغوي في المسند المنتخب له انتهى من الكوكب الدري وقوله سبحانه الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الذين نعت للكافرين في قول أكثر المتأولين والملائكة يريد القابضين لأرواحهم والسلم هنا الاستسلام واللام في قوله فلبيس لام تأكيد والمثوى موضع الإقامة وقوله سبحانه وقيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم الآية لما وصف سبحانه مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأوجب لكل فريق ما يستحق وقولهم خيرا جواب بحسب السؤال واختلف في قوله تعالى للذين أحسنوا إلى آخر لآاية هل هو ابتداء كلام أو هو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي على نبينا خبرا أن من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وقوله سبحانه جنات عدن يدخلونها الآية تقدم تفسير نظيرها وطيبين عبارة عن صالح حالهم واستعدادهم للموت والطيب الذي لا خبث معه وقول الملائكة سلام عليكم بشارة من الله تعالى وفي هذا المعنى احاديث صحاح يطول ذكرها وروى ابن المبارك في رقائقه عن محمد بن كعب القرظي قال إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال السلام عليك ولي الله الله يقرئى عليك السلام ثم نزع بهذه الآية الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم انتهى وقوله سبحانه بما كنتم تعملون علق سبحانه دخولهم الجنة باعمالهم من حيث جعل الأعمال أمارة لادخال العبد الجنة ولا معارضة بين الآية وقوله صلى الله عليه و سلم لا يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة فإن الآية ترد بالتأويل إلى معنى الحديث قال ع ومن الرحمة والتغمد أن يوفق الله العبد إلى أعمال برة ومقصد الحديث نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل كما ذهب إليه فريق من المعتزلة وقوله سبحانه هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم ينظرون معناه ينتظرون ونظرمتى كانت من رؤية العين فإنما تعديها العرب بالى ومتى لم تتعد بالى فهي بمعنى انتظر ومنها انظرونا نقتبس من نوركم ومعنى الكلام أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم وقوله أو يأتي أمر ربك وعيد يتضمن قيام الساعة أو عذاب الدنيا ثم ذكر تعالى أن هذا كان فعل الأمم قبلهم فعوقبوا وقوله سبحانه فأصابهم سيئات ما عملوا أي جزاء ذلك في الدنيا والآخرة وحاق معناه نزل وأحاط وقوله سبحانه وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء الآية تقدم تفسير نظيرها في الأنعام وقولهم ولا حرمنا يريد من البحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك وقوله سبحانه ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله الآية إلى قوله فإن الله لا يهدي من يضل وقرأ حمزة والكساءي وعاصم لا يهدي بفتح الياء وكسر الدال وذلك على معنيين أي أن الله لا يهدي من قضى باضلاله والمعنى الثاني أن العرب تقول هدى الرجل بمعنى اهتدى وقوله سبحانه واقسموا بالله جهد إيمانهم لا يبعث الله من يموت الضمير في اقسموا لكفار قريش ثم رد الله تعالى عليهم بقوله بلى فاوجب بذلك البعث وأكثر الناس في هذه الآية الكفار المكذبون بالبعث وقوله سبحانه ليبين التقدير بلى يبعثه ليبين لهم الذي يختلفون فيه وقوله سبحانه إنما قولنا لشيء إذا اردناه الآية المقصد بهذه الآية أعلام منكرى البعث بهوان أمره على الله تعالى وقربه في قدرته لا رب غيره وقوله سبحانه والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا هؤلاء هم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة هذا قول الجمهور وهو الصحيح في سبب نزول الآية لان هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية والآية تتناول كل من هاجر أولا وآخرا وقرأ جماعة خارج السبع لنثوينهم وأختلف في معنى الحسنة هنا فقالت فرقة الحسنة عدة ببقعة شريفة وهي المدينة وذهبت فرقة إلى أن الحسنة عامة في كل أمر مستحسن يناله ابن أدم وفي هذا القول يدخل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يعطي المال وقت القسمة الرجل من المهاجرين ويقول له خذ ما وعدك الله في الدنيا ولأجر الآخرة اكبر ثم يتلو هذه الآية ويدخل في هذا القول النصر على العدو وفتح البلاد وكل أمل بلغه المهاجرون والضمير في يعلمون عائد على كفار قريش وقوله الذين صبروا من صفة المهاجرين وقوله تعالى وما ارسلنا من قبلك إلا رجالا يوحي اليهم هذه الآية رد على كفار قريش الذين استبعدوا أن يبعث الله بشرا رسولا ثم قال تعالى فسئلوا أي قل لهم فسألوا واهل الذكر هنا أحبار اليهود والنصارى قاله ابن عباس وغيره وهو اظهر الأقوال وهم في هذه النازلة خاصة إنما يخبرون بأن الرسل من البشر وأخبارهم حجة على هؤلاء وقد أرسلت قريش إلى يهود يثرب يسألونهم ويسندون إليهم وقوله بالبينات متعلق بفعل مضمر تقديره أرسلناهم بالبينات وقالت فرقة الباء متعلقة بارسلنا في أول الآية والتقدير على هذا وما أرسلنا مت قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا ففي الآية تقديم وتاخير والزبر الكتب المزبورة وقوله سبحانه لتبين للناس ما نزل اليهم الآية ت وقد فعل صلى الله عليه و سلم ذلك فبين عن الله واوضح وقد أوتي صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم فأعرب عن دين الله وافصح ولنذكر الآن طرفا من حكمه وفصيح كلامه بحذف اسانيده قال عياض في شفاه وأما كلامه صلى الله عليه و سلم المعتاد وفصاحته المعلومه وجوامع كلمه وحكمه الماثورة فمنها ما لا يوازي فصاحة ولا يبارى بلاغة كقوله المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم وقوله الناس كأسنان المشط والمرء مع من احب ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له والناس معادن وما هلك امرء عرف قدره والمستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن شر فسلم وقوله أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وأن احبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة احاسنكم أخلاقا الوطئون اكنافا الذين يالفون ويولفون وقوله لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه وقوله ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها ونهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات وعقوق الأمهات ووأد البنات وقوله اتق الله حيث كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وخير الأمور أوساطها وقوله أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وقوله الظلم ظلمات يوم القيامة وقوله في بعض دعائه اللهم أني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلم بها شعثى وتصلح بها غائبى وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتلهمني بها رشدي وترد بها ألفتي وتعصمنى بها من كل سوء اللهم أني أسألك الفوز في القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء إلى غير ذلك من بيانه وحسن كلامه مما روته الكافة عن الكافة مما لا يقاس به غيره وحاز فيه سبقا لا يقدر قدره كقوله السعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه في أخواتها مما يدرك الناظر العجب في مضمنها ويذهب به الفكر في أدانى حكمها وقال صلى الله عليه و سلم بيد أني من قريش ونشأت في بنى سعد فجمع الله له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها ونصاعة الفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري انتهى وبالجملة فليس بعد بيان الله ورسوله بيان لمن عمر الله قلبه بالإيمان وقوله سبحانه افأمن الذين مكروا السيئات الآية تهديد لكفار مكة ونصب السيئات بمكروا وعدى مكروا لأنه في معنى عملوا قال البخاري قال ابن عباس في تقلبهم أي في اختلافهم انتهى وقال المهدوي قال قتادة في تقلبهم في أسفارهم الضحاك في تقلبهم بالليل انتهى وقوله على تخوف أي على جهة التخوف والتخوف التنقص وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خفي عليه معنى التخوف في هذه الآية وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك فيروي أنه جاءه فتى من العرب فقال يا أمير المؤمنين أن أبي يتخوفنى مالي فقال عمر الله اكبر أو يأخذهم على تخوف ومنه قول النابغة تخوفهم حتى اذل سراتهم ... بطعن ضرار بعد فتح الصفائح ... وهذا التنقص يتجه به الوعيد على معنيين أحدهما أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخوف أي افذاذا يتنقصهم بذلك الشيء بعد الشيء ويصيرهم إلى ما اعد لهم من العذاب وفي هذه الرتبة الثالهة من الوعيد رأفة ورحمة وأمهال ليتوب التائب ويرجع الراجع والثاني ما قاله الضحاك أن يأخذ بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى ثم كذلك حتى يهلك الكل وقالت فرقة التخوف هنا من الخوف أي فيأخذهم بعد تخوف ينالهم يعذبهم به وقوله سبحانه أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء الآية قوله من شيء لفظ عام في كل شخص وجرم له ظل كالجبال والشجر وغير ذلك وفاء الظل رجع ولا يقال الفيء إلا من بعد الزوال في مشهور كلام العرب لكن هذه الآية الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره فكأن الآية جارية في بعض على تجوز كلام العرب واقتضائه والرؤية هنا رؤية القلب ولكن الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرءيات بالعين وعن اليمين والشمائل هنا فيه تجوز واتساع وذكر الطبري عن الضحاك قال إذا زالت الشمس سجد كل شيء قبل القبلة من نبت أو شجر ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت قال الداودي وعن النبي صلى الله عليه و سلم قال أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن في صلاة السحر قال وليس شيء إلا يسبح لله تلك الساعة وقرأ يتفيؤا ظلاله الآية كلها انتهى والداخر المتصاغر المتواضع وقوله سبحانه يخافون ربهم عام لجميع الحيوان ومن فوقهم يريد فوقية القدر والعظمة والقهر وقوله سبحانه وله ما في السموات والأرض السموات هنا كل ما أرتفع من الخلق من جهة فوق فيدخل في ذلك العرش والكرسي وغيرهما والدين الطاعة والملك والواصب الدائم قاله ابن عباس ثم ذكر سبحانه بنعمه ثم ذكر بأوقات المرض والتجاء العباد إليه سبحانه والضر وأن كان يعم كل مكروه فأكثر ما يجىء عن أرزاء البدن وتجئرون معناه ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرع ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون الفريق هنا يراد به المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالا من شفاء المرضى وجلب النفع ودفع الضر فهم إذا شفاهم الله عظموا أصنامهم وأضافوا ذلك الشفاء إليها وقوله سبحانه وليكفروا يجوز أن تكون اللام لام الصيرورة ويجوز أن تكون لام أمر على معنى التهديد وقوله بما أتيناهم أي بما أنعمنا عليهم وقوله سبحانه ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم أي لما لا يعلمون له حجة ولا برهانا ويحتمل أن يريد بنفى العلم الأصنام أي لجمادات لا تعلم شيأ نصيبا والنصيب المشار إليه هو ما كانت العرب سنته من الذبح لأصنامها والقسم من الغلات وغيره وقوله سبحانه ويجعلون لله البنات سبحانه الآية تعديد لقبائح الكفرة في قولهم الملائكة بنات الله تعالى الله عن قولهم والمراد بقوله ولهم ما يشتهون الذكران من الأولاد وقوله ظل وجهه مسودا عبارة عما يعلو وجه المغموم قال ص ظل تكون بمعنى صار وبمعنى أقام نهارا على الصفة المسندة إلى أسمها وتحتمل هنا الوجهين انتهى وكظيم بمعنى كاظم والمعنى أنه يخفى وجده وهمه بالانثى ومعنى يتوارى يتغيب من القوم وقرأ الجحدري ايمسكها أم يدسها وقرأ الجمهور على هون وقرأ عاصم الجحدري على هوان ومعنى الآية يدبر ايمسك هذه الآنثى على هوان يتحمله وهم يتجلد له أم يئدها فيدفنها حية وهو الدس في التراب وقوله سبحانه للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء قالت فرقة مثل في هذه الآية بمعنى صفة أي لهؤلاء صفة السوء ولله المثل الأعلى قال ع وهذا لا يضطر إليه لأنه خروج عن اللفظ بل قوله مثل على بابه فلهم على الاطلاق مثل السوء في كل سوء ولا غاية أخزى من عذاب النار ولله سبحانه المثل الأعلى على الإطلاق أيضا أي الكمال المستغنى وقوله سبحانه ولو يواخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة الضمير في عليها عائد على الأرض وتمكن ذلك مع أنه لم يجر لها ذكر لشهرتها وتمكن الإشارة إليها وسمع أبو هريرة رجلا يقول إن الظالم لا يهلك إلا نفسه فقال أبو هريرة بلى إن الله ليهلك الحبارى في وكرها هزلا بذبوب الظلمة والأجل المسمى في هذه الآية هو بحسب شخص شخص وقوله ما يكرهون يريد البنات وقوله سبحانه وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى قال مجاهد وقتادة الحسنى الذكور من الأولاد وقالت فرقة يريد الجنة قال ع ويؤيده قوله لاجرم أن لهم النار وقرأ السبعة سوى نافع مفرطون بفتح الراء وخفتها أي مقدمون إلى النار وقرأ نافع مفرطون بكسر الراء المخففة أي متجاوزون الحد في معاصي الله وقوله سبحانه تالله لقد ارسلنا إلى امم من قبلك الآية هذه آية ضرب مثل لهم بمن سلف في ضمنها وعيد لهم وتأنيس للنبي صلى الله عليه و سلم وقوله فهو وليهم اليوم يحتمل أن يريد باليوم يوم الأخبار ويحتم أن يريد يوم القيامة أي وليهم في اليوم المشهور وقوله سبحانه الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه لتبين في موضع المفعول من أجله إي إلا لأجل البيان والذي اختلفوا فيه لفظ عام لأنواع كفر الكفرة لكن الإشارة هنا إلى تشريكهم الأصنام في الالهية ثم أخذ سبحانه ينص العبر المؤدية إلى بيان وحدانيته وعظيم قدرته فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر المؤدية إلى بيان وحدانيته وعظيم قدرته فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر وهي ملاك الحياة وهي في غاية الظهور لا يخالف فيها عاقل وقوله مما في بطونه الضمير عائد على الجنس وعلى المذكور وهذا كثير وقوله سبحانه سائغا للشاربين السائغ السهل في الشرب اللذيذ ت وعن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس شيء يجزئى مكان الطعام والشراب غر اللبن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي واللفظ له هذا حديث حسن انتهى من السلاح وقوله سبحانه ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا الآية السكر ما يسكر هذا هوا لمشهور في اللغة قال ابن عباس نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر وأراد بالسكر الخمر وبالرزق الحسن جميع ما يشرب ويؤكل حلالا من هاتين الشجرتين فالحسن هنا الحلال وقال بهذا القول ابن جبير وجماعة وصحح ابن العربي هذا القول ولفظه والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فإن هذه الآية مكية باتفاق العلماء وتحريم الخمر مدني انتهى من أحكام القرآن وقال مجاهد وغيره السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والرب والنبيذ والرزق الحسن العنب والتمر قال الطبري والسكر أيضا في كلام العرب ما يطعم ورجح الطبري هذا القول ولا مدخل للخمر فيه ولا نسخ في الآية وقوله تعالى واوحى ربك إلى النحل الآية الوحي في كلام العرب القاء المعنى من الموحى إلى الموحى إليه في خفاء فمنه الوحي إلى الأنبياء برسالة الملك ومنه وحي الرؤيا ومنه وحي الإلهام وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأولين والوحي أيضا بمعنى الأمر كما قال تعالى بأن ربك أوحى لها وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع أما في الجبال وكواها وأما في متجوف الأشجار وأما في يعرش ابن آدم من الاجباح والحيطان ونحوها وعرش معناه هيأ والسبل الطرق وهي مسالكها في الطيران وغيره وذللا يحتمل أن يكون حالا من النحل أي مطيعة منقادة قاله قتادة قال ابن زيد فهم يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم وقرا أولم يروا انا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما الآية ويحتمل أن يكون حالا من السبل أي مسهلة مستقيمة قاله مجاهد لا يتوعر عليها سبيل تسلكه ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبر أمر العسل في قوله يخرج من بطونها شراب وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل واختلاف الألوان في العسل بحسب اختلاف النحل والمراعي أي والفصول ت قال الهروي قوله تعالى يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه وذلك أنه يستحيل في بطونها ثم تمجه من أفواهها انتهى وقوله فيه شفاء للناس الضمير للعسل قاله الجمهور قال ابن العربي في أحكامه وقد روى الأئمة واللفظ للبخاري عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحب الحلواء والعسل وروى أبو سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال إن أخي يشتكي بطنه فقال اسقه عسلا ثم أتاه الثانية فقال اسقه عسلا ثم أتاه فقال فعلت فما زاده ذلك إلا استطلاقا قال عليه السلام صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا فسقاه فبرأ وروي أن عوف ابن مالك الأشجعي مرض فقيل له غلا نعالجك فقال ائتنوني بماء سماء فإن الله تعالى يقول ونزلنا من السماء ماء مباركا وائتنوني بعسل فإن الله تعالى يقول فيه شفاء للناس وائتوني بزيت فإن الله تعالى يقول من شجرة مباركة فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرأ انتهى وقوله سبحانه ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وأرذل العمر الذي تفسد فيه الحواس ويختل العقل وخص ذلك بالرذيلة وإن كانت حالة الطفولة كذلك من حيث كانت هذه لارجاء معها وقال بعض الناس أول أرذل العمر خمس وسبعون سنة روي ذلك عن علي رضي الله عنه قال ع وهذا في الأغلب وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة وإنما هو بحسب إنسان إنسان ورب من يكون ابن خمسين سنة وهو في أرذل عمره ورب ابن تسعين ليس في أرذل عمره واللام في لكي يشبه أن تكون لام الصيرورة والمعنى ليصير أمره بعد العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا وهذه عبارة عن قلة علمه لا أنه لا يعلم شيئا البتة وقوله سبحانه والله فضل بعضكم على بعض في الرزق أخبار يراد به العبرة وإنما هي قاعدة بني المثل عليها والمثل هو أن المفضلين لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أعطوا حتى تستوي أحوالهم فإذا كان هذا في البشر فكيف تنسبون أيها الكفرة إلى الله أنه يسمح بأن يشرك في الألوهية الأوثان والأصنام وغيرها مما عبد من دونه وهم خلقه وملكه هذا تأويل الطبري وحكاه عن أبن عباس قال المفسرون هذه الآية كقوله تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت إيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء الآية ثم وقفهم سبحانه على جحدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مثل هذا من مواضع النظر المؤدية إلى الإيمان وقوله سبحانه والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا هذه أيضا آية تعديد نعم والأزواج هنا الزوجات وقوله من أنفسكم يحتمل أن يريد خلقة حواء من نفس آدم وهذا قول قتادة والأظهر عندي أن يريد بقوله من أنفسكم أي من نوعكم كقوله لقد جاءكم رسول من أنفسكم والحفدة قال ابن عباس هم أولاد البنين وقال الحسن هم بنوك وبنو بنيك وقال مجاهد الحفدة الأنصار والأعوان وقيل غير هذا ولا خلاف إن معنى الحفد الخدمة والبر المشي مسرعا في الطاعة ومنه في القنوت وإليك نسعى ونحفد والحفدان أيضا خبب فوق المشي وقوله سبحانه فلا تضربوا لله الأمثال الآية أي لا تمثلوا لله الأمثال وهو مأخوذ من قولك هذا ضريب هذا أي ميله والضرب النوع وقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا الآية الذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا أمر نفسه وإنما هو مسخر بإرادة سيده مدبر وبازاء العبد في المثال رجل موسع عليه في المال فهو يتصرف فيه بإرادته واختلف الناس في الذي له المثل فقال ابن عباس وقتادة هو مثل الكفار والمؤمن وقال مجاهد والضحاك هذا المثال والمثال والآخر الذي بعده إنما هو مثال لله تعالى والأصنام فتلك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء والله تعالى تتصرف قدرته دون معقب وكذلك فسر الزجاج على نحو قول مجاهد وهذا التأويل أصوب لأن الآية تكون من معنى ما قبلها ومدارها في تبيين أمر الله والرد على أمر الأصنام وقوله الحمد لله أي على ظهور الحجة وقوله سبحانه وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم الآية هذا مثل لله عز و جل والأصنام فهي كالأبكم الذي لا نطق له ولا يقدر على شيء والكل الثقيل المؤنة كما الأصنام تحتاج إلى أن تنقل وتخدم ويتعذب بها ثم لا يأتي من جهتها خير أبدا والذي يأمر بالعد هو الله تعالى وقوله تعالى وما أمر الساعة الآية المعنى على ما قاله قتادة وغيره ما تكون الساعة واقامتها في قدرة الله تعالى إلا أن يقول لها كن فلو اتفق أن يقف على ذلك محصل من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هي كلمح البصر أوهي أقرب ولمح البصر هو وقعه على المرءي وقوله سبحانه ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء الآية الجو مسافة ما بين السماء والأرض وقيل هو ما يلي الأرض منها والآية عبرة بينة المعنى تفسيرها تكلف محت ويوم ظعنكم معناه رحيلكم والأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان فلذلك اقتصر على هذه ويحتمل أن ترك ذكر القطن والكتان والحرير أعراض عن السرف إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف قال ابن العربي في أحكامه عند قوله تعالى لكم فيها دفء في هذه الآية دليل على لباس الصوف فهو أول ذلك وأولاه لأنه شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين واختيار الزهاد والعارفين وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية لأنه لباسهم في الغالب انتهى والأثاث متاع البيت وأحدها أثاثه هذا قول أبي زيد الأنصاري وقال غيره الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه قال ع والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعم لأن حال الإنسان تكون بالمال اثيثة كما تقول شعر أثيث ونبات أثيث إذا كثر والتف والسرابيل جميع ما يلبس على جميع البدن وذكر وقاية الحراذ هوأمس بتلك البلاد والبرد فيها معدوم في الأكثر وأيضا فذكر أحدهما يدل على الآخر وعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من لبس ثوبا جديد فقال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الذي خلق فتصدق به كان في كنف الله وفي حفظ الله وفي ستر الله حيا وميتا رواه الترمذي واللفظ له وابن ماجه والحاكم في المستدرك وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما اشترى عبد ثوبا بدينا أو نصف دينا فحمد الله عليه إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له رواه الحاكم في المستدرك وقال هذا الحديث لا أعلم في إسناده أحدا ذكر بجرح انتهى من السلاح والسرابيل التي تقي البأس هي الدروع ونحوها ومنه قول كعب بن زهير في المهاجرين ... شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسبج داود في الهيجا سرابيل ... والبأس مس الحديد في الحرب وقرأ الجمهور تسلمون وقرأ ابن عباس تسلمون من السلامة فتكون اللفظة مخصوصة في بأس الحرب وقوله سبحانه ويوم نبعث من كل أمة شهيدا أي شاهدا على كفرهم وإيمانهم ثم لا يؤذن أي لا يؤذن لهم في المعذرة وهذا في موطن دون موطن ويستعتبون بمعنى يعتبون تقول أعتبت الرجل إذا كفيته ما عتب فيه كما تقول أشكيته إذا كفيته ما شكا وقال قوم معناه لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في الدنيا وقال الطبري معنى يستعتبون يعطون الرجوع إلى الدنيا فتقع منهم توبة وعمل ت وهذا هو الراجح وهو الذي تدل عليه الأحاديث وظواهر الآيات في غير ما موضع وقوله سبحانه وإذا رأى الذين اشكروا شركاءهم أي إذا رأوهم بأبصارهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا ألآية كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيب المعبودين وقوله سبحانه فالقوا إليهم القول الآية الضمير في القوا للمعبودين انطقهم الله بتكذيب المشركين وقد قال سبحانه في آية أخرى فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون الآية أنظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها وقوله والقوا إلى الله يومئذ السلم الضمير في ألقوا هنا عائد علىالمشركين والسلم الاستسلام وقوله تعالى زدناهم عذابا فوق العذاب الآية روي في ذلك عن ابن مسعود أن الله سبحانه يسلط عليهم عقارب وحيات لها أنياب كالنخل الطوال وقال عبيد بن عمير حيات لها أنياب كالنخل ونحو هذا وروي عن عبد اله بن عمرو بن العاص أن لجهنم سواحل فيها هذه الحيات وهذه العقارب فيفر الكافرون إلى السواحل فتلقاهم هذه الحيات والعقارب فيفرون منها إلى النار فتتبعهم حتى تجد حر النار فترجع قال وهي في أسراب وقوله سبحانه ويوم نبعث في كل أمة شهيدا يعني رسولها ويجوز أن يبعث الله شهودا من الصالحين مع الرسل وقد قال بعض الصحابة إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شاهدا عليه يوم القيامة وقوله سبحانه وجئنا بك شهيد على هؤلاء الإشارة بهؤلاء إلى هذه الأمة وقوله عز و جل إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية قال ابن مسعود رضي الله عنه أجمع آية في كتاب الله هذه الآية وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية قرأتها على أبي طالب فعجب وقال يا آل غالب اتبعوه تفلحوا فواله إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق قال ع والعدل فعل كل مفروض والإحسان فعل كل مندوب إليه وايتاءى ذي القربى لفظ يقتضي صلة الرحم ويعم جميع اسداء الخير إلى القرابة والفحشاء الزنا قاله ابن عباس ويتناول اللفظ سائر المعاصي التي شنعتها ظاهرة والمنكر أعم منه لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل والاذايات على اختلاف أنواعها والبغي هو إنشاء ظلم الإنسان والسعاية فيه وكفيلا معناه متكفلا بوفائكم وباقي الآية بين وقوله سبحانه ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها الآية شبهت هذه الآية الذي يحلف أو يعاهد ويبرم عقده بالمرأة تغزل غزلها تفتله محكما ثم تنقض قوى ذلك الغزل فتحله بعد إبرامه و انكاثا نصب على الحال والنكث النقض والعرب تقول أنتكث الحبل إذا انتقضت قواه والدخل الدغل بعينه وهو الذرائع إلى الخدع والغدر وذلك أن المحلوف له مطمئن فيتمكن الحالف من ضرره بما يريد وقوله سبحانه ان تكون أمة هي أربى من أمة المعنى لا تنقضوا الإيمان من أجل أن تكون قبيلة أزيذ من قبيلة في العدد والعزة والقوة ويبلوكم أي يختبركم والضمير في به يحتمل أن يعود على الربا أي إن الله أبتلى عباده بالربا وطلب بعضهم الظهور على بعض واختبرهم بذلك ليرى من يجاهد بنفسه ممن يتبع هواها وباقي الآية وعيد بيوم القيامة وقوله سبحانه ولا تتخذوا إيمانكم دخلا بينكم الآية الدخل كما تقدم الغوائل والخدائع وكرر مبالغة قال الثعلبي قال أبوعبيدة كل امر لم يكن صحيحا فهو دخل انتهى وقوله فتزل قدم بعد ثبوتها إستعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم وقوله سبحانه ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا الآية هذه آية نهي عن الرشا وأخذ الأموال ثم أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة ومواهب الآخرة خير لمن اتقى وعلم واهتدى ثم بين سبحانه الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان أو ينقضي عنها ومنن الآخرة باقية دائمة وصبروا معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعات وهذه إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المكروهة واختلف الناس في معنى الحياة الطيبة فقال ابن عباس هو الرزق الحلال وقال الحسن وعلي بن أبي طالب هي القناعة قال ع والذي أقول به أن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونبلها وقوة رجائهم والرجاء للنفس أمر ملذ فبهذا تطيب حياتهم وأنهم أحتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم فإن انضاف إلى هذا مال حلال وصحة أو قناعة فذلك كمال وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب وقوله سبحانه ولنجزينهم الآية وعد بنعيم الجنة قال أبو حيان وروي عن نافع وليجزينهم بالياء التفاتا من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة وينبغي أن يكون على تقدير قسم ثان لا معطوفا على فلنحيينه فيكون من عطف جملة قسمية على جملة قسمية وكلتاهما محذوفة وليس من عطف جواب لتغاير الإسناد انتهى وقوله سبحانه فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله الآية التقدير فإذا أخذت في قراءة القرآن والاستعاذة ندب وعن عطاء أن التعوذ واجب ولفظ الاستعاذة هو على رتبة هذه الآية والرجيم المرجوم باللعنة وهو إبليس ثم أخبر تعالى أن إبليس ليس له ملكة ولا رياسة هذا ظاهر السلطان عندي في هذه الآية وذلك أن السلطان أن جعلناه الحجة فليس لإبليس حجة في الدنيا على أحد لا على مؤمن ولا على كافر إلا أن يتأول متأول ليس له سلطان يوم القيامة فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له من قبل أنفسهم ويتولونه معناه يجعلونه وليا والضمير في به يحتمل أن يعود على اسم الله عز و جل والظاهر أنه يعود على اسم العدو الشيطان بمعنى من أجله وبسببه فكأنه قال والذين هم بسببه مشركون بالله وهذا الأخبار بأن لا سلطان للشيطان على المؤمنين بعقب الأمر بالاستعاذة يقتضي أن الاستعاذة تصرف كيده كأنها متضمنة للتوكل على الله والانقطاع إليه وقوله سبحانه وإذا بدلنا ءاية مكان ءاية يعني بهذا التبديل النسخ قالوا إنما أنت مفتر أي قال كفار مكة وروح القدس هو جبريل بلا خلاف وقوله سبحانه ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر قال ابن عباس كان بمكة غلام أعجمي لبعض قريش يقال له بلعام فكان النبي صلى الله عليه و سلم يعلمه الإسلام ويرومه عليه فقال بعض الكفار هذا يعلم محمدا وقيل اسم الغلام جبر وقيل يسار وقيل يعيش والأعجمي هو الذي لا يتكلم بالعربية وأما العجمي فقد يتكلم بالعربية ونسبته قائمة وقوله وهذا إشارة إلى القرآن والتقدير وهذا سرد لسان أو نطق لسان وقوله سبحانه إنما يفتري الكذب بمعنى إنما يكذب وهذه مقاومة للذين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم إنما أنت مفتر ومن في قوله من كفر بدل من قوله الكاذبون فروي أن قوله سبحانه واولائك هم الكاذبون يراد به مقيس بن ضبابة واشباههم ممن كان يؤذي آمن ثم ارتد باختياره من غير اكراه وقوله سبحانه إلا من اكره إي كبلال وعمار بن ياسر وأمه وخباب وصهيب وأشباههم ممن كان يوذى في الله سبحانه فربما سامح بعضهم بما أراد الكفار من القول لما أصابه من تعذيب الكفرة فيروى أن عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه الله في هذه الآية وبقية الرخصة عامة في الأمر بعده ويروى أن عمار بن ياسر شكا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ما صنع به من العذاب وما سامح به من القول فقال له النبي صلى الله عليه و سلم كيف تجد قلبك قال أجده مطمئنا بالإيمان قال فاجبهم بلسانك فإنه لا يضرك وإن عادوا فعد وقوله سبحانه ولكن من شرح بالكفر صدرا معناه انبسط إلى الكفر باختياره ت وقد ذكر ع هنا نبذا من مسائل الإكراه تركت ذلك خشية التطويل وإذ محل بسطها كتب الفقه وقوله سبحانه ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا على الآخرة الآية ذلك إشارة إلى الغضب والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية والضمير في أنهم لمن شرح بالكفر صدرا وقوله سبحانه ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا الآية قال ابن إسحاق نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد قال ع وذكر عمار في هذا عندي غير قويم فإنه أرفع من طبقة هؤلاء وإنما هؤلاء من تاب ممن شرح بالكفر صدرا فتح الله له باب التوبة في آخر الآية وقال عكرمة والحسن نزلت هذه الآية في شأن عبد الله بن أبي سرح واشباهه فكأنه يقول من بعد ما فتنهم الشيطان وهذه الآية مدنية بلا خلاف وإن وجد فهو ضعيف وقرأ الجمهور من بعد ما فتنوا مبني للمفعول وقرأ أبن عامر وحده من بعد ما فتنوا بفتح الفاء والتاء أي فتنوا أنفسهم والضمير في بعدها عائد على الفتنة أو على الفعلة أو الهجرة أو التوبة والكلام يعطيها وإن لم يجر لها ذكر صريح وقوله يوم تأتي كل نفس المعنى لغفور رحيم يوم ونفس الأولى هي النفس المعروقة والثانية هي بمعنى الذات ت قال المهدوي يجوز أن ينتصب يوم على تقدير لغفور رحيم فلا يوقف على رحيم وقال ص يوم تأتي ظرف منصوب برحيم أو مفعول به باذكر انتهى وهذا الأخير أظهر والله أعلم وقوله سبحانه وتوفى كل نفس ما عملت أي يجازى كل من أحسن بإحسانه وكل من أساء بإساءته وقوله سبحانه وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة الآية قال ابن عباس القرية هنا مكة والمراد بهذه الضمائر كلها في الآية أهل القرية ويتوجه عندي في الآية أنها قصد بها قرية غير معينة جعلت مثلا لمكة على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة وهو الذي يفهم من كلام حفصة أم المؤمنين وأنعم جمع نعمة وقوله سبحانه فأذاقها الله لباس الجوع والخوف استعارات أي لما باشرهم ذلك صار كاللباس والضمير في جاءهم لأهل مكة والرسول محمد صلى الله عليه و سلم والعذاب الجوع وأمر بدر ونحو ذلك إن كانت الآية مدنية وإن كانت مكية فهو الجوع فقط وقوله سبحانه فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا الآية هذا ابتداء كلام آخر أي وأنتم أيها المؤمنون لستم كهذه القرية فكلوا واشكروا الله على تباين حالكم من حال الكفرة وقوله حلالا حال وقوله طيبا أي مستلذا إذ فيه ظهور النعمةو يحتمل أن يكون الطيب بمعنى الحلال كرر مبالغة وتأكيد وقوله سبحانه ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام الآية هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب قال ابن العربي في أحكامه ومعنى الآية لا تصفوا الأعيان بأنها حلال أو حرام من قل أنفسكم إنما المحرم والمحلل هو الله سبحانه قال ابن وهب قال مالك لم يكن من فتيا الناس أن يقال لهم هذا حلال وهذا حرام ولكن يقول انا أكره هذا ولم أكن لأصنع هذا فكان الناس يطيعون ذلك ويرضونه ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله كما تقدم بيانه فليس لأحد أن يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه وما يؤدي إليه الاجتهاد أنه حرام يقول فيه أني أكره كذا وكذا كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى انتهى وقوله متاع قليل إشارة إلى عيشهم في الدنيا ولهم عذاب أليم بعد ذلك في الآخرة وقوله ما قصصنا عليك من قبل إشارة إلى ما في سورة الأنعام من ذي الظفر والشحوم وقوله سبحانه ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم هذه آية تأنيس لجميع العالم فهي تتناول كل كافر وعاص تاب من سوء حاله قالت فرقة الجهالة هنا العمد والجهالة عندي في هذا الموضع ليست ضد العلم بل هي نعدى الطور وركوب الرأس ومنه قوله صلى الله عليه و سلم أو أجهل أو يجهل على وقد تقدم بيان هذا وقلما يوجد في العصاة من لم يتقدم له علم بحظر المعصية التي يواقع وقوله سبحانه إن إبراهيم كان أمة قانتا لله الآية لما كشف الله فعل اليهود وتحكمهم في شرعهم بذكر ما حرم عليهم أراد أن يبين بعدهم عن شرع إبراهيم عليه السلام والأمة في اللغة لفظة مشتركة تقع للحين وللجمع الكثير وللرجل المنفرد بطريقة وحده وعلى هذا الوجه سمي إبراهيم عليه السلام أمة قال مجاهد سمي إبراهيم أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما وفي البخاري أنه قال لسارة ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك وفي البخاري قال ابن مسعود الأمة معلم الخير والقانت المطيع الدائم على العبادة والحنيف المائل إلى الخير والصلاح وقوله سبحانه وءاتيناه في الدنيا حسنة الآية الحسنة لسان الصدق وأمامته لجميع الخلق هذا قول جميع المفسرين وذلك أن كل أمة متشرعة فهي مقرة أن إيمانها إيمان إبراهيم وأنه قدوتها وأنه كان على الصواب ت وهذا كلام فيه بعض أجمال وقد تقدم في غير هذا الموضع بيانه فلا نطول بسرده وقوله سبحانه ان اتبع ملة إبراهيم الآية الملة الطريقة في عقائد الشرع وقوله سبحانه إنما جعل السبت الآية أي لم يكن من ملة إبراهيم وإنما جعله الله فرضا عاقب به القوم المختلفين فيه قاله ابن زيد وذلك أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل أن يجعلوا من الجمعة يوما مختصا بالعبادة وأمرهم أن يكون الجمعة فقال جمهورهم بل يكون يوم السبت لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق مخلوقاته وقال غيرهم بل نقبل ما أمر به موسى فراجعهم الجمهور فتابعهم الآخرون فالزمهم الله يوم السبت إلزاما قويا عقوبة لهم ثم لم يكن منهم ثبوت بل عصوا فيه وتعدوا فأهلكهم وورد في الحديث الصحيح أن اليهود والنصارى اختلفوا في اليمم الذي يختص من الجمعة فأخذ هؤلاء السبت وأخذ هؤلاء الأحد فهدانا الله نحن إلى يوم الجمعة قال صلى الله عليه و سلم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فليس الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف في هذا الحديث ت يعنى أن الاختلاف المذكور في الآية هو بين اليهود فيما بينهم والاختلاف المذكور في الحديث الصحيح هو فيما بين اليهود والنصارى وقوله سبحانه ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة هذه الآية نزلت بمكة أمر عليه السلام أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة وقوله سبحانه وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به الآية أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد ووقع ذلك في صحيح البخاري وغيره وقال النبي صلى الله عليه و سلم لئن اظفرني الله بهم لامثلن بثلاثين وفي كتاب النحاس وغيره بسبعين منهم فقال الناس أن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن فنزلت هذه الآية ثم عزم على النبي صلى الله عليه و سلم في الصبر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى ويروى أنه عليه السلام قال لأصحابه أما أنا فأصبر كما أمرت فما ذا تصنعون فقالوا نصبر يا رسول الله كما ندبنا وقوله وما صبرك إلا بالله أي بمعونة الله وتأييده على ذلك وقوله سبحانه ولا تحزن عليهم قيل الضمير في قوله عليهم يعود على الكفار أي لا تتأسف على أن لم يسلموا وقالت فرقة بل يعود على القتلى حمزة وأصحابه الذين حزن عليهم صلى الله عليه و سلم والأول أصوب ولا تكل في ضيق مما يمكرون قرأ الجمهور في ضيق بفتح الضاد وقرأ ابن كثير بكسر الضاد وهما لغتان إن الله مع الذين اتقوا أي بالنصر والمعونة واتقوا يريد المعاصي ومحسنون هم الذين يتزيدون فيما ندب إليه من فعل الخير وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة سبحان هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات قال ابن مسعود في بني إسرائيل والكهف إنهما من العتاق الأول وهن من تلادي يريد أنهن من قديم كسبه قوله عز و جل سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام جل العلماء على أن الإسراء كان بشخصه صلى الله عليه و سلم وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه وقالت عائشة ومعاوية إنما أسري بروحه والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ولو كانت منامة ما أمكن قريشا التشنيع ولا فضل أبو بكر بالتصديق ولا قالت له أم هانىء لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك إلى غير هذا من الدلائل وأما قول عائشة فإنها كانت صغيرة ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه و سلم وكذلك معاوية قال ابن العربي قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا قال علماؤنا لو كان للنبي صلى الله عليه و سلم اسم هو أشرف منه لسماه الله تعالى به في تلك الحالة العلية وقد قال الأستاذ جمال الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن لما رفعه الله إلى حضرته السنية وارقاه فوق الكواكب العلوية ألزمه اسم العبودية تواضعا وإجلالا للألوهية انتهى من الأحكام وسبحان مصدر معناه تنزيها لله وروى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم ما معنى سبحان الله قال تنزيه الله من كل سوء وكان الإسراء فيما قال مقاتل وقتادة قبل الهجرة بعام وقيل بعام ونصف والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة وقبل بيعة العقبة ووقع في الصحيحين لشريك بن أبي نمر وهم في هذا المعنى فإنه روى حديث الإسراء فقال فيه وذلك قبل أن يوحى إليه ولا خلاف بين المحدثين أن هذا وهم من شريك قال ص أسرى بعبده بمعنى سرى وليست همزته للتعدية بل كسقى واسقى والباء للتعدية وليلا ظرف للتأكيد لأن السرى لا يكون لغة إلا بليل وقيل يعني به في جوف الليل فلم يكن أدلاجا ولا أدلاجا انتهى والمسجد الأقصى بيت المقدس والأقصى البعيد والبركة حوله من وجهين أحدهما النبوؤ والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر وفي نواحيه والآخر النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة وقوله سبحانه لنريه يريد لنري محمدا بعينه آياتنا في السماوات والملائكة والجنة والسدرة وغير ذلك من العجائب مما رآه تلك الليلة ولا خلاف أن في هذا الإسراء فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة وقوله سبحانه أنه هو السميع البصير وعيد للمكذبين بأمر الإسراء أي هو السميع لما تقولون البصير بأفعالكم وآتينا موسى الكتاب أي التوراة وقوله الا تتخذوا من دوني وكيلا الآية التقدير فعلنا ذلك ليلا تتخذوا يا ذرية فذرية منصوب على النداء وهذه مخاطبة للعالم ويتجه نصب ذرية على أنه مفعول بتتخذوا ويكون المعنى أن لا يتخذوا بشرا إلاها من دون الله وقرأ أبو عمرو وحده الا يتخذوا بالياء على لفظ الغائب والوكيل هنا من التوكيل أي متوكلا عليه في الأمور فهو ند لله بهذا الوجه وقال مجاهد وكيلا شريكا ووصف نوح بالشكر لأنه كان يحمد الله في كل حال وعلى كل نعمة من المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلى الله عليه و سلم قال سليمان الفارسي وغيره قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا ابن أبي ذيب عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك قال يا موسى لا يزال لسانك رطبا من ذكري انتهى وقد رويناه مسندا عن النبي صلى الله عليه و سلم أعنى قوله لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله وقوله سبحانه وقضينا إلى بني إسرائيل الآية قالت فرقة قضينا معناه في أم الكتاب قال ع وإنما يلبس في هذا المكان تعدية قضينا بالى وتلخيص المعنى عندي أن هذا الأمر هو مما قضاه الله عز و جل في أم الكتاب على بني إسرائيل والزمهم إياه ثم أخبرهم به في التوراة على لسان موسى فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين جميعا في إيجاز جعل قضتنا دالة على النفوذ في أم الكتاب وقرن بها إلى دالة على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ ولهذا فسر ابن عباس مرة بأن قال قضينا إلى بني إسرائيل معناه أعلمناهم وقال مرة قضينا عليهم والكتاب هنا التوراة لأن القسم في قوله لتفسدن غير متوجه مع أن نجعل الكتاب هو اللوح المحفوظ وقال ص وقضينا مضمن معنى أوحينا ولذلك تعدى بالى واصله أن يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد كقوله سبحانه فلما قضى موسى الأجل انتهى وهو حسن موافق لكلام ع وقوله ولتعلن أي لتتجبرن وتطلبون في الأرض العلو ومتقضى الآيات أن الله سبحانه أعلم بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وكفر لنعم الله وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتذلهم ثم يرحمهم بعد ذلك ويجعل لهم الكرة ويردهم إلى حالهم من الظهور ثم تقع منهم أيضا تلك المعاصي والقبائح فيبعث الله تعالى عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحا وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله قيل كان بين المرتين مائتا سنة وعشر سنين ملكا مؤيدا بأنبياء وقيل سبعون سنة وقوله سبحانه فإذا جاء وعد أولهما الضمير في قوله أولاهما عائد على قوله مرتين وعبر عن الشر بالوعد لأنه قد صرح بذكر المعاقبة قال ص وعد أولاهما أي موعود وهو العقاب لان الوعد سبق بذلك وقيل هو على حذف مضاف أي وعد عقاب أولاهما انتهى وهو معنى ما تقدم واختلف الناس في العبيد المبعوثين وفي صورة الحال اختلافا شديدا متباعدا عيونه أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكريا عليه السلام فغزاهم سنجاريب ملك بابل قاله ابن إسحاق وابن جبير وقال ابن عباس غزاهم جالوت من أهل الجزيرة وقيل غزاهم بخت نصر وروي أنه دخل قبل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس فلما أنصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وأجلاهم ثم أنصرف فوجد الملك قد مات فملك موضعه واستمرت حال حتى ملك الأرض بعد ذلك وقالت فرقة إنما غزاهم بخت نصر في المرة الأخيرة حين عصوا وقتلوا يحي بن زكريا وصورة قتله أن الملك أراد أن يتزوج بنت امرأته فنهاه يحيى عنها فعز ذلك على امرأته فزينت بنتها وجعلتها تسقي الملك الخمر وقالت لها إذا راودك عن نفسك فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين فإذا قال لك تمني علي ما أردت فقولي رأس يحي بن زكريا ففعلت الجارية ذلك فردها الملك مرتين وأجابها في الثالثة فجيء بالرأس في طست ولسانه يتكلم وهو يقول لا تحل لك وجرى دم يحيى فلم ينقطع فجعل الملك عليه التراب حتى ساوى سور المدينة والدم ينبعث فلما غزاهم الملك الذي بعث عليهم بحسب الخلاف الذي فيه قتل منهم على الدم سبعين ألفا حتى سكن هذا مقتضى خبرهم وفي بعض الروايات زايدة ونقص وقرأ الناس فجاسوا وقرأ أبو السمال بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قهر أو قال مؤرج جاسوا خلال الأزقة ت قال ص جاسوا مضارعه يجوس ومصدره جوس وجوسان ومعناه التردد وخلال ظرف أي وسط الديار انتهى وقوله سبحانه ثم رددنا لكم الكرة عليهم الآية عبارة عما قاله سبحانه لبني إسرائيل في التوراة وجعل رددنا موضع نرد لما كان وعد الله في غاية الثقة وأنه واقع لا محالة فعبر عن المستقبل بالماضي وهذه الكرة هي بعد الجلوة الأولى كما وصفنا فغلب بنو إسرائيل على بيت المقدس وملكوا فيه وحسنت حالهم برهة من الدهر وأعطاهم الله الأموال والأولاد وجعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس فلما قال الله إني سأفعل بكم هكذا عقب بوصيتهم في قوله إن أحسنتم احسنتم لأنفسكم الآية المعنى أنكم بعملكم تجاوزن ووعد الآخرة معناه من المرتين وقوله ليسوءوا اللام لام أمر وقيل المعنى بعثناهم ليسوءوا وليدخلوا فهي لام كي كلها والضمير للعباد أولى البأس الشديد والمسجد مسجد بيت المقدس وتبر معناه أفسد بغشم وركوب رأس وقوله ما علوا أي ما علوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد وقيل ما ظرفية والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد وقوله سبحانه عسى ربكم أن يرحمكم الآية يقول الله عز و جل لبقية بني إسرائيل عسى ربكم أن أطعتم في أنفسكم واستقمتم أن يرحمكم وهذه العدة ليست برجوع دولة وإنما هي بأن يرحم المطيع منهم وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد عليهما السلام فلم يفعلوا وعادوا إلى الكفر والمعصية فعاد عقاب الله عليهم بضرب الذلة عليهم وقتلهم واذلالهم بيد كل أمة والحصير من الحصر بمعنى السجن وبنحو هذا فسره مجاهد وغيره وقال الحسن الحصير في الآية أراد به ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عند الناس قال ع وذلك الحصير أيضا هو مأخوذ من الحصر وقوله سبحانه إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم الآية يهدي في هذه الآية بمعنى يرشد ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو والتي يريد بها الحالة والطريقة وقالت فرقة التي هي أقوم لا إله إلا الله والأول أعم والأجر الكبير الجنة وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير وأجر كبير فهو الجنة قال الباجي قال ابن وهب سمعت مالكا يقول إن استطعت أن تجعل القرآن إماما فأفعل فهو الأمام الذي يهدي إلى الجنة قال أبو سليمان الداراني ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال ولولا أني ادع التفكر فيها ما جزتها وقال إنما يؤتى على أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة أراد آخرها قال الباجي وروى ابن لبابة عن العتبي عن سحنون أنه رأى عبد الرحمن بن القاسم في النوم فقال له ما فعل الله بك قال وجدت عنده ما أحببت قال له فأي أعمالك وجدت أفضل قال تلاوة القرآن قال قلت له فالمسائل فكان يشير بأصبعه كأنه يلشيها فكنت اسأله عن ابن وهب فيقول لي هو في عليين انتهى من سنن الصالحين وقوله سحبانه ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا سقطت الواو من بدع في خط المصحف قال ابن عباس وقتادة ومجاهد هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم في وقت الغضب والضحر فأخبر سبحانه أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما يدعون بالخير في وقت التثبت فلو أجاب الله داءهم أهلكهم لكنه سبحانه يصفح ولا يجيب دعاء الضجر المستعجل ثم عذر سبحانه بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية والإنسان هنا يراد به الجنس قاله مجاهد وغيره وقال ابن عباس وسلمان الإشارة إلى آدم لمانفخ الروح في رأسه عطس وأبصر فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقيه أعجبته نفسه فذهب ليمشي مستعجلا لذلك فلم بقدر والمعنى على هذا فأنتم ذووا عجلة موروثة من أبيكم وقالت فرقة معنى الآية معاتبة الناس في دعائهم بالشر مكان ما يجب أن يدعوه بالخير ت قول هذه الفرقة نقله ع غير ملخص فانا لخصته وقوله سبحانه وجعلنا الليل والنهار ءايتين الآية هنا العلامة المنصوبة للنظر والعبرة وقوله سبحانه فمحونا ءاية الليل قالت فيه فرقة سبب تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحه ثلاث مرات فمن هنالك كلفه وقالت فرقة أن قوله فمحونا آية الليل إنما يريد في أصل خلقته وجعلنا ءاية النهار مبصرة أي يبصر بها ومعها ليبتغي الناس الرزق وفضل الله وجعل سبحانه القمر مخالفا لحال الشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر والأيام ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس وحكى عياض في المدارك في ترجمة الغازي بن قيس قال روي عن الغازي بن قيس أنه كان يقول ما من يوم ياتي إلا ويقول انا خلق جديد وعلى ما يفعل في شهيد فخذوا مني قبل أن أبيد فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدا وقال الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم العقيم انتهى والتفصيل البيان وقوله سبحانه وكل إنسان الزمناه طائره قال ابن عباس طائره ما قدر له وعليه وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثير ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلا وسمت ذلك كله تطيرا وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية بأوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر وقد سبق به القضاء والزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه وذلك في قوله عز و جل وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه فعبر عن الحظ والعمل إذهما متلازمان بالطائر قاله مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا هذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيآته اقرأ كتابك أي يقال له اقرأ كتابك واسند الطبري عن الحسن أنه قال يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك فأملل ما شئت وأقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا اقرأ كتباك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك قال ع فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما يتحصل مع ابن آدم من عمله في قبره فتأمل لفظه وهذا قول ابن عباس وقال قتادة في قوله اقرأ كتابك إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرا وقوله سبحانه وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها قرا الجمهور أمرنا على صيغة الماضي وعن نافع وابن كثير في بعض ما روي عنهما آمرنا بمد الهمزة بمعنى كثرنا وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه أمرنا بتشديد الميم وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وأبن عبيا ورويت عن علي قال الطبري القراءة الأولى معناها امرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير والثانية معناها كثرناهم والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس قال الثعلبي واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور قال أبو عبيد وإنما اخترت هذه القراءة لأن المعاني الثلاثة مجتمعة فيها وهي معنى الأمر والإمارة والكثرة انتهى ت وعبارة ابن العربي أمرنا مترفيها يعني بالطاعة ففسقوا بالمخالفة انتهى من كلامه على الأفعال الواقعة في القرآن والمترف الغني من المال المتنعم والترفة النعمة وفي مصحف أبي بن كعب قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها وقوله سبحانه فحق عليها القول أي وعيد الله لها الذي قاله رسولهم والتدمير الإهلاك مع طمس الآثار وهدم البناء وكم أهلكنا من القرون الآية مثال لقريش ووعيد لهم أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه أن كذبتم واختلف في القرن وقد روى محمد بن القاسم في ختنه عبد الله بن بسر قال وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على رأسه وقال سعيش هذا الغلام قرنا قلت كم القرن قال مائة سنة قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى كمل مائة سنة ثم مات رحمه الله والباء في قوله بربك زائدة التقدير وكفى ربك وهذه الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم وقد يجيء كفى دون باء كقول الشاعر ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ... وكقول الآخر ... ويخبرني عن غائب المرء هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا ... وقوله سبحانه من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الآية المعنى فإن الله يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء سبحانه على قراءة النون أو ما يشاء هذا المريد على قراءة الياء وقوله لمن نريد شرط كاف على القراءتين وقال ابن إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته والمدحور المهان المبعد المذلل المسخوط عليه وقوله سبحانه ومن أراد الآخرة أي اراد يقين وإيمان بها وبالله ورسالاته ثم شرط سبحانه في مريد الآخرة ان يسعى لها سعيا وهو ملازمة أعمال الخير على حكم الشرع فاولائك كان سعيهم مشكورا ولا يشكر الله سعيا ولا عملا إلا أثاب عليه غفر بسببه ومنه قوله صلى الله عليه و سلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش فشكر الله له فغفر له وقوله سبحانه كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك يحتمل أن يريد بالعطاء الطاعات لمريد الآخرة والمعاصي لمريد العاجلة وروي هذا التأويل عن ابن عباس ويحتمل أن يريد بالعطاء رزق الدنيا وهو تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة المعنى أنه سبحانه يرزق في الدنيا من يريد العاجلة ومريد الآخرة وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة ويتناسب هذا المعنى مع قوله وما كان عطاء ربك محظورا أي ممنوعا وقل ما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي وقوله أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض الآية تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها الرزق وباقي الآية معناه أوضح من أن يبين وقوله سبحانه لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد لجميع الخلق قاله الطبري وغيره ولا مرية في ذم من نحت عودا أو حجرا وأشركه في عبادة ربه قال ص فتقعد أي تصير بهذا فسره الفراء وغيره والخذلان في هذا بإسلام الله لعبده وأن لا يتكفل له بنصر والمخذول الذي أسلمه ناصروه والخاذل من الظباء التي تترك ولدها وقوله سبحانه وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه الآية قضى في هذه الآية هي بمعنى أمر والزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس وأقول أن المعنى وقضى ربك أمره فالمقضي هنا هو الأمر وفي مصحف ابن مسعود ووصى ربك وهي قراءة ابن عباس وغيره والضمير في تعبدوا لجميع الخلق وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور ويحتمل أن يكون قضى على مشهورها في الكلام ويكون الضمير في تعبدوا للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة وقوله فلا تقل لهما اف معنى اللفظة أنها اسم فعل كأن الذي يريد أن يقول اضجر واتقذروا وأكره ونحو هذا يعبر ايجازا بهذه اللفظة فتعطى معنى الفعل المذكور وإذا كان النهي عن التأفيف فما فوقه من باب أحرى وهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور قال ص وقرأ الجمهور الذل بضم الذال وهو ضد العز وقرأ ابن عباس وغيره بكسرها وهو الانقياد ضد الصعوبة انتهى وباقي الآية بين قال ابن الحاجب في منتهى الوصول وهو المختصر الكبير المفهوم ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق وهو مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة فالأول أن يكون حكم المفهوم موافقا للمنطوق في الحكم ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب كتحريم الضرب من قوله تعالى فلا تقل لهما اف وكالجزاء بما فوق المثقال من قوله تعالى ومن يعمل مثقال ذرة وكتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده اليك وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى بدينار لا يؤده إليك وهومن قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى والأعلى على الأدنى فلذلك كان الحكم في المسكوت أولى وإنما يكون ذلك إذا عرف المقصود من الحكم وانه أشد مناسبة في المسكوت كهذه الأمثلة ومفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق به في الحكم ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام مفهوم الصفة مثل في الغنم السائمة الزكاة ومفهوم الشرط مثل وأن كن أولات حمل ومفهوم الغاية مثل حتى تنكح زوجا غيره ومفهوم إنما مثل إنما الربا في النسيئة ومفهوما الاستنثاء مثل لا إله إلا الله ومفهوم العدد الخاص مثل فاجلدوهم ثمانين جلدة ومفهوم حصر المبتدأ مثل العالم زيد وشرط مفهوم المخالفة عند قائله ان لا يظهر أن المسكوت عنه أولى ولا مساويا كمفهوم الموافقة ولا خرج مخرج الأعم الأغلب مثل وربائبكم اللتي في حجوركم فأما مفهوم الصفة فقال به الشافعي ونفاه الغزالي وغره انتهى وفسر الجمهور الأوابين بالرجاعين إلىالخير وهي لفظة لزم عرفها أهل الصلاح ت قال عبد الحلق الأشبيلي واعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه بل الميت أكثر وأكثر لأن الحي قد يستقل مايهدى إليه ويستحقر ما يتحف به والميت لا يستحقر شيئا من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثال ذرة لأنه يعلم قيمته وقد كان يقدر عليه فضيعه وقد قال عليه السلام إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به وكذلك امره عليه السلام بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم والله أعلم وروي عنه عليه السلام أنه قال الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها والأخبار في هذا الباب كثيرة انتهى من العاقبة ت وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال كان يقال أن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده واشار بيده نحو السماء قال أبو عمر وقد رويناه بإسناد جيد ثم أسند عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله ليرفع العبد الدرجة فيقول أي رب إني لي هذه الدرجة فيقال باستغفار ولدك لك انتهى من التمهيد وروينا في سنن أبي داود أن رجلا من بني سلمة قال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء ابرهما به بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وانفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما انتهى وقوله سبحانه وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل الآية قال الجمهور الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم خوطب بذلك النبي صلى الله عليه و سلم والمراد الأمة والحق في هذه الآية ما يتعين له من صل الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه قال بنحو هذا الحسن وابن عباس وعكرمة وغيرهم والتبذير انفاق المال في فساد أو في سرف في مباح وقوله تعالى وأما تعرضن عنهم أي عن من تقدم ذكره من المساكين وابن السبيل فقل لهم قولا ميسورا أي فيه ترجية بفضل الله وتأنيس بالميعاد الحسن ودعاء في توسعة الله وعطائه وروي أنه صلى الله عليه و سلم كان يقول بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطى يرزقنا الله وإياكم من فضله والرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر وهذا قول ابن عباس وغيره والميسور من اليسر وقوله سبحانه ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك استعارة لليد المقبوضة عن الإنفاق جملة واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل وكل هذا في انفاق الخير وانفاق الفساد فقليله وكثيره حرام أو الملامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما يعطى والمحسور الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا أتعبته حتى لم تبق له قوة ومنه البصر الحسير قال ابن العربي وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد أمته وكثيرا ما جاء هذا المعنى في القرآن فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم على عادة العرب في ذلك انتهى من الأحكام والحسير هو الكال إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر معنى يقدر يضيق وقوله سبحانه إنه كان بعباده خبيرا بصيرا أي يعلم مصلحة قوم في الفقر ومصلحة آخرين في الغنى وقال بعض المفسرين الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها الفقر وكانت إذا شبعت طغت ت وهذا التأويل يعضده قوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض الآية ولا خصوصية لذكر العرب إلا من حيث ضرب المثل وقوله سبحانه ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق الآية نهي عن الوأد الذي كانت العرب تفعله والإملاق الفقر وعدم المال وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من كانت له ابنة فلم يئدها ولم يهنها ولم يوثر ولده عليها قال يعني الذكور أدخله الله الجنة انتهى والحق الذي تقتل به النفس قد فسره النبي صلى الله عليه و سلم في قوله لا يحل دم المسلم إلا أحدى ثلاث خصال كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس أي وما في هذا المعنى من حرابة أو زندقة ونحو ذلك ومن قتل مظلوما أي بغير الوجوه المذكورة فقد جعلنا لوليه سلطانا ولا مدخل للنساء في ولاية الدم عند جماعة من العلماء ولهن ذلك عند آخرين والسلطان الحجة والملك الذي جعل إليه من التخيير في قبول الدية أو العفو قاله ابن عباس قال البخاري قال ابن عباس كل سلطان في القرآن فهو حجة انتهى وقال قتادة السلطان القود وقوله سبحانه فلا يسرف في القتل المعنى فلا يتعدى الولي أمر الله بأن يقتل غير قاتل وليه أو يقتل اثننين بواحد إلى غير ذلك من وجوه التعدي وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر فلا تسرف بالتاء من فوق قال الطبري على معنى الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والأئمة بعده قال ع ويصح أن يرد به الولي أي فلا تسرف أي الولي والضمير في أنه عائد على الولي وقيل على المقتول وفي قراءة أبي بن كعب فلا تسرفوا في القتال أن ولي المقتول كان منصورا وباقي الآية تقدم بيانه قال الحسن القسطاس هو القبان وهو القرسطون وقيل القسطاس هو الميزان صغيرا كان أو كبيرا قال ع وسمعت أبي رحمه الله تعالى يقول رأيت الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه اله في جامع عمرو بن العاص يعظ الناس في الوزن فقال في جملة كلامه أن في هيئة اليد بالميزان عظة وذلك أن الأصابع يجيء منها صورة المكتوبة ألف ولامان وهاء فكأن اليزان يقول الله الله قال ع وهذا وعظ جميل والتأويل في هذه الآية المآل قاله قتادة ويحتمل أن يكون التأويل مصدر تأول أي يتأول عليكم الخير في جميع اموركم إذا احسنتم الكيل والوزن وقال ص تأويلا أي عاقبة انتهى وقوله سبحانه ولا تقف معناه لا تقل ولا تتبع واللفظة تستعمل في القذف ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم نحن بنو النضر لا نقفوا امنا ولا ننتفي من أبينا واصل هذه اللفظة من اتباع الأثر تقول قفوت الاثر وحكي الطبري عن فرقة أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث فمعنى الآية ولا تتبع لسانك من القول ما لا علم لك به وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا عبر عن هذه الحواس بأولئك لأن لها ادراكا وجعلها في هذه الآية مسؤلة فهي حالة من يعقل ت قال ص وما توهمه ابن عطية من أولئك تختص بمن يعقل ليس كذلك إذ لا خلاف بين النجاة في جواز أطلاق اولاء وأولائك على من لا يعقل ت وقد نقل ع الجواز عن الزجاج وفي الفية ابن مالك وباولى اشر لجمع مطلقا فقال ولده بدر الدين أي سواء كان مذكرا أو مؤنثا وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل وقد يجيء لغيره كقوله ... ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد اولائك الأيام ... وقد حكى ع البيت وقال الرواية فيه الأقوام واله أعلم انتهى والضمير في عنه يعد على ما ليس للإنسان به علم ويكون المعنى أن الله تعالى يسئل سمع الإنسان وبصره وفؤاده عما قال مما لا علم له به فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي ويحتمل أن يعود على كل التي هي السمع والبصر والفؤاد والمعنى أن الله تعالى يسئل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده قال صاحب الكلم الفارقيه لا تدع جدول سمعك يجري في اجاج الباطل فيهلب باطنك بناء الحرص على العاجل السمع قمع تغور فيه المعاني المسموعة إلى قرار وعاء القلب فإن كانت شريفة لطيفة شرفته ولطفته وهذبته وزكته وإن كانت رذيلة دنية رذلته وخبثته وكذلك البصر منفذ من منافذ القلب فالحواس الخمس كالجداول والرواضع ترضع من اثداء الأشياء التي تلابسها وتأخذ ما فيها من معانيها وأوصافها وتؤديها إلى القلب وتنهيها انتهى وقوله سبحانه ولا تمش في الأرض مرحا قرأ الجمهور مرحا بفتح الحاء مصدر مرح يمرح إذا تسيب مسرورا بدنياه مقبلا على راحته فنهي الإنسان أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه وقرأت فرقة مرحا بكسر الراء ثم قيل له إنك أيها المرح المختال الفخور لن تخرق الأرض ولن تطاول الجبال بفخرك وكبرك وخرق الأرض قطعها ومسحها واستيفاؤها بالمشي وقوله سبحانه كل ذلك كان سيئة قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو سيئة فالإشارة بذلك على هذه القراءة إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقوله اف وقذف الناس والمرح وغير ذلك وقرا عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي سيئة على إضافة سيء إلى الضمير فتكون الإشارة على هذه القراءة إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية ثم اختص ذكر السيء منه بأنه مكروه عند الله تعالى وقوله سبحانه ذلك مما أوحي إليك ربك الآية الإشارة بذلك إلى هذه الآيات التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة والحكمة قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة ت فينبغي للعاقل أن يتأدب بآداب الشريعة وأن يحسن العشرة مع عباد الله قال الإمام فخر الدين بن الخطيب في شرح أسماء الله الحسنى كان بعض المشائخ يقول مجامع الخيرات محصورة في أمرين صدق مع الحق وخلق مع الخلق انتهى وذكر هشام بن عبد الله القرطبي في تاريخه المسمى ببهجة النفس قال دخل عبد الملك بن مروان على معاوية وعنده عمرو بن العاص فلم يلبث أن نهض فقال معاوية لعمرو ما أكمل مروءة هذا الفتى فقال له عمرو أنه أخذ باخلاق أربعة وترك اخلاقا ثلاثة أخذ بأحسن البشر إذا لقي وباحسن الاستماع إذا حدث وبأحسن الحديث إذا حدث وبأحسن الرد إذا خولف وترك مزاح من لا يوثق بعقله وترك مخالطة لئام الناس وترك من الحديث ما يعتذر منه انتهى وقوله سبحانه ولا تجعل مع الله الها آخر الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد غيره والمدحور المهان المبعد وقوله سبحانه افاصفاكم الآية خطاب للعرب وتشنيع عليهم فساد قولهم وقوله سبحانه ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا أي صرفنا فيه الحكم والمواعظ وقوله سبحانه إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا قال سعيد بن جبير وغيره معنى الكلام لابتغوا إليه سبيلا في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته وعلى هذا فالآية بيان للتمانع وجارية مع قوله تعالى لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا قال ع ونقتضب شيئا من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع الله تبارك وتعالى آله غيره على ما قاله أبو المعالي وغيره انا لو فرضناه لفرضنا أني يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه ومستحيل أن تنفذ الارادتان ومستحيل الا تنفذا جميعا فيكون الجسم لا متحركا ولا ساكنا فإن صحت ارادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم ارادته ليس باله فإن قيل نفرضهما لا يختلفان قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلا والجائز في حكم الواقع ودليل آخر أنه لو كان الأثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة وكذلك وتسلسل إلى ما لا نهاية له ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به الاقدرة واحدة لا يصح فيها اشتراك والآخر كذلك دأبا فكل جزء إنما يخترعه واحد وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول وقوله سبحانه وإن من شيء لا يسبح بحمده الآية اختلف في هذا التسبيح هل هو حقيقة أو مجاز ت والصواب أنه حقيقة ولولا خشية الإطالة لاتينا من الدلائل على ذلك بما يثلج له الصدر وقوله سبحانه وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة يعني كفار مكة وحجابا مستورا يحتمل أي يريد به حماية نبيه منهم وقت قراءته وصلاته بالمسجد الحرام كما هو معلوم مشهور ويحتمل أنه أراد أنه جعل بين فهم الكفرة وبين فهم ما يقرأه صلى الله عليه و سلم حجابا فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها وقال الواحدي قوله تعالى وإذا قرأت القرآن الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه و سلم إذا قرأ القرآن فحجبه الله عن أعينهم عند قراءة القرآن حتى يكونوا يمرون به ولا يرونه وقوله مستورا معناه ساترا انتهى والأكنة جمع كنان وهو ما غطى الشيء والوقر الثقل في الأذن المانع من السمع وهذه كلها استعارات للأضلال الذي حفهم الله به وقوله سبحانه نحن أعلم بما يستمعون به الآية هذا كا تقول فلان يستمع بإعراض وتغافل واستخفاف وما بمعنى الذي قيل المراد بقوله وإذ هم نجوى اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم وقوله سبحانه انظر كيف ضربوا لك الأمثال الآية حكى الطبري أنها نزلت في الوليد بن الميغرة وأصحابه وقوله سبحانه فلا يستطيعون سبيلا أي إلا إفساد أمرك وإطفاء نورك وقولهم ائذاكنا عظاما ورفاتا الآية في إنكارهم البعث وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد والرفات من الأشياء ما مر عليه الزمان حتى بلغ غاية البلي وقربه من حالة التراب وقال ابن عباس رفاتا غبارا وقال مجاهد ترابا وقوله سبحانه قل كونوا حجارة أو حديدا الآية المعنى قل لهم يا محمد كونوا أن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي لا بد من بعثكم ثم أحتج عليهم سبحانه في الإعادة بالفطرة الأولى من حث خلقهم واختراعهم من تراب وقوله سبحانه فسينغضون معناه يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب والاستهزاء قال الزجاج وهو تحريك من يبطل الشيء ويستبطيه ومنه قول الشاعر ... انغض نحوى رأسه واقنعا ... كأنما ابصر شيئا أطمعا ... ويقال انغضت السن إذا تحركت قال الطبري وابن سلام عسى من الله واجبة فالمعنى هو قريب وفي ضمن اللفظ توعد وقوله سبحانه يوم يدعوكم بدل من قوله قريبا ويظهر أن يكون المعنى هو يوم جوابا لقولهم متى هو وريد يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور لقيام الساعة وقوله فتستجبون أي بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة وقوله بحمده قال ابن جبير أن جميع العالمين يقومون وهم يحمدون الله ويمجدونه لما يظهر لهم من قدرته ص أبو البقاء بحمده أي حامدين وقيل بحمده من قول الرسول أي وذلك بحمد الله على صدق خبري ووقع في لفظ ع حين قر هذا المعنى عسى أن الساعة قريبة وهو تركيب لا يجوز لا تقول عسى أن زيدا قائم انتهى وقوله سبحانه وتظنون أن لبثتم إلا قليلا يحتمل معنيين أحدهما أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة ويصرف الأجساد وقع لهم ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلا لمغيب علم مقدار الزمان عنهم إذا من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا إذ هم لا محالة أشد مفارقة لا من النائمين وعلى هذا التأويل عول الطبري والآخر أن يكون الظن بمعنى اليقين فكأنه قال يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلا من حيث هو منقض منحصر وحكى الطبري عن قتادة أهم لما رأوا هول يوم القيامة احتقروا الدنيا فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلا وقوله سبحانه وقل لعبادي بقولوا التي هي أحسن اختلف الناس في التي هي أحسن فقالت فرقة هي لا إله إلا الله وعلى هذا فالعباد جميع الخلق وقال الجمهور التي هي أحسن هي المحاورة الحسنة بحسب معنى معنى قال الحسن يقول يغفر الله لك يرحمك الله وقوله لعبادي خاص بالمؤمنين قالت فرقة إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين بالانة القول للمشركين بمكة أيام المهادنة ثم نسخت بآية السيف وقوله سبحانه ربكم أعلم بكم يقوى هذا التأويل إذ هو مخاطبة لكفار مكة بدليل قوله وما أرسلناك عليهم وكيلا فكان الله عز و جل أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا الكفار في الدين ثم قال للكفار أنه أعلم بهم ورجاهم وخوفهم ومعنى يرحمكم بالتوبة عليكم من الكفر قاله ابن جريج وغيره وقوله سبحانه وءاتينا داود زبورا قرأ الجمهور زبورا بفتح الزاي وهو فعول بمعنى مفعول وهو قليل لم يجيء إلا في قدوع وركوب وحلوب وقرأ حمزة بضم الزاي قال قتادة زبور داود مواعظ ودعاء وليس فيه حلال وحرام وقوله سبحانه قل ادع الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا هذه الآية ليست في عبدة الأصنام وإنما هي في عبدة من يعقل كعيسى وأمه وعزير وغيرهم قاله ابن عباس فلا يملكون كشف الضر ولا تحويله ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المعبودين يطلبون ويرجون رحمته الآية قال عز الدين بن عبد السلام في اختصاره لرعاية المحاسبي الخوف والرجاء وسيلتان إلى فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات ولكن لا بد من الأكباب على استحضار ذلك واستدامته في أكثر الأوقات حتى يصير الثواب والعقاب نصب عينيه فيحثاه على فعل الطاعات وترك المخالفات ولن يحصل له ذلك إلا بتفريغ القلب من كل شيء سوى ما يفكر فيه أو يعينه على الفكر وقد مثل القلب المريض بالشهوات بالثوب المتسخ الذي لا نزول ادرانه إلا بتكرير غسله وحته وقرضه انتهى وباقي الآية بين وقوله سبحانه أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء هذا مع السلامة وأخذها جزأ جزأ أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة وقوله في الكتاب يريد في سابق القضاء وما خطه القلم في اللوح المحفوظ والمسطور المكتوب اسطارا وقوله سبحانه وما منعنا أن نرسل بالآيات الآية هذه العبارة في منعنا هي على ظاهر ما تفهم العرب فسمى سبحانه سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه منعا وسبب هذه الآية أن قريشا اقترحوا على النبي صلى الله عليه و سلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ونحو هذا من الاقتراحات فأوحى الله إلى نبيه عليه السلام أن شئت افعل لهم ذلك ثم أن لم يؤمنوا عاجلتهم بالعقوبة وإن شئت استأنيت بهم عسى أن اجتبي منهم مؤمنين فقال عليه السلام بل استأني بهم يا رب فأخبر سبحانه في هذه الآية أنه لم يمنعه جل وعلا من ارسال الآيات المقترحة الا الاستئناء إذ قد سلفت عادته سبحانه بمعالجة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا كثمود وغيرهم قال الزجاج أخبر تعالى أن موعد كفار هذه الأمة الساعة بقوله سبحانه بل الساعة موعدهم فهذه الآية تنظر إلى ذلك ومبصرة أي ذات إبصار وهي عبارة عن بيان أمر الناقة ووضوح إعجازها وقوله فظلموا بها أي بعقرها وبالكفر في أمرها ثم أخبر تعالى أنه إنما يرسل بالآيات غير المقترحة تخويفا للعباد وهي آيات معها إمهال فمن ذلك الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك وآيات الله المعتبر بها ثلاث أقسام فقسم عام في كل شيء أذ حيث ما وضعت نظرك وجدت آية وهنا فكرة للعلماء وقسم معتاد غالبا كالكسوف ونحوه وهنا فكرة الجهلة وقسم خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوة وإنما يعتبر به توهما لما سلف منه وقوله سبحانه وإذ قلنا لك أن ربك أحاط بالناس هذه الآية إخبار للنبي صلى الله عليه و سلم بأنه محفوظ من الكفرة آمن أي فلتبلغ رسالة ربك ولا تتهيب أحدا من المخلوقين قاله الطبري ونحوه للحسن والسدي وقوله سبحانه وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الآية الجمهور أن هذه الرؤيا رؤيا عين ويقظة وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما كان صبيحة الإسراء واخبر بما رأى في تلك الليلة من العجائب قال الكفار أن هذا لعجب واستبعدوا ذلك فافتتن بهذا قوم من ضعفة المسلمين فارتدوا وشق ذلك على النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت هذه الآية فعلى هذا يحسن أن يكون معنى قوله أحاط بالناس في اضلالهم وهدايتهم أي فلا تهتم يا محمد بكفر من كفر وقال ابن عباس الرؤيا في هذه الآية هي رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم أنه يدخل مكة فعجل في سنة الحديبية فصد فافتتن المسلمون لذلك يعني بعضهم وليس بفتنة كفر وقوله والشجرة الملعونة في القرآن معطوفة على قوله الرؤيا أي جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة والشجرة الملعونة في قول الجمهور هي شجرة الزقوم وذلك أن أمرها لما نزل في سورة والصافات قال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد ثم أحضر تمرا وزبدا وقال لاصحابه تزقموا فافتتن أيضا بهذه المقالة بعض الضعفاء قال الطبري عن ابن عباس أن الشجرة الملعونة يريد الملعون أكلها لأنها لم يجر لها ذكر قال ع ويصح أن يريد الملعونة هنا فأكد الأمر بقوله في القرآن وقالت فرقة الملعونة أي المبعدة المكروهة وهذا قريب في المعنى من الذي قبله ولا شك ان ما ينت في أصل الجحيم هو في نهاية البعد من رحمة الله سبحانه وقوله سبحانه ونخوفهم يريد كفار مكة وقوله ارأيتك هذا الذي كرمت علي الكاف في ارأيتك هي كاف خطاب ومبالغة في التنيه لا موضع لها من الأعراب فهي زائدة ومعنى ارأيت اتأملت ونحوه كان المخاطب بها ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصه بعد وقوله لاحتنكن معناه لاميلن ولأجرن وهو مأخوذ من تحنيك الدابة وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره فتقاد والسنة تحتنك المال أي تجتره وقال الطبري لاجتنكن معناه لاستأصلن وعن ابن عباس لاستولين وقال ابن زيد لاضلن قال ع وهذا بدل اللفظ لا تفسير وقوله أذهب فمن تبعك منهم وما بعده من الأوامر هي صيغة افعل بمعنى التهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم والموفور المكمل واستفزز معناه استخف واخدع وقوله بصوتك قيل هو الغناء والمزامير والملاهي لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي فهي مضافة إلى الشيطان قاله مجاهد وقيل بدعائك أياهم إلى طاعتك قال ابن عباس صوته دعاء كل من دعا إلى معصية الله والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك وقوله وأجلب أي هول والجلبة الصوت الكثير المختلط الهائل وقوله بخيلك ورجلك قيل هذا مجاز واستعارة بمعنى أسع سعيك وابلغ جهدك وقيل حقيقة وان له خيلا ورجلا من الجن قاله قتادة وقيل المراد فرسان الناس ورجالتهم المتصرفون في الباطل فإنهم كلهم أعوان لإبليس علىغيرهم قاله مجاهد وشاركهم في الأموال والأولاد عام لكل معصية يصنعها الناس بالمال ولكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي كالايلاد بالزنا وكتسميتهم عبد شمس وأبا الكويفر وعبد الحارث وكل اسم مكروه ومن ذلك وأد البنات ومن ذلك صبغهم في أديان الكفر وغير هذا وما أدخله النقاش من وطء الجن وأنه يحبل المرأة من الأنس فضعيف كله ت أما ذكره من الحبل فلا شك في ضعفه وفساد قول ناقله ولم أر في ذلك حديثا لا صحيحا ولا سقيما ولو أمكن أن يكون الحبل من الجن كما زعم ناقله لكان ذلك شبهة يدرأ بها الحد عن من ظهر بها حبل من النساء اللواتي لا أزواج لهن لأحتمال أن يكون حبلها من الجن كما زعم هذا القائل وهو باطل وأما ما ذكره من الوطء فقد قيل ذلك وظواهر الأحاديث تدل عليه وقد خرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه أن يقدر بينهما الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا يقتضي أن لهذا اللعين مشاركة ما في هذا الشأن وقد سمعت من شيخنا أبي الحسن علي بن عثمان الزواوي المانجلاتي سيد علماء بجاية في وقته قال حدثني بعض الناس ممن يوثق به يخبر عن زوجته أنها تجد هذا الأمر قال المخبر واصغيت إلى ما أخبرت به الزوجة فسمعت حسن ذلك الشيء والله أعلم وقوله سبحانه ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ازجاء الفلك سوقه بالريح اللينة والمجاذيف ولتبتغوا من فضله لفظ يعم التجر وغيره وهذه الآية المباركة توقيف على آلاء الله وفضله ورحمته بعباده والضر هنا لفظ يعم لغرق وغيره وأهوال حالات البحر واضطرابه وتموجه وضل معناه تلف وفقد وقوله اعرضتم أي فلم تفكروا في جميل صنع الله بكم وقوله كفورا أي بالنعم والإنسان هنا الجنس والحاصب العارض الرامي بالبرد والحجارة ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط والحصب الرمي بالحصباء والقاصف الذي يكسر كل ما يلقى ويقصفه وتارة معناه مرة أخرى والتبيع الذي يطلب ثارا أو دينا ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه و سلم إذا اتبع أحدكم على ملي فليبتع فالمعنى لا تجدون من يتتبع فعلنا بكم ويطلب نصرتكم وهذه لآيات أنوارها واضحة للمهتدين وقوله جلت عظمته ولقد كرمنا بني ءادم الآية عدد الله سبحانه على بني آدم ما خصهم به من المزايا من بين سائر الحيوان ومن أفضل ما أكرم به الآدمي العقل الذي به يعرف الله تعالى ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وقوله سبحانه على كثير ممن خلقنا المراد بالكثير المفضول الحيوان والجن وأما الملائكة فهم الخارجون عن الكثير المفضول وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضل من الأنس كما زعمت فرقة بل الأمر محتمل أن يكونوا أفضل من الأنس ويحتمل التساوي وقوله سبحانه يوم ندعوا كل أناس بإمامهم يحتمل أن يريد باسم إمامهم فيقول يا أمة محمد ويا أتباع فرعون ونحو هذا ويحتمل أن يريد مع إمامهم فيقول يا أمة معها إمامها من هاد ومضل واختلف في الإمام فقال ابن عباس والحسن كتابهم الذي فيه أعمالهم وقال قتادة ومجاهد نبيهم وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليم وقالت فرقة متبعهم من هاد أو مضل ولفظة الأمام تعم هذا كله وقوله سبحانه فمن أوتي كتابه بيمينه حقيقة في أن في القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الإيمان لأهل الإيمان وفي الشمائل لأهل الكفر والخذلان وتوضع في إيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد فيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار وقوله سبحانه يقرءون كتابهم عبارة عن السرور بها أي يرددونها ويتأملونها وقوله سبحانه ولا يظلمون فتيلا أي ولا أقل وقوله سبحانه ومن كان في هذه اعمى قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد الإشارة بهذه الى الدنيا أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بانبيائه فهو في الآخرة أعمى على معنى أنه حيران لا يتوجه لصواب ولا يلوح له نجح قال مجاهد فهو في الآخرة أعمى عن حجته ويحتمل أن يكون صفة تفضيل أي اشد عمى وحرة لأنه قد باشر الخيبة ورأى مخايل العذاب ويقوى هذا التأويل قوله عطفا عليه وأضل سبيلا الذي هو أفعل من كذا العمى في هذه الآية هو عمى القلب وقول سيبويه لا يقال اعمى من كذا إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل ت وكذا قال ص وقوله سبحانه وإن كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا إليك لتفتري علينا غيره الآية الضمير في قوله كادوا هو لقريش وقيل لثقيف فأما لقريش فقال ابن جبير ومجاهد نزلت الآية لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمس أيضا أوثاننا على معنى التشرع وقال ابن إسحاق وغيره أنهم اجتمعوا إليه ليلة فعظموه وقالوا له أنت سيدنا ولكن أقبل على بعض أمرنا ونقبل على بعض أمرك فنزلت الآية في ذلك قال ع فهي في معنى قوله ودوا لو تدهن فيدهنون وأما لثقيف فقال ابن عباس وغيره لأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات وقالوا إنما نريد أن نأخذ ما يهدى لها ولكن أن خفت أن تنكر ذلك عليك العرب فقل أوحى الله ذلك إلي فنزلت الآية في ذلك ت والله اعلم بصحة هذه التأويلات وقد تقدم ما يجب اعتقاده في حق النبي صلى الله عليه و سلم فالتزمه تفلح وقوله وإذا لا تخذوك خليلا توقيف على ما نجاه الله منه من مخالة الكفار والولاية لهم وقوله سبحانه ولولا أن ثبتناك الآية تعديد نعمة على النبي صلى الله عليه و سلم وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نزلت هذه الآية قال اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين وقرأ الجمهور تركن بفتح الكاف والنبي صلى الله عليه و سلم لم يركن لكنه كاد بحسب همه بموافقتهم طمعا منه في استيلافهم وذهب ابن الأنباري إلى أن معنى الآية لقد كادوا أن يخبروا عنك أنك ركنت ونوح هذا ذهب في ذلك إلى نفي الهم عن النبي صلى الله عليه و سلم فحمل اللفظ ما لايحتمل وقوله شيئا قليلا يبطل ذلك ت وجزى الله ابن الأنباري خيرا وأن تنزيه سائر الأنبياء لواجب فكيف بسيد ولد آدم صلى الله عليه و سلم وعليهم أجمعين قال أبو الفضل عياض في الشفا قوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيءا قليلا قال بعض المتكلمين عاتب الله تعالى نبينا عليه السلام قبل وقوع ما يوجب العتاب ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة وهذه غاية العناية ثم أنظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عاتبه عليه وخيف أن يركن إليه وفي أثناء عتبه براءته وفي طي تخويفه تأمينه قال عياض رحمه الله ويجب على المؤمن المجاهد نفسه الرائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بآدات القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته فهو عنصر المعارف الحقيقية وروضة الآداب الدينية والدنيوية انتهى قال ع وهذا الهم من النبي صلى الله عليه و سلم إنما كان خطرة مما لا يمكن دفعه ولذلك قيل كدت وهي تعطي أنه لم يقع ركون ثم قيل شيئا قليلا إذ كانت المقاربة التي تضمنتها كدت قليلة خطرة لم تتأكد في النفس وقوله إذ لاذقناك الآية يبطل أيضا ما ذهب إليه ابن الأنباري ت وما ذكره ع رحمه الله تعالى من البطلان لا يصح وما قدمناه عن عياض حسن فتأمله وقوله ضعف الحيوة قال ابن عباس وغيره يريد ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات وقوله سبحانه وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها الآية قال الحضرمي الضمير في كادوا ليهود المدينة وناحيتها ذهبوا إلى المكر بالنبي صلى الله عليه و سلم فقالوا له إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء فإن كنت نبيا فأخرج إلى الشام فإنها أرض الأنبياء فنزلت الآية وأخبر سبحانه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لو خرج لم يلبثوا بعده إلا قليلا وقالت فرقة الضمير لقريش قال ابن عباس وقد وقع استفزازهم وأخراجهم له فلم يلبثوا خلفه غلا قليلا يوم بدر وقال مجاهد ذهبت قريش إلى هذا ولكنه لم يقع منها لأنه لما أراد الله سبحانه استقاء قريش وان لا يسأصلها أذن لرسوله في الهجرة فخرج من الأرض بإذن الله لا بقهر قريش واستبقيت قريش ليسلم منها ومن اعقابها من أسلم ت قال ص قوله لا يلبثون جواب قسم محذوف أي والله أن استفززت فخرجت لا يلبثون خلفك إلا قليلا انتهى وقوله سبحانه سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا الآية معنى الآية الأخبار أن سنة الله تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا اخرجت نبيها من بين أظهرها نالها العذاب واستأصلها فلم تلبث خلفه إلا قليلا وقوله سبحانه أقم الصلوة لدلوك الشمس الآية إجماع المفسرين على أن الإشارة هنا إلى الصوات المفروضة والجمهور أن دلوك الشمس زوالها والإشارة إلى الظهر والعصر وغسق الليل أشير به إلى المغرب والعشاء وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح فالآية تعم جميع الصلوات والدلوك في اللغة هو الميل فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب قال أبو حيان واللام في لدلوك الشمس للظرفية بمعنى بعد انتهى وغسق الليل أجتماعه تكاثف ظلمته وعبر عن صلاة الصبح خاصة بالقرآن لأن القرآن هو عظمها إذ قراءتها طويلة مجهور بها وقوله سبحانه إن قرآن الفجر كان مشهودا معناه يشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث الصحيح يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر الحديث بطوله وفي مسند البزار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أن أفضل الصلوات صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة وما احسب شاهدها منكم إلا مغفور له انتهى من الكوكب الدري ومن الليل فتهجد به من للتبعيض التقدير ووقتا من الليل أي قم وقتا والضمير في به عائد على هذا المقدر ويحتمل أن يعود على القرآن وتهجد معناه أطرح الهجو عنك والهجود النوم المعنى ووقتا من الليل أسهر به في صلاة وقراءة وقال علقمة وغيره التهجد بعد نومه وقال الحجاج بن عمر وإنما التهجد بعد رقدة وقال الحسن التجهد ما كان بعد العشاء الآخرة وقوله نافلة لك قال ابن عباس معناه زيادة لك في الفرض قال وكان قيام الليل فرضا على النبي صلى الله عليه و سلم وقال مجاهد إنما هي نافلة للنبي صلى الله عليه و سلم لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم يعني ويجبرون بها فرائضهم حسبما ورد في الحديث قال صاحب المدخل وهو أبو عبد الله بن الحاج وقد قالوا أن من كان يتفلت من القرآن فليقم به في الليل فإن ذلك يثبته له ببركة امتثال السنة سيما الثلث الأخير من الليل لما ورد في ذلك من البركات والخيرات وفي قيام الليل من الفوائد جملة فلا ينبغي لطالب العلم أن يفوته منها شيء فمنها أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق اليابس من الشجرة الثاني أنه ينور القلب الثالث أنه يحسن الوجه الرابع أنه يذهب الكسل وينشط البدن الخامس أن موضعه تراه الملائكة من السماء كما يتراءى الكوكب الدري لنا في السماء وقد روى الترميذي عن أبي امامة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عليكم بقيام الليل فإنه من دأب الصالحين قبلكم وأن قيام الليل قربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الآثام وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين انتهى من المدخل وقوله سبحانه عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا عدة من الله عز و جل لنبيه وهو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه صلى الله عليه و سلم والحديث بطوله في البخاري ومسلم قال ابن العربي في أحكامه واختلف في وجه كون قيام الليل سببا للمقام المحمود على قولين للعلماء أحدهما أن الباري تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببا لفضله من غير معرفة لنا بوجه الحكمة الثاني أن قيام الليل فيه الخلوة بالباري تعالى والمناجات معه دون الناس فيعطى الخلوة به ومناجاته في القيامة فيكون مقاما محمودا ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم واجلهم فيه درجة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فيعطى من المحامد ما لم يعط أحد ويشفع فيشفع انتهى وقوله سبحانه وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق الآية ظاهر الآية والأحسن أن يكون دعا عليه السلام في أن يحسن الله حالته في كل ما يتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة فهي على أتم عموم معناه رب أصلح لي وردى في كل الأمور وصدري وذهب المفسرون إلى تخصيص اللفظ فقال ابن عباس وغيره أدخلني المدينة وأخرجني من مكة وقال ابن عباس أيضا الادخال بالموت في القبر والاخراج البعث وقيل غير هاذ وما قدمت من العموم التام الذي يتناول هذا كله أصوب والصدق هنا صفة تقتضي رفع المذام واستيعاب المدح وأجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا قال مجاهد يعني حجة تنصرني بها على الكفار وقوله سبحانه وقل جاء الحق الآية قال قتادة الحق القرآن والباطل الشيطان وقالت فرقة الحق الإيمان والباطل الكفران وقيل غير هذا والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة فيكون التفسير جاء الشرع بجميع من انطوى فيه وزهق الكفر بجميع ما انطوى فيه وهذه الآية نزلت بمكة وكان يستشهد بها النبي صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة وقوله سبحانه وننزل من القرآن ما هو شفاء الآية أي شفاء بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب وشفاء أيضا من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه وقوله سبحانه وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه يحتمل أن يكون الإنسان عاما للجنس فالكافر يبالغ في الأعراض والعاصي يأخذ بحظ منه ونئا أي بعد قل كل يعمل على شاكلته أي على ما يليق به قال ابن عباس على شاكلته معناه على ناحيته وقال قتادة معناه على ناحيته وعلى ما ينوي وقوله سبحانه فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا توعد بين وقوله سبحانه ويسئلونك عن الروح روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضهم لبعض سلوا محمد عن الروح فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي قال ع وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما أنفرد الله بعلمه ولا يطلع عليه أحد من عباده فسألوه فنزلت الآية وقيل أن الآية مكية والسائلون هم قريش بإشارة اليهود واختلف الناس في الروح المسئول عنه أي روح هو فقال الجمهور وقع السؤال عن الأرواح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي فالروح اسم جنس على هذا وهذا هو الصواب وهو المشكل الذي لا تفسير له وقوله سبحانه من أمر ربي يحتمل أن يريد أن الروح من جملة أمور الله التي استأثر سبحانه بعلمها وهي إضافة خلق إلى خالق قال ابن راشد في مرقبته اخبرني شيخي شهاب الدين القرافي عن ابن دقيق العيد أنه رأى كتابا لبعض الحكماء في حقيقة النفس وفيه ثلاثمائة قول قال رحمة الله وكثرة الخلاف توذن بكثرة الجهالات ثم علماء الإسلام اختلفوا في جواز الخوض فيها على قولين ولكل حجج يطول بنا سردها ثم القائلون بالجواز اختلفوا هل هي عرض أو جوهر أو ليست بجوهر ولا عرض ولا توصف بأنها داخل الجسم ولا خارجه وإليه ميل الإمام أبي حامد وغيره والذي عليه المحققون من المتأخرين أنها جسم نوراني شفاف سار في الجسم سريان النار في الفحم والدليل على أنها في الجسم قوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم فلو لم تكن في الجسم لما قال ذلك وقد أخرني الفقيه الخطيب أو محمد البرجيني رحمه الله عن الشيخ الصالح أبي الظاهر الركراكي رحمه الله قال حضرت عند ولي من الأولياء حين النزع فشاهدت نفسه قد خرجت من مواضع من جسده ثم تشكلت على رأسه بشكله وصورته ثم صعدت إلى السماء وصعدت نفسي معها فلما انتهينا إلى السماء الدنيا شاهدت بابا ورجل ملك ممدودة عليه فازال ذلك الملك رجله قال لنفس لك الولي اصعدي فصعدت فارادت نفسي أن تصعد معها فقال لها أرجعي فقد بقي لك وقت قال فرجعت فشاهدت الناس دائرين على جسمي وقائل يقول مات وآخر يقول لم يمت فدخلت من أنفي أو قال من عيني وقمت انتهى ت وهذه الحكاية صحيحة ورجال إسنادها ثقات معروفون بالفضل فأبن راشد هو شارح ابن الحاجب الفرعي والبرجيني معروف عند أهل أفريقية وأبو الطاهر من أكابر الأولياء معظم عند أهل تونس مزاره وقبره بالزلاج معروف زرته رحمه الله وقرأ الجمهور ما أوتيتم واختلف فيمن خوطب بذلك فقال فرقة السائلون فقط وقالت فرقة العالم كله وقد نص على ذلك صلى الله عليه و سلم على ما حكاه الطبري وقوله ولئن شئنا لنذهبن الآية المعنى وما أوتيتم أنت يا محمد وجميع الخلائق من العلم إلا قليلا فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء ولو شاء لذهب بالوحي الذي آتاك وقوله إلا رحمة استثناء منقطع أي لكن رحمة من ربك تمسك عليك قال الداودي وما روي عن ابن مسعود من أنه سينزع القرآن من الصدور وترفع المصاحف لا يصبح وإنما قال سبحانه ولئن شئنا فلم يشأ سبحانه وفي الحديث عنه صلى الله عليه و سلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون قال البخاري وهم أهل العلم ولا يكون العلم مع فقد القرآن انتهى كلام الداودي وهو حسن جدا وقد جاء في الصحيح ما هو أبين من هذا وهو قوله صلى الله عليه و سلم أن الله لا ينتزع العلم انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء الحديث وقوله سبحانه قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن الآية سبب هذه الآية أن جماعة من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم لو جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن فإنا نقدر نحن على المجيء بمثله فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز لجميع الخلائق قال ص واللام في لئن اجتمعت اللام الموطئة للقسم وهي الداخلة على الشرط كقوله لئن أخرجوا ولئن قوتلوا والجواب بعد للقسم لتقدمه إذا لم يسبق ذو خبره لا للشرط هذا مذهب البصريين خلافا للفراء في أجازته الأمرين إلا أن الأكثر أن يجيء جواب قسم والظهير المعين قال ع وفهمت العرب الفصحاء بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن ولا كل من خالطته حضارة ففهموا العجز عنه ضرورة ومشاهدة وعلمه الناس بعدهم استدلالا ونظر ولكل حصل علم قطعي لكن ليس في مرتبة واحدة وقوله سبحانه وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الآية روي في قول هذه المقالة للنبي صلى الله عليه و سلم حديث طويل مقتضاه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وعبد الله بن أبي أمية والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وساداتها اجتمعوا عليه فعرضوا عليه أن يملكوه أن إراد الملك أو يجمعوا له كثيرا من المال إن أراد الغنى ونحو هذا من الأقاويل فدعاهم صلى الله عليه و سلم عند ذلك إلى الله وقال إنما جئتكم بأمر من الله فيه صلاح دنياكم ودينكم فإن أطعتم فحسن وإلا صبرت حتى يحكم الله بيني وبينكم فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعم حقا ففجر لنا من الأرض ينبوعا الحديث بطوله والينبوع الماء النابع وخلالها ظرف ومعناه اثناءها وفي داخلها وقوله كما زعمت إشارة إلى ما تلا عليهم قبل ذلك في قوله سبحانه إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء الآية والكسف الشيء المقطوع وقال الزجاج المعنى أو تسقط السماء علينا طبقا وقوله قبيلا قيل معناه مقابلة وعيانا وقيل معناه ضامنا وزعيما بتصديقك ومنه القبالة وهي الضمان وقيل معناه نوعا وجنسا لا نظير له عندنا أو يكون لك بيت من زخرف قال المفسرون الزخرف الذهب في هذا الموضع أو ترقى في السماء أي في الهواء علوا ويحتمل أن يريد السماء المعروفة وهو أظهر ت وذكر ع هنا كلمات الواجب طرحها ولهذا أعرضت عنها وترقى معناه تصعد ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبدا لله بن أبي أمية ويروى أن جماعتهم طلبت هذا النحو منه فأمره عز و جل أن يقول سبحان ربي أي تنزيها له من الاتيان إليكم مع الملائكة قبيلا ومن أقتراحي أنا عليه هذه الأشياء وهل انا إلا بشر إنما علي البلاغ المبين فقط وقوله مطمئنين أي وادعين فيها مقيمين وقوله سبحانه قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم روي أن من تقدم الآن ذكرهم من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم في آخر قولهم فلتجىء معك بطائفة من الملائكة تشهد لك بصدقك في نبوءتك وروي أنهم قالوا فمن يشهد لك ففي ذلك نزلت الآية أي الله يشهد بيني وبينكم ثم أخبر سبحانه أنه يحشرهم على الوجوه حقيقة وفي هذا المعنى حديث قيل يا رسول الله كيف يمشى الكافر على وجهه قال أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجلين قادرا على أن يمشيه في الآخرة على وجهه قال قتادة بلى وعزة ربنا ت وهذا الحديث قد خرجه الترمذي من طريق أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم الحديث وقوله كلما خبت أي كلما فرغت من أحراقهم فسكن اللهيب القائم عليهم قدر ما يعادون ثم يثور فتلك زيادة السعير قاله ابن عباس قال ع فالزيادة في حيزهم وأما جهنم فعلى حالها من الشدة لا فتور وخبت النار معناه سكن اللهيب والجمر على حاله وخمدت معناه سكن الجمر وضعف وهمدت معناه طفئت جملة وقوله سبحانه ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا الآية الإشارة بذلك إلى الوعيد المتقدم بجهنم قوله عز و جل أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض الآية الرؤية في هذه الآية هي رؤية القلب وهذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من البعث والأجل هاهنا يحتمل أن يريد به القيامة ويحتمل أن يريد أجل الموت وقوله سبحانه قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي الآية الرحمة في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق وقوله خشية الأنفاق المعنى خشية عاقبة الإنفاق وهو الفقر وقال بعض اللغويين انفق الرجل معناه افتقر كما تقول اترب واقتر وقوله وكان الإنسان قتورا أي ممسكا يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث والأمر ليس كذلك بل قدرته لا تتناهى وقوله سبحانه ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات الآية اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم واختلفوا في الأربع ت وفي هذا الاتفاق نظر وروي في هذا صفوان بن عسال أن يهوديا من يهود المدينة قال لآخر سر بنا إلى هذا النبي نسأله عن آيات موسى فقال له الآخر لا تقل له أنه نبي فإنه لو سمعها صار له أربعة أعين قال فسارا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فسألاه فقال هي لا تشركوا بالله شيأ ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببريء إلى السلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنات ولا تفروا يوم الزحف وعليكم خاصة معشر اليهود أن لا تعدوا في السبت انتهى وقد ذكر ع هذا الحديث وقوله سبحانه فسأل بني إسرائيل إذ جاءهم أي اذ جاءهم موسى واختلف في قوله مسحورا فقالت فرقة هو مفعول على بابه وقال الطبري هو بمعنىساحر كما قال حجابا مستورا وقرأ الجمهور لقد علمت وقرأ الكسائي لقد علمت بتاء المتكلم مضمومة وهي قراءة على بن أبي طالب وغيره وقال ما علم عدو الله قط وإنما علم موسى والإشارة بهؤلاء إلى التسع وقوله بصائر جمع بصيرة وهي الطريقة أي طرائق يهتدى بها والمثبور المهلك قاله مجاهد فأراد أن يستفزهم من الأرض أي يستخفهم ويقتلهم والأرض هنا أرض مصر ومتى ذكرت الأرض عموما فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها وأقتضبت هذه الآية قصص بني إسرائيل مع فرعون وإنما ذكرت عظم الأمر وخطيره وذلك طرفاه أراد فرعون غلبتهم وقتلهم وهذا كان بدء الأمر فاغرقه الله وجنوده وهذا كان نهاية الأمر ثم ذكر سبحانه أمر بني إسرائيل بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام ووعد الآخرة هو يوم القيامة واللفيف الجمع المختلط الذي قد لف بعضه إلى بعض وقوله سبحانه وبالحق أنزلناه يعني القرآن نزل بالمصالح والسداد للناس وبالحق نزل يريد بالحق في أوامره ونواهيه وأخباره وقرأ جمهور الناس فرقناه بتخفيف الراء ومعناه بينها وأوضحناه وجعلناه فرقانا وقرأ جماعة خارج السبع فرقناه بتشديد الراء أي أنزلناه شيئا بعد شيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله لتقرأه على الناس على مكث وتأولت فرقة قوله على مكث أي على ترسل في التلاوة وترتل هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد والتأويل الآخر أي على مكث وتطاول في المدة شيئا بعد شيء وقوله سبحانه قل آمنوا به أو لا تؤمنوا فيه تحقير للكفار وضرب من التوعد والذين أوتوا العلم من قبله قالت فرقة هم مؤمنو أهل الكتاب والأذقان أسافل الوجوه حيث يجتمع اللحيان قال الواحدي إن كان وعد ربنا أي بإنزال القرآن وبعث محمد لمفعولا انتهى وقوله سبحانه ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا إن يجري إلى هذه الرتبة النفسية وحكى الطبري عن التميمي أن من اوتي من العلم مالم يبكه لخليق ان لا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله سبحانه نعت العلماء ثم تلا هذه الآية كلها ت وأنه والله لذلك وإنما يخشى الله من عباده العلماء اللهم انفعنا بما علمتنا ولا تجعله علينا حجة بفضلك ونقل الغزالي عن ابن عباس أنه قال إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه قال الغزالي فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك من أعظم المصائب قال الغزالي وأعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بعظمة الله تعالى ومن رزق ذلك فإنه يكون خاشعا في الصلاة وغيرها فإن موجب الخشوع استشعار عظمة الله ومعرفة اطلاعه على العبد ومعرفة تقصير العبد فمن هذه المعارف يتولد الخشوع وليست مختصة بالصلاة ثم قال وقد دلت الأخبار على أن الأصل في الصلاة الخشوع وحضور القلب وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في المعاد قال وأعلم أن المعاني التي بها تتم حياة الصلاة تجمعها ست جمل وهي حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء فحضور القلب أن يفرغه من غير ما هو ملابس له والتفهم أمر زائد على الحضور وأما التعظيم فهو أمر وراء الحضور والفهم وأما الهيبة فأمر زائد على التعظيم وهي عبارة عن خوف منشأه التعظيم وأما التعظيم فهو حالة للقلب تتولد من معرفتين إحداهما معرفة جلال الله سبحانه وعظمته والثانية معرفة حقارة النفس وأعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما أهمك ومهما أهمك أمر حضر القلب شاء أم أبى والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل يكون حاضرا فيما الهمة مصروفة إليه انتهى من الأحياء وقوله سبحانه قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين سمع النبي صلى الله عليه و سلم يدعو يا الله رحمن فقالوا كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين قاله ابن عباس فنزلت الآية مبينة أنها أسماء لمسى واحد وتقدير الآية أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب فله الأسماء الله الحسنى وفي صحيح البخاري بسنده عن ابن عباس في قوله سبحانه ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال نزلت ورسول الله صلى الله عليه و سلم مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك سبيلا واسند البخاري عن عائشة ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قالت انزل ذلك في الدعاء انتهى قال الغزالي في الأحياء وقد جاءت أحاديث تقتضي استحباب السر بالقرآن وأحاديث تقتضي استحباب الجهر به والجمع بينهما أن يقال أن التالي إذا خاف على نفسه الرياء والتصنع أو تشويش مصل فالسر أفضل وأن أمن ذلك فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته أيضا تتعدى إلى غيره والخير المتعدى أفضل من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارىء ويجمع همته إلى الفكر فيه ويصرف إليه سمعه ويطرد عنه النوم برفع صوته ولأنه يزيد في نشاطه في القراءة ويقلل من كسله ولأنه يرجو بجهره تيقيظ نائم فيكون سببا في إعانته على الخير ويسمعه بطال غافل فينشط بسببه ويشتاق لخدمة خالقه فمهما حضرت نية من هذه النيات فالجهر أفضل وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر وبكثرة النيات يزكو عمل الأبرار وتتضاعف أجورهم انتهى وقوله سبحانه ولم يكن له ولي من الذل هذه الآية رادة على كفرة العرب في قولهم لولا أولياء الله لذل الله تعالى عن قولهم وقيد سبحانه نفي الولاية له بطريق الذل وعلى جهة الانتصار إذ ولايته سبحانه موجودة بفضله ورحمته لمن ولي من صالح عباده قال مجاهد المعنى لم يخالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد سبحانه لا إله إلا هو وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم فسير سورة الكهف هذه السورة مكية في قول جميع المفسرين وروي عن قتادة أن أول سورة نزل بالمدينة إلى قوله جرزا والأول أصح وهي من أفضل سور القرآن وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين السماوات والأرض ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك قالوا أي سورة هي يا رسول الله قال سورة الكهف من قرأ بها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام وفي رواية أنس من قرأ بها أعطي نور بين السماء والأرض وووقي بها فتنة القبر وعن البراء بن عازب قال كان رجل يقرا سورة الكهف وإلى جانبه فرس مربوط بشطنين فغشيته سحابه فجعلت تدنو وتدنو وجعل فسرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فقال تلك السكينة نزلت بالقرآن رواه البخاري واللفظ له ومسلم والترمذي والنسائي والرجل المبهم في الحديث هو أسيد بن حضير وفي الحديث الصحيح من طريق النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه و سلم فمن أدرك الدجال منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف وذكر الحديث رواه مسلم وغيره زاد أبو داود فإنها جواركم من فتنته وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قرأ عشرة آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي واللفظ لمسلم وفي رواية لمسلم وأبي داود من آخر الكهف وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نور من مقامه إلى مكة ومن قرأ بعشر آيات من آخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه رواه الترمذي والحاكم في المستدرك والنسائي وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وله في رواية من قرا سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين وقال صحيح الإسناد وأخرجه الدارمي في مسنده موقوفا ورواته متفق على الاحتجاج بهم إلا أبا هاشم يحيى ابن دينار الرماني وقد وثقه أحمد ويحي وأبو زرعة وأبو حاتم انتهى من السلاح قوله تعالى الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله عوجا سكتة خفيفة وعند مرقدنا في يس وسبب هذه البداءة في هذه السورة أن النبي صلى الله عليه و سلم لما سألته قريش عن المسائل الثلاث الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين حسب ما أمرتهم به يهود قال لهم صلى الله عليه و سلم غدا أخبركم بجواب ما سألتم ولم يقل إن شاء الله فعاتبه الله عز و جل وأمسك عنه الوحي خمسة عشر يوما وأرجف به كفار قريش وشق ذلك على النبي صلى الله عليه و سلم وبلغ منه فلما انقضى الأمد الذي أراد الله عتاب نبيه جاءه الوحي بجواب ما سألوه عنه وغير ذلك فافتتح الوحي بالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وهو القرآن وقوله ولم يجعل له عوجا أي لم ينزله عن طريق الاستقامة والعوج فقد الاستقامة ومعنى قيما أي مستقيما قاله ابن عباس وغيره وقيل معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها ولم يرتضه ع قال ويضح أن يكون معنى قيم قيامه بأمر الله على العالم وهذا معنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللتين عمتا العالم والبأس الشديد عذاب الآخرة ويحتمل أن يندرج معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها ومن لدنه أي من عنده والمعنى لينذر العالم والأجر الحسن نعيم الجنة ويتقدمه خير الدنيا وقوله تعالى ان يقولون إلا كذبا أي ما يقولن فهي النافية وقوله سبحانه فلعلك باخع نفسك هذه الآية آية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم والباخع نفسه هو مهلكها قال ص لعل للترجي في المحبوب والإشفاق في المحذور وهي هنا للإشفاق انتهى وقوله على ءاثارهم استعارة فصيحة من حيث لهم أدبار وتباعد عن الإيمان فكأنهم من فرط ادبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم وقوله بهذا الحديث أي بالقرآن والأسف المبالغة في حزن أو غضب وهو في هذا الموضع الحزم لأنه على من لا يملك ولا هو تحت يد الآسف ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته وملكه لكان غضبا كقوله تعالى فلما ءاسفونا أي أغضبونا قال قتادة أسفا حزنا وقوله سبحانه انا جعلنا ما على الأرض زينة لها الآية بسط في التسلية أي لا تهتم بالدنيا وأهلها فإن أمرها وأمرهم أقل لفناء ذلك وذهابه فانا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحانا واختبارا وفي معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه و سلم الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء لنبلوهم أي لنختبرهم وفي هذا وعيد ما قاله سفيان الثوري أحسنهم عملا أزهدهم فيها وقال أبو عاصم العسقلاني أحسن عملا الترك لها قال ع وكان أبي رحمه الله يقول أحسن العمل أخذ بحق وانفاق في حق وأداء الفرائض واجتناب المحارم والأكثار من المندوب إليه وقوله سبحانه وانا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا أي يرجع ذلك كله ترابا والجرز الأرض التي لا شيء فيها من عمارة وزينة فهي البلقع وهذه حالة الأرض العامرة لا بد لها من هذا في الدنيا جزءا جزءا من الأرض ثم يعمها ذلك بإجماعها عند القيامة والصعيد وجه الأرض وقيل الصعيد التراب خاصة وقوله سبحانه أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي ليسوا بعجب من آيات اله أي فلا يعظم ذلك عليك بحسب ما عظمه السائلون فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وهو قول ابن عباس وغيره واختلف الناس في الرقيم ما هو اختلافا كثيرا فقيل الرقيم كتاب في لوح نحاس وقيل في لوح رصاص وقيل في لوح حجارة كتبوا فيه قصة أهل الكهف وقيل غير هذا وروي عن ابن عباس أنه قال ما أدري ما الرقيم قال ع ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوما مؤرخين وذلك من نبل المملكة وهو أمر مفيد وقوله سبحانه إذ أوى الفتية إلى الكهف الفتية فيما روي قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر ويقال فيه دقيانوس وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين بالذهب وهم من الروم واتبعوا دين عيسى وقيل كانوا قبل عيسى واختلف الرواة في قصصهم ونذكر من الخلاف عيونه وما لا تستغنى الآية عنه فروي عن مجاهد عن ابن عباس أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام فوقع للفتية علم من بعض الحواريين حسبما ذكره النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس فرفع أمرهم إلى الملك فاستحضرهم وأمرهم بالرجوع إلى دينه فقالوا له فيما روي ربنا رب السموات والأرض الآية فقال لهم الملك إنكم شبان اغمار لا عقل لكم وانا لا اعجل عليكم وضرب لهم أجلا ثم سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب باديانهم فقال لهم أحدهم اني أعرف كهفا في جبل كذا فلنذهب إليه وروت فرقة أن أمر أصحاب الكهف إنما كان أنهم من أبناء الأشراف فحضر عيد لأهل المدينة فرأى الفتية ما ينتحله الناس في ذلك العيد من الكفر وعبادة الأصنام فوقع الإيمان في قلوبهم وأجمعوا على مفارقة دين الكفرة وروي أنهم خرجوا وهم يلعبون بالصولجان والكرة وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم ليلا يشعر الناس بهم حتى وصلوا إلى الكهف وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لبضهم وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم فدخلوا الغار فروت فرقة أن الله سبحانه ضرب على آذانهم عند ذلك لما أراد من سترهم وخفي على أهل المملكة مكانهم وعجب الناس من غرابة فقدهم فأرخوا ذلك ورقموه في لوحين من رصاص أو نحاس وجعلوه على باب المدينة وقيل على الرواية أن الملك بنى باب الغار وأنهم دفنوا ذلك في بناء الملك على الغار وروت فرقة أن الملك لما علم بذهاب الفتية أمر بقص آثارهم إلى باب الغار وأمر بالدخول عليهم فهاب الرجال ذلك فقال له بعض وزرائه الست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم قال نعم قال فأي قتلة أبلغ من الجوع والعطش ابن عليهم باب الغار ودعهم يموتوا فيه ففعل وقد ضرب الله على آذانهم كما تقدم ثم أخبر الله سبحانه عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف أي دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام دعووا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة وهي الرزق فيما ذكره المفسرون وأن يهيء لهم من أمرهم رشدا خلاصا جميلا وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظهم تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه بهذه الآية الكريمة فقط فإنها كافية ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمر الآخرة وقوله تعالى فضربنا على ءاذانهم الآية عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم وقوله عددا نعت للسنين والقصد به العبارة عن التكثير وقوله لنعلم عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود أي لنعلم ذلك موجودا وإلا فقد كان سبحانه علم أي الحزبين أحصى الأمد والحزبان الفريقان والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلا والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية وهذا قول الجمهور من المفسرين وأما قوله أحصى فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض وأمدا منصوب به على المفعول والأمد الغاية ويأتي عبارة عن المدة وقال الزجاج بأن أفعل من الرباعي قد كثر كقولك ما أعطاه للمال وكقوله عليه الصلاة و السلام في صفة جهنم أسود من القار وفي صفة حوضه أبيض من اللبن ت وقد تقدم أن أسود من سود وما في ذلك من النقد وقال مجاهد أمدا معناه عددا وهذا تفسير بالمعنى وقوله سبحانه وزدناهم هدى أي يسرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله عز و جل ومباعدة الناس والزهد في الدنيا وهذه زيادات على الإيمان وقوله سبحانه وربطنا على قلوبهم عبارة عن شدة عزم وقوة صبر ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الأنحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ومنه يقال فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحروب وغيرها ومنه الربط على قلب أم موسى وقوله تعالى إذ قاموا يحتمل أن يكون وصف قيامهم بين يدي الملك الكافر فإنه مقام يحتاج إلى الربط على القلب ويحتمل أن يعبر بالقيام على انبعاثهم بالعزم على الهروب إلى الله ومنابذة الناس كما تقول قام فلان إلى أمر كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد وبهذه الألفاظ التي هي قاموا فقالوا تعلقت الصوفية في القيام والقول والشطط الجور وتعدى الحد والحق بحسب أمر أمر والسلطان الحجة قال قتادة المعنى بعذر بين ثم عظموا جرم الداعين مع الله غيره وظلمهم بقولهم فمن اضلم ممن افترى على الله كذبا ويقولهم وإذ اعتزلتموهم الآية المعنى قال بعضهم لبعض وبهذا يترجح أن قوله تعالى إذ قاموا فقالوا إنما المراد به إذ عزموا ونفذوا لأمرهم وفي مصحف ابن مسعود وما يعبدون من دون الله ومضمن هذه الآية الكريمة أن بعضهم قال لبعض إذ قد فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله تعالى فإنه سيبسط علينا رحمته وينشرها علينا ويهيئ لنا من أمرنا مرفقا وهذا كله دعاء بحسب الدنيا وهم على ثقة من الله في أمر أخرتهم وقرأ نافع وغيره مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء وقرأ جمزة وغيره بكسر الميم وفتح الفاء ويقالان معا في الأمر وفي الجارحة حكاه الزجاج وقوله سبحانه وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتزاور أي تميل وتقرضهم معناه تتركهم والمعنى أنهم كانوا لا تصبيهم شمس البتة وهو قول ابن عباس وحكى الزجاج وغيره قال كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش وذهب الزجاج إلى فعل الشمس كأن آية من الله تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك والفجوة المتسع قال قتادة في فضاء منه ومنه الحديث فإذا وجد فجوة نص وقوله سبحانه ذلك من آيات الله الإشارة إلى الأمر بجملته وقوله سبحانه ونقلبهم ذات اليمين الآية ذكر بعض المفسرين أن تقليبهم إنما كان حفظا من الأرض وروي عن ابن عباس أنه قال لومستهم الشمس لأحرقتهم ولولا التقليب لأكلتهم الأرض وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان بأمر الله وفعل ملائكته ويحتمل أن يكون ذلك باقدار الله إياهم على ذلك وهم في غمرة النوم وقوله وكلبهم أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة قال ع وحدثني أبي رحمه الله قال سمعت أبا الفضل بن الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة من أحب أهل الخير نال من بركتهم كلب أحب أهل الفضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله والوصيد العتبة التي لباب الكهف أو موضعها أن لم تكن وقال ابن عباس الوصيد الباب والأول أصح والباب الموصد هو المغلق ثم ذكر سبحانه ما حفهم به من الرعب واكتنفهم من الهيبة حفظا منه سبحانه لهم فقال لو اطلعت عليهم الآية وقوله سبحانه وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم الإشارة بذلك إلى الأمر الذي ذكره الله في جهتهم والعبرة التي فعلها فيهم والبعث التحريك عن سكون واللام في قوله ليتساؤلوا لام الصيرورة وقول القائل كم لبتثم يقتضى أنه هجس في خاطره طول نومهم واستعشر أن أمرهم خرج عن العادة بضع الخروج وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حال من الوقت والهواء الزماني لا يباين الحالة التي ناموا عليها وقوله فابعثوا أحدكم بورقكم يروي أنهم انتبهوا وهم جياع وأن المبعوث هو تمليخا وروي أن باب الكهف انهدم بناء الكفار منه لطول السنين ويروى أن راعيا هدمه ليدخل فيه غنمه فأخذ تمليخا ثيابا رثة منكرة ولبسها وخرج من الكهف فانكر ذلك البناء المهدوم إذ لم يعرفه بالأمس ثم مشى فجعل ينكر الطريق والمعالم ويتحير وهو في ذلك لا يشعر شعورا تاما بل يكذب ظنه فيما تيغر عنده حتى بلغ باب المدينة فرأى على بابها إمارة الأسلام فزادت حيرته وقال كيف هذا ببلد دقيوس وبالأمس كنا معه تحت ما كنا فنهض إلى باب آخر فرأى نحوا من ذلك حتى مشى الأبواب كلها فزادت حيرته ولم يميز بشرا وسمع الناس يقسمون باسم عيسى فاستراب بنفسه وظن أنه جن أو انفسد عقله فبقي حيران يدعو الله تعالى ثم نهض إلى باب الطعام الذي أراد اشتراءه فقال يا عبد الله بعني من طعامك بهذا الورق فدفع إليه دراهم كاخفاف الربع فيما ذكر فعجب لها البائع ودفعها إلىآخر يعجبه وتعاطاها الناس وقالوا له هذه دراهم عهد فلان الملك من أين أنت وكيف وجدت هذا الكنز فجعل يبهت ويعجب وقد كان بالبلد مشهورا هو وبيته فقال ما أعرف غير أني وأصحابي خرجنا بالأمس من هذه المدينة فقال الناس هذا مجنون أذهبوا به إلى الملك ففزع عند ذلك فذهب به حتى جيء به إلى الملك فلما لم ير دقيوس الكافر تأنس وكان ذلك الملك مؤمنا فاضلا يسمى تبدوسيس فقال له الملك أين وجدت هذا الكنز فقال له إنما خرجت أنا وأصحابي أمس من هذه المدينة فأوينا إلى الكهف الذي في جبل أنجلوس فلما سمع الملك ذلك قال في بعض ما روي لعل الله قد بعث لكم أيها النسا آية فلنسر إلى الكهف حتى نرى أصحابه فساروا وروي أنه أو بعض جلسائه قال هؤلاء هم الفتية الذين ورخ أمرهم على عهد دقيوس الملك وكتب على لوح النحاس بباب المدينة فسار الملك إليهم وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف قال تمليخا أدخل عليهم ليلا يرعبوا فدخل عليهم فأعلمهم بالأمر وأن الأمة أمة إسلام فروي أنهم سروا وخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم ثم رجعوا إلى الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا فانتظرهم الناس فلما ابطأ خروجهم دخل الناس إليهم فرعب كل من دخل ثم اقدموا فوجدوهم موتى فتنازعوا بحسب ما يأتي وفي هذا القصص من الاختلاف ما تضيق به الصحف فاختصرته وذكرت المهم الذي به تتفسر ألفاظ الآية واعتمدت الأصح والله المعين برحمته وفي هذا البعث بالورق جواز الوكالة وصحتها وأزكى معناه أكثر فيما ذكر عكرمة وقال ابن جبير المراد أحل وقولهم يرجموكم قال الزجاج بالحجارة وهو الأصح وقال حجاج يرجموكم معناه بالقول وقوله سبحانه وكذلك اعثرنا عليهم الإشارة في قوله وكذلك إلى بعثهم ليتساءلوا أي كما بعثناهم اعثرنا عليهم والضمير في قوله ليعلموا يحتمل أن يعود على الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم وإلى هذا ذهب الطبري وذلك أنهم فيما روي دخلتهم حينئذ فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا إنما تحشر الأرواح فشق ذلك على ملكهم وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم حتى لبس المسوح وقعد على الرماد وتضرع إلى الله في حجة وبيان فأعثرهم الله على أهل الكهف فلما بعثهم الله وتبين الناس أمرهم سر الملك ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين به وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله إذ يتنازعون بينهم أمرهم على هذا التأويل يحتمل أن يعود الضمير في يعلموا على أصحاب الكهف وقوله إذ يتنازعون على هذا التأويل ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم والتنازع على هذا التأويل إنما هو في أمر البناء أو المسجد لا في أمر القيامة وقد قيل أن التنازع إنما هو في أن اطلعوا عليهم فقال بعضهم هم أموات وبعض هم أحياء وروي أن بعض القوم ذهبوا إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين فقالت الطائفة الغالبة على الأمر لنتخذن عليهم مسجدا فاتخذوه قال قتادة الذين غلبوا هم الولاة وقوله سبحانه سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم الآية الضمير رفي سيقولون يراد به أهل التوراة من معاصري نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف وقوله رجما بالغيب معناه ظنا وهو مستعار من الرجم كأن الأنسان يرمى الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد المرة يرجمه به عسى أن يصيبه والواو في قوله وثامنهم كلبهم طريق النحاة فيها أنها واو عطف دخلت في آخر الكلام أخبارا عن عددهم لتفصل أمرهم تدل على أن هذا نهاية ما قيل ولو سقطت لصح الكلام وتقول فرقة منهم ابن خالويه هي واو الثمانية وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش وأن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة فتدخل الواو في الثمانية قال ع وهي في القرآن في قوله والناهون عن المنكر وفي قوله وفتحت أبوابها وأما قوله وأبكارا وقوله وثمانية أيام فليست بواو الثمانية بل هي لازمة إذ لا يستغنى الكلام عنها قد أمر الله سبحانه نبيه في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه ثم قال ما يعلمهم إلا قليل يعني من أهل الكتاب وكان ابن عباس يقول أنا من ذلك القليل وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم قال ع ويدل على هذا من الآية أنه سبحانه لما حكى قول من قال ثلاثة وخمسة قرن بالقول أنه رجم بالغيب ثم حكى هذه المقالة ولم يقدح فيها بشيء وأيضا فيقوى ذلك على القول بواو الثمانية لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح وقوله سبحانه فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا معناه على بعض الأقوال أي بظاهر ما أوحينا إليك وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى وقيل معنى الظاهر أن يقول ليس كما تقولون ونحو هذا ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك وقال البريزي ظاهرا معناه ذاهبا وأنشد ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ... ولم يبح له في هذه الآية أن يماري ولكن قوله إلا مراء مجاز من حيث يماريه أهل الكتاب سميت مراجعته لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر ففارق المراء الحقيقي المذموم والمراء مشتق من المرية وهو الشك فكأنه المشاككة ت وفي سماع ابن القاسم قال كان سليمان بن يسار إذا ارتفع الصوت في مجلسه أو كان مراء أخذ نعليه ثم قام قال ابن رشد هذا من ورعه وفضله والمراء في العلم منهي عنه فقد جاء انه لا تؤمن فتنته ولا تفهم حكمته انتهى من البيان والضمي رفي قوله ولا تستفت فيهم عائد على أهل الكهف وفي قوله منهم عائد على أهل الكتاب وقوله فلا تمار فيهم أي في عدتهم وقوله سبحانه ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله قد تقدم أن هذه الآية عتاب من الله تعالى لنبيه حيث لم يستثن والتقدير إلا أن تقول إلا أن يشاء الله أو إلا أن تقول أن شاء الله والمعنى لا أن تذكر مشيئة الله وقوله سبحانه وأذكر ربك إذا نسيت قال ابن عباس والحسن معناه الإشارة به إلىالاستثناء أي ولتستثن بعد مدة إذا نسيت أولا لتخرج من جملة من لم يعلق فعله بمشيئة الله وقال عكرمة وأذكر ربك إذا غضبت وعبارة الواحدي واذكر ربك إذا نسيت أي إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله فأذكره وقله إذا تذكرت آه وقوله سبحانه وقل عسى أن يهديني ربي الآية الجمهور أن هذا دعاء مأمور به والمعنى عسى أن يرشدني ربي فيما استقبل من أمري والآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وهي بعد تعم جميع أمته وقال الواحدي وقل عسى أن يهديني أي يعطيني ربي الآيات من الدلالات علىالنبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف ثم فعل الله له ذلك حيث أتاه علم غيوب المرسلين وخبرهم انتهى وقوله سبحانه ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين الآية قال قتادة وغيره الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك واحتجوا بقراءة ابن مسعود وفي مصحفه وقالوا لبثوا في كهفهم ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه ردا على مقالهم وتفنيدا لهم وقال المحققون بل قوله تعالى ولبثوا في كهفهم الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم وقوله تعالى قل الله أعلم بما لبثوا أي فليزل اختلافكم أيها لمخرصون وظاهر قوله سبحانه وأزدادوا تسعا أنها أعوام وقوله سبحانه أبصر به واسمع أي ما أسمعه سبحانه وما أبصره قال قتادة لا أحد أبصر من الله ولا أسمع قال ع وهذه عبارة عن الإدراك ويحتمل أن يكون المعنى أبصر به أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور واسمع به العالم فتكون اللفظتان أمرين لا على وجب التعجب وقوله سبحانه ما لهم من دونه من ولي الضمير في لهم يحتمل أن يرجع إلى أهل الكهف ويحتمل أن يرجع إلى معاصري النبي صلى الله عليه و سلم من الكفار ويكون في الآية تهديد لهم وقوله سبحانه أتل ما أوحي إليك أي اتبع وقيل أسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك لا نقض في قوله ولا مبدل لكلماته وليس لك سواه جانب تميل إليه وتستند والملتحد الجانب الذي يمال إليه ومنه اللحد ت قال النووي يستحب لتالي القرآن إذا كان منفردا أن يكون ختمه في الصلاة ويستحب أن يكون ختمه أول الليل اواول النهار وروينا في مسند الأمام المجمع على حفظه وجلالته وإتقانه وبراعته أبي محمد الدرامي رحمه الله تعالى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال إذ وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وأن وافق ختمه أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وأن وافق ختمه أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي قال الترمذي هذا حديث حسن وعن طلحة بن بن مطرف قال من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وعن مجاهد نحوه انتهى وقوله سبحانه وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الآية تقدم تفسيرها وقوله سبحانه ولا تعد عيناك عنهم أي لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا وقرا الجمهور من أغفلنا قلبه بنصب الباء على معنى جعلناه غافلا والفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف وقد فسره المتأولون بالعبارتين وقوله سبحانه وقل الحق من ربكم المعنى وقل لهم يا محمد هذا القرآن هو الحق ت وقد ذم الله تعالى الغافلين عن ذكره والمعرضين عن آياته في غر ما آية من كتابه فيجب الحذر مما وقع فيه أولئك ولقد أحسن العارف في قوله غفلة ساعة عن ربك مكدرة لمرءاة قلبك فكيف بغفلتك جميع عمرك وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحهما هذا لفظ الترمذي وقال حديث حسن وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم والترة بكسر التاء المثناة من فوق وتخفيف الراء النقص وقيل التبعة ولفظ ابن حبان إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وأن دخلوا الجنة انتهى من السلاح وقوله فمن شاء ليؤمن الآية توعد وتهديد أي فليختر كل أمرئى لنفسه ما يجده غدا عند الله عز و جل وقال الداودي عن ابن عباس فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر يقول من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر هو كقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقال غيره هو كقوله أعملوا ما شئتم بمعنى الوعيد والقولان معا صحيحان انتهى واعتدنا مأخوذ من العتاد وهو الشيء المعد الحاضر والسرادق هو الجدار المحيط كالحجرة التي تدور وتحيط بالفسطاط قد تكون من نوع الفسطاط اديما أ ثوبا أو نحوه وقال الزجاج السرادق كل ما أحاط بشيء واختلف في سرادق النار فقال ابن عباس سرادقها حائط من نار وقالت فرقة سرادقها دخان يحيط بالكفار وهو قوله تعالى انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب وقيل غير هذا وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم من طريق أبي سعيد الخدري أنه قال سرادق النار أربعة جدر كثف عرض كل جدار مسيرة أربعين سنة والمهل قال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم هو دردي الزيت إذا انتهى حره وقال أبو سعيد وغيره هو كل ما أذيب من ذهب أو فضة وقالت فرقة المهل هو الصديد والدم إذا اختلطا ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه في الكفن إنما هو للمهلة يريد لما يسيل من الميت في قبره ويقوى هذا بقوله سبحانه ويسقى من ماء صديد والمرتفق الشيء الذي بطلب رفقه وقوله سبحانه إن الذين ءامنوا وعلموا الصالحات انا لا نضيع أجر من أحسن عملا تقدم تفسير نظيره والله الموفق بفضله واساور جمع اسوار وهي ما كان من الحلي في الذراع وقيل اساور جمع أسورة وأسورة جمع أسوار والسندس رقيق الديباج والإستبرق ما غلظ منه قيل فهو إستبرق من البريق والأرائك جمع أريكة وهي السرير في الحجال والضمير في قوله وحسنت للجنات وحكى النقاش عن أبي عمران الجوني أنه قال الإستبرق الحرير المنسوج بالذهب وقوله سبحانه واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب الآية الضمير في لهم عائد على الطائفة المتجبرة التي ارادت من النبي صلى الله عليه و سلم أن يطرد فقراء المؤمنين فالمثل مضروب للطائفتين إذ الرجل الكافر صاحب الحنتين هو بازاء متجبرى قريش أو بنى تميم على الخلاف في ذلك والرجل المؤمن المقر بالربوبية هو بازاء فقراء المؤمنين وحففنا بمعنى جعلنا ذلك لهما من كل جهة وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع في الوجود وعلى ذلك فسره أكثر المتأولين فروي في ذلك انهما كانا أخوين من بني اسراءيل ورثا أربعة ءالاف دينار فصنع أحدهما بما له ما ذكر واشترى عبيدا وتزوج واثرى وانفق الآخر ماله في طاعة الله عز و جل حتى أفتقر والتقيا فأفتخر الغني ووبخ المؤمن فجرت بينهما هذه المحاورة وروي أنهما كانا شريكين حدادين كسبا مالا كثيرا وصنعا نحو ما روي في أمر الأخوين فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه قال السهيلي وذكر أن هذين الرجلين هما المذكوران في والصافات في قوله تعالى قال قائل منهم أني كان لي قرين يقول ائنك لمن المصدقين إلى قوله فاطلع فرءاه في سواء الجحيم وإلى قوله لمثل هذا فليعمل العاملون انتهى وقوله سبحانه كلتا الجنتين ءاتت أكلها الأكل ثمرها الذي يوكل ولم تظلم منه شيأ أي لم تنقص عن العرف الاتم الذي يشبه فيها ومنه قول الشاعر ... ويظلمني مالي كذا ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه ... وقرأ الجمهور ثمر وبثمره بضم الثاء والميم جمع ثمار وقرأ أبو عمرو بسكون الميم فيهما واختلف المتأولون في الثمر بضم الثاء والميم فقال ابن عباس وغيره الثمر جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك وقال ابن زيد هي الأصول والمحاورة مراجعة القول وهو من حار يخور وقوله أنا اكثر منك مالا وأعز نفرا هذه المقالة بازاء مقالة متجبرى قريش أو بني تميم على ما تقدم في سورة الأنعام ت وقوله وأعز نفرا يضعف قول من قال أنهما أخوان فتأمله والله أعلم بما صح من ذلك وقوله سبحانه ودخل جنته وهو ظالم لنفسه الآية أفرد الجنة من حيث الوجود كذلك اذ لا يدخلهما معا في وقت واحد وظلمه لنفسه هو كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث وفي شكه في حدوث العالم أن كانت أشارته بهذه إلى الهيئة من السموات والأرض وأنواع المخلوقات وإن كانت إشارته إلى جنته فقط فإنما الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل كأنه من شدة العجب بها والسرور أفرط في وصفها بهذا القول ثم قاس أيضا الآخرة على الدنيا وظن أنه لم يمل له في دنياه إلا لكرامة يستوجبها في نفسه فقال فإن كان ثم رجوع فستكون حالي كذا وكذا وقوله قال له صاحبه يعنى المؤمن وقوله خلقك من تراب إشارة إلى أدم عليه السلام وقوله لكنا هو الله ربي معناه لكن أنا أقول هو الله ربي وروى هارون عن أبي عمرو لكنه هو الله ربي وباقي الآية بين وقوله ولولا إذ دخلت جنتك الآية وصية من المؤمن للكافر ولولا تحضيض بمعنى هلا وما تحتمل أن تكون بمعنى الذي بتقدير الذي شاء الله كائن وفي شاء ضمير عائد على ما ويحتمل أن تكون شرطية بتقدير ما شاء الله كان أو خبر مبتدإ محذوف تقديره هو ما شاء الله أو الأمر ما شاء الله وقوله لا قوة إلا بالله تسليم وضد لقول الكافر ما أظن أن تبيد هذه أبدا وفي الحديث أن هذه الكلمة كنز من كنوز الجنة إذا قالها العبد قال الله عز و جل أسلم عبدي وأستسلم قال النووي وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنساءي وغيرهما عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قال يعنى إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنك الشيطان قال الترمذي حديث حسن زاد أبو داود في روايته فيقول يعني الشيطان لشيطان آخر كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي انتهى وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر من قول لا حول وإلا قوة إلا بالله فأنها كنز من كنوز الجنة انتهى قال المحاسبي في رعايته وإذا عزم العبد في القيام بجميع حقوق الله سبحانه فليرغب إليه في المعونة من عنده على أداء حقوقه ورعايتها وناجاه بقلب راغب راهب أني أنسى أن لم تذكرني وأعجز أن لم تقوني وأجزع أن لم تصبرني وعزم وتوكل واستغاث واستعان وتبرأ من الحول والقوة إلا بربه وقطع رجاءه من نفسه ووجه رجاءه كله إلى خالقه فإنه سيجد الله عز و جل قريبا مجيبا متفضلا متحننا انتهى قال ابن العربي في أحكامه قال لمالك ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول كما قال الله تعالى ما شاء الله لا قوة إلا بالله انتهى وقوله فعسى ربي أن يوتيني خيرا من جنتك هذا الترجي بعسى يحتمل أن يريد به في الدنيا ويحتمل أن يريد به في الآخرة وتمنى ذلك في الآخرة أشرف وأذهب مع الخير والصلاح وإن يكون ذلك يراد به الدنيا اذهب في نكاية هذا المخاطب والحسبان العذاب كالبرد والص ونحوه والصعيد وجه الأرض والزلق الذي لا تثبت فيه قدم يعنى تذهب منافعها حتى منفعة المشي فهي وحل لا تثبت فيه قدم وقوله سبحانه وأحيط بثمره الآية هذا خبر من الله عز و جل عن إحاطة العذاب بحال هذا الممثل به ويقلب كفيه يريد يضع بطن إحداهما على ظهر الأخرى وذلك فعل المتلهف المتأسف وقوله خاوية على عروشها يريد أن السقوف وقعت وهي العروش ثم تهدمت الحيطان عليها فهي خاوية والحيطان على العروش ت فسر ع رحمه الله لفظ خاوية في سورة الحج والنمل بخالية والأحسن أن تفسر هنا وفي الحج بساقطة وأما التي في النمل فيتجه أن تفسر بخالية وبساقطة قال الزبيدي في مختصر العين خوت الدار باد أهلها وخوت تهدمت انتهى وقال الجوهري في كتابه المسمى بتاج اللغة وصحاح العربية خوت النجوم خيا أمحلت وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها وأخوت مثله وخوت الدار خواء ممدودا أقوت وكذلك إذا سقطت ومنه قوله تعالى فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا أي خالية ويقال ساقطة كما قال فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على سقوفها انتهى وهو تفسير بارع وبه أقول وقد تقدم إيضاح هذا المعنى في سورة البقرة وقوله ياليتني لم أشرك بربي أحدا قال بعض المفسرين هي حكاية عن مقالته هذا الكافر في الآخرة ويحتمل أن يكون قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلول المصيبة ويكون فيها زجر لكفرة قريش وغيرهم والفئة الجماعة التي يلجأ إلى نصرها وقوله سبحانه هنالك يحتمل أن تكون ظرفا لقوله منتصرا ويحتمل أن يكون الولاية مبتدأ وهنالك خبره وقرأ حمزة والكسائي الولاية بكسر الواو وهي بمعنى الرياسة ونحوه وقرأ الباقون الولاية بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه وقرأ أبو عمرو والكسائي الحق بالرفع على النعت للولاية وقرأ الباقون بالخفض على النعت لله عز و جل وقرأ الجمهور عقبا بضم العين والقاف وقرأ حمزة وعاصم بسكون القاف والعقب والعقب بمعنى العاقبة وأضرب لهم مثل الحيواة الدنيا يريد حياة الإنسان كماء أنزلناه من السماء فاختلط به أي فاختلط النبات بعضه ببعض بسب الماء فأصبح هشيما أصبح عبارة عن صيرورته إلى ذلك والهشيم المتفتت من يابس العشب وتذروه بمعنى تفرقه فمعنى هذا المثل تشبيه حال المرء في حياته وماله وعزته وبطره بالنبات الذي له خضرة ونضرة عن الماء النازل ثم يعود بعد ذلك هشيما ويصير إلى عدم فمن كان له عمل صالح يبقى في الآخرة فهو الفائز وقوله سبحانه المال والبنون زينة الحيوة الدنيا لفظه لفظ الخبر لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين لأنه في المثل قبل حقر أمر الدنيا وبينه فكأنه يقول المال والبنون زينة هذه الحياة الدنيا المحقرة فلا تبعوها نفوسكم والجمهور أن الباقيات الصالحات هي الكلمات المذكور فضلها في الأحاديث سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد جاء ذلك مصرحا به من لفظ النبي صلى الله عليه و سلم في قوله وهن الباقيات الصالحات وقوله سبحانه خير عندك ربك ثوابا خير أملا أي صاحبها ينتظر الثواب وينبسط أمله فهو خير من حال ذي المال والبنين دون عمل صالح وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال استكثروا من الباقيات الصالحات قيل وما هن يا رسول الله قال التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله رواه النسائي وابن حبان في صحيحه انتهى من السلاح وفي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أحب الكلام إلى الله تعالى أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض الحديث انتهى قال ابن العربي في أحكامه وروى مالك عن سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات قول العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وروي عن ابن عباس وغيره أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس انتهى ت وما تقدم أولى ومن كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال عليك بالمطهرات الخمس في الأقوال والمطهرات الخمس في الأفعال والتبري من الحول والقوة في جميع الأحوال وغص بعقلك إلى المعاني القائمة بالقلب وأخرج عنها وعنه إلى الرب وأحفظ الله يحفظك واحفظ الله تجده أمامك وأعبد الله بها وكن من الشاكرين فالمطهرات الخمس في الأقوال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله والمطهرات الخمس في الأفعال الصلوات الخمس والتبري من الحول والقوة هو قولك لا حول ولا قوة إلا بالله انتهى وقوله سبحانه وترى الأرض بارزة يحتمل أن الأرض لذهاب الجبال والضراب والشجر برزت وانكشفت ويحتمل أن يريد بروز أهلها من بطنها للحشر والمغادرة الترك وعرضوا على ربك صفا أي صفوفا وفي الحديث الصحيح يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا يسمعهم الداعي وينفذهم البصر الحديث بطوله وفي حديث آخر أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفا انتم منها ثمانون صفا وقوله سبحانه لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة يفسره قول النبي صلى الله عليه و سلم أنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وقوله سبحانه ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه الآية الكتاب اسم جنس يراد به كتب الناس التي أحصتها الحفظة لواحد واحد ويحتمل أن يكون الموضوع كتابا واحدا حاضرا وباقي الآية بين وقوله سبحانه إلا إبليس كان من الجن قالت فرقة إبليس لم يكن من الملائكة بل هو من الجن وهم الشياطين المخلوقين من مارج من نار وجميع الملائكة إنما خلقوا من نور واختلفت هذه الفرقة فقال بعضهم إبليس من الجن وهو أولهم وبدأتهم كآدم من الأنس وقالت فرقة بل كان إبليس وقبيله جنا لكن جميع الشياطين اليوم من ذريته فهو كنوح في الإنس واحتجوا بهذه الآية وقوله ففسق معناه فخرج عن أمر ربه وطاعته وقوله عز و جل افتتخذونه يريد افتتخذون إبليس وقوله وذريته ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين الذين يأمرون بالمنكر ويحملون على الأباطيل وقوله تعالى بيس للظالمين بدلا أي بدل ولاية الله عز و جل بولاية إبليس وذريته وذلك هو التعوض من الحق بالباطل وقوله سبحانه ما أشهدتهم خلق السموات والأرض الآية الضمير في أشهدتهم عائد على الكفار وعلى الناس بالجملة فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخرص في هذه الأشياء وقيل عائد على ذرية إبليس فالآية على هذا تتضمن تحقيرهم والقول الأول أعظم فائدة وأقول أن الغرض أولا بالآية هم إبليس وذريته وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة وعلى الكهان والعرب المصدقين لهم والمعظمين للجن حين يقولون أعوذ بعزيز هذا الوادي إذ لجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضل الجميع فهم المراد الأول بالمضلين وتندرج هذه الطوائف في معناهم وقرا الجمهور وما كنت وقرأ أبو جعفر والجحدري والحسن بخلاف وما كنت والعضد استعارة للمعين والمؤازر ويوم يقول نادوا شركاءي أي على جهة الاستغاثة بهم واختلف في قوله موبقا فقال ابن عباس معناه مهلكا وقال عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ومجاهد موبقا هو واد في جهنم يجرى بدم وصديد قال أنس يحجز بين أهل النار وبين المؤمنين وقوله سبحانه فظنوا أنهم مواقعوها أي مباشروها وأطلق الناس أن الظن هنا بمعنى اليقين قال ع والعبارة بالظن لا تجيء أبدا في موضع يقين تام قد ناله الحس بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع متحقق لكنه لم يقع ذلك المظنون وإلا فمذ يقع ويحس لا يكاد توجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن وتأمل هذه الآية وتأمل كلام العرب وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة والمصرف المعدل والمراغ وهو مأخوذ من الأنصراف من شيء إلا شيء وقوله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا الإنسان هنا يراد به الجنس وقد استعمل صلى الله عليه و سلم الآية على العموم في مروره بعلي ليلا وأمره له بالصلاة بالليل فقال علي إنما أنفسنا يا رسول الله بيد الله أو كما قال فخرج صلى الله عليه و سلم وهو يضرب فخذه بيده ويقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلا وقوله سبحانه وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى الآية الناس هنا يراد بهم كفار عصر النبي صلى الله عليه و سلم وسنة الأولين هي عذاب الأمم المذكورة في القرآن أو يأتيهم العذاب قبلا أي مقابلة عيانا والمعنى عذابا غير المعهود فتظهر فائدة التقسيم وقد وقع ذلك بهم يوم بدر وكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إلى الخسران عافانا الله من ذلك ويدحضوا معناه يزهقوا والدحض الطين وقوله فلن يهتدوا إذا أبدا لفظ عام يراد به الخاص ممن حتم الله عليه أنه لا يؤمن ولا يهتدي أبدا كأبي جهل وغيره وقوله بل لهم موعد قالت فرقة هو أجل الموت وقالت فرقة هو عذاب الآخرة وقال الطبري هو يوم بدر والحشر وقوله سبحانه لن يجدوا من دونه موئلا أي لا يجدون عنه منجى يقال وأل الرجل يئل إذا نجا ثم عقب سبحانه توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء بمثله والقرى المدن والإشارة إلى عاد وثمود وغيرهم وباقي الآية بين قال ص وقوله لما ظلموا في لما ظلموا أشعار بعلة الاهلاك وبهذا استدل ابن عصفور على حرفية لما لأن الظرف لا دلالة فيه على العلية وقوله سبحانه وإذ قال موسى لفتاه لاابرح الآية موسى هو ابن عمران وفتاه هو يوشع بن نون وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن موسى عليه السلام جلس يوما في مجلس لنبي إسرائيل وخطب فابلغ فقيل له هل تعلم أحدا اعلم منك قال لا فأوحى الله إليه بلى عبدنا خضر فقال يا رب دلني على السبيل إلى لقيه فأوحى الله إليه أن يسير بطول سيف البحر حتى يبلع مجمع البحرين فإذا فقد الحوت فإنه هنالك وأمر أن يتزود حوتا ويرتقب زواله عنه فعل موسى ذلك وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة لاابرح أسير أي لا أزال وإنما قال هذه المقالة وهو سائر قال السهيلي كان موسى عليه السلام أعلم بعلم الظاهر وكان الخضر أعلم بعلم الباطن وأسرار الملكوت فكانا بحرين اجتمعا بمجمع البحرين والخضر شرب من عين الحياة فهو حي إلى أن يخرج الدجال وأنه الرجل الذي يقتله الدجال وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث منهم شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله مات الخضر قبل انقضاء المائة من قوله صلى الله عليه و سلم ارأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى راس مائة عام منها لا يبقى على الأرض ممن هو عليها أحد يعني من كان حيا حين قال هذه المقالة وأما اجتماع الخضر مع النبي صلى الله عليه و سلم وتعزيته لأهل بيته فمروي من طرق صحاح وصح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء قال الخطابي الفروة وجه الأرض ثم أنشد على ذلك شاهدا انتهى واختلف الناس في مجمع البحرين فقال مجاهد وقتادة هو مجمع بحر فارس وبحر الروم وقالت فرقة مجمع البحرين هو عند طنجة وقيل غير هذا واختلف في الحقب فقال ابن عباس وغيره الحقب أزمان غر محدودة وقال عبد الله بن عمر ثمانون سنة وقال مجاهد سبعون وقيل سنة وقوله سبحانه فلما بلغا مجمع بينهما الضمير في بينهما للبحرين قاله مجاهد وفي الحديث الصحيح ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا أي مسلكا في جوف الماء وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ويعني بالنصب تعب الطريق قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه ارأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت يريد ذكر ما جرى فيه وما انسانيه أي أن أذكره إلا الشيطان اتخذ سبيله في البحر عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا قال فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجي بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال معم آتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يعني لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه يريد علم الباطن وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه يريد علم الظاهر فقال له موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا فقال له الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا أي حتى اشرح لك ما ينبغي شرحه فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغي نول يقول بغير أجر فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من الواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا أي شنيعا من الأمور وقال مجاهد الأمر المنكر قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تواخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا قال بن أبي كعب قال النبي صلى الله عليه و سلم فكانت الأولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر وفي رواية والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر وفي رواية ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره قال ع وهذا التشبيه فيه تجوز إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر فكانها لا شيء ولم يتعرض الخضر لتحرير موازنة بين المثال بين علم الله إذ علمه سبحانه غير متناه ونقط البحر متناهية ثم خرجا من السفينة فبينما ههما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله قال له موسى أقتلت نفسا زاكية قال ع قيل كان هذا الغلام لم يبلغ الحلم فلهذا قال موسى نفسا زاكية وقال فرقة بل كان بالغا وقوله بغير نفس يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس ت وهذا إذا كان شرعهم كشرعنا وقد يكون شرعهم أن النفس بالنفس عموما في البالغ وغيره وفي العمد والخطأ فلا يلزم من الآية ما ذكر وقوله لقد جئت شيأ نكرا معناه شيئا ينكر قال ع ونصف القرآن بعد الحروف انتهى إلى النون من قوله نكرا قال ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صببرا قال هذا أشد من الأولى قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا اتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض قال مائل فقال الخضر بيده هكذا فاقامه فقال موسى قوم اتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال سعيد بن جبير أجرا نأكله قال هذا فرقا بيني وبينك إلى قوله ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما قال سعيد فكان ابن عباس يقرأ وكان امامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كفارا وكان أبواه مؤمنين وفي رواية للبخاري يزعمون عن غير سعيد بن جبير أن اسم الملك هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون حيسور ويقال جيسور ملك يأخذ كل سفينة غصبا فاردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا اصلحوها فانتفعوا بها ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أن يحملهما حبه على ان يتابعاه على دينه فأرادنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة لقوله اقتلت نفسا زاكية واقرب رحما هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر وزعم غير سعيدأنهما أبدلا جارية وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد أنها جارية انتهى لفظ البخاري ت وقد تحرينا في هذا المختصر بحمد الله التحقيق فيما علقناه جهد الاستطاعة والله المستعان وهو المسؤول أن ينفع به بجوده وكرمه قال ع ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة وأيام التلوم ثلاثة فتأمله وقوله سبحانه فابوا أن يضيفوهما وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم قال ع وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على الله عز و جل ص وقوله فراق بيني الجمهور بإضافة فراق أبو البقاء أي تفريق وصلنا وقرأ ابن أبي عبلة فراق بالتنوين أبو البقاء فبين منصوب على الظرف انتهى قال ع ووراءهم هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعي بها الزمان وذلك أن الحارث المقدم الوجود هو الإمام والذي يأتي بعد هو الوراء وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد ومن قرأ امامهم أراد في المكان قال ع وفي الحديث أن هذا الغلام طبع يوم طبع كافرا والضمير في خشينا للخضر قال الداودي قوله فخشينا أن يرهقهما أي علمنا انتهى والزكاة شرف الخلق والوقار والسكينة المنطوية على خير ونية والرحم الرحمة وروي عن ابن جريج أنهما بدلا غلاما مسلما وروي عنه أنهما بدلا جارية وحكى النقاش أنها ولدت هي وذريتها سبعين نبيا وذكره المهدوي عن ابن عباس وهذا بعيد ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل وهذه المرأة لم تكن فيهم واختلف الناس في هذا الكنز المذكور هنا فقال ابن عباس كان علما في صحف مدفونة وقال عمر مولى غفرة كان لوحا من ذهب قد كتب فيه عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبا للموقن بالحساب كيف يغفل وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح وروي نحو هذا مما هو في معناه وقال الداودي وكان تحته كنز لهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ذهب وفضة انتهى فإن صح هذا الحديث فلا نظر لأحد معه فالله أعلم أي ذلك كان وقوله سبحانه وكان أبوهما صالحا ظاهر اللفظ والسابق منه إلى الذهن أنه والدهما دنية وقيل هو الأب السابع وقيل العاشر فحفظا فيه وفي الحديث أن الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته وقول الخضر وما فعلته عن أمري يقتضي أنه نبي وقد اختلف فيه فقيل هو نبي وقيل عبد صالح وليس نبي وكذلك اختلف في موته وحياته والله أعلم بجميع ذلك ومما يقضى بموت الخضر قوله صلى الله عليه و سلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض احد قال القرطبي في تذكرته وذكر عن عمرو بن دينار الخضر والياس عليهما السلام حيان فإذا رفع القرآن ماتا قال القرطبي وهذا هو الصحيح انتهى وحكايات من رأى الخضر من الأولياء لا تحصى كثرة فلا نطيل بسردها وانظر لطائف المنن لابن عطاء الله وقوله ذلك تأويل أي مئال وحكى السهيلي أنه لماحان للخضر وموسى أن يفترقا قال له الخضر لو صبرت لاتيت على ألف عجب كلها أعجب مما رأيت فبكى موسى وقال للخضر أوصني رحمك الله فقال يا موسى أجعل همك في معادك ولا تخض فيما لا يعنيك ولا تأمن من الخوف في أمنك ولا تيأس من الأمن في خوفك وتدبر الأمور في علانيتك ولا تذر الإحسان في قدرتك فقال له موسى زدني يرحمك الله فقال له الخضر يا موسى إياك والحاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير أحد وإبك على خطيئتك يا ابن عمران انتهى وقوله سبحانه ويسألونك عن ذي القرنين الآية ذو القرنين هو الملك الأسكندر اليوناني واختلف في وجه تسميته بذي القرنين وأحسن ما قيل فيه أنه كان ذا ظفيرتين من شعرهما قرناه والتمكين له في الأرض أنه ملك الدنيا ودانت له الملوك كلها وروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود عليهما السلام والأسكندر والكافران نمرود وبخت نصر وقوله سبحانه وءاتيناه من كل شيء سببا معناه علما في كل أمر واقيسة يتوصل بها إلى معرفة الأشياء وقوله كل شيء عموم معناه الخصوص في كل ما يمكنه أن يعلمه ويحتاج إليه وقوله فاتبع سببا أي طريقا مسلوكة وقرأ نافع وابن كثير وحفص عن عاصم في عين حمئة أي ذات حمأة وقرأ الباقون في عين حامية أي حارة وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين فقال يحتمل أن تكون العين حارة ذات حمأة واستدل بعض الناس على أن ذا القرنين نبي بقوله تعالى قلنا ياذا القرنين ومن قال أنه ليس بني قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام قال ع والقول بأنه نبي ضعيف وأما أن تعذب معناه بالقتل على الكفر وأما أن تتخذ فيهم حسنا أي آمنوا وذهب الطبري إلى أن أتخاذه الحسن هو الأسر مع كفرهم ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية ولكن تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمر إلى كفر وإيمان يرد هذا القول بعض الرد وظلم في هذه الآية بمعنى كفر وقوله عذابا نكرا أي تنكره الأوهام لعظمه وتستهوله والحسنى يراد بها الجنة وقوله تعالى ثم اتبع سببا المعنى ثم سلك ذو القرنين الطرق المؤدية إلى مقصده وكان ذو القرنين على ما وقع في كتب التاريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال والسيرة الحميدة والحزم المستيقظ والتأييد المتواصل وتقوى الله عز و جل فمالقي أمة ولأمر بمدينة إلا ذلت ودخلت في طاعته وكل من عارضه أو توقف عن أمره جعله عظة وآية لغيره وله في هذا المعنى أخبار كثيرة وغرائب محل ذكرها كتب التاريخ وقوله وجدها تطلع على قوم المراد بالقوم الزنج قاله قتادة وهم الهنود وما وراءهم وقال الناس في قوله سبحانه لم نجعل لهم من دونها سترا معناه أنهم ليس لهم بنيان إذ لا تحتمل ارضهم البناء وإنما يدخلون من حر الشمس في اسراب وقيل يدخلون في ماء البحر قاله الحسن وغيره وأكثر المفسرون في هذا المعنى والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم ولو كان لهم أسراب تغنى لكان سترا كثيفا قوله كذلك معناه فعل معهم كفعله مع الأوليين أهل المغرب فأوجز بقوله كذلك وقوله حتى إذا بلغ بين السدين الآية السدان فيما ذكر أهل التفسير جبلان سدا مسالك تلك الناحية وبين طرفي الجبلين فتح هو موضع الردم وهذان الجبلان في طرف الأرض مما يلي المشرق ويظهر من ألفاظ التواريخ أنهما إلى ناحية الشمال وقوله تعالى ووجد عندها قوما قال السهيلي هم أهل جابلس ويقال لها بالسريانية جرجيسا يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح وقوله تعالى ووجدها تطلع على قوم هم أهل جابلق وهم من نسل مؤمني قوم عاد الذين آمنوا بهود ويقال لها بالسريانية مرقيسيا ولكل واحد من المدينتين عشرة آلاف باب بين كل بابين فرسخ ومر بهم نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء فدعاهم فأجابوه وأمنوا به ودعا من ورائهم من الأمم فلم يجيبوه في حديث طويل رواه الطبري عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم والله أعلم انتهى والله أعلم بصحته ويأجوج وماجوج قبيلان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعا كثيرة اختلف الناس في عددها واختلف في إفسادهم الذي وصفوهم به فقيل أكل بني آدم وقالت فرقة إفسادهم هو الظلم والغشم وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر وهذا أظهر الأقوال وقولهم فهل نجعل لك خرجا استفهام على جهة حسن الأدب والخرج المجيء وهو الخراج وقرأ عاصم وحمزة والكسائي خراجا وروي في أمر يأجوج وماجوج أن أرزاقهم هي من التنين يمطرون به ونحو هذا مما لم يصح وروي أيضا أن الذكر منهم لا يموت حتى يولد له ألف والأنثى كذلك وروي أنهم يتسافدون في الطرق كالبهائم وأخبارهم تضيق بها الصحف فاختصرت ذلك لعدم صحته ت والذي يصح من ذلك كثرة عددهم على الجملة على ما هو معلوم من حديث أخرج بعث النار وغيره من الأحاديث وقوله ما مكني فيه ربي خير المعنى قال لهم ذو القرنين ما بسطه الله لي من القدرة والملك خير من خراجكم ولكن اعينوني بقوة الأبدان وهذا من تأييد الله تعالى له فإنه تهدى في هذه المحاورة إلى الأنفع الأنزه فإن القوم لو جمعوا له الخراج الذي هو المال لم يعنه منهم أحد ولو كلوه إلى البنيان ومعونتهم بالقوة أجمل به وقوله ءاتوني زبر الحديد الآية قرأ حمزة وغيره ائتوني بمعنى جيئوني وقرأ نافع وغيره ءاتوني بمعنى أعطوني وهذا كله إنما هو استدعاء المناولة وأعمال القوة الزبر جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه المعنى فرصفه وبناءه حتى إذا ساوى بين الصدفين وهما الجبلان وقوله قال انفخوا إلى آخر الآية معناه أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها حتى تحمى ثم يؤتى بالنحاس المذاب أبو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلاف في القطر فيفرغه على تلك الطاقة المنضدة فإذا التأم وأشتد استأنف رصف طاقة أخرى إلى أن استوى العمل وقال أكثر المفسرين القطر النحاس المذاب ويؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم جاءه رجل فقال يا رسول الله أني رأيت سد يأجوج وماجوج فقال كيف رأيته قال رأيته كالبرد المحبر طريقة صفراء وطريقة حمراء وطريقة سوداء فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد رأيته ويظهروه معناه يعلونه بصعود فيه ومنه قوله في الموطأ والشمس في حجرتها قبل أن تظهر وما استطاعو له نقبا لبعد عرضه وقوته ولا سبيل سوى هذين أما ارتقاء وإما نقب وروي أن في طوله ما بين طرفين الجبلين مائة فرسخ وفي عرضه خمسين فرسخا وروي غير هذا مما لم نقف على صحته فاختصرناه إذ لا غاية للتخرص وقوله في الآية انفخوا يريد بالاكيار وقوله هذا رحمة من ربي الآية القائل ذو القرنين وأشار بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به والوعد يحتمل أن يريد به يوم القيامة ويحتمل أن يريد به وقت خروج ياجوج ومأجوج وقرأ نافع وغيره دكا مصدر دك يدك إذا هدم ورض وناقة دكاء لا سنام لها والضمير في تركنا لله عز و جل وقوله يومئذ يحتمل أن يريد به يوم القيامة ويحتمل أن يريد به يوم كمال السد والضمير في قوله بعضهم على هذا ليأجوج ومأجوج واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف ونحوه فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض وقوله ونفخ في الصور إلى آخر الآية يعني به يوم القيامة بلا احتمال لغيره والصور في قول الجمهور وظاهر الأحاديث الصحاح هو القرن الذي ينفخ فيه اسرافيل للقيامة وقوله سبحانه وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا معناه ابرزناها لهم لتجمعهم وتحطمهم ثم أكد بالمصدر عبارة عن شدة الحال وقوله أعينهم كناية عن البصائر والمعنى الذين كانت فكرهم بينها وبين ذكرى والنظر في شرعى حجاب وعليها غطاء وكانوا لا يستطيعون سمعا يريد لا عراضهم ونفارهم عن دعوة الحق وقرأ الجمهور افحسب الذين كفروا بكسر السين بمعنى أظنوا وقرأ علي بن أبي طالب وغيره وابن كثير بخلاف عنه افحسب بسكون السين وضم الباء بمعنى اكافيهم ومنتهى غرضهم وفي مصحف ابن مسعود افظن الذين كفروا وهذه حجة لقراءة الجمهور وقوله أن يتخذوا عبادي قال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى والمعنى أن الأمر ليس كما ظنوا بل ليس لهم من ولاية هؤلاء المذكورين شيء ولا يجدون عندهم منتفعا واعتدنا معناه يسرنا والنزل موضع النزول والنزل أيضا ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله ويحتمل أن يريد بالآية هذا المعنى أن المعد لهؤلاء بدل النزل جهنم والآية تحتمل الوجهين ثم قال تعالى قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الآية المعنى قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ هل يخبركم بالذين خسر عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعوه فإذا طلبوا ذلك فقل لهم اولائك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه وعن سعد بن أبي وقاص في معنى قوله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا قال هم عباد اليهود والنصارى وأهل الصوامع والديارات وعن علي هم الخوارج ويضعف هذا كل قوله تعالى بعد ذلك اولائك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه وليس هذه الطوائف ممن يكفر بالله ولقائه وإنما هذه صفة مشركى عبدة الأوثان وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا قوما أخذوا بحظهم من صدر الآية وقوله سبحانه فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا يريد أنهم لا حسن لهم توزن لان اعمالهم قد حبطت أي بطلت ويحتمل المجاز والاستعارة كأنه قال فلا قدر لهم عندنا يؤمئذ وهذا معنى الآية عندي وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن جناح بعوضة ثم قرأ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وقوله ذلك إشارة إلى ترك إقامة الوزن وقوله سبحانه أن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس اختلف المفسرون في الفردوس فقال قتادة أنه أعلى الجنة وربوتها وقال أبو هريرة أنه جبل تتفجر منه أنهار الجنة وقال أبو إمامة أنه سرة الجنة ووسطها وروى أبو سعيد الخدري أنه تتفجر منه أنهار الجنة وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ت ففي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة انتهى وقوله تعالى لا يبغون عنها حولا الحول بمعنى المتحول قال مجاهد متحولا وأما قوله سبحانه قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي الآية فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه و سلم كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم وأنت مقصر قد سئلت عن الروح لم تجب فيه ونحو هذا من القول فأنزل الله الآية معلمة بأتساع معلومات الله عز و جل وإنها غير متناهية وإن الوقوف دونها ليس ببدع فالمعنى لو كان البحر مدادا تكتب به معلوماته تعالى لنفد قبل أن يستوفيها وكلمات ربي هي المعاني القائمة بالنفس وهي المعلومات ومعلومات الله عز و جل لا تتناهى والبحر متناه ضرورة وذكر الغزالي في آخر المنهاج أن المفسرين يقولون في قوله تعالى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي أن هذه هي الكلمات التي يقول الله عز و جل لأهل الجنة في الجنة باللطف والإكرام مما لا تكيفه الأوهام ولا يحيط به علم مخلوق وحق أن يكون ذلك كذلك وهو عطاء العزيز العليم على مقتضى الفضل العظيم والجود الكريم إلا لمثل هذا فليعمل العاملون انتهى وقوله مددا أي زيادة ت وكذا فسره الهروي ولفظه وقوله تعالى ولو جئنا يمثله مددا أي زيادة انتهى وقوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم أي أنا بشر ينتهي علمي إلى حيث يوحى إلي ومهم ما يوحى إلى إنما إلهكم اله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى وقال ابن جبير في تفسيرها لا يراءى في عمله وقد ورد حديث أنها نزلت في الرياء ت وروى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه كان يصف أمر الرياء فيقول ما كان من نفسك فرضيته نفسك لها فإنه من نفسك فعاتبها وما كان من نفسك فكرهته نفسك لها فإنه من الشيطان فتعوذ بالله منه وكان أبو حازم يقول ذلك واسند ابن المبارك عن عبد الرحمن بن أبي أمية قال كل ما كرهه العبد فليس منه انتهى وخرج الترمذي عن أبي سعيد ابن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن اله أغنى الشركاء عن الشرك قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب انتهى وقد خرج مسلم معناه ت ومما جربته وصح من خواص هذه السورة أن من أراد أن يستيقظ أي وقت شاء من الليل فليقرأ عند نومه قوله سبحانه أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دوني أولياء إلى آخر السورة فإنه يستيقظ بادن الله في الوقت الذي نواه ولتكن قراءته عند آخر ما يغلب عليه النعاس بحيث لا يتجدد له عقب القراءة خواطر هذا مما لا شك فيه وهو من عجائب القرآن المقطوع بها والله الموفق بفضله تنبيه روينا في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول أن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة فإن أردت أن تعرف هذه الساعة فأقرأ عند نومك من قوله تعالى أن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات لفردوس إلى آخر السورة فأنك تستيقظ في تلك الساعة أن شاء الله تعالى بفضله ويتكرر تيقظك ومهما استيقظت فأدع لي ولك وهذا مما الهمنيه الله سبحانه فاستفده وما كتبته إلا بعد استخارة وإياك أن تدعو هنا على مسلم ولو كان ظالما فإن خالفتني فالله حسيبك وبين يديه أكون خصيمك وأنا أرغب إليك أن تشركني في دعائك إذ أفدتك هذه الفائدة العظيمة وكنت شيخك فيها وللقرآن العظيم أسرار يطلع الله عليها من يشاء من أوليائه جعلنا الله منهم بفضله وصلى الله على سيدنا محمد وعى ءاله وصحبه وسلم تسليما بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة مريم عليها السلام هذه السورة مكية بإجماع إلا السجدة منها فقيل مكية وقيل مدنية قوله عز و جل كهيعص قد تقدم الكلام في فواتح السور وقوله ذكر رحمت ربك مرتفع بقوله كهيعص في قول فرقة وقيل أنه ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا ذكر وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ ذكر رحمة ربك بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة وقوله نادى معناه بالدعاء والرغبة قاله ابن العربي في أحكامه وقوله تعالى إذ نادى ربه نداء خفيا يناسب قوله ادعوا ربكم تضرعا وخفيه وفي الصحيح عن النبي ص أنه قال خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي وذلك لأنه أبعد من الرياء فأما دعاء زكريا عليه السلام فإنما كان خفيا لوجهين أحدهما أنه كان ليلا والثاني أنه ذكر في دعائه أحوالا تفتقر إلى الإخفاء كقوله وإني خفت الموالي من وراءي وهذا مما يكتم انتهى ووهن العظم معناه ضعف واشتعل مستعار للشيب من اشتعال النار وقوله ولم أكن بدعائك رب شقيا شكر لله عز و جل على سالف أياديه عنده معناه قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالأنعام يقتضي أن يشفع أوله آخره ت وكذا فسر الداودي ولفظه ولم أكن بدعائك رب شقيا يقول كنت تعرفني الإجابة فيما مضى وقاله قتادة انتهى وقوله وإني خفت الموالي الآية قيل معناه خاف أن يرث الموالي ماله والموالي بنو العم والقرابة وقوله من وراءى أي من بعدي وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل زكريا من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث قال ع وهذا يؤيده قوله صلى الله عليه و سلم إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة وقد بلغه الله أمله قال ابن هشام ومن وراءي متعلق بالموالي أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من وراءي أو فعل الموالي من وراءي ولا يصح تعلقه بخفت لفساد المعنى انتهى من المغنى وخفت الموالي هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير وقرأ عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس وجماعة خفت بفتح الخاء وفتح الفاء وشدها وكسر التاء والمعنى على هذا قد انقطع أولياءي وماتوا وعلى هذه القراءة فإنما طلب وليا يقوم بالدين قال ابن العربي في أحكامه ولم يخف زكرياء وارث المال وإنما أراد ارث النبوءة وعليها خاف أن تخرج عن عقبه وصح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة انتهى وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهما يرثني وارث من آل يعقوب ت وقوله فهب لي قال ابن مالك في شرح الكافية اللام هنا هي لام التعدية وقاله ولده في شرح الخلاصة قال ابن هشام والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو ما أكرم زيدا لعمرو وما أحبه لبكر انتهى وقوله من آل يعقوب يريد يرث منهم الحكمة والعلم والنبوءة ورضيا معناه مرضيا والعاقر من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال وقوله لم نجعل له من قبل سميا معناه في اللغة لم نجعل له مشاركا في هذا الاسم أي لم يسم به قبل يحيى وهذا قول ابن عباس وغيره وقال مجاهد وغيره سميا معناه مثيلا ونظيرا وفي هذا بعد لأنه لا يفضل على ابراهيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد والحصر والعتي والعسيي المبالغة في الكبر أو يبس العود أو شيب الرأس أو عقيدة ما وزكرياء هو من ذرية هارون عليهما السلام ومعنى قوله سويا فيما قال الجمهور صحيحا من غير علة ولا خرس وقال ابن عباس ذلك عائد على الليالي أراد كاملات مستويات وقوله فأوحى إليهم قال قتادة وغيره كان ذلك بإشارة وقال مجاهد بل بكتابة في التراب قال ع وكلا الوجهين وحي وقوله أن سبحوا قال قتادة معناه صلوا السبحة والسبحة الصلاة وقالت فرقة بل أمرهم بذكر الله وقول سبحان الله وقوله عز و جل يا يحيى خذ الكتاب بقوة المعنى قال الله له يا يحيى خذ الكتاب وهو التوراة وقوله بقوة أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه وقوله صبيا يريد شابا لم يبلغ حد الكهولة ففي لفظ صبي على هذا تجوز واستصحاب حال وروى معمر أن الصبيان دعوا يحيى إلى اللعب وهو طفل فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي ءاتاه الله عز و جل وهو صبي وقال ابن عباس من قرأ القرءان قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكمة صبيا والحنان والرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين وهو تفسير اللغة ومن الشواهد في الحنان قول النابغة ... أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشراهون من بعض وقال عطاء بن أبي رباح حنانا من لدنا بمعنى تعظيما من لدنا قال ع وهو أيضا ما عظم من الأمر لأجل الله عز و جل ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا قال ص قال أبو عبيدة وأكثر ما يستعمل مثنى انتهى والزكاة التنمية والتطهير في وجوه الخير قال مجاهد كان طعام يحيى العشب وكان للدمع في خده مجار ثابتة ولم يكن جبارا عصيا روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قط صغيرة ولا كبيرة والبر كثير البر والجبار المتكبر كأنه يجبر الناس على أخلاقه وقوله وسلام عليه قال الطبري وغيره معناه وأمان عليه قال ع والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فيه أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة واذكر في الكتاب مريم الكتاب هو القرءان والانتباذ التنحي قال السدي انتبذت لتطهر من حيض وقال غيره لتعبد الله عز و جل قال ع وهذا أحسن وقوله شرقيا يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها وكانوا يعظمون جهة المشرق قاله الطبري وقال بعض المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب وقوله سبحانه فاتخذت من دونهم حجابا أي لتستتر به عن الناس لعبادتها والروح جبريل عليه السلام وقوله تعالى قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته فأساءت به الظن أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تقى فقال لها جبريل عليه السلام إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا وقرأ أبو عمرو ونافع بخلاف عنه ليهب قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا والبغي الزانية وروي أن جبريل عليه السلام حين قاولها هذه المقاولة نفخ في جيب درعها فسرت النفخة بإذن الله تعالى حتى حملت منها قاله وهب بن منبه وغيره وقال أبي بن كعب دخل الروح المنفوخ من فمها فذلك قوله تعالى فحملته أي فحملت الغلام ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة فلما أحست بذلك وخافت تعنيف الناس وأن يظن بها الشر انتبذت أي تنحت مكانا بعيدا حياء وفرارا على وجهها وأجاءها معناه اضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة والمخاض الطلق وشدة الولادة وأوجاعها وروي أنها بلغت إلى موضع كان فيه جذع نخلة بال يابس في أصله مذود بقرة على جرية ماء فاشتد بها الأمر هنالك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من صعوبة الحال من غير ما وجه يا ليتني مت قبل هذا فتمنت الموت من جهة الدين أن يظن بها الشر وخوف أن تفتتن بتعيير قومها وهذا مباح وعلى هذا الحد تمناه عمر رضي الله عنه وكنت نسيا أي شيئا متروكا محتقرا والنسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى فلا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه وهذا القصة تقتضي أنها حملت واستمرت حاملا على عرف البشر واستحيت من ذلك ومرت بسببه وهي حامل وهو قول جمهور المتأولين وروي عن ابن عباس أنه قال ليس إلا أن حملت فوضعت في ساعة واحدة والله أعلم وظاهر قوله فأجاءها المخاض أنها كانت على عرف النساء وقوله سبحانه فناداها من تحتها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم فناداها من تحتها على أن من فاعل بنادى والمراد بمن عيسى قاله مجاهد والحسن وابن جبير وأبي بن كعب وقال ابن عباس المراد بمن جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها والقول الأول أظهر وأبين وبه يتبين عذر مريم ولا تبقى بها استرابة وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من تحتها بكسر الميم واختلفوا أيضا فقالت فرقة المراد عيسى وقالت فرقة المراد جبريل المحاور لها قبل قالوا وكان في بقعة أخفض من البقعة التي كانت هي عليها والأول أظهر وقرأ ابن عباس فناداها ملك من تحتها والسري من الرجال العظيم السيد والسري أيضا الجدول من الماء وبحسب هذا اختلف الناس في هذه الآية فقال قتادة وابن زيد أراد جعل تحتك عظيما من الرجال له شأن وقال الجمهور أشار لها إلى الجدول ثم أمرها بهز الجذع اليابس لترى ءاية أخرى وقالت فرقة بل كانت النخلة مطعمة رطبا وقال السدي كان الجذع مقطوعا وأجري تحتها النهر لحينه قال ع والظاهر من الآية أن عيسى هو المكلم لها وأن الجذع كان يابسا فهي ءايات تسليها وتسكن إليها قال ص قوله وهزي إليك تقرر في علم النحو أن الفعل لا يتعدى إلى ضمير متصل وقد رفع المتصل وهما لمدلول واحد وإذا تقرر هذا فإليك لا يتعلق بهزي ولكن يمكن أن يكون إليك حالا من جذع النخلة فيتعلق بمحذوف أي هزي بجذع النخلة منتهيا إليك انتهى والباء في قوله بجذع زائدة مؤكدة وجنيا معناه قد طابت وصلحت للإجتناء وهو من جنيت الثمرة وقال عمرو بن ميمون ليس شيء للنفساء خيرا من التمر والرطب وقرة العين مأخوذة من القر وذلك أنه يحكى أن دمع الفرح بارد المس ودمع الحزن سخن المس وقيل غير هذا قال ص وقرى عينا أي طيبي نفسا أبو البقاء عينا تمييز اه وقوله سبحانه فأما ترين من البشر أحدا الآية المعنى أن الله عز و جل أمرها على لسان جبريل عليه السلام أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على إبنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها وتبين الآية فيقوم عذرها وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول مضمن هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور وقالت فرقة معنى قولي بالإشارة لا بالكلام قال ص وقوله فقولي جواب الشرط وبينهما جملة محذوفة يدل عليها المعنى أي فأما ترين من البشر أحدا وسألك أو حاورك الكلام فقولي انتهى وصوما معناه عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك وقرأت فرقة أني نذرت للرحمن صمتا ولا يجوز في شرعنا نذر الصمت فروي أن مريم عليها السلام لما أطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت منتبذة به والفري العظيم الشنيع قاله مجاهد والسدي وأكثر استعماله في السوء واختلف في معنى قوله تعالى يا أخت هارون فقيل كان لها أخ اسمه هارون لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقالت له النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدة ست مائة سنة قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على النبي صلى الله عليه و سلم ذكرت ذلك له فقال ألم يعملوا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين قال ع فالمعنى أنه اسم وافق اسما وقيل نسبوها إلى هارون أخي موسى لأنها من نسله ومنه قوله صلى الله عليه و سلم أن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم وقال قتادة نسبوها إلى هارون اسم رجل صالح في ذلك الزمان وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون نسبوها إليه على جهة التعيير ت والله أعلم بصحة هذا وما رواه المغيرة أن ثبت هو المعول عليه وقولهم ما كان أبوك امرأ سوء المعنى ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها والبغي التي تبغي الزنا أي تطلبه وقوله تعالى فأشارت إليه يقوي قول من قال أن أمرها بقولي إنما أريد به الإشارة وقوله ءاتاني الكتاب يعني الإنجيل ويحتمل أن يريد التوراة والإنجيل وءاتاني معناه قضى بذلك سبحانه وأنفذه في سابق حكمه وهذا نحو قوله تعالى أتى أمر الله وأوصاني بالصلاة والزكاة قيل هما المشروعتان في البدن والمال وقيل الصلاة الدعاء والزكاة التطهر من كل عيب ونقص ومعصية والجبار المتعظم وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروها وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على الأرض ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له قال قتادة وكان يقول سلوني فإني لين القلب صغير في نفسي وقالت فرقة أن عيسى عليه السلام كان أوتي الكتاب وهو في سن الطفولية وكان يصوم ويصلي قال ع وهذا في غاية الضعف ت وضعفه من جهة سنده وإلا فالعقل لا يحيله لا سيما وأمره كله خرق عادة وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا إن هذا لأمر عظيم وقوله تعالى ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى ذلك الذي هذه قصته عيسى بن مريم وقرأ نافع وعامة الناس قول الحق برفع القول على معنى هذا هو قول الحق وقرأ عاصم وابن عامر قول الحق بنصب اللام على المصدر وقوله إن الله ربي وربكم الآية هذا من تمام القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه و سلم أن يقوله ويحتمل أن يكون من قول عيسى ويكون قوله أن بفتح الهمزة عطفا على قوله الكتاب وقد قال وهب بن منبه عهد عيسى إليهم أن الله ربي وربكم ت وما ذكره وهب مصرح به في القرءان ففي ءاخر المائدة ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم الآية وامتراؤهم في عيسى هو اختلافهم فيقول بعضهم لزنية وهم اليهود ويقول بعضهم هو الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا فهذا هو امتراؤهم وسيأتي شرح ذلك بأثر هذا وقوله فاختلف الأحزاب من بينهم هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم بأن بني إسرائيل اختلفوا أحزابا أي فرقا وقوله من بينهم بمعنى من تلقائهم ومن أنفسهم ثار شرهم وإن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين وروي في هذا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم أن يبينوا لهم أمر عيسى فقال أحدهم عيسى هو الله تعالى الله عن قولهم وقال له الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم عيسى ابن الله تعالى الله عن قولهم فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية ثم قيل للاثنين فقال أحدهما عيسى أحد ثلاثة الله إله ومريم إله وعيسى إله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا فقال له الرابع كذبت واتبعته الإسرائيلية فقيل للرابع فقال عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبع كل واحد فريق من بني إسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع والويل الحزن والثبور وقيل الويل واد في جهنم ومشهد يوم عظيم هو يوم القيامة وقوله سبحانه اسمع بهم وأبصر أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم لكن الظالمون اليوم أي في الدنيا في ضلال مبين أي بين وأنذرهم يوم الحسرة وهو يوم ذبح الموت قاله الجمهور وفي هذا حديث صحيح خرجه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت ثم قرأ وأنذرهم يوم الحسرة الآية قال ع - وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها وقال ابن زيد وغيره يوم الحسرة هو يوم القيامة قال ع ويحتمل أن يكون يوم الحسرة اسم جنس شامل لحسرات كثيرة بحسب مواطن الآخرة منها يوم موت الإنسان وأخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك وهم في غفلة يريد في الدنيا قوله سبحانه انا نحن نرث الأرض الآية عبارة عن بقائه جل وعلا بعد فناء مخلوقاته لا إله غيره وقوله عز و جل واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا الآية قوله واذكر بمعنى اتل وشهر لأن الله تعالى هو الذاكر والكتاب هو القرءان والصديق بناء مبالغة فكان إبراهيم عليه السلام يوصف بالصدق في أفعاله وأقواله وقوله يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن الآية قال الطبري أخاف بمعنى أعلم قال ع والظاهر عندي أنه خوف على بابه وذلك أن إبراهيم عليه السلام في وقت هذه المقالة لم يكن ءايسا من إيمان أبيه ت ونحو هذا عبارة المهدوي قال قيل أخاف معناه اعلم أي أني أعلم أن مت على ما أنت عليه ويجوز أن يكون أخاف على بابه ويكون المعنى أني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب انتهى وقوله لأرجمنك قال الضحاك وغيره معناه بالقول أي لأشتمنك وقال الحسن معناه لأرجمنك بالحجارة وقالت فرقة معناه لأقتلنك وهذان القولان بمعنى واحد وقوله واهجرني على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال إن لم تنته قتلتك بالرجم ثم قال له واهجرني أي مع انتهائك ومليا معناه دهرا طويلا مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار هذا قول الجمهور وقوله قال سلام عليك اختلف في معنى تسليمه على أبيه فقال بعضهم هي تحية مفارق وجوزوا تحية الكافر وأن يبدأ بها وقال الجمهور ذلك السلام بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية وقال الطبري معناه أمنة مني لك وهذا قول الجمهور وهم لا يرون ابتداء الكافر بالسلام وقال النقاش حليم خاطب سفيها كما قال تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله سأستغفر لك ربي معناه سأدعو الله تعالى في أن يهديك فيغفر لك بإيمانك ولما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه والحفى المهتبل المتلطف وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله تعالى عليه ثم أخبر إبراهيم عليه السلام بأنه يعتزلهم أي يصير عنهم بمعزل ويروي أنهم كانوا بأرض كوثي فرحل عليه السلام حتى نزل الشام وفي سفرته تلك لقي الجبار الذي أخدم هاجر الحديث الصحيح بطوله وتدعون معناه تعبدون وقوله عسى ترج في ضمنه خوف شديد وقوله سبحانه فلما اعتزلهم إلى أخر الآية أخبار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم أنه لما رحل إبراهيم عن بلد أبيه وقومه عوضه الله تعالى من ذلك ابنه اسحاق وابن ابنه يعقوب على جميعهم السلام وجعل الولد له تسلية وشد لعضده وإسحاق اصغر من إسماعيل ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة فحملت بإسحاق هكذا فيما روي وقوله تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا يريد العلم والمنزلة والشرف في الدنيا والنعيم في الآخرة كل ذلك من رحمة الله عز و جل ولسان الصدق هو الثناء الباقي عليهم ءاخر الأبد قاله ابن عباس وإبراهيم الخليل صلى الله عليه و سلم وذريته معظمة في جميع الأمم والملل قال ص وكلا جعلنا نبيا أبو البقاء هو منصوب بجعلنا انتهى وقوله عز و جل واذكر في الكتاب موسى أي على جهة التشريف له وناديناه هو تكليم الله له والأيمن صفة لجانب وكان على يمين موسى وإلا فالجبل نفسه لا يمنه له ولا يسرة ويحتمل أن يكون الأيمن مأخوذا من اليمن وقربناه أي تقريب تشريف والنجى من المناجاه وقوله تعالى واذكر في الكتاب إسماعيل هو أيضا من لسان الصدق المضمون بقاؤه على إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام هو أبو العرب اليوم وذلك أن اليمنية والمضرية ترجع إلى ولد إسماعيل وهو الذبيح في قول الجمهور وهو الراجح من وجوه منها قوله تعالى ومن وراء إسحاق يعقوب فولد بشر أبواه بأن سيكون منه ولد كيف يومر بذبحه ومنها أن أمر الذبح كان بمنى بلا خلاف وما روي قط أن إسحاق دخل تلك البلاد وإسماعيل بها نشأ وكان أبوه يزوره مرارا كثيرة يأتي من الشام ويرجع من يومه على البراق وهو مركب الأنبياء ومنها قوله صلى الله عليه و سلم أنا ابن الذبيحين وهو أبوه عبد الله والذبيح الثاني هو إسماعيل ومنها ترتيب ءايات سورة والصافات يكاد ينص على أن الذبيح غير إسحاق ووصفه الله تعالى بصدق الوعد لأنه كان مبالغا في ذلك وروي أنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فبقي في انتظاره يومه وليلته فلما كان في اليوم الآخر جاء الرجل فقال له إسماعيل ما زلت هنا في انتظارك منذ أمس وقد فعل مثله نبينا محمد صلى الله عليه و سلم قبل مبعثه خرجه الترمذي وغيره قال سفيان بن عيينة أسوأ الكذب إخلاف الميعاد ورمي الأبرياء بالتهم وأهله المراد بهم قومه وأمته قاله الحسن وفي مصحف ابن مسعود وكان يأمر قومه وإدريس عليه السلام من أجداد نوح عليه السلام ورفعناه مكانا عليا قالت فرقة من العلماء رفع إلى السماء قال ابن عباس كان ذلك بأمر الله تعالى وقوله وبكيا قالت فرقة جمع باك وقالت فرقة هو مصدر بمعنى البكاء التقدير وبكوا بكيا واحتج الطبري ومكي لهذا القول بأن عمر رضي الله عنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال هذا السجود فأين البكي يعني البكاء قال ع ويحتمل أن يريد عمر رضي الله عنه فأين الباكون وهذا الذي ذكروه عن عمر ذكره أبو حاتم عن النبي صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى فخلف من بعدهم خلف الآية الخلف بسكون اللام مستعمل إذا كان الآتي مذموما هذا مشهور كلام العرب والمراد بالخلف من كفر وعصى بعد من بني إسرائيل ثم يتناول معنى الآية من سواهم إلى يوم القيامة وإضاعة الصلاة يكون بتركها وبجحدها وبإضاعة أوقاتها وروى أبو داود الطيالسي في مسنده بسنده عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة حفظك الله كما حفظتني وترفع وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه انتهى من التذكرة والشهوات عموم وألغي الخسران قاله ابن زيد وقد يكون الغي بمعنى الضلال والتقدير يلقون جزاء الغي وقال عبد الله بن عمرو وابن مسعود الغي واد في جهنم وبه وقع التوعد في هذه الآية وقال ص الغي عندهم كل شر كما أن الرشاد كل خير انتهى وجنات عدن بدل من الجنة في قوله يدخلون الجنة وقوله بالغيب أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم وفي هذا مدح لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذا لم يعاينوا وماتيا مفعول على بابه وقال جماعة من المفسرين هو مفعول في اللفظ بمعنى فاعل فماتيا بمعنى ءات وهذا بعيد ت بل هو الظاهر وعليه اعتمد ص واللغو السقط من القول وقوله بكرة وعشيا يريد في التقدير وقوله عز و جل وما نتنزل إلا بأمر ربك الآية قال ابن عباس وغيره سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه و سلم أبطأ عنه جبريل عليه السلام مدة فلما جاءه قال يا جبريل قد اشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت هذه الآية وقال الضحاك ومجاهد سببها أن جبريل تأخر عن النبي صلى الله عليه و سلم عند قوله في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف غدا أخبركم وقال الداودي عن مجاهد ابطأت الرسل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم أتى جبريل عليه السلام قال ما حبسك قال وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون إظفاركم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وما نتنزل إلا بأمر ربك انتهى وقد جاءت في فضل السواك ءاثار كثيرة فمنها ما رواه البزار في مسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيسمع لقراءته فيدنو منه حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرءان إلا صار في جوف الملك انتهى من الكوكب الدري وفيه عن ابن أبي شيبة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال صلاة على أثر سواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك انتهى وفي البخاري أن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب أه وقوله سبحانه له ما بين أيدينا الآية المقصود بهذه الآية الإشعار بملك الله تعالى لملائكته وأن قليل تصرفهم وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان إنما هو بحد منه وقوله وما كان ربك نسيا أي ممن يلحقه نسيان لبعثنا إليك فنسيا فعيل من النسيان وهو الذهول عن الأمور وقرأ ابن مسعود وما نسيك ربك وقوله سميا قال قوم معناه موافقا في الإسم قال ع وهذا يحسن فيه أن يريد بالإسم ما تقدم من قوله رب السموات والأرض وما بينهما أي هل تعلم من يسمى بهذا أو يوصف بهذه الصفة وذلك أن الأمم والفرق لا يسمون بهذا الاسم وثنا ولا شيئا سوى الله تعالى قال القشيري في التحبير قوله تعالى واصطبر لعبادته الاصطبار نهاية الصبر ومن صبر ظفر ومن لازم وصل وفي معناه انشدوا ... لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا ... اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا ... وأنشدوا ... إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر ... وقل من جد في شيء يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ... انتهى وقال ابن عباس وغيره سميا معناه مثيلا أو شبيها ونحو ذلك وهذا قول حسن وكان السمي بمعنى المسامي والمضاهي فهو من السمو وقوله تعالى ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا الإنسان اسم جنس يراد به الكافرون وروي أن سبب نزول هذه الآية هو أن رجالا من قريش كانوا يقولون هذا ونحوه وذكر أن القائل هو أبي بن خلف وروي أن القائل هو العاصي بن وائل وفي قوله تعالى ولم يك شيئا دليل على أن المعدوم لا يسمى شيئا وقال أبو علي الفارسي أراد شيئا موجودا قال ع - وهذه من أبي علي نزعة اعتزالية فتأملها والضمير في لنحشرنهم عائد على الكفار القائلين ما تقدم ثم أخبر تعالى أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم وجثيا جمع جاث فأخبر سبحانه أنه يحضر هؤلاء المنكرين البعث مع الشياطين المغوين فيجثون حول جهنم وهو قعود الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير ونحوه قال ابن زيد الجثي شر الجلوس والشيعة الفرقة المرتبطة بمذهب وأحد المتعاونة فيه فأخبر سبحانه أنه ينزع من كل شيعة أعتاها وأولاها بالعذاب فنكون مقدمتها إلى النار قال أبو الأحوص المعنى نبدأ بالأكابر جرما وأي هنا بنيت لما حذف الضمير العائد عليها من صدر صلتها وكان التقدير أيهم هو أشد وصليا مصدر صلي يصلي إذا باشره وقوله عز و جل وإن منكم إلا واردها قسم والواو تقتضيه ويفسره قول صلى الله عليه و سلم من مات له ثلاثة أولاد لم تمسه النار إلا تحلة القسم وقرأ ابن عباس وجماعة وإن منهم بالهاء على إرادة الكفار قال ع ولا شغب في هذه القراءة وقالت فرقة من الجمهور القارئين منكم المعنى قل لهم يا محمد فالخطاب بمنكم للكفرة وتأويل هؤلاء أيضا سهل التناول وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولا بد من ورود الجميع ثم اختلفوا في كيفية ورود المؤمنين فقال ابن عباس وابن مسعود وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم هو ورود دخول لكنها لا تعدو عليهم ثم يخرجهم الله عز و جل منها بعد معرفتهم حقيقة ما نجوا منه وروى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الورود في هذه الآية هو الدخول وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود مع الجهل بالصدر جعلنا الله تعالى من الناجين بفضله ورحمته وقالت فرقة بل هو ورود أشراف واطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته وليس ما يلزم أن تدخل فيه قالوا وحسب المؤمن بهذا هولا ومنه قوله تعالى ولما ورد ماء مدين وروت فرقة أثرا أن الله تعالى يجعل النار يوم القيامة جامدة الأعلى كأنها أهالة فيأتي الخلق كلهم برهم وفاجرهم فيقفون عليها ثم تسوخ بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر قالوا فهذا هو الورود قال المهدوي وعن قتادة قال يرد الناس جهنم وهي سوداء مظلمة فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فنجوا منها وأما الكفار فأوبقتهم سيئاتهم واحتبسوا بذنوبهم انتهى وروت حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية قالت فقلت يا رسول الله وأين قول الله تعالى وإن منكم إلا واردها فقال صلى الله عليه و سلم فمه ثم ننجي الذين اتقوا ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ت وحديث حفصة هذا أخرجه مسلم وفيه أفلم تسمعيه يقول ثم ننجي الذين اتقوا وروى ابن المبارك في رقائقه أنه لما نزلت هذه الآية وإن منكم إلا واردها ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى فجاءت امرأته فبكت وجاءت الخادم فبكت وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون فلما انقضت عبرته قال يا أهلاه ما يبكيكم قالوا لا ندري ولكن رأيناك بكيت فبكينا فقال ءاية نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم ينبئني فيها ربي إني وراد النار ولم ينبئني أني صادر عنها فذلك الذي أبكاني انتهى وقال ابن مسعود ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن أن الصراط مضروب على متن جهنم والحتم الأمر المنفذ المجزوم والذين اتقوا معناه اتقوا الكفر ونذر دالة على أنهم كانوا فيها قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد بعد أن ذكر رواية جابر وابن مسعود في الورود وروي عن كعب أنه تلا وإن منكم إلا ورادها فقال أتدرون ما ورودها أنه يجاء بجهنم فتمسك للناس كأنها متن أهالة يعني الودك الذي يجمد على القدر من المرقة حتى إذا استقرت عليها إقدام الخلائق برهم وفاجرهم نادى مناد أن خذى أصحابك وذري أصحابي فيخسف بكل ولي لها فلهي أعلم بهم من الوالدة بولدها وينجو المؤمنون ندية ثيابهم وروي هذا المعنى عن أبي نضرة وزاد وهو معنى قوله تعالى فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون انتهى وقوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما الآية هذا افتخار من كفار قريش وأنه أنما أنعم الله عليهم لأجل أنهم على الحق بزعمهم والندي والنادي المجلس ثم رد الله تعالى حجتهم وحقر أمرهم فقال تعالى وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا والأثاث المال العين والعرض والحيوان وقرأ نافع وغيره ورءيا بهمزة بعدها ياء من رؤية العين قال البخاري ورءيا منظرا وقرأ نافع أيضا وأهل المدينة وريا بياء مشددة فقيل هي بمعنى القراءة الأولى وقيل هي بمعنى الري في السقيا إذا كثر النعمة من الري والمطر وقرأ ابن جبير وابن عباس ويزيد البريري وزيا بالزاي المعجمة بمعنى الملبس وأما قوله سبحانه قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا فيحتمل أن يكون بمعنى الدعاء والابتهال كأنه يقول الأضل منا ومنكم مد الله له أي أملي له حتى يؤول ذلك إلى عذابه ويحتمل أن يكون بمعنى الخبر أنه سبحانه هذه عادته الاملاء للضالين حتى إذا رأوا ما يوعدون أما العذاب أي في الدنيا بنصر الله للمؤمنين عليهم وأما الساعة فيصيرون إلى النار والجند الناصرون القائمون بأمر الحرب وشر مكانا بأزاء قولهم خير مقاما وأضعف جندا بأزاء قولهم أحسن نديا ولما ذكر سبحانه ضلالة الكفرة وافتخارهم بنعم الدنيا عقب ذلك بذكر نعمة الله على المؤمنين في أنه يزيدهم هدى في الارتباط بالأعمال الصالحة والمعرفة بالدلائل الواضحة وقد تقدم تفسير الباقيات الصالحات عن النبي صلى الله عليه و سلم وأنها سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله اكبر وقد قال صلى الله عليه و سلم لأبي الدرداء خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فهن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة وعنه صلى الله عليه و سلم أنه قال خذوا جنتكم قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال من النار قالوا ما هي يا رسول الله قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهن الباقيات الصالحات وكان أبو الدرداء يقول إذا ذكر هذا الحديث لأهللن ولأكبرن الله ولأسبحنه حتى إذا رءاني الجاهل ظنني مجنونا ت ولو ذكرنا ما ورد من صحيح الأحاديث في هذا الباب لخرجنا بالإطالة عن مقصود الكتاب وقوله سبحانه أفرأيت الذي كفر بآيتنا هو العاصي بن وائل السهمي قاله جمهور المفسرين وكان خبره أن خباب بن الأرت كان قينا في الجاهلية فعمل له عملا واجتمع له عنده دين فجاءه يتقاضاه فقال له العاصي لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقال خباب لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك فقال العاصي أو مبعوث أنا بع4د الموت فقال نعم فقال فإنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك فنزلت الآية في ذلك وقال الحسن نزلت في الوليد بن المغيره قال ع وقد كانت للوليد أيضا أقوال تشبه هذا الغرض ت إلا أن المسند الصحيح في البخاري هو الأول وقوله أم اتخذ عند الرحمن عهدا معناه بالإيمان والأعمال الصالحات وكلا زجر ورد وهذا المعنى لازم لكلا ثم أخبر سبحانه أن قول هذا الكافر سيكتب على معنى حفظه عليه ومعاقبته به ومد العذاب هو إطالته وتعظيمه وقوله سبحانه ونرثه ما يقول أي هذه الأشياء التي سمي أنه يوتاها في الآخرة يرث الله ماله منها في الدنيا بأهلاكه وتركه لها فالوراثة مستعارة وقال النحاس نرثه ما يقول معناه نحفظه عليه لنعاقبه به ومنه قوله صلى الله عليه و سلم العلماء ورثة الأنبياء أي حفظة ما قالوا قال ع فكان هذا المجرم يورث هذه المقالة وقوله ويكونون عليهم ضدا معناه يجدونهم خلاف ما كانوا أملوه في معبوداتهم فيئول ذلك بهم إلى ذلة وضد ما أملوه من العز وغيره وهذه صفة عامة وتؤزهم معناه تقلقهم وتحركهم إلى الكفر والضلال قال قتادة تزعجهم إزعاجا وقال ابن زيد تشليهم أشلاء ومنه أزيز القدر وهو غليانه وحركته ومنه الحديث أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجدته يصلي وهو يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل ت هذا الحديث خرجه مسلم وأبو داود عن مطرف عن أبيه وقال العراقي تؤزهم أي تدفعهم انتهى وقوله سبحانه فلا تعجل عليهم أي لا تستبطئ عذابهم وقوله تعالى يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال ع وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب وإنما هي النهوض إلى الجنة وكذلك سوق المجرمين أنما هو لدخول النار ووفدا قال المفسرون معناه ركبانا وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس وأحسنهم شكلا وإنما شبههم بالوفد هيئة وكرامة وروي عن علي رضي الله عنه أنهم يجيئون ركبانا على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقوت وزبرجد ونحو هذا وروي عمرو ابن قيس الملاءي أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة وهي في غاية الحسن وروي أنه يركب كل واحد منهم ما أحب فمنهم من يركب الإبل ومنهم من يركب الخيل ومنهم من يركب السفن فتجئ عائمة بهم وقد ورد في الضحايا أنها مطاياكم إلى الجنة وأكثر هذه فيها ضعف من جهة الإسناد والسوق يتضمن هوانا والورد العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن واختلف في الضمير في قوله لا يملكون فقالت فرقة هو عائد على المجرمين أي لا يملكون أن يشفع لهم وعلى هذا فالاستثناء منقطع أي لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يشفع له والعهد على هذا الإيمان وقال ابن عباس العهد لا إله إلا الله وفي الحديث يقول الله تعالى يوم القيامة من كان له عندي عهد فليقم قال ع ويحتمل أن يكون المجرمون يعم الكفرة والعصاة أي إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا من عصاة المؤمنين فإنه يشفع لهم وبكون الاستثناء متصلا وقالت فرقة الضمير في لا يملكون للمتقين وقوله إلا من اتخذ الآية أي إلا من كان له عمل صالح مبرور فيشفع فيشفع وتحتمل الآية أن يراد بمن النبي صلى الله عليه و سلم وبالشفاعة الخاصة له العامة في أهل الموقف ويكون الضمير في لا يملكون لجميع أهل الموقف ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة إذ ذاك حتى تصير إليه صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا قال الباجي في سنن الصالحين له روي عن ابن مسعود أنه قال أن الجبل ليقول للجبل يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله تعالى فإن قال نعم سر به ثم قرأ عبد الله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا إلى قوله وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا قال أترونها تسمع الزور ولا تسمع الخير انتهى وهكذا رواه ابن المبارك في رقائقه وما ذكره ابن مسعود لا يقال من جهة الرأي وقد روي عن أنس وغيره نحوه قال الباجي بأثر الكلام المتقدم وروي جعفر بن زيد عن أنس بن مالك أنه قال ما من صباح ولا رواح إلا وتنادى بقاع الأرض بعضها بعضا أي جاره هل مر بك اليوم عبد يصلى أو يذكر الله فمن قائله لا ومن قائله نعم فإذا قالت نعم رأت لها فضلا بذلك انتهى وقوله سبحانه لقد جئتم شيئا إدا الآية الإد الأمر الشنيع الصعب ت وقال العراقي إدا أي عظيما انتهى والانفطار الانشقاق والهد الانهدام قال محمد بن كعب كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة وقوله أن كل من في السماوات الآية أن نافية بمعنى ما وقوله فردا يتضمن عدم النصير والحول والقوة أي لا مجير له مما يريد الله به وعبارة الثعلبي فردا أي وحيدا بعمله ليس معه من الدنيا شيء اه ت وهذه الآية تنظر إلى قوله تعالى ولقد جئتمونا فرادى الآية وقوله تعالى سيجعل لهم الرحمن ودا ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا الود هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده حسبما في الحديث الصحيح المأثور وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه أنها بمنزلة قول النبي صلى الله عليه و سلم من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ت والحديث المتقدم المشار إليه أصله في الموطأ ولفظه مالك عن سهيل بن أبي صالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا أحب الله العبد قال لجبريل يا جبريل قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى في أهل السماء أن الله أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يضع له القبول في الأرض وإذا أبغض العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وممن روى هذا الحديث عن سهيل بإسناده هذا فذكر البغض من غير شك معمر وعبد العزيز بن المختار وحماد بن سلمة قالوا في ءاخره وإذا أبغض بمثل ذلك ولم يشكوا قال أبو عمر وقد قال المفسرون في قوله تعالى سيجعل لهم الرحمن ودا يحبهم ويحببهم إلى الناس وقاله مجاهد وابن عباس ثم أسند أبو عمر عن كعب أنه قال والله ما اتسقر لعبد ثناء في أهل الدنيا حتى يستقر له في أهل السماء قال كعب وقرأت في التوراة أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض إلا كان بدأها من الله عز و جل ينزلها على أهل السماء ثم ينزلها على أهل الأرض ثم قرأت القرءان فوجدت فيه أن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا وأسند أبو عمر عن قتادة قال قال هرم بن حيان ما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان عليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم انتهى قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا سلميان بن المغيرة عن ثابت قال قيل يا رسول الله من أهل الجنة قال من لا يموت حتى يملأ الله سمعه مما يحب قال فقيل يا رسول الله من أهل النار قال من لا يموت حتى يملأ الله سمعه مما يكره انتهى قال ع وفي حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من عبد إلا وله في السماء صيت فإن كان حسنا وضع في الأرض حسنا وإن كان سيئا وضع في الأرض سيئا ت وهذا الحديث خرجه أبو داود في كتاب الزهد وقوله تعالى فإنما يسرناه بلسانك أي القرءان لتبشر به المتقين أي بالجنة والنعيم الدائم والعز في الدنيا وقوما لدا هم قريش ومعناه مجادلين مخاصمين والألد المخاصم المبالغ في ذلك ثم مثل لهم بإهلاك من قبلهم إذ كانوا أشد منهم وألد وأعظم قدرا والركز الصوت الخفي تفسير سورة طه وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه وتعالى طه ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى قيل طه اسم من أسماء نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقيل معناه يا رجل بالسريانية ويقل بغيرها من لغات العجم قال البخاري قال ابن جبير طه يا رجل بالنبطية انتهى وقيل أنها لغة يمانية في عك وأنشد الطبري في ذلك ... دعوت بطاها في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا ... وقال آخر ... إن السفاهة طاها من خلائقكم ... لا بارك الله في القوم الملاعين ... وقالت فرقة من العلماء سبب نزول هذه الآية أن قريشا لما نظرت إلى عيش النبي صلى الله عليه و سلم وشظفه وكثرة عبادته قالت أن محمدا مع ربه في شقاء فنزلت الآية رادة عليهم وأسند عياض في الشفا من طريق أبي ذر الهروي عن الربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله طه يعني طأ الأرض يا محمد ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى ولا خفاء بما في هذا كله من الأكرام له صلى الله عليه و سلم وحسن المعاملة انتهى قال ص لتشقى إلا تذكرة علتان لقوله ما أنزلنا انتهى وقد تقدم القول في مسألة الاستواء وباقي الآية بين قال ابن هاشم قوله تعالى وإن تجهر بالقول أي فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه يعلم السر وأخفى فالجواب محذوف انتهى وقوله سبحانه وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى هذا الاستفهام توقيف مضمنه تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها وهذا كما تبدأ الرجل إذا أردت أخباره بأمر غريب فتقول أعلمت كذا وكذا ثم تبدأ تخبره وكان من قصة موسى عليه السلام أنه رحل من مدين بأهله بنت شعيب عليه السلام وهو يريد أرض مصر وقد طالت مدة جنايته هنالك فرجا خفاء أمره وكان فيما يزعمون رجلا غيورا فكان يسير الليل بأهله ولا يسير بالنهار مخافة كشفه الناس فضل عن طريقه في ليلة مظلمة فبينما هو كذلك وقد قدح بزنده فلم يور شيئا إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا أي أقيموا وذهب هو إلى النار فإذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة قيل كانت من عناب وقيل من عوسج وقيل من عليق فكلما دنا منها تباعدت منه ومشت فإذا رجع عنها اتبعته فلما رأى ذلك أيقن أن هذا من أمور الله الخارقة للعادة ونودي وانقضى أمره كله في تلك الليلة هذا قول الجمهور وهو الحق وما حكي عن ابن عباس أنه قال أقام في ذلك الأمر حولا فغير صحيح عن ابن عباس وآنست معناه أحسست والقبس الجذوة من النار تكون على رأس العود والهدى أراد هدى الطريق أي لعلي أجد مرشدا لي أو دليلا وفي قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم عما لقي في تبليغه من المشقات صلى الله عليه و سلم والضمير في قوله أتاها عائد على النار وقوله نودي كنايه عن تكليم الله تعالى له عليه السلام وقرأ نافع وغيره أني بكسر الهمزة على الابتداء وقرأ أبو عمرو وابن كثير أني بفتحها على معنى لأجل أني أنا ربك فاخلع نعليك واختلف في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين فقالت فرقة كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرح النجاسة وقالت فرقة بل كانت نعلاه من جلد بقرة ذكي لكن أمر بخلعهما لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربة الوادي قال ع وتحتمل الآية معنى آخر هو الأليق بها عندي وهو أن الله تعالى أمره أن يتأدب ويتواضع لعظم الحال التي حصل فيها والعرف عند الملوك أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه فكان موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه ولا نبالي كيف كانت نعلاه من ميتة أو غيرها والمقدس معناه المطهر وطوى معناه مرتين فقالت فرقة معناه قدس مرتين وقالت فرقة معناه طويت لك الأرض مرتين من ظنك قال الفخر وقيل أن طوى اسم واد بالشام وهو عند الطور الذي أقسم الله به في القرءان وقيل أن طوى بمعنى يا رجل بالعبرانية كأنه قيل يا رجل اذهب إلى فرعون انتهى من تفسيره لسورة والنازعات قال ع وحدثني أبي رحمه الله قال سمعت أبا الفضل ابن الجوهري رحمه الله تعالى يقول لما قيل لموسى استمع لما يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره ووقف يستمع وكان كل لباسه صوفا وقوله تعالى وأقم الصلاة لذكري يحتمل أن يريد لتذكرني فيها أو يريد لا ذكر في عليين بها فالمصدر محتمل الإضافة إلى الفاعل أو المفعول وقالت فرقة معنى قوله لذكرة أي عند ذكرى أي إذا ذكرتني وأمري لك بها ت وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها قال الله تعالى اقم الصلوة لذكرى انتهى فقد بين لك صلى الله عليه و سلم ما تحتمله الآية والله الموفق بفضله وهكذا استدل ابن العربي هنا بالحديث ولفظه وقد روى مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول أقم الصلاة لذكري انتهى من الأحكام وقرأت فرقة للذكري وقرأت فرقة للذكر وقرأت فرقة للذكرى لذكري بغير تعريف وقوله تعالى أن الساعة يريد القيامة آتية فيه تحذير ووعيد وقرأ ابن كثير وعاصم أكاد أخفيها بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من تيقن وقوعها تكاد تظهر لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته وقرأ الجمهور أخفيها بضم الهمزة فقيل معناه أظهرها وزعموا أن أخفيت من الأضداد وقالت فرقة أكاد بمعنى أريد أي أريد إخفاءها عنكم لتجزى كل نفس بما تسعى واستشهدوا بقول الشاعر كادت وكدت وتلك خير إرادة ... وقالت فرقة أكاد على بابها بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع لكن الكلام جار على استعارة العرب ومجازها فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ سبحانه في إبهام وقتها فقال أكاد أخفيها حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها وهذا التأويل هو الأقوى عندي وقوله سبحانه فلا يصدنك عنها أي عن الإيمان بالساعة ويحتمل عود الضمير على الصلاة وقوله فتردى معناه فتهلك والردى الهلاك وهذا الخطاب كله لموسى عليه السلام وكذلك ما بعده وقال النقاش الخطاب بلا يصدنك لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وهذا بعيد وقوله سبحانه وما تلك بيمينك يا موسى تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس لتلقى ما يورد عليها وإلا فقد علم سبحانه ما هي في الأزل قال ابن العربي في أحكامه وأجاب موسى عليه السلام بقوله هي عصاي الآية بأكثر مما وقع السؤال عنه وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم هو الطهور ماؤه الحل ميتتة لمن سأله عن طهورية ماء البحر انتهى ت - والمستحسن من الجواب أن يكون مطابقا للسؤال أو أعم منه كما في الآية والحديث أما كونه أخص منه فلا انتهى وأهش معناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر الورق للغنم وعصا موسى عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت عصي الأنبياء عليهم السلام الذي كان عند شعيب عليه السلام حين اتفقا على الرعي وكانت عصا آدم عليه السلام هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها ولما أراد الله سبحانه تدريب موسى في تلقي النبوة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا فألقاها فإذا هي حية تسعى أي تنتقل وتمشي وكانت عصا ذات شعبتين فصارت الشعبتان فما يلتقم الحجارة فلما رءاها موسى رأى عبرة فولى مدبرا ولم يعقب فقال الله تعالى له خذها ولا تخف فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك أي جنبك قال ع وكل مرعوب من ظلمة ونحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه فتر رعبه وربط جأشه فجمع الله سبحانه لموسى عليه السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف وتضيء كأنها شمس من غير سوء أي من غير برص ولا مثله بل هو أمر ينحسر ويعود بحكم الحاجة إليه ولما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكليف فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به واشرح لي صدري معناه لفهم ما يرد علي من الأمور والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة في فيه حين جربه فرعون وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو طفل حين مد يده عليه السلام إلى لحية فرعون فقالت له امرأته أنه لا يعقل فقال بل هو يعقل وهو عدوي فقالت له نجربه فقال لها أفعل فدعا بجمرات من النار وبطبق فيه ياقوت فقالا إن أخذ الياقوت علمنا إنه يعقل وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده فجعلها في فيه فأحرقته وأورثت لسانه عقدة وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة قدرا يفقه معه قوله فجائز أن تكون تلك العقدة قد زالت كلها وجائز أن يكون قد بقي منها القليل فيجتمع أن يؤتى هو سؤله وأن يقول فرعون ولا يكاد يبين ولو فرضنا زوال العقدة جملة لكان قول فرعون سبا لموسى بحالته القديمة والوزير المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها فيحتمل الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة ثم أبدل هارون من الوزير المطلوب ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيرا فيكون مفعولا أولا لأجعل وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى عليه السلام بأربع سنين والأزر الظهر قاله أبو عبيدة وقوله كثيرا نعت لمصدر محذوف أي تسبيحا كثيرا وقوله سبحانه ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى قيل هو وحي إلهام وقيل بملك وقيل برؤيا رأتها وكان من قصة موسى عليه السلام فيما روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه يكون على يد غلام من بني إسرائيل فأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل ثم أنه رأى مع أهل مملكته أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط بالضرر إذ هم كانوا عملة الأرض والصناع ونحو هذا فعزم على أن يقتل الولدان سنة ويستحييهم سنة فولد هارون عليه السلام في سنة الاستحياء ثم ولد موسى عليه السلام في العام الرابع سنة القتل فخافت عليه أمه فأوحى الله إليها أن اقذفيه في التابوت فأخذت تابوتا فقذفت فيه موسى راقدا في فراش ثم قذفته في يم النيل وكان فرعون جالسا في موضع يشرف منه على النيل إذ رأى التابوت فأمر به فسيق إليه وامرأته معه ففتح فرأوه فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه ابنا فأباح لها ذلك ثم أنها عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف به يعرض للمراضع فكلما عرضت عليه امرأة أباها وكانت أمه قالت لأخته قصيه فبصرت به وفهمت أمره فقالت لهم أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فتعلقوا بها وقالوا أنت تعرفين هذا الصبي فأنكرت وقالت لا غير أن أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب إلى المملكة والجد في خدمتها ورضاها فتركوها وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها فسرت بذلك ءاسية امرأة فرعون رضي الله عنها وقالت لها كوني معي في القصر فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي فقالت نعم فأحسنت إلى أهل ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع والسبب من المملكة وأقام موسى عليه السلام حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها ءاسية أن جئيني بولدي ليوم كذا وأمرت خدمها ومن معها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل شباب فسرت به ودخلت به على فرعون ليراه ويهب له فرءاه وأعجبه وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون وجبذها فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه فناشدته فيه امرأته وقالت إنه لا يعقل فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجريبه بالجمرة والياقوت حسب ما تقدم فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه فشب عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعر وكان فتى جلدا فاضلا كاملا فاعتزت به بنوا اسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم فكانت بصيرته في حمايتهم أكيدة وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل ثم وقعت له قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إن شاء الله تعالى وعدد الله سبحانه على موسى هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطفه سبحانه به في كل فصل وتخليصه من قصة إلى أخرى وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره بها وخلصه حتى صلح للنبوءه وسلم لها وقوله ما يوحى إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته وهذا كقوله تعالى إذ يغشى السدرة مايغشى فأوحى إلى عبده ما أوحى وهو كثير في القرآن والكلام الفصيح وقوله فليلقه اليم بالساحل خبر في خرج صيغة الأمر مبالغة ومنه قوله صلى الله عليه و سلم قوموا فلأصل لكم فاخرج الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير والمراد بالعدو في الآية فرعون ثم أخبر تعالى موسى عليه السلام أنه ألقى عليه محبة منه قالت فرقة أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده وكان حظ موسى منه في غاية الوفر وهذا أقوى ما قيل هنا من الأقوال وقرأ الجمهور ولتصنع بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغذي وتطعم وتربي وقوله على عيني معناه بمرأى مني وقوله على قدر أي لميقات محدود للنبؤة التي قد أرادها الله تعالى واصطنعتك معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان وقوله لنفسي إضافة تشريف وهذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وعبر بالنفس عن شدة القرب وقوة الاختصاص وقوله تعالى ولا تنيا في ذكري معناه لا تبطئا وتضعفا تقول وني فلان في كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف والونى الكلال والفشل في البهائم والأنس وفي مصحف ابن مسعود ولا تهنا في ذكري معناه لا تلينا من قولك هين لين فقولا له قولا لينا أي حسنا له الكلمة مع إكمال الدعوة قال ابن العربي في أحكامه وفي الآية دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللين لمن معه القوة وفي الإسرائيليات أن موسى عليه السلام أقام بباب فرعون سنة لا يجد من يبلغ كلامه حتى لقيه حين خرج فجرى له ما قص الله تعالى علينا من خبره وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرنهم مع الظالمين انتهى وقولهما أننا نخاف أن يفرط معناه يعجل ويتسرع إلينا بمكروه وقوله عز و جل إنني معكما أي بالنصر والمعونة وقوله تعالى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم الآية جملة ما دعي إليه فرعون الإيمان وإرسال بني إسرائيل وأما تعذيبه بني إسرائيل فبذبح أولادهم وتسخيرهم وإذلالهم وقولهما والسلام على من اتبع الهدى يحتمل أن يكون ءاخر كلام فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغبا بها عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول ويحتمل أن يكون في درج القول فيكون خبرا بأن السلامة للمهتدين وبهذين المعنيين قالت كل فرقة من العلماء وقوله سبحانه أعطى كل شيء خلقه قالت فرقة المعنى أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته وصورته أي أكمل ذلك له وأتقنه ثم هدى أي يسر كل شيء لمنافعه وهذا أحسن ما قيل هنا وأشرف معنى وأعم في الموجودات وقول فرعون فما بال القرون الأولى يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها ولم يوجد أمرك عندها ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الأمم روغانا في الحجة وحيدة وقيل البال الحال فكأنه سأله عن حالهم وقول موسى علمها عند ربي في كتاب يريد في اللوح المحفوظ ولا يضل معناه لا ينتلف ويعمه والأزواج هنا بمعنى الأنواع وقوله شتى نعت للأزواج أي مختلفة وقوله كلوا وارعوا بمعنى هي صالحة للأكل والرعي فاخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال وأهزها للنفوس والنهى جمع نهية والنهية العقل الناهي عن القبائح وقوله سبحانه منها خلقناكم يريد من الأرض وفيها نعيدكم أي بالموت والدفن ومنها نخرجكم أي بالبعث ليوم القيامة وقوله ولقد أريناه ءاياتنا أخبار لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله كلها عائد على الآيات التي رءاها فرعون لا أنه رأى كل ءاية لله عز و جل وإنما المعنى أن الله أراه ءايات ما كاليد والعصا والطمسة وغير ذلك وكانت رؤيته لهذه الآيات مستوعبة يرى الآيات كلها كاملة ومعنى سوى أي عدلا ونصفه أي حالنا فيه مستوية وقالت فرقة معناه مستويا من الأرض لا وهد فيه ولا نشز فقال موسى موعدكم يوم الزينة وروي أن يوم الزينة كان عيدا لهم ويوما مشهورا وقيل هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم وقوله وأن يحشر الناس عطفا على الزينة فهو في موضع خفض فتولى فرعون فجمع كيده أي جمع السحرة وأمرهم بالاستعداد لموسى فهذا هو كيده ثم أتى فرعون بجمعه فقال موسى للسحرة ويلكم لا تفتروا على الله كذبا وهذه مخاطبة محذر وندبهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب فيسحتكم أي فيهلككم ويذهبكم فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من هيبته شديد الموقع وتنازعوا أمرهم والتنازع يقتضي اختلافا كان بينهم في السر فقائل منهم يقول هو محق وقائل يقول هو مبطل ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام والنجوى المسارة أي كل واحد يناجي من يليه سرا مخافة من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا أن هذان لساحران قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكساءي أن هذان لساحران فقالت فرقة قوله أن بمعنى نعم كما قال صلى الله عليه و سلم أن الحمد لله برفع الحمد وقالت فرقة أن هذه القرءاة على لغة بلحارث بن كعب وهي إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره أنه هذان لساحران وقرأ أبو عمرو وحده أن هذين لساحران وقرأ ابن اكثير أن هذان لساحران بتخفيف أن وتشديد نون هذان لساحران وقرأ حفص عن عاصم أن بالتخفيف هذان خفيفة أيضا لساحران وعبر كثير من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهل العقل والحجا وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في الطريقة هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي كانوا عليها والمثلى تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة وقرأ جمهور القراء فأجمعوا بقطع الهمزة وكسر الميم على معنى انفذوا وأعزموا وقرأ أبو عمرو وحده فأجمعوا من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض وقوله صفا أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم وأفلح معناه ظفر ببغيته وباقي الآية بين مما تقدم وقوله فأوجس عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر وهذه العبارة أعم من الوجيس بكثير إنك أنت الأعلى أي الغالب وروي في قصص هذه الآية أن فرعون لعنه الله جلس في علية له طولها ثمانون ذراعا والناس تحته في بسيط وجاء وجاء سبعون ألف ساحرا فألقوا من حبالهم وعصيهم ما فيه وقر ثلاث مائة بعير فهال الأمر ثم أن موسى ألقى عصاه من يده فاستحالت ثعبانا وجعلت تنمو حتى روي أنها عبرت النهر بذنبها وقيل البحر وفرعون في هذا كله يضحك ويرى أن الاستواء حاصل ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها ثم فغرت فاها نحو فرعون ففزع عند ذلك واستغاث بموسى فمد موسى يده إليها فرجعت عصا كما كانت فنظر السحرة وعلموا الحق ورأوا عدم الحبال والعصي فأيقنوا أن الأمر من الله عز و جل فآمنوا رضي الله عنهم وقوله سبحانه فألقي السحرة سجدا قالوا ءامنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل قال ص - في على بابها وقيل بمعنى على ت - والأول أصوب ولتعلمن أينا قوله أينا يريد نفسه ورب موسى عليه السلام وقال الطبري يريد نفسه وموسى والأول اذهب مع مخرقة فرعون وباقي الآية بين ثم قال السحرة لفرعون لن نؤثرك أي لن نفضلك ونفضل السلامة منك على ما رأينا من حجة الله تعالى وءاياته وعلى الذي فطرنا هذا على قول جماعة أن الواو في قوله والذي عاطفة وقالت فرقة هي واو القسم وفطرنا أي خلقنا واخترعنا فافعل يا فرعون ما شئت وإنما قضاؤك في هذه الحياة الدنيا والآخرة من وراء ذلك لنا بالنعيم ولك بالعذاب الأليم وهؤلاء السحرة اختلف الناس هل نفذ فيهم وعيد فرعون أم لا والأمر في ذلك محتمل وقولهم والله خير وأبقى رد لقول فرعون أينا أشد عذابا وأبقى وقوله عز و جل إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى الآية قالت فرقة هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه وقالت فرقة بل هي من كلام الله عز و جل لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم تنبيها على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وموعظة وتحذيرا قد تضمنت القصة المذكورة مثاله وقوله لا يموت فيها ولا يحيى مختص بالكافر فإنه معذب عذابا ينتهي به إلى الموت ثم لا يجهز عليه فيستريح بل يعاد جلده ويجدد عذابه وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة قد قاربوا الموت إلا أنهم لا يجهز عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار وفي الحديث الصحيح أنهم يماتون فيها إماتة وهذا هو معناها لأنه لا موت في الآخرة وتزكى معناه أطاع الله وأخذ بأزكى الأمور وقوله سبحانه ولقد أوحينا إلى موسى هذا استيناف أخبار عن شيء من أمر موسى وباقي الآية بين وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص وقوله تعالى لا تخاف دركا أي من فرعون وجنوده ولا تخشى غرقا من البحر وقوله ما غشيهم إبهام أهول من النص وهذا كقوله إذ يغشى السدرة ما يغشى وأضل فرعون قومه يريد من أول أمره إلى هذه النهاية وما هدى مقابل لقوله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقوله عز و جل يا بني إسرائيل قد أنجيناكم الآية ظاهر هذه الآية أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول النعم التي عددها الله عليهم ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها معاصرو النبي صلى الله عليه و سلم والمعنى هذا فعلنا بأسلافكم وتكون الآية على هذا اعتراضا في أثناء قصة موسى والقصد به توبيخ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى والمعنى الأول أظهر وأبين وقوله سبحانه وواعدناكم جانب الطور الأيمن الآية وقصص هذه الآية أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل وغرق فرعون وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى ويناجيه بما فيه صلاحهم فلما أخذوا في السير تعجل موسى عليه السلام ابتغاء مرضاة ربه حسبما يأتي بعد وقرأ جمهور الناس فيحل بكسر الحاء ويحلل بكسر اللام وقرأ الكساءي وحده بضمهما ومعنى الأول فيجب ويحق ومعنى الثاني فيقع وينزل وهوى معناه سقط أي هوى في جهنم وفي سخط الله عافانا الله من ذلك ثم رجى سبحانه عباده بقوله وأني لغفار لمن تاب الآية والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره وهي توبة مقيدة وإذا تاب العبد ثم عاود الذنب بعينه بعد مدة فيحتمل عند حذاق أهل السنة أن لا يعيد الله تعالى عليه الذنب الأول لأن التوبة قد كانت محتة ويحتمل أن يعيده لأنها توبة لم يوف بها واضطرب الناس في قوله سبحانه ثم اهتدى من حيث وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل فقالت فرقة ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه وقيل غير هذا والذي يقوى في معنى ثم اهتدى أن يكون ثم حفظ معتقداته من أن تخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل ورب مؤمن عمل صالحا قد أوبقه عدم الاهتداء كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع فمعنى ثم اهتدى ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم جعلنا الله منهم بمنه وفي حفظ المعتقدات ينحصر معظم أمر الشرع وقوله سبحانه وما أعجلك عن قومك يا موسى الآية وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بمالهم فيه شرف العاجل والآجل رأي موسى عليه السلام على جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادرا لأمر الله سبحانه طلبا لرضائه وحرصا على القرب منه وشوقا إلى مناجاته واستخلف عليهم هارون وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب الطور فلما انتهى موسى صلى الله عليه و سلم وناجى ربه زاده الله في الأجل عشرا وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر فيقع الأعلام له بما صنعوا واعلمه موسى أنه إنما استعجل طلب الرضى فأعلمه الله سبحانه أنه قد فتن بني إسرائيل أي اختبرهم بما صنع السامري ويحتمل أن يريد ألقيناهم في فتنة فلما أخبر الله تعالى موسى بما وقع رجع موسى إلى قومه غضبان آسفا وباقي الآية بين وقد تقدم قصصها مستوفى وسمي العذاب غضبا من حيث هو عن الغضب وقرأ نافع وعاصم بملكنا بفتح الميم وقرأ حمزة والكسائي بملكنا بضمة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بملكنا بكسرة فأما فتح الميم فهو مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وفقنا له بل غلبتنا أنفسنا وأما كسر الميم فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي قبلها والمصدر مضاف في الوجهين إلى الفاعل وقولهم ولكنا حملنا أوزارا الآية سموها أوزارا من حيث هي ثقيلة الأجرام أو من حيث تأثموا في قذفها وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي حملنا بفتح الحاء والميم وقولهم فكذلك أي فكما قذفنا نحن فكذلك أيضا ألقي السامري قال ع وهذه الألفاظ تقتضي أن العجل لم يصغه السامري ثم أخبر تعالى عن فعل السامري بقوله فأخرج لهم عجلا ومعنى قوله جسدا أي شخصا لا روح فيه وقيل معناه جسدا لا يتغذى والخوارصوت البقر قالت فرقة منهم ابن عباس كان هذا العجل يخور ويمشي وقيل غير هذا وقوله سبحانه فقالوا يعني بني إسرائيل هذا الهكم واله موسى فنسي موسى إلهه وذهب يطلبه في غير موضعه ويحتمل أن يكون قوله فنسي أخبارا من الله تعالى عن السامري أي فنسي السامري دينه وطريق الحق فالنسيان في التأويل الأول بمعنى الذهول وفي الثاني بمعنى الترك ت - وعلى التأويل الأول عول البخاري وهو الظاهر ولقولهم أيضا قبل ذلك أجعل لنا إلها وقول هارون فاتبعوني أي إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه وأطيعوا أمري فيما ذكرته لكم فقال بنو إسرائيل حين وعظهم هارون وندبهم إلى الحق لن نبرح عابدين لهذا الاله عاكفين عليه أي ملازمين له ويحتمل قوله ألا تتبعني أي ببني إسرائيل نحو جبل الطور ويحتمل قوله ألا تتبعني أي الا تسير بسيري وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد وقوله يبنؤم قالت فرقة أن هارون لم يكن أخا موسى إلا من أمه قال ع - وهذا ضعيف وقالت فرقة كان شقيقه وإنما دعاه بالأم استعطافا برحم الأم وقول موسى ما خطبك يا سامري هو كما تقول ما شأنك وما أمرك لكن لفظة الخطب تقتضي انتهارا لأن الخطب مستعمل في المكارة وبصرت بضم الصاد من البصيرة وقرأت فرقة بكسرها فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل من البصر وقرأ حمزة والكساءي بما لم تصروا بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل والرسول هنا هو جبريل عليه السلام والأثر هو تراب تحت حافر فرسه وقوله فنبذتها أي على الحلي فكان منها ما ترى وكذلك سولت لي نفسي أي وكما وقع وحدث قربت لي نفسي وجعلت لي سؤلا وإربا حتى فعلته وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو بوحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا وجعل له أن يقول مدة حياته لا مساس أي لا مماسة ولا إذاية وقرأ الجمهور لن تخلفه بفتح اللام أي لن يقع فيه خلف وقرأ ابن كثير وأبو عمرو تخلفه بكسر اللام على معنى لن تستطيع الروغان والحيدة عن موعد العذاب ثم وبخه عليه السلام بقوله وأنظر إلى الهك الآية وظلت وظل معناه أقام يفعل الشيء نهارا ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلا ونهارا بمثابة طفق وقرأ ابن عباس وغيره لنحرقنه بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد وقرأ نافع وغيره لنحرقنه وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل بالمبرد وفي مصحف ابن مسعود لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه وهذه القراءة هي مع رواية من روى أن العجل صار لحما ودما وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جمادا من ذهب ونحوه فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعارا لتفريقه في اليم مذابا وقرأت فرقة لننسفنه بكسر السين وقرأت فرقة بضمها والنسف تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف واليم غمر الماء من بحر أو نهر وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يم واللام في وقوله لنحرقنه لام قسم وقال مكي رحمه الله تعالى وأسند أن موسى عليه السلام كان مع السبعين في المناجات وحينئذ وقع أمر العجل وأن الله تعالى أعلم موسى بذلك فكتمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمعوا لغط بني إسرائيل حول العجل فحينئذ أعلمهم قال ع وهذه رواية ضعيفة والجمهور على خلافها وإنما نعجل موسى عليه الصلام وحده فوقع أمرا العجل ثم جاء موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني اسراءيل وأن يطلعهم أيضا على أمر المناجات فكان لموسى عليه السلام نهضتان والله أعلم وقوله سبحانه كذلك نقص عليك مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق مدتك والذكر القرءان وقوله من أعرض عنه يريد بالكفر به وزرقا قالت فرقة معناه يحشرون أول قيامهم سود الألوان زرق العيون فهو تشويه ثم يعمون بعد ذلك وهي مواطن وقالت فرقة أراد زرق الألوان وهي غاية في التشويه لأنهم يجيئون كلون الرماد ومهيع في كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق يتخافتون بينهم أن لبثتم إلا عشرا أي يتخافت المجرمون بينهم أي يتسارون والمعنى أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم قد عزب عنهم قدر مدة لبثهم واختلف الناس فيما ذا فقالت فرقة في دار الدنيا ومدة العمر وقالت فرقة في الأرض مدة البرزخ وأمثلهم طريقة معناه أثبتهم نفسا يقول إن لبثتم إلا يوما أي فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم وقوله سبحانه ويسئلونك عن الجبال الآية السائل قيل رجل من ثقيف وقيل السائل جماعة من المؤمنين وروي أن الله تعالى يرسل على الجبال ريحا فتدكدكها حتى تكون كالعهن المنفوش ثم تتوالى عليها حتى تعيدها كالهباء المنبث فذلك هو النسف والقاع هو المستوى من الأرض والصفصف نحوه في المعنى والأمت ما يعتري الأرض من ارتفاع وانخفاض وقوله لاعوج له يحتمل أن يريد الأخبار به أي لا شك فيه ولا يخالف وجوده خبره ويحتمل أن يريد لا محيد لأحد عن اتباع الداعي والمشي نحو صوته والخشوع التطامن والتواضع وهو في الأصوات استعارة بمعنى الخفاء والهمس الصوت الخفي الخافت وهو تخافتهم بينهم وكلامهم السر ويحتمل أن يريد صوت الأقدام وفي البخاري همسا صوت الأقدام انتهى ومن في قوله الا من أذن له الرحمن يحتمل أن تكون للشافع ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه وقوله تعالى عنت الوجوه معناه ذلت وخضعت والعاني الأسير ومنه قوله صلى الله عليه و سلم في أمر النساء هن عوان عندكم وهذه حالة الناس يوم القيامة قال ص - وعنت من عنا يعنو ذل وخضع قال أمية ابن أبي الصلت ... مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد ... انتهى ت - وأحاديث الشفاعة قد استفاضت وبلغت حد التواتر ومن أعظمها شفاعة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال فيقول الله عز و جل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة وفيه فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه الحديث وخرج أبو القاسم إسحاق ابن إبراهيم الختلي بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فرغ الله تعالى من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش أن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين قال فيخرج من النار مثل أهل الجنة أو قال مثلي أهل الجنة قال وأكبر ظني أنه قال مثلي أهل الجنة مكتوب بين أعينهم عتقاء الله انتهى من التذكرة وقد خاب من حمل ظلما معنى خاب لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم وقوله سبحانه ومن يعمل من الصالحات معادل لقوله من حمل ظلما والظلم والضهم هما متقاربان في المعنى ولكن من حيث تناسقا في هذه الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما بمعنى فقالوا الظلم أن نعظم عليه سيئاته وتكثر أكثر مما يجب والهضم أن ينقص من حسناته ويبخسها وكلهم قرأ فلا يخاف على الخبر غير ابن كثير فإنه قرأ فلا يخف على النهي وكذلك أنزلناه قرءانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم بحسب توقع البشر وترجيهم يتقون الله ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم وما حذرهم من اليم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله أو يحدث لهم ذكرا وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفا ويبقى عليهم إيمانهم ذكرا صالحا في الغابرين وقوله تعالى ولا تعجل بالقرءان الآية قالت فرقة سببها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يخاف وقت تكليم جبريل له أن ينسى أول القرءان فكان يقرأ قبل أن يستتم جبريل عليه السلام الوحي فنزلت في ذلك وهي على هذا في معنى قوله لا تحرك به لسانك لتعجل به وقيل غير هذا وقوله عز و جل ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي الآية العهد هنا بمعنى الوصية والشيء الذي عهد إلى آدم عليه السلام هو أن لا يقرب الشجرة ت - قال عياض وأما قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى أي جهل فإن الله تعالى أخبر بعذره بقوله ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما قيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال تعالى ولم نجد له عزما أي قصدا للمخالفة ت - وقيل غير هذا مما لا أرى ذكره هنا ولله در ابن العربي حيث قال يجب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عما نسب إليهم الجهال ولكن الباري سبحانه بحكمه النافذ وقضائه السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمدا للأكل ناسيا للعهد فقال في تعمده وعصي آدم وقال في بيان عذره ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي فمتعلق العهد غير متعلق النسيان 2وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه عصى تثريبا ويعود عليه بفضله فيقول نسي تقريبا ولا يجوز لأحد منا أن يطلق ذلك على آدم أو يذكره إلا في تلاوة القرءان أو قول النبي صلى الله عليه و سلم انتهى من الأحكام وقوله سبحانه إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى المعنى إن لك يا آدم في الجنة نعمة تامة لا يصيبك جوع ولا عري ولا ظمأ ولا بروز للشمس يؤذيك وهو الضحاء وقوله فوسوس إليه ص - عدي هنا بالي على معنى أنهى الوسوسة إليه وفي الأعراف باللام فقال أبو البقاء لأنه بمعنى ذكر لهما انتهى ثم أعلمهم سبحانه أن من اتبع هداه فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وأن من أعرض عن ذكر الله وكفر به فإن له معيشة ضنكا والضنك النكد الشاق من العيش والمنازل ونحو ذلك وهل هذه المعيشة الضنك تكون في الدنيا أو في البرزخ أو في الآخرة أقوال ت - ويحتمل في الجميع قال القرطبي قال أبو سعيد الخدري وابن مسعود ضنكا عذاب القبر وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أتدرون فيمن نزلت هذه الآية فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى أتدرون ما المعيشة الضنك قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في القبر والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا وهي الحيات لكل حية تسعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة ويحشر من قبره إلى موقفه أعمى انتهى من التذكرة فإن صح هذا الحديث فلا نظر لأحد معه وإن لم يصح فالصواب حمل الآية على عمومها والله أعلم قال الثعلبي قال ابن عباس فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى قال أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة وفي لفظ آخر ضمن الله تعالى لمن قرأ القرءان الحديث وعنه من قرأ القرءان واتبع ما فيه هداه الله تعالى من الضلالة ووقاه الله تعالى يوم القيامة سوء الحساب انتهى وقوله سبحانه ونحشره يوم القيامة أعمى قالت فرقة وهو عمى البصر وهذا هو الأوجه وأما عمي البصيرة فهو حاصل للكافر وقوله سبحانه كذلك أتتك آياتنا فنسيتها النسيان هنا هو الترك ولا مدخل للذهول في هذا الموضع وتنسى أيضا بمعنى تترك في العذاب وقوله سبحانه أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون المعنى أفلم يبين لهم وقرأت فرقة نهد بالنون والمراد بالقرون المهلكين عاد وثمود والطوائف التي كانت قريش تجوز على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره ثم أعلم سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم أن العذاب كان يصير لهم لزاما لولا كلمة سبقت من الله تعالى في تأخيره عنهم إلى أجل مسمى عنده فتقدير الكلام ولولا كلمة سبقت في التأخير وأجل مسمى لكان العذاب لزاما كما تقول لكان حتما أو واقعا لكنه قدم وآخر لتشابه رؤوس الآيي واختلف في الأجل المسمى هل هو يوم القيامة أو موت كل واحد منهم أو يوم بدر وفي صحيح البخاري أن يوم بدر هو اللزام وهو البطشة الكبرى يعني وقع في البخاري من تفسير ابن مسعود وليس هو من تفسير النبي صلى الله عليه و سلم قال ص - ولزاما أما مصدر وأما بمعنى ملزم وأجاز أبو البقاء أن يكون جمع لازم كقائم وقيام انتهى ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بالصبر على أقوالهم أنه ساحر أنه كاهن أنه كاذب إلى غير ذلك وقوله سبحانه وسبح بحمد ربك الآية قال أكثر المفسرين هذه إشارة إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل غروبها صلاة العصر ومن آناء الليل العشاء وأطراف النهار المغرب والظهر قال ابن العربي والصحيح أن المغرب من طرف الليل لا من طرف النهار انتهى من الأحكام وقالت فرقة آناء الليل المغرب والعشاء وأطرف النهار الظهر وحدها ويحتمل اللفظ أن يراد به قول سبحان الله وبحمده وقالت فرقة في الآية إشارة إلى نوافل فمنها آناء الليل ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر ت - ويتعذر على هذا التأويل قوله وقبل غروبها إذ ليس ذلك الوقت وقت نفل على ما علم إلا أن يتأول ما قبل الغروب بما قبل صلاة العصر وفيه بعد قال ص - بحمد ربك في موضع الحال أي وأنت حامد انتهى وقرأ الجمهور لعلك ترضى بفتح التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به قال ابن العربي في أحكامه وهذه الآية تماثل قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى وعنه صلى الله عليه و سلم أنه قال إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس يعني الصبح وقبل غروبها فافعلوا وفي الحديث الصحيح أيضا من صلى البردين دخل الجنة انتهى وقرأ الكسائي و أبو بكر عن عاصم ترضى أي لعلك تعطى ما يرضيك ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم بالاحتقار لشأن الكفرة والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذلك منحسر عنهم صائر إلى خزي والأزواج الأنواع فكأنه قال إلى ما متعنا به أقواما منهم وأصنافا وقوله زهرة الحياة الدنيا شبه سبحانه نعم هؤلاء الكفار بالزهر وهو ما اصفر من النور وقيل الزهر النور جملة لأن الزهر له منظر ثم يضمحل عن قرب فكذلك مال هؤلاء ثم أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم أن ذلك إنما هو ليختبرهم به ويجعله فتنة لهم وأمرا يجازون عليه أسوء الجزاء لفساد تقلبهم فيه ص - وزهرة منصوب على الذم أو مفعول ثان لمتعنا مضمن معنى أعطينا ورزق الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده خير وأبقى أي رزق الدنيا خير ورزق الآخرة أبقى وبين أنه خير من رزق الدنيا ثم أمره سبحانه وتعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم ويصطبر عليها ويلازمها وتكفل هو تعالى برزقه لا إله إلا هو وأخبره أن العاقبة للمتقين بنصره في الدنيا ورحمته في الآخرة وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم ويدخل في عمومه جميع أمته وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقول ولا تمدن عينيك الآية إلى قوله وأبقى ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله ويصلي وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بالآية قال الداودي وعن عبد الله بن سلام قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة ثم قرأ وأمر أهلك بالصلاة إلى قوله للتقوى انتهى قال ابن عطاء الله في التنوير وأعلم أن هذه الآية علمت أهل الفهم عن الله تعالى كيف يطلبون رزقهم فإذا توقفت عليهم أسباب المعيشة أكثروا من الخدمة والموافقة وقرعوا باب الرزق بمعاملة الرزاق جل وعلا ثم قال وسمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول والله ما رأيت العزة إلا في رفع الهمة عن الخلق وأذكر رحمك الله هنا ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ففي العز الذي أعز الله به المؤمن رفع همته إلى مولاه وثقته به دون من سواه وأستحي من الله بعد أن كساك حله الأيمان وزينك بزينة العرفان أن تستولي عليك الغفلة والنسيان حتى تميل إلى الأكوان أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان ثم قال ورفع الهمة عن الخلق هو ميزان ذوي الكمال ومسبار الرجال وكما توزن الذوات كذلك توزن الأحوال والصفات انتهى ومن كتاب صفوة التصوف لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حديث بسنده عن ابن عمر قال أتى النبي صلى الله عليه و سلم رجل فقال يا رسول الله حدثني حديثا واجعله موجزا فقال له النبي صلى الله عليه صل صلاة مودع كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك وايأس مما في أيدي الناس تعش غنيا وإياك وما يعتذر منه ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي صلى الله عليه و سلم وقالوا لولا يأتينا محمد بآية من ربه أي بعلامة مما اقترحناها عليه ثم وبخهم سبحانه بقوله أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى أي ما في التوراة وغيرها ففيها أعظم شاهد وأكبر آية له سبحانه وقوله سبحانه ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله أي من قبل إرسالنا إليهم محمدا لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا الآية وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة الهالك في الفترة والمغلوب على عقله والصبي الصغير فيقول المغلوب على عقله رب لم تجعل لي عقلا ويقول الصبي نحوه ويقول الهالك في الفترة رب لم ترسل إلي رسولا ولو جاءني لكنت أطوع خلقك لك قال فترتفع لهم نار ويقال لهم ردوها فيردها من كان في علم الله أنه سعيد ويكع عنها الشقي فيقول الله تعالى إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم قال ع - أما الصبي والمغلوب على عقله فبين أمرهما وأما صاحب الفترة فليس ككفار قريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم لأن كفار قريش وغيرهم ممن علم وسمع نبؤة ورسالة في أقطار الأرض ليس بصاحب فترة وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم لرجل أبي وأبوك في النار ورأى صلى الله عليه و سلم عمرو بن لحي في النار إلى غير هذا مما يطول ذكره وإنما صاحب الفتره يفرض أنه آدمي لم يطرأ إليه أن الله تعالى بعث رسولا ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا أن يشذ في أطراف الأرض والمواضع المنقطعة عن العمران ت - والصحيح في هذا الباب أن أولاد المشركين في الجنة وأما أولاد المسلمين ففي الجنة من غير شك متفق عليه وقد أسند أبو عمر في التمهيد من طريق أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال سألت ربي في اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبهم فأعطانيهم قال أبو عمر إنما قيل للأطفال اللاهون لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم ثم أسند أبوعمر عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أولاد المشركين خدم أهل الجنة قال أبو عمر وروى شعبة وسعيد بن أبي عروبة وأبو عوانة عن قتادة عن أبي سراية العجلي عن سلمان قال أطفال المشركين خدم أهل الجنة وذكر البخاري حديث الرؤيا الطويل وفيه وأما الرجل الطويل الذي في الروضه فإنه ابراهيم عليه السلام وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة فقيل يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وأولاد المشركين وفي رواية والصبيان حوله أولاد الناس وظاهره الهموم في جميع أولاد الناس انتهى من التمهيد والذل والخزي مقترنان بعذاب الآخرة وقوله قل كل أي منا ومنكم متربص والتربص التأني والصراط الطريق وهذا وعيد بين والله الموفق والهادي إلى الرشاد بفضله سورة الأنبياء عيهم الصلاة والسلام مكية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل اقترب للناس حسابهم الآية روي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كان يبني جدارا فمر به آخر يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من القرءان فقال الآخر نزل اليوم اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون فنفض يديه من البنيان وقال والله لا بنيت قال أبو بكر بن العربي قال لي شيخي في العبادة لا يذهب لك الزمان في مصاولة الأقران ومواصلة الأخوان ولم أر للخلاص شيئا أقرب من طريقين إما أن يغلق الإنسان على نفسه بابه وإما أن يخرج إلى موضع لا يعرف فيه فإن اضطر إلى مخالطة الناس فليكن معهم ببدنه ويفارقهم بقلبه ولسانه فإن لم يستطع فبقلبه ولا يفارق السكوت قال القرطبي ولأبي سليمان الخطابي في هذا المعنى ... أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فدام الأنس لي ونمى السرور ... وأدبني الزمان فلا أبالي ... بأني لا أزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت حيا ... أسار الجيش أم ركب الأمير ... انتهى من التذكرة وقوله اقترب للناس حسابهم عام في جميع الناس وأن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ويدل على ذلك ما يأتي بعد من الآيات قال ص - اقترب بمعنى الفعل المجرد وهو قرب وقيل اقترب ابلغ للزيادة وهم في غفلة الواو للحال انتهى وقوله وهم في غفلة معرضون يريد الكفار ويأخذ عصاة المؤمنين من هذه الألفاظ قسطهم ت - أيها الأخ اشعر قلبك مهابة ربك فإليه مئالك وتأهب للقدوم عليه فقد آن ارتحالك أنت في سكرة لذاتك وغشية شهواتك وإغماء غفلاتك ومقراض الفناء يعمل في ثوب حياتك ويفصل أجزاء عمرك جزءا جزءا في سائر ساعاتك كل نفس من أنفاسك جزء منفصل من جملة ذاتك وبذهاب الأجزاء تذهب الجمل أنت جملة تؤخذ آحادها وأبعاضها إلى أن تستوفي سائرها عساكر الأقضية والأقدار محدقة بأسوار الأعمار تهدمها بمعاول الليل والنهار فلو أضاء لنا مصباح الاعتبار لم يبق لنا في جميع أوقاتنا سكون ولا قرار انتهى من الكلم الفارقية والحكم الحقيقية وقوله ما يأتيهم من ذكر وما بعده مختص بالكفار والذكر القرءان ومعناه محدث نزوله لا هو في نفسه وقوله وهم يلعبون جملة في موضع الحال أي استماعهم في حال لعب فهو غير نافع ولا واصل إلى النفس وقوله لاهية حال بعد حال واختلف النحاة في إعراب قوله وأسروا النجوى الذين ظلموا فمذهب سيبويه رحمه الله تعالى أن الضمير في أسروا فاعل وأن الذين بدل منه وقال ليس في القرءان لغة من قال أكلوني البراغيث ومعنى أسروا النجوى تكلمهم بينهم في السر ومناجات بعضهم لبعض وقال أبو عبيدة اسروا أظهروا وهو من الأضداد ثم بين تعالى الأمر الذي تناجوا به وهو قول بعضهم لبعض على جهة التوبيخ بزعمهم أفتأتون السحر المعنى أفتتبعون السحر وأنتم تبصرون ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقول لهم وللناس جميعا قل ربي يعلم القول في السماء والأرض أي يعلم أقوالكم هذه وهو بالمرصاد في المجازاة عليها ثم عدد سبحانه جميع ما قالته طوائفهم ووقع الإضراب بكل مقالة عن المتقدمة لها ليبين اضطراب أمرهم فقال تعالى بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر والأضغاث الأخلاط ثم حكى سبحانه اقتراحهم ءاية تضطرهم كناقة صالح وغيرها وقولهم كما أرسل الأولون دال على معرفتهم بإتيان الرسل الأمم المتقدمة وقوله سبحانه ما ءامنت قبلهم فيه محذوف يدل عليه المعنى تقديره والآية التي طلبوها عادتنا أن القوم أن كفروا بها عاجلناهم وما آمنت قبلهم قرية من القرى التي نزلت بها هذه النازلة أفهذه كانت تؤمن وقوله أهلكناها جملة في موضع الصفة لقرية والجمل إذا اتبعت النكرات فهي صفات لها وإذا اتبعت المعارف فهي أحوال منها وقوله سبحانه وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون هذه الآية رد على من استبعد منهم أن يبعث الله بشرا رسولا والذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله عباده فأهل القرءان أهل ذكر وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرءان في ذلك الوقت لأنهم كانوا خصومهم وأنما أحيلوا على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لكفار قريش على ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام قيل الجسد من الأحياء مالا يتغذى وقيل الجسد يعم المتغذي من الأجسام وغير المتغذي فجعلناهم جسدا على التأويل الأول بين تعالى الامر الذى تناجوا به وهو قول بعضهم لبعض على جهة التوبيخ بزعمهم افتاتون السحر المعنى افتتبعون السحر وانتم تبصرون ثم امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم ان يقول لهم وللناس جميعا قل ربى يعلم القول فى السماء والارض اي يعلم اقوالكم هذه وهو بالمرصاد فى المجازاة عليها ثم عدد سبحانه جميع ما قالته طوائفهم ووقع الاضراب بكل مقالة عن المتقدمة لها ليبن اضطراب امرهم فقال تعالى بل قالوا اضغاث احلام بل افتراه بل هو شاعر واضغاث الاخلاط ثم حكى سبحانه اقتراحهم اية تضطرهم كناقة صالح وغيرها وقولهم كما ارسل الاولون دال على معرفتهم باتيان الرسل الامم المتقدمة وقوله سبحانه ماءامنت قبلهم فيه محذوف يدل عليه المعنى تقديره والآية التى طلبوها عادتنا ان القوم ان كفروا بها عاجلناهم وما ءامنت قبلهم قرية من القرى التى نزلت بها هذه الناولة أفهذه كانت تومن وقوله اهلكناها جملة فى موضع الصفة لقرية والجمل اذا اتبعت النكرات فهى صفات لها واذا اتبعت المعارف فهى احوال منها وقوله سبحانه وما ارسلنا قبلك الا رجالا يوحى اليهم فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون هذه الآية رد على من استبعد منهم ان يبعث الله بشرا رسولا والذكر هو كل ما ياتى من تذكير الله عباده فاهل القرءان اهل ذكر واما المحال على سؤالهم فى هذه الآية فلا يصح ان يكونوا اهل القرءان فلا ذلك الوقت لانهم كانوا خصومهم وانما احيلوا على سؤال احبار اهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لكفار قريش على ترك الايمان بمحمد صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه وما جعلناهم جسدا لا ياكلون الطعام قيل الجسد من الاحياء مالا يتغذى وقيل الجسد يعم المتغذى من الاجسام وغير المتغذى فجعلناهم جسدا على التاويل الاول منفى وعلى الثانى موجب والنفى واقع على صفته وقوله سبحانه ثم صدقناهم الوعد الآية هذه ءاية وعيد وقوله ومن نشاء يعنى من المومنين والمسرفون الكفار ثم وجهنم تعالى بقوله لقد أنزلنا اليكم كتابا يعنى القرءان فيه ذكركم أي شرفكم ءاخر الدهر وفى هذا التحريض لهم ثم أكد التحريض بقوله افلا تعقلون وكم للتكثير وقصمنا معناه أهلكنا واصل القصم الكسر فى الإجرام فإذا استعير للقوم والقرية ونحو ذلك فهو ما يشبه الكسر وهو إهلاكهم وأنشأنا أي خلقنا وبثثنا أمة أخرى غير المهلكة وقوله فلما أحسوا وصف عن حال قرية من القرى المجملة أولا قيل كانت باليمن تسمى حضور بعث الله تعالى إلى أهلها رسولا فقتلوه فأرسل الله تعالى عليهم بختنصر صاحب بني اسراءيل فهزموا جيشه مرتين فنهض فى الثالثة بنفسه فلما هزمهم وأخذ القتل فيهم ركضوا هاربين ويحتمل أن لا يريد بالآية قرية بعينها وأن هذا وصف حال كل قرية من القرى المعذبة إذا أحسوا العذاب من أي نوع كان أخذوا في الفرار واحسوا باشروه بالحواس ص اذا هم منها يركضون إذا الفجائية وهى وما بعدها جواب لما انتهى وقوله لا تركضوا يحتمل على الرواية المتقدمة أن يكون من قول رجال بختنصر على جهة الخداع والاستهزاء بهم فلما انصرفوا راجعين أمر بختنصرأن ينادى فيهم ياثارات النبي المقتول فقتلوا بالسيف عن آخرهم قال وهذا كله مروى ويحتمل أن يكون لا تركضوا إلى ءاخر الآية من كلام ملائكة العذاب على جهة الهزءبهم وقوله حصيدا أي بالعذاب كحصيد الزرع بالمنجل وخامدين أي موتى مشبهين بالنار إذا طفئت ثم وعظ سبحانه السامعين بقوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين وقوله سبحانه لو أردنا ان نتخذ لهوا الآية ظاهر الآية الرد على من قال من الكفار فى أمر مريم وما ضارعه من الكفر تعالى الله عن قول المبطلين وان فى قوله ان كنا فاعلين يحتمل ان تكون شرطية ويحتمل ان تكون نافية بمعنى ما كنا فاعلين وكل هذا قد قيل والحق عام فى القرءان والرسالة والشرع وكل ما هو حق فيدمغه معناه يصيب دماغه وذلك مهلك فى البشر فكذلك الحق يهلك الباطل والويل الخزى وقيل هو اسم واد فى جهنم وانه المراد فى هذه الآية وهذه مخاطبة للكفار الذين وصفوا الله عز و جل بما لا يجوز عليه تعالى الله عن قولهم وقوله ومن عنده الآية عند هنا ليست فى المسافات وانما هى تشريف فى المنزلة ولا يستحسرون اي لا يكلون والحسير من الابل المعيى وقوله لا يفترون وفى الترمذى عن ابي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم انى ارى ما لا ترون واسمع ما لا تسمعون اطت السماء وحق لها ان تئط ما فيها موضع اربع اصابع الا وملك واضع جبهته ساجدا لله الحديث قال ابو عيسى هذا حديث صحيح وفى الباب عن عائشة وابن عباس وانس انتهى من اصل الترمذي اعنى جامعة وقوله سبحانه ام اتخذوا ءالهة من الارض هم ينشرون اي يحيون غيرهم ثم بين تعالى امر التمانع بقوله لو كان فيهما ءالهة الا الله لفسدتا وقد تقدم ايضاح ذلك عند قوله تعالى اذا لابتغوا الى ذي العرش سبيلا وقوله هذا ذكر من معى وذكر من قبلى يحتمل ان يريد بالاشارة بقوله هذا الى جميع الكتب المنزلة قديمها وحديثها انها بين ان الله الخالق واحد لا شريك له يحتمل ان يريد بقوله هذا القرءان والمعنى فيه نبأ الاولين والآخرين فنص اخبار الاولين وذكر الغيوب فى امورهم حسبما هى فى الكتب المتقدمة وذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم ثم حكم عليهم سبحانه بان اكثرهم لا يعلمون الحق لاعراضهم عنه وليس المعنى فهم معرضون لانهم لا يعلمون بل المعنى فهم معرضون ولذلك لا يعلمون الحق وباقى الآية بين ثم بين سبحانه نوعا آخر من كفرهم بقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا الآية كقوله بعضهم اتخذ الملائكة بناتا وكما قالت النصارى فى عيسى بن مريم واليهود فى عزير وقوله سبحانه بل عباد مكرمون عبارة تشمل الملائكة وعيسى وعزير وقال ص - بل اضراب عن نسبه الولد اليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا وعباد خبر مبتدإ محذوف اي هم عباد قاله ابو البقاء انتهى وقوله سبحانه لا يسبقونه بالقول عبارة عن حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الامر ثم اخبر تعالى انهم لا يشفعون الا لمن ارتضى الله ان يشفع له قال بعض المفسرين لاهل لا اله الا الله والمشفق المبالع فى الخوف المحترق النفس من الفزع على امرما وقوله سبحانه ومن يقل منهم انى اله من دونه الآية المعنى ومن يقل منهم كذا ان لو قاله وليس منهم من قال هذا وقال بعض المفسرين المراد بقوله ومن يقل الآية ابليس وهذا ضعيف لان ابليس لم يرو قط انه ادعى الربوبية ثم وقفهم سبحانه على عبرة دالة على وحدانيته جلت قدرته فقال اولم ير الذين كفروا ان السموات والارض كانتا رتقا والرتق الملتصق بعضه ببعض الذى لا صدع فيه ولا فتح ومنه امرأة رتقاء واختلف في معنى قوله كانتا رتقا ففتقناهما فقالت فرقة كانت السماء ملتصقة بالارض ففتقها الله بالهواء وقالت فرقة كانت السموات ملتصقة بعضها ببعض والارض كذلك ففتقهما الله سبعا سبعا فعلى هذين القولين فالرؤية الموقف عليها رؤية قلب وقالت فرقة السماء قبل المطر رتق والارض قبل النبات رتق ففتقهما الله تعالى بالمطر والنبات كما قال تعالى والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة بمحسوس بين ويناسب قوله تعالى وجعلنا من الماء كل شىء حي اي من الماء الذى كان عن الفتق فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار بها وقالت فرقة السماء والارض رتق بالظلمة ففتقهما الله بالضوء والرؤية على هذين القولين رؤية العين وباقي الآية بين قال ص قال الزجاج السموات جمع اريد به الواحد ولذا قال كانتا رتقا وقال الحوفى قال كانتا والسموات جمع لانه اراد الصنفين انتهى وقوله سقفا محفوظا الحفظ هنا عام فى الحفظ من الشيطان ومن الوهى والسقوط وغير ذلك من الآفات والفلك الجسم الدائر دورة اليوم والليلة ويسبحون معناه يتصرفون وقالت فرقة الفلك موج مكفوف ورأوا قوله يسبحون من السباحة وهى العوم وقوله عز و جل وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد الآية وتقدير الكلام افهم الخالدون ان مت وقوله سبحانه كل نفس ذائقة الموت الآية موعظة بليغة لمن وفق قال ابو نعيم كان الثورى رضى الله عنه اذا ذكر الموت لا ينتفع به اياما انتهى من التذكرة للقرطبي قال عبد الحق في العاقبة وقد أمر النبي صلى الله عيله وسلم بذكر الموت وأعاد القول فيه تهويلا لامره وتعظيما لشانه ثم قال واعلم ان كثرة ذكر الموت يردع عن المعاصى ويلين القلب القاسى قال الحسن ما رأيت عاقلا قط الا وجدته حذرا من الموت حزينا من اجله ثم قال واعلم ان طول الامل يكسل عن العمل ويورث التوانى ويخلد الى الارض ويميل الى الهوى وهذا امر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج الى بيان ولا يطالب صاحبه بالبرهان كما أن قصره يبعث على العمل ويحمل على المبادرة ويحث على المسابقة قال النبى صلى الله عليه و سلم انا النذير والموت المغير والساعة الموعد ذكره القاضى ابو الحسن بن صخر فى الفوائد انتهى ونبلوكم معناه نختبركم وقدم الشر على لفظه الخير لأن العرب من عادتها ان تقدم الاقل والأردى ومنه قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فبدأ تعالى فى تقسيم امه سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم بالظالم وفتنة معناه امتحانا وقوله تعالى واذا رءاك الذين كفروا كأبي جهل وغيره وان بمعنى ما وفى الكلام حذف تقديره يقولون أهذا الذى وقال ص ان نافية والظاهر انها وما دخلت عليه جواب اذا انتهى وقوله سبحانه وهم بذكر الرحمن هم كافرون روى ان الآية نزلت حين انكروا هذه اللفظة وقالوا ما نعرف الرحمن الا في اليمامة وظاهر الكلام ان الرحمن قصد به العبارة عن الله عز و جل ووصف سبحانه الإنسان الذى هو اسم جنس بانه خلق من عجل وهذا على جهة المبالغة كما تقول للرجل البطال انت من لعب ولهو وقوله سبحانه لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار الآية حذف جواب لو ايجازا لدلالة الكلام عليه وتقدير المحذوف لما استعجلوا ونحوه وذكر الوجوه لشرفها من الانسان ثم ذكر الظهور ليبين عموم النار لجميع ابدانهم والضمير فى قوله بل تاتيهم بغتة للساعة التى تصيرهم الى العذاب ويحتمل ان يكون للنار وينظرون معناه يؤخرون وحاق معناه حل ونزل ويكلؤكم اي يحفظكم وقوله سبحانه ولا هم منا يصبحون يحتمل تاويلين احدهما يجارون ويمنعون والآخر ولاهم منا يصبحون بخير وتزكية ونحو هذا وقوله سبحانه افلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها الآية ناتي الأرض معناه بالقدرة ونقص الارض اما ان يريد بتخريب المعمور واما بموت البشر وقال قوم النقص من الاطراف موت العلماء ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم متوعدا لهؤلاء الكفرة بقوله ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك الآية والنفحة الخطرة والمسة والمعنى ولئن مستهم صدمة عذاب ليند من وليقرن بظلمهم وباقي الآية بين وقال الثعلبي نفحة أي طرف قاله ابن عباس انتهى وقوله سبحانه ليوم القيامة قال ابو حبان اللام للظرفية بمعنى فى انتهى قال القرطبى فى تذكرته قال العلماء اذا انقضى الحساب كان بعده وزن الاعمال لان الوزن للجزاء فينبغى ان يكون بعد المحاسبة واختلف فى الميزان والحوض ابهما قبل الآخر قال ابو الحسن القابسي والصحيح ان الحوض قبل الميزان وذهب صاحب القوت وغيره الى ان حوض النبى صلى الله عليه و سلم انما هو بعد الصراط قال القرطبى والصحيح ان النبي صلى الله عليه و سلم حوضين وكلاهما يسمى كوثرا وان الحوض الذى يذاد عنه من بدل وغير يكون فى الموقف قبل الصراط وكذا حياض الانبياء عليهم الصلاة والسلام تكون فى الموقف على ما ورد فى ذلك من الاخبار انتهى والفرقان الذى اوتى موسى وهارون قيل التوراة وهى الضياء والذكر وقالت فرقة الفرقان هو ما رزقهما الله تعالى من نصر وظهور على فرعون وغير ذلك والضياء التوراة والذكر بمعنى التذكرة وقوله سبحانه وهذا ذكر مبارك يعني القرءان ثم وقفهم سبحانه تقريرا وتوبيخا هل يصح لهم إنكار بركته وما فيه من الدعاء الى الله تعالى والى صالح العمل وقوله سبحانه ولقد آتينا إبراهيم رشده الآية الرشد عام اي فى جميع المراشد وانواع الخيرات وقال الثعلبى رشده أي توفيقه وقيل صلاحه انتهى وقوله وكنا به عالمين مدح لابراهيم عليه السلام اي عالمين بما هل له وهذا نحو قوله تعالى الله اعلم حيث يجعل رسالته والتماثيل الاصنام وقوله وتالله لأكيدن أصنامكم الآية روى انه حضرهم عيد لهم فعزم قوم منهم على ابراهيم فى حضوره طعما منهم ان يستحسن شيأ من احوالهم فمشى معهم فلما كان فى الطريق ثنى عزمه على التخلف عنهم فقعد وقال لهم انى سقيم فمر به جمهورهم ثم قال فى خلوة من نفسه وتالله لاكيدن اصنامكم فسمعه قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في ءاخر الناس وقوله بعد ان تولوا مدبرين معناه الى عيدكم ثم انصرف ابراهيم عليه السلام الى بيت اصنامهم فدخله ومعه قدوم فوجد الاصنام قد وقفت اكبرها اول ثم الذي يليه فالذي يليه وقد جعلوا اطعمتهم فى ذلك اليوم بين يدي الاصنام تبركا لينصرفوا من ذلك العيد الى اكله فجعل عليه السلام يقطعها بتلك القدوم ويهشمها حتى أفسد أشكالها حاشا الكبير فانه تركه بحاله وعلق القدوم فى يده وخرج عنها وجذاذا معناه قطعا صغارا والجذ القطع والضمير فى اليه اظهر ما فيه انه عائد على ابراهيم اي فعل هذا كله ترجيا منه ان يعقب ذلك منهم رجعه اليه والى شرعه ويحتمل ان يعود على كبيرهم وقوله سبحانه قالوا من فعل هذا الآية المعنى فانصرفوا من عيدهم فرأوا ما حدث بآلهتهم فقالوا من فعل هذا بئالهتنا وقالوا الثانى الضمير فيه للقوم الضعفة الذين سمعوا قول ابراهيم تالله لأكيدن أصنامكم وقوله على أعين الناس يريد فى الحفل وبمحضر الجمهور وقوله يشهدون يحتمل ان يريد الشهادة عليه بفعله او بقوله لاكيدن ويحتمل ان يريد به المشاهدة اي يشاهدون عقوبته او غلبته المؤدية الى عقوبته وقوله عليه السلام بل فعله كبيرهم هذا على معنى الاحتجاج عليهم اي انه غار من ان يعيد هو وتعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك وفى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم قال لم يكذب ابراهيم عليه السلام الاثلاث كذبات قوله انى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله للملك هي اختى وكانت مقالاته هذه في ذات الله وذهبت فرقة الى ان معنى الحديث لم يكذب ابراهيم أي لم يقل كلاما ظاهرةالكذب او يشبه الكذب وذهب الفراء الى جهة اخرى فى التأويل بان قال قوله فعله ليس من الفعل وانما هو فعله على جهة التوقع حذف اللام على قولهم عله بمعنى لعله ثم خففت اللام قال ع وهذا تكلف ت قال عياض واعلم اكرمك الله ان هذه الكلمات كلها خارجة عن الكذب لافى القصد ولافى غيره وهى داخلة فى باب المعاريض التى فيها مندوحة عن الكذب فأما قوله بل فعله كبيرهم هذا فانه علق خبره بشرط النطق كأنه قال ان كان ينطق فهو فعله على طريق التبكيت لقومه انتهى ثم ذكر بقية التوجيه وهو واضح لانطيل بسرده وقوله سبحانه فرجعوا الى انفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون اي فى توقيف هذا الرجل على هذا الفعل وانتم معكم من تسئلون ثم رأوا ببديهة العقل ان الاصنام لا تنطق فقالوا لابراهيم حين نكسوا في حيرتهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فوجد ابراهيم عليه السلام عند هذه المقالة موضع الحجة ووقفهم موبخا لهم بقوله أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيأ الآية ثم حقر شأنهم وشأنها بقوله اف لكم ولما تعبدون من دون الله الآية ص وقولهم لقد علمت جواب قسم محذوف معمول لقول محذوف فى موضع الحال اي قائلين لقد علمت انتهى وقال الثعلبى فرجعوا الى انفسهم اي تفكروا بعقولهم فقالوا ما نراه الا كما قال انكم انتم الظالمون فى عبادتكم الاصنام الصغار مع هذا الكبير وما قدمناه عن ع هو الاوجه وأف لفظة تقال عند المستقذرات من الأشياء ويستعار ذلك للمستقبح من المعانى ثم اخذتهم العزة بالاثم وانصرفوا الى طريق الغلبة والغشم فقالوا حرقوه روى ان قائل هذه المقالة هو رجل من الاكراد من اعراب فارس اي من باديتها فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة وروى انه لما اجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود الملك لعنه الله وامر بجمع الحطب حتى اجتمع منه ما شاء الله ثم اضرم نارا فلما ارادوا طرح ابراهيم فيها لم يقدروا على القرب منها فجاءهم ابليس فى صورة شيخ فقال لهم انا اصنع لكم ءالة يلقى بها فعلمهم صنعة المنجنيق ثم اخرج ابراهيم عليه السلام فشد رباطا ووضع فى كفة المنجنيق ورمى به فتلقاه جبريل عليه السلام فى الهواء فقال له الك حاجة فقال اما اليك فلا واما الى الله فبلى ت قال ابن عطاء الله فى التنوير وكن أيها الأخ إبراهيما اذ زج به فى المنجنيق فتعرض له جبريل فقال الك حاجة فقال اما اليك فلا واما الى ربى فبلى فاسئله قال حسبي من سؤالي علمه بحالى فانظر كيف رفع همته عن الخلق ووجهها الى الملك الحق فلم يستغث بجبريل ولا احتال على السؤال بل رأى ربه تعالى اقرب اليه من جبريل ومن سؤاله فلذلك سلمه من نمرود ونكاله وانعم عليه بنواله وافضاله انتهى وقوله سبحانه قلنا يا نار كونى بردا وسلاما قال بعض العلماء فيما روي ان الله تعالى لو لم يقل وسلاما لهلك ابراهيم من برد النار وروي انه لما وقع فى النار سلمه الله واحترق الحبل الذى ربط به وقد اكثر الناس فى قصصه فاختصرناه لعدم صحة اكثره وروى ان ابراهيم عليه السلام كان له بسط وطعام فى تلك النار كل ذلك من الجنة وروى ان العيدان اينعت وأثمرت له هناك ثمارها وروي انهم قالوا ان هذه نار مسحورة لا تحرق فرموا فيها شيخا منهم فاحترق والله اعلم بما كان من ذلك ت قال صاحب غاية المغنم فى اسم الله الاعظم وهو من الائمة المحدثين وعن الامام احمد بن حنبل رحمه الله انه يكتب للمحموم ويعلق عليه بسم الله الرحمن الرحيم يا الله يا الله محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم وارادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين اللهم رب جبريل وميكائيل اشف حاملها بحولك وقوتك وجبروتك يا ارحم الراحمين انتهى وقوله وسلاما معناه وسلامة والكيد هو ما ارادوه من حرقة وقوله سبحانه ونجيناه ولوطا الآية روى ان ابراهيم عليه السلام لما خرج من النار احضره نمرود وقال له فى بعض قوله يا ابراهيم اين جنود ربك الذى تزعم فقال له عليه السلام سيريك فعل اضعف جنوده فبعث الله تعالى على نمرود واصحابه سحابة من بعوض فاكلتهم عن آخرهم ودوابهم حتى كانت العظام تلوح بيضاء ودخلت منها بعوضة فى رأس نمرود فكان رأسه يضرب بالعيدان وغيرها ثم هلك منها وخرج ابراهيم وابن اخيه لوط عليهما السلام من تلك الارض مهاجرين وهى كوثى من العراق ومع ابراهيم ابنت عمه سارة زوجته وفي تلك السفرة لقى الجبار الذى رام اخذها منه واختلف فى الارض التى بورك فيها ونحا اليها ابراهيم ولوط عليهما السلام فقالت فرقة هى مكة وقال الجمهور هى الشام فنزل ابراهيم بالسبع من ارض فلسطين وهى برية الشام ونزل لوط بالمؤتكفة والنافلة العطية وباقى الآية بين وخبائث قرية لوط هى اتيان الذكور وتضارطهم فى مجالسهم الى غير ذلك من قبيح افعالهم وقوله سبحانه فى نوح عليه السلام ونصرناه من القوم آلآية لما كان جل نصرته النجاة وكانت غلبة قومه بامر اجنبي منه حسن ان يقول نصرناه من ولا تتمكن هنا على قال ص عدي نصرناه بمن لتضمنه معنى نجينا وعصمنا ومنعنا وقال ابو عبيدة من بمعنى على ت وهذا اولى واما الاول ففيه نظرلان تلك الالفاظ المقدمة كلها غير مرادفة لنصرنا انتهى ت وكذا يظهر من كلام ابن هشام ترجيح الثانى وذكر هؤلاء الانبياء عليهم السلام ضرب مثل لقصة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم مع قومه ونجاة الانبياء وهلاك مكذبيهم ضمنها توعد لكفار قريش وقوله تعالى وداود وسليمان المعنى واذكر داود وسليمان هكذا قدره جماعة من المفسرين ويحتمل ان يكون المعنى واتينا داود والنفش هو الرعى ليلا ومضى الحكم فى الاسلام بتضمين ارباب النعم ما افسدت بالليل لان على اهلها ان يثقفوها وعلى اهل الزروع حفظها بالنهار هذا هو مقتضى الحديث فى ناقة ابن عازب وهو مذهب مالك وجمهور الامة وفى كتاب ابن سحنون ان الحديث انما جاء في امثال المدينة التى هى حيطان محدقة واما البلاد التى هى زروع متصله غير محظرة فيضمن ارباب النعم ما افسدت بالليل والنهار قال ص والضمير فى قوله لحكمهم يعود على الحاكمين والمحكوم له وعليه ابو البقاء وقيل الضمير لداود وسليمان عليهما السلام فقط وجمع لان الاثنين جمع انتهى قال ابن العربى فى احكامه المواشي على قسمين ضوار وغير ضوار وهكذا قسمها مالك فالضوارى هى المعتادة باكل الزروع والثمار فقال مالك تغرب وتباع فى بلد لا زرع فيه ورواه ابن القاسم فى الكتاب وغيره قال ابن حبيب وان كره ذلك اربابها وكان قول مالك فى الدابة التى ضريت بفساد الزرع ان تغرب وتباع واما ما يستطاع الاحتراز منه فلا يؤمر صاحبه باخراجه عن ملكه وهذا بين انتهى وقوله يسبحن اي يقلن سبحان الله هذا قول الاكثر وذهبت فرقة منهم منذر بن سعيد الى أنه بمعنى يصلين معه بصلاته واللبوس فى اللغة هو السلاح فمنه الدرع وغيره قال ص ولبوس معناه ملبوس كالركوب بمعنى المركوب قال الشاعر ... عليها اسود ضاريات لبوسهم ... سوابغ بيض لاتخرقها النبل ... ولسليمان الريح اي وسخرنا لسليمان الريح هذا على قراءة النصب وقرأت فرقة الريح بالرفع ويروى ان الريح العاصفة كانت تهب على سرير سليمان الذى فيه بساطه وقد مد حول البساط بالخشب والالواح حتى صنع سريرا يحمل جميع عسكره واقواته فتقله من الارض فى الهواء ثم تتولاه الريح الرخاء بعد ذلك فتحمله الى حيث اراد سليمان قال ص والعصف الشدة والرخاء اللين انتهى وقوله تعالى الى الارض التى باركنا فيها اختلف فيها فقالت فرقة هي الشام وكانت مسكنة وموضع ملكه وقد قال بعضهم ان العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب فى الاسراع الى الوطن وان الرخاء كانت فى البدأة حيث اصاب اي حيث يقصد لان ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي ويحتمل ان يريد الارض التى يسير اليها سليمان كائنة ما كانت وذلك انه لم يكن يسير الى الارض الا اصلحها الله تعالى به صلى الله عليه و سلم ولا بركة اعظم من هذا والغوص الدخول فى الماء والارض والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوها وكنا لهم حافظين قيل معناه من افسادهم ما صنعوه وقيل غير هذا ت وقوله سبحانه وانت ارحم الراحمين هذا الاسم المبارك مناسب لحال ايوب عليه السلام وقد روى اسامة بن زيد رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ان لله تعالى ملكا موكلا بمن يقول يا ارحم الراحمين فمن قالها ثلاثا قال له الملك ان ارحم الراحمين قد اقبل عليك فاسئل رواه الحاكم فى المستدرك وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال مر رسول الله صلى الله عليه و سلم برجل وهو يقول يا ارحم الراحمين فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم سل فقد نظر الله اليك رواه الحاكم انتهى من السلاح وفى قصص ايوب عليه السلام طول واختلاف وتلخيص بعض ذلك ان ايوب عليه السلام اصابه الله تعالى باكلة فى بدنه فلما عظمت وتقطع بدنه اخرجه الناس من بينهم ولم يبق معه غير زوجته ويقال كانت بنت يوسف الصديق عليه السلام قيل اسمها رحمة وقيل فى ايوب انه من بنى اسراءيل وقيل انه من الروم من قرية عيصو فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه بما يأكل وتقوم عليه ودام عليه ضره مدة طويلة وروي أن ايوب عليه السلام لم يزل صابرا شاكرا لا يدعو فى كشف ما به حتى ان الدودة تسقط منه فيردها فمر به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به فحينئذ دعا ربه سبحانه فاستجاب له وكانت امرأته غائبة عنه فى بعض شأنها فانبع الله تعالى له عينا وامر بالشرب منها فبرئى باطنه وامر بالاغتسال فبرئى ظاهره ورد الى افضل جماله وأوتى بأحسن ثياب وهب عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحتقن ! منه فى ثوبه فناداه ربه سبحانه وتعالى يا ايوب الم اكن اغنيتك عن هذا فقال بلى يا رب ولكن لاغنى بى عن بركتك فبينما هو كذلك اذا جاءت امرأته فلم تره فى الموضع فجزعت وظنت انه ازيل عنه فجعلت تتوله فقال لها ما شأنك ايتها المرأة فهابته لحسن هيئته وقالت انى فقدت مريضا لي فى هذا الموضع ومعالم المكان قد تغيرت وتأملته فى اثناء المقاولة فرأت ايوب فقالت له انت ايوب فقال لها نعم واعتنقها وبكى فروى انه لم يفارقها حتى اراه الله جميع ماله حاضرا بين يديه واختلف الناس فى اهله وولده الذين ءاتاه الله فقيل كان ذلك كله فى الدنيا فرد الله عليه ولده بأعيانهم وجعل مثلهم له عدة فى الآخرة وقيل بل اوتى جميع ذلك فى الدنيا من اهل ومال ت وقد قدم ع فى صدر القصة ان الله سبحانه اذن لإبليس لعنه الله فى اهلاك مال ايوب وفى اهلاك بنيه وقرابته ففعل ذلك اجمع والله اعلم بصحة ذلك ولو بصحة لوجب تاويله وقوله سبحانه وذكرى للعابدين اي وتذكرة وموعظة للمومنين ولا يعبد الله الا مؤمن وقوله سبحانه واسماعيل وادريس المعنى واذكر اسماعيل وقوله سبحانه وذا النون إذ ذهب مغاضبا التقدير واذكر ذا النون قال السهيلى لما ذكر الله تعالى يونس هنا فى معرض الثناء قال وذا النون وقال فى الآية الاخرى ولا تكن كصاحب الحوت والمعنى واحد ولكن بين اللفظين تفاوت كثير فى حسن الاشارة الى الحالتين وتنزيل الكلام فى الموضعين والاضافة بذي أشرف من الإضافة بصاحب لان قولك ذو يضاف بها الى التابع وصاحب يضاف بها الى المتبوع انتهى والنون الحوت والصاحب يونس ابن متى عليه السلام وهو نبى من اهل نينوى وقوله مغاضبا قيل انه غاضب قومه حين طال عليه امرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه وقد كان الله تعالى امره بملازمتهم والصبر على دعائهم فكان ذلك ذنبه اي فى خروجه عن قومه بغير إذن ربه ت قال عياض والصحيح فى قوله تعالى اذ ذهب مغاضبا انه مغاضب لقومه لكفرهم وهو قول ابن عباس والضحاك وغيرهما لالربه اذ مغاضبة الله تعالى معاداة له ومعاداة الله كفر لا يليق بالمؤمنين فكيف بالانبياء عليهم السلام وفرار يونس عليه السلام خشية تكذيب قومه بما وعدهم به من العذاب وقوله سبحانه فظن ان لن نقدر عليه معناه ان لن نضيق عليه وقيل معناه نقدر عليه ما اصابه وقد قرئى نقدر عليه بالتشديد وذلك كما قيل لحسن ظنه بربه انه لابقضى عليه بعقوبة وقال عياض فى موضع آخر وليس فى قصة يونس عليه السلام نص على ذنب وانما فيها ابق وذهب مغاضبا وقد تكلمنا عليه وقيل انما نقم الله تعالى عليه خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب وقيل بل لما وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال والله لا القاهم بوجه كذاب ابدا وهذا كله ليس فيه نص على معصية انتهى وقوله سبحانه فظن أن لن نقدر عليه قالت فرقة معناه ان لن نضيق عليه فى مذهبه من قوله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وقرأ الزهرى نقدر بضم النون وفتح القاف وشد الدال ونحوه عن الحسن ورروى ان يونس عليه السلام سجد فى جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان فى قعر البحر وقوله انى كنت من الظالمين يريد فيما خالف فيه من ترك ملازمة قومه والصبر عليهم هذا احسن الوجوه فاستجاب الله له ت وليس فى هذه الكلمة ما يدل انه اعترف بذنب كما اشار اليه بعضهم وفى الحديث الصحيح دعوة أخى ذى النون فى بطن الحوت لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين ما دعا بها عبد مؤمن او قال مسلم الا استجيب له الحديث انتهى وعن سعد ابن مالك ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فى قوله تعالى لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين أيما مسلم دعا بها فى مرضه اربعين مرة فمات فى مرضه ذلك اعطى اجر شهيد وأن برئى برئى وقد غفر الله له جميع ذنوبه اخرجه الحاكم فى المستدرك انتهى من السلاح وذكر صاحب السلاح ايضا عن سعد بن ابى وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوة ذى النون إذ دعا وهو فى بطن الحوت لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين فانه لم يدع بها رجل مسلم فى شيء قط الا استجاب اللله تعالى له رواه الترمذى واللفظ له والنسائى والحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد وزاد فيه من طريق آخر فقال رجل يارسول الله هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الا تسمع الى قول الله عز و جل ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المومنين انتهى والغم ما كان ناله حين التقمه الحوت وقوله سبحانه وزكريا اذ نادى ربه الآية تقدم امر زكريا وقوله سبحانه وأصلحنا له زوجه قيل بان جعلت ممن تحمل وهى عاقر قاعد وعموم اللفظ يتناول جميع الإصلاح وقوله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا المعنى انهم يدعون فى وقت تعبداتهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف فى حال واحدة لان الرغبة والرهبة متلازمان والخشوع التذلل بالبدن المتركب على التذلل بالقلب قال القشيرى فى رسالته سئل الجنيد عن الخشوع فقال تذلل القلوب لعلام الغيوب قال سهل بن عبد الله من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان انتهى وقوله سبحانه والتى احصنت فرجها المعنى واذكر التى احصنت فرجها وهى الجارحة المعروفة هذا قول الجمهور وفى إحصانها هو المدح وقالت فرقة الفرج هنا هو فرج ثوبها الذى منه نفخ الملك وهذا قول ضعيف وقد تقدم أمرها ت وعكس رحمه الله فى سورة التحريم النقل فقال قال الجمهور هو فرج الدرع وقوله تعالى أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون يحتمل ان يكون منقطعا خطابا لمعاصرى النبى صلى الله عليه و سلم ثم اخبر عن الناس انهم تقطعوا ثم وعد واوعد ويحتمل ان يكون متصلا بقصة مريم وابنها عليهما السلام ص ابو البقاء وتقطعوا امرهم اي فى امرهم يريد انه منصوب على اسقاط حرف الجر وقيل عدى بنفسه لانه بمعنى قطعوا اي فرقوا انتهى وقال البخارى امتكم امة واحدة اي دينكم دين واحد انتهى وقرأ جمهور السبعة وحرام وقرأ حمزة والكساءى وحفص عن عاصم وحرم بكسر الحاء وسكون الراء وهما مصدران بمعنى فأما معنى الآية فقالت فرقة حرام وحرم معناه جزم وحتم فالمعنى وحتم على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون الى الدنيا فيتوبون ويستعتبون بل هم صائرون الى العقاب وقالت طائفة حرام وحرم اي ممتنع وقوله سبحانه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون الآية تحتمل حتى في هذه الآية ان تتعلق بيرجعون وتحتمل ان تكون حرف ابتداء وهو الأظهر بسبب إذا لانها تقتضى جوابا واختلف هنا فى الجواب والذى اقول به ان الجواب فى قوله فإذا هى شاخصة وهذا هو المعنى الذى قصد ذكره قال ص قال ابو البقاء حتى إذا متعلقة في المعنى بحرام أي يستمر الامتناع إلى هذا الوقت ولا عمل لها في إذا انتهى وقرأ الجمهور فتحت بتخفيف التاء وقرأ ابن عامر وحده فتحت بالتشديد وروى ان يأجوج ومأجوج يشرفون فى كل يوم على الفتح فيقولون غدا نفتح ولا يردون المشيئة الى الله تعالى فإذا كان غد وجدوا الردم كأوله حتى إذا أذن الله تعالى فى فتحه قال قائلهم غدا نفتحه ان شاء الله تعالى فيجدونه كما تركوه قريب الانفتاح فيفتحونه حينئذ ت وقد تقدم فى سورة الكهف كثير من أخبار يأجوج ومأجوج فأغنانا عن إعادته وهذه عادتنا فىهذا المختصر اسئل الله تعالى ان ينفعنا وإياكم به ويجعله لنا نورا بين أيدينا يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم والحدب كل مسنم من الأرض كالجبل والظرب والكدية والقبر ونحوه وقالت فرقة المراد بقوله وهم يأجوج ومأجوج يعنى انهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويملئون الأرض من كثرتهم وقالت فرقة المراد بقوله وهو جميع العالم وإنما هو تعريف بالبعث من القبور وقرأ ابن مسعود وهم من كل جدث بالجيم والثاء المثلثة وهذه القراءة تؤيد هذا التأويل وينسلون معناه يسرعون فى تطامن وأسند الطبرى عن أبى سعيد قال يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون احدا إلا قتلوه الا اهل الحصون فيمرون على بحيرة طبرية فيمر ءاخرهم فيقول كان هنا مرة ماء قال فيبعث الله عليهم النغف حتى تكسر اعناقهم فيقول اهل الحصون لقد هلك اعداء الله فيدلون رجلا ينظر فيجدهم قد هلكوا قال فينزل الله من السماء ماء فيقذف بهم فى البحر فيطهر الله الأرض منهم وفى حديث حذيفة نحو هذا وفى ءاخره قال وعند ذلك طلوع الشمس من مغربها وقوله سبحانه واقترب الوعد الحق يريد يوم القيامة وقوله فاذا هى مذهب سيبويه انها ضمير القصة وجوز الفراء ان تكون ضمير الأبصار تقدمت لدلالة الكلام ومجىء ما يفسرها والشخوص بالبصر إحداد النظر دون ان يطرف وذلك يعترى من الخوف المفرط ونحوه وباقى الآية بين وقوله سبحانه انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم الآية هذه الآية مخاطبة لكفار مكة اي انكم واصنامكم حصب جهنم والحصب ما توقد به النار إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما ان يكون لغة فى الحطب اذا رمى واما قبل ان يرمى فلا يسمى حصبا الا بتجوز وحرق الاصنام بالنار على جهة التوبيخ لعابديها ومن حيث تقع ما لمن يعقل فى بعض المواضع اعترض فى هذه الآية عبد الله بن الزبعرى على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ان عيسى وعزيرا ونحوهما قد عبدا من دون الله فيلزم ان يكونوا حصبا لجهنم فنزلت ان الذين سبقت لهم منا الحسنى الآية والورود فى هذه الآية ورود الدخول والزفير صوت المعذب وهو كنهيق الحمير وشبهه الا انه من الصدر وقوله سبحانه لا يسمعون حسيسها هذه صفة الذين سبقت لهم الحسنى وذلك بعد دخولهم الجنة لان الحديث يقتضى ان فى الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبى ولا ملك إلا جثا على ركبتيه قال البخارى الحسيس والحس واحد وهو الصوت الخفى انتهى والفزع الاكبر عام فى كل هول يكون يوم القيامة فكان يوم القيامة بجملته هو الفزع الاكبر وقوله سبحانه وتتلقاهم الملائكة يريد بالسلام عليهم والتبشير لهم اي هذا يومكم الذى وعدتم فيه الثواب والنعيم والسجل فى قول فرقة هو الصحيفة التى يكتب فيها والمعنى كما يطوى السجل من اجل الكتاب الذى فيه فالمصدر مضاف الى المفعول وهكذا قال البخارى السجل الصحيفة انتهى وما خرجه ابو داود فى مراسيله من ان السجل اسم رجل من كتاب النبى صلى الله عليه و سلم قال السهيلى فيه هذا غير معروف انتهى وقوله سبحانه كما بدأنا اول خلق نعيده يحتمل معنيين أحدهما ان يكون خبرا عن البعث اي كما اخترعنا الخلق اولا على غير مثال كذلك ننشئهم تارة اخرى فنبعثهم من القبور والثانى ان يكون خبرا عن ان كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التى خرج بها الى الدنيا ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه و سلم يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا كما بدأنا اول خلق نعيده وقوله كما بدأنا الكاف متعلقة بقوله نعيده وقالت فرقة الزبور هنا يعم جميع الكتب المنزلة لأنه مأخوذ من زبرت الكتاب اذا كتبته والذكر أراد به اللوح المحفوظ وقالت فرقة الزبور هو زبور داود عليه السلام والذكر التوراة وقالت فرقة الزبور ما بعد التوراة من الكتب والذكر التوراة وقالت فرقة الارض هنا ارض الدنيا اي كل ما يناله المؤمنون من الأرض وقالت فرقة اراد ارض الجنة واستشهدوا بقوله تعالى واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشأ وقوله سبحانه إن فى هذا لبلاغا الاشارة بهذا الى هذه الآيات المتقدمة في قول فرقة وقالت فرقة الإشارة الى القرءان بجملته والعبادة تتضمن الايمان وقوله سبحانه وما أرسلناك الا رحمه للعالمين قالت فرقة هو صلى الله عليه و سلم رحمة للعالمين عموما اما للمؤمنين فواضح واما للكافرين فلأن الله تعالى رفع عنهم ما كان يصيب الامم والقرون السابقة قبلهم من التعجيل بأنواع العذاب المستأصلة كالطوفان وغيره وقوله آذنتكم معناه عرفتكم بنذارتى وأردت ان تشاركونى فى معرفة ما عندى من الخوف عليكم من الله تعالى وقال البخارى آذنتكم أعلمتكم فاذا أعلمتهم فأنت وهم على سواء انتهى ثم اخبرانه لا يعرف تعيين وقت لعقابهم هل هو قريب أم بعيد وهذا أهول وأخوف قال ص وإن أدرى بمعنى ما ادرى انتهى والضمير فى قوله لعلة عائد على الإملاء لهم وفتنة معناه امتحان وابتلاء والمتاع ما يستمتع به مدة الحياة الدنيا ثم امره تعالى ان يقول على جهة الدعاء رب احكم بالحق وهذادعاء فيه توعد ثم توكل فى ءاخر الآية واستعان بالله تعالى قال الداودى وعن قتادة ان النبى صلى الله عليه و سلم كان اذا شهد قتالا قال رب احكم بالحق انتهى تفسير سورة الحج وهى مكية سوى ثلاث ءايات وهى هذا خصمان الى تمام ثلاث ءايات هذا قول ابن عباس ومجاهد وقال الجمهور السورة مختلطة منها مكى ومنها مدني وهذا هو الأصح لأن الآيات تقتضى ذلك بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل يا ايها الناس اتقو ربكم ان زلزلة الساعة شىء عظيم الزلزلة التحريك العنيف وذلك مع نفخة الفزع ومع نفخة الصعق حسبما تضمنه حديث ابى هريرة من ثلاث نفخات والجمهور على ان زلزلة الساعة هى كالمعهودة فى الدنيا الا انها فى غاية الشدة واختلف المفسرون فى الزلزلة المذكورة هل هي فى الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة ام هى فى يوم القيامة على جميع العالم فقال الجمهور هى فى الدنيا والضمير فى ترونها عائد عندهم على الزلزلة وقوى قولهم ان الرضاع والحمل انما هو فى الدنيا وقالت فرقة الزلزلة فى يوم القيامة والضمير عندهم عائد على الساعة والذهول الغفلة عن الشىء بطريان ما يشغل عنه من هم أووجع أو غيره قال ابن زيد المعنى تترك ولدها للكرب الذى نزل بها ت وخرج البخارى وغيره عن ابى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه و سلم قال يقول الله عز و جل يوم القيامة يا ءادم فيقول لبيك ربنا وسعديك فيقول اخرج بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين الى النار وواحدا الى الجنة فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد الحديث انتهى وهذا الحديث نص صريح فى انه يوم القيامة وانظر قوله يوما يجعل الولدان سيبا وقوله واذا العشار عطلت تجده موافقا للحديث وجاء فى حديث ابى هريرة فيما ذكره على بن معبد ان نفخة الفزع تمتد وان ذلك يوم الجمعة فى النصف من شهر رمضان فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب ثم تكون سرابا ثم ترتج الأرض بأهلها رجا وتضع الحوامل ما فى بطونها ويشيب الولدان ويولى الناس مدبرين ثم ينظرون الى السماء فإذا هى كالمهل ثم انشقت ثم قال النبى صلى الله عليه و سلم والموتى لا يعلمون شيأ من ذلك قلت يا رسول الله فمن استثنى الله عز و جل يقول ففزع من فى السموات ومن فى الارض الا من شاء الله قال أولائك هم الشهداء انتهى مختصرا وهذا الحديث ذكره الطبرى والثعلبى وصححه ابن العربى فى سراج المريدين وقال عبد الحق بل هو حديث منقطع لا يصح والذى عليه المحققون ان هذه الأهوال هى بعد البعث قاله صاحب التذكرة وغيره انتهى والحمل بفتح الحاء ما كان فى بطن او على رأس شجرة وقوله سبحانه وترى الناس سكارى تشبيها لهم اي من الهم ثم نفى عنهم السكر الحقيقى الذى هو من الخمر قاله الحسن وغيره وقرأ حمزة والكساءى سكرى فى الموضعين قال سيبويه وقوم يقولون سكرى جعلوه مثل مرضى ثم جعلوا روبى مثل سكرى وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب وقوله سبحانه ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد قال ابن جريج هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وابى بن خلف وقيل فى ابي جهل بن هشام ثم هي بعد تتناول كل من اتصف بهذه الصفة ومجادلتهم فى ان الله تعالى لا يبعث من يموت والشيطان هنا هو مغويهم من الجن ويحتمل من الإنس والمريد المتجرد من الخير للشر ومنه الأمرد وشجرة مرداء اي عارية من الورق وصرح ممرد اي مملس والضمير فى عليه عائد على الشيطان قاله قتادة ان يعود على المجادل وانه فى موضع رفع على المفعول الذى لم يسم فاعله وانه الثانية عطف على الأولى موكدة مثلها وقيل هى مكررة للتأكيد فقط وهذا معترض بأن الشىء لا يؤكد الا بعد تمامه وتمام ان الأولى إنما هو بصلتها فى قوله السعير وكذلك لا يعطف عليه ولسيبويه فى مثل هذا انه بدل وقيل انه الثنية خبر مبتدأ محذوف تقديره فشأنه انه يضله قال ع ويظهر لى ان الضمير فى انه الاولى للشيطان وفى الثانية لمن الدى هو المتولى وقرأ ابو عمرو فإنه بالكسر فيهما وقوله عز و جل يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث الآية هذا احتجاج على العالم بالبدأة الأولى وضرب سبحانه وتعالى فى هذه الآية مثلين إذا اعتبرهما الناظر جوز فى العقل البعثة من القبور ثم ورد الشرع بوقوع ذلك وقوله فانا خلقناكم من تراب يريد ءادم عليه السلام ثم من نطفة يريد المنى والنطفة تقع على قليل الماء وكثيره ثم من علقة يريد من الدم الذى تعود النطفة اليه فى الرحم او المقارن للنطفة والعلق الدم الغليظ وقيل العلق الشديد الحمرة ثم من مضغة يريد مضغة لحم على قدر ما يمضغ وقوله مخلقة معناه متممة وغير مخلقة غير متممة اي التى تسقط قاله مجاهد وغيره فاللفظة بناء مبالغة من خلق ولما كان الإنسان فيه أعضاء متباينة وكل واحد منها مختص بخلق حسن فى جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقا كثيرا وقوله سبحانه لنبين لكم قالت فرقة معناه امر البعث ونقر اي ونحن نقر فى الأرحام والأجل المسمى مختلف بحسب حين حين فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا وقوله سبحانه ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيأ قد تقدم بيان هذه المعانى والرد الى أرذل العمر هو حصول الانسان فى زمانه واختلال العقل والقوة فهذا مثال واحد يقتضى للمعتبر به ان القادر على هذه المناقل المتقن لها قادر على إعادة تلك الأجساد التى اوجدها بهذه المناقل إلى حالها الأولى وقوله عز و جل وترى الأرض هامدة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج هذا هو المثال الثانى الذى يعطى للمعتبر فيه جواز بعث الاجساد وذلك ان احياء الارض بعد موتها بين فكذلك الأجساد وهامدة معناه ساكنة دارسة بالية واهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء وربت معناه نشزت وارتفعت ومنه الربوة وهى المكان المرتفع والزوج النوع والبهيج من البهجة وهى الحسن قاله قتادة وغيره وقوله ذلك إشارة الى كل ما تقدم ذكره وباقى الآية بين وقوله سبحانه ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم الآية الاشارة بقوله ومن الناس الى القوم الذين تقدم ذكرهم وكرر هذه الآية على جهة التوبيخ فكانه يقول فهذه الأمثال فى غاية الوضوح ومن الناس مع ذلك من يجادل وثانى حال من الضمير فى يجادل وقوله ثانى عطفه عبارة عن المتكبر المعرض قاله ابن عباس وغيره وذلك ان صاحب الكبر يرد وجهة عمن يتكبر عنه فهو برد وجهه يصعر خده ويولى صفحته ويلوي عنقه ويثني عطفه وهذه هى عبارات المفسرين والعطف الجانب وقوله تعالى ذلك بما قدمت يداك اي يقال له ذلك واختلف فى الوقف على يداك فقيل لا يجوز لان التقدير وبان الله اي ان هذا هو العدل فيك يحرائمك وقيل يجوز بمعنى والأمر أن الله ليس بظلام للعبيد وقوله سبحانه ومن الناس من يعبد الله على حرف الآية نزلت فى اعراب وقوم لا يقين لهم كان احدهم اذا اسلم فاتفق له اتفاقات حسان من نمو مال وولد يرزقه وغير ذلك قال هذا دين جيد وتمسك به لهذه المعانى وان كان الأمر بخلاف ذلك تشاءم به وارتد كما فعل العرنيون قال هذا المعنى ابن عباس وغيره وقوله على حرف معناه على الخراف منه عن العقيدة البيضاء وقال البخارى على حرف على شك ثم اسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب انتهى وقوله يدعوا من دون الله ما لا يضره يريد الأوثان ومعنى بدعو يعبد ويدعو ايضا فى ملماته واللام فى قوله لمن ضره لام موذنة بمجيء القسم والثانية فى لبيس لام القسم والعشير القريب المعاشر فى الامور ت وفى الحديث فى شأن النساء ويكفرن العشير يعنى الزوج قال ابو عمر بن عبد البر قال اهل اللغة العشير الخليط من المعاشرة والمخالطة ومنه قوله عز و جل لبئس المولى ولبئس العشير انتهى من التمهيد والذى يظهر ان المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذى ضره اقرب من نفعه وهو قول مجاهد ثم عقب سبحانه بذكر حالة اهل الايمان وذكر ما وعدهم به فقال ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار الآية ثم اخذت الآية فى توبيخ أولائك الأولين كأنه يقول هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق وظنوا ان الله تعالى لن ينصر محمدا واتباعه ونحن انما امرناهم بالصبر وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك فليمدد بسبب وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيطه قال هذا المعنى قتادة وهذا على جهة المثل السائر فى قولهم دونك الحبل فاختنق والسماء على هذا القول الهواء علوا فكأنه أراد سقفا أو شجرة ولفظ البخاري وقال ابن عباس بسبب الى سقف البيت انتهى والجمهور على ان القطع هنا هو الاختناق قال الخليل وقطع الرجل إذا اختنق بحبل ونحوه ثم ذكر الآية ويحتمل المعنى من ظن ان محمدا لا ينصر فليمت كمدا هو منصور لا محالة فليختنق هذا الظان غيطا وكمدا ويؤيد ان الطبرى والنقاش قالا وبقال نزلت فى نفر من بنى أسد وغطفان قالوا نخاف ان لا ينصر محمد فينقطع الذى بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع والمعنى الاول الذى قيل للعابدين على حرف ليس بهذا ولكنه بمعنى من قلق واستبطأ النصر وظن ان محمدا لا ينصر فليختنق سفاهة اذ تعدى الأمر الذى حد له فى الصبر وانتظار صنع الله وقال مجاهد الضمير فى ينصره عائد على من والمعنى من كان من المتقلقين من المؤمنين وما فى قوله ما يغيظ بمعنى الذى ويحتمل ان تكون مصدرية حرفا فلا عائد عليها وابين الوجوه فى الآية التاويل الاول وباقى الآية بين وقوله وكثير من الناس أي ساجدون مرحومون بسجودهم وقوله وكثير حق عليه العذاب معادل له ويؤيد هذا قوله تعالى هذان خصمان اختصموا فى ربهم الآية نزلت هذه الآية فى المتبارزين يوم بدر وهم ستة نفر حمزة وعلى وعبيدة ابن الحارث رضي الله عنهم بارزوا لعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وشيبة بن ربيعة قال على بن ابى طالب انا اول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى واقسم ابو ذر على هذا القول ووقع فى صحيح البخارى رحمه الله تعالى ان الآية فيهم وقال ابن عباس الإشارة الى المؤمنين واهل الكتاب وذلك انه وقع بينهم تخاصم فقالت اليهود نحن اقدم دينا منكم ونحو هذا فنزلت الآية وقال مجاهد وجماعة الإشارة الى المومنين والكفار على العموم قال ع وهذا قول تعضده الآية وذلك انه تقدم قوله وكثير من الناس المعنى هم مؤمنون ساجدون ثم قال تعالى وكثير حق عليه العذاب ثم اشار الى هذين الصنفين بقوله هذان خصمان والمعنى ان الإيمان وأهله والكفر واهله خصمان مذ كانا الى يوم القيامة بالعداوة والجدال والحرب وخصم مصدر يوصف به الواحد والجمع ويدل على انه اراد الجمع قوله اختصموا فإنه قراءة الجمهور وقرأ ابن ابى عبلة اختصما ت وهذه التأويلات متفقات فى المعنى وقد ورد ان اول ما يقضي به بين الناس يوم القيامة فى الدماء ومن المعلوم ان اول مبارزة وقعت فى الاسلام مبارزة على واصحابه فلا جرم كانت اول خصومة وحكومة يوم القيامة وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه و سلم نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق وفى رواية المقضي بينهم وقوله فى ربهم اي فى شأن ربهم وصفاته وتوحيده ويحتمل فى رضى ربهم وفى ذاته وقال ص فى ربهم اي فى دين ربهم انتهى ثم بين سبحانه حكم الفريقين فتوعد تعالى الكفار بعذابه الأليم وقطعت معناه جعلت لهم بتقدير كما يفصل الثوب وروى انها من نحاس ويصهر معناه يذاب وقيل معناه ينضج قيل ان الحميم بحرارته يهبط كل ما فى الجوف ويكشطه ويسلته وقد روى ابو هريرة نحوه عن النبى صلى الله عليه و سلم انه يسلته ويبلغ به قدميه ويذيبه ثم يعاد كما كان وقوله سبحانه كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها روى فيه ان لهب النار اذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار فيريدون الخروج فتردهم الزبانية بمقامع الحديد وهى المقارع وقوله سبحانه ان الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات الآية معادلة لقوله فالذين كفروا واللؤلؤ الجوهر واخبر سبحانه بان لباسهم فيها حرير لأنه من أكمل حالات الدنيا قال ابن عباس لاتشبه أمور الآخرة امور الدنيا الا فى الاسماء فقط واما الصفات فمتبابنة والطيب من القول لا اله الا الله وما جرى معها من ذكر الله وتسبيحه وتقديسه وسائر كلام اهل الجنة من محاورة وحديث طيب فانها لا تسمع فيها لاغية وصراط الحميد هو طريق الله الذى دعا عباده اليه ويحتمل ان يريد بالحميد نفس الطريق فاضاف اليه على حد اضافته فى قوله دار الآخرة وقال البخارى وهدوا الى الطيب اي الهموا الى قراءة القرءان وهدوا الى صراط الحميد اي الى الإسلام انتهى وقوله سبحانه ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله هذه الآية نزلت عام الحديبية حين صد النبى صلى الله عليه و سلم وجاء يصدون مستقبلا اذ هو فعل يديمونه وخبر ان محذوف مقدر عند قوله والبادى تقديره خسروا او هلكوا والعاكف المقيم فى البلد والبادى القادم عليه من غيره وقوله بالحاد قال ابو عبيدة الباء فيه زائدة ت قال ابن العربى فى احكامه وجعل الباء زائدة لا يحتاج اليه فى سبيل العربية لأن حمل المعنى على القول اولى من حمله على الحروف فيقال المعنى ومن يهم فيه بميل لأن الالحاد هو الميل فى اللغة الا انه قد صار فى عرف الشرع ميلا مذموما فرفع الله الاشكال وبين سبحانه ان الميل بالظلم هو المراد هنا انتهى قال ع والإلحاد الميل وهو يشمل جميع المعاصى من الكفر الى الصغائر فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك الا فى مكة هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم قال ص وقوله ان لا تشرك ان مفسرة لقول مقدر اي قائلين له او موحين له لا تشرك وفى التقدير الأول نظر فانظر انتهى وقوله تعالى وطهر بيتي للطائفين والقائمين الآية تطهير البيت عام فى الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك والقائمون هم المصلون وخص سبحانه بالذكر من اركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود وروي أن ابراهيم عليه الصلاة و السلام لما امر بالآذان بالحج قال يا رب واذا اذنت فمن يسمعنى فقيل له ناد يا ابراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى ايها الناس ان الله تعالى قد امركم بحج هذا البيت فحجوا فروى ان يوم نادى اسمع كل من يحج الى يوم القيامة فى اصلاب الرجال واجابه كل شيء فى ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك فجرت التلبية على ذلك قاله ابن عباس وابن جبير ورجالا جمع راجل والضامر قالت فرقة اراد بها الناقة وذلك انه يقال ناقة ضامر وقالت فرقة لفظ ضامر يشمل كل من اتصف بذلك من جمل او ناقة وغير ذلك قال ع وهذا هو الأظهر وفى تقديم رجالا تفضيل للمشاة فى الحج واليه نحا ابن عباس قال ابن العربى فى احكامه قوله تعالى يأتين رد الضمير الى الابل تكرمة لها لقصدها الحج مع اربابها كما قال تعالى والعاديات ضبحا فى خيل الجهاد تكرمه لها حين سعت فى سبيل الله انتهى والفج الطريق الواسعة والعميق معناه البعيد قال الشاعر ... إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة ... يمد بها فى السير أشعث شاحب ... والمنافع فى هذه الآية التجارة فى قول اكثر المتأولين ابن عباس وغيره وقال ابو جعفر محمد بن على اراد الأجر ومنافع الآخرة وقال مجاهد بعموم الوجهين ت واظهرها عندى قول ابى جعفر يظهر ذلك من مقصد الآية والله اعلم وقال ابن العربى الصحيح القول بالعموم انتهى وقوله سبحانه ويذكروا اسم الله فى ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام ذهب قوم الى ان المراد ذكر اسم الله على النحر والذبح وقالوا ان فى ذكر الايام دليلا على ان الذبح فى الليل لا يجوز وهو مذهب مالك واصحاب الرأي وقالت فرقة فيها مالك واصحابه الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده وقوله فكلوا ندب واستحب اهل العلم ان ياكل الإنسان من هديه واضحيته وان يتصدق بالأكثر والبائس الذى قد مسه ضر الفاقة وبؤسها والمراد اهل الحاجة والتفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعث ونحوه وليوفوا نذورهم وهو ما معهم من هدي وغيره وليطوفوا بالبيت العتيق يعني طواف الإفاضة الذى هو من واجبات الحج قال الطبري ولا خلاف بين المتأولين فى ذلك قال مالك هو واجب ويرجع تاركه من وطنه الا ان يطوف طواف الوداع فإنه يجزيه عنه ويحتمل ان تكون الاشارة بالآية الى طواف الوداع وقد اسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال سألت زهيرا عن قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق فقال هو طواف الوداع وقاله مالك فى الموطإ واختلف فى وجه وصف البيت بالعتيق فقال مجاهد وغيره عتيق اي قديم وقال ابن الزبير لأن الله تعالى اعتقه من الجبابرة وقيل اعتقه من غرق الطوفان وقيل غير هذا وقوله ذلك يحتمل ان يكون فى موضع رفع بتقدير فرضكم ذلك او الواجب ذلك ويحتمل ان يكون فى محل نصب بتقدير امتثلوا ذلك ونحو هذا الاضمار واحسن الاشياء مضمرا احسنها مظهرا ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير ... هذا وليس كمن يعى بخطبته ... وسط الندى اذا ما ناطق نطقا ... والحرمات المقصودة هنا هى افعال الحج وقال ابن العربى فى احكامه الحرمات امتثال ما امر الله تعالى به واجتناب ما نهى عنه فإن للقسم الاول حرمة المبادرة الى الامتثال وللثاني حرمة الانكفاف والانزجار انتهى وقوله فهو خير ظاهره انها ليست للتفضيل وانما هى عدة بخير ويحتمل ان يجعل خير للتفضيل على تجوز فى هذا الموضع ص فهو خير له اي فالتعظيم خير له انتهى وقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان يحتمل معنيين احدهما ان نكون من لبيان الجنس اي الرجس الذى هو الأوثان فيقع النهي عن رجس الأوثان فقط وتبقى سائر الأرجاس نهيها فى غير هذا الموضع والمعنى الثاني ان تكون من لابتداء الغاية فكأنه نهاهم سبحانه عن الرجس عموما ثم عين لهم مبدأه الذى منه يلحقهم اذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس ويظهر ان الإشارة الى الذبائح التى كانت للأوثان فيكون هذا مما يتلى عليهم والمروي عن ابن عباس ========================================================ج7. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي وابن جريج ان الآية نهى عن عبادة الأوثان والزور عام فى الكذب والكفر وذلك ان كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وقال ابن مسعود وغيره ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عدلت شهادة الزور بالشرك وتلا هذه الآية والزور مشتق من الزور وهو الميل ومنه فى جانب فلان زور ويظهر ان الإشارة الى زور اقوالهم فى تحريم وتحليل ما كانوا قد شرعوا فى الإنعام وحنفاء معناه مستقيمين او مائلين الى الحق بحسب ان لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل والسحيق البعيد وقوله سبحانه ذلك ومن يعظم شعائر الله التقدير فى هذا الموضع الأمر ذلك والشعائر جمع شعيرة وهي كل شىء لله عز و جل فيه امر اشعر به واعلم قال الشيخ ابن ابى جمرة ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب قال تعظيم شعائر الله كان من البقع او من البشر او ممن شاء الله تعالى زيادة فى الايمان وقوة فى اليقين انتهى وقال العراقى فى ارجوزته اعلام طاعة هى الشعائر البيت وقالت فرقة قصد بالشعائر فى هذه الآية الهدى والإنعام المشعرة ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها قاله ابن عباس وغيره ثم اختلف المتأولون فى قوله سبحانه لكم فيها منافع الآية فقال مجاهد وقتادة اراد ان للناس فى انعامهم منافع من الصوف واللبن والذبح للأكل وغير ذلك مالم يبعثها ربها هديا فاذا بعثها فهو الأجل المسمى وقال عطاء اراد لكم فى الهدى المبعوث منافع من الركوب والإحتلاب لمن اضطروا لأجل نحرها وتكون ثم من قوله ثم محلها الى البيت العتيق لترتيب ابحمل لان المحل قبل الأجل ومعنى الكلام عند هذين الفريقين ثم محلها الى موضع النحر وذكر البيت لأنه اشرف الحرم وهو المقصود بالهدي وغيره وقال ابن زيد والحسن وابن عمر ومالك الشعائر فى هذه الآية مواضع الحج كلها ومعالمه بمنى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك وفى الآية التى تأتي ان البدن من الشعائر والمنافع التجارة وطلب الرزق او الأجر والمغفرة والأجل المسمى الرجوع الى مكة لطواف الافاضة ومحلها مأخوذ من إحلال المحرم والمعنى ثم اخروا هذا كله الى طواف الافاضة بالبيت العتيق فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه قاله مالك فى الموطإ ت واظهر هذه التاويلات عندى تاويل عطاء وفى الثالث بعض تكلف ثم اخبر تعالى انه جعل لكل امة من الامم المؤمنة منسكا اي موضع نسك وعبادة هذا على ان المنسك ظرف ويحتمل ان يريد به المصدر كأنه قال عبادة والناسك العابد وقال مجاهد سنة فى هراقة دماء الذبائح وقوله ليذكروا اسم الله معناه امرناهم عند ذبائحهم بذكر الله وان يكون الذبح له لأنه رازق ذلك وقوله فله أسلموا اي ءامنوا ويحتمل ان يريد استسلموا ثم امر سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم ان يبشر بشارة على الإطلاق وهى ابلغ من المفسرة لأنها مرسلة مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين الخاشعين المؤمنين والخبت ما انخفض من الأرض والمخبت المتواضع الذى مشيه متطامن كأنه فى حدور من الأرض وقال عمرو بن أوس المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا قال ع وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهين اللين وقال مجاهد هم المطمئنون بأمر الله تعالى ووصفهم سبحانه بالخوف والوجل عند ذكر الله تعالى وذلك لقوة يقينهم ومراقبتهم لربهم وكأنهم بين يديه جل وعلا ووصفهم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها وروي أن هذه الآية قوله وبشر المخبتين نزلت في ابي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين وقوله سبحانه والبدن جعلناها لكم من شعائر الله البدن جمع بدنة وهى ما اشعر من ناقة او بقرة قاله عطاء وغيره وسميت بذلك لأنها تبدن اي تسمن وقيل بل هذا الاسم خاص بالإبل والخير هنا قيل فيه ما قيل فى المنافع التى تقدم ذكرها والصواب عمومه فى خير الدنيا والآخرة وقوله عليها يريد عند نحرها وصواف اي مصطفة وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم صوافن جمع صافنة وهي التى رفعت إحدى يديها بالعقل ليلا تضطرب ومنه فى الخيل الصافنات الجياد ووجبت معناه سقطت وقوله فكلوا منها ندب وكل العلماء يستحب ان يأكل الإنسان من هديه وفيه اجر وامتثال اذ كان اهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم وتحرير القول فى القانع انه السائل والمعتر المتعرض من غير سؤال قاله الحسن ومجاهد وغيرهما وعكست فرقة هذا القول فحكى الطبرى عن ابن عباس انه قال القانع المستغنى بما اعطيته والمعتر هو المتعرض وحكى عنه انه قال القانع المتعفف والمعتر السائل قال ع يقال قنع الرجل بفتح النون يقنع قنوعا فهو قانع اذا سأل فالقانع هو السائل بفتح النون في الماضى وقنع بكسر النون يقنع قناعة فهو قنع اذا تعفف واستغنى ببلغته قاله الخليل بن احمد وقوله سبحانه لن ينال الله لحومها الآية عبارة مبالغة وهى بمعنى لن ترفع عنده سبحانه وتتحصل سبب ثواب والمعنى ولكن تنال الرفعة عنده وتحصل الحسنة لديه بالتقوى وقوله تعالى لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين روى ان قوله وبشر المحسنين نزلت فى الخلفاء الأربعة حسبما تقدم فى التى قبلها وظاهر اللفظ العموم فى كل محسن وقوله سبحانه ان الله يدافع عن الذين ءامنوا الآية وقرأ ابو عمرو وابن كثير يدفع ولولا دفع قال ابو على اجريت دافع مجرى دفع كعاقبت اللص وطارقت النعل قال ابو الحسن الأخفش يقولون دافع دافع الله عنك ودفع عنك الا ان دفع اكثر فى الكلام قال ع ويحسن يدافع لانه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ويوذيهم فيجىء دفعه سبحانه مدافعة عنهم وروى ان هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة واذاهم الكفار هم بعضهم ان يقتل من امكنه من الكفار ويغتال ويغدر فنزلت هذه الآية الى قوله كفور ثم اذن الله سبحانه فى قتال المؤمنين لمن قاتلهم من الكفار بقوله اذن للذين يقاتلون وقوله بأنهم ظلموا معناه كان الاذن بسبب أنهم ظلموا قال ابن جريح وهذه الآية اول ما نقضت الموادعة قال ابن عباس وابن جريج نزلت عند هجرة النبى صلى الله عليه و سلم الى المدينة وقال ابو بكر الصديق لما سمعتها علمت انه سيكون قتال ت وهذا الحديث خرجه الترمذى قال ابن العربى ومعنى اذن أبيح وقرئى يقاتلون بكسر التاء وفتحها فعلى قراءة الكسر تكون الآية خبرا عن فعل الماذون لهم وعلى قراءة الفتح فالآية خبر عن فعل غيرهم وان الإذن وقع من اجل ذلك لهم ففى فتح التاء بيان سبب القتال وقد كان الكفار يتعمدون النبى صلى الله عليه و سلم والمؤمنين بالإذاية ويعاملونهم بالنكاية وقد قتل ابو جهل سمية ام عمار بن ياسر وعذب بلال وبعد ذلك جاء الانتصار بالقتال انتهى ثم وعد سبحانه بالنصر فى قوله وإن الله على نصرهم لقدير وقوله سبحانه الذين اخرجوا من ديارهم يريد كل من خرج من مكة وءاذاه اهلها حتى اخرجوه باذايتهم طائفة الى الحبشة وطائفة الى المدينة ونسب الإخراج الى الكفار لأن الكلام فى معرض تقرير الذنب وإلزامه لهم وقوله الا ان يقولوا ربنا الله استثناء منقطع قال ص واجاز ابو اسحاق وغيره ان يكون فى موضع بدلامن حق اي بغير موجب سوى التوحيد الذى ينبغى ان يكون موجب الاقرار لاموجب الاخراج ومثله هل تنقمون منا الا ان آمنا بالله انتهى وهو حسن من حيث المعنى والانتقاد عليه مزيف وقوله ولولا دفاع الله الناس الآية تقويه للأمر بالقتال وذكر انه متقدم فى الامم وبه صلحت الشرائع فكأنه قال اذن فى القتال فليقاتل المؤمنون ولولا القتال والجهاد لتغلب على الحق فى كل امة هذا اصوب تأويلات الآية والصومعة موضع العبادة وهى بناء مرتفع منفرد حديد الاعلى والأصمع من الرجال الحديد القول وكانت قبل الاسلام مختصة برهبان النصارى وعباد الصابين قاله قتادة ثم استعملت فى مئذنة المسلمين والبيع كنائس النصارى واحدتها بيعه وقال الطبرى قيل هى كنائس اليهود ثم ادخل عن مجاهد مالا يقتضى ذلك والصلوات مشتركة لكل ملة واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطيلها أو أراد موضع صلوات وقال ابو العالية الصلوات مساجد الصابين وقيل غير هذا وقوله يذكر فيها الضمير عائد على جميع ما تقدم ثم وعد سبحانه بنصره دينه وشرعه وفى ذلك حض على القتال والجد فيه ثم الآية تعم كل من نصر حقا الى يوم القيامة وقوله سبحانه الذين ان مكناهم فى الارض اقاموا الصلاة الآية قالت فرقة هذه الآية فى الخلفاء الأربعة والعموم فى هذا كله ابين وبه يتجه الأمر فى جميع الناس وانما الآية ءاخذة عهدا على كل من مكن فى الأرض على قدر ما مكن والآية أمكن ما هى فى الملوك وقوله سبحانه ولله عاقبة الأمور توعد للمخالف عن هذا الامور التى تقتضيها الآية لمن مكن وقوله سبحانه وان يكذبوك يعنى قريشا فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم وقوم لوط واصحاب مدين وكذب موسى الآية فيها وعيد لقريش وامليت معناه أمهلت والنكير مصدر بمعنى الانكار وقوله وبير معطلة قيل هو معطوف على العروش وقيل على القرية وهو اصوب ثم وبخهم تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله أفلم يسيروا فى الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وهذه الآية تقتضى ان العقل فى القلب وذلك هو الحق ولا ينكر ان للدماغ اتصالا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ وقوله فتكون نصب بالفاء فى جواب الاستفهام صرف الفعل من الجزم الى النصب وقوله سبحانه فإنها لا تعمى الأبصار لفظ مبالغة كأنه قال ليس العمى عمى العين وإنما العمى كل العمى عمى القلب ومعلوم ان الأبصار تعمى ولكن المقصود ما ذكرنا وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم ليس الشديد بالصرعة وليس المسكين بهذا الطواف والضمير فى انها للقصة ونحوها من التقدير والضمير فى يستعجلونك لقريش وقوله ولن يخلف الله وعده وعيد وإخبار بان كل شىء الى وقت محدود والوعد هنا مقيد بالعذاب وقوله سبحانه وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون قالت فرقة معناه وان يوما من ايام عذاب الله كألف سنة من هذه لطول العذاب وبؤسه فكان المعنى اي من هذه السنين فما اجهل من يستعجل هذا وكرر قوله وكأين لأنه جلب معنى آخر ذكر اولا القرى المهلكة دون املاء بل بعقب التكذيب ثم ثنى سبحانه بالممهلة ليلا يفرح هؤلاء بتأخير العذاب عنهم وباقى الآية بين والرزق الكريم الجنة ومعاجزين معناه مغالبين كأنهم طلبوا عجز صاحب الآيات والآيات تقتضي تعجيزهم فصارت مفاعلة وقوله سبحانه وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبى الا اذا تمنى القى الشيطان فى امنيته الآية ت قال القاضى ابو الفضل عياض وقد توجهت ها هنا لبعض الطاعنين سؤالات منها ما روى من ان النبى صلى الله عليه و سلم لما قرأ سورة والنجم وقال افرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى قال تلك الغرانيق العلى وان شفاعتها لترتجى قال عياض اعلم اكرمك الله ان لنا فى الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين احدهما فى توهين اصله والثانى على تقدير تسليمه اما المأخذ الاول فيكفيك ان هذا حديث لم يخرجه احد من اهل الصحة ولارواه ثقة بسند متصل سليم وانما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضى ابو بكر ابن العلاء المالكى رحمه الله تعالى حيث يقول لقد بلي الناس ببعض اهل الأهواء والتفسير ثم قال عياض قال ابو بكر البزار هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبى صلى الله عليه و سلم باسناد متصل يجوز ذكره وانما يعرف عن الكلبى قال عياض والكلبى ممن لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما اشار اليه البزار وقد اجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه و سلم ونزاهته عن مثل هذا انتهى ونحو هذا لابن عطية قال وهذا الحديث الذى فيه هن الغرانقة وقع فى كتب التفسير ونحوها ولم يدخله البخارى ولا مسلم ولا ذكره فى علمى مصنف مشهور بل يقتضى مذهب اهل الحديث ان الشيطان القى ولا يعينون هذا السبب ولا غيره قال ع وحدثنى ابى رحمه الله تعالى انه لقى بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال هذا لا يجوز على النبى صلى الله عليه و سلم وهو المعصوم فى التبليغ وانما الأمر يعنى على تقدير صحته ان الشيطان نطق بلفظ اسمعه الكفار عند قول النبى صلى الله عليه و سلم افرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وقرب صوته من صوت النبى صلى الله عليه و سلم حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا محمد قرأها هذا على تقدير صحته وقد روى نحو هذا التأويل عن الإمام ابى المعالى ت قال عياض وقد اعاذنا الله من صحته وقد حكى محمد بن عقبة فى مغازيه نحو هذا وقال ان المسلمين لم يسمعوها وانما القى الشيطان ذلك فى اسماع المشركين ومعنى قوله تعالى تمنى اي تلا ومنه قوله تعالى لا يعلمون الكتاب الا امانى اي تلاوة فينسخ الله ما يلقى الشيطان اي يذهبه ويزيل اللبس به ويحكم ءاياته وعبارة البخارى وقال ابن عباس اذا تمنى القى الشيطان فى امنيته اي اذا حدث القى الشيطان فى حديثه فيبطل الله ما يلقى الشيطان ويحكم ءاياته ويقال امنيته قراءته انتهى قال عياض وقيل معنى الآية هو ما يقع للنبى صلى الله عليه وسلم من السهو اذا قرأ فيتنبه لذلك ويرجع عنه انتهى وقوله سبحانه ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة الفتنة الامتحان والاختبار والذين فى قلوبهم مرض عامة الكفار والقاسية قلوبهم خواص منهم عتاة كأبى جهل وغيره والشقاق البعد عن الخير والكون فى شق غير شق الصلاح والذين اوتو العلم هم اصحاب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم والضمير فى انه عائد على القرءان فتخبت له قلوبهم معناه تتطامن وتخضع وهو ماخوذ من الخبت وهو المطمئن من الارض كما تقدم ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه اي من القرءان والمرية الشك حتى تأتيهم الساعة يعنى يوم القيامة او يأتيهم عذاب يوم عقيم قيل يوم بدر وقيل الساعة ساعة موتهم واليوم العقيم يوم القيامة وقوله سبحانه والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا او ماتوا الآية ابتداء معنى آخر وذلك انه لما مات عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الاسد قال بعض الناس من قتل من المهاجرين افضل ممن مات حتف انفه فنزلت هذه الآية مسوية بينهم فى ان الله تعالى يرزق جميعهم رزقا حسنا وليس هذا بقاض بتساويهم فى الفضل وظاهر الشريعة ان المقتول افضل وقد قال بعض الناس المقتول والميت فى سبيل الله شهيدان ولكن للمقتول مزية ما اصابه فى ذات الله والرزق الحسن يحتمل ان يريد به رزق الشهداء عند ربهم فى البرزخ ويحتمل ان يريد بعد يوم القيامة فى الجنة وقرأت فرقة مدخلا بضم الميم من ادخل فهو محمول على الفعل المذكور وقرأت فرقة مدخلا بفتح الميم من دخل فهومحمول على فعل مقدر تقديره فيدخلون مدخلا ثم اخبر سبحانه عمن عاقب من المؤمنين من ظلمه من الكفرة ووعد المبغى عليه بانه ينصره وذلك ان هذه الآية نزلت فى قوم من المومنين لقيهم كفار فى الاشهر الحرم فابى المؤمنين من قتالهم وابى المشركون الا القتال فلما اقتتلوا جد المومنين ونصرهم الله تعالى فنزلت الآية فيهم وجعل تقصير الليل وزيادة النهار وعكسهما ايلاجا تجوزا وتشبيها وباقى الآية بين وقوله سبحانه ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ان الله لطيف خبير له ما فى السموات وما فى الارض وان الله لهو الغنى الحميد قوله فتصبح عبارة عن استعجالها اثر نزول الماء وروى عن عكرمة انه قال هذا لا يكون الا بمكة وتهامة قال ع ومعنى هذا انه اخذ قوله فتصبح مقصودا به صباح ليلة المطر وذهب الى ان ذلك الاخضرار فى سائر البلاد يتأخر قال ع وقد شاهدت هذا فى السوس الأقصى نزل المطر ليلا بعد قحط واصبحت تلك الارض الرملة التى تسفيها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف دقيق ت وقد شاهدت انا ذلك بصحراء سواكن بالمشرق وهى فى حكم مكة الا ان البحر قد حال بينهما وذلك ان التعدية من جدة الى سواكن مقدار يومين فى البحر او اقل بالريح المعتدلة وكان ذللك فى اول الخريف واجرى الله العادة ان امطار تلك البلاد تكون بالخريف فقط هذا هو الغالب ولما شاهدت ذلك تذكرت هذه الآية الكريمة فسبحان الله ما اعظم قدرته واللطيف المحكم للأمور برفق وقوله سبحانه الم تر ان الله سخر لكم ما فى الارض والفلك تجرى فى البحر بامره اي سخر لنا سبحانه ما فى الارض من الحيوان والمعادن وسائر المرافق وباقى الآية بين مما ذكر فى غير هذا الموضع وقوله سبحانه لكل امة جعلنا منسكا الآية المنسك المصدر فهو بمعنى العبادة والشرعة وهو ايضا موضع النسك وقوله هم ناسكوه يعطى ان المنسك المصدر ولو كان الموضع لقال هم ناسكون فيه وقوله سبحانه وإن جادلوك الآية موادعة محضة نسختها ءاية السيف وباقى الآية وعيد وقوله سبحانه إن ذلك فى كتاب يعنى اللوح المحفوظ وقوله إن ذلك على الله يسير يحتمل أن تكون الإشارة الى الحكم فى الاختلاف وقوله سبحانه واذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يعنى ان كفار قريش كانوا اذا تلى عليهم القرءان وسمعوا ما فيه من رفض ءالهتهم والدعاء الى التوحيد عرفت المساءة فى وجوههم والمنكرمن معتقدهم وعداوتهم وانهم يريدون ويتسرعون الى السطوة بالتالين والسطو ايقاع ببطش ثم امر تعالى نبيه عليه السلام ان يقول لهم على جهة الوعيد والتقريع افأنبئكم اي اخبركم بشر من ذلكم والإشارة بذلكم الى السطو ثم ابتدأ بخبر كأن قائلا قال له وما هو قال النار اي نار جهنم وقوله وعدها الله الذين كفروا يحتمل ان يكون اراد ان الله وعدهم بالنار فيكون الوعد فى الشر ويحتمل انه اراد ان الله سبحانه وعد النار بأن يطعمها الكفار فيكون الوعد على بابه اذ الذى يقتضى قولها هل من مزيد ونحو ذلك ان ذلك من مسارها ت والظاهر الأول وقوله سبحانه وان يسلبهم الذباب شيأ لا يستنقذوه منه الآية ذكر تعالى امر سلب الذباب وذلك انهم كانوا يضمخون اوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يتسلط ويذهب بذلك الطيب وكانوا يتألمون من ذلك فجعلت مثلا واختلف المتأولون فى قوله تعالى ضعف الطالب والمطلوب فقالت فرقة اراد بالطالب الاصنام وبالمطلوب الذباب اي انهم ينبغى ان يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة فى الحيوان وقيل معناه ضعف الكفار فى طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام وضعف الأصنام فى اعطاء ذلك وانالته قال ع ويحتمل ان يريد ضعف الطالب وهو الذباب فى استلابه ما على الأصنام وضعف الأصنام فى ان لامنعه لهم وبالجملة فدلتهم الآية على ان الاصنام فى احط رتبة واخس منزلة لو كانوا يعقلون وما قدروا الله حق قدره المعنى ما وفوه حقه سبحانه من التعظيم والتوحيد وقوله سبحانه الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس الآية نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة انزل عليه الذكر من بيننا ص ابو البقاء ومن الناس اي رسلا انتهى ثم امر سبحانه بعبادته وخص الركوع والسجود بالذكر تشريفا للصلاة واختلف الناس هل فىهذه الآية سجدة ام لا قال ابن العربى فى احكامه قوله تعالى يا ايها الذين امنوا اركعوا واسجدوا تقبلها قوم على انها سجدة تلاوة فسجدوها وقال ءاخرون هو سجود الصلاة فقصروه عليه ورأى عمر وابنه عبد الله رضى الله عنهما انها سجدة تلاوة وانى لأسجدها واراها كذلك لما روى ابن وهب وغيره عن مالك وغيره انتهى وقوله سبحانه وافعلوا الخير ندب فيما عدا الواجبات ت وهذه الآية الكريمة عامة فى انواع الخيرات ومن اعظمها الرأفة والشفقة على خلق الله ومواساة الفقراء واهل الحاجة وقد روى ابو داود والترمذى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ايما مسلم كسا مسلما ثوبا على عرى كساه الله من خضر الجنة وايما مسلم اطعم مسلما على جوع اطعمه الله من ثمار الجنة وايما مسلم سقى مسلما على ظمإ سقاه الله من الرحيق المختوم انتهى وروى علي بن عبد العزيز البغوى فى المسند المنتخب عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ايما مسلم كسا مسلما ثوبا كان فى حفظ الله ما بقيت عليه منه رقعة وروى ابن ابى شيبة فى مسنده عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ايما اهل عرصة ظل فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله انتهى من الكوكب الدرى وقوله سبحانه وجاهدوا فى الله حق جهاده قالت فرقة الآية فى قتال الكفار وقالت بل هى اعم من هذا وهو جهاد النفس وجهاد الكفار والظلمة وغير ذلك امر الله عباده بأن يفعلوا ذلك فى ذات الله حق فعله قال ع والعموم ااحسن وبين ان عرف اللفظة يقتضى القتال فى سبيل الله وقوله هو اجتباكم اي تخيركم وما جعل عليكم فى الدين من حرج اي من تضييق وذلك ان الملة حنيفية سمحة ليست كشدائد بنى اسراءيل وغيرهم بل فيها التوبة والكفارات والرخص ونحو هذا مما يكثر عده ورفع الحرج عن هذه الأمة لمن استقام منهم على منهاج الشرع واما السلابة والسراق واصحاب الحدود فهم ادخلوا الحرج على انفسهم بمفارقتهم الدين وليس فى الدين اشد من الزام رجل لاثنين فى سبيل الله ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج وملة نصب بفعل مضمر من افعال الإغراء وقوله هو سماكم قال ابن زيد الضمير لابراهيم والإشارة الى قوله ومن ذريتنا امة مسلمة لك وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد الضمير لله عز و جل ومن قبل معناه فى الكتب القديمة وفى هذا اي فى القرءان وهذه اللفظة تضعف قول من قال الضمير لابراهيم عليه السلام ولا يتوجه الا على تقدير محذوف من الكلام مستأنف قال ص هو قيل يعود على الله تعالى وقيل على ابراهيم وعلى هذا فيكون وفى هذا القرءان اي وسميتم بسببه فيه انتهى وقوله سبحانه ليكون الرسول شهيدا عليكم اي بالتبليغ وقوله وتكونوا شهداء على الناس اي بتبليغ رسلهم اليهم على ما اخبركم نبيكم ثم امر سبحانه بالصلاة المفروضة ان تقام ويدام عليها بجميع حدودها وبالزكاة ان تؤدى ثم امر سبحانه بالاعتصام به اي بالتعلق به والخلوص له وطلب النجاة منه ورفض التوكل على سواه وقوله سبحانه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير المولى فى هذه الآية معناه الذى يليكم نصره وحفظه وباقى الآية بين تفسير سورة المؤمنين وهى مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه قد افلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون اخبر الله سبحانه عن فلاح المؤمنين وانهم نالوا البغية واحرزوا البقاء الدائم ت وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا نزل عليه الوحى يسمع عند وجهه صلى الله عليه و سلم دوى كدوى النحل فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة وسرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال اللهم زدنا ولا تنقصنا واكرمنا ولا تهنا واعطنا ولا تحرمنا وءاثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا ثم قال انزلت على عشر ءايات من اقامهن دخل الجنة ثم قرأ قد افلح المؤمنون حتى ختم عشر ءايات رواه الترمذى واللفظ له والنساءى والحاكم فى المستدرك وقال صحيح الإسناد انتهى من سلاح المؤمن ت وقد نص بعض ائمتنا على وجوب الخشوع فى الصلاة قال الغزالى رحمه الله ومن مكائد الشيطان ان يشغلك فى الصلاة بفكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات لتمتنع عن فهم ما تقرأة واعلم ان كل ما اشغلك عن معانى قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها انتهى من الأحياء وروى عن مجاهد ان الله تعالى لما خلق الجنة واتقن حسنها قال قد افلح المؤمنون ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين فقال الذين هم فى صلاتهم خاشعون والخشوع التطامن وسكون الاعضاء والوقار وهذا انما يظهر فى الأعضاء ممن فى قلبه خوف واستكانه لأنه اذا خشع قلبه خشعت جوارحه وروى ان سبب الآية ان المسلمين كانوا يلتفتون فى صلاتهم يمنة ويسرة فنزلت هذه الآية وأمروا ان يكون بصر المصلى حذاء قبلته او بين يديه وفى الحرم الى الكعبة واللغو سقط القول وهذا يعم جميع ما لا خير فيه ويجمع ءاداب الشرع وكذلك كان النبى صلى الله عليه و سلم واصحابه اي يعرضون عن اللغو وكأن الآية فيها موادعة والذين هم للزكوة فاعلون ذهب الطبرى وغيره الى انها الزكاة المفروضة فى الأموال وهذا بين ويحتمل اللفظ ان يريد بالزكاة الفضائل كأنه اراد الأزكى من كل فعل كما قال تعالى خير منه زكاة واقرب رحما وقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون الى قوله العادون يقتضى تحريم الزنا والاستمناء ومواقعة البهائم وكل ذلك داخل فى قوله وراء ذلك ويريد وراء هذا الحد الذى حد والعادى الظالم والأمانة والعهد يجمع كل ما تحمله الانسان من امر دينه ودنياه قولا وفعلا وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك ورعاية ذلك حفظه والقيام به والأمانة اعم من العهد اذ كل عهد فهو امانة وقرأ الجمهور صلوتهم وقرأ حمزة والكساءى صلاتهم بالافراد والوارثون يريد الجنة وفى حديث ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم ان الله تعالى جعل لكل انسان مسكنا فى الجنة ومسكنا فى النار فاما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويحصل الكفار فى منازلهم فى النار ت وخرجه ابن ماجه ايضا بمعناه عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما منكم الا من له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار فإذا مات يعنى الانسان ودخل النار ورث اهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى اولئك هم الوارثون قال القرطبى فى التذكرة اسناده صحيح انتهى من التذكرة قال ع ويحتمل ان يسمى الله تعالى حصولهم فى الجنة وراثة من حيث حصلوها دون غيرهم وفى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله احاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غراسها بيده وقال لها تكلمى فقالت قد أفلح المؤمنون فقال طوبى لك منزل الملوك خرجه البغوى فى المسند المنتخب له انتهى من الكوكب الدرى وقوله سبحانه ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين الآية اختلف فى قوله الانسان فقال قتادة وغيره اراد ءادم عليه السلام لانه استل من الطين وقال ابن عباس وغيره المراد ابن ءادم والقرار المكين من المرأة هو موضع الولد والمكين المتمكن والعلقة الدم الغليظ والمضغة بضعة اللحم قدر ما يمضغ واختلف فى الخلق الآخر فقال ابن عباس وغيره هو نفخ الروح فيه وقال ابن عباس ايضا هو خروجه الى الدنيا وقال ايضا تصرفه فى امور الدنيا وقيل هو نبات شعره قال ع وهذا التخصيص كله لاوجه له وانما هو عام فى هذا وغيره من وجوه النطق والادراك وحسن المحاولة وتبارك مطاوع بارك فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة وقوله احسن الخالقين معناه الصانعين يقال لمن صنع شيأ خلقه وذهب بعض الناس الى نفى هذه اللفظة عن الناس فقال ابن جريج انما قال الخالقين لأنه تعالى اذن لعيسى فى ان يخلق واضطرب بعضهم فى ذلك قال ع ولا تنفى اللفظة عن البشر فى معنى الصنع وانما هى منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم وقوله سبحانه ثم انكم بعد ذلك لميتون اي بعد هذه الاحوال المذكورة ويريد بالسبع الطرائق السموات والطرائق كل ما كان طبقات بعضه فوق بعض ومنه طارقت نعلى ويجوز ان تكون الطرائق بمعنى المبسوطات من طرقت الشىء ت وقوله تعالى وانزلنا من السماء ماء بقدر الآية ظاهر الآية انه ماء المطر واسند ابو بكر ابن لخطيب فى اول تاريخ بغداد عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال انزل الله من الجنة الى الارض خمسة انهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر انزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من اسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال واجراها فى الأرض وجعل فيها منافع للناس فى اصناف معايشهم فذلك قوله تعالى وانزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الارض فاذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض القرءان والعلم كله والحج من ركن البيت ومقام ابراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع ذلك كله الى السماء فذلك قوله تعالى وانا على ذهاب به لقادرون فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد اهلها خير الدين والدنيا وفى رواية خير الدنيا والآخرة انتهى فان صح هذا الحديث فلا نظر لأحد معه ونقل ابن العربى فى احكامه هذا الحديث ايضا عن ابن عباس وغيره ثم قال فى ءاخره وهذا جائز فى القدرة ان صحت به الرواية انتهى قال ع قوله تعالى ماء بقدر قال بعض العلماء اراد المطر وقال بعضهم انما اراد الأنهار الأربعة سيحان وجيحان والفرات والنيل قال ع والصواب ان هذا كله داخل تحت الماء الذى انزله الله تعالى وقوله تعالى لكم فيها فواكه كثيرة يحتمل ان يعود الضمير على الجنات فيشمل انواع الفواكه ويحتمل ان يعود على النخيل والأعناب خاصة اذ فيهما مراتب وانواع والأول اعم لسائر الثمرات وقوله سبحانه وشجرة عطف على قوله جنات ويريد بها الزيتونة وهى كثيرة في طور سيناء من ارض الشام وهو الجبل الذى كلم فيه موسى عليه السلام قاله ابن عباس وغيره والطور الجبل فى كلام العرب واختلف فى سيناء فقال قتادة معناه الحسن وقال الجمهور هو اسم الجبل كما تقول جبل احد وقرأ الجمهور تنبت بفتح التاء وضم الباء فالتقدير تنبت ومعها الدهن كما تقول خرج زيد بسلاحه وقرأ ابن كثير وابو عمرو تنبت بضم التاء وكسر الباء واختلف فى التقدير على هذه القراءة فقالت فرقة الباء زائدة كما فى قوله تعالى ولا تلقوا بأيدكم الى التهلكة وقالت فرقة التقدير تنبت جناها ومعه الدهن فالمفعول محذوف وقيل نبت وانبت بمعنى فيكون المعنى كما مضى فى قراءة الجمهور والمراد بالآية تعيد ! النعم على الانسان وباقى الآية بين وقوله سبحانه ولقد ارسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره افلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم الآية هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بامم كفرت بانبيائها فاهلكوا وفى ضمن ذلك الوعيد بان يحل بهؤلاء نحو ما حل بأولائك والملأ الأشراف والجنة الجنون وحتى حين معناه الى وقت يريحكم القدر منه ثم ان نوحا عليه السلام دعا على قومه حين يئس منهم وان كان دعاؤه فى هذه الآية ليس بنص وانما هو ظاهر من قوله بما كذبون فهذا يقتضى طلب العقوبة واما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم الى الايمان وقوله عز و جل فاوحينا اليه ان اصنع الفلك باعيننا ووحينا فإذا جاء امرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا انهم مغرقون فإذا استويت انت ومن معك على الفلك الحمد لله قوله بأعيننا عبارة عن الادراك هذا مذهب الحذاق ووقفت الشريعة على اعين وعين ولا يجوز ان يقال عينان من حيث لم توقف الشريعة على التثنية ووحينا معناه فى كيفية العمل ووجه البيان لجميع حكم السفينة وما يحتاج اليه وامرنا يحتمل ان يكون واحد الأوامر ويحتمل ان يريد واحد الأمور والصحيح من الأقوال فى التنور انه تنور الخبز وانها إمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح عليه السلام وقوله فاسلك معناه فادخل يقال سلك واسلك بمعنى وقرأ حفص عن عاصم من كل بالتنوين والباقون بغير تنوين والزوجان كل ما شأنه الاصطحاب من كل شىء نحوالذكر والانثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها هذا موقع اللفظة فى اللغة وقوله وأهلك يريد قرابته ثم استثنى من سبق عليه القول بأنه كافر وهو ابنه وامرأته ثم أمر نوح ان لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعا فى احد من الظالمين ثم امر بالدعاء فى بركة المنزل وقوله سبحانه ان فى ذلك لآيات خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم ثم اخبر سبحانه انه يبتلى عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الأخبار واللام فى لمبتلين لام تأكيد ومبتلين معناه مصيبين ببلاء ومختبرين اختبارا يؤدى الى ذلك وقوله سبحانه ثم انشانا من بعدهم قرنا آخرين قال الطبرى رحمه الله ان هذا القرن هم ثمود قوم صالح قال ع وفى جل الروايات ما يقتضى ان قوم عاد اقدم الا انهم لم يهلكوا بصيحة ت وهو ظاهر ترتيب قصص القرءان ان عادا اقدم واترفناهم معناه نعمناهم وبسطنا لهم الأموال والارزاق وقولهم ايعدكم استفهام على جهة الاستبعاد وانكم الثانية بدل من الاولى عند سيبويه وقولهم هيهات هيهات استبعاد وهيهات احيانا تلى الفاعل دون لام تقول هيهات مجيء زيد اي بعد ذلك ومنه قول جرير ... فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق نواصله ... أحيانا يكون الفاعل محذوفا وذلك عند وجود اللام كهذه الآية التقدير بعد الوجود لما توعدن قال ص ورد بأن فيه حذف الفاعل وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين وذكر ابو البقاء ان اللام زائدة ما فاعل أي بعد ما توعدون قال أبو حيان وهذا تفسير معنى لا اعراب لأنه لم تثبت مصدرية هيهات انتهى وقولهم ان هى الا حياتنا الدنيا ارادوا انه لا وجود لنا غير هذا الوجود وانما تموت منا طائفة فتذهب وتجىء طائفة جديدة وهذا هو كفر الدهرية وقوله قال عما قليل ليصبحن نادمين المعنى قال الله لهذا النبى الداعي عما قليل يندم قومك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم ومن ذكر الصيحة ذهب الطبرى الى انهم قوم ثمود وقوله بالحق اي بما استحقوا بافعالهم وبما حق منا فى عقوبتهم والغثاء ما يحمله السيل من زبده الذى لا ينتفع به فيشه كل هامد وتالف بذلك قال ابو حيان وبعدا منصوب بفعل محذوف اي بعدوا بعدا اي هلكوا انتهى ثم اخبر سبحانه انه انشأ بعد هؤلاء امما كثيرة كل امة باجل وفى كتاب لا تتعداه فى وجودها وعند موتها وتترى مصدر من تواتر الشىء وقوله سبحانه فاتبعنا بعضهم بعضا اي فى الإهلاك وقوله تعالى وجعلناهم احاديث يريد احاديث مثل وقلما يستعل الجعل حديثا الا فى الشر وعالين معناه قاصدين للعلو بالظلم وقولهم وقومهما لنا عأبدون معناه خادمون متذللون والطريق المعد المذلل ومن المهلكين يريد بالغرق وقوله سبحانه ولقد آتينا موسى الكتاب يعنى التوراة ولعلهم يريد بنى اسراءيل لأن التوراة انما نزلت بعد هلاك فرعون والقبط والربوة المرتفع من الأرض والقرار التمكن وبين ان ماء هذه الربوة يرى معينا جاريا على وجه الأرض قاله ابن عباس والمعين الظاهر الجرى للعين فالميم زائدة وهو الذى يعاين جريه لا كالبير ونحوه ويحتمل ان يكون من قولهم معن الماء اذا كثر وهذه الربوة هى الموضع الذى فرت اليه مريم وقت وضع عيسى عليه السلام هذا قول بعض المفسرين واختلف الناس فى موضع الربوة فقال ابن المسيب هى الغوطة بدمشق وهذا اشهر الأقوال لأن صفة الغوطة انها ذات قرار ومعين على الكمال وقال كعب الاحبار الربوة بيت المقدس وزعم ان فى التوراة ان بيت المقدس اقرب الأرض الى السماء وانه يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلا قال ع ويترجح ان الربوة فى بيت لحم من بيت المقدس لأن ولادة عيسى هنالك كانت وحينئذ كان الإيواء وقال ابن العربى فى احكامه اختلف الناس فى تعيين هذه الربوة على اقوال منها ما تفسر لغة ومنها ما تفسر نقلا فيفتقر الى صحة سنده الى النبى صلى الله عليه و سلم الا ان ها هنا نكتة وذلك انه اذا نقل الناس نقل تواتر ان هذا موضع كذا إن هذا الأمر جرى كذا وقع العلم به ولزم قبوله لان الخبر المتواتر ليس من شرطه الإيمان وخبر الآحاد لابد من كونه المخبر به بصفة الإيمان لأنه بمنزلة الشاهد والخبر المتواتر بمنزلة العيان وقد بينا ذلك فى اصول الفقه والذى شاهدت عليه الناس ورأيتهم يعينونه تعيين تواتر موضع فى سفح الجبل فى غربى دمشق انتهى وما ذكره من ان التواتر ليس من شرطه الإيمان هذا هو الصحيح وفيه خلاف الا انا لا نسلم ان هذا متواتر لاختلال شرطه انظر المنتهى لابن الحاجب وقوله سبحانه يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم يحتمل ان يكون معناه وقلنا يا ايها الرسل وقالت فرقة الخطاب بقوله يا ايها الرسل للنبى صلى الله عليه و سلم قال ع والوجه فى هذا ان يكون الخطاب للنبى صلى الله عليه و سلم وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزا ان المقالة قد خوطب بها كل نبى أوهى طريقتهم التى ينبغى لهم الكون عليها كما تقول لعالم يا علماء انكم ائمة يقتدى بكم فتمسكوا بعلمكم وقال الطبرى الخطاب لعيسى ت والصحيح فى تاويل الآية انه أمر للمرسلين كما هو نص صريح فى الحديث الصحيح فلا معنى للتردد فى ذلك وقد روى مسلم والترمذى عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان الله طيب ولا يقبل الا طيبا وان الله امر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم وقال يا ايها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر اشعث اغبر يديه الى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك اه وقوله تعالى وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون وهذه الآية تقوى ان قوله تعالى يا ايها الرسل انما هو مخاطبة لجميعهم وانه بتقدير حضورهم واذا قدرت يا ايها الرسل مخاطبة للنبى صلى الله عليه و سلم قلق اتصال هذه واتصال قوله فتقطعوا ومعنى الامة هنا الملة والشريعة والاشارة بهذه الى الحنيفية السمحة ملة ابراهيم عليه السلام وهو دين الاسلام وقوله سبحانه فتقطعوا يريد الأمم اي افترقوا وليس بفعل مطاوع كما تقول تقطع الثوب بل هو فعل متعد بمعنى قطعوا وقرأ نافع زبرا جمع زبور وهذه القراءة تحتمل معنيين احدهما ان الامم تنازعت كتبا منزلة فانبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الانجيل ثم حرف الكل وبدل وهذا قول قتادة والثانى انهم تنازعوا امرهم كتبا وضعوها وضلالة الفوها قاله ابن زيد وقرأ ابو عمروبخلاف زبرا بضم الزاى وفتح الباء ومعناها فرقا كزبر الحديد ومن حيث كان ذكر الأمم فى هذه الآية مثالا لقريش خاطب الله سبحانه نبيه محمد صلى الله عليه و سلم فى شأنهم متصلا بقوله فذرهم اي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم والغمرة ما عمهم من ضلالهم وفعل بهم فعل الماء الغمر بما حصل فيه والخيرات هنا نعم الدنيا وقوله سبحانه والذين يؤتون ماءاتوا وقلوبهم وجلة الآية اسند الطبرى عن عائشة انها قالت قلت يا رسول الله قوله تعالى يوتون ماءاتوا اهى فى الذى يزنى ويسرق قال لا يابنت ابى بكر بل هى فى الرجل يصوم ويتصدق وقلبه وجل يخاف ان لا يتقبل منه قال ع ولا نظر مع الحديث والوجل نحو الاشفاق والخوف وصورة هذا الوجل اما المخلط فينبغى ان يكون ابدا تحت خوف من ان يكون ينفذ عليه الوعيد بتخليطه واما التقى او التائب فخوفه امر الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت وفى قوله تعالى انهم الى ربهم راجعون تنبيه على الخاتمة وقال الحسن معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البر ويخافون ان لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم وهذه عبارة حسنة وروى عن الحسن ايضا انه قال المومن يجمع احسانا وشفقه والمنافق يجمع اساءة وامنا ت ولهذا الخطب العظيم اطال الأولياء فى هذه الدار حزنهم واجروا على الوجنات مدامعهم قال ابن المبارك فى رقائق اخبرنا سفيان قال انما الحزن على قدر البصيرة قال ابن المبارك واخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال ما عبد الله بمثل طول الحزن وقال ابن المبارك ايضا اخبرنا مسعر عن عبد الأعلى التيمى قال ان من اوتى من العلم مالا يبكيه لخليق ان لا يكون اوتى علما ينفعه لأن الله تعالى نعت العلماء فقال ان الذين اوتو العلم من قبله اذا يتلى عليهم الى قوله ويخرون للاذقان يبكون انتهى وقوله سبحانه اولائك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون اي اليها سابقون وهذا قول بعضهم فى قوله لها وقالت فرقة معناه وهم من اجلها سابقون وقال الطبرى عن ابن عباس المعنى سبقت لهم السعادة فى الأزل فهم لها ورجحه الطبرى بأن اللام متمكنه فى المعنى وقوله سبحانه ولدينا كتاب ينطق بالحق اظهر ما قيل فيه انه اراد كتاب احصاء الأعمال الذى ترفعه الملائكة وقيل الاشارة الى القرءان والاول اظهر وقوله سبحانه بل قلوبهم فى غمرة من هذا اختلف فى الإشارة بقوله من هذا هل هى الى القرءان او الى كتاب الإحصاء او الى الدين بجملته او الى النبى صلى الله عليه و سلم ولهم اعمال اي من الفساد هم لها عاملون فى الحال والاستقبال والمترف المنعم فى الدنيا الذى هو منها فى سرف ويجرون معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعال الجواز فى البشر ومنه قول الأعشى ... يراوح من صلوات المليك ... طورا سجودا وطورا جؤارا ... وقال ص جأر الرجل الى الله تعالى اي تضرع قاله الحوفى انتهى وذهب مجاهد وغيره الى ان هذا العذاب المذكور هو الوعيد بيوم بدر وقيل غير هذا وقوله سبحانه لا تجئروا اليوم اي يقال لهم يوم العذاب لا تجئروا اليوم وقوله قد كانت آياتى تتلى عليكم يعنى القرءان وتنكصون معناه ترجعون وراءكم وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحق ومستكبرين حال والضمير فى به عائد على الحرم والمسجد وان لم يتقدم له ذكر لشهرته والمعنى انكم تعتقدون فى نفوسكم ان لكم بالمسجد الحرام اعظم الحقوق على الناس والمنزلة عند الله فانتم تستكبرون لذلك وليس الاستكبار من الحق وقالت فرقة الضمير عائد على القرءان المعنى يحدث لكم سماع ءاياتى كبرا وطغيانا وهذا قول جيد وذكر منذر ابن سعيد ان الضمير للنبي صلى الله عليه و سلم وهو متعلق بما بعده كأن الكلام تم في قوله مستكبرين ثم قال بمحمد صلى الله عليه و سلم وهو متعلق بما بعده كأن الكلام تم فى قوله مستكبرين ثم قال بمحمد عليه السلام سامرا تهجرون وسامرا حال وهو مفرد بمعنى الجمع يقال قوم سمر وسمر وسامر ومعناه سهر الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا اوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس فى الصحراء فترى الطوالع من الغوارب وقرأ ابو رجاء سمارا وقرأ ابن عباس وغيره سمرا وكانت قريش تسمر حول الكعبة فى اباطليها وكفرها وقرأ السبعة غير نافع تهجرون بفتح التاء وضم الجيم قال ابن عباس معناه تهجرون الحق وذكر الله وتقطعونه من الهجران المعروف وقال ابن زيد هو من هجر المريض اذا هذى اي تقولون اللغو من القول وقاله ابو حاتم وقرأ نافع وحده تهجرون بضم التاء وكسر الجيم وهى قراءة اهل المدينة ومعناه تقولون الفحش والهجر من القول وهذه اشارة الى سبهم النبى صلى الله عليه و سلم واصحابه قاله ابن عباس ايضا وغيره ثم وبخهم سبحانه بقوله افلم يدبروا القول لأنهم بعد التدبير والنظر الفاسد قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وغير ذلك ام جاءهم ما لم يات ءاباءهم الأولين اي ليس ببدع بل قد جاء آباءهم الأولين وهم سالف الامم الرسل كنوح وابراهيم واسماعيل وغيرهم وفى هذا التأويل من التجوز ان جعل سالف المم ءاباء اذ الناس فى الجملة ءاخرهم من اولهم ام لم يعرفوا رسولهم المعنى الم يعرفوا صدقه وامانته مدة عمره صلى الله عليه و سلم وقوله سبحانه ولو اتبع الحق اهواءهم قال ابن جريج وابو صالح الحق الله تعالى قال ع وهذا ليس من نمط الآية وقال غيرهما الحق هنا الصواب والمستقيم قال ع وهذا هو الأحرى ويستقيم على فساد السموات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاء وذلك انهم جعلوا لله شركاء واولادا ولو كان هذا حقا لم تكن لله عز و جل الصفات العلية ولو لم تكن له سبحانه لم تكن الصنعة ولا القدرة كما هى وكان ذلك فساد السموات والارض ومن فيهن لو كان فيهما ءالهة الا الله لفسدتا وقوله سبحانه بل اتيناهم بذكرهم قال ابن عباس بوعظهم ويحتمل بشرفهم وهو مروى ام تسئلهم خرجا الخرج والخراج بمعنى وهو المال الذى يجبى ويؤتى به لأوقات محدودة وقوله سبحانه فخراج ربك خير يريد ثوابه ويحمل ان يريد بخراج ربك رزقه ويؤيده قوله وهو خير الرازقين والصراط المستقيم دين الاسلام وناكبون اي مجادلون ومعرضون وقال البخارى لناكبون لعادلون انتهى قال ابو حيان يقال نكب عن الطريق ونكب بالتشديد اي عدل عنه انتهى ثم اخبر تعالى عنهم انهم لو زال عنهم القحط ومن الله عليهم بالخصب ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم ولجوا فى طغيانهم وهذه الآية نزلت فى المدة التى اصاب فيها قريشا السنون الجدبة والجوع الذى دعا به النبى صلى الله عليه و سلم فى قوله اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف الحديث ولقد اخذناهم بالعذاب قال ابن عباس وغيره هو الجوع والجدب حتى اكلوا الجلود وما جرى مجراها وروى انهم لما بلغهم الجهد ركب ابو سفيان وجاء الى النبى صلى الله عليه و سلم بالمدينة فقال يا محمد الست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والابناء بالجوع وقد اكلنا العلهز فنزلت الآية واستكانوا معناه تواضعوا وانخفضوا وقوله سبحانه حتى اذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد الآية توعد بعذاب غير معين وهذا هو الصواب وهذه المجاعة انما كانت بعد وقعة بدر والملبس الذى قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه بخير ثم ابتدا تعالى بتعديد نعم فى نفس تعديدها استدلال بها على عظم قدرته سبحانه فقال وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصار الآية أنشأ بمعنى اخترع والأفئدة القلوب وذرأ بث وخلق وقوله بل اضراب والجحد قبله مقدر كأنه ليس لهم نظر فى هذه الآيات او نحو والاولون يشير به الى الأمم الكافرة كعاد وثمود وقوله تعالى لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من قبل 6 الآية قولهم وءاباؤنا ان حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم ءاباء من حيث النوع واحد وكونهم سلفا وفيه تجوز وان حكى ذلك عن الاولين فالامر مستقيم فيهم وقوله سبحانه قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل افلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل فانى تسحرون امر الله تعالى نبيه عليه السلام بتوقيفهم على هذه الاشياء التى لا يمكنهم الا الإقرار بها ويلزم من الاقرار بها توحيد الله واذعانهم لشرعه ورسالة رسله وقرأ الجميع فى الاول لله بلا خلاف واختلف فى الثانى والثالث فقرأ ابو عمرو وحده الله جوابا على اللفظ وقرأ باقى السبعة لله جوابا على المعنى كانه قال فى السؤال لمن ملك السموات السبع وقوله سبحانه فأنى تسحرون استعارة وتشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها ما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك وقالت فرقة تسحرون معناه تمنعون وحكى بعضهم ذلك لغة والإجارة المنع والمعنى ان الله اذا اراد منع احد فلا يقدر عليه واذا اراد اخذه فلا مانع له وقوله سبحانه وانهم لكاذبون اي فيما ذكروه من الصاحبة والولد والشريك تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وفى قوله سبحانه وما كان معه من اله الآية دليل التمانع وهذا هو الفساد الذى تضمنه قوله تعالى لو كان فيهما ءالهة الا الله لفسدتا والجزء المخترع محال ان تتعلق به قدرتان فصاعدا وقد تقدم الكلام على هذا الدليل فاغنى عن اعادته وقوله اذا جواب لمحذوف تقديره لو كان معه اله اذا لذهب وقوله عالم الغيب المعنى هو عالم الغيب وقرأ ابو عمرو وغيره عالم بالجر اتباعا للمكتوبة وقوله سبحانه قل رب اما ترينى ما يوعدون رب فلا تجعلنى فى القوم الظالمين أمر الله تعالى نبيه عليه السلام ان يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة ان كان قضى ان يرى ذلك وان شرط وما زائدة وترينى جزم بالشرط لزمته النون الثقيلة وهى لا تفارق اما عند المبرد ويجوز عند سيبويه ان تفارق ولكن استعمال القرءان لزومها فمن هنالك الزمه المبرد وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من اجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء فى حسن الخاتمة وقوله ثانيا رب اعتراض بين الشرط وجوابه وقوله سبحانه ادفع بالتى هى احسن السيئة امر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها لهذا فهو محكم باق فى الأمة ابدا وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال وقوله نحن اعلم بما يصفون يقتضى انها ءاية موادعة وقال مجاهد الدفع بالتى هى احسن هو السلام تسلم عليه اذا لقيته وقال الحسن والله لا يصيبها احد حتى يكظم غيظه ويصفح عما يكره وفى الآية عدة للنبى صلى الله عليه و سلم اي اشتغل انت بهذا وكل امرهم الينا ثم امره سبحانه بالتعوذ من همزات الشياطين وهى سورات الغضب التى لا يملك الانسان فيها نفسه وكأنها هى التى كانت تصيب المومنين مع الكفار فتقع المجادلة ولذلك اتصلت بهذه الاية وقال ابن زيد همز الشيطان الجنون وفى مصنف ابى داود ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اللهم انى اعوذ بك من الشيطان همزه ونفخه ونفثة قال ابوداود همزة الموتة ونفخة الكبر ونفثة السحر قال ع والنزغات وسورات الغضب من الشيطان وهى المتعوذ منها فى الآية واصل الهمز الدفع والوكز بيدا وغيرها ت قال صاحب سلاح المومن وهمزات الشياطين خطراتها التى تخطرها بقلب الانسان انتهى وقال الواحدى همزات الشياطين نزغاتها ووساوسها انتهى وقوله سبحانه حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلى اعمل صالحا فيما تركت حتى فى هذا الموضع حرف ابتداء والضمير فى قوله احدهم للكفار وقوله ارجعون اي الى الحياة الدنيا والنون فى ارجعون نون العظمة وقال النبى صلى الله عليه و سلم لعائشة اذا عاين المؤمن الموت قالت له الملائكة نرجعك فيقول الى دار الهموم والأحزان بل قدما الى الله واما الكافر فيقول ارجعون لعلى اعمل صالحا وقوله كلا رد وزجر وقوله انها كلمة هو قائلها تحتمل ثلاثة معان احدها الأخبار الموكد بأن هذا الشىء يقع ويقول هذه الكلمة الثانى ان يكون المعنى انها كلمة لا تغنى اكثر من انه يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث الثالث ان يكون اشارة الى انه لورد لعاد والضمير فى ورائهم للكفار والبرزخ فى كلام العرب الحاجز بين المسافتين ثم يستعار لما عدا ذلك وهو هنا للمدة التى بين موت الانسان وبين بعثه هذا اجماع من المفسرين وقوله عز و جل فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم الآية قال ابن مسعود وغيره هذا عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرئى بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها سبحانه والمعنى فلا انساب نافعة وروى عن قتادة انه ليس احد ابغض الى الإنسان فى ذلك اليوم ممن يعرف لانه يخاف ان يكون له عنده مظلمة وفى ذلك اليوم يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل احد يومئذ ان يكون له حق على ابنه وابيه وقد ورد بهذا حديث وكأن ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه ثم تأتى فى القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف قال ع وهذا التأويل حسن وهو مروى المعنى عن ابن عباس وذكر البزار من حديث انس عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ملك موكل بالميزان فيؤتى بابن ءادم فيوقف بين كفتى الميزان فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلأن سعادة لا يشقى بعدها ابدا وان خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها ابدا انتهى من العاقبة وروى ابو داود فى سننه عن عائشة انها ذكرت النار فبكت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يبكيك قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون اهليكم يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اما فى ثلاثة مواطن فلا يذكر احد احدا عند الميزان حتى يعلم ايخف ميزانه ام يثقل وعند الكتاب حتى يقول هاؤم اقرءوا كتابيه حتى يعلم اين يعطى كتابه افى يمينه ام في شماله ام من وراء ظهره وعند الصراط اذا وضع بين ظهرى جهنم انتهى ولفح النار اصابتها بالوهج والإحراق والكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان وقد شبه ابن مسعود ما فى الآية بما يعترى رءوس الكباش اذا شيطت بالنار فانها تكلح ومنه كلوح الكلب والأسد ت وفى الترمذى عن ابى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه و سلم قال وهم فيها كالحون قال تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السفلى حتى تضرب سرته الحديث قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب انتهى وهذا هو المعول فى فهم الآية واما قول البخارى كالحون معناه عابسون فغير ظاهر ولعله لم يقف على الحديث وقوله سبحانه الم تكن آياتى اي يقال لهم والآيات هنا القرءان وقرأ حمزة شقاوتنا ثم وقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله اخسئوا فيها ولا تكلمون ويقال ان هذه الكلمة اذا سمعوها يئسوا من كل خير فتنطبق عليهم جهنم وبقع اليأس عافانا الله من عذابه بمنه وقوله اخسئوا زجر وهو مستعمل فى زجر الكلاب وقوله عز و جل انه كان فريق من عبادى يقولون ربنا ءامنا الآية الهاء فى انه مبهمة وهى ضمير الامر والشأن والفريق المشار اليه كل مستضعف من المؤمنين يتفق ان تكون حاله مع كفار مثل هذه الحال ونزلت الآية فى كفار قريش مع صهيب وعمار وبلال ونظرائهم ثم هى عامة فيمن جرى مجراهم قديما وبقية الدهر وقرأ نافع وحمزة والكساءي سخريا بضم السين والباقون بكسرها فقيل هما بمعنى واحد ذكر ذلك الطبرى وقال ذلك ابو زيد الانصارى انهما بمعنى الهزء وقال ابو عبيدة وغيره ان ضم السين من السخرة والاستخدام وكسرها من السخر وهو الاستهزاء ومعنى الاستهزاء هنا اليق الا ترى الى قوله وكنتم منهم تضحكون وقوله سبحانه كم لبثتم فى الارض عدد سنين الآية قوله فى الأرض قال الطبرى معناه فى الدنيا احياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا يوما او بعض يوم والغرض توقيفهم على ان اعمارهم قصيرة اداهم الكفر فيها الى عذاب طويل عافانا الله من ذلك بمنه وقال الجمهور ومعناه كم لبثتم فى جوف التراب امواتا قال ع وهذا هو الأصوب من حيث انكروا البعث وكان قولهم انهم لا يقومون من التراب وقوله ءاخرا وانكم الينا لا ترجعون يقتضى ما قلناه ت الآيات محتملة للمعنيين والله اعلم بما اراد سبحانه قال البخارى قال ابن عباس فاسأل العادين اي الملائكة انتهى ص قرأ الجمهور العادين بتشديد الدال اسم فاعل من عد وقرأ الحسن والكساءى فى رواية العادين بتخفيف الدال اي الظلمة وان من قوله ان لبثتم نافية اي ما لبثتم الا قليلا وعبثا معناه باطلا لغير غاية مرادة وخرج ابو نعيم الحافظ عن حنش الصنعانى عن ابن مسعود انه قرأ فى اذن مبتلى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا الى ءاخر السورة فأفاق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قرأت فى اذنه قال قرأت افحسبتم الى آخر السورة فقال النبى صلى الله عليه و سلم لو ان رجلا موقنا قرأها على جبل لزال انتهى وخرجه ابن السنى ايضا ذكره النووى وقوله سبحانه فتعالى الله الملك الحق المعنى فتعالى الله عن مقالتهم فى دعوى الشريك والصاحبة والولد ثم توعد سبحانه عبده الأوثان بقوله فانما حسابه عند ربه وفى حرف عبد الله عند ربك وفى حرف ابى عند الله ثم امر تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بالدعاء والذكر له فقال وقل رب اغفر وارحم وانت خير الراحمين تفسير سورة النور وهى مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى سورة انزلناها وفرضناها الآية معنى فرضنا اوجبنا واثبتنا وقال الثعلبى والواحدى فرضناها اي اوجبنا ما فيها من الأحكام انتهى وقال البخارى قال ابن عباس سورة انزلناها بيناها انتهى وما تقدم ابين ص فرضناها الجمهور بتخفيف الراء اي فرضنا احكامها وابو عمرو وابن كثير بتشديد الراء اما للمبالغة فى الايجاب واما لان فيها فرائض شتى انتهى وآلايات البينات امثالها ومواعظها واحكامها وقوله تعالى الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الآية هذه الاية ناسخة لآية الحبس باتفاق وحكم المحصنين منسوخ بأية الرجم والسنة المتواترة على ما تقدم فى سورة النساء وقرأ الجمهور رأفة بهمزة ساكنة من رأف اذا رق ورحم والرأفة المنهى عنها هى فى اسقاط الحد اي اقيموه ولابد وهذا تأويل ابن عمر وغيره وقال قتادة وغيره هى فى تخفف الضرب عن الزناة ومن رأيهم ان يخفف ضرب الخمر والفرية دون ضرب الزنا وقوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المومنين اي اغلاظا على الزناة وتوبيخا لهم ولاخلاف ان الطائفة كلما كثرت فهو اليق بامتثال الامر واختلف فى اقل ما يجزئى فقال الزهرى الطائفة ثلاثة فصاعدا وقال عطاء لابد من اثنين وهذا هو مشهور قول مالك فرءاها موضع شهادة وقوله تعالى الزانى لا ينكح الا زانية او مشركة مقصد الآية تشنيع الزنا وتشنيع امره وانه محرم على المومنين ويريد بقوله لا ينكح اي لا يطأ فالنكاح هنا بمعنى الجماع كقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره وقد بينه صلى الله عليه و سلم فى الصحيح انه بمعنى الوطء حيث قال لا حتى تذوقى عسيلته الحديث وتحتمل الآية وجوها هذا احسنها وقوله سبحانه والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الآية نزلت بسبب القاذفين وذكر تعالى فى الآية قذف النساء من حيث هو اهم وابشع وقذف الرجال داخل فى حكم الآية بالمعنى والاجماع على ذلك والمحصنات هنا العفائف وشدد تعالى على القاذف بأربعة شهداء رحمه بعباده وسترا لهم وحكم شهادة الأربعة ان تكون على معاينة مبالغة كالمرود فى المكحلة فى موطن واحد فإن اضطرب منهم واحد جلد الثلاثة والجلد الضرب ثم امر تعالى ان لا تقبل للقذفة المحدودين شهادة ابدا وهذا يقتضى مدة اعمارهم ثم حكم بفسقهم ثم استثنى تعالى من تاب واصلح من بعد القذف فالاستثناء غير عامل فى جلده بإجماع وعامل فى فسقه بإجماع واختلف فى عمله فى رد الشهادة والجمهور انه عامل فى رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ثم اختلفوا فى صورة توبته فقيل بان يكذب نفسه والا لم تقبل وقالت فرقة منها مالك توبته ان يصلح وتحسن حاله وان لم يرجع عن قوله بتكذيب واختلف فقهاء المالكية متى تسقط شهادة القاذف فقال ابن الماجشون بنفس قذفه وقال ابن القاسم وغيره لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو او غيره لم ترد شهادته قال اللخمى شهادته فى مدة الأجل للإثبات موقوفة وتابوا معناه رجعوا وقد رجح الطبرى وغيره قول مالك واختلف ايضا على القول بجواز شهادته فقال مالك تجوز فى كل شىء بإطلاق وكذلك كل من حد فى شىء وقال سحنون من حد فى شىء فلا تجوز شهادته فى مثل ما حد فيه واتفقوا فيما احفظ على ولد الزنا ان شهادته لا تجوز فى الزنا وقوله سبحانه والذين يرمون ازواجهم ولم يكن لهم شهداء الا انفسهم الآية لما رمى هلال بن امية الواقفى زوجته بشريك بن سحماء عزم النبى صلى الله عليه و سلم على ضربه حد القذف فنزلت هذه الآية حسبما هو مشروح فى الصحاح فجمعهما صلى الله عليه و سلم فى المسجد وتلاعنا وجاء ايضا عويمر العجلانى فرمى امرأته ولاعن والمشهور ان نازلة هلال قبل وانها سبب الآية والأزواج فى هذه الآية يعم المسلمات والكافرات والإماء فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسها وقرأ السبعة غير نافع ان لعنه وان غضب بتشديد ان فيهما ونصب اللعنة والغضب والعذاب المدرأ فى قول الجمهور هو الحد وجعلت اللعنة للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت فأبعد باللعنة وجعل الغضب الذى هو اشد على المرأة التى باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول والله اعلم واجمع مالك واصحابه على وجوب اللعان بادعاء الرؤية زنا لاوطء من الزوج بعده وذلك مشهور المذهب وقال مالك ان اللعان يجب بنفى حمل يدعى قبله استبراء والمستحب من الفاظ اللعان ان يمشى مع ترتيب القرءان ولفظه فيقول الزوج اشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزنى وانى فى ذلك لمن الصادقين ثم يقول فى الخامسة ولعنة الله على ان كنت من الكاذبين واما فى لعان نفى الحمل فيقول ما هذا الولد منى وتقول المرأة اشهد بالله ما زنيت وانه فى ذلك لمن الكاذبين ثم تقول غضب الله علي ان كان من الصادقين فان منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ واتيا بما فى معناها اجزأ ذلك ومشهور المذهب ان نفس تمام اللعان بينهما فرقه ولا يحتاج معها الى تفريق حاكم وتحريم اللعان ابدى باتفاق فيما احفظ من مذهب مالك وجواب لولا محذوف تقديره لكشف الزناة بأبسر من هذا او لأخذهم بعقابه ونحو هذا وقوله تعالى إن الذين جاءو بالإفك الآية نزلت فى شأن ام المؤمنين عائشة رضى الله عنها ففى البخارى فى غزوة بنى المصطلق عن عائشة رضى الله عنها قالت وانزل الله العشر الآيات فى براءتى ان الذين جاءو بالإفك الآيات والإفك الزور والكذب وحديث الإفك فى البخارى ومسلم وغيرهما مستوعب والعصبة الجماعة من العشرة الى الأربعين وقوله سبحانه لا تحسبوه خطاب لكل من ساءه ذلك من المومنين وقوله تعالى بل هو خير لكم معناه انه تبرئه فى الدنيا وترفيع من الله تعال فى ان نزل وحيه بالبراءة من ذلك واجر جزيل فى الآخرة وموعظة للمؤمنين فى غابر الدهر واكتسب مستعملة فى المأثم والإشارة بقوله تعالى والذى تولى كبره هي الى عبد الله بن ابى ابن سلول وغيره من المنافقين وكبره مصدر كبر الشىء وعظم ولكن استعملت العرب ضم الكاف فى السن وقوله تعالى لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا الآية الخطاب للمؤمنين حاشى من تولى كبره وفى هذا عتاب للمؤمنين اي كان الانكار واجبا عليهم ويقيس فضلاء المؤمنين الأمر على انفسهم فإذا كان ذلك يبعد فيهم فأم المؤمنين ابعد لفضلها ووقع هذا النظر السديد من ابى ايوب وامرأته وذلك انه دخل عليها فقالت له يا ابا ايوب اسمعت ما قيل فقال نعم وذلك الكذب أكنت انت يا ام ايوب تفعلين ذلك قالت لا والله قال فعائشة والله افضل منك قالت ام ايوب نعم فهذا الفعل ونحوه هو الذى عاتب الله فيه المؤمنين اذ لم يفعله جميعهم والضمير فى قوله لولا جاءو اللذين تولوا كبره وقوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والآخرة لمسكم فيما افضتم فيه عذاب عظيم هذا عتاب من الله تعالى بليغ فى تعاطيهم هذا الحديث وان لم يكن المخبر والمخبر مصدقين ولكن نفس التعاطى والتلقي من لسان الى لسان والإفاضة فى الحديث هو الذى وقع العتاب فيه وقرأ ابن يعمرو عائشة رضى الله عنها وهى اعلم الناس بهذا الامر إذ تلقونه بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف ومعنى هذه القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقا اذا كذب وحكى الطبرى ان هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذى هو اسراعك بالشىء بعد الشىء يقال ولق فى سيره إذا أسرع والضمير فى تحسبونه للحديث والخوض فيه والإذاعة له وقوله تعالى سبحانك اي تنزيها لله ان يقع هذا من زوج نبيه صلى الله عليه و سلم وحقيقة البهتان ان يقال في الانسان ما ليس فيه والغيبة ان يقال فى الانسان ما فيه ثم وعظهم تعالى فى العودة الى مثل هذه الحالة وقوله سبحانه ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا الآية قال مجاهد وغيره الاشارة بهذة الآية الى المنافقين وعذابهم الاليم فى الدنيا الحدود وفى الآخرة النار وقالت فرقة الآية عامة فى كل قاذف وهذا هو الأظهر وقوله تعالى والله يعلم معناه يعلم البرىء من المذنب ويعلم سائر الأمور وجواب لولا ايضا محذوف تقديره لفضحكم بذنوبكم او لعذبكم ونحوه وقوله تعالى يا ايها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان الآية خطوات جمع خطوة وهى ما بين القدمين فى المشى فكان المعنى لا تمشوا فى سبله وطرقه ت وفى قوله سبحانه ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد ابدا ما يردع العاقل عن الاشتغال بغيره ويوجب له الاهتمام باصلاح نفسه قبل هجوم منيته وحلول رمسه وحدث ابو عمر فى التمهيد بسنده عن اسماعيل بن كثير قال سمعت مجاهدا يقول ان الملائكة مع ابن ءادم فإذا ذكر اخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك مثله واذا ذكره بشر قالت الملائكة ابن ءادم المستور عورته اربع على نفسك واحمد الله الذى يستر عورتك انتهى وروينا فى سنن ابى داود عن سهل بن معاذ بن انس الجهنى عن ابيه عن النبى صلى الله عليه و سلم قال من حمى مؤمنا من منافق اراه قال بعث الله ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم ومن رمى مسلما بشىء يريد به شينه حبسه الله عز و جل على جسر جهنم حتى يخرج مما قال وروينا ايضا عن ابى داود بسنده عن جابر بن عبد الله وابى طلحة بن سهل الأنصاريين انهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من امرئى يخذل امرءا مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه الا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته وما من امرئى ينصر مسلما فى موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته الا نصره الله فى موضع يحب فيه نصرته انتهى ثم ذكر تعالى انه يزكى من يشاء ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح امارة على سبق السعادة له وقوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم الآية المشهور من الروايات ان هذه الاية نزلت فى قصة ابى بكر رضى الله عنه ومسطح بن اثاثة وكان من قرابة ابى بكر وكان ابو بكر ينفق عليه لمسكنته فلما وقع امر الإفك بلغ ابا بكر أنه وقع مسطح مع من وقع فحلف ابو بكر لا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة ابدا فجاء مسطح معتذرا وقال انما كنت اسمع ولا اقول فنزلت الآية والفضل الزيادة فى الدين والسعة هنا هى المال ثم قال تعالى الا تحبون ان يغفر الله لكم الآية اي كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم فروينا ان ابا بكر قال بلى انى احب ان يغفر الله لى ورجع الى مسطح ما كان يجرى عليه من النفقة والاحسان قال ابن العربى فى احكامه وفى هذه الآية دليل على ان الحنث اذا رءاه الإنسان خيرا هو اولى من البر ولقول النبى صلى الله عليه و سلم فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه انتهى وقال بعض الناس هذه ارجى ءاية فى كتاب الله عز و جل من حيث لطف سبحانه بالقذفة العصاة بهذا اللفظ قال ع وانما تعطى الآية تفضلا من الله تعالى فى الدنيا وانما الرجاء فى الآخرة إما أن الرجاء فى هذه الآية بقياس اي اذا امر اولى الفضل والسعة بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته سبحانه لا رب غيره انما ءايات الرجاء قوله تعالى قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم وقوله تعالى الله لطيف بعباده وسمعت ابى رحمه الله يقول ارجى ءاية فى كتاب الله عندى قوله تعالى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا وقال بعضهم ارجى ءاية قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى وقوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الآية قال ابن جبير هذه الآية خاصة فى رماة عائشة وقال ابن عباس وغيره بل ولجميع ازواج النبى صلى الله عليه و سلم لمكانهن من الدين ولم يقرن بآخر الآية توبة قال ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق وذكرت له التوبة ولعن الدنيا الأبعاد وضرب الحد والعامل فى قوله يوم فعل مضمر تقديره يعذبون يوم او نحو هذا والدين فى هذه الآية الجزاء وفى مصحف ابن مسعود وابى يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم بتقديم الصفة على الموصوف وقوله ويعلمون ان الله هو الحق المبين يقوى قول من ذهب ان الآية فى المنافقين عبد الله بن ابى وغيره وقوله تعالى الخبيثات للخبيثين الآية قال ابن عباس وغيره الموصوف بالخبث والطيب الأقوال والأفعال وقال ابن زيد الموصوف بالخبث والطيب النساء والرجال ومعنى هذا التفريق بين حكم ابن ابى واشباهه وبين حكم النبى صلى الله عليه وفضلاء اصحابه وامته وقوله تعالى اولئك مبرءون اشارة الى الطيبين المذكورين وقيل الاشارة بأولئك الى عائشة رضى الله عنها ومن فى معناها وقوله تعالى لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا سبب هذه الآية فيما روى الطبرى ان امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله انى اكون فى منزلى على الحال التى لا احب ان يرانى احد عليها لا والد ولا ولد وأنه لا يزال يدخل على رجل من اهلى وانا على تلك الحال فنزلت هذه الآية ثم هى عامة فى الأمة غابر الدهر وبيت الإنسان هو الذى لا احد معه فيه او البيت الذى فيه زوجته او امته وما عدا هذا فهو غير بيته وتستانسوا معناها تستعلموا من فى البيت وتستبصروا تقول آنست اذا علمت عن حس واذا ابصرت ومنه قوله تعالى آنستم منهم رشدا واستانس وزنه استفعل فكان المعنى فى تستأنسوا تطلبوا ان تعلموا ما يؤنسكم ويؤنس اهل البيت منكم واذا طلب الانسان ان يعلم امر البيت الذى يريد دخوله فذلك يكون بالاستيذان على من فيه او بان يتنحنح ويشعر بنفسه بأي وجه أمكنه وبتأنى قدر ما يتحفظ منه ويدخل اثر ذلك وذهب الطبرى فى تستأنسوا الى انه بمعنى حتى تؤنسوا اهل البيت بأنفسكم بالتنحنح والاستيذان ونحوه وتؤنسوا نفوسكم بأن تعلموا ان قد شعر بكم قال ع وتصريف الفعل يأبى ان يكون من انس وقرأ ابى وابن عباس حتى تستأذنوا وتسلموا وصورة الاستيذان ان يقول الانسان السلام عليكم أأدخل فان اذن له دخل وان امر بالرجوع انصرف وان سكت عنه استاذن ثلاثا ثم ينصرف جاءت فى هذا كله ءاثار والضمير فى قوله تجدوا فيها للبيوت التى هى بيوت الغير واسند الطبرى عن قتادة انه قال قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمرى كله هذه الآية فما ادركتها ان استاذن على بعض اخوانى فيقول لى فارجع وانا مغتبط لقوله تعالى هو أزكى لكم وقوله تعالى والله بما تعملون عليم توعد لأهل التجسس وقوله تعالى ليس عليكم جناح ان تدخلوا بيوتا غير مسكونة الآية اباح سبحانه فى هذه الآية رفع الاستيذان فى كل بيت لا يسكنه احد لأن العلة فى الاستيذان خوف الكشفة على المحرمات فاذا زالت العلة زال الحكم وباقى الآية بين ظاهر التوعد وعن مالك رحمه الله انه بلغه أنه كان يستحب اذا دخل البيت غير المسكون ان يقول الذى يدخله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين انتهى اخرجه فى الموطإ وقوله تعالى قل للمومنين يغضوا من ابصارهم اظهر ما فى من ان تكون للتبعيض لان اول نظرة لا يملكها الانسان وانما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج اذ حفظها عام لها والبصر هو الباب الأكبر الى القلب وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه وحفظ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل ت النواظر صوارم مشهورة فأغمدها فى غمد الغض والحياء من نظر المولى والاجرحك بها عدو الهوى لا ترسل بريد النظر فيجلب لقلبك ردىء الفكر غض البصر يورث القلب نورا واطلاقه يقدح فى القلب نارا انتهى من الكلم الفارقية فى الحكم الحقيقية قال ابن العربى فى احكامه قوله تعالى ذلك ازكى لهم يريد اطهر وانمى يعنى اذا غض بصره كان اطهر له من الذنوب وانمى لعمله فى الطاعة قال ابن العربى ومن غض البصر كف التطلع الى المباحات من زينة الدنيا وجمالها كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى يريد ما عند الله تعالى انتهى وقوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن الآية امر الله تعالى النساء فى هذه الآية بغض البصر عن كل ما يكره من جهة الشرع النظر اليه وفى حديث ام سلمة قالت كنت انا وعائشة عند النبى صلى الله عليه و سلم فدخل ابن ام مكتوم فقال النبى صلى الله عليه و سلم احتجبن فقلن انه اعمى فقال صلى الله عليه و سلم افعمياوان انتما ومن الكلام فيها كالتى قبلها قال ابن العربى فى احكامه وكما لا يحل للرجل ان ينظر الى المرأة لا يحل للمرأة ان تنظر الى الرجل فان علاقته بها كعلاقتها به وقصده منها كقصدها منه ثم استدل بحديث ام سلمة المتقدم انتهى وحفظ الفرج يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه حفظ ثم امر تعالى بأن لا يبدين زينتهن الا ما يظهر من الزينة قال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب وقال ابن جبير وغيره الوجه والكفان والثياب وقيل غير هذا قال زينتها ع ويظهر لى بحكم الفاظ الآية ان المرأة مأمورة بأن لا تبدى وان تجتهد فى الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فى كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه او اصلاح شأن فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه وذكر ابو عمر الخلاف فى تفسير الآية كما تقدم قال وروى عن ابى هريرة فى قوله تعالى ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها قال القلب والفتخة قال جرير بن حازم القلب السوار والفتخة الخاتم انتهى من التمهيد وقوله تعالى وليضربن بخمورهن على جيوبهن قال ابن العربى الجيب هو الطوق والخمار هو المقنعة انتهى قال ع سبب الآية ان النساء كن فى ذلك الزمان اذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله تعالى بلى الخمار على الجيوب وهيئة ذلك يستر جميع ما ذكرناه وقالت عائشة رضى الله عنها رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الاية عمدن الى اكثف المروط فشققنها اخمرة وضربن بها على الجيوب وقوله سبحانه أونسائهن يعنى جميع المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين وكتب عمر الى ابى عبيدة بن الجراح ان يمنع نساء اهل الذمة ان يدخلن الحمام مع نساء المسلمين فامتثل وقوله سبحانه أو ما ملكت أيمانهن يدخل فيه الإماء الكتابيات والعبيد وقال ابن عباس وجماعة لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرهاالا ان يكون وغدا وقوله تعالى أو التابعين يريد الاتباع ليطعموا وهم فسول الرجال الذين لا إربة لهم فى الوطء ويدخل في هذه الصنيفة المجبوب والشيخ الفانى وبعض المعتوهين والذى لا إربة له من الرجال قليل والإربة الحاجة الى الوطء والطفل اسم جنس ويقال طفل ما لم يراهق الحلم ويظهروا معناه يطلعوا بالوطء وقوله تعالى ولا يضربن بارجلهن الآية قيل سببها ان امرأة مرت على قوم فضربت برجلها الأرض فصوت الخلخال وسماع صوت هذه الزينة اشد تحريكا للشهوة من ابدائها ذكره الزجاج ثم امر سبحانه بالتوبة مطلقة عامة من كل شىء صغير وكبير وقوله تعالى وانكحوا الايامى منكم الأيم من لازوجه له او لازوج لها فالأيم يقال للرجل والمرأة وقوله والصالحين يريد للنكاح وهذا الأمر بالنكاح يختلف بحسب شخص شخص ففى نازلة يتصور وجوبه وفى نازلة الندب وغير ذلك حسبما هو مذكور فى كتب الفقه قال ابن العربى فى احكامه قوله تعالى والصالحين من عبادكم الأظهر فيه انه امر بانكاح العبيد والإماء كما امر بانكاح الايامى وذلك بيد السادة فى العبيد والاماء كما هو فى الإحرار بيد الأولياء انتهى ثم وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضا الله عنهم واعتصاما من معاصيه ثم امر تعالى كل من يتعذر عليه النكاح ان يستعفف حتى يغنيهم الله من فضله اذ الغالب من موانع النكاح عدم المال فوعد سبحانه المتعفف بالغنى والمكاتبة مفاعلة من حيث يكتب هذا على نفسه وهذا على نفسه ومذهب مالك ان الأمر بالكتابة هو على الندب وقال عطاء ذلك واجب وهو ظاهر مذهب عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقوله إن علمتم فيهم خيرا قالت فرقة الخير هنا المال وقال مالك إنه ليقال الخير القوة والأداء وقال عبيدة السلمانى الخير هو الصلاح فى الدين وقوله تعالى وءاتوهم قال المفسرون هو امر لكل مكاتب ان يضع عن العبد من مال كتابته ورأى مالك هذا الأمر على الندب ولم ير لقدر الوضيعة حدا واستحسن على بن ابى طالب رضى الله عنه ان يوضع عنه الربع وقيل الثلث وقيل العشر ورأى عمر ان يكون ذلك من اول نجومه مبادرة الى الخير وخوف ان لا يدرك آخرها ورأى مالك وغيره ان يكون الوضع من آخر نجم وعلة ذلك انه ربما عجز العبد فرجع هو وماله الى السيد فعادت اليه وضيعته وهى شبه الصدقة ت والظاهر ان هذا لا يعد رجوعا كما لو رجع اليه بالميراث ورأى الشافعى وغيره ان الوضيعة واجبة يحكم بها وقال الحسن وغيره الخطاب بقوله تعالى وآتوهم للناس اجمعين فى ان يتصدقوا على المكاتبين وقال زيد بن اسلم انما الخطاب لولاه الامور وقوله سبحانه ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن تحصنا الآية روى ان سبب الآية هو ان عبد الله بن ابى سلول كانت له امة فكان يامرها بالزنا والكسب به فشكت ذلك الى النبى صلى الله عليه و سلم فنزلت الاية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين وقوله ان اردن تحصنا راجع الى الفتيات وذلك ان الفتاة اذا ارادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور ان يكون السيد مكرها ويمكن ان ينهى عن الإكراه واذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور ان يقال للسيد لا تكرهها لأن الاكراه لا يتصور فيها وهى مريدة للفساد فهنا امر فى سادة وفتيات حالهم هذه وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله إن أردن راجع الى الأيامى فى قوله وانكحوا الأيامى منكم وقال بعضهم هذا الشرط فى قوله ان اردن ملغى ونحو هذا مما هو ضعيف والله الموفق للصواب برحمته ت وما اختاره ع هو الذى عول عليه ابن العربى ونصه وانما ذكر الله تعالى ارادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذى يصور الإكراه فأما اذا كانت هى راغبة فى الزنا لم يتحصل الإكراه فحصلوه ان شاء الله انتهى من الأحكام وقرأ ابن مسعود وغيره فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم ثم عدد سبحانه نعمة على المؤمنين فى قوله ولقد انزلنا اليكم ءايات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ليقع التحفظ مما وقع اولئك فيه وقوله تعالى الله نور السموات والأرض الآية النور فى كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ويستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح فيقال كلام له نور ومنه الكتاب المنير والله تعالى ليس كمثله شىء فواضح انه ليس من الأضواء المدركة ولم يبق الا ان المعنى منور السموات والأرض اي به وبقدرته انارت اضواؤها واستقامت امورها كما تقول الملك نور الأمة اي به قوام امورها وصلاح جملتها والأمر فى الملك مجاز وهو فى صفة الله تعالى حقيقة محضة وقرأ ابو عبد الرحمن السلمى وغيره الله نور بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء والضمير فى نوره يعود على الله تعالى قاله جماعة وهو اضافة خلق الى خالق كما تقول ناقة الله وبيت الله ثم اختلفوا فى المراد بهذا النور فقيل هو محمد صلى الله عليه و سلم وقيل هو المؤمن وقيل هو الإيمان والقرءان وفى قراءة ابى ابن كعب مثل نور المومنين والمشكاة هى الكوة غير النافذة فيها القنديل ونحوه وهذه الأقوال الثلاثة يطرد فيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل فعلى قول من قال الممثل محمد صلى الله عليه و سلم وهو قول كعب الاحبار فرسول الله صلى الله عليه و سلم هو المشكاة او صدره والمصباح هو النبوءة وما يتصل بها من علمه وهداه والزجاجة قلبه والشجرة المباركة هى الوحى والزيت هو الحجج والبراهين وعلى قول من قال ان الممثل به هو المؤمن وهو قول ابى بن كعب فالمشكاة صدره والمصباح الايمان والعلم والزجاجة قلبه والشجرة القرءان وزيتها هو الحجج والحكمة التى تضمنها قول ابى فهو على احسن الحال يمشى فى الناس كالرجل الحى فى قبور الأموات وتحتمل الآية معنى آخر وهو ان يريد مثل نور الله الذى هو هداه فى الوضوح كهذه الجملة من النور الذى تتخذونه انتم على هذه الصفة التى هى ابلغ صفات النور الذى هو بين ايديكم ايها البشر وقال ابو موسى المشكاة الحديدة أو الرصاصة التى يكون فيها القنديل فى جوف الزجاجة والأول اصح وقوله فى زجاجة لأنه جسم شفاف المصباح فيه انور منه فى غير الزجاجة والمصباح الفتيل بناره وقوله كأنه كوكب دري اي فى الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنيين اما ان يريد انها بالمصباح كذلك واما ان يريد انها فى نفسها لصفائها وجودة جوهرها وهذا التاويل ابلغ فى التعاون على النور قال الضحاك الكوكب الدرى الزهرة وقرأ ابن كثير وابو عمرو توقد بفتح التاء والدال والمراد المصباح وقرأ نافع وغيره يوقد أي المصباح وقوله من شجرة اي من زيت شجرة والمباركة المنماة وقوله تعالى لا شرقية ولا غربية قال الحسن اي ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وانما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ولو كانت فى الدنيا لكانت اما شرقية واما غربية وقيل غير هذا وقوله سبحانه يكاد زيتها يضىء الآية مبالغة فى صفة صفائه وحسنه وقوله نور على نور اي هذه كلها ومعان تكامل بها هذا النور الممثل به وفى هذا الموضع تم المثال وباقى الآية بين وقوله تعالى فى بيوت اذن الله ان ترفع قال ابن عباس وغيره هى المساجد المخصوصة بعبادة الله التى من عادتها ان تنور بهذا النوع من المصابيح وقوله اذن الله بمعنى امر وقضى وترفع قيل معناه تبنى وتعلى قاله مجاهد وغيره كقوله تعالى واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت وقال الحسن معناه تعظم ويرفع شأنها وذكر اسمه تعالى هو بالصلاة والعبادة قولا وفعلا ويسبح له فيها اي فى المساجد بالغدو والآصال قال ابن عباس اراد ركعتى الضحى والعصر وان ركعتى الضحى لفى كتاب الله وما يغوص عليها الاغواص ثم وصف تعالى المسبحين بانهم لمراقبتهم امر الله تعالى وطلبهم رضاه لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شىء من امور الدنيا ت وعن عمر رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه و سلم قال يجمع الناس فى صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعى فينادى مناد سيعلم اهل الجمع لمن الكرم اليوم ثلاث مرات ثم يقول اين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ثم يقول اين الذين كانوا لا يلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله الى ءاخر الآية ثم ينادى مناد سيعلم اهل الجمع لمن الكرم اليوم ثم يقول اين الحمادون الذين يحمدون ربهم مختصرا رواه الحاكم فى المستدرك على الصحيحين وله طرق عن ابى اسحاق انتهى من السلاح ورواه ايضا ابن المبارك من طريق ابن عباس قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد ستعلمون اليوم من اصحاب الكرم ليقم الحامدون لله تعالى على كل حال فيقومون فيسرحون الى الجنة ثم ينادى ثانية ستعلمون من اصحاب الكرم ليقم الذين كانت جنوبهم تتجافى عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون قال فيقومون فيسرحون الى الجنة ثم ينادى ثالثة ستعلمون اليوم من اصحاب الكرم ليقم الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار فيقومون فيسرحون الى الجنة انتهى من التذكرة والزكاة هنا عند ابن عباس الطاعة لله وقال الحسن هى الزكاة المفروضة فى المال واليوم المخوف هو يوم القيامة ومعنى الآية ان ذلك اليوم لشدة هوله القلوب والابصار فيه مضطربة قلقة متقلبة ت ومن الكلم الفارقية سعادة القلب اقباله على مقلبه والعالم بحال مئاله ومنقلبه القلوب بحار جواهرها المعارف وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة غواص بحر الصور يغوص بصورته فى طلب مكسبه والعارف يغوص بمعنى قلبه فى بحار غيب ربه فيلتقط جواهر الحكمة ودرر الدراية قلوب العارفين كالبحار تنعقد فى اصداف ضمائرهم جواهر المعارف والأسرار القلوب كالاراضى الى من اسلمت اليه قلبك بذر فيه ما عنده من بذر نفسه ووسواسة العفن المسوس او بذر فيه معرفته بالرب المقدس انتهى ت فإن اردت سلامتك فى ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلا على طاعة مولاك فانه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم قال الواحدى تتقلب فيه القلوب بين الطمع فى النجاة والخوف من الهلاك والإبصار تتقلب فى اي ناحية يوخذ بهم أذات اليمين ام ذات الشمال ومن اي جهة يؤتون كتبهم انتهى وقوله سبحانه ليجزيهم اي فعلوا ذلك ليجزيهم احسن ما عملوا اي ثواب احسن ما عملوا ولما ذكر تعالى حالة المؤمنين وتنويره قلوبهم عقب ذلك بذكر الكفرة واعمالهم فقال والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة وهى جمع قاع والقاع المنخفض البساط من الأرض ويريد بجاءه جاء موضعه الذى تخيله فيه ويحتمل أن يعود الضمير فى جاءه على السراب ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يدل عليه الظاهر تقديره فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا حتى اذا جاءه لم يجده شيأ وقوله ووجد الله عنده اي بالمجازات والظمير فى عنده عائد على العمل وباقى الآية وعيد بين وقوله تعالى او كظلمات عطف على قوله كسراب وهذا المثال الأخير تضمن صفة اعمالهم فى الدنيا اي انهم من الضلال فى مثل هذه الظلمات المجتمعة من هذه الأشياء وذهب بعض الناس الى ان فى هذا المثال اجزاء تقابل اجزاء من الممثل به فقال الظلمات الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة والبحر اللجى صدر الكافر وقلبه واللجى معناه ذو اللجة وهى معظم الماء وغمرة واجتماع ما به اشد لظلمته والموج هو الضلال والجهالة التى قد غمرت قلبه والسحاب هو شهوته فى الكفر وإعراضه عن الإيمان قال ع وهذا التأويل سائغ وان لايقدر هذا االتقابل سائغ وقوله إذا اخرج يده لم يكد يراها لفظ يقتضى مبالغة الظلمة واختلف فى هذه اللفظة هل معناها انه لم يريده البتة او المعنى انه رءاها بعد عسر وشدة وكاد ان لا يراها ووجه ذلك ان كاد اذا صحبها حرف النفي وجب الفعل الذى بعدها واذا لم يصحبها انتفى الفعل وكاد معناها قارب وقوله تعالى ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور قالت فرقة يريد فى الدنيا اي من لم يهده الله لم يهتد وقالت فرقة اراد فى الآخرة اي من لم يC وينور حاله بالمغفرة والرحمة فلا رحمة له قال ع والأول ابين واليق بلفظ الآية وايضا فذلك متلازم ونور الآخرة انما هو لمن نور قلبه فى الدنيا وقوله تعالى الم تر أن الله يسبح له من فى السموات والأرض الآية الرؤية هنا قلبية والتسبيح التنزيه والتعظيم والاية عامة عند المفسرين لكل شىء من العقلاء والجمادات وقوله تعالى كل قد علم صلاته وتسبيحه قال الزجاج وغيره المعنى كل قد علم الله صلاته وتسبيحه وقال الحسن المعنى كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه وقالت فرقة المعنى كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين امر بهما وهدى اليهما فهذه اضافة خلق الى خالق وباقي الآية وعيد ويزجى معناه يسوق والركام الذى يركب بعضه بعضا ويتكاثف والودق المطر قال البخارى من خلاله اي من بين اضعاف السحاب انتهى وقوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد قيل ذلك حقيقة وقد جعل الله فى السماء جبالا من برد وقالت فرقة ذلك مجاز وانما اراد وصف كثرته وهذا كما تقول عند فلان جبال من مال وجبال من العلم ت وحمل اللفظ على حقيقته اولى ان لم يمنع من ذلك مانع ومن كتاب الفرج بعد الشدة للقاضى ابى على التنوخى احد الرواة عن ابى الحسن الدارقطنى والمختصين به قال اخبرنا ابو بكر الصولى عن بعض العلماء قال رأيت امرأة بالبادية وقد جاء البرد فذهب بزرعها فجاء الناس يعزونها فرفعت رأسها الى السماء وقالت اللهم انت المأمول لأحسن الخلف وبيدك التعويض مما تلف فافعل بنا ما انت أهله فإن أرزاقنا عليك وءامالنا مصروفه اليك قال فلم ابرح حتى مر رجل من الاجلاء فحدث بما كان فوهب لها خمسمائة دينار فأجاب الله دعوتها وفرج فى الحين كربتها انتهى والسنا مقصورا الضوء وبالمد المجد والساء فى قوله بالأبصار يحتمل ان تكون زائدة وقوله سبحانه والله خلق كل دابة من ماء الآية ءاية اعتبار والدابة كل ما دب من جميع الحيوان وقوله من ماء قال الجمهور يعنى ان خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين وقال النقاش اراد منى الذكور والمشى على البطن للحيات والحوت والدود وغيره وعلى رجلين للانسان والطير اذا مشى وعلى اربع لسائر الحيوان وفى مصحف ابى بن كعب ومنهم من يمشى على اكثر فعمم بهذه الزيادة جميع الحيوان وقوله تعالى لقد انزلنا آيات مبينات يعم كل ما نصب الله تعالى من آية وقوله تعالى ويقولون يعنى المنافقين روى ان رجلا من المنافقين اسمه بشر دعاه يهودى الى التحاكم عند النبى صلى الله عليه و سلم وكان المنافق مبطلا فأبى ودعا اليهودى الى كعب بن الاشرف فنزلت هذه الاية فيه والحيف الميل وقوله سبحانه انما كان قول المؤمنين الآية المعنى انما كان الواجب ان يقوله المؤمنون اذا دعوا الى حكم الله ورسوله سمعنا واطعنا وقوله سبحانه ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون قال الغزالى في المنهاج التقوى فى القرءان تطلق على ثلاثة اشياء احدها بمعنى الخشية والهيبة قال الله عز و جل واياي فاتقون وقال سبحانه واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله والثانى بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى يا ايها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته قال ابن عباس اطيعوا الله حق طاعته وقال مجاهد هو ان يطاع فلا يعصي وان يذكر فلا ينسى وان يشكر فلا يكفر والثالث بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب وهذه هى الحقيقة فى التقوى دون الأوليين الا ترى ان الله تعالى يقول ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلمت ان حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهى تنزيه القلب عن الذنوب انتهى وقوله تعالى واقسموا بالله جهد ايمانهم الآية جهد اليمين بلوغ الغاية فى تعقيدها وليخرجن معناه الى الغزو وهذه فى المنافقين الذين تولوا حين دعوا الى الله ورسوله وقوله تعالى قل لا تقسموا طاعة معروفة يحتمل معانى احدها النهى عن القسم الكاذب اذ قد عرف ان طاعتهم دغلة فكأنه يقول لا تغالطوا فقد عرف ما انتم عليه والثانى ان المعنى لا تتكلفوا القسم فطاعة معروفة على قدر الاستطاعة امثل واجدر بكم وفى هذا التأويل ابقاء عليهم وقيل غير هذا وقوله تولوا معناه تتولوا والذى حمل النبى صلى الله عليه و سلم هو التبليغ والذى حمل الناس هو السمع والطاعة واتباع الحق وباقى الآية بين وقوله تعالى وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم الآية عامة لأمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فى ان يملكهم الله البلاد كما هو الواقع فسبحانه ما اصدق وعده وقال الضحاك فى كتاب النقاش هذه الاية تتضمن خلافه ابى بكر وعمر وعثمان وعلى والصحيح فى الآية انها فى استخلاف الجمهور واللام فى ليستخلفنهم لام القسم وقوله يعبدوننى فعل مستأنف اي هم يعبدوننى وقوله ومن كفر يحتمل ان يريد كفر هذه النعم ويحتمل الكفر المخرج عن الملة عياذا بالله من سخطه وباقى الاية بين مما تقدم فى غيرها وقوله تعالى يا ايها الذين ءامنوا ليستاذنكم الذين ملكت ايمانكم قيل الذين ملكت ايمانهم الرجال والنساء ورجحه الطبرى وقيل الرجال خاصة وقيل النساء خاصة ومعنى الآية عند جماعة من العلماء ان الله تعالى ادب عباده بان يكون العبيد والأطفال الذين عقلوا معانى الكشفة ونحوها يستاذنون على اهليهم فى هذه الأوقات الثلاث وهى الأوقات التى تقتضى عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعرى فى المضاجع وهى عند الصباح وفى وقت م القائلة وهى الظهيرة لأن النهار ويظهر فيها اذا علا واشتد حره وبعد العشاء لأنه وقت التعرى للنوم واما فى غير هذه الأوقات فالعرف من الناس التحرز والتحفظ فلا حرج فى دخول هذه الصنيفة بغير اذن اذ هم طوافون يمضون ويجيئون لا يجد الناس بدا من ذلك وقوله بعضكم على بعض بدل من قوله طوافون وثلاث مرات نصب على الظرف لانهم لم يومروا بالاستيذان ثلاثا وانما امروا بالاستيذان فى ثلاث مواطن فالظرفية فى ثلاث بينة وقوله سبحانه كذلك يبين الله لكم آلايات والله عليم حكيم بين للمتأمل وقوله سبحانه واذا بلغ الاطفال منكم الحلم الآية امر تعالى فى هذه الآية ان يكونوا اذا بلغوا الحلم على حكم الرجال فى الاستيذان فى كل وقت وهذا بيان من الله عز و جل وقوله تعالى كذلك يبين الله لكم اياته والله عليم حكيم بين لا يحتاج الى تفسير والقواعد من النساء هن اللواتى قد اسنن وقعدن عن الولد واحدتهن قاعد وقال ربيعة هى هنا التى تستقذر من كبرها قال غيره وقد تقعد المرأة عن الولد وفيها مستمتع ولما كان الغالب من النساء ان ذوات هذا السن لا مذهب للرجال فيهن ابيح لهن ما لم يبح لغيرهن وقرأ ابن مسعود وابى ان يضعن من ثيابهن والعرب تقول امرأة واضع للتى كبرت فوضعت خمارها ثم استثنى عليهن فى وضع الثياب ان لا يقصدن به التبرج وإبداء الزينة فرب عجوز يبدو منها الحرص على ان يظهر لها جمال والتبرج طلب البدو والظهور للعين ومنه بروج مشيدة والذى ابيح وضعه لهن الجلباب الذى فوق الخمار والرداء قاله ابن مسعود وغيره ثم ذكر تعالى ان تحفظ الجميع منهن واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلتزم الشواب من الستر افضل لهن وخير وقوله تعالى والله سميع عليم اي سميع لما يقول كل قائل وقائلة عليم بمقصد كل احد وفى هاتين الصفتين توعد وتحذير وقوله تعالى ليس على الأعمى حرج الى قوله كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ظاهر الأية وامر الشريعة ان الحرج عنهم مرفوع فى كل ما يضطرهم اليه العذر وتقتضى نيتهن الاتيان به بالاكمل ويقتضى العذران يقع منهم الأنقص فالحرج مرفوع عنهم فى هذا وللناس اقوال فى الآية وتخصيصات يطول ذكرها وذكر الله تعالى بيوت القرابات وسقط منها بيوت الأبناء فقال المفسرون ذلك لأنها داخلة فى قوله من بيوتكم لان بيت ابن الرجل بيته وقوله تعالى اوما ملكتم مفاتحه يريد ما خزنتم وصار فى قبضتكم فمعظمه ما ملكه الرجل فى بيته وتحت غلقة وهو تأويل الضحاك ومجاهد وعند جمهور المفسرين يدخل فى الاية الوكلاء والعبيد والاجراء بالمعروف وقرأ ابن جبير ملكتم مفاتيحه مبنيا للمفعول وزيادة ياءبين التاء والحاء وقرن تعالى فى هذه للاية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة لأن قرب المودة لصيق قال معمر قلت لقتادة الا اشرب من هذا الجب قال انت لى صديق فما هذا الاستيذان قال ابن عباس فى كتاب النقاش الصديق اوكد من القرابة الا ترى استغاثة الجهنميين فما لنا من شافعين ولا صديق حميم وقوله تعالى ليس عليكم جناح ان تاكلوا جميعا او اشتاتا رد لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل افذاذا البتة نحت به نحو كرم الخلق فأفرطت فى الزامة وان احضار الأكيل لحسن ولكن بأن لا يحرم الانفراد قال البخارى أشتاتا وشتى واحد انتهى وقال بعض اهل العلم هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام ان دماءكم واموالكم عليكم حرام الحديث وبقوله تعالى لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا الآية وبقوله عليه السلام من حديث ابن عمر لا يحلبن احدكم ماشية احد الا بإذنه الحديث ت والحق ان لا نسخ فى شى مما ذكر وسيأتى مزيد بيان لهذا المعنى وقوله سبحانه فاذا دخلتم بيوتا قال النخعى اراد المساجد والمعنى سلموا على من فيها فإن لم يكن فيها احد فالسلام ان يقول السلام على رسول الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقال ابن عباس وغيره المراد البيوت المسكونة اي سلموا على من فيها قالوا ويدخل فى ذلك غير المسكونة ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ت وفى سلاح المؤمن وعن ابن عباس فى قوله عز و جل فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على انفسكم قال هو المسجد اذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين يعنى البخارى ومسلما انتهى وهذا هو الصحيح عن ابن عباس وفهم النووى ان الآية فى البيوت المسكونة قال ففى الترمذى عن انس قال قال لى النبى صلى الله عليه و سلم يا بنى اذا دخلت على اهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى اهل بيتك قال الترمذى حديث حسن صحيح وفى ابى داود عن ابى امامة عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ثلاثة كلهم ضامن على الله عز و جل رجل خرج غازيا فى سبيل الله عزوجل فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة او يرده بما نال من اجر او غنيمة ورجل راح الى المسجد فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة او يرده بما نال من اجر وغنيمة ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله تعالى حديث حسن رواه ابو داود باسناد حسن ورواه ءاخرون والضمان الرعاية للشيء والمعنى انه فى رعاية الله عز و جل انتهى وقوله تعالى تحية من عند الله مباركة وصفها تعالى بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه ت وقد ذكرنا فى سورة النساء ما ورد فى المصافحة من رواية ابن السنى قال النووى وروينا فى سنن ابى داود والترمذى وابن ماجة عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان الا غفر لهما قبل ان يقترقا انتهى والكاف من قوله كذلك كاف تشبيه وذك اشارة الى هذه السنن وقال ايضا بعض الناس فى هذه الآية إنها منسوخة بآية الاستيذان المتقدمة قال ع والنسخ لا يتصور فى شىء من هذه الآيات بل هى كلها محكمة اما قوله ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل ففى التعدى والخدع ونحوه واما هذه الاية ففى اباحة طعام هذه الأصناف التى يسرها استباحة طعامها على هذه الصفة واما ءاية الاذن فعله ايجاب الاستيذان خوف الكشفة فإذا استإذن المرء ودخل المنزل بالوجه المباح صح له بعد ذلك اكل الطعام بهذه الاباحة وليس يكون فى الآية نسخ فتأمله وقوله تعالى انما المومنون الذين ءامنوا بالله ورسوله الآية انما هنا للحصر والأمر الجامع يراد به ما للإمام حاجة الى جمع الناس فيه لمصلحة فالأدب اللازم فى ذلك ان لا يذهب احد لعذر الا بإذنه والإمام الذى يترقب اذنه هو امام الأمارة وروى ان هذه الآية نزلت فى وقت حفر النبى صلى الله عليه و سلم خندق المدينة فكان المؤمنون يستأذنون والمنافقون يذهبون دون اذن ثم امر تعالى نبيه عليه السلام بالاستغفار لصنفى المؤمنين من اذن له ومن لم يؤذن له وفى ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم وقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا اي لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض وامرهم تعالى فى هذه الآية وفى غيرها ان يدعو رسول الله بأشرف اسمائه وذلك هو مقتضى التوقير فالادب فى الدعاء ان يقول يا رسول الله ويكون ذلك بتوقير وبر وخفض صوت قاله مجاهد واللواذ الروغان ثم امرهم تعالى بالحذر من عذاب الله ونقمته اذا خالفوا امره ومعنى يخالفون عن امره اي يقع خلافهم بعد امره ثم اخبر تعالى انه قد علم ما اهل الارض والسماء عليه وباقى الاية بين والحمد لله تفسير سورة الفرقان وهى مكية فى قول الجمهور بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى تبارك هو مطاوع بارك من البركة وبارك فاعل من واحد ومعناه زاد وتبارك فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل فى غيره وهو صفة فعل اي كثرت بركاته ومن جملتها انزال كتابة الذى هو الفرقان بين الحق والباطل والضمير فى قوله ليكون قال ابن زيد هو لمحمد صلى الله عليه و سلم وهو عبده المذكور ويحتمل ان يكون للفرقان وقوله وخلق كل شىء عام فى كل مخلوق ثم عقب تعالى بالطعن على قريش في اتخاذهم ءالهة ليست لها صفات الألوهية والنشور بعث الناس من القبور وقال الذين كفروا يعنى قريشا ان هذا الا افك افتراه محمد واعانه عليه قوم آخرون تقدمت الاشارة الى ذلك فى سورة النحل ثم اكذبهم الله تعالى واخبر انهم ما جاءوا الا اثما وزورا اي ما قالوا الا باطلا وبهتانا قال البخارى تملى عليه تقرأ عليه من امليت وامللت انتهى ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام ان يقول ان الذى انزله هو الذى يعلم سر جميع الاشياء التى فى السموات والارض وعبارة الشيخ العارف بالله سيدى عبد الله بن ابى جمرة رضى الله عنه ولما كان المراد منا بمقتضى الحكمة الربانية العبادة ودوامها ولذلك خلقنا كما ذكر مولانا سبحانه فى الاية الكريمة يعنى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون الاية وهو عز و جل غنى عن عبادتنا وعن كل شىء لكن الحكمة اقتضته لامر لا يعلمه الا هو كما قال الله عز و جل الذى يعلم السر فى السموات والارض اي الذى يعلم الحكمة فى خلقها وكذلك فى خلقنا وخلق جميع المخلوقات انتهى وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام الاية المعنى عندهم ان من كان رسولا فهو مستغن عن الاكل والمشى فى الاسواق ومحاجتهم بهذا مذكورة فى السير ثم اخبر تعالى عن كفار قريش وهم الظالمون المشار اليهم انهم قالوا ان تتبعون الا رجلا مسحورا اي قد سحر ثم نبه تعالى نبيه مسليا له عن مقالتهم فقال انظر كيف ضربوا لك الامثال الاية والقصور التى فى هذه الاية تأولها الثعلبى وغيره انها فى الدنيا والقصور هى البيوت المبنية بالجدرات لانها قصرت عن الداخلين والمستأذنين وباقى الاية بين والضمير فى رأتهم لجهنم وقوله سبحانه قل اذلك خير ام جنة الخلد المعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الصائرين الى هذه الاحوال من النار اذلك خير ام جنة الخلد وهذا استفهام على جهة التوقيف والتوبيخ لان الموقف جائز له ان يوقف محاوره على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب او بالخطإ وقوله تعالى ويوم نحشرهم يعنى الكفار وما يعبدون من دون الله يريد كل شىء عبد من دون الله وقرأ ابن عامر فنقول بالنون قال جمهور المفسرين والموقف المجيب كل من ظلم بأن عبد ممن يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم وقال الضحاك وعكرمة الموقف المجيب الاصنام التى لا تعقل يقدرها الله تعالى على هذه المقالة ويجىء خزى الكفرة لذلك ابلغ وقرأ الجمهور نتخذ بفتح النون وذهبوا بالمعنى الى انه من قول من يعقل وان هذه الاية بمعنى التى فى سورة سبإ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة الاية وكقول عيسى ما قلت لهم الا ما امرتنى به وقولهم حتى نسوا الذكر اي ما ذكر به الناس على السنة الانبياء عليهم 0السلام وقرأ زيد بن ثابت وجماعة نتخذ بضم النون وقوله تعالى فقد كذبوكم الاية خطاب من الله تعالى للكفرة اخبرهم ان معبوداتهم كذبتهم وفى هذا الاخبار خزى وتوبيخ لهم وقرأ حفص عن عاصم فما تستطيعون بالتاء من فوق قال مجاهد الضمير فى يستطيعون هو للمشركين وصرفا معناه رد التكذيب او العذاب وقوله تعالى ومن يظلم منكم قيل هو خطاب للكفار وقيل للمؤمنين والظلم هنا الشرك قاله الحسن وغيره وقد يحتمل ان يعم غيره من المعاصي وفى حرف ابى ومن يكذب منكم نذقه عذابا كبيرا وقوله تعالى وما ارسلنا قبلك من المرسلين الاية رد على قريش فى قولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق ثم اخبر عز و جل ان السبب فى ذلك انه جعل بعض عبيده فتنة لبعض على العموم فى جميع الناس مؤمن وكافر والتوقيف باتبصرون خاص بالمؤمنين المحققين قال ابن العربى فى الاحكام ولما كثر الباطل فى الاسواق وظهرت فيه المناكر كره علماؤنا دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم فى الدين تنزيها لهم عن البقاع التى يعصى الله تعالى فيها انتهى ثم اعرب قوله تعالى وكان ربك بصيرا عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من دخل السوق فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حى لا يموت بيده الخير وهو على كل شىء قدير كتب الله له الف الف حسنة ومحا عنه الف الف سيئة ورفع له الف الف درجة رواه الترمذى وابن ماجة وهذا لفظ الترمذى وزاد فى رواية اخرى وبنى له بيتا فى الجنة ورواه الحاكم فى المستدرك من عدة طرق انتهى من السلاح وقوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا الاية الرجاء هنا على بابه وقيل هو بمعنى الخوف ولما تمنت كفار قريش رؤية ربهم اخبر تعالى عنهم انهم عظموا انفسهم وسألوا ما ليسوا له باهل ص لقد جواب قسم محذوف انتهى والضمير فى قوله ويقولون قال مجاهد وغيره هو للملائكة والمعنى يقول الملائكة للمجرمين حجرا محجورا عليكم البشرى اي حراما محرما والحجر الحرام وقال مجاهد ايضا وابن جريج الضمير للكافرين المجرمين قال ابن جريج كانت العرب اذا كرهوا شيأ قالوا حجرا قال مجاهد حجرا عوذا يستعيذون من الملائكة قال ع ويحتمل ان يكون المعنى ويقولون حرام محرم علينا العفو وقد ذكر ابو عبيدة ان هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها من خاف ءاخر فى الحرم او فى شهر حرام اذا لقيه وبينهما تره قال الداودى وعن مجاهد وقدمنا اي عمدنا انتهى قال ع وقدمنا اي قصد حكمنا وانفاذنا ونحو هذا من الالفاظ اللائقة ومعنى الاية وقصدنا الى اعمالهم التى لا تزن شيأ فصيرناها هباء اي شيأ لا تحصيل له والهباء ما يتطاير فى الهواء من الاجزاء الدقيقة ولا يكاد يرى الا فى الشمس قاله ابن عباس وغيره ومعنى هذه الاية جعلنا اعمالهم لاحكم لها ولا منزلة ووصف تعالى الهباء فى هذه الاية بمنثور ووصفه فى غيرها بمينت فقالت فرقة هما سواء وقالت فرقة المنبث ارق وادق من المنثور لان المنثور يقتضى ان غيره نثره والمنبث كأنه انبث من دقته وقوله تعالى واحسن مقيلا ذهب ابن عباس والنخعى وابن جريج الى ان حساب الخلق يكمل فى وقت ارتفاع النهار ويقيل اهل الجنة فى الجنة واهل النار فى النار فالمقيل القائلة قال ع ويحتمل ان اللفظة انما تضمنت تفضيل الجنة جملة وحسن هوائها فالعرب تفضل البلاد بحسن المقيل لأن وقت القائلة يبدى فساد هواء البلاد فاذا كان بلد فى وقت فساد الهواء حسنا حاز الفضل وعلى ذلك شواهد ويوم تشقق السماء يريد يوم القيامة ص بالغمام الباء للحال اي متغيمة او للسبب او بمعنى عن انتهى وفى قوله تعالى وكان يوما على الكافرين عسيرا دليل على انه سهل على المؤمنين وروى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ان الله ليهون يوم القيامة على المومن حتى يكون عليه اخف من صلاة مكتوبة صلاها فى الدنيا وعض اليدين هو فعل النادم قال ابن عباس وجماعة من المفسرين الظالم فى هذه الاية عقبة بن ابى معيط وذلك انه كان اسلم او جنح الى الإسلام وكان ابى بن خلف الذى قتله النبى صلى الله عليه و سلم بيده يوم احد خليلا لعقبة فنهاه عن الاسلام فقبل نهيه فنزلت الاية فالظالم عقبة وفلانا ابى قال السهيلى وكنى سبحانه عن هذا الظالم ولم يصرح باسمه ليكون هذا الوعيد غير مخصوص به ولا مقصور عليه بل يتناول جميع من فعل مثل فعله انتهى وقال مجاهد وغيره ! الظالم عام اسم جنس وهذ هو الظاهر وان مقصد الاية تعظيم يوم القيامة وذكر هوله بانه يوم تندم فيه الظلمة وتتمنى انها لم تطع فى دنياها اخلاءها والسبيل المتمناه هى طريق آلاخرة وفى هذه الاية لكل ذى نهية تنبيه على تجنب قرين السوء والاحاديث والحكم فى هذا الباب كثيرة مشهورة والذكر ما ذكر الانسان امر ءاخرته من قرءان او موعظة ونحوه وكان الشيطان للانسان خذولا يحتمل ان يكون من قول الظالم ويحتمل ان يكون ابتداء اخبار من الله عز و جل على وجه التحذير من الشيطان الذى بلغهم ذذلك المبلغ وقوله تعالى وقال الرسول حكاية عن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم فى الدنيا وتشكيه ما يلقى من قومه هذا قول الجمهور وهو الظاهر وقالت فرقة هو حكاية عن قوله ذلك فى آلاخرة ومهجورا يحتمل ان يريد مبعدا مقصيا من الهجر بفتح الهاء وهذا قول ابن زيد ويحتمل ان يريد مقولا فيه الهجر بضم الهاء اشارة الى قولهم شعر وكهانة ونحوه قاله مجاهد قال ع وقول ابن زيد منبه للمؤمن على ملازمة المصحف وان لا يكون الغبار يعلوه فى البيوت ويشتغل بغيره وروى انس عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب هذا اتخذنى مهجورا اقض بينى وبينه وفى حلية النووى قال وروينا فى سنن ابى داود ومسند الدارمى عن سعد بن عبادة عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال من قرأ القرءان ثم نسيه لقى الله تعالى يوم القيامة اجذم وروينا فى كتاب ابى داود والترمذى عن انس عن النبى صلى الله عليه و سلم قال عرضت على اجور امتى حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب امتى قلم ار ذنبا اعظم من سورة من القرءان او ءاية أوتيها رجل ثم نسيها تكلم الترمذى فيه انتهى ثم سلاه تعالى عن فعل قومه بقوله وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين اي فاصبر كما صبروا قاله ابن عباس ثم وعد تعالى بقوله وكفى بربك هاديا ونصيرا والباء فى بربك للتأكيد دالة على الأمر اذ المعنى اكتف بربك وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة قال ابن عباس وغيره قالوا فى بعض معارضاتهم لو كان من عند الله لنزل جملة كالتوراة والانجيل وقوله كذلك يحتمل ان يكون من قول الكفار اشارة الى التوراة والانجيل ويحتمل ان يكون من الكلام المستانف وهو اولى ومعناه كما نزل اردناه فالاشارة الى نزوله متفرقا والترتيل التفريق بين الشىء المتتابع ومنه ترتيل القرءان وجعل الله تعالى السبب فى نزوله متفرقا تثبيت قلب نبيه محمد صلى الله عليه و سلم وأن ينزله فى النوازل والحوادث التى قد قدرها وقدر نزوله فيها وان هؤلاء الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة منهم الاجاء القرءان بالحق فى ذلك والجلية ثم هو احسن تفسيرا وافصح بيانا وباقى الاية بين تقدم تفسير نظيره والجمهور ان هذا المشى على الوجوه حقيقة وقد جاء كذلك فى الحديث وقد تقدم ولفظ البخارى عن انس ان رجلا قال يا نبى الله ايحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال اليس الذى امشاه على الرجلين فى الدنيا قادرا على ان يمشيه على وجهه يوم القيامة قال قتادة بلى وعزة ربنا انتهى وقوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب آلايات تنبيه لكفار قريش وتوعد ان يحل بهم ما حل بهؤلاء المعذبين قال قتادة اصحاب الرس وأصحاب الأيكة قومان ارسل اليهما شعيب وقاله وهب بن مبنه وقيل غير هذا وقوله تعالى وقرونا بين ذلك كثيرا ابهام لا يعلم حقيقته الا الله عز و جل والتبار الهلاك والقرية التى امطرت مطر السوء هى سذوم مدينة قوم لوط وما لم نذكر تفسيره قد تقدم بيانه للفاهم المتيقط ثم ذكر سبحانه انهم اذا رأوا محمدا عليه السلام قالوا على جهة الاستهزاء اهذا الذى بعث الله رسولا قال ص ان يتخذونك ان نافية جواب اذا انتهى ثم انس الله تعالى نبيه بقوله ارأيت من اتخذ الهه هواه الاية المعنى لا تتأسف عليهم ومعنى اتخذ الهه هواه اي جعل هواه مطاعا فصار كالإله ان هم الا كالأنعام اي بل هم كالأنعام ت وعبارة الواحدى ان هم اي ما هم الا كالانعام انتهى وقوله سبحانه الم تر الى ربك كيف مد الظل الاية مد الظل باطلاق هو ما بين اول الاسفار إلى بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها ايضا وقتا يسيرا فان فى هذين الوقتين على الارض كلها ظلا ممدودا ولو شاء لجعله ساكنا اي ثابتا غير متحرك ولا منسوخ لكنه جعل الشمس ونسخها اياه وطردها له من موضع الى موضع دليلا عليه مبينا لوجوده ولوجه العبرة فيه وحكى الطبرى انه لولا الشمس لم يعلم ان الظل شىء اذ الاشياء انما تعرف بأضدادها وقوله تعالى قبضا يسيرا يحتمل ان يريد لطيفا اي شيأ بعد شىء لافى مرة واحدة قال الداودى قال الضحاك قبضا يسيرا يعنى الظل اذا علته الشمس انتهى قال الطبرى ووصف الليل باللباس من حيث يستر الاشياء ويغشاها والسبات ضرب من الإغماء يعترى اليقظان مرضا فشبه النوم به والنشور هنا الاحياء شبه اليقظة به ويحتمل ان يريد بالنشور وقت انتشار وتفرق واناسى قيل هو جمع انسان والياء المشددة بدل من النون فى الواحد قاله سيبويه وقال المبرد هو جمع انسى والضمير فى صرفناه عائد على القرءان وان لم يتقدم له ذكر ويعضد ذلك قوله وجاهدهم به جهادا كبيرا وقوله تعالى وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج مرج معناه خلط قال ع والذى اقول به فى معنى هذه آلاية ان المقصود بها التنبيه على قدره الله تعالى فى ان بث فى الارض مياها عذبه كثيرة جعلها خلال الاجاج وجعل الاجاج خلالها كما هو مر ! ي ! تجد البحر قد اكتنفته المياه العذبة فى ضفته وتجد الماء العذب فى الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الاجاج وكل باق على حاله ومطعمه فالبحران يراد بهما جميع الماء العذب وجميع الماء الاجاج والبرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الارض واليبس قاله الحسن والفرات الصافى اللذيذ المطعم والاجاج ابلغ ما يكون من الملوحة وقوله تعالى وهو الذى خلق من الماء بشرا آلاية تعديد نعم على الناس والنسب هو ان يجتمع انسان مع ءاخر فى اب او ام والصهر هو تواشج المناكحة فقرابة الزوجة هم الاختان وقرابة الزوج هم الاحماء والاصهار يقع عاما لذلك كله وقوله تعالى وكان الكافر على ربه ظهيرا اي معينا يعينون على ربهم غيرهم من الكفرة بطاعتهم للشيطان وهذا تأويل مجاهد وغيره والكافر هنا اسم جنس وقال ابن عباس هو ابو جهل قال ع فيشبه ان ابا جهل هو سبب آلاية ولكن اللفظ عام للجنس كله ت والمعنى على دين ربه ظهيرا وقوله تعالى الا من شاء ان يتخذ الى ربه سبيلا الظاهر فيه انه استثناء منقطع والمعنى لكن مسئولى ومطلوبى من شاء ان يهتدى ويومن ويتخذ الى رحمة ربه طريق نجاه وقوله سبحانه وتوكل على الحي الذى لا يموت قال القشيرى فى التحبير واذا علم العبد ان مولاه حى لا يموت صح توكله عليه قال تعالى وتوكل على الحى الذى لا يموت قيل ان رجلا كتب الى ءاخر ان صديقى فلانا قد مات فمن كثرة ما بكيت عليه ذهب بصري فكتب اليه الذنب لك حين احببت الحى الذى يموت فهلا احببت الحى الذى لا يموت حتى لا تحتاج الى البكاء عليه انتهى وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما كربنى امر الا تمثل لى جبريل عليه السلام فقال يا محمد قل توكلت على الحى الذى لا يموت والحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد انتهى من السلاح وقوله تعالى وسبح بحمده اي قل سبحان الله وبحمده اي تنزيهه واجب وبحمده اقول وصح عنه صلى الله عليه و سلم انه قال من قال فى كل يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر فهذ معنى قوله وسبح بحمده وهى احدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان الثقيلتين فى الميزان الحديث فى البخارى وغيره ت وعن جويرية رضى الله عنها ان النبى صلى الله عليه و سلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهى فى مسجدها ثم رجع بعد ان اضحى وهى جالسة فقال ما زلت على الحال التى فارقتك عليها قال نعم قال النبى صلى الله عليه و سلم لقد قلت بعدك اربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته رواه الجماعة الا البخارى زاد النساءى فى ءاخره والحمد لله كذلك وفى رواية له سبحان الله وبحمده ولا اله الا الله والله اكبر عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته انتهى من السلاح وقوله سبحانه وكفى به بذنوب عباده خبيرا وعيد بين وقوله تعالى الرحمن يحتمل ان يكون رفعه باضمار مبتدإ اي هو الرحمن ويحتمل ان يكون بدلا من الضمير فى قوله استوى وقوله فسئل به خبيرا فيه تأويلان احدهما فسئل عنه خبيرا والمعنى اسئل جبريل والعلماء واهل الكتاب والثانى ان يكون المعنى كما تقول لو لقيت فلانا لقيت به البحر كرما اي لقيت منه والمعنى فسئل الله عن كل امر وقال عياض فى الشفا قال القاضى ابو بكر بن العلاء المأمور بالسؤال غير النبى صلى الله عليه و سلم والمسئول الخبير هو النبى صلى الله عليه و سلم انتهى قال ابو حيان والظاهر تعلق به فسئل وبقاء الباء على بابها وخبيرا من صفاته تعالى نحو لقيت بزيد اسدا اي انه الاسد شجاعة والمعنى فسئل الله الخبيرب الأشياء انتهى واذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن يعنى ان كفار قريش قالوا ما نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب وكان مسيلمة تسمى بالرحمن انسجد لما تامرنا وزادهم هذا اللفظ نفورا والبروج هى التى علمتها العرب وهى المشهورة عند اللغويين واهل تعديل الأوقات وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر التى ذكرها الله تعالى فى قوله والقمر قدرناه منازل وهو الذى جعل الليل والنهار خلفه اي هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا قال مجاهد وغيره لمن اراد ان يذكر اي يعتبر بالمصنوعات ويشكر الله تعالى على ءالائه وقال عمر وابن عباس والحسن معناه لمن اراد ان يذكر ما فاته من الخير والصلاة ونحوه فى احدهما فيستدركه فى الذى يليه وقرأ حمزة وحده يذكر بسكون الذال وضم الكاف ثم لما قال تعالى لمن راد ان بذكر او اراد شكورا جاء بصفات عباده الذين هم اهل التذكر والشكور وقوله الذين يمشون خبر مبتدإ والمعنى وعباده حق عباده هم الذين يمشون وقوله يمشون على الارض عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم وهونا بمعنى ان امرهم كله هين اي لين حسن قال مجاهد بالحلم والوقار وقال ابن عباس يالطاعة والعفاف والتواضع وقال الحسن حلماء ان جهل عليهم لم يجهلوا قال الثعلبى قال الحسن يمشون حلماء علماء مثل الأنبياء لا يوذون الذر فى سكون وتواضع وخشوع وهو ضد المختال الفخور الذى يختال فى مشيه اه قال عياض فى صفة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم يخطو تكفؤا ويمشى هونا كأنما ينحط من صبب انتهى من الشفا قال ابو حيان هونا نعت لمصدر محذوف اي مشيا هونا او حال اي هينين انتهى وروى الترمذى عن ابن مسعود ان النبى صلى الله عليه و سلم قال الا اخبركم بمن يحرم على النار او بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل قال ابو عيسى هذا حديث حسن انتهى واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما العامل فى سلاما قالوا والمعنى هذا اللفظ وقال مجاهد معنى سلاما قولا سدادا اي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين وهذه آلاية كانت قبل ءاية السيف فنسخ منها ما يخص الكفرة وبقى ادبها فى المسلمين الى يوم القيامة قال صاحب الحكم الفارقية اذا نازعك انسان فلا تجبه فان الكلمة الأولى انثى واجابتها فحلها فإن امسكت عنها بترتها وقطعت نسلها وان اجبتها القحتها فكم من نسل مذموم يتولد بينهما فى ساعة واحدة انتهى والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما هذه ءاية فيها تحريض على قيام الليل بالصلاة قال الحسن لما فرغ من وصف نهارهم وصف فى هذه ليلهم وغراما معناه ملازما ثقيلا ومقاما من الاقامة وعن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم ادخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم اجره من النار رواه ابو داود والنساءى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه بلفظ واحد ورواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد انتهى من السلاح وقوله سبحانه والذين اذا انفقوا لم يسرفوا آلاية عبارة اكثر المفسرين ان الذى لا يسرف هو المنفق فى الطاعة وان افرط والمسرف هو المنفق فى المعصية وان قل نفاقه وان المقتر هو الذى يمنع حقا عليه وهذا قول ابن عباس وغيره والوجه ان يقال ان النفقة فى المعصية امر قد حظرت الشريعة قليلة وكثيرة وهؤلاء الموصوفون منزهزن عن ذلك وانما التأديب بهذه آلاية هو فى نفقة الطاعات والمباحات فادب الشريعة فيها ان لا يفرط الانسان حتى يضيع حقا آخر اوعيالا ونمو هذا وان لا يضيق ايضا ويقتر حتى يجمع العيال ويفرط فى الشح والحسن فى ذلك هو القوام اي المعتدل والقوام فى كل واحد بحسب عياله وحاله وخير الأمور اوساطها ولهذا ترك النبى صلى الله عليه و سلم ابا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله لان ذلك وسط بنسبة جلده وصبره فى الدين ومنع غيره من ذلك وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة ما نفقتك فقال له عمر الحسنة بين السيئتين ثم تلا آلاية وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه كفى بالمرء سرفا ان لا يشتهى شيأ الا اشتراه فاكله وقواما خبر كان واسمها مقدر اي الانفاق والذين لا يدعون مع الله الها آخر آلاية فى نحو هذه آلاية قال ابن مسعود قلت يوما يا رسول الله اي الذنب اعظم قال ان تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم اي قال ان تقتل ولدك خشية ان يطعم معك قلت ثم اي قال ان تزانىحليلة جارك ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه آلاية والآثام فى كلام العرب العقاب وبه فسر ابن زيد وقتادة هذه آلاية قال ع يضاعف بالجزم بدل من يلق قال سيبويه مضاعفة العذاب هو لقي الاثام وقوله تعالى الا من تاب لا خلاف بين العلماء ان الاستثناء عام فى الكافى والزانى واختلفوا فى القاتل وقد تقدم بيان ذلك فى سورة النساء وقوله سبحانه فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات اي بان يجعل اعمالهم بدل معاصيهم الاولى طاعة قاله ابن عباس وغيره ويحتمل ان يكون فى ذلك فى يوم القيامة يجعل بدل السيئات الحسنات تكرما منه سبحانه وتعالى كما جاء فى صحيح مسلم وهو تأويل ابن المسيب ص والاولى ان يكون الاستثناء هنا منقطعا اي لكن من تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات انتهى ثم اكد سبحانه امر التوبة ومدح المتاب فقال ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب الى الله متابا كأنه قال فإنه يجد بابا للفرج والمغفرة عظيما ثم استمرت آلايات فى صفة عباد الله المؤمنين بان نفى عنهم شهادة الزور ويشهدون فى هذا الموضع ظاهر معناها يشاهدون ويحضرون والزور كل باطل زور واعظمه الشرك وبه فسر الضحاك ومنه الغناء وبه فسر مجاهد وقال على وغيره معناه لا يشهدون بالزور فهى من الشهادة لامن المشاهدة والمعنى الاول اعم واللغو كل سقط من فعل او قول وقال الثعلبى اللغو كل ما ينبغى ان يطرح ويلغى انتهى وكراما معناه معرضين مستحيين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الاذى فيه قال ع واذا مر المسلم بمنكر فكره ان يغيره وحدود التغير معروفة وقوله تعالى والذين اذا ذكروا بئايات ربهم يريد ذكروا بالقرءان امر ءاخرتهم ومعادهم وقوله لم يخروا عليها صما وعميانا يحتمل تأويلين احدهما ان يكون المعنى لم يكن خرورهم بهذه الصفة بل يكونوا سجدا وبكيا وهذه كما تقول لم يخرج زيد الى الحرب جزعا اي انما خرج جريئا مقداما وكأن الذى يخر اصم اعمى هو المنافق او الشاك والتأويل الثانى ذهب اليه الطبرى وهو ان يخروا صما وعميانا هى صفة للكفار وهى عبارة عن اعراضهم وقال الفراء لم يخروا اي لم يقيموا وهو نحو تأويل الطبرى انتهى وقال ابن العربى فى احكامه قوله تعالى والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا قال علماؤنا يعنى الذين اذا قرءوا القرءان قرءوه بقلوبهم قراءه فهم وتثبيت ولم ينثروه نثر الدقل فان المرور عليه بغير فهم ولا تثبيت صمم وعمى انتهى وقرة العين من القر وهذا هو الأشهر لأن دمع السرور بارد ودمع الحزن سخن فلهذا يقال اقر الله عينك واسخن الله عين العدو وقرة العين فى الازواج والذرية ان يراهم الانسان مطيعين لله تعالى قاله ابن عباس والحسن وغيرهما وبين المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بانه كان فى اول الاسلام يهتدى الاب والابن كافر او الزوج والزوجة كافرة فكانت قرة اعينهم فى ايمان احبابهم واجعلنا للمتقين اماما اي اجعلنا يأتم بنا المتقون وذلك بان يكون الداعى متقيا قدوة وهذا هو قصد الداعى قال النخعى لم يطلبوا الرياسة بل ان يكونوا قدوة فى الدين وهذا حسن ان يطلب ويسعى له قال الثعلبى قال ابن عباس المعنى واجعلنا ائمة هدى انتهى وهو حسن لانهم طلبوا ان يجعلهم اهلا لذلك والغرفة من منازل الجنة وهى الغرف فوق الغرف وهى اسم جنس كما قال ... ولولا الحبة السمرا ... لم تحلل بواديكم ... ت واخرج ابو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن الشحامى عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان فى الجنة لغرفا ليس لها معاليق من فوقها ولا عماد من تحتها قيل يا رسول الله وكيف يدخلها اهلها قال يدخلونها اشباه الطير قيل هى يا رسول الله لمن قال هى لاهل الاسقام والاوجاع والبلوى انتهى من التذكرة وقرأ حمزة وغيره يلقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف وقوله تعالى قل ما يعبؤبكم آلاية ما نافية وتحتمل التقرير ثم آلاية تحتمل ان تكون خطابا لجميع الناس فكانه قال لقريش منهم ما يبالى الله بكم ولا ينظر اليكم لولا عبادتكم اياه ان لو كانت اذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من اجله قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقال النقاش وغيره المعنى لولا استغاثتكم اليه فى الشدائد وقرأ ابن الزبير وغيره فقد كذب الكافرون وهذا يؤيد ان الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب او التكذيب الذى هو سبب العذاب لزاما ويحتمل ان يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة وقال الداودى وعن ابن عيينه لولا دعاؤكم معناه لولا دعاؤكم اياه لتطيعوه انتهى قال ابن العربى فى احكامه زعم بعض الادباء ان لولا دعاؤكم معناه لولا سؤالكم اياه وطلبكم منه ورأى انه مصدر اضيف الى فاعل وليس كما زعم وانما هو مصدر اضيف الى مفعول والمعنى قل يا محمد للكفار لولا دعاؤكم ببعثه الرسول اليكم وتبين الأدلة لكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ذكر هذا عند قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فى ءاخر سورة النور انتهى ت والحق ان الاية محتملة لجميع ما تقدم ومن ادعى التخصيص فعليه بالدليل والله اعلم ويعبأ مشتق من العبء وهو الثقل الذى يعبأ ويرتب كما يعبأ الجيش قال الثعلبى قال ابو عبيدة يقال ما عبأت به شيأ اي لم اعده شيأ فوجوده وعدمه سواء انتهى وقال العراقى ما يعبأ اي ما يبالى انتى واكثر الناس على ان اللزام المشار اليه هو يوم بدر وقالت فرقة هو توعد بعذاب آلاخرة وقال ابن عباس اللزام الموت وقال البخارى فسوف يكون لزاما اي هلكة انتهى تفسير سورة الشعراء وهى مكية كلها فى قول الجمهور بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى طسم تلك ءايات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك الا يكونوا مؤمنين تقدم الكلام على الحروف التى فى اوائل السور والباخع القاتل والمهلك نفسه بالهم والخضوع للآية المنزلة اما لخوف هلاك كنتق الجبل على بنى اسراءيل واما لاجل الوضوح وبهر العقول بحيث يقع الاذعان لها والاعناق الجارحة المعلومة وذلك ان خضوع العنق والرقبة هو علامة الذلة والانقياد وقيل المراد بالاعناق جماعتهم يقال جاء عنق من الناس اي جماعة وقوله تعالى وما ياتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم انباء ما كانوا به يستهزءون او لم يروا الى الارض كم انبتنا فيها من كل زوج كريم تقدم تفسير هذه الجملة فانظره فى محله وقوله تعالى فسياتيهم وعيد بعذاب الدنيا كبدر وغيرها ووعيد بعذاب الاخرة والزوج النوع والصنف والكريم الحسن المتقن قاله مجاهد وغيره وقوله تعالى وما كان أكثرهم مؤمنين حتم على اكثرهم بالكفر ثم توعد تعالى بقوله وان ربك لهو العزيز الرحيم اي عزيز فى انتقامه من الكفار رحيم بأوليائه المؤمنين وقوله تعالى واذ نادى ربك موسى التقدير واذكر اذ نادى ربك موسى وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش فى تكذيبهم النبى صلى الله عليه و سلم وقوله فأرسل الى هارون معناه يعيننى ولهم علي ذنب يعنى قتله القبطى وقوله تعالى كلا ردا لقوله انى اخاف اي لا تخف ذلك وقول فرعون لموسى الم نربك فينا وليدا هو على جهة المن عليه والاحتقار اي ربيناك صغيرا ولم نقتلك فى جملة من قتلنا ولبثت فينا من عمرك سنين فمتى كان هذا الذى تدعيه ثم قرره على قتل القبطى بقوله وفعلت فعلتك والفعلة بفتح الفاء المرة وقوله وانت من الكافرين يريد وقتلت القبطى وانت فى قتلك اياه من الكافرين اذ هو نفس لا يحل قتلها قاله الضحاك او يريد وانت من الكافرين بنعمتى فى قتلك اياه قاله ابن زيد ويحتمل ان يريد وانت الان من الكافرين بنعمتى وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطى وبين رجوعه نبيا الى فرعون احد عشر عاما غير اشهر وقوله قال فعلتها اذا من كلام موسى والضمير فى قوله فعلتها لقتله القبطى وقوله وانا من الضالين قال ابن زيد معناه من الجاهلين بأن وكزتى اياه تأتى على نفسه وقال ابو عبيدة معناه من الناسين ونزع بقوله ان تضل احداهما وفى قراءة ابن مسعود وابن عباس وانا من الجاهلين ويشبه ان تكون هذه القرءاة على جهة التفسير وحكما يريد النبوءة وحكمتها وقوله وجعلنى من المرسلين درجة ثانية للنبوءة فرب نبىء ليس برسول وقوله وتلك نعمة تمنها على الاية قال قتادة هذا من موسى على جهة الانكار على فرعون كأنه يقول او يصح لك ان تعد على نعمة ترك قتلى من اجل انك ظلمت بنى اسراءيل وقتلتهم اي ليست بنعمة لأن الواجب كان الا تقتلنى ولا تقتلهم ولا تستعبدهم وقرأ الضحاك وتلك نعمة ما لك ان تمنها على وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل وقال الطبرى والسدى هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الاقرار بالنعمة كأنه يقول نعم وتربيتك نعمة على من حيث عبدت غيرى وتركتنى ولكن ذلك لا يدفع رسالتى ولما لم يجد فرعون حجة رجع الى معارضة موسى فى قوله ومارب العالمين واستفهمه استفهاما فقال موسى هو رب السموات والارض آلاية فقال فرعون عند ذلك الا تستمعون على معنى الاغراء والتعجب من شنعة المقالة اذ كانت عقيدة القوم ان فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك فزاده موسى فى البيان بقوله ربكم ورب ءابائكم الاولين فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف ان رسولكم الذى ارسل اليكم لمجنون فزاده موسى فى بيان الصفات التى تظهر نقص فرعون وتبين انه فى غاية البعد عن القدرة عليها وهى ربوبية المشرق والمغرب ولم يكن لفرعون الاملك مصر ولما انقطع فرعون فى باب الحجة رجع الى الاستعلاء والتغلب فقال لموسى لئن اتخذت الها غيرى لاجعلنك من المسجونين وفى توعده بالسجن ضعف لأنه خارت طباعة معه وكان فيما روى انه يفزع من موسى فزعا شديدا حتى كان لا يمسك بوله وكان عند موسى من امر الله والتوكل عليه مالا يفزعه توعد فرعون فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع فى ايمانه او لو جئتك بشىء مبين يتضح لك معه صدقى فلما سمع فرعون ذلك طمع ان يجد اثناءه موضع معارضة فقال له فات به ان كنت من الصادقين فالقى موسى عصاه فاذا هى ثعبان مبين على ما تقدم بيانه ونزع يده من جيبه فاذا هى تتلألأ كأنها قطعة من الشمس فلما رأى فرعون ذلك هاله ولم يكن له فيه مدفع غير انه فزع الى رميه بالسحر وقوله يريد ان يخرجكم من ارضكم بسحرة تقدم بيانه وكذلك قولهم وابعث فى المدائن حاشرين ياتوك بكل سحار عليم تقدم بيانه وقوله تعالى قال نعم وانكم اذا لمن المقربين يريد بتقريبهم الجاه الزائد على العطاء الذى طلبوه وقوله تعالى فألقى السحرة ساجدين قالوا ءامنا برب العالمين رب موسى وهارون قال آمنتم له قبل ان آذن لكم انه لكبيركم الذى علمكم السحر فلسوف تعلمون لأ قطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير انا الى ربنا منقلبون تقدم بيان هذه الجملة والحمد لله فانظره فى محله قال ابن العربى فى احكامه قال مالك دعا موسى فرعون اربعين سنة الى الاسلام وان السحرة ءامنوا فى يوم واحد انتهى وقولهم لا ضير اي لا يضرنا ذلك مع انقلابنا الى مغفرة الله ورضوانه وقولهم ان كنا اول المومنين يريدون من القبط وصنيفتهم والا فقد كانت بنو اسراءيل ءامنت والشرذمة الجمع القليل المحتقر وشرذمة كل شىء بقيته الخسيسة وقوله لغائظون يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الاموال عارية وحذرون جمع حذر والضمير فى قوله فأخرجناهم عائد على القبط والجنات والعيون بحافتى النيل من اسوان الى رشيد قاله ابن عمر وغيره والمقام الكريم قال ابن لهيعة هو الفيوم وقيل هو المنابر وقيل مجالس الامراء والحكام وقيل المساكن الحسان ومشرقين معناه عند شروق الشمس وقيل معناه نحو المشرق والطود هو الجبل وازلفنا معناه قربنا وقرأ ابن عباس وأزلقنا بالقاف واتل عليهم نبأ ابراهيم الاية هذه الاية تضمنت الاعلام بغيت والعكوف الزوم وقوله فانهم عدو لى الارب العالمين قالت فرقة هو استثناء متصل لان فى الاباءالأقدمين من قد عبد الله تعالى وقالت فرقة هو استثناء منقطع لأنه انما اراد عباد الأوثان من كل قرن منهم واسند ابراهيم عليه السلام المرض الى نفسه والشفاء الى ربه عز و جل وهذا حسن ادب فى العبارة والكل من عند الله واوقف عليه السلام نفسه على الطمع فى المغفرة وهذا دليل على شدة خوفه مع علو منزلته عند الله وروى االترمذى عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من عاد مريضا او زار اخا له فى الله ناداه مناد ان طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا قال ابو عيسى هذا حديث حسن انتهى وفى صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من عاد مريضا لم يزل فى خرفة الجنة حتى يرجع قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة قال جناها انتهى وعنه صلى الله عليه و سلم من عاد مريضا لم يحضر اجله فقال عنده سبع مرات اسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يشفيك الا عافاه الله سبحانه خرجه ابو داود والترمذى والحاكم فى المستدرك على الصحيحين بالاسناد الصحيح انتهى من حلية النووى وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه و سلم قال من عاد مريضا لم يحضر اجله فقال عند رأسه سبع مرات اسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يشفيك الا عافاه الله من ذلك المرض رواه ابو داود واللفظ له والترمذى والنساءى والحاكم وابن حبان فى صحيحيهما بمعناه وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين يعنى البخارى ومسلما وفى رواية النساءى وابن حبان كان النبى صلى الله عليه و سلم اذا عاد المريض جلس عند رأسه ثم قال فذكر مثله بمعناه انتهى من السلاح وقوله خطيئتى ذهب اكثر المفسرين الى انه اراد كذباته الثلاث قوله هى اختى فى شأن سارة وقوله انى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم وقالت فرقة اراد بالخطيئة اسم الجنس فدعا فى كل امره من غير تعيين قال ع وهذا اظهر عندى وقوله رب هب لى حكما اي حكمة ونبوءة ودعاؤه فى مثل هذا هو فى معنى التثبيت والدوام ولسان الصدق هو الثناء الحسن واستغفاره لابيه فى هذه الاية هو قبل ان يتبين له انه عدو لله وقوله بقلب سليم معناه خالص من الشرك والمعاصى وعلق الدنيا المتروكة وان كانت مباحة كالمال والبنين قال سفيان هو الذى يلقى ربه وليس فى قلبه شىء غيره قال ع وهذا يقتضى عموم اللفظة ولكن السليم من الشرك هو الأهم وقال الجنيد بقلب لديغ من خشية الله والسليم اللديع ص الا من اتى الله الظاهر انه استثناء منقطع اي لكن من اتى الله بقلب سليم نفعته سلامة قلبه انتهى وازلفت معناه قربت والغاوون الذين برزت لهم الجحيم هم المشركون ثم اخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من ان الاصنام تكبكب فى النار اي تلقى كبه واحدة وقال ص فكبكبوا اي قلب بعضهم على بعض وحروفه كلها اصول عند جمهور البصريين وذهب الزجاج وابن عطيه وغيرهما الى انه مضاعف الباء من كب وقال غيرهما وجعل التكرير من اللفظ دليلا على التكرير فى المعنى وذهب الكوفيون الى ان اصله كبب والكاف بدل من الباء الثانية انتهى والغاوون الكفرة الذين شملتهم الغواية وجنود ابليس نسله وكل من يتبعه لأنهم جند له واعوان ثم وصف تعالى ان اهل النار يختصمون فيها ويتلاومون قائلين لاصنامهم تالله ان كنا لفى ضلال مبين فى ان نعبدكم ونجعلكم سواء مع الله الذى هو رب العالمين ثم عطفوا يردون الملامة على غيرهم اي ما اضلنا الا كبراؤنا واهل الجرم والجراءة ثم قالوا على جهة التلهف والتأسف حين رأوا شفاعة الملائكة والانبياء والعلماء نافعة فى اهل الايمان عموما وشفاعة الصديق فى صديقه خصوصا فما لنا من شافعين ولا صديق حميم والحميم الولى والقريب الذى يخصك امره وحامة الرجل خاصته وباقى الاية بين وقول نوح عليه السلام انى لكم رسول امين اي امين على وحى الله ورسالته ص قرأ الجمهور واتبعك والجملة حال اي وقد اتبعك ويعقوب واتباعك وعن اليمانى واتباعك بالجر عطفا على الضمير فى لك انتهى والارذلون جمع الأرذل ولا يستعمل الا معرفا او مضافا او بمن قال ع ويظهر من الاية ان مراد قوم نوح بنسبة الرذيلة الى المومنين تهجين افعالهم لا النظر فى صنائعهم وذهب اشراف قوم نوح فى استنقاصهم ضعفة المؤمنين مذهب كفار قريش فى شأن عمار بن ياسر وصهيب وبلال وغيرهم وقولهم من المرجومين يحتمل ان يريدوا بالحجارة او بالقول والشتم وقوله افتح معناه احكم والفتاح القاضى بلغة يمانية والفلك السفينة والمشحون معناه المملوء وقول هود عليه السلام لقومه أتبنون هو على جهة التوبيخ والريع المرتفع من الارض وله فى كلام العرب شواهد وعبر المفسرون عن الريع بعبارات وجملة ذلك انه المكان المشرف وهو الذى يتنافس البشر فى مبانية والاية البنيان قال ابن عباس ءاية علم وقال مجاهد ابراج الحمام وقيل القصور الطوال والمصانع جمع مصنع وهو ما صنع واتقن فى بنيانه من قصر مشيد ونحوه قال البخارى كل بناء مصنعة انتهى وقوله لعلكم تخلدون اي كأنكم تخلدون وكذا نقله البخارى عن ابن عباس غير مسند انتهى والبطش الآخذ بسرعة والجبار المتكبر ثم ذكرهم عليه السلام بأياد الله تعالى فيما منحهم وحذرهم من عذابه فكانت مراجعتهم ان سووا بين وعظه وتركه الوعظ وقرأ نافع وغيره خلق الأولين بضم اللام فالإشارة بهذا الى دينهم اي ما هذا الذى نحن عليه الاخلق الناس وعادتهم وقرأ ابن كثير وغيره خلق بسكون اللام فيحتمل المعنى ما هذا الذى تزعمه الا اخلاق الأولين من الكذبة فانت على منهاجهم وروى علقمة عن ابن مسعود الا اختلاق الأولين وقول صالح لقومه اتتركون فيما ها هنا تخويف لهم بمعنى اتطمعون ان تقروا فى النعم على معاصيكم والهضيم معناه اللين الرطب والطلع الكفرى وهو عنقود التمر قبل ان يخرج من الكم فى اول نباته فكان الاشارة الى ان طلعها يتم ويرطب قال ابن عباس اذا اينع وبلغ فهو هضيم وقال الزجاج هو قيل الذى رطبه بغير نوى وقال الثعلبى قال ابن عباس هضيم لطيف ما دام فى كفراه انتهى وقرأ الجمهور تنحتون بكسر الحاء وفرهين من الفراهة وهى جودة منظر الشىء وخبرته وقوته وقوله ولا تطيعوا امر المسرفين خاطب به جمهور قومه وعن بالمسرفين كبراءهم واعلام الكفر والإضلال فيهم قالوا انما انت من المسحرين اي قد سحرت ص قرأ الجمهور شرب بكسر الشين اي نصيب وقرأ ابن ابى عبلة بضم الشين فيهما انتهى وقوله تعالى كذبت قوم لوط المرسلين اذ قال لهم اخوهم لوط قال النقاش ان فى مصحف ابن مسعود وابى وحفصة اذ قال لهم لوط وسقط اخوهم وقوله انى لعملكم من القالين القلى البغض فنجاه الله بان امره بالرحلة على ما تقدم فى قصصهم وقوله تعالى كذب اصحاب ليكة المرسلين قرأ نافع وابن كثير وابن عامر اصحاب ليكة على وزن فعله هنا وفى ص وقرأ الباقون الايكة وهى الدوحة الملتفة من الشجر على الاطلاق وقيل من شجر معروف له غضارة تالفة الحمام والقمارى ونحوها وليكة اسم البلد فى قراءة من قرأ ذلك قاله بعض المفسرين وذهب قوم الى انها مسهلة من الأيكة وانها وقعت فى المصحف هنا وفى ص بغير الف وقوله تعالى كذبت قوم نوح المرسلين وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث ان تكذيب نبيىء واحد يستلزم تكذيب جميع الانبياء لانهم كلهم يدعون الخلق الى الايمان بالله تعالى واليوم الآخر وفى قول الانبياء عليهم السلام الا تتقون عرض رفيق وتلطف كما قال تعالى فقل هل لك الى ان تزكى والجبلة الخليقة والقرون الماضية والكسف القطع واحدها كسفه ويوم الظلة هو يوم عذابهم وصورته فيما روى ان الله امتحنهم بحر شديد وانشأ الله سبحانه فى بعض قطرهم فجاء بعضهم الى ظلها فوجد لها بردا وروحا فتداعوا اليها حتى تكاملوا فاضطرمت عليهم نارا فأحرقتهم عن آخرهم وقيل غير هذا والحق انه عذاب جعله الله ظلة عليهم وقوله تعالى وانه لتنزيل رب العالمين يعنى القرءان وقوله بلسان عربى متعلق بنزل اي سمعة النبى صلى الله عليه و سلم من جبريل حروفا عربية وهذا هو القول الصحيح وما سوى هذا فمردود وقوله سبحانه وانه لفى زبر الاولين اي القرءان مذكور فى الكتب المنزلة القديمة منبه عليه مشار اليه او لم يكن لهم ءاية ان يعلمه علماء بنى اسراءيل كعبد الله بن سلام ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد قال مقاتل هذه آلاية مدنية ومن قال ان آلاية مكية ذهب الى ان علماء بنى اسراءيل ذكروا لقريش ان فى التوراة صفة النبى الآمى وان هذا زمانه فهذه الاشارة الى ذلك ان قريشا بعثت الى الاحبار يسئلونهم عن امر النبى صلى الله عليه و سلم ثم اخبر تعالى ان هذا القرءان لو سمعوه من اعجم اي من حيوان غير ناطق او من جماد والاعجم كل ما لا يفصح ما كانوا يؤمنون والاعجمون جمع اعجم وهو الذى لا يفصح وان كان عربى النسب وكذلك يقال للحيوانات والجمادات ومنه الحديث جرح العجماء جبار والعجمى هو الذى نسبه فى العجم وان كان افصح الناس وقرأ الحسن الأعجميين قال ابو حاتم اراد الاعجمى المنسوب الى العجم وقال الثعلبى معنى الاية ولو نزلناه على رجل ليس بعربى اللسان فقرأه عليهم بغير لغة العرب لما ءامنوا به انفة من اتباعه انتهى وقوله تعالى كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين قال ع وسلكناه معناه ادخلناه والضمير فيه للكفر الذي يتضمنه قوله ما كانوا به مؤمنين قاله الحسن وقيل الضمير للتكذيب وقيل للقرءان ورجح بأنه المتبادر الى الذهن والمجرمون اراد به مجرمي كل امة اي ان هذه عادة الله فيهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب فكفار قريش كذلك وهل نحن منظرون اي مؤخرون وقوله سبحانه افبعذابنا يستعجلون توبيخ لقريش على استعجالهم العذاب وقولهم للنبى صلى الله عليه و سلم اسقط علينا كسفا من السماء وقولهم اين ما تعدنا ثم خاطب سبحانه نبيه عليه السلام بقوله افرأيت ان متعناهم سنين قال عكرمة سنين يريد عمر الدنيا ثم اخبر تعالى انه لم يهلك قرية من القرى الا بعد ارسال من ينذرهم عذاب الله عز و جل ذكرى لهم وتبصرة وقوله تعالى وما تنزلت به الشياطين الضمير فى به عائد على القرءان وقوله تعالى انهم عن السمع لمعزولون اي لان السماء محروسة بالشهب الجارية اثر الشياطين ثم وصى تعالى نبيه بالثبوت على التوحيد والمراد امته فقال فلا تجعل مع الله الها آخر الاية وقوله تعالى وانذر عشيرتك الأقربين الاية وفى صحيح البخارى وغيره عن ابن عباس لما نزلت هذه الاية خرج النبى صلى الله عليه و سلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا فاجتمعوا اليه فقال أرأيتم ان اخبرتكم ان خيلا تخرج من سفح هذا الجبل اكنتم مصدقى قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا قال فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد الحديث وخص بإنذاره عشيرته لانهم مظنة الطواعية واذ يكنه من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله غيرهم ولان الانسان غير متهم على عشيرته والعشيرة قرابة الرجل وخفض الجناح استعارة معناه لين الكلمة وبسط الوجه والبر والضمير فى عصوك عائد على عشيرته ثم امر تعالى نبيه عليه السلام بالتوكل عليه فى كل اموره ثم جاء بالصفات التى تونس المتوكل وهى العزة والرحمة وقوله الذى يراك حين تقوم يراك عبارة عن الادراك وظاهر الاية انه اراد قيام الصلاة ويحتمل سائر التصرفات وهو تأويل مجاهد وقتادة وقوله سبحانه وتقلبك فى الساجدين قال ابن عباس وغيره يريد اهل الصلاة اي صلاتك مع المصلين وقوله تعالى قل هل أنبئكم اي قل لهم يا محمد هل اخبركم على من تنزل الشياطين والأفاك الكذاب والاثيم الكثير الأثيم ويريد الكهنة لانهم كانوا يتلقون من الشياطين الكلمة الواحدة التى سمعت من السماء فيخلطون معها مائة كذبة حسبما جاء فى الحديث وقد ذكرناه فى غير هذا الموضع والضمير فى يلقون يحتمل ان يكون للشياطين ويحتمل ان يكون للكهنة ولما ذكر الكهنة بغفكهم وحالهم التى تقتضى نفى كلامهم عن كلام الله تعالى عقب ذلك بذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرءان اذ قال بعض الكفرة فى القرءان انه شعر والمراد شعراء الجاهلية ويدخل فى الاية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور وقوله الغاوون قال ابن عباس هم المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم وقال عكرمة هم الرعاع الذين يتبعون الشاعر ويغتنمون انشاده وقوله فى كل واد يهيمون عبارة عن تخليطهم وخوضهم فى كل فن من غث الكلام وباطله قاله ابن عباس وغيره وروى جابر بن عبد الله عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال من مشى سبع خطوات فى شعر كتب من الغاوين ذكره اسد بن موسى وذكره النقاش وقوله تعالى الا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات الاية هذا الاستثناء هو فى شعراء الاسلام كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكل من اتصف بهذه الصفة ويروى عن عطاء بن يسار وغيره ان هؤلاء شق عليهم ما ذكر قبل فى الشعراء فذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه و سلم فنزلت ءاية الاستثناء بالمدينة وقوله تعالى وذكروا الله كثيرا يحتمل ان يريد فى اشعارهم وهو تأويل ابن زيد ويحتمل ان ذلك خلق لهم وعبادة قاله ابن عباس فكل شاعر فى الاسلام يهجو ويمدح عن غير حق فهو داخل فى هذه الاية وكل تقى منهم يكثر من الزهد ويمسك عن كل ما يعاب فهو داخل فى الاستثناء ت قد كتبنا والحمد لله فى هذا المختصر جملة صالحة فى فضل الأذكار عسى الله ان ينفع به من وقع بيده ففى جامع الترمذى عن ابى سعيد الخدرى قال سئل النبى صلى الله عليه و سلم اي العباد افضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا قلت ومن الغازى فى سبيل الله عز و جل قال لو ضرب بسيفه فى الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله تعالى افضل منه وروى الترمذى وابن ماجة عن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الا انبئكم بخير اعمالكم وازكاها عند مليككم وارفعها فى درجاتكم وخيرلكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم من ان تلقوا عدوكم فتضربوا اعناقهم ويضربوا اعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله تعالى قال الحاكم ابو عبد الله فى كتابة المستدرك على الصحيحين هذا حديث صحيح الاسناد انتهى من حلية النووى وقوله وانتصروا من بعد ما ظلموا اشارة الى ما رد به حسان وعلى وغيرهما على قريش ت قيل وانصف بيت قالته العرب قول حسان لابى سفيان او لابى جهل ... اتهجوه ولست له بكفو ... فشركما لخيركما الفداء ... وباقى آلآية وعيد لظلمة كفار مكة وتهديد لهم تفسير سورة النمل وهى مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى طس تلك ءايات القرءان وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين تقدم القول فى الحروف المقطعة وعطف الكتاب على القرءان وهما لمسمى واحد من حيث هما صفتان لمعنيين فالقرءان لانه اجتمع والكتاب لانه يكتب واقامة الصلاة ادامتها واداؤها على وجهها وقوله تعالى زينا لهم أعمالهم اي جعل سبحانه عقابهم على كفرهم ان حتم عليهم الكفر وحبب اليهم الشرك وزينة فى نفوسهم والعمة الحيرة والتردد فى الضلال ثم توعدهم تعالى بسوء العذاب فمن ناله منه شىء فى الدنيا بقى عليه عذاب الآخرة ومن لم ينله عذاب الدنيا كان سوء عذابه فى موته وفى ما بعده وقوله تعالى وانك لتلقى القرءان تلقى مضاعف لقى يلقى ومعناه تعطى كما قال وما يلقاها الا ذو حظ عظيم وهذه آلاية رد على كفار قريش فى قولهم ان القرءان من تلقاء محمد ومن لدن معناه من عنده ومن جهته ثم قص تعالى خبر موسى حين خرج بزوجه بنت شعيب عليه السلام يريد مصر وقد تقدم فى طه قصص الاية وقوله سئاتيكم منها بخبر او آتيكم بشهاب قبس الاية اصل الشهاب الكوكب المنقص فى اثر مسترق السمع وكل ما يقال له شهاب من المنيرات فعلى التشبيه والقبس يحتمل ان يكون اسما ويحتمل ان يكون صفة وقرأ الجمهور باضافة شهاب الى قبس وقرأ حمزة والكساءى وعاصم بتنوين شهاب قبس فهذا على الصفة ص وقوله جاءها ضمير المفعول عائد على النار وقيل على الشجرة انتهى وبورك معناه قدس ونمى خيره والبركة مختصة بالخير وقوله تعالى من فى النار قال ابن عباس اراد النور وقال الحسن وابن عباس واراد بمن حولها الملائكة وموسى قال ع ويحتمل ان تكون من للملائكة لان ذلك النور الذى حسبه موسى نارا لم يخل من ملائكة ومن حولها لموسى والملائكة المطيفين به وقرأ ابى بن كعب ان بوركت النار ومن حولها وقوله تعالى وسبحان الله رب العالمين هو تنزيه لله تعالى مما عساه ان يخطر ببال فى معنى النداء من الشجرة اي هو منزه عن جميع ما تتوهمه الاوهام وعن التشبيه والتكييف والضمير فى انه للأمر والشأن وقوله سبحانه وألق عصاك الاية امره تعالى بهذين الأمرين إلقاء العصا وامر اليد تدريبا ! له فى استعمالهما والجان الحيات لأنها تجن انفسها اي تسترها وقالت فرقة الجان صغار الحيات وقوله تعالى ولى مدبرا ولم يعقب اي ولى فارا قال مجاهد ولم يرجع وقال قتادة ولم يلتفت قال ع وعقب الرجل اذا ولى عن امر ثم صرف بدنه اووجهه اليه ثم ناداه سبحانه مؤنسا له يا موسى لا تخف انى لا يخاف لدى المرسلون وقوله تعالى إلا من ظلم قال الفراء وجماعة الاستثناء منقطع وهو اخبار عن غير الانبياء كأنه سبحانه قال لكن من ظلم من الناس ثم تاب فإنى غفور رحيم وهذه الاية تقتضى المغفرة للتائب والجيب الفتح فى الثوب لرأس الانسان وقوله تعالى فى تسع ءايات متصل بقوله الق وادخل يدك وفيه اقتضاب وحذف والمعنى فى جملة تسع ءايات وقد تقدم بيانها والضمير فى جاءتهم لفرعون وقومه وظاهر قوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها حصول الكفر عنادا وهى مسئلة خلاف قد تقدم بيانها وظلما معناه على غير استحقاق للجحد والعلو فى الارض اعظم ءافة على طالبه قال الله تعالى تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الارض ولا فسادا وقوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما الاية هذا ابتداء قصص فيه غيوب وعبر وورث سليمان داود اي ورث ملكه ومنزلته من النبوءة بعد موت ابيه وقوله علمنا منطق الطير اخبار بنعمة الله تعالى عندهما فى ان فهمهما من اصوات الطير المعانى التى فى نفوسها وهذا نحو ما كان النبى صلى الله عليه و سلم يسمع اصوات الحجارة بالسلام عليه وغير ذلك حسب ما هو فى الآثار قال قتادة وغيره انما كان هذا الأمر فى الطير خاصة والنملة طائر اذ قد يوجد لها جناحان وقالت فرقة بل مكان ذلك فى جميع الحيوان وانما خص الطير لأنه كان جندا من جنود سليمان يحتاجه فى التظليل من الشمس وفى البعث فى الأمور والنمل حيوان فطن قوى شمام جدا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين ليلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت اذا قسمت شقين ويأكل فى عامة نصف ما جمع ويستبقي سائره عدة قال ابن العربى فى احكامه ولا خلاف عند العلماء فى ان الحيوانات كلها لها افهام وعقول وقد قال الشافعى الحمام اعقل الطير انتهى وقوله وأوتينا من كل شىء معناه يصلح لنا ونتمناه وليست على العموم ثم ذكر شكر فضل الله تعالى واختلف فى مقدار جند سليمان عليه السلام اختلافا شديدا لا ارى ذكره لعدم صحة التحديد غير ان الصحيح فى هذا ان ملكه كان عظيما ملأ الارض وانقادت له المعمورة كلها وكان كرسيه يحمل اجناده من الانس والجن وكانت الطير تظله من الشمس ويبعثها فى الامور ويوزعون معناه يرد اولهم الى ءاخرهم ويكفون قال قتادة فكان لكل صنف وزعة ومنه قول الحسن البصري حين ولى قضاء البصرة لابد للحاكم من وزعة ومنه قول ابى قحافة للجارية ذلك يا بنية الوازع ومنه قول الشاعر ... على حين عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت الما اصح والشيب وازع ... اي كاف وهكذا نقل ابن العربى عن مالك فقال يوزعون اي يكفون قال ابن العربى وقد يكون بمعنى يلهمون من قوله اوزعنى ان اشكر نعمتك اي الهمنى انتهى من الاحكام وقوله تعالى فتبسم ضاحكا من قولها التبسم هو ضحك الانبياء فى غالب امرهم لا يليق بهم سواه وكان تبسمه سرورا بنعمة الله تعالى عليه فى أسماعه وتفهيمه وفى قول النملة وهم لا يشعرون ثناء على سليمان وجنوده يتضمن تنزيههم عن تعمد القبيح ثم دعا سليمان عليه السلام ربه ان يعينه ويفرغه لشكر نعمته وهذا معنى ايزاع الشكر وقال الثعلبى وغيره اوزعنى معناه الهمنى وكذلك قال العراقى اوزعنى الهمنى انتهى وقوله تعالى وتفقد الطير الاية قالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بالمملكة والتهمم بكل جزء منها وهذا ظاهر آلاية انه تفقد جميع الطير وقالت فرقة بل تفقد الطير لان الشمس دخلت من موضع الهدهد فكان ذلك سبب تفقد الطير ليبين من اين دخلت الشمس وقال عبد الله بن سلام انما طلب الهدهد لانه احتاج الى معرفة الماء على كم هو من وجه الارض لانه كان نزل فى مفازة عدم فيها الماء وان الهدهد كان يرى باطن الارض وظاهرها فكان يخبر سليمان بموضع الماء ثم كانت الجن تخرجه فى ساعة وقيل غير هذا والله اعلم بما صح من ذلك ثم توعد عليه السلام الهدهد بالعذاب فروى عن ابن عباس وغيره ان تعذيبه للطير كان بنتف ريشه والسلطان الحجة حيث وقع فى القرءان قاله ابن عباس وفعل سليمان هذا بالهدهد اغلاظا على العاصين وعقابا على اخلاله بنبوته ورتبته والضمير فى مكث يحتمل ان يكون لسليمان اوللهدهد وفى قراءة ابن مسعود فتمكث ثم جاء فقال وفى قراءة ابى فتمكث ثم قال احطت ت وهاتان القراءتان تبينان ان الضمير فى مكث للهدهد وهو الظاهر ايضا فى قراءة الجماعة ومعنى مكث اقام وقوله غير بعيد يعنى فى الزمن وقوله احطت اي علمت وقرأ الجمهور سبإ بالصرف على انه اسم رجل وبه جاء الحديث عن النبى صلى الله عليه و سلم من حديث فروة بن مسيك وغيره سئل عليه السلام عن سبإ فقال كان رجلا له عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم اربعة ورواه الترمذى من طريق فروة بن مسيك وقرأ ابن كثير وابو عمرو سبأ بفتح الهمزة وترك الصرف على انه اسم بلدة وقاله الحسن وقتادة وقوله واوتيت من كل شىء اي مما تحتاجه المملكة قال الحسن من كل امر الدنيا وهذه المرأة هى بلقيس ووصف عرشها بالعظم فى الهيئة ورتبة الملك واكثر بعض الناس فى قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته وانما اللازم من الاية انها امرأة ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وكانت كافرة من قوم كفار وقوله الا يسجدوا لله الى قوله العظيم ظاهره انه من قول الهدهد وهو قول ابن زيد وابن اسحاق ويحتمل ان يكون من قول الله تعالى اعتراضا بين الكلامين وقراءة التشديد فى الا تعطي ان الكلام للهدهد وهى قراءة الجمهور وقراءة التخفيف وهى للكساءى تمنعه وتقوى الآخر فتأمله وقرأ الأعمش هلا يسجدون وفى حرف عبد الله الأهل تسجدون بالتاء والخبء الخفى من الامور وهو من خبأت الشىء واللفظة تعم كل ما خفى من الأمور وبه فسر ابن عباس وقرأ الجمهور يخفون ويلعنون بياء الغائب وهذه القراءة تعطي ان الاية من كلام الهدهد وقرأ الكساءى وحفص عن عاصم تخفون وتعلنون بتاء الخطاب وهذه القراءة تعطى ان الاية من خطاب الله تعالى لامة محمد صلى الله عليه و سلم قوله فألقه اليهم ثم تول عنهم قال وهب بن منبه امره بالتولى حسن ادب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك بمعنى وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم وليكل الامر الى حكم ما فى الكتاب دون ان تكون للرسول ملازمة ولا الحاح وروى وهب بن منبه فى قصص هذه آلاية ان الهدهد وصل فوجد دون هذه الملكة حجب جدرات فعمد الى كوة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها اياها فدخل منها ورمى بالكتاب اليها فقرأته وجمعت اهل ملكها فخاطبتهم بما يأتى بعد قالت يا ايها الملأ تعنى الاشراف انى القى الى كتاب كريم وصفت الكتاب بالكريم اما لانه من عند عظيم او لانه بدىء باسم كريم ثم اخذت تصف لهم ما فى الكتاب ثم اخذت فى حسن الادب مع رجالها ومشاورتهم فى امرها فراجعها قومها بما يقر عينها من اعلامهم اياها بالقوة والبأس ثم سلموا الامر الى نظرها وهذه محاورة حسنة من الجميع وفى قراءة عبد الله ما كنت قاضية امرا بالضاد من القضاء ثم اخبرت بلقيس بفعل الملوك بالقرى التى يتغلبون عليها وفى كلامها خوف على قومها وحيطة لهم قال الداودى وعن ابن عباس اذا دخلوا قرية افسدوها قال اذا اخذوها عنوة اخربوها انتهى وقوله وكذلك يفعلون قالت فرقة هو من قول بلقيس وقال ابن عباس هو من قول الله تعالى معرفا لمحمد عليه السلام وامته بذلك وانى مرسلة اليهم بهدية الاية روى ان بلقيس قالت لقومها انى اجرب هذا الرجل بهدية فيها نفائس الأموال فإن كان ملكا دنيويا ارضاه المال وان كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا الا ان نتبعه على دينه فينبغى ان نؤمن به ونتبعه على دينه فبعث اليه بهدية عظيمة وقوله تعالى فلما جاء سليمان يعنى رسل بلقيس وقول سليمان ارجع خطاب لرسلها لأن الرسول يقع على الجمع والافراد والتذكير والتانيت وفى قراءة ابن مسعود فلما جاءوا سليمان وقرأ ارجعوا ووعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على الكفر قال البخارى لا قبل لهم بها اي لا طاقة لهم انتهى ثم قال سليمان لجمعه يا ايها الملأ ايكم يأتينى بعرشها قال ابن زيد وغرضه فى استدعاء عرشها ان يريها القدرة التى من عند الله وليغرب عليها ومسلمين فى هذا التاويل بمعنى مستسلمين ويحتمل ان يكون بمعنى الإسلام وقال قتادة كان غرض سليمان اخذه قبل ان يعصمهم الاسلام فالإسلام على هذا التأويل يراد به الدين ت والتأويل الأول اليق بمنصب النبوءة فيتعين حمل الاية عليه والله اعلم وروى ان عرشها كان من ذهب وفضة مرصعا بالياقوت والجوهر وانه كان فى جوفه سبعة ابيات عليها سبعة اغلاق والعفريت هو من الشياطين القوى المارد وقوله قبل ان تقوم من مقامك قال مجاهد وقتادة معناه قبل قيامك من مجلس الحكم وكان يجلس من الصبح الى وقت الظهر فى كل يوم وقيل معناه قبل ان تستوي من جلوسك قائما وقول الذى عنده علم من الكتاب انا ءاتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك قال ابن جبير وقتادة معناه قبل ان يصل اليك من يقع طرفك عليه فى ابعد ما ترى وقال مجاهد معناه قبل ان تحتاج الى التغميض اي مدة ما يمكنك ان تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداده قال ع وهذان القولان يقابلان القولين قبلهما وقوله لقوى أمين معناه قوى على حمله امين على ما فيه ويروى ان الجن كانت تخبر سليمان بمناقل سير بلقيس فلما قربت قال ايكم ياتينى بعرشها فدعا الذى عنده علم من التوراة وهو الكتاب المشار اليه باسم الله الاعظم الذى كانت العادة فى ذلك الزمان ان لا يدعو به احد الا اجيب فشقت الارض بذلك العرش حتى نبع بين يدي سليمان عليه السلام وقيل بل جىء به فى الهواء وجمهور المفسرين على ان هذا الذى عنده علم من الكتاب كان رجلا صالحا من بنى اسراءيل اسمه آصف بن برخيا روى انه صلى ركعتين ثم قال لسليمان يا نبى الله امدد بصرك نحو اليمن فمد بصره فإذا بالعرش فما رد سليمان بصره الا وهو عنده وقال قتادة اسمه بلخيا وقول سليمان عليه السلام نكروا لها عرشها يريد تجربة ميزها ونظرها وروت فرقة ان الجن احست من سليمان او ظنت به انه ربما تزوجها فكرهوا ذلك وعيبوها عنده بأنها غير عاقلة ولا مميزة وان رجلها كحافر دابة فجرب عقلها وميزها بتنكير السرير وجرب امر رجلها بأمر الصرح لتكشف عن ساقيها عنده وتنكير العرش تغيير وضعه وستر بعضه وقولها كانه هو تحرز فصيح وقال الحسن بن الفضل شبهوا عليها فشبهت عليهم ولو قالوا اهذا عرشك لقالت نعم ثم قال سليمان عند ذلك وأوتينا العلم من قبلها الاية وهذا منه على جهة تعديد نعم الله عليه وعلى ءابائه وقوله تعالى وصدها ما كانت تعبداي عن الايمان وهذا الكلام يحتمل ان يكون من قول سليمان اومن قول الله اخبارا لمحمد عليه السلام قال محمد ابن كعب القرظى وغيره ولما وصلت بلقيس امر سليمان الجن فصنعت له صرحا وهو السطح فى الصحن من غير سقف وجعلته مبنيا كالصهريج وملئى ماء وبث فيه السمك وطبقه بالزجاج الابيض الشفاف وبهذا جاء صرحا والصرح ايضا كل بناء عال وكل هذا من التصريح وهو الاعلان البالغ ثم وضع سليمان فى وسط الصرح كرسيا فلما وصلته بلقيس قيل لها ادخلى الى النبى عليه السلام فلما رأت الصرح حسبته لجة وهو معظم الماء ففزعت وظنت انها قصد بها الغرق وتعجبت من كون كرسيه على الماء ورأت ماهالها ولم يكن لها بد من امتثال الأمر فكشفت عن ساقيها فرأى سليمان ساقيها سليمة مما قالت الجن غير انها كثيرة الشعر فلما بلغت هذا الحد قال لها سليمان انه صرح ممرد من قوارير والممرد المحكوك المملس ومنه الامرد فعند ذلك قالت رب انى ظلمت نفسى واسلمت مع سليمان لله رب العالمين فروى ان سليمان تزوجها عند ذلك واسكنها الشام قاله الضحاك وقيل تزوجها وردها الى ملكها باليمن وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة فولدت له غلاما سماه داود مات فى حياته وروى ان سليمان لما اراد زوال شعر ساقيها امر الجن بالتلطف فى زواله فصنعوا النورة ولم تكن قبل وصنعوا الحمام وقوله تعالى ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا الاية تمثيل لقريش وفريقان يريد بهما من آمن بصالح ومن كفر به واختصامهم هو تنازعهم وقد ذكر تعالى ذلك فى سورة الأعراف ثم ان صالحا عليه السلام ترفق بقومه ووقفهم على خطإهم فى استعجالهم العذاب قبل الرحمة او المعصية لله قبل الطاعة ثم اجابوه بقولهم اطيرنا بك اي تشاءمنا بك وتسعة رهط هم رجال كانوا من اوجه القوم واعتاهم وهم اصحاب قدار والمدينة مجتمع ثمود وقريتهم وقوله تعالى تقاسموا قال الجمهور هو فعل امر أشار بعضهم على بعض بأن يتخالفوا على هذا الفعل بصالح وحكى الطبرى انه يجوز ان يكون تقاسموا فعلا ماضيا فى موضع الحال كأنه قال متقاسمين او متحالفين بالله لنبيتنه واهله وتؤيده قراءة عبد الله ولا يصلحون تقاسموا باسقاط 4قالوا قال ع وهذه الألفاظ الدالة على قسم تجاوب باللام وان لم يتقدم قسم ظاهر فاللام فى لنبيتنه جواب القسم وروى فى قصص هذه الاية ان هؤلاء التسعة لما كان فى صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة وقد اخبرهم صالح بمجيىء العذاب اتفق هؤلاء التسعة فتحالفوا على ان يأتوا دار صالح ليلا فيقتلوه واهله المختصين به قالوا فإن كان كذبا فى وعيده اوقعنا به ما يستحق وان كان صادقا كنا قد عجلناه قبلنا وشفينا به نفوسنا فجاءوا لذلك فى غار قريب من داره فروى انه انحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا وروى انها طبقت عليهم الغار فهلكوا فيه حين هلك قومهم وكل فريق لا يعلم بما جرى على الآخر وقد كانوا بنوا على جحود الأمر من قرابة صالح ويعنى بالاهل كل من آمن به قاله الحسن وقوله سبحانه ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون قال ابن العربى الحاتمي المكر ارداف النعم مع المخالفة وابقاء الحال مع سوء الأدب انتهى من شرحه لالفاظ الصوفية والتدمير الهلاك وخاوية معناه قفرا وهذه البيوت المشار اليها هى التى قال فيها النبى صلى الله عليه و سلم عام تبوك لا تدخلوا بيوت المعذبين الا ان تكونوا باكين الحديث فى صحيح مسلم وغيره وقوله تعالى ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ائنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم تجهلون تقدم قصص هؤلاء القوم وتبصرون معناه بقلوبكم قال ابو حيان وشهوة مفعول من اجله انتهى وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن الله من عمل عمل لوط رواه ابو داود والترمذى والنساءى واللفظ له وابن ماجة وابن حبان فى صحيحه انتهى من السلاح وقوله تعالى قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أآلله خير أما تشركون الايات هذا ابتداء تقرير وتنبيه لقريش والعرب وهو بعد يعم كل مكلف من الناس جميعا وافتتح ذلك بالقول بحمده سبحانه وتمجيده وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوءة والايمان فهذا اللفظ عام لجميعهم من ولد ءادم وكأن هذا صدر خطبة للتقرير المذكور قالت فرقة وفى الاية حذف مضاف فى موضعين التقدير اتوحيد الله خير ام عبادة ما تشركون فما على هذا موصولة بمعنى الذى وقالت فرقة ما مصدرية وحذف المضاف انما هو اولا تقديره اتوحيد الله خير ام شرككم ت ومن كلام الشيخ العارف بالله ابى الحسن الشاذلى قال رحمة الله ان اردت ان لا يصدأ لك قلب ولا يلحقك هم ولا كرب ولا يبقى عليك ذنب فأكثر من قولك سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لا اله الا الله اللهم ثبت علمها فى قلبى واغفر لي ذنبى واغفر للمؤمنين والمؤمنات وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى انتهى وقوله تعالى أمن خلق وما بعدها من التقريرات توبيخ لهم وتقرير على مالا مندوحة عن الاقرار به والحدائق مجتمع الشجر من الأعناب والنخيل وغير ذلك قال قوم لا يقال حديقة الا لما عليه جدار قد احدق به وقال قوم يقال ذلك كان جدار او لم يكن لان البياض محدق بالاشجار والبهجة الجمال والنضارة وقوله سبحانه ما كان لكم ان تنبتوا شجرها اي ليس ذلك فى قدرتكم ويعدلون يجوز ان يراد به يعدلون عن طريق الحق ويجوز ان يراد به يعدلون بالله غيره اي يجعلون له عديلا ومثيلا وخلالها معناه بينها والرواسى الجبال والبحران الماء العذب والماء الأجاج على ما تقدم والحاجز ما جعل الله بينهما من حواجز الارض وموانعها على رقتها فى بعض المواضع ولطافتها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب وقوله سبحانه امن يجيب المضطر اذا دعاه الاية وعن حبيب بن سلمة الفهرى وكان مجاب الدعوة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم الا اجابهم الله رواه الحاكم فى المستدرك انتهى من سلاح المؤمن وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ادعوا الله وانتم موقنون بالاجابة واعلموا ان الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه رواه الترمذى وهذا لفظه قال صاحب السلاح ورواه الحاكم فى المستدرك وقال مستقيم الاسناد انتهى والسوء عام فى كل ضر يكشفه الله تعالى عن عباده قال ابن عطاء الله ما طلب لك شىء مثل الاضطرار ولا اسرع بالمواهب لك مثل الذلة والافتقار انتهى والظلمات عام لظلمه الليل ولظلمة الجهل والضلال والرزق من السماء هو بالمطر ومن الارض بالنبات هذا هو مشهور ما يحسه البشر وكم لله بعد من لطف خفى ثم امر تعالى نبيه ان يوقفهم على ان الغيب مما انفرد الله بعلمه ولذلك سمى غيبا لغيبه عن المخلوقين روى ان هذه الاية من قوله قل لا يعلم انما نزلت لاجل سؤال الكفار عن الساعة الموعود بها فجاء بلفظ يعم الساعة وغيرها واخبر عن البشر انهم لا يشعرون ايان يبعثون ص ايان اسم استفهام بمعنى متى وهى معمولة ليبعثون والجملة فى موضع نصب بيشعرون انتهى وقرأ جمهور القراء بل ادارك اصله تدارك وقرأ عاصم فى رواية ابى بكر بل ادرك على وزن افتعل وهى بمعنى تفاعل وقرأ ابن كثير وابو عمرو بل ادرك وهذه القراءات تحتمل معنيين احدهما ادرك علمهم اي تناهى كما تقول ادرك النبات والمعنى قد تناهى علمهم بالآخرة الى ان لا يعرفوا لها مقدارا فيومنوا وانما لهم ظنون كاذبة او الى ان لا يعرفوا لها وقتا والمعنى الثانى بل ادرك بمعنى اي انهم فى الاخرة يدرك علمهم وقت القيامة ويرون العذاب والحقائق التى كذبوا بها واما فى الدنيا فلا وهذا هو تأويل ابن عباس ونحا اليه الزجاج فقوله فى الآخرة على هذا التاويل ظرف وعلى التأويل الأول فى بمعنى الباء ثم وصفهم عز و جل بأنهم فى شك منها ثم اردف بصفة هى ابلغ من الشك وهى العمى بالجملة عن امر الاخرة وعمون اصله عميون فعلون كحذرون وقوله تعالى وقال الذين كفروا إذا كنا ترابا وءاباؤنا ائنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل ان هذا الا اساطير الأولين هذه الاية معناها واضح مما تقدم فى غيرها ثم ذكر تعالى استعجال كفار قريش امر الساعة والعذاب بقوله متى هذا الوعد معنى التعجيز وردف معناه قرب وازف قاله ابن عباس وغيره ولكنها عبارة عما يجىء بعد الشىء قريبا منه والهاء فى غائبه للمبالغة اي ما من شىء فى غاية الغيب والخفاء الا فى كتاب عند الله وفى مكنون علمه لا اله الا هو ثم نبه تعالى على ان هذا القرءان يقص على بنى اسراءيل اكثر الأشياء التى كان بينهم اختلاف فى صفتها جاء بها القرءان على وجهها وانه لهدى ورحمة للمؤمنين كما انه عمى على الكافرين المحتوم عليهم ثم سلى نبيه بقوله انك لا تسمع الموتى فشبههم مرة بالموتى ومرة بالصم من حيث ان فائدة القول لهؤلاء معدومة وقرأ حمزة وحده وما انت تهدى العمى بفعل مستقبل ومعنى قوله تعالى واذا وقع القول عليهم اي اذا انتجز وعد عذابهم الذى تضمنه القول الأزلى من الله فى ذلك وهذا بمنزلة قوله تعالى حقت كلمة العذاب فمعنى الاية واذا اراد الله ان ينفذ فى الكافرين سابق علمه لهم من العذاب اخرج لهم دابة من الارض وروى ان ذلك حين ينقطع الخير ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب ووقع عبارة عن الثبوت واللزوم وفى الحديث ان الدابة وطلوع الشمس من المغرب من اول الأشراط وهذه الدابة روى انها تخرج من الصفا بمكة قاله ابن عمر وغيره وقيل هذا وقرأ الجمهور تكلمهم من الكلام وقرأ ابن عباس وغيره تكلمهم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم وهو الجرح وسئل ابن عباس عن هذه الاية تكلمهم او نكلمهم فقال كل ذلك والله تفعل تكلمهم وتكلمهم وروى انها تمر على الناس فتسم الكافر فى جبهته وتزبرة وتشتمه وربما خطمته وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه ويعرف بعد ذلك6 الايمان والكفر من اثرها وفى الحديث تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلو وجوه المومنين بالعصا وتختم انف الكافر بالخاتم حتى ان الناس ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر رواه البزار انتهى من الكوكب الدرى وقرأ الجمهور ان الناس بكسر ان وقرأ حمزة الكساءى وعاصم ان بفتحها وفى قرءاة عبد الله تكلمهم بأن وعلى هذه القراءة فيكون قوله ان الناس الى ءاخرها من الكلام الدابة وروى ذلك عن ابن عباس ويحتمل ان يكون من كلام الله تعالى وقوله تعالى ويوم نحشر من كل امة فوجا هو تذكير بيوم القيامة والفوج الجماعة الكثيرة ويوزعون معناه يكفون فى السوق اي يحبس اولهم على ءاخرهم قاله قتادة ومنه وازع الجيش ثم اخبر تعالى عن توقيفه الكفرة يوم القيامة وسؤالهم على جهة التوبيخ اكذبتم آلاية ثم قال اما ذا كنتم تعلمون على معنى استيفاء الحجج اي ان كان لكم عمل او حجة فهاتوها ثم اخبر عن وقوع القول عليهم اي نفوذ العذاب وحتم القضاء وانهم لا ينطقون بحجة وهذا فى موطن من مواطن القيامة ولما تكلم المحاسبى على اهوال القيامة قال واذكر الصراط بدقته وهوله وزلته وعظيم خطره وجهنم تخفق بأمواجها من تحته فياله من منظر ما افظعه واهوله فتوهم ذلك بقلب فارغ وعقل جامع فإن أهوال يوم القيامة انما خفت على الذين توهموها فى الدنيا بعقولهم فتحملوا فى الدنيا الهموم خوفا من مقام ربهم فخففها مولاهم يوم القيامة عنهم انتهى من كتاب التوهم ويوم ينفخ فى الصور وهو القرن فى قول جمهور الامة وصاحب الصور هو اسرافيل عليه السلام وهذه النفخة المذكوره هنا هى نفخة الفزع وروى ابو هريرة انها ثلاث نفخات نفخة الفزع وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الاكبر ونفخة الصعق ونفخة القيام من القبور وقالت فرقة انما هما نفختان كأنهم جعلوا الفزع والصعق فى نفخة واحدة مستدلين بقوله تعالى ثم نفخ فيه اخرى الاية قالوا واخرى لا يقال الا فى الثانية قال ع والأول اصح واخرى يقال فى الثالثة ومنه قوله تعالى ومعناه الثالثة الاخرى وقوله تعالى الا من شاء الله استثناء فيمن قضى الله سبحانه من ملائكته وانبيائه وشهداء عبيده ان لا ينالهم فزع النفخ فى الصور حسب ما ورد فى ذلك من الاثار قال ع واذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم فهم حريون ان لا ينالهم هذه وقرأ حمزة وكل آتوه على صيغة الفعل الماضى والداخر المتذلل الخاضع قال ابن عباس وابن زيد الداخر الصاغر وقد تظاهرت الروايات بأن الاستثناء فى هذه الاية انما اريد به الشهداء لانهم احياء عند ربهم يرزقون وهم اهل للفزع لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن فى ذلك اليوم ت واختار الحليمى هذا القول قال وهو مروى عن ابن عباس ان المستثنى هم الشهداء وضعف ما عداه من الاقوال قال القرطبى فى تذكرته وقد ورد فى حديث ابى هريرة بأنهم الشهداء وهو حديث صحيح انتهى وقوله تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة الاية هذا وصف حال الأشياء يوم القيامة عقب النفخ فى الصور والرؤية هى بالعين قال ابن عباس جامدة قائمة والحسنة الايمان وقال ابن عباس وغيره هى لا اله الا الله وروى عن على بن الحسين انه قال كنت فى بعض خلواتى فرفعت صوتى بلا اله الا الله فسمعت قائلا يقول انها الكلمة التى قال الله فيها من جاء بالحسنة فله خير منها وقال ابن زيد يعطى بالحسنة الواحدة عشرا قال ع والسيئة التى فى هذه آلاية هى الكفر والمعاصى فيمن حتم الله عليه من اهل المشيئة بدخول النار وقوله انما امرت المعنى قل يا محمد لقومك انما امرت ان اعبد رب هذه البلدة يعنى مكة وان اتلوا القرءان معناه تابع فى قراءتك اى بين ءاياته واسرد قال ص وان اتلوا معطوف على ان اكون وقرأ عبد الله وان اتل بغير واو وقوله ومن ضل جوابه محذوف يدل عليه ما قبله اي فوبال ضلاله عليه او يكون الجواب فقل ويقدر ضمير عائد من الجواب على الشرط لأنه اسم غير ظرف اي من المنذرين له انتهى وتلاوة القرءان سبب الاهتداء الى كل خير وقوله تعالى سيريكم ءاياته توعد بعذاب الدنيا كبدر ونحوه وبعذاب الاخرة وما ربك بغافل عما تعملون فيه وعيد تفسير سورة القصص وهى مكية الا قوله تعالى ان الذى فرض عليك القرءان لرادك الى معاد فإنها نزلت بالجحفة فى وقت هجرة النبى صلى الله عليه و سلم الى المدينة قاله ابن سلام وغيره وقال مقاتل فيها من المدنى الذين ءاتيناهم الكتاب الى قوله لا نبتغى الجاهلين بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى طسم تلك ءايات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى الاية معنى نتلو نقص وخص تعالى بقوله لقوم يؤمنون من حيث انهم هم المنتفعون بذلك دون غيرهم وعلا فى الارض اي علو طغيان وتغلب وفى الارض يريد ارض مصر والشيع الفرق والطائفة المستضعفة هم بنو اسراءيل يذبح ابناءهم خوف خراب ملكه على ما اخبرته كهنته او لاجل رؤيا رءاها قاله السدى وطمع بجهله ان يرد القدر واين هذا المنزع من قول النبى صلى الله عليه و سلم لعمر ان يكنه فلن تسلط عليه وان لم يكنه فلا خير لك فى قتله يعنى ابن صياد اذ خاف عمر ان يكون هو الدجال وباقى الآية بين وتقدم قصصه والأئمة ولاة الأمور قاله قتادة ونجعلهم الوارثون يريد ارض مصر والشام وقرأ حمزة ويرى فرعون بالياء وفتح الراء والمعنى ويقع فرعون وقومه فيما خافوه وحذروه من جهة بنى اسراءيل وظهورهم وهامان هو وزير فرعون وكبر رجاله وهذا الوحى الى ام موسى قيل وحى الهام وقيل بملك وقيل فى منام وجملة الامر انها علمت ان هذا الذى وقع فى نفسها هو من عند الله قال السدى وغيره امرت ان ترضعه عقب الولادة وتصنع به ما فى . اآلاية لأن الخوف كان عقب كل ولادة واليم معظم الماء والمراد نيل مصر واسم ام موسى يوحانذ وروى فى قصص هذه الاية أن ام موسى لفته فى ثيابه وجعلت له تابوتا صغيرا وسدته عليه بقفل وعلقت مفتاحه عليه واسلمته ثقة بالله وانتظارا لوعده سبحانه فلما غاب عنها عاودها بثها واسفت عليه واقنطها الشيطان فاهتمت به وكادت تفتضح وجعلت الاخت تقصه اي تطلب اثره وتقدم باقى القصة فى طه وغيرها والالتقاط اللقاء عن غير قصد وءال فرعون اهله وجملته واللام فى ليكون لام العاقبة وقال ص ليكون اللام للتعليل المجازى ولمكان مئاله الى ذلك عبر عنه بلام العاقبة وبلام الصيرورة انتهى وقرأ حمزة والكساءى وحزنا بضم الحاء وسكون الزاى والخاطئى متعمد الخطإ والمخطئي الذى لا يتعمده وقوله وهم لا يشعرون اي بانه هو الذى يفسد ملك فرعون على يده قاله قتادة وغيره واصبح فؤاد ام موسى فارغا اي فارغا من كل شىء الا من ذكر موسى قاله ابن عباس وقال مالك هو ذهاب العقل وقالت فرقة فارغا من الصبر وقوله تعالى ان كادت لتبدى به اي امر ابنها وروى ان النبى صلى الله عليه و سلم قال كادت ام موسى ان تقول وابناه وتخرج سائحة على وجهها الربط على القلب تأنيسة وتقويته ولتكون من المؤمنين اي من المصدقين بوعد الله وما اوحى اليها به وعن جنب اي ناحية فمعنى عن جنب بعد لم تدن منه فيشعر لها وقوله وهم لا يشعرون معناه انها اخته ووعد الله المشار اليه هو الذى اوحاه اليها او لا اما بملك او بمنامة حسبما تقدم والقول بالإلهام ضعيف ان يقال فيه وعد وقوله واكثرهم يريد به القبط والأشد شدة البدن واستحكام امره وقوته وا4ستوى معناه تكامل عقله وذلك عند الجمهور مع الأربعين والحكم الحكمة والعلم المعرفة بشرع ابراهيم عليه السلام وقوله تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من اهلها قال السدى كان موسى فى وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون وكان يركب مراكبه حتى انه كان يدعى موسى بن فرعون فركب فرعون يوما وسار الى مدينة من مدائن مصر فركب موسى بعده ولحق بتلك المدينة فى وقت القائلة وهو حين الغفلة قاله ابن عباس وقال ايضا هو بين العشاء والعتمة وقيل غير هذا وقوله تعالى هذا من شيعته اي من بنى اسراءيل وعدوه هم القبط والوكز الضرب باليد مجموعة وقرأ ابن مسعود فلكزه والمعنى واحد الا ان اللكز فى اللحى والوكز على القلب وقضى عليه معناه قتله مجهزا ولم يرد عليه السلام قتل القبطى لكن وافقت وكزته الأجل فندم ورأى ان ذلك من نزع الشيطان فى يده ثم ان ندامه موسى حملته على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه فغفر الله له ذلك ومع ذلك لم يزل عليه السلام يعيد ذلك على نفسه مع علمه انه قد غفر له حتى انه فى القيامة يقول وقتلت نفسا لم اومر بقتلها حسبما صح فى حديث الشفاعة ثم قال موسى عليه السلام معاهدا لربه رب بنعمتك على وبسبب احسانك وغفرانك فأنا ملتزم ان لا اكون معينا للمجرمين هذا احسن ما تأول وقال الطبرى انه قسم اقسم بنعمة الله عنده قال ع واحتج اهل الفضل والعلم بهذه الاية فى منع خدمة اهل الجور ومعونتهم فى شىء من امورهم ورأواانها تتناول ذلك نص عليه عطاء بن ابى رباح وغيره قال ابن عباس ثم ان موسى مر وهو بحالة الترقب واذا ذلك الإسراءيلى الذى قاتل القبطى بالأمس يقاتل آخر من القبط وكان القبطى قد خفى على الناس واكتتم فلما رأى الإسراءيلى موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثا فلما رأى موسى قتاله لآخر اعظم ذلك وقال له معاتبا ومؤنبا انك لغوى مبين وكانت ارادة موسى مع ذلك ان ينصر الاسراءيلى فلما دنا منهما وحبس الإسراءيلى وفزع منه وظن انه ربما ضربه وفزع من قوته التى رأى بالامس فناداه بالفضيحة وشهر امر المقتول ولما اشتهر ان موسى قتل القتيل وكان قول الاسراءيلى يغلب على النفوس تصديقه على موسى مع ما كان لموسى من المقدمات اتى رأى فرعون وملائه على قتل موسى وغلب على نفس فرعون انه المشار اليه بفساد المملكة فأنفذ فيه من يطلبه ويأتى به للقتل والهم الله رجلا يقال انه مؤمن من آل فرعون او غيره فجاء الى موسى وبلغه قبلهم ويسعى معناه يسرع فى مسيه قاله الزجاج وغيره وهو دون الجرى فقال يا موسى ان الملأ يأتمرون بك آلاية ت قال الهروى قوله تعالى يأتمرون بك اي يؤامر بعضهم بعضا فى قتلك وقال الأزهرى الباء فى قوله يأتمرون بك بمعنى فى يقال ائتمر القوم اذا شاور بعضا انتهى وعن ابى مجلز واسمه لاحق بن حميد قال من خاف من امير ظلما فقال رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبينا وبالقرءان حكما واماما نجاه الله منه رواه ابن ابى شيبة فى مصنفه انتهى من السلاح وتلقاء معناه ناحية مدين وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية ايام وكان ملك مدين لغير فرعون ولما خرج عليه السلام فارا بنفسه منفردا حافيا لاشىء معه ولا زاد وغير عارف بالطريق اسند امره الى الله تعالى وقال عسى ربى ان يهدينى سواء السبيل ومشى عليه السلام حتى ورد ماء مدين ووروده الماء معناه بلوغه ومدين لا ينصرف اذ هو بلد معروف والامة الجمع الكثير ويسقون معناه ماشيتهم ومن دونهم معناه ناحية الى الجهة التى جاء منها فوصل الى المرأتين قبل وصوله الى الامة وتذودان معناه تمنعان وتحبسان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأ قوياء وابونا شيخ كبير اي لا يستطيع لضعفه ان يباشر امر غنمه وقوله تعالى فسقى لهما قالت فرقة كانت ءابارهم مغطاه بحجارة كبار فعمد الى بير وكان حجرها لا يرفعه الا جماعة فرفعه وسقى للمرأتين فعن رفع الصخرة وصفته احداهما بالقوة وقيل وصفته بالقوة لأنه زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى لهما وقرأ الجمهور يصدر الرعاء على حذف المفعول تقديره مواشيهم وتولى موسى الى الظل وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله رب انى لما انزلت الى من خير فقير ولم يصرح بسؤال هكذا روى جميع المفسرين انه طلب فى هذا الكلام ما يأكله قال ابن عباس وكان قد بلغ به الجوع الى ان اخضر لونه من اكل البقل وريئت خضرة البقل فى بطنه وانه لأكرم الخلق يومئذ على الله وفى هذا معتبر وحاكم بهوان الدنيا على الله تعالى وعن معاذ بن انس قال قال النبى صلى الله عليه و سلم من اكل طعاما فقال الحمد لله الذى اطعمنى هذا الطعام وزرقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذى كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه ابو داود واللفظ له والترمذى وابن ماجه والحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط البخارى وقال الترمذى حسن غريب انتهى من السلاح وقوله تعالى فجاءته احداهما تمشى على استحياء الآية فى هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر قدره ابن اسحاق فذهبتا الى ابيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل فأمر احدى ابنتيه ان تدعوه له فجاءته على ما فى الاية وقوله على استحياء اي خفرة قد سترت وجهها بكم درعها قاله عمر بن الخطاب رضى الله عنه وروى الترمذى عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الحياء من الايمان والايمان فى الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء فى النار قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى والجمهور ان الداعى لموسى عليه السلام هو شعيب عليه السلام وان المرأتين ابنتاه فقالت ان ابى يدعوك الاية فقام يتبعها فهبت ريح ضمت قميصها الى بدنها فتحرج موسى من النظر اليها فقال لها امشى خلفى وارشدينى الى الطريق ففهمت عنه فذلك سبب وصفها له بالأمانة قاله ابن عباس فلما جاءه وقص عليه القصص فانسه بقوله لا تخف نجوت من القوم الظالمين فلما فرغ كلامهما قالت احدى الإبنتين يا ابت استأجره ان خير من استاجرت القوي الأمين فقال لها ابوها ومن اين عرفت هذا منه قالت اما قوته ففى رفع الصخرة واما امانته ففى تحرجه عن النظر الى قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم فقال له الاب عند ذلك انى اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين الاية قال ابن العربى فى احكامه قوله انى اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين يدل على انه عرض لاعقد لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها لأن العلماء وان اختلفوا فى جواز البيع اذا قال له بعتك احد عبدي هذين بثمن كذا فانهم اتفقوا على ان ذلك لا يجوز فى النكاح لأنه خيار وشىء من الخيار لا يلحق بالنكاح وروى انه قال شعيب ايتهما تريد قال الصغرى انتهى وتاجر معناه تثيب وجعل شعيب الثمانية الأعوام شرطا ووكل العامين الى المروءة ولما فرغ كلام شعيب قرره موسى وكرر معناه على جهة التوثق فى ان الشرط انما وقع فى ثمان حجج وايما استفهام نصب بقضيت وما وصلة للتأكيد ولا عدوان معناه لاتباعه علي والوكيل الشاهد القائم بالامر وقوله تعالى فلما قضى موسى الأجل قال ابن عباس قضى اكملهما عشر سنين وأسنده إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقوله إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر اوجذوة من النار لعلكم تصطلون فلما اتاها نودي الاية تقدم قصصها فانظره فى محاله قال البخارى والجذوة قطعة غليظة من الخشب فيها لهب انتهى قال العراقى وءانس معناه ابصر انتهى وقوله من الشجرة يقتضى ان موسى عليه السلام ما سمع من جهة الشجرة وسمع وادرك غير مكيف ولا محدد قال السهيلى قيل ان هذه الشجرة عوسجة وقيل عليقة والعوسج اذا عظم قيل له الغرقد انتهى ولم يعقب معناه لم يرجع على عقبه من توليته وقوله تعالى واضمم اليك جناحك من الرهب ذهب مجاهد وابن زيد الى ان ذلك حقيقة امره بضم عضده وذراعه وهو الجناح الى جنبه ليخف بذلك فزعه ورهبه ومن شأن الانسان اذا فعل ذلك فى اوقات فزعه ان يقوي قلبه وذهبت فرقة الى ان ذلك على المجاز وانه امر بالعزم على ما امر به كما تقول العرب اشدد حيازيمك واربط جأشك اي شمر فى امرك ودع عنك الرهب وقوله تعالى فذانك برهانان من ربك قال مجاهد والسدى هى اشارة الى العصا واليد وقرأ الجمهور ردأ بالهمز وقرأ نافع وحده ردا بتنوين الدال دون همز وذلك على التخفيف من ردء والردء الوزير المعين وشد العضد استعارة فى المعونة والسلطان الحجة وقوله بأياتنا متعلق بقوله الغالبون اي تغلبون بأياتنا وهى المعجزات ثم ان فرعون استمر فى الطريق مخرقته على قومه وامر هامان بان يطبخ له الاجر وان يبنى له صرحا اي سطحا فى اعلى الهواء موهما لجهلة قومه ان يطلع بزعمه فى السماء ثم قال وانى لأظنه من الكاذبين يعنى موسى فى انه ارسله مرسل ونبذناهم معناه طرحناهم واليم بحر القلزم فى قول اكثر الناس وهو الاشهر وقوله تعالى وجعلناهم ائمة يدعون الى النار الاية عبارة عن حالهم وافعالهم وخاتمتهم اي هم بذلك كالداعين الى النار وهم فيه ائمة من حيث اشتهروا وبقى حديثهم فهم قدوة لكل كافر وعات الى يوم القيامة والمقبوحين الذين يقبح كل امرهم قولا لهم وفعلا بهم قال ابن عباس هم الذين قبحوا بسواد الوجوه وزرقة العيون ويوم ظرف مقدم ولقد آتينا موسى الكتاب يعنى التوراة والقصد بهذا الاخبار التمثيل لقريش بما تقدم فى غيرها من الأمم وبصائر نصب على الحال اي طرائق هادية وقوله تعالى وما كنت بجانب الغربى آلاية اي ما كنت يا محمد حاضرا لهذه الغيوب التى تخبرهم بها ولكنها صارت اليك بوحينا اي فكان الواجب ان يسارعوا الى الايمان بك قال السهيلي وجانب الغربى هو جانب الطور الايمن فحين ذكر سبحانه نداءه لموسى قال وناديناه من جانب الطور الأيمن وحين نفى عن محمد عليه السلام ان يكون بذلك الجانب قال وما كنت بجانب الغربى والغربى هو الأيمن وبين اللفظين فى ذكر المقامين ما لا يخفى فى حسن العبارة وبديع الفصاحة والبلاغة فإن محمد عليه السلام لا يقال له وما كنت بالجانب الأيمن فإنه لم يزل بالجانب الأيمن مذ كان فى ظهر ءادم عليه السلام انتهى وقوله سبحانه فتطاول عليهم العمر الثعلبى اي فنسوا عهد الله انتهى وقضينا معناها انفذنا والأمر يعنى التوراة وقالت فرقة يعنى به ما اعلمه من امر محمد عليه السلام قال ع وهذا تأويل حسن يلتئم معه ما بعده من قوله ولكنا انشأنا قرونا ت قال ابو بكر بن العربى قوله تعالى اذ قضينا الى موسى الامر معناه اعلمناه وهو احد ما يرد تحت لفظ القضاء مرادا انتهى من كتاب تفسير الأفعال الواقعة فى القرءان والثاوى المقيم وقوله تعالى وما كنت بجانب الطور يريد وقت انزال التوراة الى موسى وقوله اذ نادينا روى عن ابى هريرة انه نودى يومئذ من السماء يا امة محمد استجبت لكم قبل ان تدعونى وغفرت لكم قبل ان تسئلونى فحينئذ قال موسى عليه السلام اللهم اجعلنى من امة محمد فالمعنى اذ نادينا بأمرك واخبرنا بنبوتك وقال الطبرى معنى قوله اذ نادينا بأن سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة الاية وقوله سبحانه ولولا ان تصيبهم مصيبة الاية المصيبة عذاب فى الدنيا على كفرهم وجواب لولا محذوف يقتضيه الكلام تقديره لعاجلناهم بما يستحقونه وقال الزجاج تقديره لما ارسلنا الرسل وقوله سبحانه فلما جاءهم الحق يريد القرءان ومحمد عليه السلام والمقالة التى قالتها قريش لولا اوتى مثل ما اوتى موسى كانت من تعليم اليهود لهم قالوا لهم لم لايأتى بأية باهرة كالعصا واليد وغير ذلك فعكس الله عليهم قولهم ووقفهم على انهم قد وقع منهم فى تلك آلايات ما وقع من هؤلاء فى هذه فالضمير فى قوله يكفروا لليهود وقرأ الجمهور ساحران والمراد موسى وهارون قال ع ويحتمل ان يريد بما اوتى موسى من امر محمد والإخبار به الذى هو فى التوراة وقوله وقالوا انا بكل كافرون يؤيد هذا التأويل وقرأ حمزة والكساءى وعاصم سحران والمراد بهما التوراة والقرءان قاله ابن عباس وتظاهرا معناه تعاونا وقوله أهدى منهما قال الثعلبى يعنى اهدى من كتاب محمد وكتاب موسى انتهى ت ويحتمل ان الضمير فى يكفروا لقريش كما اشار اليه الثعلبى وكذا فى قالوا لقريش عنده وساحران يريدون موسى ومحمدا عليهما السلام وهو ظاهر قولهم انا بكل كافرون لأن اليهود لا يقولون ذلك فى موسى فى عصر نبينا محمد عليه السلام ويبين هذا كله قوله تعالى فان لم يستجيبوا لك الاية فإن ظاهر آلاية ان المراد قريش وعلى هذا كله مر الثعلبى انتهى وقوله تعالى ولقد وصلنا لهم القول الاية الذين وصل لهم القول هم قريش قاله مجاهد وغيره قال الجمهور والمعنى واصلنا لهم فى القرءان وتابعناه موصولا بعضه ببعض فى المواعظ والزواجر والدعاء الى الاسلام وذهبت فرقة الى ان الإشارة بتوصيل القول انما هى الى الالفاظ فالمعنى ولقد وصلنا لهم قولا معجزا دالا على نبوتك قال ع والمعنى الأول تقديره ولقد وصلنا لهم قولا يتضمن معاني من تدبرها اهتدى ثم ذكر تعالى القوم الذين ءامنوا بمحمد من اهل الكتاب مباهيا بهم قريشا واختلف فى تعيينهم فقال الزهرى الاشارة 2الى النجاشى وقيل الى سلمان وابن سلام واسند الطبرى الى رفاعة القرظى قال نزلت هذه الاية فى اليهود فى عشرة انا احدهم اسلمنا فأوذينا فنزلت فينا هذه آلاية والضمير فى قبله يعود على القرءان واجرهم مرتين معناه على ملتين وهذا المعنى هو الذى قال فيه صلى الله عليه و سلم ثلاثة يؤتون اجرهم مرتين رجل من اهل الكتاب ءامن بنبيه وءامن بى الحديث ويدرءون معناه يدفعون وهذا وصف لمكارم الأخلاق اي يتغابون ومن قال لهم سوءا لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه واللغو سقط القول والقول يسقط لوجوه يعز حصرها والمراد منه فى آلاية ما كان سبا واذى ونحوه فأدب الاسلام الإعراض عنه وسلام فى هذا الموضع قصد به المتاركة لا التحية قال الزجاج وهذا قبل الأمر بالقتال ولا نبتغى الجاهلين معناه لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة ت قال ابن المبارك فى رقائقه اخبرنا حبيب بن حجر القيسى قال كان يقال ما احسن الايمان يزينه العلم وما احسن العلم يزينه العمل وما احسن العلم يزينه العمل وما احسن العمل يزينه الرفق وما اضفت شيأ الى شىء مثل حلم الى علم انتهى واجمع جل المفسرين على ان قوله تعالى انك لا تهدى من احببت انما نزلت فى شان ابى طالب فروى ابو هريرة وغيره ان النبى صلى الله عليه و سلم دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له اي عم قل لا اله الا الله كلمة اشهد لك بها عند الله الحديث قد ذكرناه فى سورة براءة فمات ابو طالب على كفره فنزلت هذه الاية فيه قال ابو روق قوله تعالى ولكن الله يهدى من يشاء اشارة الى العباس والضمير فى قوله وقالوا لقريش قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وحكى الثعلبى انه قال له انا لنعلم ان الذى تقول حق ولكن ان اتبعناك تخطفتنا العرب وتجى ! معناه تجمع وتجلب وقوله كل شىء يريد مما به صلاح حالهم ثم توعد قريشا بقوله وكم اهلكنا من قرية وبطرت معناه سفهت واشرت وطغت قاله ابن زيد وغيره ت قال الهروى قوله تعالى بطرت معيشتها اي فى معيشتها والبطر الطغيان عند النعمة انتهى ثم احالهم على الاعتبار فى خراب ديار الامم المهلكة كحجر ثمود وغيره ثم خاطب تعالى قريشا محقرا لما كانوا يفتخرون به من مال وبنين وان ذلك متاع الدنيا الفانى وان الاخرة وما فيها من النعيم الذى اعده الله للمؤمنين خير وابقى ت وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضه ما سقى كافرا منها شربة رواه الترمذى من طريق سهل بن سعد قال وفى الباب عن ابى هريرة قال ابو عيسى هذا حديث صحيح انتهى وباقى آلاية بين لمن ابصر واهتدى جعلنا الله منهم بمنه وقوله سبحانه افمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه الاية معناها يعم جميع العالم ومن المحضرين معناه فى عذاب الله قاله مجاهد وقتادة ولفظه محضر مشيرة الى سوق بجبر وقوله تعالى ويوم يناديهم الضمير المتصل بينادى لعدة الاوثان والاشارة الى قريش وكفار العرب وقوله قال الذين حق عليهم القول هؤلاء المجيبون هم كل مغوداع الى الكفر من الشياطين والأنس طمعوا فى التبرى من متبعيهم فقالوا ربنا هؤلاء انما اضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم واحبوا الكفر كما احببناه تبرأنا اليك ما كانوا ايانا يعبدون ثم اخبر تعالى انه يقال للكفرة العابدين للأصنام ادعوا شركاءكم كم يعنى الاصنام فدعوهم فلم يكن فى الجمادات ما يجيب ورأى الكفار العذاب وقوله تعالى لو انهم كانوا يهتدون ذهب الزجاج وغيره الى ان جواب لو محذوف تقديره لما نالهم العذاب وقالت فرقة لو متعلقة بما قبلها تقديرة فودوا حين رأوا العذاب لو انهم كانوا يهتدون وقوله سبحانه ويوم يناديهم فيقول ماذا اجبتم المرسلين هذا النداء ايضا للكفار وعميت عليهم الانباء معناه اظلمت عليم جهاتها وقوله فهم لا يتساءلون معناه فى قول مجاهد لا يتساءلون بالأرحام ويحتمل ان يريد انهم لا يتساءلون عن الأنباء ليقين جميعهم انه لاحجة لهم قوله سبحانه فعسى ان يكون من المفلحين قال كثير من العلماء عسى من الله واجبه قال ع وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه كرمه وفضله سبحانه واللازم من عسى انها ترجيه لاواجبة وفى كتاب الله تعالى عسى ربه ان طلقكن ت ومعنى الوجوب هنا الوقوع وقوله سبحانه وربك يخلق ما يشاء ويختار الاية قيل سببها قول قريش لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم ونحو ذلك من قولهم فرد الله عليهم بهذه الاية وجماعة المفسرين ان ما نافية اي ليس لهم الخيرة وذهب الطبرى الى ان ما مفعولة بيختار اي ويختار الذى لهم فيه الخيرة وعن سعد بن ابى وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سعادة ابن ءادم استخارته الله ومن شقاوته تركه رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد انتهى من السلاح وباقى الاية بين والسرمد من الاشياء الدائم الذى لا ينقطع ت وقوله سبحانه ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله الاية معناها بين وينبغى للعاقل ان لا يجعل ليله كله نوما فيكون ضائع العمر جيفة بالليل بطالا بالنهار كما قيل ... نهارك بطال وليلك نائم ... كذلك فى الدنيا تعيش البهائم فإن اردت ايها الأخ ان تكون من الأبرار فعليك بالقيام فى الأسحار وقد نقل صاحب الكوكب الدرى عن البزار ان النبى صلى الله عليه و سلم قال اتدرون ما قالت ام سليمان لسليمان عليه السلام يا بنى لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل يدع الرجل فقيرا يوم القيامة انتهى وابتغاء الفضل هو بالمشي والتصرف وقوله تعالى ونزعنا من كل امة شهيدا اي عدول الامم واخيارها فيشهدون على الامم بخيرها وشرها فيحق العذاب على من شهد عليه بالكفر وقيل له على جهة الأعذار فى المحاورة هاتوا برهانكم ومن هذه الاية انتزع قول القاضى عند ارادة الحكم ابقيت لك حجة وقوله تعالى ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم الاية كان قارون من قرابة موسى ممن آمن بموسى وحفظ التوراة وكان عند موسى من عباد المؤمنين ثم ان الله اضله وبغى على قومه بأنواع البغى من ذلك كفره بموسى وقال الثعلبى قال ابن المسيب كان قارون عاملا لفرعون على بنى اسراءيل ممن يبغى عليهم ويظلمهم قال قتادة بغى عليهم بكثرة ماله وولده انتهى ت وما ذكره ابن المسيب هو الذى يصح فى النظر لمتأمل الاية ولولا الاطالة لبينت وجه ذلك والمفاتح ظاهرها انها التى يفتح بها ويحتمل ان يريد بها الخزائن والأوعية الكبار قاله الضحاك لأن المفتح فى كلام العرب الخزانة واما قوله لتنوء فمعناه تنهض بتحامل واشتداد قال كثير من المفسرين ان المراد ان العصبة تنوء بالمفاتح المثقلة لها فقلب ت وقال عريب الاندلسى فى كتاب الأنواء له نوء كذا معناه ميله ومنه لتنوء بالعصبة انتهى وهو حسن ان ساعده النقل وقال الداودى عن ابن عباس لتنوء بالعصبة اولى القوة يقول تثقل وكذا قال الواحدي انتهى واختلف فى العصبة كم هم فقال ابن عباس ثلاثة وقال قتادة هم من العشرة الى الأربعين قال البخارى يقال الفرحين المرحين قال الغزالى فى الأحياء الفرح بالدنيا والتنعم بها سم قاتل يسري فى العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت واهوال القييامة وهذا هو موت القلب والعياذ بالله فاولوا الحزم من ارباب القلوب جربوا قلوبهم فى حال الفرح بمواتاه الدنيا وعلموا ان النجاة فى الحزن الدائم والتباعد من اسباب الفرح والبطر فقطعوا النفس عن ملاذها وعودوها الصبر عن شهواتها حلالها وحرامها واعلموا ان حلالها حساب وهو نوع عذاب ومن نوقش الحساب عذب فخلصوا انفسهم من عذابها وتوصلوا الى الحرية والملك فى الدنيا والآخرة بالخلاص من اسر الشهوات ورقها والأنس بذكر الله تعالى والاشتغال بطاعته انتهى قال ابن الحاج فى المدخل قال يمن بن رزق رحمه الله تعالى وانا اوصيك بأن تطيل النظر فى مرءاة الفكرة مع كثرة الخلوات حتى يريك شين المعصية وقبحها فيدعوك ذلك النظر الى تركها ثم قال يمن بن رزق ولا تفرحن بكثرة العمل مع قلة الحزن واغتنم قليل العمل مع الحزن فان قليل حزن الاخرة الدائم فى القلب ينفى كل سرور الفته من سرور الدنيا وقليل سرور الدنيا فى القلب ينفى عنك جميع حزن الاخرة والحزن لا يصل الى القلب الا مع تيقظه وتيقظه حياته وسرور الدنيا لغير الاخرة لا يصل الى القلب الا مع غفلة القلب موته وعلامة ثبات اليقين فى القلب استدامة الحزن فيه وقال رحمه الله اعلم انى لم اجد شيأ ابلغ فى الزهد فى الدنيا من ثبات حزن آلآخرة فى القلب وعلامة ثبات حزن الاخرة فى القلب انس العبد بالوحدة انتهى وقولهم له ولا تنس نصيبك من الدنيا قال ابن عباس والجمهور معناه لا تضيع عمرك فى ان لا تعمل عملا صالحا فى دنياك اذ الاخرة انما يعمل لها فى الدنيا فنصيب الانسان عمره وعمله الصالح فيها فينبغى ان لا يهمله وحكى الثعلبى انه قيل ارادوا بنصيبه الكفن قال ع وهذا كله وعظ متصل ونحو هذا قول الشاعر ... نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال ابن العربى فى احكامه وفى معنى النصيب ثلاثة اقوال الاول لا تنس حظك من الدنيا اي لا تغفل ان تعمل فى الدنيا للآخرة الثانى امسك ما يبلغك فذلك حظ الدنيا وانفق الفضل فذلك حظ الآخرة الثالث لا تغفل عن شكر ما انعم الله به عليك انتهى وقولهم واحسن كما احسن الله اليك امر بصلة المساكين وذوي الحاجات ص كما احسن الكاف للتشبيه او للتعليل انتهى وقول قارون انما اوتيته على علم عندى قال الجمهور ادعى ان عنده علما استوجب به ان يكون صاحب ذلك المال ثم اختلفوا فى ذلك العلم فقال ابن المسيب اراد علم الكيمياء وقال ابو سليمان الدارانى اراد العلم بالتجارة ووجوه تثمير المال وقيل غير هذا وقوله تعالى ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون قال محمد بن كعب هو كلام متصل بمعنى ما قبله والضمير فى ذنوبهم عائد على من اهلك من القرون اي اهلكوا ولم يسئل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم اي كل احد انما يكلم ويعاتب بحسب ما يخصه وقالت فرقة هو اخبار مستأنف عن حال يوم القيامة وجاءت ءايات اخر تقتضى السؤال فقال الناس فى هذا انها مواطن وطرائف وقيل غير هذا ويوم القيامة هو مواطن ثم اخبر تعالى عن خروج قارون على قومه فى زينته من الملابس والمراكب وزينة الدنيا واكثر الناس فى تحديد زينة قارون وتعيينها بما لا صحة له فتركته وباقى آلاية بين فى اغترار الجهلة والإغمار من الناس وقوله سبحانه وقال الذين اوتو العلم ويلكم الاية اخبر تعالى عن الذين اوتو العلم والمعرفة بالله وبحق طاعته انهم زجروا الإغمار الذين تمنوا حال قارون وحملوهم على الطريقة المثلى من ان النظر والتمنى انما ينبغى ان يكون فى امور آلاخرة وان حالة المؤمن العامل الذى ينتظر ثواب الله تعالى خير من حال كل ذى دنيا ثم اخبر تعالى عن هذه النزعة وهذه القوة فى الخير والدين انها لا يلقاها اي لا يمكن فيها ويخولها الا الطابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه وهذا هو جماع الخير كله وقال الطبرى الضمير عائد على الكلمة وهى قوله ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا اي لا يلقن هذه الكلمة الا الصابرون وعنهم تصدر وروى فى الخسف بقارون وداره ان موسى عليه السلام لما امضه فعل قارون به وتعديه عليه استجار بالله تعالى وطلب النصرة فأوحى الله اليه انى قد امرت الارض ان تطيعك فى قارون واتباعه فقال موسى يا ارض خذيهم فأخذتهم الى الركب فاستغاثوا يا موسى يا موسى فقال خذيهم فاخذتهم شيأ فشيأ الى ان تم الخسف بهم فأوحى الله اليه يا موسى لو بى استغاثوا والى تابوا لرحمتهم قال قتادة وغيره روى انه يخسف به كل يوم قامة فهو يتجلجل الى يوم القيامة ت وفى الترمذى عن معاذ بن انس الجهنى ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من اي حلل الإيمان شاء يلبسها وروى الترمذى عن عائشة قالت كان لنا قرام ستر فيه تماثيل على بابى فرءاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال انزعيه فانه يذكرني الدنيا الحديث وروى الترمذى عن كعب ابن عياض قال سمعت النبى صلى الله عليه و سلم يقول ان لكل امة فتنة وفتنة امتى المال قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح وفيه عن عثمان بن عفان ان النبى صلى الله عليه و سلم قال ليس لابن ءادم حق فى سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارى عورته وجلف الخبز والماء قال النضر بن شميل جلف الخبز يعنى ليس معه ادام انتهى فهذه الأحاديث واشباهها تزهد فى زينة الدنيا وغضارة عيشها الفانى وقوله ويكأن مذهب الخليل وسيبويه ان وى حرف تنبيه منفصلة من كأن لكن اضيفت لكثرة الاستعمال وقال ابو حاتم وجماعة ويك هى ويلك حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال وقالت فرقة ويكأن بجملتها كلمة وقوله تعالى تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الارض ولا فسادا الاية هذا اخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه عليه السلام يراد به جميع العالم ويتضمن الحض على السعى حسب ما دلت عليه آلاية ويتضمن الانحناء على حال قارون ونظرائه والمعنى ان الاخرة ليست فى شىء من امر قارون واشباهه وانما هى لمن صفته كذا وكذا والعلو المذموم هو بالظلم والتجبر قال النبى صلى الله عليه و سلم وذلك ان تريد ان يكون شراك نعلك افضل من شراك نعل اخيك والفساد يعم وجوه الشر وقوله تعالى ان الذى فرض عليك القرءان قالت فرقة معناه فرض عليك احكام القرءان وقوله تعالى لرادك الى معاد الجمهور معناه لرادك الى الاخرة اي باعثك بعد الموت وقال ابن عباس وغيره المعاد الجنة وقال ابن عباس ايضا ومجاهد المعاد مكة وفى البخارى بسنده عن ابن عباس لرادك الى معاد الى مكة انتهى وهذه آلاية نزلت بالجحفة كما تقدم والمعاد الموضع الذى يعاد اليه وقوله تعالى وما كنت ترجوا ان يلقى اليك الكتاب الا رحمة من ربك هو تعديد نعم والظهير المعين ولا يصدنك عن ءايات الله بأقوالهم ولا تلتفت نحوهم وامض لشأنك وادع الى ربك وءايات الموادعة كلها منسوخة وقوله تعالى كل شىء هالك الا وجهه قالت فرقة المعنى كل شىء هالك الا هو سبحانه قاله الطبرى وجماعة منهم ابو المعالى رحمه الله وقال الزجاج الا اياه تفسير سورة العنكبوت وهى مكية الا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت فى شأن من كان من المسلمين بمكة هذا اصح ما قيل هنا بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى ألم تقدم الكلام على هذه الحروف وقوله تعالى احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون نزلت هذهاآلاية فى قوم من المؤمنين بمكة وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الاسلام فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر بعضهم ان يمكن الله الكفرة من المومنين قال مجاهد وغيره فنزلت هذه الاية مسلية ومعلمة ان هذه هى سيرة الله فى عباده اختبارا للمؤمنين ليعلم الصادق من الكاذب وحسب بمعنى ظن والذين من قبلهم يريد بهم المؤمنين مع الانبياء فى سالف الدهر وقوله تعالى ام حسب الذين يعملون السيئات ام معادلة للهمزة فى قوله احسب وكأنه تعالى قرر الفريقين قرر المؤمنين على ظنهم انهم لا يفتنون وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات فى تعذيب المومنين وغير ذلك على ظنهم انهم يسبقون عقاب الله ويعجزونه ثم الاية بعد تعم كل عاص وعامل سيئة من المسلمين وغيرهم وفى آلاية وعيد شديد للكفرة الفاتنين وفى قوله تعالى من كان يرجوا لقاء الله تثبيت للمؤمنين وباقى الاية بين والله الموفق وقال ص قول ع ام معادلة للألف فى قوله احسب يقتضى انها هنا متصلة وليس كذلك بل ام هنا منقطعة مقدره ببل للاضراب بمعنى الانتقال لا بمعنى الإبطال وهمزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ فلا تقتضى جوابا انتهى وقوله تعالى والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم اخبار عن المؤمنين المهاجرين الذين هم فى اعلى رتبة من البدار الى الله تعالى نوه بهم عز و جل وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار ولنجزينهم احسن اي ثواب احسن الذى كانوا يعملون وقوله تعالى ووصينا الانسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما روى عن قتادة وغيره انها نزلت فى شأن سعد بن ابى وقاص وذلك انه هاجر فحلفت امه ان لا تستظل بظل حتى يرجع اليها ويكفر بمحمد فلج هو فى هجرته ونزلت الآية وقيل بل نزلت فى عياش بن ابى ربيعة وكانت قصته كهذه ثم خدعه ابو جهل ورده الى امه الحديث فى كتب السيرة وباقى الاية بين ثم كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين ليحرك النفوس الى نيل مراتبهم قال الثعلبى قوله تعالى لندخلنهم فى الصالحين اي فى زمرتهم وقال محمد بن جرير فى مدخل الصالحين وهو الجنة وقيل فى بمعنى مع والصالحون هو الأنبياء والأولياء انتهى وقوله تعالى ومن الناس من يقول ءامنا بالله الى قوله المنافقين نزلت فى المتخلفين عن الهجرة المتقدم ذكرهم قاله ابن عباس ثم قررهم تعالى على علمه بما فى صدورهم اي لو كان يقينهم تاما واسلامهم خالصا لما توقفوا ساعة ولركبوا كل هول الى هجرتهم ودار نبيهم وقوله تعالى وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن المنافقين هنا انتهى المدنى من هذه السورة وقوله تعالى وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا الاية روى ان قائل هذه المقالة هو الوليد بن المغيرة وقيل بل كانت شائعة من كفار قريش لاتباع النبى صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى وليحملن اثقالهم الاية لانه يلحق كل داع الى ضلاله كفل منها حسبما صرح به الحديث المشهور وقوله تعالى ولقد ارسلنا نوحا الى قومه فلبث فيهم الاية العطف بالفاء يقتضى ظاهرة انه لبث هذه المدة رسولا يدعو الى عبادة الله تعالى والطوفان العظيم الطامى ويقال ذلك لكل طام خرج عن العادة من ماء او نار او موت وقوله وهم ظالمون يريد بالشرك ثم ذكر تعالى قصة ابراهيم وقومه وذلك ايضا تمثيل لقريش وتخلقون افكا قال ابن عباس هو نحت الاصنام وقال مجاهد هو اختلاق الكذب فى امر الأوثان وغير ذلك وقوله تعالى او لم يروا كيف يبدئى الله الخلق ثم يعيده آلاية هذه الحالة هى على ما يظهر مع الاحيان من احياء الارض والنبات واعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور ثم امر تعالى نبيه محمد عليه السلام ويحتمل ان يكون ابراهيم بان يأمرهم على جهة الاحتجاج بالسير فى الارض والنظر فى اقطارها والنشأة الاخرة نشأة القيام من القبور وقوله تعالى وما انتم بمعجزين فى الارض ولا فى السماء آلاية قال ابن زيد لا يعجزه اهل الارض فى الارض ولا اهل السماء فى السماء ان عصوه وقيل معناه ولا فى السماء لو كنتم فيها وقيل المعنى ليس للبشر حيلة الى صعود او نزول يفلتون بها قال قتادة ذم الله قوما هانوا عليه فقال 6 اولئك يئسوا من رحمتى الاية قال ع وما تقدم من قوله اولم يروا كيف الى هذه الاية المستأنفة يحتمل ان يكون خطابا لمحمد صلى الله عليه و سلم ويكون اعتراضا فى قصة ابراهيم عليه السلام ويحتمل ان يكون خطابا لابراهيم ومحاورة لقومه وعند ءاخر ذلك ذكر جواب قومه وقوله تعالى فأنجاه الله من النار اي بان جعلها بردا وسلاما قال كعب الاحبار ولم تحرق النار الا الحبل الذى اوثقوه به وجعل سبحانه ذلك ءاية وعبره ودليلا على توحيده لمن شرح صدره ويسره للايمان ثم ذكر تعالى ان ابراهيم عليه السلام قررهم على ان اتخاذهم الاوثان انما كان اتباعا من بعضهم لبعض وحظا لمودتهم الدنيوية وانهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضا ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى والاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين وقوله تعالى فئامن له لوط معناه صدق وآمن يتعدى باللام والباء والقائل انى مهاجر هو ابراهيم عليه السلام قاله قتادة والنخعى وقالت فرقة هو لوط عليه السلام وقوله تعالى ووهبنا له اسحاق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبوءة والكتاب وءاتيناه اجره فى الدنيا الاية الأجر الذى ءاتاه الله فى الدنيا العافية من النار ومن الملك الجائر والعمل الصالح او الثنا الحسن قاله مجاهد ويدخل فى عموم اللفظ غير ما ذكر وانه فى الاخرة لمن الصالحين اي فى عداد الصالحين الذين نالوا رضا الله عز و جل وقول لوط ائنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل قالت فرقة كان قطع الطريق بالسلب فاشيا فيهم وقيل غير هذا والنادى المجلس الذى يجتمع الناس فيه واختلف فى هذا المنكر الذى يأتونه فى ناديهم فقالت فرقة كانوا يخذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم وروته ام هانىء عن النبى صلى الله عليه و سلم وكانت خلقهم مهملة لا يربطهم دين ولا مروءة وقال مجاهد كانوا يأتون الرجال فى مجالسهم وبعضهم يرى بعضا وقال ابن عباس كانوا يتضارطون ويتصافعون فى مجالسهم وقيل غير هذا وقد تقدم قصص الاية مكررا والرجز العذاب وقوله تعالى ولقد تركنا منها اي من خبرها وما بقى من آثارها وآلاية موضع العبرة وعلامة القدرة ومزدجر النفوس عن الوقوع فى سخط الله تعالى وقوله تعالى والى مدين اخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الاخر الاية الرجاء فى آلاية على بابه وذهب ابو عبيدة الى ان المعنى وخافوا وتعثوا معناه تفسدوا والسبيل هى طريق الايمان ومنهج النجاة من النار وما كانوا سابقين اي مفلتين اخذنا وعقابنا وقيل معناه وما كانوا سابقين الأمم الى الكفر وباقى الاية بين وقوله تعالى ان الله يعلم ما تدعون من دونه من شيىء قيل معناه ان الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الاشياء وقيل ما نافية وفيه نظر وقيل ما استفهامية قال جابر قال النبى صلى الله عليه و سلم فى قوله تعالى وما يعقلها الا العالمون العالم من عقل عن الله تعالى فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته وخلق الله السموات والارض بالحق اي لا للعبث واللعب بل ليدل على سلطانه وتثبيت شرائعه ويضع الدلالة لاهلها ويعم بالمنافع الى غير ذلك مما لا يحصى عدا ثم امر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرءان الذى اوحى اليه واقامة الصلاة اي ادامتها والقيام بحدودها ثم اخبر سبحانه حكما منه ان الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر قال ع وذلك عندى بان المصلى اذا كان على الواجب من الخشوع والاخبات وتذكر الله وتوهم الوقوف بين يديه وان قلبه واخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك فى اقواله وافعاله وانتهى عن الفحشاء والمنكر ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة اخرى يرجع بها الى افضل حاله فهذا معنى هذا الاخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغى ان تكون وقد روى عن بعض السلف انه كان اذا اقام الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم فى ذلك فقال انى اقف بين يدى الله تعالى قال ع فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر واما من كانت صلاته دائرة حول الأجزاء بلا تذكر ولا خشوع ولا فضائل فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان وقوله تعالى ولذكر الله اكبر قال ابن عباس وابو الدرداء وسلمان وابن مسعود وابو قرة معناه ولذكر الله اياكم اكبر من ذكركم اياه وقيل معناه ولذكر الله اكبر مع المداومة من الصلاة فى النهى عن الفحشاء والمنكر وقال ابن زيد وغيره معناه ولذكر الله اكبر من كل شيىء وقيل لسليمان اي الاعمال افضل فقال اما تقرأ ولذكر الله اكبر والاحاديث فى فضل الذكر كثيرة لا تنحصر وقال ابن العربى فى إحكامه قوله ولذكر الله اكبر فيه اربعة اقوال الاول ذكر الله لكم افضل من ذكركم له اضاف المصدر الى الفاعل الثانى ذكره الله افضل من كل شيىء الثالث ذكر الله فى الصلاة افضل من ذكره فى غيرها يعنى لأنهما عبادتان الرابع ذكر الله فى الصلاة اكبر من الصلاة وهذه الثلاثة الأخيرة من اضافة المصدر الى المفعول وهذه كلها صحيحة وان للصلاة بركة عظيمة انتهى قال ع وعندى ان المعنى ولذكر الله اكبر على الاطلاق اي هو الذى ينهى عن الفحشاء والمنكر فالجزء الذى منه فى الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل فى غير الصلاة لان الانتهاء لا يكون الا من ذاكر لله تعالى مراقب له وثواب ذلك الذكر ان يذكره الله تعالى كما فى الحديث الصحيح ومن ذكرني فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم والحركات التى فى الصلاة لا تأثير لها فى نهى والذكر النافع هو مع العلم واقبال القلب وتفرغه الا من الله واما ما لا يتجاوز اللسان ففى رتبة اخرى وذكر الله تعالى للعبد هو افاضة الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة ذكر العبد ربه قال الله عز و جل فاذكرونى اذكركم وعبارة الشيخ ابن ابى جمرة ولذكر الله اكبر معناه ذكره لك فى الأزل ان جعلك من الذاكرين له اكبر من ذكرك انت آلآن له انتهى قال القشيرى فى رسالته الذكر ركن قوى فى طريق الحق سبحانه وهو العمدة فى هذا الطريق ولا يصل احد الى الله سبحانه الا بدوام الذكر ثم الذكر على ضربين ذكر باللسان وذكر بالقلب فذكر اللسان به يصل العبد الى استدامة ذكر القلب والتأثير لذكر القلب فاذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل فى وصفه سمعت ابا على الدقاق يقول الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فقد وفق للمنشور ومن سلب الذكر فقد عزل والذكر بالقلب مستدام فى عموم الحالات واسند القشيرى عن المظفر الجصاص قال كنت انا ونصر الخراط ليلة فى موضع فتذاكرنا شيأ من العلم فقال الخراط الذاكر لله تعالى فائدته فى اول ذكره ان يعلم ان الله ذكره فبذكر الله له ذكره قال فخالفته فقال لو كان الخضر ها هنا لشهد لصحته قال فاذا نحن بشيخ يجىء بين السماء والارض حتى بلغ الينا وقال صدق الذاكر لله بفضل الله وذكره له ذكره فعلمنا انه الخضر عليه السلام انتهى وباقى الاية ضرب من التوعد وحث على المراقبة قال الباجى فى سنن الصالحين قال بعض العلماء ان الله عز و جل يقول ايما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكرى توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وانيسه انتهى وقوله تعالى ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتى هى احسن هذه الاية مكية ولم يكن يومئذ قتال وكانت اليهود يومئذ بمكة وفيما جاورها فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج فى امر الدين وتكذيب فأمر الله المؤمنين الايجادلوهم الا بالتى هى احسن دعاء الى الله تعالى وملاينة ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين وحصلت منه اذية فإن هذه الصنيفة استثنى لأهل الاسلام معارضتها بالتغيير عليها والخروج معها عن التى هى احسن ثم نسخ هذا بعد بأية القتال وهذا قول قتادة وهو احسن ما قيل فى تأويل الاية ت قال عز الدين بن عبد السلام فى اختصاره لقواعد الأحكام فائدة لا يجوز الجدال والمناظرة الا لاظهار الحق ونصرته ليعرف ويعمل به فمن جادل لذلك فقد اطاع ومن جادل لغرض آخر فقد عصى وخاب ولا خير فيمن يتحيل لنصره مذهبه مع ضعفه وبعد ادلته من الصواب انتهى تنبيه روى الترمذى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال الحياء والعى شعبتان من الايمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق وروى ابو داود والترمذى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ان الله يبغض البليغ من الرجال الذى يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها حديث غريب انتهى وهما فى مصابيج البغوى وروى ابو داود عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال او الناس لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا انتهى وقوله تعالى وقولوا ءامنا الاية قال ابو هريرة كان اهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية للمسلمين فقال النبى صلى الله عليه و سلم لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا ءامنا بالذى انزل الينا وانزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون وروى ابن مسعود ان النبى صلى الله عليه و سلم قال لا تسئلوا اهل الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا اما ان تكذبوا بحق اما ان تصدقوا بباطل وقوله تعالى فالذين ءاتيناهم الكتاب يريد التوراة والانجيل كانوا فى وقت نزول الكتاب عليهم يؤمنون بالقرءان ثم اخبر عن معاصرى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ان منهم ايضا من يومن به ولم يكونوا ءامنوا بعد ففى هذا اخبار بغيب بينه الوجود بعد ذلك وما يجحد بأياتنا الا الكافرون يشبه ان يراد بهذا الا غناء كفار قريش ثم بين تعالى الحجة واوضح البرهان مما يقوى ان نزول هذا القرءان من عند الله ان محمد عليه السلام جاء به فى غاية الاعجاز والطول والتضمن للغيوب وغير ذلك وهو امى لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتابا ولا يخط حروفا ولا سبيل له الى التعلم ولو كان ممن يقرأ او يخط لارتاب المبطلون وكان لهم فى ارتيابهم معلق واما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده بل هو ءايات بينات يعنى القرءان ويحتمل ان يعود على امر محمد صلى الله عليه و سلم والظالمون والمبطلون يعم لفظهما كل مكذب للنبى صلى الله عليه و سلم ولكن عظم الاشارة بهما الى قريش لأنهم الأهم قاله مجاهد وقالوا لولا انزل عليه ءايات من ربه الضمير فى قالوا لقريش ولبعض اليهود لأنهم كانوا يعلمون قريشا مثل هذه الحجة على ما مر فى غير ما موضع ثم احتج عليهم فى اقتراحهم ءاية بامر القرءان الذى هو اعظم الآيات ومعجز للجن والانس فقال سبحانه او لم يكفهم انا انزلنا عليك الكتاب الاية وقوله ءامنوا بالباطل يريد الاصنام وما فى معناها وقوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب يريد كفار قريش وباقى الاية بين مما تقدم مكررا والله الموفق بفضله وبغتة فجأة وهذا هو عذاب الدنيا كيوم بدر ونحوه ثم توعدهم سبحانه بعذاب الاخرة فى قوله يستعجلونك بالعذاب وان جهنم الاية وقوله تعالى يا عبادى الذين ءامنوا ان ارضى واسعة فاياي فاعبدون الايات هذه الايات نزلت فى تحريض المؤمنين الكائنين بمكة على الهجرة قال ابن جبير وعطاء ومجاهد ان الارض التى فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الاية وتلزم الهجرة عنها الى بلد حق وقاله مالك وقوله سبحانه 6 كل نفس ذائقة الموت ثم الينا ترجعون تحقير لأمر الدنيا ومخاوفها كان بعض المؤمنين نظر فى عاقبة تلحقه فى خروجه من وطنه انه يموت او يجوع ونحو هذا فحقر الله سبحانه شأن الدنيا اي وانتم لا محالة ميتون ومحشرون الينا فالبدار الى طاعة الله والهجرة اليه اولى يمتثل ذكر هشام بن عبد الله القرطبى فى تاريخه المسمى ببهجة النفس قال بينما المنصور جالس فى منزله فى اعلى قصره اذ جاءه سهم عائد فسقط بين يديه فذعر المنصور منه ذعرا شديدا ثم اخذه فجعل يقلبه فاذا مكتوب عليه بين الريشتين ... اتطمع فى الحياة الى التنادى ... وتحسب ان مالك من معاد ... وستسئل عن ذنوبك والخطايا ... وتسئل بعد ذاك عن العباد ... ومن الجانب الآخر ... احسنت ظنك بالايام اذ حسنت ... ولم تخف سوء ما ياتى به القدر ... وساعدتك الليالى فاغتررت بها ... وعند صفو الليالى يحدث الكدر ... وفى الاخر ... هى المقادير تجرى فى اعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال ... يوما تريك خسيس القوم ترفعه ... الى السماء ويوما تخفض العالى ... ثم قرأ على الجانب الاخر من السهم ... من يصحب الدهر لايامن تصرفه ... يوما فللدهر احلاء وامرار ... لكل شىء وان طالت سلامته ... اذا انتهى مدة لا بد اقصار ... انتهى وقرأ حمزة لنثوينهم من الجنة غرفا من اثوى يثوى بمعنى اقام وقوله تعالى وكأين من دابة الاية تحريض على الهجرة لان بعض المؤمنين فكر فى الفقر والجوع الذى يلحقه فى الهجرة وقالوا غربة فى بلد لادار لنا فيه ولا عقار ولا من يطعم فمثل لهم بأكثر الدواب التى لا تتقوت ولا تدخر ثم قال تعالى الله يرزقها وإياكم فقوله لا تحمل يجوز ان يريد من الحمل اي لا تنتقل ولا تنظر فى ادخاره قاله مجاهد وغيره قال ع والادخار ليس من خلق الموقنين وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لابن عمر كيف بك اذا بقيت فى حثالة من الناس يخبئون رزق سنة بضعف اليقين ويجوز ان يريد من الحمالة اي لا تتكفل لنفسها قال الداودى وعن على بن الأقمر لا تحمل رزقها اي لا تدخر شيأ لغد انتهى وفى الترمذى عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو انكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى ثم خاطب تعالى فى امر الكفار واقامة الحجة عليهم بأنهم ان سئلوا عن الأمور العظام التى هى دلائل القدرة لم يكن لهم الا التسليم بأنها لله تعالى ويوفكون معناه يصرفون وقوله تعالى وما هذه الحيوة الدنيا الا لهو ولعب وصف الله تعالى الدنيا فى هذه الاية بأنها لهو ولعب اي ما كان منها لغير وجه الله تعالى واما ما كان لله تعالى فهو من الاخرة واما امور الدنيا التى هى زائدة على الضرورى الذى به قوام العيش والقوة على الطاعات فإنما هى لهو ولعب وتأمل ذلك فى الملابس والمطاعم والأقوال والمكتسبات وغير ذلك وانظر ان حالة الغنى والفقير من الامور الضرورية واحدة كالتنفس فى الهواء وسد الجوع وستر العورة وتوقي الحر والبرد هذه عظم امر العيش والحيوان والحياة بمعنى والمعنى لا موت فيها قاله مجاهد وهو حسن ويقال اصله حييان فأبدلت احداهما واوا لاجتماع المثلين ثم وقفهم تعالى على حالهم فى البحر عند الخوف العظيم ونسيانهم عند ذلك للاصنام وغيرها على ما تقدم بيانه فى غير هذا الموضع الموضع وليكفروا نصب بلام كي ثم عدد تعالى على كفرة قريش نعمته عليهم فى الحرم والمثوى موضع الاقامة والفاظ هذه الاية فى غاية الاقتضاب والايجاز وجمع المعانى ثم ذكر تعالى حال اوليائه والمجاهدين فيه وقوله فينا معناه فى مرضاتنا وبغيه ثوابنا قال السدى وغيره نزلت هذه الاية قبل فرض القتال قال ع فهى قبل الجهاد العرفى وانما هو جهاد عام فى دين الله وطلب مرضاته قال الحسن بن ابى الحسن آلاية فى العباد وقال ابراهيم ابن ادهم هى فى الذين يعلمون بما علموا وقال ابو سليمان الدارانى ليس الجهاد فى هذه الاية قتال العدو وفقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين واعظمه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس فى طاعة الله عز و جل وهو الجهاد الأكبر قاله الحسن وغيره وفيه حديث عن النبى صلى الله عليه و سلم رجعتم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الاكبر والسبل هنا يحتمل ان تكون طرق الجنة ومسالكها ويحتمل ان تكون سبل الاعمال المؤدية الى الجنة قال يوسف بن اسباط هى اصلاح النية فى الاعمال وحب التزيد والتفهم وهو ان يجازى العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم ينقدح من علم متقدم قال ص والذين جاهدوا مبتدأ خبره القسم المحذوف وجوابه وهو لنهدينهم انتهى وقال الثعلبى قال سهل بن عبد الله والذين جاهدوا فى اقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة انتهى واللام فى قوله لمع لام تاكيد تفسير سورة الروم وهى مكية اتفاقا بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى الم غلبت الروم قرأ الجمهور غلبت بضم الغين وقالوا معنى الاية انه بلغ اهل مكة ان الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات وهى ادنى الارض الى مكة قاله عكرمة فسر بذلك كفار مكة فبشر الله تعالى المؤمنين بأن الروم سيغلبون فى بضع سنين فخرج ابو بكر رضى الله عنه الى المسجد الحرام فقال للكفار اسركم ان غلبت الروم فإن نبينا اخبرنا عن الله تعالى انهم سيغلبون فى بضع سنين فقال له ابى بن خلف واخوه امية بن خلف يا ابا بكر تعال فلنتناحب اي نتراهن فى ذلك فراهنهم ابو بكر على خمس قلائص والأجل ثلاث سنين وذلك قبل ان يحرم القمار فأخبر النبى صلى الله عليه و سلم بذلك فقال له ان البضع الى التسع ولكن زدهم فى الرهن واستزدهم فى الاجل ففعل ابو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة اعوام فغلبت الروم فارس فى اثناء الأجل يوم بدر وروى ان ذلك كان يوم الحديبية يوم بيعه الرضوان وفى كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمومنين وذكر الناس سرور المؤمنين بغلبة الروم من اجل انهم اهل كتاب وفرحت قريش بغلبة الفرس من اجل انهم اهل اوثان ونحوه من عبادة النار وقوله تعالى لله الامر من قبل ومن بعد اي له انفاذ الأحكام من قبل ومن بعد هذه الغلبة التى بين هؤلاء ثم اخبر تعالى ان يوم غلبه الروم للفرس يفرح المؤمنين بنصر الله ولكن اكثر الناس لا يعلمون يريد كفار قريش والعرب اي لا يعلمون ان الأمور من عند الله وان وعده لا يخلف وان ما يورده نبيه حق قال ع وهذا الذى ذكرناه عمدة ما قيل ثم وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون امر الله وصدق وعده بأنهم انما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون قال صاحب الكلم الفارقية الدنيا طبق مسموم لا يعرف ضرره الا ارباب الفهوم قوة الرغبة فى الدنيا علامة ضعفها فى الاخرة بحسب انصراف الرغبة الى الشىء يجد الراغب فى طلبه وتتوفر دواعيه على تحصيله المطلوبات تظهر وتبين اقدار طلابها فمن شرفت همته شرفت رغبته وعزت طلبته يا غافل سكر حبك لدنياك وطول متابعتك نغاوي هواك انساك عظمه مولاك وثناك عن ذكره والهاك وصرف وجه رغبتك عن آخرتك الى دنياك ان كنت من اهل الاستبصار فالق ناظر رغبتك عن زخارف هذه الدار فإنها مجمع الأكدار ومنبع المضار وسجن الابرار ومجلس سرور الاشرار الدنيا كالحية تجمع فى انيابها سموم نوائبها وتفرغه فى صميم قلوب ابنائها انتهى قال عياض فى الشفا قال ابو العباس المبرد رحمه الله قسم كسرى ايامه فقال يصلح يوم الريح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للشرب واللهو ويوم الشمس للحوائج قال ابن خالويه ما كان اعرفهم بسياسة دنياهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون لكن نبينا محمد صلى الله عليه و سلم جزأها ثلاثة اجزاء جزءا لله تعالى وجزءا لأهله وجزءا لنفسه ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس فكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول ابلغوا حاجة من لا يستطيع ابلاغي فإنه من ابلغ حاجة من لا يستطيع امنه الله يوم الفزع الاكبر انتهى والمومن المنهمك فى امور الدنيا التى هى اكبرهمه ياخذ من هذه آلاية بحظ نور الله قلوبنا بهداه ت قد تقدم ما جاء فى الفكرة فى ءال عمران قال ابن عطاء الله الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا اضاءة له وقال ما نفع القلب شىء مثل عزله يدخل بها ميدان فكرة انتهى وباقى الاية بين وقوله عز و جل أو لم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة واثاروا الارض الاية يريد اثاروا الارض بالمبانى والحرث والحروب وسائر الحوادث التى احدثوها هي كلها إثارة للأرض بعضها حقيقة وبعضها بتجوز والضمير في عمروها الأول للماضين وفي الثاني للحاضرين المعاصرين وقوله تعالي ثم كان عاقبة الذين اساءوا السوأى ان كذبوا بئايات الله قرأ نافع وغيره عاقبة بالرفع على انها اسم كان والخبر يجوز ان يكون السوأى ويجوز ان يكون ان كذبوا وتكون السوأى على هذا مفعولا باساءوا واذا كان السوأى خبرا فان كذبوا مفعول من اجله وقرأ حمزة والكساءى وغيرهما عاقبة بالنصب على انها خبر مقدم واسم كان احد ما تقدم والسوأى مصدر كالرجعى والشورى والفتيا قال ابن عباس اساءوا هنا بمعنى كفروا والسوأى هى النار وعبارة البخارى وقال مجاهد السوأى اي الإساءة جزاء المسيئين انتهى والإبلاس الكون فى شر مع اليأس من الخير ص وقال الزجاج المبلس الساكت المنقطع فى حجته اليأس من ان يهتدى اليها انتهى وقوله جلت عظمته ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون معناه فى المنازل والأحكام والجزاء قال قتادة فرقة والله لا اجتماع بعدها ويحبرون معناه ينعمون قاله مجاهد والحبرة والحبور السرور وقال يحي بن ابى كثير يحبرون معناه يسمعون الأغانى وهذا نوع من الحبرة ت وفى الصحيح من قول ابى موسى لو شعرت بك يا رسول الله لحبرته لك تحبيرا او كما قال وقال ص يحبرون قال الزجاج التحبير التحسين والحبر العالم انما هو من هذا المعنى لأنه متخلق بأحسن اخلاق المؤمنين والحبر المداد انما سمى به لأنه يحسن به انتهى قال الأصمعى ولا يقال روضة حتى يكون فيها ماء يشرب منه ومعنى فى العذاب محضرون اي مجموعون له لا يغيب احد عنه وقوله تعالى فسبحان الله الاية خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة فى هذه الاوقات كأنه يقول سبحانه اذا كان امر هذه الفرق هكذا من النعمة والعذاب فجد ايها المؤمن فى طريق الفوز برحمة الله وروى ابن عباس عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون الى قوله وكذلك تخرجون ادرك ما فاته فى يومه ذلك ومن قالهن حين يمسى ادرك ما فاته فى ليلته رواه ابو داود انتهى من السلاح قال ابن عباس وغيره فى هذه الاية تنبيه على اربع صلوات المغرب والصبح والظهر والعصر قالوا والعشاء الأخيرة هى فى ءاية اخرى فى زلف الليل وقد تقدم بيان هذه مستوفى فى محاله وقوله تعالى يخرج الحى من الميت الاية تقدم بيانها ثم بعد هذه الأمثلة القاضية بتجويز بعث الاجساد عقلا ساق الخبر سبحانه بان كذلك خروجنا من قبورنا وتنتشرون معناه تتصرفون وتتفرقون والمودة والرحمة هما على بابهما المشهور من التواد والتراحم هذا هو البليغ وقيل غير هذا وقرأ الجمهور للعالمين بفتح اللام يعني جميع العالم وقرأ حفص عن عاصم بكسرها على معنى ان اهل الانتفاع بالنظر فيها انما هم اهل العلم وباقى الاية اطلبه فى محاله تجده ان شاء الله مبينا وهذا شأننا الاحالة فى هذا المختصر على ما تقدم بيانه فاعلمه راشدا ت وهذه الايات والعبر انما يعظم موقعها فى قلوب العارفين بالله سبحانه ومن اكثر التفكر فى عجائب صنع الله تعالى حصلت له المعرفة بالله سبحانه قال الغزالي فى الاحياء وبحر المعرفة لاساحل له والاحاطة بكنة جلال الله محال وكلما كثرت المعرفة بالله تعالى وصفاته وافعاله واسرار مملكته وقويت كثر النيعم فى الاخرة وعظم كما انه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن وقال ايضا فى كتاب شرح عجائب القلب من الاحياء وتكون سعة ملك العبد فى الجنة بحسب سعة معرفته بالله وبحسب ما يتجلى له من عظمه الله سبحانه وصفاته وافعاله انتهى وقوله تعالى ان تقوم السماء والارض معناه تثبت كقوله تعالى واذا اظلم عليهم قاموا وهذا كثير والدعوة من الارض هى البعث ليوم القيامة قال مكى والاحسن عند اهل النظر ان الوقف فى هذه الاية يكون فى ءاخرها تخرجون لأن مذهب سيبويه والخليل فى اذا الثانية انها جواب الأولى كأنه قال ثم اذا دعاكم خرجتم وهذا اسد الاقوال وقال ص اذا انتم اذا للمفاجأة وهل هى ظرف مكان او ظرف زمان خلاف ومن الارض علقه الحوفى بدعا واجاز ع ان يتعلق بدعوة انتهى وقرأ حمزة والكساءى تخرجون بفتح التاء والباقون بضمها والقنوت هنا بمعنى الخضوع والإنقياد فى طاعته سبحانه واعادة الخلق هو بعثهم من القبور وقوله تعالى وهو اهون عليه قال ابن عباس وغيره المعنى وهو هين عليه وفى مصحف ابن مسعود وهو هين عليه وفى بعض المصاحف وكل هين عليه وقال ابن عباس ايضا وغيره المعنى وهو ايسر عليه قال ولكن هذا التفضيل انما هو بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر فى الشاهد من ان الإعادة فى كثير من الاشياء اهون علينا من البدءة ولما جاء بلفظ فيه استعارة وتشبيه بما يعهده الناس من انفسهم خلص جانب العظمة بأن جعل له المثل الأعلى الذى لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شىء ثم بين تعالى امر الاصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا المثل وهو قوله ضرب لكم مثلا من انفسكم الاية ومعناه انكم ايها الناس اذا كان لكم عبيد تملكونهم فانكم لا تشركونهم فى اموالكم ومهم اموركم ولا فى شىء على جهة استواء المنزلة وليس من شأنكم ان تخافوهم فى ان يرثوا اموالكم او يقاسموكم اياها فى حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض فاذا كان هذا فيكم فكيف تقولون ان من عبيده وملكه شركاء فى سلطانه والوهيته هذا تفسير ابن عباس والجماعة وقوله تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا الاية اقامه الوجه هى تقويم المقصد والقوة على الجد فى اعمال الدين وخص الوجه لأنه جامع حواس الانسان ولشرفه وفطره الله نصب على المصدر وقيل بفعل مضمر تقديره اتبع او التزم فطرة الله واختلف فى الفطرة ها هنا والذى يعتمد عليه فى تفسير هذه اللفظة انها الخلقة والهيئة التى فى نفس الطفل التى هى معدة مهيئة لأن يميز بها مصنوعات الله ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به فكانه تعالى قال اقم وجهك للدين الذى هو الحنيف وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه الحديث ثم يقول فطرة الله الاية الى القيم فذكر الأبوين انما هما مثال للعوارض التى هى كثيرة وقال البخارى فطرة الله هى الاسلام انتهى وقوله تعالى لا تبديل لخلق الله يحتمل ان يريد بها هذه الفطرة ويحتمل ان يريد بها الانحاء على الكفرة اعترض به اثناء الكلام كأنه يقول اقم وجهك للدين الذى من صفته كذا وكذا فإن هؤلاء الكفرة قد خلق الله لهم الكفر ولا تبديل لخلق الله اي انهم لا يفلحون وقيل غير هذا وقال البخارى لا تبديل لخلق الله اي لدين الله اي لدين الله وخلق الاولين دينهم انتهى والقيم بناء مبالغة من القيام الذى هو بمعنى الاستقامة ومنيبين يحتمل ان يكون حالا من قوله فطر الناس لا سيما على رأى من رأى ان ذلك خصوص فى المؤمنين ويحتمل ان يكون حالا من قوله اقم وجهك وجمعه لان الخطاب باقامة الوجه هو للنبى صلى الله عليه و سلم ولامته نظيرها قوله تعالى يا ايها النبى اذا طلقتم النساء والمشركون المشار اليهم فى هذه الاية هم اليهود والنصارى قاله قتادة وقيل غير هذا وقوله تعالى واذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين اليه الاية ابتداء انحاء على عبدة الاصنام قال ع ويلحق من هذه الالفاظ شىء للمؤمنين اذا جاءهم فرج بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين او بحذق آرائهم وغير ذلك لان فيه قلة شكر لله تعالى ويسمى تشريكا مجازا والسلطان هنا البرهان من رسول او كتاب ونحوه وقوله تعالى فهو يتكلم معناه فهو يظهر حجتهم ويغلب مذهبهم وينطق بشركهم ثم قال تعالى واذا اذقنا الناس رحمة فرحوا بها الاية وكل احد يأخذ من هذه الخلق بقسط فالمقل والمكثر الا من ربطت الشريعة جاشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بآداب الله فصبر عند الضراء وشكر عند السراء ولم يبطر عند النعمة ولا قنط عند الابتلاء والقنط اليأس الصريح ثم ذكر تعالى الأمر الذى من اعتبره لم ييأس من روح الله وهو انه سبحانه يخص من يشاء من عباده ببسط الرزق ويقدر على من يشاء منهم فينبغى لكل عبد ان يكون راجيا ما عند ربه ثم امر تعالى نبيه عليه السلام امرا تدخل فيه امته على جهة الندب بإيتاء ذى القربى حقه من صلة المال وحسن العاشرة ولين القول قال الحسن حقه المواساة فى اليسر وقول ميسور فى العسر قال ع ومعظم ما قصد امر المعونة بالمال وقرأ الجمهور وما ءاتيتم بمعنى اعطيتم وقرأ ابن كثير بغير مد بمعنى وما فعلتم واجمعوا على المد فى قوله وما ءاتيتم من زكاة والربا الزيادة قال ابن عباس وغيره هذه الاية نزلت فى هبات الثواب قال ع وما جرى مجراها مما يضعه الانسان ليجازى عليه كالسلم وغيره فهو وان كان لا اثم فيه فلا اجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى وما اعطى الانسان تنمية لماله وتطهيرا يريد بذلك وجه الله تعالى فذلك هو الذى يجازى به اضعافا مضاعفة على ما شاء الله له وقرأ جمهور السبعة ليربوا باسناد الفعل الى الربا وقرأ نافع وحده لتربوا وباقى الاية بين ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصى قال مجاهد البر البلاد البعيدة من البحر والبحر السواحل والمدن التى على ضفة البحر وظهور الفساد فيهما هو بارتفاع البركات ووقوع الرزايا وحدوث الفتن وتغلب العدو وهذه الثلاثة توجد فى البر والبحر قال ابن عباس الفساد فى البحر انقطاع صيده بذنوب بنى ءادم وقلما توجد امة فاضلة مطيعة مستقيمة الاعمال الا يدفع الله عنها هذه الامور والامر بالعكس فى المعاصى وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير ولعلهم يرجعون اي يتوبون ويراجعون بصائرهم فى طاعة ربهم ثم حذر تعالى من يوم القيامة تحذيرا يعم العالم واياهم المقصد بقوله فاقم وجهك للدين القيم من قبل ان ياتى يوم لا مرد له من الله الاية ولا مرد له معناه ليس فيه رجوع لعمل ويحتمل ان يريد لا يرده راد وهذا ظاهر بحسب اللفظ ويصدعون معناه يتفرقون بعد جمعهم الى الجنة والى النار ثم ذكر تعالى من آياته اشياء وهى ما فى الريح من المنافع وذلك انها بشرى بالمطر وبلقح بها الشجر وغير ذلك وتجرى بها السفن فى البحر ثم انس سبحانه نبيه عليه السلام بقوله ولقد ارسلنا من قبلك رسلا الى قومهم فجاءوهم بالبينات الاية ثم وعد تعالى محمد وامته النصر بقوله وكان حقا علينا نصر المؤمنين وحقا خبر كان قدمه اهتماما وقوله تعالى الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا الاية الإثارة تحريكها من سكونها وتسييرها وبسطه فى السماء هو نشره فى الآفاق والكسف القطع وقوله من قبله تأكيد افاد الأعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الابلاس الى الاستبشار والابلاس الكون فى حال سوء مع اليأس من زوالها وقوله تعالى كيف يحيى الضمير فى يحيى يحتمل ان يكون للأثر ويحتمل ان يعود على الله تعالى وهو اظهر ثم اخبر تعالى عن حال تقلب بنى ءادم فى انه بعد الاستبشار بالمطر ان بعث الله ريحا فاصفر بها النبات ظلوا يكفرون قلقا منهم وقلة تسليم لله تعالى والضمير فى رأوه للنبات واللام فى لئن موذنة بمجىء القسم وفى لظلوا لام القسم وقوله تعالى 6 إنك لا تسمع الموتى الاية استعارة للكفار وقد تقدم بيان ذلك فى سورة النمل وقوله تعالى الله الذى خلقكم من ضعف قال كثير من اللغويين ضم الضاد فى البدن وفتحها فى العقل وهذه الاية انما يراد بها حال الجسم والضعف الاول هو كون الانسان من ماء مهين والقوة بعد ذلك الشبيبة وشدة الأسر والضعف الثانى هو الهرم والشيخوخة هذا قول قتادة وغيره وروى ابو داود فى سنته بسند صحيح عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة فى الاسلام الا كانت له نورا يوم القيامة وفى رواية الا كتب الله عز و جل له بها حسنة وحط عنه خطيئة انتهى ثم اخبر عز و جل عن يوم القيامة فقال ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا اي تحت التراب غير ساعة وقيل المعنى ما لبثوا فى الدنيا كأنهم استقلوها كذلك كانوا فى الدنيا يؤفكون اي يصرفون عن الحق قال ص ما لبثوا جواب القسم على المعنى ولو حكى قولهم لكان ما لبثنا انتهى ثم اخبر تعالى ان الكفرة لا ينفعهم يومئذ اعتذار ولا يعطون عتبى وهى الرضى وباقي الاية بين ولله الحمد تفسير سورة لقمان وهى مكية غير ءايتين قال قتادة اولهما ولو ان ما فى الارض الى ءاخر الايتين وقال ابن عباس ثلاث بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل آلم تلك ءايات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين خصه للمحسنين من حيث لهم نفعة والا فهو هدى فى نفسه وقوله تعالى ومن الناس من يشترى لهو الحديث روى ان الاية نزلت فى شأن رجل من قريش اشترى جارية مغنية لتغنى له بهجاء النبى صلى الله عليه و سلم وقيل انه ابن خطل وقيل نزلت فى النضر بن الحارث وقيل غير هذا والذى يترجح ان آلاية نزلت فى لهو حديث منضاف الى كفر فلذلك اشتدت الفاظ الاية ولهو الحديث كل ما يلهى من غناء وخناء ونحوه وآلاية باقية المعنى فى الأمة غابر الدهر لكن ليس ليضلوا عن سبيل الله ولا ليتخذوا ءايات الله هزؤا ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطلوا عبادة ويقطعوا زمنا بمكروه قال ابن العربى فى احكامه وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر ان الله تعالى يقول يوم القيامة اين الذين كانوا ينزهون انفسهم واسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ادخلوهم فى ارض المسك ثم يقول الله تعالى للملائكة اسمعوهم ثناءى وحمدى واخبروهم ان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون انتهى وقوله عز و جل واذا تتلى عليه ءاياتنا ولى مستكبرا كان لم يسمعها كان فى اذنيه وقرا فبشره بعذاب اليم الوقر فى الاذن الثقل الذى يعسر معه ادراك المسموعات والرواسى هى الجبال والميد التحرك يمنه وبسره وما قرب من ذلك والزوج النوع والصنف وكريم مدحه بكرم جوهره وحسن منظره وغير ذلك ثم وقف تعالى الكفرة على جهة التوبيخ فقال هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه وقوله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة اختلف فى لقمان هل هو نبى او رجل صالح فقط وقال ابن عمر سمعت النبى صلى الله عليه و سلم يقول لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين احب الله فاحبه فمن عليه بالحكمة وخيره فى ان يجعله خليفة يحكم بالحق فقال رب ان خيرتنى قبلت العافية وتركت البلاء وان عزمت على فسمعا وطاعة فانك ستعصمنى وكان قاضيا فى بنى اسراءيل نوبيا اسود مشقق الرجلين ذا مشافر قاله سعيد بن المسيب وابن عباس وجماعة وقال له رجل كان قد رعى معه الغنم ما بلغ بك يا لقمان ما ارى قال صدق الحديث واداء الأمانة وتركى ما لا يعنينى وحكم لقمان كثيرة مأثورة قال ابن العربى فى احكامه وروى علماؤنا عن مالك قال قال لقمان لابنه يا بنى ان الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون وهو الى الاخرة سراعا يذهبون وانك قد استدبرت الدنيا مذ كنت واستقبلت الاخرة مع انفاسك وان دارا ستسير اليها اقرب اليك من دار تخرج منها انتهى وقوله ان اشكر يجوز ان تكون ان فى موضع نصب على اسقاط حرف الجر اي بأن اشكر لله ويجوز ان تكون مفسرة اي كانت حكمته دئراة على الشكر لله وجميع العبادات داخلة فى الشكر لله عز و جل وحميد بمعنى محمود اي هو مستحق ذلك بذاته وصفاته وقوله تعالى ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن هاتان آلآيتان اعتراض اثناء وصية لقمان ووهنا على وهن معناه ضعفا على ضعف كأنه قال حملته امه والضعف يتزيد بعد الضعف الى ان ينقضى امده وقال ص وهنا على وهن حال من امه اي شدة بعد شدة او جهدا على جهد وقيل وهنا نطفة ثم علقة فيكون حالا من الضمير المنصوب فى حملته انتهى وقوله تعالى ان اشكر لى ولوالديك قال سفيان بن عيينه من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى ومن دعا لوالديه فى ادبار الصلوات فقد شكرهما وقوله سبحانه وإن جاهداك على أن تشرك بي الاية روى ان هاتين الايتين نزلتا فى شأن سعد بن ابى وقاص وامه حمنة بنت ابى سفيان على ما تقدم بيانه وجملة هذا الباب ان طاعة الأبوين لا تراعى فى ركوب كبيرة ولا فى ترك فريضة على الأعيان وتلزم طاعتهما فى المباحات وتستحسن فى ترك الطاعات الندب وقوله سبحانه واتبع سبيل من أناب الى وصية لجميع العالم وهذه سبيل الأنبياء والصالحين وقوله تعالى حاكيا عن لقمان يابنى انها ان تك مثقال حبة آلآية ذكر كثير من المفسرين انه اراد مثقال حبة من اعمال المعاصى والطاعات وبهذا المعنى يتحصل فى الموعظة ترجيه وتخويف منضاف الى تبيين قدرة الله تعالى وقوله واصبر على ما اصابك يقتضى حضا على تغير المنكر وان نال ضرر فهو اشعار بان المغير يوذى احيانا وقوله ان ذلك من عزم الامور يحتمل ان يريد مما عزمه الله وامر به قاله ابن جريج ويحتمل ان يريد ان ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم اهل الحزم السالكين طريق النجاة قاله جماعة والصعر الميل فمعنى الاية ولا تمل خدك للناس كبرا عليهم واعجابا واحتقارا لهم قاله ابن عباس وجماعة وعبارة البخارى ولا تصاعر اي لا تعرض والتصاعر الإعراض بالوجه انتهى والمرح النشاط والمشى مرحا هو فى غير شغل ولغير حاجة واهل هذه الخلق ملازمون للفخر والخيلاء فالمرح مختال فى مشيه وقد ورد من صحيح الأحاديث فى جميع ذلك وعيد شديد يطول بنا سرده قال عياض كان ابو اسحاق الجبنيانى قل ما يترك ثلاث كلمات وفيهن الخير كله اتبع ولا تبتدع اتضع ولا ترفع من ورع لا يتسع انتهى وغض الصوت اوقر للمتكلم وابسط لنفس السامع وفهمه ثم عارض ممثلا بصوت الحمير على جهة التشبيه اي تلك هى التى بعدت عن الغض فهى انكر الاصوات فكذلك ما بعد عن الغض من اصوات البشر فهو فى طريق تلك وفى الحديث اذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا وقال سفيان الثورى صياح كل شيىء تسبيح الاصياح الحمير ت ولفظ الحديث عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا سمعتم صياح الديكة فسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا واذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا رواه الجماعة الا ابن ماجة وفى لفظ النساءى اذا سمعتم الديكة تصيح بالليل وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير من الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإهنا ترى ما لا ترون واقلوا الخروج اذا جدت فان الله يبث فى ليله من خلقه ما يشاء رواه ابو داود والنساءى والحاكم فى المستدرك واللفظ له وقال صحيح على شرط مسلم انتهى من السلاح وقوله تعالى واسبغ عليكم نعمة ظاهره وباطنه قال المحاسبى رحمه الله الظاهرة نعم الدنيا والباطنةنعم العقبى والظاهر عندى التعميم ثم وقف تعالى الكفرة على اتباعهم دين ءابائهم ايكون وهم بحال من يصير الى عذاب السعير فكأن القائل منهم يقول يتبعون دين ءابائهم ولو كان مصيرهم الى السعير فدخلت الف التوقيف على حرف العطف كما كان اتساق الكلام فيه فتأمله وقوله تعالى ومن يسلم وجهه الى الله معناه يخلص ويوجه ويستسلم به والوجه هنا الجارحة استعير للمقصد لان القاصد الى شيىء فهو مستقبله بوجهه فاستعير ذلك للمعانى والمحسن الذى جمع القول والعمل وهو الذى شرحه صلى الله عليه و سلم حين سأله جبريل عن الاحسان والمتاع القليل هنا هو العمر فى الدنيا وقوله قل الحمد لله اي على ظهور الحجة وقوله تعالى ولو ان ما فى الارض من شجرة اقلام الاية روى عن ابن عباس ان سبب ترولها ان اليهود قالت يا محمد كيف عنينا بهذا القول وما اوتيتم من العلم الا قليلا ونحن قد اوتينا التوراة تبيانا لكل شىء فنزلت الاية وقيل غير هذا قال ع وهذه آلاية بحر نظر وفكرة نور الله قلوبنا بهداه وقوله تعالى ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة اي لأنه كله بكن فيكون قاله مجاهد وقوله تعالى كل يجرى الى اجل مسمى يريد القيامة وقوله بنعمة الله يحتمل ان يريد ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات فالباء للالزاق ويحتمل ان يريد بالريح وتسخير الله البحر ونحو هذا فالباء باء السبب وذكر تعالى من صفات المومن الصبار والشكور لأنهما عظم اخلاقه الصبر على الطاعات وعلى النوائب وعن الشهوات والشكر على الضراء والسراء وقال الشعبى الصبر نصف الايمان والشكر نصفه الآخر واليقين الايمان كله وغشى غطى او قارب والظلل السحاب وقوله تعالى فمنهم مقتصد قال الحسن منهم مؤمن يعرف حق الله فى هذه النعم والخيار القبيح الغدر وذلك ان منن الله على العباد كانها عهود ومنن يلزم عنها اداء شكرها والعبادة لمسديها فمن كفر ذلك وجحد به فكأنه ختر وخان قال الحسن الختار هو الغدار وكفور بناء مبالغة وقوله تعالى يا ايها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده الاية يجزى معناه يقضى والمعنى لا ينفعه بشيىء وقرأ الجمهور الغرور بفتح الغين وهو الشيطان قاله مجاهد وغيره واعلم ايها الأخ ان من فهم كلام ربه ورزق التوفيق لم ينخدع بغرور الدنيا وزخرفها الفانى بل يصرف همته بالكلية الى التزود لآخرته ساعيا فى مرضاة ربه وان من ايقن ان الله يطلبه صدق الطلب اليه كما قاله الإمام العارف بالله ابن عطاء الله وانه لا بد لبناء هذا الوجود ان تنهدم دعائمه وان تسلب كرائمه فالعاقل من كان بما هو ابقى افرح منه بما هو يفنى قد اشرق نوره وظهرت تباشيره فصدف عن هذه الدار مغضيا واعرض عنها موليا فلم يتخذها وطنا ولاجعلها سكنا بل انهض الهمة فيها الى الله وصار فيها مستعينا به فى القدوم عليه فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها دائما تسيارها الى ان اناخت بحضرة القدس وبساط الأنس انتهى وروينا فى جامع الترمذى عن ابى امامة عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ان اغبط اولياءى عندى لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة احسن عبادة ربه واطاعه فى السر وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالأصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ثم نفض بيده فقال عجلت منيته قلت نوائحه قل تراثه قال ابو عيسى وبهذا الاسناد عن النبى صلى الله عليه و سلم قال عرض على ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن اشبع يوما واجوع يوما او قال ثلاثا او نحو هذا فاذا جعت تضرعت اليك واذا شبعت شكرتك وحمدتك قال ابو عيسى هذا حديث حسن وفى الباب عن فضالة بن عبيد انتهى والغرور التطميع بما لا يحصل وقال ابن حبير معنى الاية ان تعمل المعصية وتتمنى المغفرة وفى الحديث الصحيح عنه صلى الله علليه وسلم قا خمس من الغيب لا يعلمهن الا الله تعالى وتلا الاية ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث الى ءاخرها قال ابو حيان بأي ارض الباء ظرفية والجملة فى موضع نصب بتدرى انتهى تفسير سورة السجدة وهى مكية - غير ثلاث ءايات نزلت بالمدينة وهى قوله تعالى افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا الى تمام ثلاث ءايات بسم الله الرحمن الرحيم قال جابر ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينام حتى يقرأ آلم السجدة وتبارك الذى بيده الملك وتنزيل يصح ان يرتفع بالابتداء والخبر لا ريب ويصح ان يرتفع على انه خبر مبتدإ محذوف اي ذلك تنزيل والريب الشك وكذلك هو فى كل القرءان الا قوله ريب المنون وقوله ام يقولون اضراب كأنه قال بل ايقولون ثم رد على مقالتهم واخبر انه الحق من عند الله وقوله سبحانه ما ءاتاهم اي لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا ءاباؤهم العرب وقوله تعالى وان من امة الا خلا فيها نذير يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من الامم التى خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بابراهيم ونبيه وبدعوتهم ولم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه و سلم وقال ابن عباس ومقاتل المعنى لم يأتهم نذير فى الفترة بين عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقوله تعالى يدبر الامر من السماء الى الارض الاية الامر اسم جنس لجميع الامور والمعنى ينفذ سبحانه قضاءه بجميع ما يشاءه ثم يعرج اليه خبر ذلك فى يوم من ايام الدنيا مقداره ان لو سير فيه السير المعروف من البشر الف سنة اي نزولا وعروجا لان ما بين السماء والارض خمس مائة سنة هذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما وقيل المعنى يدبر الامر من السماء الى الارض فى مدة الدنيا ثم يعرج اليه يوم القيامة ويوم القيامة مقداره الف سنة من عدنا وهو على الكفار قدر خمسين الف سنة وقيل غير هذا وقرأ الجمهور الذى احسن كل شيىء خلقه بفتح اللام على انه فعل ماض ومعنى احسن اتقن واحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التى اريد لها وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر خلقه بسكون اللام وذهب بعض الناس على هذه القرءاة الى ان احسن هنا معناه الهم وان هذه الاية بمعنى قوله تعالى اعطى كل شيىء خلقه ثم هدى اي الهم والانسان هنا ءادم والمهين الضعيف ونفخ عبارة عن افاضة الروح فى جسد ءادم والضمير فى روحه لله تعالى وهى اضافة ملك الى مالك وخلق الى خالق ويحتمل ان يكون الانسان فى هذه الاية اسم جنس وقليلا صفة لمصدر محذوف وقوله تعالى وقالوا ائذا ضللنا فى الارض اي تلفنا وتقطعت اوصالنا فذهبنا فى التراب حتى لم نوجد انا لفى خلق جديد اي انخلق بعد ذلك خلقا جديدا انكارا منهم للبعث واستبعادا له ويتوفا كم معناه يستوفيكم روى عن مجاهد ان الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الانسان ياخذ من حيث امر وقوله تعالى ولو ترى اذ المجرمون ناكسوا رءوسهم الاية تعجيب لمحمد عليه السلام وامته من حال الكفرة وما حل بهم وجواب لو محذوف لأن حذفه اهول فى النفوس وتنكيس رءوسهم هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب وقولهم ابصرنا وسمعنا اي ما كنا نخبربه فى الدنيا ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك ثم اخبر تعالى عن نفسه انه لو شاء لهدى الناس اجمعين بأن يلطف بهم لطفا يومنون به ويخترع الايمان فى نفوسهم هذا مذهب اهل السنة والجنة الشياطين ونسيتم معناه تركتم قاله ابن عباس وغيره وقوله انا نسيناكم سمى العقوبة باسم الذنب ثم اثنى سبحانه على القوم الذين يؤمنون بئاياته ووصفهم بالصفة الحسنى من سجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم وقوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع الاية تجافى الجنب عن موضعه اذا تركه قال الزجاج وغيره التجافى التنحي الى فوق قال ع وهذا قول حسن والجنوب جمع جنب والمضاجع حوضع الاضطجاع للنوم ت وقال الهروى تتجافى جنوبهم عن المضاجع اي ترتفع وتتباعد والجفاء بين الناس هو التباعد انتهى وروى البخارى بسنده عن ابى هريرة ان عبد الله بن رواحة رضى الله عنه قال ... وفينا رسول الله يتلو كتابه ... اذا انشق معروف من الفجر ساطع ... ارانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات ان ما قال واقع ... يبيت يجافى جنبه عن فراشه ... اذا استثقلت بالكافرين المضاجع ... انتهى وجمهور المفسرين على ان المراد بهذا التجافى صلاة النوافل بالليل قال ع وعلى هذا التأويل اكثر الناس وهو الذى فيه المدح وفيه احاديث عن النبى صلى الله عليه و سلم يذكر عليه السلام قيام الليل ثم يستشهد بالاية ففى حديث معاذ الا ادلك على ابواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئى الخطيئة كما يطفئى الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل ثم قرأ تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح ورجح الزجاج ما قاله الجمهور بأنهم جوزوا باخفاء فدل ذلك على ان العمل اخفاء ايضا وهو قيام الليل يدعون ربهم خوفا اي من عذابه وطمعا اي فى ثوابه قال ص تتجافى اعربه ابو البقاء حالا ويدعون حال او مستانف وخوفا وطمعا مفعولان من اجله او مصدران فى موضع الحال انتهى وفى الترمذى عن معاذ بن جبل قال قلت يا رسور الله اخبرنى بعمل يدخلنى الجنة ويباعدنى عن النار قال لقد سألت عن عظيم وانه ليسير على من يسره الله تعالى عليه تعبد الله لا تشرك به شيأ وتقيم الصلاة وتوتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال الا ادلك على ابواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئى الخطيئة كما يطفئى الماء النار وصلاة الرجل فى جوف الليل ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون ثم قال الا اخبرك برأس الامر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال راس الامر الاسلام وعموره الصلاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال الا اخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله فاخذ بلسانه وقال كف عليك هذا قلت يا رسول الله وانا لمواخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك امك وهل يكب الناس فى النار على وجوههم الا حصائد السنتهم قال الترمذى حديث حسن صحيح انتهى وقرأ حمزة وحده اخفى بسكون الياء كانه قال اخفى انا وقرأ الجمهور اخفى بفتح الياء وفى معنى الاية قال صلى الله عليه و سلم قال الله عو وجل اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما اطلعتم عليه واقرءوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين الاية انتهى قال القرطبى فى تذكرته وبله معناه غير وقيل هو اسم فعل بمعنى دع وهذا الحديث خرجه البخارى وغيره ت وفى رواية للبخارى قال ابو هريرة واقرءوا ان شئتم فلا تعلم نفس الاية انتهى وقال ابن مسعود فى التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وباقىآلاية بين والضمير فى قوله تعالى ولنذيقنهم لكفار قريش ولا خلاف ان العذاب الاكبر هو عذاب الاخرة واختلف فى تعيين العذاب الادنى فقيل هو السنون التى اجاعهم الله فيها وقيل هو مصائب الدنيا من الامراض ونحوها وقيل هو القتل بالسيف كبدر وغيرها وقوله سبحانه انا من المجرمين منتقمون ظاهر الإجرام هنا انه الكفر وروى معاذ بن جبل عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ثلاث من فعلهن فقد اجرم من عقد لواء فى غير حق ومن عق والديه ومن نصر ظالما وقوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه اختلف فى الضمير الذى فى لقائه على من يعود فقال قتادة وغيره يعود على موسى والمعنى فلا تكن يا محمد فى شك من انك تلقى موسى اي فى ليلة الاسراء وهذا قول جماعة من السلف وقالت فرقة الضمير عائد على الكتاب اي فلا تكن فى شك من لقاء موسى للكتاب ص وقيل يعود على الكتاب على تقدير مضمر اي من لقاء مثله اي ءاتيناك مثل ما ءاتينا موسى والتأويل الاول هو الظاهر انتهى والمرية الشك والضمير فى جعلناه يحتمل أن يعود على الكتاب او على موسى قاله قتادة وقوله تعالى ان ربك هو يفصل بينهم الاية حكم يعم جميع الخلق وذهب بعضهم الى تخصيص الضمير وذلك ضعيف وقوله تعالى او لم يهد معناه يبين قاله ابن عباس والفاعل بيهدى هو الله فى قول فرقة والرسول فى قول فرقة وقرأ ابو عبد الرحمن نهد بالنون وهى قراءة الحسن وقتادة فالفاعل الله تعالى والضمير فى يمشون يحتمل ان يكون للمخاطبين او للمهلكين والجرز الارض العاطشة التى قد اكلت نباتها من العطش والقيظ ومنه قيل للاكول جروز وقال ابن عباس وغيره الارض الجرز ارض ابين من اليمن وهى ارض تشرب بسيول لا بمطر وفى البخارى وقال ابن عباس الجرز التى لم تمطر الا مطرا لا يغنى عنها شيأ انتهى ثم حكى سبحانه عن الكفرة انهم يستفتحون ويستعجلون فصل القضاء بينهم وبين الرسل على معنى الهزء والتكذيب والفتح الحكم هذا قول جماعة من المفسرين وهو اقوى الاقوال قال مجاهد والفتح هنا هو حكم الاية الاخرة ثم امر تعالى نبيه عليه السلام بالاعراض عن الكفرة وانتظار الفرج وهذا مما نسخته ءاية السيف وقوله انهم منتظرون اي العذاب بمعنى هذا حكمهم وان كانوا لا يشعرون تفسير سورة الاحزاب وهى مدنية باجماع فيما علمت بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى يا ايها النبى ءاتق الله آلاية قوله اتق معناه دم على التقوى ومتى امر احد بشيىء وهو به متلبس فانما معناه الدوام فى المستقبل على مثل الحالة الماضية وحذره تعالى من طاعة الكافرين والمنافقين تنبيها على عداوتهم وان لا يطمئن الى ما يبدونه من نصائحهم والباء فى قوله وكفى بالله زائدة على مذهب سيبويه وكأنه قال وكفى الله وغيره يراها غير زائدة متعلقة بكفى على انه بمعنى اكتف بالله واختلف فى السبب فى قوله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه فقال ابن عباس سببها ان بعض المنافقين قال ان محمدا له قلبان وقيل غير هذا قال ع ويظهر من الاية يحملتها انها نفى لاشياء كانت العرب تعتقدها فى ذلك الوقت واعلام بحقيقة الامر فمنها ان العرب كانت تقول ان الانسان له قلب يأمره وقلب ينهاه وكان تضادا الخواطر يحملها على ذلك وكذلك كانت العرب تعتقد الزوجة اذا ظاهر منها بمنزلة الام وتراه طلاقا وكانت تعتقد الدعى المتبنى ابنا فنفى الله ما اعتقدوه من ذلك وقوله سبحانه وما جعل ادعياءكم أبناءكم سببها امر زبد بن حارثة كانوا يدعونه زيد بن محمد والسبيل هنا سبيل الشرع والايمان ثم امر تعالى فى هذه الاية بدعاء الادعياء لآبائهم اي الى ءابائهم للصلب فمن جهل ذلك فيه كان مولى واخا فى الدين فقال الناس زيد بن حارثة وسالم مولى ابى حذيفة الى غير ذلك واقسط معناه اعدل وقوله عز و جل وليس عليكم جناح الاية رفع الحرج عمن وهم ونسى واخطأ فجرى على العادة من نسبة زيد الى محمد وغير ذلك مما يشبهه وابقى الجناح فى المتعمد والخطأ مرفوع عن هذه الامة عقابه قال صلى الله عليه و سلم وضع عن امتى الخطأ مرفوع والنسيان وما اكرهوا عليه وقال عليه السلام ما اخشى عليكم الخطأ وانما اخشى العمد قال السهيلى ولما نزلت الاية وامتثلها زيد فقال انا زيد بن حارثة جبر الله وحشته وشرفه بان سماه باسمه فى القرءان فقال فلما قضى زيد منها وطرا ومن ذكره سبحانه باسمه فى الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرءانا يتلى فى المحاريب فقد نوه به غاية التنويه فكان فى هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم له الا ترى الى قول ابى بن كعب حين قال له النبى صلى الله عليه و سلم ان الله تعالى امرنى ان اقرأ عليك سورة كذا فبكى ابى وقال او ذكرت هنالك وكان بكاؤه من الفرح حين اخبر ان الله تعالى ذكره فكيف بمن صار اسمه قرءانا يتلى مخلدا لا يبيد يتلوه اهل الدنيا اذا قرءوا القرءان واهل الجنة كذلك فى الجنان ثم زاده في الاية غاية الاحسان ان قال واذ تقول للذى انعم الله عليه يعنى بالايمان فدل على انه عند الله من اهل الجنان وهذه فضيلة اخرى هى غاية منتهى امنية الانسان انتهى وقوله تعالى النبى اولى بالمومنين من انفسهم ازال الله بهذه الاية احكاما كانت فى صدر الاسلام منها ان النبى صلى الله عليه و سلم كان لا يصلى على ميت عليه دين فدكر الله تعالى انه اولى بالمؤمنين من انفسهم فجمع هذا ان المومن يلزم ان يحب النبى صلى الله عليه و سلم اكثر من نفسه حسب حديث عمر بن الخطاب ويلزم ان يمتثل اوامره احبت نفسه ذلك او كرهت وقال النبى صلى الله عليه و سلم حين نزلت هذه الاية انا اولى بالمؤمنين من انفسهم من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا اوضياعا فالى وعلى انا وليه اقرءوا ان شئتم النبى اولى بالمؤمنين من انفسهم ت ولفظ البخارى من رواية ابى هريرة ان النبى صلى الله عليه و سلم قال ما من مؤمن الا وانا اولى به فى الدنيا وآلاخرة اقرءوا ان شئتم النبى اولى بالمؤمنين من انفسهم فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا فان ترك دينا اوضياعا فلياتنى فأنا مولاه قال ابن العربى فى احكامه فهذا الحديث هو تفسير الولاية فى هذه الاية انتهى قال ع وقال بعض العارفين هو صلى الله عليه و سلم اولى بالمؤمنين من انفسهم لأن انفسهم تدعوهم الى الهلاك وهو يدعوهم الى النجاة قال ع ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه و سلم فانا ءاخذ بحجزكم عن النار وانتم تقحمون فيها تقحم الفراش قال عياض فى الشفا قال اهل التفسير فى قوله تعالى النبى ءاولى بالمؤمنين من انفسهم اي ما انفذه فيهم من امر فهو ماض عليهم كما يمضى حكم السيد على عبده وقيل اتباع امره اولى من اتباع رأى النفس انتهى وشرف تعالى ازواج نبيه بأن جعلهن امهات المؤمنين فى المبرة وحرمة النكاح وفى مصحف ابى بن كعب وازواجه امهاتهم وهو اب لهم وقرأ ابن عباس من انفسهم وهو اب لهم ووافقه ابى على ذلك ثم حكم تعالى بأن اولى الارحام بعضهم اولى ببعض فى التوارث مما كانت الشريعة وقررته من التوارث باخوة الاسلام وفى كتاب الله يحتمل ان يريد القرءان او اللوح المحفوظ وقوله من المؤمنين متعلق بأولى الثانية وقوله تعالى الا ان تفعلوا الى اوليائكم معروفا يريد الاحسان فى الحياة والصلة والوصية عند الموت والكتاب المسطور يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا وقوله سبحانه وإذ اخذنا من النبيين ميثاقهم 6 المعنى واذكر اذ اخذنا من النبيين وهذا الميثاق قال الزجاج وغيره انه الذى اخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب ءادم كالذر بالتبليغ وبجميع ما تضمنته النبوءة وروى نحوه عن ابى بن كعب وقالت فرقة بل اشار الى اخذ الميثاق عليهم وقت بعثهم والقاء الرسالة اليهم وذكر تعالى النبيين جملة ثم خصص اولى العزم منهم تشريفا لهم واللام فى قوله ليسأل يحتمل ان تكون لام كى او لام الصيرورة وقوله تعالى يا ايها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود الآيات الى قوله تعالى يا ايها النبى قل لازواجك نزلت فى شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من امر بنى قريظة وذلك ان رسول الله صلى الله عليه و سلم اجلى بنى النضير من موضعهم عند المدينة الى خيبر فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود وخرجوا الى مكة مستنهضين قريشا الى حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم وجسروهم على ذلك وازمعت قريش السير الى المدينة ونهض اليهود الى غطفان وبنى اسد ومن امكنهم من اهل نجد وتهامة فاستنفروهم الى ذلك وتحزبوا وساروا الى المدينة واتصل خبرهم بالنبى صلى الله عليه و سلم فحفر الخندق حول المدينة وحصنها فوردت الاحزاب وحصروا المدينة وذلك فى شوال سنة خمس وقيل اربع من الهجرة وكانت قريظة قد عاهدوا النبى صلى الله عليه و سلم وعاقدوه الا يلحقه منهم ضرر فلما تمكن ذلك الحصار وداخلهم بنو النضير غدروا رسول الله صلى الله عليه و سلم ونقضوا عهده وضاق الحال على المومنين ونجم النفاق وساءت ظنون قوم ورسول الله صلى الله عليه و سلم مع ذلك يبشر ويعد النصر فالقى الله عز و جل الرعب فى قلوب الكافرين وتخاذلوا ويئسوا من الظفر وارسل الله عليهم ريحا وهى الصبا وملائكة تسدد الريح وتفعل نحو فعلها وتلقى الرعب فى قلوب الكفرة وهى الجنود التى لم تر فارتحل الكفرة وانقلبوا خائبين وقوله تعالى اذ جاءوكم من فوقكم يريد اهل نجد مع عيينه بن حصن ومن اسفل منكم يريد اهل مكة وسائر تهامة قاله مجاهد وزاغت الابصار معناه مالت عن مواضعها وذلك فعل الواله الفزع المختبل وبلغت القلوب الحناجر عبارة عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها ويجد كان حشوته وقلبه يصعد علوا وروى ابو سعيد ان المؤمنين قالوا يوم الخندق يا نبى الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شىء نقوله قال نعم قولوا اللهم استر عوراتنا وامن روعاتنا فقالوها فضرب الله وجوه الكفار بالريح فهزمهم وقوله سبحانه وتظنون بالله الظنونا الاية عبارة عن خواطر خطرت للمومنين لا يمكن البشر دفعها واما المنافقون فنطقوا ونجم نفاقهم وابتلى المؤمنون معناه اختبروا وزلزلوا معناه حركوا بعنف ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمرضى القلوب على جهة الذم لهم ما وعدنا الله ورسوله الاغرورا فروى عن يزيد بن رومان ان معتب بن قشير قال يعدنا محمد ان نفتتح كنوز كسرى وقيصر ومكة ونحن آلان لا يقدر احدنا ان يذهب الى الغائط ما يعدنا الا غرورا وقال غيره من المنافقين نحو هذا وقوله سبحانه واذ قالت طائفة منهم اي من المنافقين لا مقام لكم اي لا موضع قيام وممانعة فارجعوا الى منازلكم وبيوتكم وكان هذا على جهة التخذيل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والفريق المستأذن هو اوس بن قيظي استأذن فى ذلك على اتفاق من اصحابه المنافقين فقال ان بيوتنا عورة اي منكشفة للعدو فاكذبهم الله تعالى ولو دخلت المدينة من اقطارها اي من نواحيها واشتد الخوف الحقيقى ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد واصحابه لبادروا اليها واتوها محبين فيها ولم يتلبثوا فى بيوتهم لحفظها الايسيرا قيل قدر ما ياخذون سلاحهم ثم اخبر تعالى عنهم انهم قد كانوا عاهدوا الله اثر احد لا يولون الادبار وفى قوله تعالى وكان عهد الله مسئولا توعد وباقى الاية بين ثم وبخهم بقوله قد يعلم الله المعوقين منكم وهم الذين يعوقون الناس عن نصره الرسول ويمنعونهم بالاقوال والافعال من ذلك ويسعون على الدين واما القائلون لاخوانهم هلم الينا فقال ابن زيد وغيره اراد من كان من المنافقين يقول لاخوانه فى النسب وقرابته هلم اي الى المنازل والاكل والشرب واترك القتال وروى ان جماعة منهم فعلت ذلك واصل هلم ها المم وهذا مثل تعليل رد من اردد والبأس القتال والا قليلا معناه الا اتيانا قليلا واشحة جمع شحيح والصواب تعميم الشح ان يكون بكل ما فيه للمومنين منفعة وقوله فإذا جاء الخوف قيل معناه فإذا قوى الخوف رأيت هؤلاء المنافقين ينظرون اليك نظر الهلع المختلط الذى يغشى عليه فاذا ذهب ذلك الخوف العظيم وتنفس المختنق سلقوكم اي خاطبوكم بليغة يقال خطيب سلاق ومسلاق ومسلق ولسان ايضا كذلك اذا كان فصيحا مقتدرا ووصف الألسنة بالحدة لقطعها المعانى ونفوذها في الاقوال قالت فرقة وهذا السلق هو فى مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة وقوله اشحة حال من الضمير فى سلقوكم وقوله على الخير يدل على عموم الشح فى قوله اولا اشحة عليكم وقيل المراد بالخير المال اي اشحة على مال الغنائم والله اعلم ثم اخبر تعالى عنهم انهم لم يؤمنوا وجمهور المفسرين على ان هذه الاشارة الى منافقين لم يكن لهم قط ايمان ويكون قوله فأحبط الله اعمالهم اي انها لم تقبل قط والاشارة بذلك فى قوله وكان ذلك الى حبط اعمال هؤلاء المنافقين والضمير فى قوله يحسبون الاحزاب للمنافقين والمعنى انهم من الفزع والجزع بحيث رحل الاحزاب وهزمهم الله تعالى وهؤلاء يظنون انها من الخدع وانهم لم يذهبوا وان يأت الاحزاب اي يرجعوا اليهم كرة ثانية يودوا من الخوف والجبن لو انهم بادون اي خارجون الى البادية فى الاعراب وهم أهل العمود ليسلموا من القتال يسئلون اي من ورد عليهم ثم سلى سبحانه عنهم وحقر شأنهم بأن اخبر انهم لو حضروا لما اغنوا ولما قاتلوا الا قتالا قليلا لا نفع له ثم قال تعالى على جهة الموعظة لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة حين صبر وجاد بنفسه واسوة معناه قدوة ورجاء الله تابع للمعرفة به ورجاء اليوم آلاخر ثمرة العمل الصالح وذكر الله كثيرا من خير الاعمال فنبه عليه ت وعن ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ان الله عز و جل يقول انا مع عبدى اذا هو ذكرنى وتحركت بى شفتاه رواه ابن ماجة واللفظ له وابن حبان فى صحيحه ورواه الحاكم فى المستدرك من حديث ابى الدرداء وروى جابر بن عبد الله قال خرج علينا النبى صلى الله عليه و سلم فقال يا ايها الناس ان الله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر فى الارض فارتعوا فى رياض الجنة قالوا واين رياض الجنة يا رسول الله قال مجالس الذكر فاغدوا وروحوا فى ذكر الله وذكروه انفسكم من كان يحب ان يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث انزله من نفسه رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الإسناد وعن معاذ بن جبل قال سألت النبى صلى الله عليه و سلم اي الاعمال احب الى الله تعالى قال ان تموت ولسانك رطب من ذكر الله رواه ابن حبان فى صحيحه انتهى من السلاح ولولا خشية الاطالة لأتيت فى هذا الباب باحاديث كثيرة وروى ابن المبارك فى رقائقه قال اخبرنا سفيان ابن عيينة عن ابن ابى نجيح عن مجاهد قال لا يكون الرجل من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا انتهى وفى مصحف ابن مسعود يحسبون الاحزاب قد ذهبوا فاذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا انهم بادون فى الاعراب وقوله تعالى ولما رأى المؤمنون الاحزاب الاية قالت فرقة لما امر رسول الله صلى الله عليه و سلم بحفر الخندق اعلمهم بأنهم سيحصرون وامرهم بالاستعداد لذلك واعلمهم بانهم سينصرون بعد ذلك فلما رأوا الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله آلاية وقالت فرقة ارادوا بوعد الله ما نزل فى سورة البقرة من قوله تعالى ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الى قوله قريب قال ع ويحتمل انهم ارادوا جميع ذلك ثم اثنى سبحانه على رجال عاهدوا الله على الاستقامة فوفوا وقضوا نحبهم اي نذرهم وعهدهم والنحب فى كلام العرب النذر والشيء الذى يلتزمه الانسان وقد يسمى الموت نحبا وبه فسر ابن عباس وغيره هذه آلاية ويقال للذى جاهد فى امر حتى مات قضى فيه نحبه ويقال لمن مات قضى فلان نحبه فممن سمى المفسرون انه اشير اليه بهذه الاية انس بن النضر عم انس بن مالك وذلك انه غاب عن بدر فساءه ذلك وقال لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم مشهدا ليرين الله ما اصنع فلما كان احد ابلى بلاء حسنا حتى قتل ووجد فيه نيف على ثمانين جرحا فكانوا يرون ان هذه الاية فى انس بن النضر ونظرائه وقالت فرقة الموصوفون بقضاء النحب هم جماعة من اصحاب النبى صلى الله عليه و سلم وفوا بعهود الاسلام على التمام فالشهداء منهم والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنة منهم الى من حصل فى هذه المرتبة ممن لم ينص عليه ويصحح هذه المقالة ايضا ما روى ان رسول الله صلى الله عليه و سلم كان على المنبر فقال له اعرابى يا رسول الله من الذى قضى نحبه فسكت عنه النبى صلى الله عليه و سلم ساعة ثم دخل طلحة بن عبيد الله على باب المسجد وعليه ثوبان اخضران فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اين السائل فقال ها انا ذا يا رسول الله قال هذا ممن قضى نحبه قال ع فهذا ادل دليل على ان النحب ليس من شرطه الموت وقال معاوية بن ابى سفيان انى سمعت النبى صلى الله عليه و سلم يقول طلحة ممن قضى نحبه وروت عائشة نحوه وقوله تعالى ومنهم من ينتظر يريد ومنهم من ينتظر الحصول فى اعلى مراتب الايمان والصلاح وهم بسبيل ذلك وما بدلوا ولاغيروا واللام فى ليجزي يحتمل ان تكون لام الصيرورة او لام كيى وتعذيب المنافقين ثمرة ادامتهم الإقامة على النفاق الى موتهم والتوبة موازية لتلك الإدامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إدامة على نفاق اوتوبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب او رحمة ثم عدد سبحانه نعمة على المؤمنين فى هزم الاحزاب فقال ورد الله الذين كفروا بغيظهم الاية وقوله تعالى وانزل الذين ظاهروهم يريد بنى قريظة وذلك انهم لما غدروا وظاهروا الاحزاب اراد الله النقمة منهم فلما ذهب الاحزاب جاء جبريل الى النبى صلى الله عليه و سلم وقت الظهر فقال يا محمد ان الله يامرك بالخروج الى بنى قريظة فنادى رسول الله صلى الله عليه و سلم فى الناس وقال لهم لا يصلين احد العصر الا فى بنى قريظة فخرج الناس اليهم وحصرهم النبى صلى الله عليه و سلم خمسا وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم سعد بان تقتل المقاتلة وتسبى الذرية والعيال والاموال وان تكون الارض والثمار للمهجرين دون الانصار فقالت له الانصار فى ذلك فقال اردت ان يكون للمهاجرين اموال كما لكم اموال فقال له النبى صلى الله عليه و سلم لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة ارقعة فامر صلى الله عليه و سلم برجالهم فضربت اعناقهم وفيهم حيي بن اخطب النضيري وهو الذى كان ادخلهم فى الغدر وظاهر معناه عاونوهم والصياصي الحصون واحدها صيصة وهى كل ما يتمنع به ومنه يقال لقرون البقر الصياصى والفريق المقتول الرجال والفريق الماسور العيال والذرية وقوله سبحانه وارضا لم تطئوها يريد بها البلاد التى فتحت على المسلمين بعد كالعراق والشام واليمن وغيرها فوعد الله تعالى بها عند فتح حصون بنى قريظة واخبر انه قد قضى بذلك قاله عكرمة وقوله تعالى يا ايها النبى قل لازواجك ان كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها الاية ذكر جل المفسرين ان ازواج النبى صلى الله عليه و سلم سألنه شيأ من عرض الدنيا وآذينة بزيادة النفقة والغيرة فهجرهن وءالى ان لا يقربهن شهرا فنزلت هذه الاية فبدأ بعائشة وقال يا عائشة اني ذاكرلك امرا ولا عليك ان لا تعجلى حتى تستأمرى ابويك ثم تلا عليها آلاية فقالت له وفى اي هذا استمر أبوي فانى اريد الله ورسوله والدار الاخرة قالت وقد علم ان ابوى لا يامرانى بفراقه ثم تتابع ازواج النبى صلى الله عليه و سلم على مثل قول عائشة فاخترن الله ورسوله رضى الله عنهن قالت فرقة قوله بفاحشته مبينة يعم جميع المعاصى ولزمهن رضى الله عنهن بحسب مكانتهن اكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الاجر والعذاب وقوله ضعفين معناه يكون العذاب عذابين اي يضاف الى عذاب سائر الناس عذاب آخر مثله ويقنت معناه يطيع ويخضع بالعبودية قاله الشعبى وقتادة والرزق الكريم الجنة ثم خاطبهن الله سبحانه بأنهن لسن كأحد من نساء عصرهن فما بعد بل هن افضل بشرط التقوى وانما خصصنا النساء لان فيمن تقدم ءاسية ومريم فتأمله وقد اشار الى هذا قتادة ثم نهاهن سبحانه عما كانت الحال عليه فى نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم القول ولا تخضعن معناه لا تلن قال ابن زيد خضع القول ما يدخل فى القلوب الغزل والمرض فى هذه آلاية قال قتادة هو النفاق وقال عكرمة الفسق والغزل والقول المعروف هو الصواب الذى لا تنكره الشريعة ولا النفوس وقرأ الجمهور وقرن بكسر القاف وقرأ نافع وعاصم وقرن بالفتح فأما الأولى فيصح ان تكون من الوقار ويصح ان تكون من القرار واما قرءاة الفتح فعلى لغة العرب قررت بكسر الراء اقر بفتح القاف فى المكان وهى لغة ذكرها ابو عبيد فى الغريب المصنف وذكرها الزجاج وغيره فامر الله تعالى فى هذه آلايةنساء النبى بملازمة بيوتهن ونهاهن عن التبرج والتبرج اظهار الزينة والتصنع بها ومنه البروج لظهورها وانكشافها للعيون واختلف الناس فى الجاهلية الاولى فقال الشعبى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام وقيل غير هذا قال ع والذى يظهر عندى انه اشار الى الجاهلية التى لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهى ما كان قبل الشرع من سبره الكفرة وجعلها اولى بالاضافة الى حاله الاسلام وليس المعنى ان ثم جاهلية آخرة والرجس اسم يقع على الاثم وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص فاذهب الله جميع ذلك عن اهل البيت قالت ام سلمة نزلت هذه الاية فى بيتى فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فدخل معهم تحت كساء خيبريى وقال هؤلاء اهل بيتى وقرأ الاية وقال اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت ام سلمة فقلت وانا يا رسول الله فقال انت من ازواج النبى صلى الله عليه و سلم وانت الى خير والجمهور على هذا وقال ابن عباس وغيره اهل البيت ازواجه خاصة والجمهور على ما تقدم قال ع والذى يظهر لى ان اهل البيت ازواجه وبنته وبنوها وزوجها اعنى عليا ولفظ الاية يقتضى ان الزوجات من اهل البيت لان الاية فيهن والمخاطبة لهن قال ص واهل البيت منصوب على النداء او على المدح او على الاختصاص وهو قليل فى المخاطب واكثر ما يكون فى المتكلم كقوله ... نحن بنات طارق ... نمشى على النمارق ... انتهى ت واستصوب ابن هشام نصبه على النداء قاله فى المغني وقوله تعالى واذكرن يعطى ان اهل البيت نساؤه وعلى قول الجمهور هى ابتداء مخاطبة والحكمة السنة فقوله واذكرن يحتمل مقصدين كلا هما موعظة احدهما ان يريد تذكرنه واقدرنه قدرة وفكرن فى ان من هذه حالة ينبغى ان تحسن افعاله والثانى ان يريد اذكرن بمعنى احفظن واقرأن والزمنه السنتكن ت ويحتمل ان يراد باذكرن افشاؤه ونشره للناس والله اعلم وهذا هو الذى فهمه ابن العربى من الاية فانه امر الله ازواج رسوله ان يخبرن بما ينزل من القرءان فى بيوتهن وبما يرين من افعال النبى صلى الله عليه و سلم واقواله حتى يبلغ ذلك الى الناس فيعملوا بما فيه ويقتدوا به انتهى وهو حسن وهو ظاهر آلاية وقد تقدم له نحو هذا في قوله تعالى وان امرأة خافت من بعلها نشوزا او اعراضا الاية ذكره فى احكام القرءان وقوله تعالى ان المسلمين والمسلمات الاية روى فى سببها ان ام سلمة قالت يا رسول الله يذكر الله تعالى الرجال فى كتابة فى كل شيىء ولا يذكرنا فنزلت آلاية فى ذلك والفاظ الاية فى غاية البيان وقوله سبحانه والذاكرين الله كثيرا والذاكرات الاية وفى الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم قال سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رواه مسلم واللفظ له والترمذى وعنده قالوا يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون فى ذكر الله يضع الذكر عنهم اثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا قال عياض والمفردون ضبطناه على متقنى شيوخنا بفتح الفاء وكسر الراء وقال ابن الأعرابى فرد الرجل اذا تفقه واعتزل الناس وخلا لمراعاة الامر والنهى وقال الازهرى هم المتخلون من الناس بذكر الله تعالى وقوله المستهترون فى ذكر الله هو بفتح التاءين المثناتين يعنى الذين اولعوا بذكر الله يقال استهتر فلان بكذا اي اولع به انتهى من سلاح المومن وقوله سبحانه وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا ان تكون لهم الخيرة الاية قوله وما كان لفظه النفى ومعناه الحظر والمنع والخيرة مصدر بمعنى التحيز قال ابن زيد نزلت هذه الآية بسبب ان ام كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط وهبت نفسها للنبى فزوجها من زيد بن حارثة فكرهت ذلك هى واخوها فنزلت الاية بسبب ذلك فأجابا الى تزويج زيد وقيل غير هذا والعصيان هنا يعم الكفر فما دون وفى حديث الترمذى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال من سعادة ابن ءادم رضاه بما قضاه الله ومن شقاوة ابن ءادم سخطه بما قضاه الله له انتهى وفقوله تعالى واذ تقول للذى انعم الله عليه وانعمت عليه الاية ذهب جماعة من المتأولين الى ان الاية لا كبير عتب فيها على النبى صلى الله عليه و سلم فروى عن علي بن الحسين ان النبى صلى الله عليه و سلم كان قد اوحى اليه ان زيدا يطلق زينب وانه يتزوجها بتزويج الله اياها له فلما تشكى زيد للنبى صلى الله علليه وسلم خلق زينب وانها لا تطيعه واعلمه بأنه يريد طلاقها قال له النبى صلى الله عليه و سلم على جهة الأدب والوصية اتق الله اي فى قولك وامسك عليك زوجك وهو يعلم انه سيفارقها وهذا هو الذى اخفى صلى الله عليه و سلم فى نفسه ولم يرد ان يأمره بالطلاق لما علم من انه سيتزوجها وخشى صلى الله عليه و سلم ان يلحقه قول من الناس فى ان يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه وقد امره بطلاقها فعاتبه الله على هذا القدر من ان خشي الناس فى شىء قد اباحه الله تعالى له قال عياض وتأويل علي بن الحسين احسن التأويلات واصحها وهو قول ابن عطاء وصححه واستحسنه انتهى وقوله أنعم الله عليه يعنى بالاسلام وغير ذلك وانعمت عليه يعنى بالعتق وهو زيد بن حارثة وزينب هى بنت جحش بنت اميمة بنت عبد المطلب عمه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم اعلم تعالى نبيه انه زوجها منه لما قضى زيد وطره منها لتكون سنة للمسلمين فى ازواج ادعيائهم وليبين انها ليست كحرمة البنوة والوطر الحاجة والبغية وقوله تعالى وكان امر الله مفعولا فيه حذف مضاف تقديره وكان حكم امر الله او مضمن امر الله والا فالامر قديم لا يوصف بأنه مفعول ويحتمل ان يكون الأمر واحد الأمور التى شأنها ان تفعل وعبارة الواحدي وكان امر الله مفعولا اي كائنا لا محالة وكان قد قضى فى زينب ان يتزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم انتهى وقوله تعالى ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له الاية هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة اعلمهم انه لا حرج على نبيه فى نيل ما فرض الله له واباحه من تزويجه لزينب بعد زيد ثم اعلم ان هذا ونحوه هو السنن الأقدم فى الأنبياء من ان ينالوا ما احله الله لهم وعبارة الواحدي ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له اي احل الله له من النساء سنة الله فى الذين خلوا من قبل يقول هذه سنة قد مضت لغيرك يعنى كثرة ازواج داود وسليمان عليهما السلام وكان امر الله قدرا مقدورا قضاء مقضيا الذين يبلغون رسالات الله من نعت قوله فى الذين خلو من قبل انتهى وقوله تعالى ما كان محمد ابا احد من رجالكم الى قوله كريما اذهب الله بهذه الاية ما وقع فى نفوس المنافقين وغيرهم لانهم استعظموا ان تزوج زوجة ابنه فنفى القرءان تلك البنوة وقوله ابا احد من رجالكم يعنى المعاصرين له وباقى الاية بين ثم امر سبحانه عباده بان يذكروه ذكرا كثيرا وجعل تعالى ذلك دون حد ولا تقرير لسهولته على العبد ولعظم الاجر فيه قال ابن عباس لم يعذر احد فى ترك ذكر الله عز و جل الا من غلب على عقله وقال الذكر الكثير ان لا تنساه ابدا وروى ابو سعيد عن النبى صلى الله عليه و سلم اكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون ت وهذا الحديث خرجه ابن حبان فى صحيحه وقوله وسبحوه بكرة واصيلا اراد فى كل الأوقات فحدد الزمن بطر فى نهاره وليله والاصيل من العصر الى الليل وعن ابن ابى اوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله رواه الحاكم فى المستدرك انتهى من السلاح وقوله سبحانه هو الذى يصلى عليكم وملائكته الاية صلاة الله على العبد هى رحمته له وصلاة الملائكة هى دعاؤهم للمؤمنين ثم اخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تانيسا لهم وقوله تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام قيل يوم القيامة تحي الملائكة المؤمنين بالسلام ومعناه السلامة من كل مكروه وقال قتادة يوم دخولهم الجنة يحي بعضهم بعضا بالسلام والاجر الكريم جنة الخلد فى جوار الله تبارك وتعالى وقوله تعالى يا ايها النبى انا ارسلناك شاهدا ومبشرا الاية هذه آلاية فيها تانيس للنبى صلى الله عليه و سلم وللمومنين وتكريم لجميعهم وقوله وداعيا الى الله باذنه اي بأمره وسراجا منيرا استعارة للنور الذى تضمنه شرعه وقوله تعالى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا قال ع قال لنا ابى رحمه الله هذه الاية من ارجى ءاية عندى فى كتاب الله عز و جل قال ابو بكر بن الخطيب اخبرنا ابو نعيم الحافظ ثم ذكر سنده الى ابن عباس قال قال النبى صلى الله عليه و سلم انزلت على ءاية يا ايها النبى انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا قال شاهدا على امتك ومبشرا بالجنة ونذيرا من النار وداعيا الى شهادة ان لا اله الا الله باذنه بأمره وسراجا منيرا بالقرءان انتهى من تاريخ بغداد له من ترجمة محمد بن نصر وقوله تعالى ودع اذاهم يحتمل ان يريد ان يأمره تعالى بترك ان يؤذيهم هو ويعاقبهم فالمصدر على هذا مضاف الى المفعول ويحتمل ان يريد اعرض عن اقوالهم وما يوذونك به فالمصدر على هذا التأويل مضاف الى الفاعل وهذا تاويل مجاهد وباقي الاية بين وقوله تعالى يا ايها النبى انا احللنا لك ازواجك الاية ذهب ابن زيد والضحاك فى تفسير هذه الاية الى ان الله تعالى احل لنبيه ان يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها واباح له كل النساء بهذا الوجه وانما خصص هؤلاء بالذكر تشريفا لهن فالاية على هذا التأويل فيها اباحة مطلقة فى جميع النساء حاشى ذوات المحارم المذكور حكمهن فى غير هذه الاية ثم قال بعد هذا تزجى من تشاء منهن اي من هذه الأصناف كلها ثم تجرى الضمائر بعد ذلك على العموم الى قوله تعالى ولا ان نبدل بهن فيجىء هذا الضمير مقطوعا من الاول عائدا على ازواجه التسع فقط على الخلاف فى ذلك وتأول غير ابن زيد فى قوله احللنا لك ازواجك من فى عصمته ممن تزوجها بمهروان ملك اليمين بعد حلال له وان الله اباح له مع المذكورات بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ممن هاجر معه والواهبات خاصة فيجىء الامر على هذا التأويل اضيق على النبى عليه السلام ويؤيد هذا التاويل ما قاله ابن عباس كان النبى صلى الله عليه و سلم يتزوج فى اي النساء شاء وكان ذلك يشق على نسائه فلما نزلت هذه الاية وحرم عليه بها النساء الا من سمى سر نساؤه بذلك وقوله سبحانه وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبى الاية قال السهيلى ذكر البخارى عن عائشة انها قالت كانت خولة بنت حكيم من اللاتى وهبن انفسهن لرسول الله صلى الله عليه و سلم فدل على انهن كن غير واحدة انتهى وقوله خالصة لك اي هبة النساء انفسهن خاصة بك دون امتك قال ع ويظهر من لفظ ابى بن كعب ان معنى قوله خالصة لك يراد به جميع هذه الإباحة لأن المؤمنين لم يبح لهم الزيادة على اربع وقوله تعالى قد علمنا فرضنا عليهم فى ازواجهم يريد هو كون النكاح بالولى والشاهدين والمهر والاقتصار على اربع قاله قتادة ومجاهد وقوله لكي لا اي بينا هذا البيان لكى لا يكون عليك حرج ويظن بك انك قد اثمت عند ربك وقوله تعالى ترجي من تشاء منهن الاية ترجى معناه تؤخر وتئوى معناه تضم وتقرب ومعنى هذه الاية ان الله تعالى فسح لنبيه فيما يفعله فى جهة النساء والضمير فى منهن عائد على من تقدم ذكره من الاصناف حسب الخلاف المذكور فى ذلك وهذا الارجاء والإيواء يحتمل معانى منها ان المعنى فى القسم اي تقرب من شئت فى القسمة لها من نفسك وتؤخر عنك من شئت وتكثر لمن شئت وتقل لمن شئت لا حرج عليك فى ذلك فاذا علمن هن ان هذا هو حكم الله لك رضين وقرت اعينهن وهذا تأويل مجاهد وقتادة والضحاك قال ع لان سبب هذه آلاية تغاير وقع بين زوجات النبى صلى الله عليه و سلم تأذى به وقال ابن عباس المعنى فى طلاق من شاء وامساك من شاء وقال الحسن بن ابي الحسن المعنى فى تزوج من شاء وترك من شاء قال ع وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على النبى صلى الله عليه و سلم والاباحة له وذهب هبة الله فى الناسخ المنسوخ له الى ان قوله ترجى من تشاء الآية ناسخ لقوله لا يحل لك النساء من بعد الاية وقوله تعالى ومن ابتغيت ممن عزلت يحتمل معانى احدها ان تكون من للتبعيض اي من اردت وطلبته نفسك ممن كنت قد عزلته واخرته فلا جناح عليك فى رده الى نفسك وإيواءه اليك ووجه ثان وهو ان يكون مقويا وموكدا لقوله ترجى من تشاء وتئوى من تشاء فيقول بعد ومن ابتغيت ومن عزلت فذلك سواء لاجناح عليك فى رده نفسك وايوائه اليك وقوله ويرضين بما ءاتيتهن اي من نفسك ومالك واتفقت الروايات على انه عليه السلام مع ما جعل الله له من ذلك كان يسوى بينهن فى القسم تطييبا لنفوسهن واخذا بالفضل وما خصه الله من الخلق العظيم صلى الله عليه و سلم وعلى ءاله غيره ان سودة وهبت يومها لعائشة تقمنا لمسرة رسول الله عليه وسلم وقوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد قيل كما قدمنا انها حظرت عليه النساء الا التسع وما عطف عليهن على ما تقدم لابن عباس وغيره قال ابن عباس وقتادة وجازاهن الله بذلك لما اخترن الله ورسوله ومن قال بأن الإباحة كانت له مطلقة قال هنا لا يحل لك النساء معناه لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات ولا ينبغى ان يكن امهات المؤمنين وروى هذا عن مجاهد وكذلك قدر ولا ان تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات وهو قول ابى رزين وابن جبير وفيه بعد وقوله تعالى يا ايها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى الا ان يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين اناه هذه آلاية تضمنت قصتين احداهما الأدب فى امر الطعام والجلوس والثانية امر الحجاب قال الجمهور سببها ان النبى صلى الله عليه و سلم لما تزوج زينب بنت جحش اولم عليها ودعا الناس فلما طعموا قعد نفر فى طائفة من البيت يتحدثون فثقل على النبى صلى الله عليه و سلم مكانهم فخرج ليخرجوا بخروجه ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم فى مكانهم وزينب فى البيت معهم فلما دخل ورءاهم انصرف فخرجوا عند ذلك قال انس بن مالك فاعلم او اعلمته بانصرافهم فجاء فلما وصل الحجرة ارخى الستر بينى وبينه ودخل ونزلت ءاية الحجاب بسبب ذلك قال اسماعيل بن ابى حكيم هذا ادب ادب الله به الثقلاء وقالت عائشة وجماعة سبب الحجاب كلام عمر للنبى صلى الله عليه و سلم مرارا فى ان يحجب نساءه وناظرين معناه منتظرين واناه مصدرانى الشىء يأنى انى اذا فرغ وحان ولفظ البخارى يقال اناه ادراكه انى يأنى اناءه انتهى وقوله تعالى والله لا يستحى من الحق معناه لا يقع منه ترك الحق ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفى عنه تعالى العلة الموجبة لذلك فى البشر وعن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث لا يحل لأحد ان يفعلهن لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فان فعل فقد خانهم ولا ينظر فى قعر بيت قبل ان يستاذن فإن فعل فقد خان ولا يصلى وهو حاقن حتى يتخفف رواه ابو داود واللفظ له وابن ماجة والترمذى وقال الترمذى حديث حسن ورواهابو داود ايضا من حديث ابى هريرة انتهى من السلاح وقوله تعالى واذا سألتموهن متاعا الاية هى ءاية الحجاب والمتاع عام فى جميع ما يمكن ان يطلب من المواعين وسائر المرافق وباقى الاية بين وقد تقدم في سورة النور طرف من بيانه فأغنى عن اعادته وقوله تعالى ان الله وملائكته يصلون على النبى الاية تضمنت شرف النبى صلى الله عليه و سلم وعظيم منزلته عند الله تعالى قالت فرقة تقدير الاية ان الله يصلى وملائكته يصلون فالضمير فى قوله يصلون للملائكة فقط وقالت فرقة بل الضمير فى يصلون لله والملائكة وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته فلا يرد عليه الاعتراض الذى جاء فى قول الخطيب من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ضل فقال النبى صلى الله عليه و سلم بئس الخطيب انت وهذا القدر كاف هنا وصلاة الله تعالى رحمة منه وبركة وصلاة الملائكة دعاء وصلاة المؤمنين دعاء وتعظيم والصلاة على النبى صلى الله عليه و سلم فى كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التى لا يسع تركها ولا يغفلها الا من لا خير فيه وفى حديث ابن عباس انه لما نزلت هذه الاية قال قوم من الصحابة هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه فكيف نصلى عليك الحديث ت ولفظ البخارى عن كعب بن عجرة قال قيل يا رسول الله اما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة قال قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى ءال محمد كما باركت على ابراهيم انك حميد مجيد انتهى وفيه طرق يزيد فيها بعض الرواة على بعض وفى الحديث عنه صلى الله عليه و سلم ان من افضل ايامكم يوم الجمعة فأكثروا على من الصلاة فيه فان صلاتكم على الحديث رواه ابو داود والنساءى وابن ماجة واللفظ لأبى داود ورواه الحاكم فى المستدرك من حديث ابى مسعود الأنصارى وقال صحيح الإسناد وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من احد يسلم على الا رد الله على روحى حتى ارد عليه السلام وعنه قال قال النبى صلى الله عليه و سلم صلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم رواهما ابو داود وعن ابن مسعود ان النبى صلى الله عليه و سلم قال اولى الناس بي يوم القيامة اكثرهم على صلاة رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه ولفظهما سواء وقال الترمذى حسن غريب انتهى من السلاح وقوله سبحانه يدنين عليهن من جلابيبهن الجلباب ثوب اكبر من الخمار وروي عن ابن عباس وابن مسعود انه الخمار واختلف فى صورة ادنائه فقال ابن عباس وغيره ذلك ان تلويه المرأة حتى لا يظهر منها الا عين واحدة تبصر بها وقال ابن عباس ايضا وقتادة ذلك ان تلويه على الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وان ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه وقوله ذلك ادنى ان يعرفن اي حتى لا يختلطن بالإماء فاذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرائر وليس المعنى ان تعرف المرأة حتى يعلم من هى وكان عمر اذا رأى امة قد تقنعت قنعها بالدرة محافظة على زى الحرائر وقوله تعالى لئن لم ينته المنافقون الاية اللام فى قوله لئن هى المؤذنة بمجىء القسم واللام فى لنغرينك هى لام القسم ت وروى الترمذى عن ابن عمر قال صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال يا معشر من قد اسلم بلسانه ولم يفض الايمان الى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فانه من يتبع عورة اخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو فى جوف رحله الحديث اه ورواه ابو داود فى سننه من طريق ابى برزة الأسلمى عن النبى صلى الله عليه و سلم وتوعد الله سبحانه هذه الاصناف فى هذه الآية وقوله سبحانه والذين فى قلوبهم مرض المرض هنا هو الغزل وحب الزنا قاله عكرمة والمرجفون فى المدينة هم قوم كانوا يتحدثون بغزو العرب المدينة ونحو هذا مما يرجفون به نفوس المؤمنين فيحتمل ان تكون هذه الفرق داخلة في جملة المنافقين ويحتمل ان تكون متباينة ونغرينك معناه نحضك عليهم بعد تعيينهم لك وفى البخارى وقال ابن عباس لنغرينك لنسلطنك انتهى وقوله تعالى ثم لا يجاورونك اي بعد الاغراء لأنك تنفيهم بالاخافة والقتل وقوله الا قليلا يحتمل ان يريد الا جوارا قليلا او وقتا قليلا او عددا قليلا كأنه قال الا اقلاء وثقفوا معناه حصروا وقدر عليهم واخذوا معناه اسروا والا خيذ الا سير والذين خلوا هم منافقوا الأمم وباقى الاية متضح المعنى والسبيلا مفعول ثان لأن اضل متعد بالهمزة وهى سبيل الايمان والهدى والذين ءاذوا موسى هم قوم من بنى اسراءيل ابن عباس وابو هريرة وجماعة الاشارة الى ما تضمنه حديث النبى صلى الله عليه و سلم من ان بنى اسراءيل كانوا يغتسلون عراة وكان موسى رجلا ستيرا حييا لا يكاد يرى من جسده شىء فقالوا والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا الا انه ءادر اوبه برص فذهب يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فلج موسى فى اثره يقول ثوبى حجر ثوبى حجر فمر بهم فنظرواإليه فقالوا والله ما بموسى من بأس الحديث خرجه البخارى وغيره وقيل فى اذايتهم غير هذا فبرأه الله مما قالوا والوجيه المكرم الوجه والقول السديد يعم جميع الخيرات وقال عكرمة اراد لا اله الا الله وباقى الاية بين وقوله سبحانه انا عرضنا الأمانة على السموات والارض الآية ذهب الجمهور الى ان الأمانة كل شىء يؤتمن الانسان عليه من امر ونهى وشأن دين ودنيا فالشرع كله امانة ومعنى آلآية انا عرضنا على هذه المخلوقات العظام ان تحمل الأوامر والنواهي ولها الثواب ان احسنت والعقاب ان اساءت فابت هذه المخلوقات واشفقت فيحتمل ان يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها ويحتمل ان يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة وحمل الانسان الأمانة اى التزم القيام بحقها وهو فى ذلك ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه وهذا هو تأويل ابن عباس وابن جبير قال ابن عباس واصحابه والانسان ءادم تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى وقع فى امر الشجرة وقال بعضهم الانسان النوع كله فعلى تأويل الجمهور يكون قولهما فى لآية الأخرى اتينا طائعين اجابة لامر امرت به وتكون هذه الاية إباية واشفاقا من امر عرض عليها وخيرت فيه وقوله تعالى ليعذب اللام لام العاقبة وكذا قال ابو حيان اللام فى ليعذب للصيرورة لانه لم يحمل الامانة ليعذب ولكن ءال امره الى ذلك ص ابو البقاء اللام تتعلق بحملها وقرأ الأعمش ويتوب بالرفع على الاستيناف والله اعلم انتهى وباقى الاية بين تفسير سورة سبإ وهى مكية واختلف فى قوله تعالى ويرى الذين اوتوا العلم ألاية فقيل ذلك مكى وقيل مدنى بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى الحمد لله الذى له ما فى السموات وما فى الارض الالف واللام فى الحمد لاستغراق جنس المحامد اي الحمد على تنوعه هو لله تعالى من جميع جهات الفكرة ويلج معناه يدخل ويعرج معناه يصعد وقوله تعالى وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة روى ان قائل هذه المقالة هو ابو سفيان ابن حرب واللام من قوله ليجزى يصح ان تكون متعلقة بقوله لتأتينكم والذين معطوف على الذين الأولى اي وليجزى الذين سعوا ومعاجزين معناه محاولين تعجيز قدرة الله فيهم ثم اخبر تعالى بان الذين اوتوا العلم يرون الوحى المنزل على محمد عليه السلام حقا والذين اوتو العلم قيل هم من اسلم من اهل الكتاب وقال قتادة هم امة محمد المؤمنون به ثم حكى الله تعالى عن الكفار مقالتهم التى قالوها على جهة التعجب والهزء واستبعاد البعث هل ندلكم على رجل يعنون محمدا صلى الله عليه و سلم ينبئكم اذا مزقتم كل ممزق بالبلى وتقطع الاوصال فى القبور وغيرها وجديد بمعنى مجدد وقولهم افترى على الله كذبا هو ايضا من قول بعضهم لبعض ثم اضرب عن قولهم فقال بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب يريد عذاب الاخرة لأنهم صائرون اليه ويحتمل ان يريد عذاب الدنيا ايضا والضمير فى قوله افلم يروا لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالاخرة وقفهم الله على قدرته وخوفهم من احاطتها بهم والمعنى اليس يرون امامهم ووراءهم سماءى وارضى وباقى الاية بين ثم ذكر الله تعالى نعمته على داود وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا واوبى معناه رجعى معه قال ابن عباس وغيره معنها يا جبال سبحى معه اي يسبح هو وترجع هى معه التسبيح اي تردده بالذكر وقال مؤرج اوبى سبحى بلغة الحبشة وقرأ عاصم والطير بالرفع عطفا على لفظ قوله يا جبال وقرأ نافع وابن كثير والطير بالنصب قال سيبويه عطف على موضع قوله يا جبال لأن موضع المنادى المفرد نصب وقيل نصبها باضمار فعل تقديره وسخرنا الطير والنا له الحديد معناه جعلناه لينا وروى قتادة وغيره ان الحديد كان له كالشمع لا يحتاج فى عمله الى نار والسابغات الدروع الكاسيات ذوات الفضول وقوله تعالى وقدر فى السرد قال ابن زيد الذى امر به هو فى قدر الحلقة اي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع ولا تعملها كبيرة فينال لابسها من خلالها وقال ابن عباس التقدير الذى امر به هو فى المسمار وذكر البخارى فى صحيحه ذلك فقال المعنى لا تدق المسمار فيتسلل ولا تغلظه فينقصم بالقاف وبالفاء ايضا رواية ت قال الهروى قوله تعالى وقدر فى السرد السرد متابعة حلق الدرع شيأ بعد شىء حتى يتناسق يقال فلان يسرد الحديث سردا اي يتابعه انتهى وقوله تعالى ولسليمان الريح المعنى ولسليمان سخرنا الريح وغدوها شهر ورواحها شهر قال قتادة معناه انها كانت تقطع به فى الغدو الى قرب الزوال مسيرة شهر ونقطع فى الرواح من بعد الزوال الى الغروب مسيرة شهر وكان سليمان اذا اراد قوما لم يشعروا حتى يظلهم فى جو السماء وقوله تعالى واسلنا له عين القطر قال ابن عباس وغيره كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما احب والقطر النحاس ويزغ معناه يمل اي ينحرف عاصيا وقال عن امرنا ولم يقل عن ارادتنا لانه لا يقع فى العالم شىء يخالف ارادته سبحانه ويقع ما يخالف الامر وقوله من عذاب السعير قيل عذاب الاخرة وقيل بل كان قد وكل بهم ملك بيده سوط من نار السعير فمن عصى ضربه فاحرقه والمحاريب الابنية العالية الشريفة قال قتادة القصور والمساجد والتماثيل قيل كانت من زجاج ونحاس تماثيل اشياء ليست بحيوان والجوابي جمع جابية وهى البركة التى يجبى اليها الماء وراسيات معناه ثابتات لكبرها ليست مما ينقل او يحمل ولا يستطيع على عمله الا لجن ثم امروا مع هذه النعم بان يعملوا بالطاعات وشكرا يحتمل نصبه على الحال او على جهة المفعول اي اعملوا عملا هو الشكر كأن العبادات كلها هى نفس الشكر وفى الحديث ان النبى صلى الله عليه و سلم صعد المنبر فتلا هذه الاية ثم قال ثلاث من اوتيهن فقد اوتى العمل شكرا العدل فى الرضا والغضب والقصد فى الفقر والغنى وخشية الله فى السر والعلانية وهكذا نقل ابن العربى هذا الحديث فى احكامه وعبارة الداودى وعن النبى صلى الله عليه و سلم انه قرأ على المنبر اعملوا ءال داود شكرا وقال ثلاث من اوتيهن فقد اوتى مثل ما اوتى ءال داود العدل فى الغضب والرضا والقصد فى الفقر والغنى وذكر الله فى السر والعلانية قال القرطبى الشكر تقوى الله والعمل بطاعته انتهى قال ثابت روى ان داود كان قد جزأ ساعات الليل والنهار على اهله فلم تكن تاتى ساعة من ساعات الليل والنهار الا وانسان من آل داود قائم يصلى يتناوبون دائما وكان سليمان عليه السلام فيما روى يأكل الشعير ويطعم اهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك وروى انه ما شبع قط فقيل له فى ذلك فقال اخاف ان شبعت ان انسى الجياع وقوله تعالى وقليل من عبادى الشكور يحتمل ان تكون مخاطبة لآل داود ويحتمل ان تكون مخاطبة لنبينا محمد عليه السلام وعلى كل وجه ففيها تحريض وتنبيه قال ابن عطاء الله فى الحكم من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها وقال صاحب الكلم الفارقية لا تغفل عن شكر الصنائع وسرعة استرجاع الودائع وقال ايضا ياميتا نشر من قبر العدم بحكم الجود والكرم لا تنس سوالف العهود والذمم اذكر عهد الايجاد وذمة الاحسان والإرفاد وحال الإصدار والإيراد وفاتحة المبدأ وخاتمة المعاد وقال رحمة الله يا دائم الغفلة عن عظمة ربه اين النظر فى عجائب صنعه والتفكر فى غرائب حكمته اين شكر ما افاض عليك من ملابس احسانه ونعمه ياذا الفطنة اغتنم نعمة المهلة وفرصة المكنة وخلسة السلامة قبل حلول الحسرة والندامة انتهى قوله تعالى فلما قضينا عليه الموت الاية روى عن ابن عباس وابن مسعود فى قصص هذه الاية كلام طويل حاصلة ان سليمان عليه السلام لما احس بقرب اجله اجتهد عليه السلام وجد فى العبادة وجاءه ملك الموت واخبره انه امر بقبض روحه وانه لم يبق له الامدة يسيرة قال الثعلبى وقال سليمان عند ذلك اللهم علي الجن موتى حتى يعلم الانس ان الجن لا يعلمون الغيب وكانت الجن تخبر الانس انهم يعلمون من الغيب اشياء وانهم يعلمون ما فى غد ولما اعلمه ملك الموت بقرب الاجل امر حينئذ الجن فصنعت له قبة من زجاج تشف ودخل فيها يتعبد ولم يجعل لها بابا وتوكأ على عصاه على وضع يتماسك معه وان مات ثم توفى عليه السلام على تلك الحالة فلما مضى لموته سنة خر عن عصاه والعصا قد اكلتها الارضة وهى الدودة التى تاكل العود فرأت الجن انخراره فتوهمت موته والمنساة العصا وقرأ الجمهور تبينت الجن بإسناد الفعل اليها اي بان امرها كأنه قال افتضحت الجن اي للانس هذا تأويل ويحتمل ان يكون قوله تبينت الجن بمعنى علمت الجن وتحققت ويريد بالجن جمهورهم والخدمة منهم ويريد بالضمير فى كانوا رؤساءهم وكبارهم لانهم هم الذيم يدعون علم الغيب لاتباعهم من الجن والانس وقرأ يعقوب تبينت الجن على بناء الفعل للمفعول اي تبينها الناس والعذاب المهين ما هم فيه من الخدمة والتسخير وغير ذلك والمعنى ان الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفى عليها موت سليمان وقد ظهر انه خفي عليها بدوامها فى الخدمة الصعبة وهو ميت فالمهين المذل من الهوان وحكى الثعلبى ان الشياطين قالت للأرضة لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام والشراب ولكنا سننقل اليك الماء والطين فهم ينقلون اليها ذلك حيث كانت شكرا لها انتهى وقوله تعالى لقد كان لسبإ فى مساكنهم ءاية الاية هذا مثل لقريش بقوم انعم الله عليهم فلم يشكروا فانتقم منهم اي فأنتم ايها القوم مثلهم وسبأ هنا يراد به القبيل واختلف لم سمى القبيل بذلك فقالت فرقة هو اسم امرأة وقيل اسم موضع سمسي به القبيل وقال الجمهور هو اسم رجل هو ابو القبيل كله وفيه حديث فروة بن مسيك المتقدم فى سورة النمل خرجه الترمذى وءاية معناه عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته وجنتان مبتدأ وخبره عن يمين وشمال او خبر مبتدإ محذوف تقديره هى جنتان وقيل جنتان بدل من آية وضعف وروي فى قصصهم انه كان فى ناحية اليمن واد عظيم بين جبلين وكانت جنبتا الوادي فواكه وزروعا وكان قد بنى فى رأس الوادى عند اول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل الى الجبل فاحتبس الماء فيه وصار بحيرة عظيمة واخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعا يسقي جنات كثيرة جنبتي الوادى قيل بنته بلقيس وقيل بناه حمير ابو القبائل اليمانية كلها وكانوا بهذه الحال فى ارغد عيش وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن الى الشام وكانوا ارباب تلك البلاد فى ذلك الزمان ت وقول ع وكان قد بنى فى رأس الوادى عند اول الجبلين صوابه وكان قد بنى فى اسفل الوادى عند ءاخر الجبلين وكلوا فيه حذف معناه قيل لهم كلوا وطيبة معناه كريمة التربة حسنة الهواء وروى ان هذه المقالة من الامر بالأكل والشكر والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب مع الايمان به هى من قول الانبياء لهم وبعث اليهم فيما روى ثلاثة عشر نبيا فكفروا بهم واعرضوا فبعث الله على ذلك السد جرذا اعمى توالد فيه وخرقة شيأ بعد شىء فانخرق السد وفاض الماء على اموالهم وجناتهم فغرقها واهلك كثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار واختلف فى العرم فقال المغيرة بن حكيم وابو ميسرة هو كل ما بنى او سنم ليمسك الماء وقال ابن عباس وغيره العرم اسم وادى ذلك الماء بعينه الذى كان السد بنى له وقال ابن عباس ايضا العرم الشديد قال ع فكانه صفة للسيل من العرامة والإضافة الى الصفة مبالغة وهى كثيرة فى كلام العرب وقيل العرم صفة للمطر الشديد الذى كان عنه ذلك السيل وقوله تعالى وبدلناهم بجنتيهم جنتين فيه تجوز واستعارة وذلك ان البدل من الخمط والاثل لم يكن جنات لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوبا جيدا وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا والخمط شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره وقيل الخمط كل شجر له شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة او حموضة او نحوه ومنه تخمط اللبن اذا تغير طعمه والاثل ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح والسدر معروف وهو له نبق العناب لكنه دونه فى الطعم بكثير وللخمط ثمرغث هو البرير وللأثل ثمر قليل الغناء غير حسن الطعم وقرأ نافع وابن كثير اكل بضم الهمزة وسكون الكاف والباقون بضمهما وهما بمعنى الجنى والثمرة ومنه تؤتى اكلها كل حين اي جناها وقرأ ابو عمرو اكل خمط باضافة اكل الى خمط وقوله تعالى ذلك اشارة الى ما اجارة عليهم وقوله وهل يجازى اي يناقش ويقارض بمثل فعله قدرا بقدر لأن جزاء المؤمن انما هو بتفضل وتضعيف ثواب واما الذى لا يزاد ولا ينقص فهو الكافر وقرأ حمزة والكساءى وهل نجازى بالنون وكسر الزاى الكفور بالنصب وقوله تعالى وجعلنا بينهم وبين القرى الاية هذه الاية وما بعدها وصف حالهم قبل مجىء السيل وهى ان الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم كان قد اصلح لهم البلاد المتصلة وعمرها وجعلهم اربابها وقدر السير بان قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب الى الشام يبيت فى قرية ويقيل فى قرية فلا يحتاج الى حمل زاد والقرى المدن والقرى التى بورك فيها هى بلاد الشام بإجماع المفسرين والقرى الظاهرة هى التى بين الشام ومأرب وهى اسم بلدهم قال ابن عباس وغيره هى قرى عربية بين المدينة والشام واختلف فى معنى ظاهرة فقالت فرقة معناه مستعلية مرتفعه فى الأكام وهى اشرف القرى وقالت فرقة معناه يظهر بعضها من بعض فهى ابدا فى قبضة عين المسافر لا يخلو عن رؤية شىء منها قال ع والذى يظهر لى ان معنى ظاهرة خارجة عن المدن فهى عبارة عن القرى الصغار التى هى فى ظواهر المدن والله اعلم وءامنين اي من الخوف والجوع والعطش وآفات السفر ثم حكى سبحانه عنهم مقاله قالوها على جهة البطر والاشر وهى طلب البعد بين الاسفار كأنهم ملوا النعمة فى القرب وطلبوا استبدال الذى هو ادنى بالذى هو خير وظلموا انفسهم ففرق الله شملهم وخرب بلادهم وجعلهم احاديث ومنه المثل السائر تفرقوا أيادي سبأ وأيدي سبأ يقال المثل بالوجهين وهذا هو تمزيقهم كل ممزق فتيامن منهم ستة قبائل وتشاءمت منهم اربعة حسبما فى الحديث ثم اخبر تعالى محمد عليه السلام وامته على جهة التنبيه بأن هذا القصص فيه ءايات وعبر لكل مؤمن متصف بالصبر والشكر وقوله تعالى ولقد صدق عليهم ابليس ظنه الاية قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر ولقد صدق بتخفيف الدال وقرأ حمزة والكساءى صدق بتشديدها فالظن على هذه القراءة مفعول بصدق ومعنى الاية ان ابليس ظن فيهم ظنا حيث قال ولا تجد اكثرهم شاكرين وغير ذلك فصدق ظنه فيهم واخبر تعالى انهم اتبعوه وهو اتباع فى كفر لأنه فى قصة قوم كفار وقوله ممن هو منها في شك يدل على ذلك ومن فى قوله من المؤمنين لبيان الجنس لا للتبعيض وقوله وما كان له عليهم من سلطان اي من حجة قال الحسن والله ما كان له سيف ولا سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه وقوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله يريد الاصنام والملائكة وذلك ان منهم من كان يعبد الملائكة وهذه ءاية تعجيز واقامة حجة ويروى ان الاية نزلت عند الجوع الذى اصاب قريشا ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم ءالهة أنهم لا يملكون ملك اختراع مثقال ذرة فى السموات ولا فى الارض وانهم لا شرك لهم فيهما وهذان نوعا الملك اما استبداد واما مشاركة فنفى عنهم جميع ذلك ونفي ان يكون منهم لله تعالى معين فى شىء والظهير المعين ثم قرر فى الاية بعد ان الذين يظنون انهم يشفعون لهم عند الله لا تصح منهم شفاعة لهم اذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله فى الشفاعة فى كافر وقرأ حمزة والكساءى وابو عمرو اذن بضم الهمزة وقوله تعالى حتى اذا فزع عن قلوبهم الاية الضمير فى قلوبهم عائد على الملائكة الذين دعوهم ءالهة قال ع وتظاهرت الاحاديث عن رسول الله صلى الللهعليه وسلم ان هذه آلاية اعنى قوله حتى اذا فزع عن قلوبهم انما هى فى الملائكة اذا سمعت الوحى الى جبريل او الأمر يأمر الله به سمعت كجر سلسلة الحديد على الصفوان فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة لله تبارك وتعالى وقيل خوفا ان تقوم الساعة فاذا فرغ ذلك فزع عن قلوبهم اي اطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل ماذا قال ربكم فيقول المسئولون قال الحق وهو العلى الكبير ت ولفظ الحديث من طريق ابى هريرة ان النبى صلى الله عليه و سلم قال اذا قضى الله امرا فى السماء ضربت الملائكة باجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فاذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير انتهى وقرأ الجمهور فزع بضم الفاء ومعناه اطير الفزع عنهم وقولهم وهو العلى الكبير تمجيد وتحميد ثم امر الله نبيه صلى الله عليه و سلم على جهة الاحتجاج واقامة الدليل على الرازق لهم من السموات والارض من هو ثم امره ان يقتضب الاحتجاج بأن يأتى بجواب السؤال اذ هم فى بهتة ووجمة من السؤال واذ لا جواب لهم الا ان يقولوا هو الله وهذه السبيل فى كل سؤال جوابه فى غاية الوضوح لان المحتج يريد ان يقتضب ويتجاوز الى حجة اخرى يوردها ونظائرها فى القرءان كثير وقوله وانا او اياكم تلطف فى الدعوة والمحاورة والمعنى كما تقول لمن خالفك فى مسئلة احدنا مخطىء اي تثبت وتنبه والمفهوم من كلامك ان مخالفك هو المخطئى فكذلك هذا معناه وانا لعلى هدى او فى ضلال مبين وانكم لعلى هدى او فى ضلال مبين فتنبهوا والمقصد ان الضلال فى حيزهم وحذف احد الخبرين لدلالة الباقي عليه وقوله قل لا تسئلون الاية مهادنة ومتاركة منسوخة وقوله تعالى قل يجمع بيننا ربنا اخبار بالعبث ويفتح معناه يحكم والفتاح القاضي وهو مشهور فى لغة اليمن وارونى هى رؤية قلب وهذا هو الصحيح اي ارونى بالحجة والدليل وقوله كلا رد لما تقرر من مذهبهم فى الاشراك وقوله تعالى وما ارسلناك الا كافة للناس الاية اعلام من الله تعالى بأنه بعث محمدا عليه السلام الى جميع العالم وهى احدى خصائصه التى خص بها من بين سائر الانبياء وباقى الاية بين قال ابو عبيدة الوعد والوعيد والميعاد بمعنى وخولف فى هذا والذى عليه الناس ان الوعد اذا اطلق ففى الخير والوعيد فى المكروه والميعاد يقع لهذا ولهذا وقوله تعالى وقال الذين كفروا لن نومن بهذا القرءان ولا بالذى بين يديه هذه المقالة قالها بعض قريش وهى انهم لا يؤمنون بالقرءان ولا بالذى بين يديه من التوراة والانجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله عز و جل وانما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما فى التوراة من امر محمد عليه السلام قال الواحدي قوله تعالى يرجع بعضهم الى بعض القول اي فى التلاوم انتهى وباقى الآية بين وقولهم بل مكر الليل والنهار المعنى بل كفرنا بمكركم بنا فى الليل والنهار واضاف المكر الى الليل والنهار من حيث هو فيهما ولتدل هذه الاضافة على الدءوب والدوام والضمير فى اسروا عام لجميعهم من المستضعفين والمستكبرين وقوله تعالى وما ارسلنا فى قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون هذه لآية تسلية للنبى صلى الله عليه و سلم عن فعل قريش وقولها اي هذه يا محمد سيرة الامم فلا يهمنك امر قومك والقرية المدينة والمترف الغنى المنعم القليل تعب النفس والبدن فعادتهم المبادرة بالتكذيب وقوله وقولوا نحن اكثر اموالا لآية يحتمل ان يعود الضمير فى قالوا على المترفين ويحتمل ان يكون لقريش ويكون كلام المترفين قد تم قبله وفى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم واعمالكم انتهى واعلم ان المال الزائد على قدر الحاجة قل ان يسلم صاحبه من الآفات الا من عصمه الله ولو بسط الله الرزق لعبادة لبغوا فى الارض وقد جاء فى صحيح البخارى وغيره من رواية ابى ذر عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال الاكثرون مالا هم الاقلون يوم القيامة الا من قال بالمال هكذا وهكذا واشار ابن شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم اه وروى ابن المبارك فى رقائقه قال اخبرنا حيوة بن شريح عن عقيل بن خالد عن سلمة بن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن ابيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان الشيطان قال لن ينجو منى الغنى من احدى ثلاث اما ان ازين ماله فى عينيه فيمنعه من حقه واما ان اسهل له سبيله فينفقه فى غير حقه واما ان احببه فيكسبه بغير حقه انتهى والزلفى مصدر بمعنى القرب وقوله الا من آمن استثناء منقطع وقرأ الجمهور جزاء الضعف بالاضافة والضعف هنا اسم جنس اي بالتضعيف اذ بعضهم يجازى الى عشرة وبعضهم اكثر صاعدا الى سبع مائة بحسب الاعمال ومشيئة الله فيها وقوله تعالى والذين يسعون فى ءاياتنا معاجزين تقدم تفسيره ومحضرون من الإحضار والإعداد ثم كرر القول ببسط الرزق لا على المعنى الاول بل هذا هنا على جهة الوعظ والتزهيد فى الدنيا والحض على النفقة فى الطاعات ثم وعد بالخلف فى ذلك اما فى الدنيا واما فى الاخرة وفى البخارى ان ملكا ينادى كل يوم اللهم اعط منفقا خلفا ويقول ملك ءاخر اللهم اعط ممسكا تلفا وروى الترمذى عن ابى كبشة الانصارى انه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ثلاث اقسم عليهن واحدثكم حديثا فاحفظوه قال ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها الا زاده الله عزا ولا فتح عبد باب مسئلة الا فتح الله عليه باب فقر او كلمة نحوها الحديث قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله تعالى ويوم نحشرهم الاية تقدم تفسير نظيرها مكررا وفى القرءان ءايات يظهر منها ان الجن عبدت فى سورة الانعام وغيرها ثم قال تعالى فاليوم اي يقال لمن عبد ومن عبد اليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا وقوله تعالى وما ءاتيناهم من كتب يدرسونها الاية المعنى ان هؤلاء الكفرة ==================================================ج8. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي يقولون بئارئهم فى كتاب الله فيقول بعضهم سحر وبعضهم افتراء وذلك منهم تسور لا يستندون فيه الى اثارة علم فانا ما ءاتيناهم من كتب يدرسونها وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير يباشرهم ويشافههم فيمكنهم ان يسندوا دعواهم اليه وقوله تعالى وما بلغوا معشار ما ءاتيناهم الضمير فى بلغوا يعود على قريش وفى ءاتيناهم على الامم الذين من قبلهم والمعنى من القوة والنعم والظهور فى الدنيا قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد والمعشار العشر ولم يأت هذا البناء الا فى العشرة والأربعة فقالوا مرباع ومعشار والنكير مصدر كالانكار فى المعنى وكالعذير فى الوزن وكيف تعظيم للأمر وليست استفهاما مجردا وفى هذا تهديد لقريش اي انهم متعرضون لنكير مثله ثم امر تعالى نبية عليه السلام ان يدعوهم الى عبادة الله تعالى والنظر فى حقيقة نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للافهام فقوله بواحدة معناه بقضية واحدة ايجازا لكم وتقريبا عليكم وهو ان تقوموا لله اي لاجل الله او لوجه الله مثنى اي اثنين اثنين متناظرين وفرادى اي واحدا واحدا ثم تتفكروا هل بصاحبكم جنة او هو بريء من ذلك والوقف عند ابى حاتم تتفكروا فيجيء ما بصاحبكم نفيا مستانفا وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة القسم وقيل فى الآية غير هذا مما هو بعيد من الفاظها فتعين تركه وقوله تعالى قل ما سألتكم من اجر فهو لكم معنى الآية بين واضح لا يفتقر الى بيان وقوله يقذف بالحق يريد بالوحي وءايات القرءان واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بئاياته وحكمه وقوله سبحانه قل جاء الحق يريد الشرع بجملته وما يبدىء الباطل وما يعيد قالت فرقة الباطل غير الحق من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه كأنه قال وما يصنع الباطل شيأ وقوله فبما يوحى يحتمل ان تكون ما بمعنى الذى اومصدرية وقوله تعالى ولو ترى اذ فزعوا آلاية قال الحسن بن ابى الحسن ذلك فى الكفار عند خروجهم من القبور فى القيامة قال ع وهو ارجح الاقوال هنا واما معنى الاية فهو التعجيب من حالهم اذا فزعوا من اخذ الله اياهم ولم يتمكن لهم ان يفوت منهم احد واخذوا من مكان قريب اي ان الآخذ يجيئهم من قرب فى طمأنينتهم وبعقبها بينما الكافر يؤمل ويترجى اذ غشيه الاخذ ومن غشيه اخذ من قريب فلا حيلة له ولا روية وقالوا ءامنا به الضمير فى به عائد على الله تعالى وقيل على محمد وشرعه والقرءان وقرأ نافع وعامة القراء التناوش دون همز ومعناه التناول من قولهم ناش ينوش اذا تناول وعبارة الواحدى وانى لهم التناوش اي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم انتهى وقرأ ابو عمرو وحمزة والكساءى التناوش بالهمز فيحتمل ان يكون تفسيره كالقراءة الاولى ويحتمل ان يكون من الطلب تقول انتأشت الخير اذا طلبته من بعد ت وقال البخارى التناوش الرد من الاخرة الى الدنيا انتهى ويقذفون بالغيب اي يرجمون بظنونهم ويرمون بها الرسول وكتاب الله وذلك غيب عنهم فى قولهم سحر وافتراء وغير ذلك قاله مجاهد وقال قتادة قذفهم بالغيب هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار وقوله سبحانه وحيل بينهم وبين ما يشتهون قال الحسن معناه من الايمان والتوبة والرجوع الى الانابة والعمل الصالح وذلك انهم اشتهوه فى وقت لا تنفع فيه التوبة وقاله ايضا قتادة وقال مجاهد وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا وقيل معناه حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها كما فعل بأشياعهم من قبل والاشياع الفرق المتشابهة فأشياع هؤلاءهم الكفرة من كل امة ص قال ابو حيان ومريب اسم فاعل من آراب اي اتى بريبة وأربته اوقعته فى ريبة ونسبة الأرابة الى الشك مجاز قال ع والشك المريب اقوى ما يكون من الشك واشده اظلاما انتهى تفسير سورة فاطر وهى مكية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة رسلا أولي اجنحة الآية رسلا معناه بالوحى وغير ذلك من اوامره سبحانه كجبريل وميكاءيل وعزراءيل رسل والملائكة المتعاقبون رسل وغير ذلك ومثنى وثلاث ورباع الفاظ معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة اربعة عدلت فى حالة التنكير فتعرفت بالعدل فهى لا تنصرف للعدل والتعريف وقيل للعدل والصفة وفائدة العدل الدلالة على التكرار لأن مثنى بمنزلة قولك اثنين اثنين قال قتادة ان انواع الملائكة هم هكذا منها ماله جناحان ومنها ماله ثلاثة ومنها ماله اربعة ويشذ منها ماله اكثر من ذلك وروى ان لجبريل عليه السلام ست مائة جناح منها اثنان يبلغان من المشرق الى المغرب وقوله تعالى يزيد فى الخلق ما يشاء تقرير لما يقع فى النفوس من التعجب عند الخبر بالملائكة اولى الاجنحة اي ليس هذا ببدع فى قدرة الله تعالى فانه يزيد فى الخلق ما يشاء وروى عن الحسن وابن شهاب انهما قالا المزيد هو حسن الصوت قال الهيثم الفارسى رأيت النبى صلى الله عليه و سلم فى النوم فقال لى انت الهيثم الذى تزين القرءان بصوتك جزاك الله خيرا وقيل من الأقوال فى الزيادة غير هذا وذلك على جهة المثال لا ان المقصد هى فقط وقوله تعالى ما يفتح الله ما شرط ويفتح مجزوم بالشرط وقوله من رحمة عام فى كل خير يعطيه الله تعالى لعباده وقوله من بعده فيه حذف مضاف اي من بعد امساكه ومن هذه آلاية سمت الصوفية ما تعطاه من الاموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات وقوله تعالى يا ايها الناس خطاب لقريش وهو متوجه لكل كافر وقوله سبحانه فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ت هذه الاية معناها بين قال ابن عطاء الله ينبغى للعبد ان يقلل الدخول فى اسباب الدنيا فقد قال النبى صلى الله عليه و سلم ان قليل الدنيا يلهى عن كثير الآخرة وقال صلى الله عليه و سلم ما طلعت شمس الا وبجنبيها ملكان يناديان يا ايها الناس هلموا الى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر والهى انتهى من لطائف المنن وقرأ جمهور الناس الغرور بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس وقوله ان الشيطان لكم عدو الاية يقوى قراءة الجمهور فاتخذوه عدوا اي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع وقوله تعالى افمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا توقيف وجوابه محذوف يمكن ان يقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير واحسن التقدير ما دل اللفظ بعد عليه وقرأ الجمهور فلا تذهب بفتح التاء والهاء نفسك بالرفع وقرأ قتادة وغيره تذهب بضم التاء وكسر الهاء نفسك بالنصب ورويت عن نافع والحسرة هم النفس على فوات امر وهذه الاية تسلية للنبى صلى الله عليه وسللم عن كفر قومه ووجب التسليم لله عز و جل فى اضلال من شاء وهداية من شاء وقوله سبحانه والله الذى ارسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد ميت هذه ءاية احتجاج عل الكفرة فى انكارهم البعث من القبور وقوله تعالى من كان يريد العزة يحتمل ان يريد من كان يريد العزة بمغالبة فلله العزة اي ليست لغيره ولا تتم الا به ونحا اليه مجاهد وقال من كان يريد العزة بعبادة الاوثان قال ع وهذا تمسك بقوله تعالى واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا ويحتمل ان يريد من كان يريد العزة وطريقها القويم وكحب نيلها على وجهها فلله العزة اي به وعن اوامره لا تنال عزته الا بطاعته ونحا اليه قتادة وقوله تعالى اليه يصعد الكلم الطيب اي التوحيد والتحميد وذكر الله ونحوه وقوله والعمل الصالح يرفعه قيل المعنى يرفعه الله وهذا ارجح الاقوال وقال ابن عباس وغيره ان العمل الصالح هو الرافع للكلم وهذا التأويل انما يستقيم بأن يتأول على معنى انه يزيد فى رفعة وحسن موقعه ت وعن ابن مسعود قال اذا حدثناكم بحديث اتيناكم بتصديق ذلك فى كتاب الله سبحانه ان العبد اذا قال سبحان الله والحمد لله والله اكبر وتبارك الله قبض عليهن ملك فضمهن تحت جناحه وصعدبهن لايمر بهن على جمع من الملائكة الا استغفروا لقائلهن حتى يجاء بهن وجه الرحمن سبحانه ثم تلا عبد الله بن مسعود اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد انتهى من السلاح ويمكرون السيئات اي المكرات السيئات ويبور معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه وقوله تعالى والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم ازواجا وما تحمل من انثى ولا تضع الا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الآية قيل معنى الازواج هنا الانواع وقيل اراد تزويج الرجال النساء والضمير فى عمره قال ابن عباس وغيره ما مقتضاه انه عائد على معمر الذى هو اسم جنس والمراد غير الذى يعمر وقال ابن جبير وغيره بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير اي ما يعمر انسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه اذا مر حول كتب ما مضى منه فاذا مر حول آخر كتب ذلك ثم حول ثم حول فهذا هو النقص قال ابن جبير فما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذى يعمره وقوله تعالى وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج ومن كل تاكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون تقدم تفسير نظير هذه الآية وقوله تعالى وسخر الشمس والقمر كل لاجل مسمى الاية الاجل المسمى هو قيام الساعة وقيل ءاماد الليل وءاما النهار والقطمير القشرة الرقيقة التى على نوى التمرة وقال الضحاك وغيره القطمير القمع الذى فى رأس التمرة والاول اشهر واصوب ثم بين تعالى بطلان الاصنام بثلاثة اشياء اولها انها لا تسمع ان دعيت والثانى انها لا تجيب ان لو سمعت وانما جاء بهذه لان القائل متعسف ان يقول عساها تسمع والثالث انها تتبرأ يوم القيامة من الكفرة وقوله تعالى ولا ينبئك مثل خبير قال المفسرون الخبير هنا هو الله سبحانه فهو الخبير الصادق الخبر ونبأ بهذا فلا شك فى وقوعه وقوله تعالى يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله الاية ءاية وعظ وتذكير والانسان فقير الى الله تعالى فى دقائق الأمور وجلائلها لا يستغنى عنه طرفة عين وهو به مستغن عن كل احد والله هو الغنى الحميد اي المحمود بالاطلاق وقوله بعزيز اي بمتنع وتزر معناه تحمل وهذه الاية فى الذنوب وانثت وازرة لانه ذهب بها مذهب النفس وعلى ذلك اجريت مثقلة واسم كان مضمر تقديره ولوكان الداعى ثم اخبر تعالى نبيه انه انما ينذر اهل الخشية ثم حض على التزكى بأن رجى عليه غاية الترجية ثم توعد بعد ذلك بقوله والى الله المصير قال ع وكل عبارة فهى مقصرة عن تفسير هذه الاية وكذلك كتاب الله كله ولكن يظهر الأمر لنا نحن فى مواضع اكثر منه فى مواضع بحسب تقصيرنا وقوله سبحانه وما يستوى الاعمى والبصير الاية مضمن هذه آلاية الطعن على الكفرة وتمثيلهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بإزائهم بالبصراء والانوار والحرور شدة الحر قال الفراء وغيره ان السموم يختص بالنهار والحرور يقال فى حر الليل وحر النهار وتأول قوم الظل فى هذه الاية الجنة والحرور جهنم وشبه المؤمنين بالأحياء والكفرة بالأموات من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه وقوله سبحانه وما انت بمسمع من فى القبور تمثيل بما يحسه البشر ويعهده جميعا من ان الميت الشخص الذى فى القبر لا يسمع واما الارواح فلا نقول انها فى القبر بل تتضمن الاحاديث ان ارواح المؤمنين فى شجر عند العرش وفى قناديل وغير ذلك وان ارواح الكفرة فى سجين ويجوز فى بعض الاحيان ان تكون الارواح عند القبور فربما سمعت وكذلك اهل قليب بدر انما سمعت ارواحهم فلا تعارض بين الآية وحديث القليب وقوله تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير معناه أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه و سلم والبينات والزبر والكتاب المنير شيء واحد لكنه أكد أوصاف بعضها ببعض وقوله تعالى ومن الجبال جدد الآية جمع جدة وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولا وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال جدد في جمع جديد ولا معنى لمدخل الجديد في هذه الآية وقال الثعلبي وقيل الجدد القطع جددت الشيء إذا قطعته انتهى وقوله وغرابيب سود لفظان لمعنى واحد وقدم الوصف الابلغ وكان حقه ان يتأخر وكذلك هو فى المعنى لكن كلام العرب الفصيح يأتى كثيرا على هذا النحو والمعنى ومنها اي من الجبال سود غرابيب وروى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ان الله يبغض الشيخ الغربيب يعنى الذى يخضب بالسواد ومن الناس والدواب والانعام اي خلق مختلف الوانه وقوله تعالى كذلك يحتمل ان يكون من كلام الاول فيجىء الوقف عليه حسنا والى هذا ذهب كثير من المفسرين ويحتمل ان يكون من الكلام الثانى خرج مخرج السبب كأنه قال كما جاءت القدرة فى هذا كله كذلك انما يخشى الله من عبادة العلماء اي المحصلون لهذه العبر الناظرون فيها وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه و سلم اعلمكم بالله اشدكم له خشية وقال صلى الله عليه و سلم رأس الحكمة مخافة الله وقال الربيع بن انس من لم يخش الله فليس بعالم وقال ابن عباس فى تفسير هذه الاية كفى بالزهد علما ويقال ان فاتحة الزبور رأس الحكمة خشية الله وقال ابن مسعود كفى بخشية الله علما وبالاغترار به جهلا وقال مجاهد والشعبى انما العالم من يخشى الله وانما فى هذه الاية تحضيض للعملاء لا للحصر قال ابن عطاء الله فى الحكم العلم النافع هو الذى ينبسط فى الصدر شعاعه ويكشف به عن القلب قناعه خير العلم ما كانت الخشية معه والعلم ان قارنته الخشية فلك والا فعليك وقال فى التنوير اعلم ان العلم حيث ما تكرر فى الكتاب العزيز او فى السنة فانما المراد به العلم النافع الذى تقارنه الخشية وتكتنفه المخافة قال تعالى انما يخشى الله من عباده العلماء فبين سبحانه ان الخشية تلازم العلم وفهم من هذا ان العلماء انما هم اهل الخشية انتهى قال ابن عباد فى شرح الحكم واعلم ان العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف انما هو العلم الذى يؤدى صاحبه الى الخوف والخشية وملازمة التواضع والذلة والتخلق باخلاق الايمان الى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها وايثار الاخرة عليها ولزوم الادب بين يدى الله تعالى الى غير ذلك من الصفات العلية والمناحى السنية انتهى وهذه المعانى كلها محصلة فى كتب الغزالى وغيره رضى الله عن جميعهم ونفعنا ببركاتهم قال صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية العلم النافع ما زهدك فى دنياك ورغبك فى اخراك وزاد فى خوفك وتقواك وبعثك على طاعة مولاك وصفاك من كدر هواك وقال رحمة الله العلوم النافعة ما كانت للهمم رافعة وللاهواء قامعة وللشكوك صارفة دافعة انتهى وقوله تعالى ان الذين يتلون كتاب الله واقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم الاية قال مطرف بن عبد الله بن الشخير هذه ءاية القراء قال ع وهذا على ان يتلون بمعنى يقرءون وان جعلناه بمعنى يتبعون صح معنى الاية وكانت فى القراء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الاية وكتاب الله هو القرءان واقامة الصلاة اي بجميع شروطها والنفقة هى فى الصدقات ووجوه البر ولن تبور معناه لن تكسد ويزيدهم من فضله قالت فرقة هو تضعيف الحسنات وقالت فرقة هو اما النظر الى وجه الله عز و جل واما ان يجعلهم شافعين فى غيرهم ما قال للذين احسنوا الحسنى وزيادة ت وقد خرج ابو نعيم بإسناده عن الثورى عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله قال اجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع اليه المعروف فى الدنيا وخرج ابن ماجة فى سننه عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يصف الناس صفوفا وقال ابن نمير اهل الجنة فيمر الرجل من اهل النار على الرجل من اهل الجنة فيقول يا فلان اما تذكر يوم استسقيتنى فسقيتك شربة قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول اما تذكر يوم ناولتك طهورا فيشفع له قال ابن نمير ويقول يا فلان اما تذكر يوم بعثتنى لحاجة كذا وكذا فذهبت لك فيشفع له وخرجه الطحاوى وابن وضاح بمعناه انتهى من التذكرة وقوله تعالى ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا الاية اورثنا معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرقة والكتاب هنا يريد به معانى الكتاب وعلمه واحكامه وعقائده فكأن الله تعالى لما اعطى امة محمد القرءان وهو قد تضمن معانى الكتب المنزلة قبله فكأنه ورث امة محمد الكتاب الذى كان فى الأمم قبلها قال ابن عطاء الله فى التنوير قال الشيخ ابو الحسن الشاذلى رحمه الله تعالى اكرم المؤمنين وان كانوا عصاه فاسقين وامرهم بالمعروف وانههم عن المنكر واهجرهم رحمه بهم لا تعززا عليهم فلو كشف عن نور المؤمن العاصى لطبق السماء والارض فما ظنك بنور المؤمن المطيع ويكفيك فى تعظيم المؤمنين وان كانوا عن الله غافلين قول رب العالمين ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله فانظر كيف اثبت لهم الاصطفاء مع وجود ظلمهم واعلم انه لا بد فى مملكته من عباد هم نصيب الحلم ظهور الرحمة والمغفرة ووقوع الشفاعة انتهى والذين اصطفينا يريد بهم امة محمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس وغيره واصطفينا معناه اخترنا وفضلنا والعباد عام فى جميع العالم واختلف فى عود الضمير من قوله فمنهم فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه ان الضمير عائد على الذين اصطفينا وان الاصناف الثلاثة هى كلها فى امة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فالظالم لنفسه العاصى المسرف والمقتصد متقى الكبائر وهم جمهور الامة والسابق المتقى على الاطلاق وقالت هذه الفرقة الاصناف الثلاثة فى الجنة وقاله ابو سعيد الخدرى والضمير فى يدخلونها عائد على الاصناف الثلاثة قالت عائشة وكعب دخلوها كلهم ورب الكعبة وقال ابو اسحاق السبيعي اما الذى سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج وقال ابن مسعود هذه الأمة يوم القيامة اثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله عز و جل ما هؤلاء وهو اعلم بهم فتقول الملائكة هم مذنبون الا انهم لم يشركوا فيقول عز و جل ادخلوهم فى سعة رحمتى وروى اسامة بن زيد ان النبى صلى الله عليه و سلم قرأ هذه الاية وقال كلهم فى الجنة وقرأ عمر هذه الاية ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له وقال عكرمة والحسن وقتادة ما مقتضاه ان الضمير فى منهم عائد على العباد فالظالم لنفسه الكافر والمقتصد المؤمن العاصى والسابق التقى على الاطلاق وقالوا هذه الاية نظير قوله تعالى وكنتم ازواجا ثلاثة الاية والضمير فى يدخلونها على هذا التأويل خاص بالمقتصد والسابق وباقي الاية بين والحزن فى هذه الاية عام فى جميع انواع الاحزان وقولهم ان ربنا لغفور شكور وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوب ويجازى على القليل من الاعمال بالكثير من الثواب وهذا هو شكره لارب سواه ودار المقامة الجنة والمقامة الاقامة والنصب تعب البدن واللغوب تعب النفس اللازم عن تعب البدن وقوله سبحانه والذين كفروا لهم نار جهنم هذه الاية تؤيد التأويل الاول من ان الثلاثة الاصناف هى كلها فى الجنة لأن ذكر الكافرين افرد هاهنا وقوله لا يقضى عليهم اي لا يجهز عليهم وقولهم ربنا اخرجنا اي يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ او لم نعمركم الاية واختلف فى المدة التى هى حد للتذكر فقال الحسن بن ابي الحسن البلوغ يريد انه اول حال التذكر وقال ابن عباس اربعون سنة وهذا قول حسن ورويت فيه ءاثار وروى ان العبد اذا بلغ اربعين سنة ولم يتب مسح الشيطان على وجهة وقال بأبى وجه لا يفلح وقيل الستين وفيه حديث ت وفى البخارى من بلغ ستين سنة فقد اعذر الله اليه لقوله او لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير يعنى الشيب ثم اسند عن ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم قال اعذر الله امرءا اخراجله حتى بلغ ستين سنة انتهى والنذير فى قول الجمهور الانبياء قال الطبرى وقيل النذير الشيب وهذا ايضا قول حسن وقوله فعليه كفره اي وبال كفره والمقت احتقارك الانسان من اجل معصيته والخسار مصدر خسر يخسر وارأيتم تتنزل عند سيبويه منزلة اخبرونى ولذلك لا تحتاج الى مفعولين والرؤية فى قوله ارونى رؤية بصر ت قال ابن هشام قوله من الارض من مرادفه فى ثم قال والظاهر انها لبيان الجنس مثلها ما ننسخ من آية انتهى ثم اضرب سبحانه عنهم بقوله بل ان يعد اي بل انما يعدون انفسهم غرورا وقوله ان تزولا اي ليلا تزولا ومعنى الزوال هنا التنقل من مكانها والسقوط من علوها وعن ابن مسعود ان السماء لا تدور وانما تجرى فيها الكواكب وقوله تعالى ولئن زالتا قيل اراد يوم القيامة وقوله تعالى ان امسكهما من احد من بعده اي من بعد تركه الامساك قال ص ان امسكهما ان نافيه بمعنى ما وامسك جواب القسم المقدر قبل اللام الموطئة فى لئن وهو بمعنى يمسك لدخول ان الشرطية كقوله تعالى ولئن اتيت الذين اوتو الكتاب بكل ءاية ما تبعوا قبلتك اي ما يتبعون وكقوله ولئن ارسلنا ريحا الاية الى قوله لظلوا من بعده اي ليظلون وحذف جواب ان فى هذه المواضع لدلالة جواب القسم عليه وقوله من احد من زائدة لتأكيد الاستغراق انتهى وقوله تعالى واقسموا بالله يعنى قريشا لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من احدى الأمم الاية وذلك انه روى ان كفار قريش كانت قبل الاسلام تنكر على اليهود والنصارى وتأخذ عليهم فى تكذيب بعضهم بعضا وتقول لو جاءنا نحن رسول لكنا اهدى من هؤلاء واحدى الأمم يريدون اليهود والنصارى فلما جاءهم نذير وهو محمد صلى الله عليه و سلم ما زادهم الا نفورا وقرأ ابن مسعود ومكرا سيئا ويحيق معناه يحيط ويحل وينزل ولا يستعمل الا فى المكروه وينظرون معنه ينتظرون والسنة الطريقة والعادة وقوله فلن تجد لسنة الله تبديلا اي لتعذيبة الكفرة المكذبين وفى هذا وعيد بين وقوله تعالى او لم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا اشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى الارض لما توعدهم سبحانه بسنة الأولين وقفهم فى هذه آلاية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك فى طريق الشام وغيره كديار ثمود ونحوها ويعجزه معناه يفوته ويفلته وقوله تعالى ولو يواخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة الاية قوله من دابة مبالغة والمراد بنو ءادم لأنهم المجازون وقيل المراد الانس والجن وقيل المراد كل مادب من الحيوان واكثره انما هو لمنفعة ابن ءادم وبسببه والضمير فى ظهرها عائد على الارض والأجل المسمى القيامة وقوله تعالى فإن الله كان بعباده بصيرا وعيد وفيه للمتقين وعد وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله على ما انعم انتهى الجزء الثالث من الجواهر الحسان فى تفسير القرءان تفسير سورة يس وهي مكية باجماع إلا ان فرقة قالت ان قوله تعالى ونكتب ما قدموا وءاثارهم نزلت في بني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى جوار مسجد النبي صلى الله عليه و سلم وورد في فضل يس آثار عديدة فعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه و سلم قال قلب القرآن يس لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له أقرؤوها على موتاكم رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وهذا لفظ النسائي وهو عند الباقين مختصر انتهى من السلاح بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة ويختص هذا الموضع بأقوال منها أن ابن جبير قال يس اسم من أسماء محمد عليه السلام وقال ابن عباس معناه يا إنسان بالحبشية وقال أيضا هو بلغة طيء وقال قتادة يس قسم والصراط الطريق والمعنى إنك على طريق هدى ومهيع رشاد واختلف المفسرون في قوله تعالى ما أنذر آباؤهم فقال عكرمة ما بمعنى الذي والتقدير الشيء الذي أنذر ءاباؤهم من النار والعذاب ويحتمل أن تكون ما مصدرية على هذا القول ويكون الآباء هم الأقدمون على مر الدهر قوله فهم مع هذا التأويل بمعنى فإنهم دخلت الفاء لقطع الجملة من الجملة وقال قتادة ما نافية فالآباء على هذا هم الأقربون منهم وهذه الآية كقوله تعالى وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير وهذه النذارة المنفية هي نذارة المباشرة كما قدمنا وحق القول معناه وجب العذاب وسبق القضاء به وهذا فيمن لم يؤمن من قريش كمن قتل ببدر وغيرهم وقوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا الآية قال مكي قيل هي حقيقة في الآخرة إذا دخلوا النار وقال ابن عباس وغيره الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا النبي صلى الله عليه و سلم بسوء فجعل الله هذه مثلا لهم في كفه إياهم عنه ومنعهم من أذايته حين بيتوه وقالت فرقة الآية مستعارة المعاني من منع الله تعالى إياهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه وهذا أرجح الأقوال والغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب وقوله فهي يحتمل أن تعود على الأغلال أي هي عريضة تبلغ بحرفها الأذقان والذقن مجتمع اللحيين فتضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء وذلك هو الأقماح وهو نحو الإقناع في الهيئة قال قتادة المقمح الرافع رأسه ويحتمل وهو قول الطبري أن تعود هي على الأيدي وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبي إنا جعلنا في أيمانهم وفي بعضها في أيديهم وأرى الناس علي بن أبي طالب الأقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقهما ورفع رأسه وقرأ الجمهور سدا بضم السين في الموضعين وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما سدا بفتح السين فقيل هما بمعنى أي حائلا يسد طريقهم وقال عكرمة ما كان مما يفعله البشر فهو بالضم وما كان خلقة فهو بالفتح ومعنى الآية إن طريق الهدى سد دونهم وقوله تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر الآية إنما ليست للحصر هنا بل هي على جهة تخصيص من ينفعه الإنذار وإتباع الذكر هو العمل بما في كتاب الله والإقتداء به قال قتادة الذكر القرءان وقوله بالغيب أي بالخلوات عند مغيب الإنسان عن أعين البشر ثم أخبر تعالى بأحيائه الموتى ردا على الكفرة ثم توعدهم بذكر كتب الآثار واحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان فيدخل فيما قدم ويدخل في آثاره لكنه سبحانه ذكر الأمر من الجهتين ولينبه على الآثار التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير وشر وقال جابر بن عبدالله وأبو سعيد أن هذه الآية نزلت في بني سلمة على ما تقدم وقول النبي عليه السلام لهم دياركم تكتب آثاركم والإمام المبين قال قتادة وابن زيد هو اللوح المحفوظ وقالت فرقة أراد صحف الأعمال وقوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية الآية روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة أن القرية هنا هي أنطاكية واختلف في هؤلاء المرسلين فقال قتادة وغيره كانوا من الحواريين الذين بعثهم عيسى حين رفع وصلب الذي ألقي عليه شبهه فتفرق الحواريين في الآفاق فقص الله تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى أنطاكية وقالت فرقة بل هؤلاء أنبياء من قبل الله عز و جل قال ع وهذا يرجحه قول الكفرة ما أنتم إلا بشر مثلنا فإنها محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة من الله تعالى والآخر محتمل وذكر المفسرون في قصص الآية أشياء يطول ذكرها والصحة فيها غير متيقنة فاختصرته واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين فدعيا أهل القرية إلى عبادة الله وتوحيده فكذبوهما فشدد الله أمرهما بثالث وقامت الحجة على أهل القرية وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى وقتلوه في آخر أمره وكفروا وأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا وقرأ الجمهور فعززنا بشد الزاي على معنى قوينا وشددنا وبهذا فسره مجاهد وغيره وهذه الأمة أنكرت النبوءات بقولها وما أنزل الرحمن من شيء قال بعض المتأولين لما كذب أهل القرية المرسلين أسرع فيهم الجذام وقال مقاتل احتبس عنهم المطر فلذلك قالوا إنا تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم والأظهر أن تطير هؤلاء إنما كان بسبب ما دخل قريتهم من اختلاف كلمتهم وافتتان الناس وقوله أئن ذكرتم جوابه محذوف أي تطيرتم قاله أبو حيان وغيره انتهى وقولهم عليهم السلام طائركم معكم معناه حظكم وما صار لكم من خير وشر معكم أي من أفعالكم ومن تكسباتكم ليس هو من أجلنا وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر أإن ذكرتم بهمزتين الثانية مكسورة وقرأ نافع وغيره بتسهيل الثانية وردها ياء أين ذكرتم وأخبر تعالى عن حال رجل جاء من أقصى المدينة يسعى سمع المرسلين وفهم عن الله تعالى فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم والإيمان بهم إذ هو الحق فروي عن ابن عباس وغيره أن اسم هذا الرجل حبيب وكان نجارا وكان فيما قال وهب بن منبه قد تجذم وقيل كان في غار يعبد ربه فقال يا قوم اتبعوا المرسلين الآية وذكر الناس في أسماء الرسل صادق وصدوق وشلوم وغير هذا والله أعلم بصحته واختلف المفسرون في قوله فاسمعون فقال ابن عباس وغيره خاطب بها قومه أي على جهة المبالغة والتنبيه وقيل خاطب بها الرسل على جهة الإستشهاد بهم والإستحفاظ للأمر عندهم قال ع وهنا محذوف تواترت به الأحاديث والروايات وهو أنهم قتلوه فقيل له عند موته ادخل الجنة فلما أقر الله عينه بما رأى من الكرامة قال يا ليت قومي يعلمون الآية قيل أراد بذلك الإشفاق والنصح لهم أي لو علموا ذلك لآمنوا بالله تعالى وقيل أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم به ويخزيهم ذلك وهذا موجود في جبلة البشر إذا نال الشخص عزا وخيرا في أرض غربة ودان يعلم ذلك جيرانه وأترابه الذين نشأ فيهم كما قيل ... العز مطلوب وملتمس ... وأحبه ما نيل في الوطن قال ع والتأويل الأول أشبه بهذا العبد الصالح وفي ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم نصح قومه حيا وميتا وقال قتادة نصحهم على حالة الغضب والرضا وكذلك لا تجد المؤمن إلا ناصحا للناس وقوله تعالى وما أنزلنا على قومه من بعده من جند الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم فيها توعد لقريش وتحذير أن ينزل بهم من العذاب ما نزل بقوم حبيب النجار قال مجاهد لم ينزل الله عليهم من جند أراد أنه لم يرسل إليهم رسولا ولا استعتبهم قال قتادة والله ما عاتب الله قومه بعد قتله حتى أهلكهم وقال ابن مسعود أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند بل كانت صيحة واحدة لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك واختلف في قوله تعالى وما كنا منزلين فقالت فرقة ما نافية وقالت فرقة ما عطف على جند أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك وخامدون أي ساكنون موتى وقوله تعالى يا حسرة الحسرة التلهف وذلك أن طباع كل بشر توجب عند سماع حالهم وعذابهم على الكفر وتضييعهم أمر الله أن يشفق ويتحسر على العباد وقال الثعلبي قال الضحاك إنها حسرة الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل وقال ابن عباس حلوا محل من يتحسر عليه انتهى وقرأ الأعرج وأبو الزناد ومسلم بن جندب يا حسرة بالوقف على الهاء وهو أبلغ في معنى التحسر والتشفيق وهز النفس وقوله تعالى ما يأتيهم من رسول الآية تمثيل لفعل قريش وإياهم عني بقوله ألم يروا كم أهلكنا وقرأ جمهور الناس لما جميع بتخفيف الميم وذلك على زيادة ما للتأكيد والمعنى لجميع وقرأ عاصم والحسن وابن جبير لما بشد الميم قالوا هي بمنزلة إلا ومحضرون قال قتادة محشرون يوم القيامة وقوله تعالى وآية لهم الأرض الميتة أحييناها الآية وآية معناه وعلامة على الحشر وبعث الأجساد والضمير في لهم لكفار قريش والضمير في ثمرة قيل هو عائد على الماء الذي تضمنه ذكر العيون وقيل هو عائد على جميع ما تقدم مجملا كأنه قال من ثمر ما ذكرنا وما في قوله وما عملته أيديهم قال الطبري هي اسم معطوف على الثمر أي يقع الأكل من الثمر ومما عملته الأيدي بالغرس والزراعة ونحوه وقالت فرقة هي مصدرية وقيل هي نافية والتقدير أنهم يأكلون من ثمره وهو شيء لم تعمله أيديهم بل هي نعمة من الله تعالى عليهم والأزواج الأنواع من جميع الأشياء وقوله ومما لا يعلمون نظير قوله تعالى ويخلق ما لا تعلمون وقوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار هذه الآيات جعلها الله عز و جل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له ونسلخ معناه نكشط ونقشر فهي استعارة ت قال الهروي قوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أي نخرجه منه إخراجا لا يبقى من ضوء النهار معه شيء انتهى ومظلمون داخلون في الظلام ومستقر في الشمس على ما في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم من طريق أبي ذر بين يدي العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها وهو في البخاري وفي حديث آخر أنها تسجد في عين حمئة ومنازل منصوبة على الظرف وهي المنازل المعروفة عند العرب وهي ثمانية وعشرون منزلة يقطع القمر منها كل ليلة منزلة وعودته هي استهلاله رقيقا وحينئذ يشبه العرجون وهو الغصن من النخلة الذي فيه شماريخ التمر فإنه ينحني ويصفر إذا قدم ويجيء أشبه شيء بالهلال قاله الحسن والوجود يشهد له والقديم معناه العتيق الذي قد مر عليه زمن طويل وينبغي هنا مستعملة فيما لا يمكن خلافه لأنها لا قدرة لها على غير ذلك والفلك فيما روي عن ابن عباس متحرك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب ويسبحون معناه يجرون ويعومون وقوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم في الفلك الآية ذكر الذرية لضعفهم عن السفر فالنعمة فيهم أمكن والضمير المتصل بالذريات هو ضمير الجنس كأنه قال ذريات جنسهم أو نوعهم هذا أصح ما يتجه في هذا وأما معنى الآية فقال ابن عباس وجماعة يريد بالذريات المحمولين أصحاب نوح في السفينة ويريد بقوله من مثله السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة وإياها أراد بقوله وإن نشأ نغرقهم وقال مجاهد وغيره المراد بقوله إنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة ويريد بقوله وخلقنا لهم من مثله ما يركبون الإبل وسائر ما يركب فتكون المماثلة في أنه مركوب مبلغ الأقطار فقط ويعود قوله وإن نشأ نغرقهم على السفن الموجودة في الناس والصريخ هنا بمعنى المصرخ المغيث وقوله تعالى إلا رحمة منا قال الكسائي نصب رحمة على الإستثناء كأنه قال إلا أن نرحمهم وقوله إلى حين يريد إلى آجالهم المضروبة لهم ثم ابتدأ الأخبار عن عتو قريش بقوله وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم قال قتادة ومقاتل ما بين أيديهم هو عذاب الأمم الذي قد سبقهم في الزمن وهذا هو النظر الجيد وقال الحسن خوفوا بما مضى من ذنوبهم وبما يأتي منها قال ع وهذا نحو الأول في المعنى وقوله تعالى وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله الآية الضمير في قوله لهم لقريش وسبب الآية أن الكفار لما أسلم حواشيهم من الموالي وغيرهم والمستضعفين قطعوا عنهم نفقاتهم وصلاتهم وكان الأمر بمكة أولا فيه بعض الإتصال في وقت نزول آيات الموادعة فندب أولئك المؤمنون قراباتهم من الكفار إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم مما رزقهم الله فقالوا عند ذلك أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وقالت فرقة سبب الآية إن قريشا شحت بسبب أزمة على المساكين جميعا مؤمن وغير مؤمن فندبهم النبي صلى الله عليه و سلم إلى النفقة على المساكين وقولهم يحتمل معنين أحدهما يخرج على اختيار لجهال العرب فقد روي أن أعربيا كان يرعى إبله فيجعل السمان في الخصب والمهازيل في المكان الجدب فقيل له في ذلك فقال أكرم ما أكرم الله وأهين ما أهان الله فيخرج قول قريش على هذا المعنى ومن أمثالهم كن مع الله على المدبر والتأويل الثاني أن يكون كلامهم بمعنى الإستهزاء بقول محمد عليه السلام إن ثم إلها هو الرزاق فكأنهم قالوا لم لا يرزقهم إلهك الذي تزعم أي نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمت لأطعمه وقوله تعالى إن أنتم إلا في ضلال مبين يحتمل أن يكون من قول الكفرة للمؤمنين أي في أمركم لنا بالنفقة وفي غير ذلك من دينكم ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى للكفرة وقولهم متى هذا الوعد أي متى يوم القيامة وقيل أرادوا متى هذا العذاب الذي تتهددنا به وما ينظرون أي ينتظرون وما نافية وهذه الصيحة هي صيحة القيامة وهي النفخة الأولى وفي حديث أبي هريرة أن بعدها نفخة الصعق ثم نفخة الحشر وهي التي تدوم فمالها من فواق واصل يخصمون يختصمون والمعنى وهم يتحاورون ويتراجعون الأقوال بينهم وفي مصحف أبي بن كعب يختصمون ولا إلى أهلهم يرجعون لإعجال الأمر بل تفيض أنفسهم حيث ما أخذتهم الصيحة وقوله سبحانه ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون هذه نفخة البعث والأجداث القبور وينسلون أي يمشون مسرعين وفي قراءة ابن مسعود من أهبنا من مرقدنا وروي عن أبي بن كعب وغيره أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر قال ع وهذا غير صحيح الإسناد وإنما الوجه في قولهم من مرقدنا إنها استعارة كما تقول في قتيل هذا مرقده إلى يوم القيامة وقوله هذا ما وعد الرحمن جوز الزجاج أن يكون هذا إشارة إلى المرقد ثم استأنف ما وعد الرحمن ويضمر الخبر حق أو نحوه وقال الجمهور ابتداء الكلام هذا ما وعد الرحمن واختلف في هذه المقالة من قالها فقال ابن زيد هي من قول الكفرة وقال قتادة ومجاهد هي من قول المؤمنين للكفار وقال الفراء هي من قول الملائكة وقالت فرقة هي من قول الله تعالى على جهة التوبيخ وباقي الآية بين وقوله تعالى إن أصحاب الجنة اليوم في شغل قال ابن عباس وغيره هو افتضاض الأبكار وقال ابن عباس أيضا هو سماع الأوتار وقال مجاهد معناه نعيم قد شغلهم قال ع وهذا هو القول الصحيح وتعيين شيء دون شيء لا قياس له وقوله سبحانه هم وأزواجهم في ظلال جاء في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه متعلق بالمسجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه انتهى وهذا الظل المذكور في الحديث هو في المحشر قال الشيخ ابن أبي جمرة رضي الله عنه وظلال الآخرة ما فيها مباح بل كلها قد تملكت بالأعمال التي عملها العاملون الذين هداهم الله تعالى فليس هناك لصعلوك الأعمال ظل انتهى وهو كما قال فشمر عن ساق الجد إن أردت الفوز أيها الأخ والسلام والأرائك السرر المفروشة قيل ومن شرطها أن تكون عليها حجلة وإلا فليست بأريكة وبذلك قيدها ابن عباس وغيره وقوله ما يدعون بمنزلة ما يتمنون قال أبو عبيدة العرب تقول ادع علي ما شئت بمعنى تمن علي وقوله سلام قيل هي صفة أي مسلم لهم وخالص وقيل هو مبتدأ وقيل هو خبر مبتدإ وقوله تعالى وامتازوا اليوم فيه حذف تقديره ونقول للكفرة وامتازوا معناه انفصلوا وانحجزوا لأن العالم في الموقف إنما هم مختلطون ت وهذا يحتاج إلى سند صحيح وفي الكلام إجمال ويوم القيامة هو مواطن ثم خاطبهم تعالى لما تميزوا توبيخا وتوقيفا على عهده إليهم ومخالفتهم له وعبادة الشيطان هي طاعته والإنقياد لإغوائه وقوله هذا صراط مستقيم إشارة إلى الشرائع إذ بعث الله آدم إلى ذريته ثم لم تخل الأرض من شريعة إلى ختم الرسالة بسيدنا محمد خاتم النبيين والجبل الأمة العظيمة ثم أخبر سبحانه نبيه محمدا عليه السلام أخبارا تشاركه فيه أمته بقوله اليوم نختم على أفواههم وذلك أن الكفار يجحدون ويطلبون شهيدا عليهم من أنفسهم حسبما ورد في الحديث الصحيح فعند ذلك يختم الله تعالى على أفواههم ويأمر جوارحهم بالشهادة فتشهد وقوله سبحانه ولو نشاء لطمسنا على أعينهم الضمير في أعينهم لكفار قريش ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة القدرة وبمدرج العذاب قال الحسن وقتادة أراد الأعين حقيقة والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون ويؤيد هذا مجانسة المسخ للعمي الحقيقي وقوله فاستبقوا الصراط معناه على الفرض والتقدير كأنه قال ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط وهو الطريق فإني لهم بالأبصار وقد أعميناهم وعبارة الثعلبي وقال الحسن والسدي ولو نشاء لتركناهم عميا يترددون فكيف يبصرون الطريق حينئذ انتهى وقال ابن عباس أراد أعين البصائر والمعنى لو شئنا لحتمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحدا أبدا وبين تعالى في تنكيسه المعمرين وإن ذلك مما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتنكيسه تحول خلقه من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله ونحو ذلك ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد عليه السلام رادا على من قال من الكفرة أنه شاعر وأن القرآن شعر بقوله وما علمناه الشعر الآية وقوله تعالى لتنذر من كان حيا أي حي القلب والبصيرة ولم يكن ميتا لكفره وهذه استعارة قال الضحاك من كان حيا معناه عاقلا ويحق القول معناه يحتم العذاب ويجب الخلود وقوله تعالى أولم يروا أنا خلقنا الآية مخاطبة لقريش أيضا وقوله أيدينا عبارة عن القدرة والله تعالى منزه عن الجارحة وقوله تعالى فهم لها مالكون تنبيه على النعمة وقوله وهم لهم جند محضرون أي يحضرون لهم في الآخرة على معنى التوبيخ والنقمة وسمى الأصنام جندا إذ هم عدة للنقمة من الكفرة ثم أنس الله نبيه عليه السلام بقوله فلا يحزنك قولهم وتوعد الكفرة بقوله إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون وقوله تعالى أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة الآية والصحيح في سبب نزول الآية هو ما رواه ابن وهب عن مالك وقاله ابن إسحاق وغيره أن أبي بن خلف جاء بعظم رميم ففته في وجه النبي صلى الله عليه و سلم وحياله وقال من يحي هذا يا محمد ولأبي هذا مع النبي صلى الله عليه و سلم مقامات ومقالات إلى أن قتله النبي صلى الله عليه و سلم بيده يوم أحد طعنه بحربة في عنقه وقوله ونسي خلقه يحتمل أن يكون نسيان الذهول ويحتمل أن يكون نسيان الترك والرميم البالي المتفتت وهو الرفاث ثم دلهم سبحانه على الإعتبار بالنشأة الأولى ثم عقب تعالى بدليل ثالث في إيجاد النار في العود الأخضر المرتوي ماء وهذا هو زناد العرب والنار موجودة في كل عود غير أنها في المتخلخل المفتوح المسام أوجد وكذلك هو المرخ والعفار وجمع الضمير جمع من يعقل في قوله مثلهم من حيث أن السموات والأرض متضمنة من يعقل من الملائكة والثقلين هذا تأويل جماعة وقيل مثلهم عائد على الناس وباقي الآية بين تفسير سورة الصافات وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل والصافات صفا الآية أقسم الله تعالى في هذه الآية بأشياء من مخلوقاته قال ابن مسعود وغيره الصافات هي الملائكة تصف في السماء في عبادة الله عز و جل وقالت فرقة المراد صفوف بني آدم في القتال في سبيل الله قال ع واللفظ يحتمل أن يعم هذه المذكورات كلها قال مجاهد والزاجرات هي الملائكة تزجر السحاب وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى وقال قتادة الزاجرات هي آيات القرآن والتاليات ذكرا معناه القارئات قال مجاهد أراد الملائكة التي تتلو ذكره وقال قتادة أراد بني آدم الذين يتلون كتبه المنزلة وتسبيحه وتكبيره ونحو ذلك والمقسم عليه قوله إن إلهكم لواحد وقوله ما رد قال العراقي ما رد سخط عليه وهكذا مريد انتهى وهذا لفظه والملأ الأعلى أهل السماء الدنيا فما فوقها وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض الذي هو أسفل والضمير في يسعون للشياطين وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص لا يسمعون بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون فينتفي على قراءة الجمهور سماعهم وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيح ويعضده قوله تعالى إنهم عن السمع لمعزولون ويقذفون معناه يرجمون والدحور الإصفار والإهانة لأن الدحر هو الدفع بعنف وقال البخاري ويقذفون يرمون ودحورا مطردين وقال ابن عباس مدحورا مطرودا انتهى والواصب الدائم قاله مجاهد وغيره وقال أبو صالح الواصب الموجع ومنه الوصب والمعنى هذه الحال هي الغالبة على جميع الشياطين إلا من شذ فخطف خبرا أو نبأ فاتبعه شهاب فأحرقه والثاقب النافذ بضوءه وشعاعه المنير قاله قتادة وغيره وقوله تعالى فاستفتهم أهم أشد خلقا أي فلا يمكنهم أن يقولوا إلا أن خلق من سواهم من الأمم والملائكة والجن والسموات والأرض والمشارق والمغارب وغير ذلك هو أشد من هؤلاء المخاطبين وبان الضمير في خلقنا يراد به ما تقدم ذكره قال مجاهد وقتادة وغيرهما ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود أم من عددنا وكذلك قرأ الأعمش وقوله تعالى إنا خلقناهم من طين أي خلق أصلهم وهو آدم عليه السلام واللازب والازم يلزم ما جاوره ويلصق به وهو الصلصال بل عجبت يا محمد من أعراضهم عن الحق وقرأ حمزة والكسائي بل عجبت بضم التاء وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب ومعنى ذلك من الله تعالى أنه صفة فعل ونحوه قوله صلى الله عليه و سلم يعجب الله من الشاب ليست له صبوة فإنما هي عبارة عما يظهره الله تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم أوالتحقير حتى يصير الناس متعجبين منه قال الثعلبي قال الحسين ابن الفضل التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب انتهى وقوله ويسخرون أي وهم يسخرون من نبوتك وقوله وإذا رأوا آية يستسخرون يريد بالآية العلامة والدلالة وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من المشركين من أهل مكة لقيه النبي صلى الله عليه و سلم في جبل خال وهو يرعى غنما له وكان أقوى أهل زمانه فقال له النبي صلى الله عليه و سلم يا ركانة أرأيت أن صرعتك أتؤمن بي قال نعم فصرعه النبي صلى الله عليه و سلم ثلاثا ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلفت فيه ألفاظ الحديث فلما فرغ ذلك لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال يا بني هاشم ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه ويستسخرون قال مجاهد وقتادة معناه يسخرون ثم أمر تعالى نبيه أن يجيب تقريرهم واستفهامهم عن البعث بنعم وأن يزيدهم في الجواب إنهم مع البعث في صغار وذلة واستكانة والداخر الصاغر الذليل وقد تقدم بيانه غير ما مرة والزجرة الواحدة هي نفخة البعث قال العراقي الزجرة الصيحة بانتهار انتهى والدين الجزاء وأجمع المفسرون على أن قوله تعالى هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ليس هو من قول الكفرة وإنما المعنى يقال لهم وقوله وأزواجهم معناه أنواعهم وضرباؤهم قاله عمر وابن عباس وقتادة ومعهم ما كانوا يعبدون من دون الله من آدمي رضي بذلك ومن صنم ووثن توبيخا لهم وإظهار لسوء حالهم وقال الحسن أزواجهم نساؤهم المشركات وقاله ابن عباس أيضا وقوله تعالى فاهدوهم معناه قدموهم واحملوهم على طريق الجحيم ثم يأمر الله تعالى بوقوفهم على جهة التوبيخ لهم والسؤال قال جمهور المفسرين يسئلون عن أعمالهم ويوقفون على قبحها وقد تقدم قوله صلى الله عليه و سلم لا تزول قدما عبد الحديث قال ع ويحتمل عندي أن يكون المعنى على نحو ما فسره تعالى بقوله ما لكم لا تناصرون أي أنهم مسئولون عن امتناعهم عن التناصر وهذا على جهة التوبيخ وقرأ خالد لا تتناصرون ت قال عياض في المدارك كان أبو إسحاق الجبنياني ظاهر الحزم كثير الدمعة يسرد الصيام قال ولده أبو الطاهر قال لي أبي إن إنسانا بقي في آية سنة لم يتجاوزها وهي قوله تعالى وقفوهم إنهم مسئولون فقلت له أنت هو فسكت فعلمت أنه هو وكان إذا دخل في الصلاة لو سقط البيت الذي هو فيه ما التفت إقبالا على صلاته واشتغالا بمناجاة ربه وكان رحمه الله من أشد الناس تضييقا على نفسه ثم على أهله وكان يأكل البقل البري والجراد إذا وجده ويطحن قوته بيده شعيرا ثم يجعله بنخالته دقيقا في قدر مع ما وجد من بقل بري وغيره حتى أنه ربما رمى بشيء منه لكلب أو هر فلا يأكله وكان لباسه يجمعه من خرق المزابل ويرقعه وكان يتوطأ الرمل وفي الشتاء يأخذ قفاف المعاصر الملقاة على المزابل يجعلها تحته قال ولده أبو الطاهر وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته كنت أسمعه في الليل يقول ... ما لي تلاد ولا استطرفت من نشب ... وما أأمل غير الله من أحد ... إن القنوع بحمد الله يمنعني ... من التعرض للمنانة النكد ... انتهى وقوله تعالى وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون هذه الجماعة التي يقبل بعضها على بعض هي جن وإنس قاله قتادة وتساؤلهم هو على معنى التقريع واللوم والتسخط والقائلون إنكم كنتم تأتوننا إما أن يكون الإنس يقولونها للشياطين وهذا قول مجاهد وابن زيد وإما أن يكون ضعفة الإنس يقولونها للكبراء والقادة واضطراب المتأولون في معنى قولهم عن اليمين فعبر ابن زيد وغيره عنه بطريق الجنة ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى ولا يختص بنفس اللفظة والذي يخصها معان منها أن يريد باليمين القوة أي تحملوننا على طريق الضلالة بقوة ومنها أن يريد باليمين اليمن أي تأتوننا من جهة النصائح والعمل الذي يتيمن به ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إنكم كنتم تجيئوننا من جهة الشهوات وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين وقيل المعنى تحلفون لنا فاليمين على هذا القسم وقد ذهب بعض العلماء في ذكر إبليس جهات بني آدم في قوله من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم إلى ما ذكرناه من جهة الشهوات ثم أخبر تعالى عن قول الجن المجيبين لهؤلاء بقولهم بل لم تكونوا مؤمنين أي ليس الأمر كما ذكرتم بل كان لكم اكتساب الكفر وما كان لنا عليكم حجة وبنحو هذا فسر قتادة وغيره أنه قول الجن إلى غاوين ثم أخبر تعالى بأنهم جميعا في العذاب مشتركون وأن هذا فعله بأهل الجرم والكفر وقوله سبحانه إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله الآية ت جاء في فضل لا إله إلا الله أحاديث كثيرة فمنها ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال قال موسى يا رب علمني شيأ أذكرك به وأدعوك به قال قل يا موسى لا إله إلا الله قال يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال إنما أريد شيأ تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله رواه النسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ لابن حبان وعنه صلى الله عليه و سلم قال وقول لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يشبهها عمل رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح الإسناد انتهى من السلاح والطائفة التي قالت أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون هي قريش وإشارتهم بالشاعر إلى النبي صلى الله عليه و سلم فرد الله عليهم بقوله بل جاء بالحق وصدق المرسلين الذين تقدموه ثم أخبر تعالى مخاطبا لهم بقوله إنكم لذائقوا العذاب الأليم الآية وقوله تعالى إلا عباد الله المخلصين استثناء منقطع وهؤلاء المؤمنون وقوله معلوم معناه عندهم وقوله بيضاء يحتمل أن يعود على الكاس ويحتمل أن يعود على الخمر وهو أظهر قال الحسن خمر الجنة أشد بياضا من اللبن وفي قراءة ابن مسعود صفراء فهذا وصف الخمر وحدها والغول اسم عام في الأذى وقال ابن عباس وغيره الغول وجع في البطن وقال قتادة هو صداع في الرأس وينزفون من قولك نزف الرجل إذا سكر وبإذهاب العقل فسره ابن عباس وقرأ حمزة والكسائي ينزفون بكسر الزاي من أترف وله معنيان أحدهما سكر والثاني نفد شرابه وهذا كله منفي عن أهل الجنة وقاصرات الطرف قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن أي لا ينظرون إلى غيرهم وعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين في جمال وقوله تعالى كأنهن بيض مكنون قال ابن جبير والسدي شبه ألوانهن بلون قشر البيضة الداخلي وهو المكنون أي المصون ورجحه الطبري وقال الجمهور شبه ألوانهن بلون قشر البيضة من النعام وهو بياض قد خالطته صفرة حسنة ومكنون أي بالريش وقال ابن عباس فيما حكى الطبري البيض المكنون أراد به الجوهر المصون قال ع وهذا يرده لفظ الآية فلا يصح عن ابن عباس وقوله تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم الآية هذا التساؤل الذي بين أهل الجنة هو تساؤل راحة وتنعم يتذاكرون أمورهم في الجنة وأمر الدنيا وحال الطاعة والإيمان فيها ثم أخبر تعالى عن قول قائل منهم في قصته وهو مثال لكل من له قرين سوء فيعطي هذا المثال التحفظ من قرناء السوء قال الثعلبي قوله إني كان لي قرين قال مجاهد كان شيطانا انتهى وقال ابن عباس وغيره كان هذان من البشر مؤمن وكافر وقال فرات بن ثعلبة البهراني في قصص هذين أنهما كانا شريكين بثمانية آلاف دينار فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله وكان الآخر كافرا مقبلا على ماله فحل الشركة مع المؤمن وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة وجعل الكافر كلما اشترى شيأ من دار أو جارية أو بستان ونحوه عرضه على المؤمن وفخر عليه فيمضي المؤمن عند ذلك ويتصدق بنحو ذلك ليشتري به من الله تعالى في الجنة فكان من أمرهما في الآخرة ما تضمنته هذه الآية وحكى السهيلي أن هذين الرجلين هما المذكوران في قوله تعالى واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب الآية انتهى ومدينون معناه مجازون محاسبون قاله ابن عباس وغيره وقوله تعالى قال هل أنتم مطلعون الآية في الكلام حذف تقديره فقال لهذا الرجل حاضروه من الملائكة أن قرينك هذا في جهنم يعذب فقال عند ذلك هل أنتم مطلعون يخاطب بأنتم الملائكة أو رفقاءه في الجنة أو خدمته وكل هذا حكي المهدوي وقرأ أبو عمرو في رواية حسين مطلعون بسكون الطاء وفتح النون وقريء شاذا مطلعون بسكون الطاء وكسر النون قال ابن عباس وغيره سواء الجحيم وسطه فقال له المؤمن عند ذلك تالله إن كدت لترديني أي تهلكني بإغوائك والردى الهلاك وقول المؤمن أفما نحن بميتين إلى قوله بمعذبين يحتمل أن تكون مخاطبة لرفقائه في الجنة لما رأى ما نزل بقرينه ونظر إلى حاله في الجنة وحال رفقائه قدر النعمة قدرها فقال لهم على جهة التوقيف على النعمة أفما نحن بميتين ولا معذبين ويجيء على هذا التأويل قوله إن هذا لهو الفوز العظيم إلى قوله العاملون متصلا بكلامه خطابا لرفقائه ويحتمل قوله أفما نحن بميتين أن تكون مخاطبة لقرينه على جهة التوبيخ كأنه يقول أين الذي كنت تقول من أنا نموت وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب ويكون قوله تعالى إن هذا لهو الفوز العظيم إلى قوله العاملون يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه وإليه ذهب قتادة ويحتمل أن يكون من خطاب الله تعالى لمحمد عليه السلام وأمته ويقوى هذا قوله لمثل هذا فليعمل العاملون وهو حض على العمل والآخرة ليست بدار عمل وقوله تعالى أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم المراد بالآية تقرير قريش والكفار قال ع وفي بعض البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة مرة مسمومة لها لبن إن مس جسم أحد تورم ومات منه في أغلب الأمر تسمى شجرة الزقوم والتزقم في كلام العرب البلع على شدة وجهد وقوله تعالى إنا جعلناها فتنة للظالمين قال قتادة ومجاهد والسدي يريد أبا جهل ونظرءاه وقد تقدم بيان ذلك وقوله تعالى كأنه رؤس الشياطين اختلف في معناه فقالت فرقة شبه طلعها بثمر شجرة معروفة يقال لها رؤس الشياطين وهي بناحية اليمن يقال لها الأستن وقالت فرقة شبه برؤوس صنف من الحيات يقال لها الشياطين وهي ذوات أعراف وقالت فرقة شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها وإن كانت لا ترى لأن الناس إذا وصفوا شيأ بغاية القبح قالوا كأنه شيطان ونحو هذا قول امريء القيس ... أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال ... فإنما شبه بما استقر في النفوس من هيئتها والشوب المزاج والخلط قاله ابن عباس وقتادة والحميم السخن جدا من الماء ونحوه فيريد به هاهنا شرابهم الذي هو طينة الخبال صديدهم وما ينماع منهم هذا قول جماعة من المفسرين وقوله تعالى ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم كقوله تعالى يطوفون بينهما وبين حميم آن وقوله سبحانه إنهم ألفوا آباءهم الآية تمثيل لقريش ويهرعون معناه يسرعون قاله قتادة وغيره وهذا تكسبهم للكفر وحرصهم عليه وقوله تعالى فانظر كيف كان عاقبة المنذرين يقتضي الإخبار بأنه عذبهم ولذلك حسن الإستثناء في قوله إلا عباد الله المخلصين ونداء نوح تضمن أشياء كطلب النصرة والدعاء على قومه وغير ذلك قال أبو حيان فلنعم المجيبون جواب قسم كقوله يمينا لنعم السيدان وجدتما والمخصوص بالمدح محذوف أي فلنعم المجيبون نحن انتهى وقوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين قال ابن عباس وقتادة أهل الأرض كلهم من ذرية نوح وقالت فرقة إن الله تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله وليس الأمر بأن أهل الدنيا انحصروا إلى نسله بل في الأمم من لا يرجع إليه والأول أشهر عن علماء الأمة وقالوا نوح هو آدم الأصغر قال السهيلي ذكر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في قوله عز و جل وجعلنا ذريته هم الباقين إنهم سام وحام ويافث انتهى وقوله تعالى وتركنا عليه في الآخرين معناه ثناء حسنا جميلا باقيا آخر الدهر قاله ابن عباس وغيره وسلام رفع بالإبتداء مستأنف سلم الله به عليه ليقتدي بذلك البشر ت قال أبو عمر في التمهيد قال سعيد يعني ابن عبد الرحمن الجمحي بلغني أنه من قال حين يمسى سلام على نوح في العالمين لم تلدغه عقرب ذكر هذا عند قول النبي صلى الله عليه و سلم للأسلمي الذي لدغته عقرب أما لو أنك قلت حين امسيت اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضركك ان شاء الله قال ابو عمر وروي ابن وهب هذا الحديث عن مالك يعني حديث اعوذ بكلمات الله التامات بإسناده مثل ما في الموطإ إلا انه قال في ءاخره لم يضرك شيء انتهى وقوله تعالى ثم اغرقنا الآخرين قال جماعة من العلماء ان الغرق عم جميع الناس واسندوا في ذلك احاديث قالوا ولم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة لان عهد ءادم كان قريبا وكانت دعوة نوح ونبوته قد بلغت جميعهم لطول المدة واللبث فيهم فتمادوا على كفرهم ولم يقبلوا ما دعاهم اليه من عبادة الرحمن فلذلك اغرق الله جميعهم وقوله تعالى وإن من شيعته قال ابن عباس وغيره الضمير عائد على نوح والمعنى في الدين والتوحيد وقال الطبري وغيره عن الفراء الضمير عائد على محمد والاشارة اليه وقوله أئفكا استفهام بمعنى التقرير اي اكذبا ومحالا ءالهة دون الله تريدون وقوله فما ظنكم توبيخ وتحذير وتوعد وقوله تعالى فنظر في النجوم روي ان قومه كان لهم عيد يخرجون اليه فدعوا ابراهيم عليه السلام إلى الخروج معهم فنظر حينئذ واعتذر بالسقم واراد البقاء ليخالفهم إلى الاصنام وروي ان علم النجوم كان عندهم منظورا فيه مستعملا فاوهمهم هو من تلك الجهة قالت فرقة وقوله اني سقيم من المعاريض الجائزة وقوله تعالى فراغ إلى ءالهتهم راغ معناه مال وقوله ألا تأكلون هو على جهة الاستهزاء بعبدة تلك الاصنام ثم مال عند ذلك إلى ضرب تلك الاصنام بفاس حتى جعلها جذاذا واختلف في معنى قوله باليمين فقال ابن عباس اراد يمنى يديه وقيل اراد بقوته لانه كان يجمع يديه معا بالفاس وقيل اراد باليمين القسم في قوله وتالله لاكيدن اصنامكم والضمير في اقبلوا لكفار قومه ويزفون معناه يسرعون واختلف المتأولون في قوله وما تعملون فمذهب جماعة من المفسرين ان ما مصدرية والمعنى ان الله خلقكم واعمالكم وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق الله تعالى افعال العباد وهو مذهب اهل السنة وقالت فرقة ما بمعنى الذي والبنيان قيل كان في موضع ايقاد النار وقيل بل كان للمنجنيق الذي رمي عنه والله اعلم وقوله اني ذاهب الى ربي الآية قالت فرقة كان قوله هذا بعد خروجه من النار وانه اشار بذهابه الى هجرته من ارض بابل حيث كانت مملكة نمرود فخرج الى الشام وقالت فرقة قال هذه المقالة قبل ان يطرح في النار وانما اراد لقاء الله لأنه ظن ان النار سيموت فيها وقال سيهدين اي الى الجنة نحا إلى هذا المعنى قتادة قال ع وللعارفين بهذا الذهاب تمسك واحتجاج في الصفاء وهو محمل حسن في اني ذاهب وحده والتأويل الأول أظهر في نمط الآية بما يأتي بعد لأن الهداية معه تترتب والدعاء في الولد كذلك ولا يصح مع ذهاب الموت وباقي الآية تقدم قصصها وان الراجح ان الذبيح هو اسماعيل وذكر الطبري ان ابن عباس قال الذبيح اسماعيل وتزعم اليهود انه اسحاق وكذبت اليهود وذكر ايضا ان عمر بن عبدالعزيز سأل عن ذلك رجلا يهوديا كان اسلم وحسن اسلامه فقال الذبيح هو اسماعيل وان اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ان تكون هذه الآيات والفضل والله في ابيكم والسعي في هذه الآية العمل والعبادة والمعونة قاله ابن عباس وغيره وقال قتادة السعي على القدم يريد سعيا متمكنا وهذا في المعنى نحو الأول وقوله إني أرى في المنام الآية يحتمل أن يكون رأى ذلك بعينه ورؤيا الأنبياء وحي وعين له وقت الإمتثال ويحتمل أنه أمر في نومه بذبحه فعبر عن ذلك بقوله إني أرى أي أرى ما يوجب أن أذبحك قال ابن العربي في أحكامه واعلم ان رؤيا الأنبياء وحي فما القى إليهم ونفث به الملك في روعهم وضرب المثل له عليهم فهو حق ولذلك قالت عائشة وما كنت اظن أنه ينزل في قرءان يتلى ولكنى رجوت أن يرى رسول الله ص - رؤيا يبرئنى الله بها وقد بينا حقيقة الرؤيا وأن البارى تعالى يضربها مثلا للناس فمنها أسماء وكنى فمنها رؤيا تخرج بصفتها ومنها رؤيا تخرج بتأويل وهو كنيتها ولما استسلم إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام لقضاء الله أعطي إبراهيم ذبيحا فداء وقيل له هذا فداء ولدك فامتثل فيه ما رأيت فإنه حقيقة ما خطبناك فيه وهو كناية لا اسم وجعله مصدقا للرؤيا بمبادرة الامتثال انتهى وقوله تعالى فلما اسلما أي اسلما أنفسهما واستسلما لله عز و جل وقرأ ابن عباس وجماعة سلما والمعنى فوضا إليه في قضائه وقدره سبحانه فأسلم إبراهيم ابنه واسلم الابن نفسه قال بعض البصريين جواب لما محذوف تقديره فلما اسلما وتله للجبين اجزل اجرهما ونحو هذا مما يقتضيه المعنى وتله معناه وضعه بقوة ومنه الحديث في القدح فتله رسول الله ص - في يده أي وضعه بقوة وللجبين معناه لتلك الجهة وعليها كما يقولون في المثل وخر ضريعا لليدين وللفم وكما تقول سقط لشقه الأيسر والجبينان ما اكتنف الجبهة من هاهنا ومن هاهنا وأن من قوله أن يا إبراهيم مفسرة لا موضع لها من الإعراب وصدقت الرؤيا يحتمل أن يريد بقلبك أو بعملك والرؤيا اسم لما يرى من قبل الله تعالى والمنام والحلم اسم لما يرى من قبل الشيطان ومنه الحديث الصحيح الرؤيا من الله والحلم اسم لما يرى من قبل الله تعالى والمنام والحلم اسم لما يرى من قبل الشيطان ومنه الحديث الصحيح الرؤيا من الله والحلم من الشيطان والبلاء الاختبار والذبح العظيم في قول الجمهور كبش أبيض أعين وجده وراءه مربوطا بسمرة وأهل السنة على أن هذه القصة نسخ فيها العزم على الفعل خلافا للمعتزلة قال أحمد بن نصر الداودي وأن نسخ الله آية قبل العمل بها فإنما قبل العمل بها فإنما ينسخها بعد اعتقاد قبولها وهو عمل انتهى من تفسيره عند قوله تعالى ما ننسخ من آية قال ع ولا خلاف أن إبراهيم أمر الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع والجمهور أن أمر الذبح كان بمنى وقال الشعبي رأيت قرني كبش إبراهيم معلقتين في الكعبة وروى عمران بن حصين أن النبي ص - قال يا فاطمة قومى لأضحيتك فاشهديها فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه قولي إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين قال عمران قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة قال لا بل للمسلمين عامة رواه الحاكم في المستدرك انتهى من السلاح وقوله تعالى وظالم لنفسه توعد لمن كفر من اليهود بمحمد عليه السلام والكتاب المستبين هو التوراة قال قتادة وابن مسعود إلياس هو إدريس عليه السلام وقالت فرقة هو من ولد هارون وقرأ نافع وابن عامر على ءال ياسين وقرأ الباقون على الياسين بألف مكسورة ولام ساكنة فوجهت الأولى على أنها بمعنى أهل وياسين اسم لإلياس وقيل هو اسم لمحمد عليه السلام ووجهت الثانية على أنها جمع الياسي وقرأ ابن مسعود والأعمش وأن إدريس لمن المرسلين وسلام على إدريس قال السهيلي قال ابن جني العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا فياسين وإلياس والياسين شيء واحد انتهى ت وحكى الثعلبي هنا حكاية عن عبدالعزيز بن أبي رواد عن رجل لقي إلياس في أيام مروان بن الحكم وأخبره بعدد الأبدال وعن الخضر في حكاية طويلة لا ينبغي إنكار مثلها فأولياء الله يكاشفون بعجائب فلا يحرم الأنسان التصديق بها جعلنا الله من زمرة أوليائه انتهى وقوله اتدعون بعلا معناه اتعبدون قال الحسن والضحاك وابن زيد بعل اسم ضم كان لهم ويقال له بعلبك وذكر ابن إسحاق عن فرقة إن بعلا اسم امرأة كانت اتتهم بضلالة وقرأ حمزة والكساءي وعاصم الله ربكم ورب ءابائكم كل ذلك بالنصب بدلا من قوله أحسن الخالقين وقرأ الباقون كل ذلك بالرفع على القطع والإستيناف والضمير في كذبوه عائد على قوم إلياس ومحضرون معناه مجموعون لعذاب الله وقوله تعالى وأنكم لتمرون عليهم مخاطبة لقريش ثم وبخهم بقوله أفلا تعقلون وقوله تعالى وأن يونس الآية هو يونس بن متى ص - وهو من بنى إسرائيل وقوله تعالى إذ ابق الآية وذلك أنه لما أخبر قومه بوقت مجيء العذاب وغاب عنهم ثم أن قومه لما رأوا مخايل العذاب أنابوا إلى الله فقبل توبتهم فلما مضى وقت العذاب ولم يصبهم قال يونس لا ارجع إليهم بوجه كذاب وروي أنه كان في سيرتهم أن يقتلوا الكذاب فأبق إلى الفلك أي أراد الهروب ودخل في البحر وعبر عن هروبه بالإباق من حيث أنه فر عن غير إذن مولاه فروي عن ابن مسعود أنه لما حصل في السفينة وابعدت في البحر ركدت ولم تجر وغيرها من السفن يجري يمينا وشمالا فقال أهلها أن فينا لصاحب ذنب وبه يحبسنا الله تعالى فقالوا لنقترع فأخذوا لكل واحد سهما واقترعوا فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات فطرح حينئذ نفسه والتقمه الحوت وروي أن الله تعالى أوحى إلى الحوت إني لم اجعل يونس لك رزقا وإنما جعلت بطنك له حرزا وسجنا فهذا معنى فساهم والمدحض المغلوب في محاجةأو مساهمة وعبارة ابن العربي في الأحكام وأوحى الله تعالى إلى الحوت أنا لم نجعل يونس لك رزقا وإنما جعلنا بطنك له مسجدا الحديث انتهى ولفظة مسجد احسن من السجن فرحم الله عبدا لزم الأدب لا سيما مع أنبيائه واصفيائه والمليم الذي أتى ما يلام عليه وبذلك فسر مجاهد وابن زيد وقوله سبحانه فلولا أنه كان من المسبحين قيل المراد القائلين سبحان الله في بطن الحوت قاله ابن جريج وقالت فرقة بل التسبيح هنا الصلاة قال ابن عباس وغيره صلاته في وقت الرخاء نفعته في وقت الشدة وقال هذا جماعة من العلماء وقال الضحاك بن قيس على منبره اذكروا الله عباد الله في الرخاء يذكركم في الشدة أن يونس كان عبدالله ذاكرا له فلما أصابته الشدة نفعه ذلك قال الله عز و جل فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وأن فرعون كان طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال ءامنت فلم ينفعه ذلك فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة وقال ابن جبير الإشارة بقوله من المسبحين إلى قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقوله سبحانه فنبذناه بالعراء الآية العراء الأرض الفيحاء التى لا شجر فيها ولا معلم قال ابن عباس وغيره في قوله وهو سقيم أنه كالطفل المنفوس بضعة لحم وقال بعضهم كاللحم النيء إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه الله في ظل اليقطينة بلبن اروية كانت تغاديه وتراوحه وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد منها ألوان الطعام وأنواع شهواته قال ابن عباس وأبو هريرة وعمرو بن ميمون اليقطين القرع خاصة وقيل كل ما لا يقوم على ساق كالبقول والقرع والبطيخ ونحوه مما يموت من عامة ومشهور اللغة أن اليقظين هو القرع فنبت لحم يونس عليه السلام وصح وحسن لونه لأن ورق القرع انفع شيء لمن تسلخ جلده وهو يجمع خصالا حميدة برد الظل ولين الملمس وأن الذباب لا يقربها حكى النقاش أن ماء ورق القرع إذا رش به مكان لم يقربه ذباب وروي أنه كان يوما نائما فأيبس الله تلك اليقطينة وقيل بعث عليها الأرضة فقطعت ورقها فانتبه يونس لحر الشمس فعز عليه شأنها وجزع له فأوحى الله إليه يا يونس جزعت ليبس اليقطينة ولم تجزع لإهلاك مائة ألف أو يزيدون تابوا فتبت عليهم وقوله تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال الجمهور أن هذه الرسالة هي رسالته الأولى ذكرها الله في ءاخر القصص وقال قتادة وغيره هذه رسالة أخرى بعد أن نبذ بالعراء وهي إلى أهل نينوى من ناحية الموصل وقرأ الجمهور أو يزيدون فقال ابن عباس أو بمعنى بل وروي عنه أنه قرأ بل يزيدون وقالت فرقة أو هنا بمعنى الواو وقرأ جعفر بن محمد ويزيدون وقال المبرد وكثير من البصريين قوله أو يزيدون المعنى على نظر البشر وحرزهم أي من رآهم قال مائة ألف أو يزيدون وروى أبي بن كعب عن النبي ص - أنهم كانوا مائة وعشرين ألفا ت وعباره أحمد بن نصر الداودي وعن أبي بن كعب قال سألت النبي ص - عن الزيادتين الحسنى وزيادة وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال يزيدون عشرين ألفا واحسبه قال الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز و جل انتهى وفي قوله فآمنوا فمتعناهم إلى حين مثال لقريش أن آمنوا ومن هنا حسن انتقال القول والمحاورة إليهم بقوله فاستفتهم فإنما يعود على ضميرهم على ما في المعني من ذكرهم والاستفتاء السؤال وهو هنا بمعنى التقريع والتوبيخ في جعلهم البنات لله تعالى الله عن قولهم ثم أخبر الله تعالى عن فرقة منهم بلغ بها الافك والكذب إلى أن قالت ولد الله الملائكة لأنه نكح في سروات الجن تعالى الله عن قولهم وهذه فرقة من بنى مدلج فيما روي وقرأ الجمهور اصطفى البنات بهمزة الاستفهام على جهة التقريع والتوبيخ وقوله تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الجنة هنا قيل هم الملائكة لأنها مستجنة أي مستترة وقيل الجنة هم الشياطين والضمير في جعلوا لفرقة من كفار قريش والعرب ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون أي ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الكفرة ومن هذا استثنى عباده المخلصين لأنهم يصفونه بصفاته العلى وقالت فرقة استثناهم من قوله لمحضرون وعبارة الثعلبي ولقد علمت الجنة أي الملائكة أن قائلي هذه المقالة من الكفرة لمحضرون في النار وقيل للحساب والأول أولى لأن الأحضار متى جاء في هذه الصورة عني به العذاب الا عباد الله المخلصين فإنهم ناجون من النار انتهى في البخاري لمحضرون أي سيحضرون للحساب انتهى وقوله تعالى فإنكم وما تعبدون بمعنى قل لهم يا محمد إنكم وأصنامكم ما أنتم بمضلين أحدا بسببها وعليها إلا من قد سبق عليه القضاء فإنه يصلى الجحيم في الآخرة وليس لكم اضلال من هدى الله تعالى وقالت فرقة عليه بمعنى به والفاتن المضل في هذا الموضع وكذلك فسره ابن عباس وغيره وحذفت الياء من صال للإضافة ثم حكى سبحانه قول الملائكة وما منا إلا له مقام معلوم وهذا يؤيد أن الجنة أراد بها الملائكة وتقدير الكلام وما منا ملك وروت عائشة عن النبي ص - أن السماء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو واقف يصلي وعن ابن مسعود وغيره نحوه والصافون معناه الواقفون صفوفا والمسبحون يحتمل أن يريد به الصلاة ويحتمل أن يريد قول سبحان الله قال الزهراوي قيل أن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة مذ نزلت هذه الآية ولا يصصف أحد من أهل الملل غير المسلمين ثم ذكر تعالى مقالة بعض الكفار قال قتادة وغيره فإنهم قبل نبوة نبينا محمد ص - قالوا لو كان لنا كتاب أو جاءنا رسول لكنا عباد الله المخلصين فلما جاءهم محمد كفروا به فسوف يعلمون وهذا وعيد محض ثم أنس تعالى نبيه وأولياءه بأن القضاء قد سبق والكلمة قد حقت بأن رسله سبحانه هم المنصورن على من ناواهم وجند الله هم الغزاة وقوله تعالى فتول عنهم أمر لنبيه بالموادعة ووعد جميل وحتى حين قيل هو يوم بدر وقيل يوم القيامة وقوله تعالى وابصرهم فسوف يبصرون وعد للنبي ص - ووعيد لهم ثم ونجهم على استعجال العذاب فإذا نزل أي العذاب بساحتهم فساء صباح المنذرين والساحة الفناء وسوء الصباح أيضا مستعمل في ورود الغارات ت ومنه قول النبي ص - لما أشرف على خيبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين انتهى وقرأ ابن مسعود صباح والعزة في قوله رب العزة المخلوقة الكائنة للأنبياء والمؤمنين وكذلك قال الفقهاء من أجل أنها مربوبة قال محمد بن سحنون وغيره من حلف بعزة فإن كان أراد صفته الذاتية فهي يمين وإن كان أراد عزته التى خلق بين عباد وهي التى في قوله رب العزة فليست بيمين وروي عن النبي ص - أنه قال إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا أحدهم ص - وعلى ءاله وعلى جميع النبيين وسلم تفسير سورة ص وهي مكية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق صاد بكسر الدال والمعنى ماثل القرءان بعملك وقاربه بطاعتك وكذا فسره الحسن أي انظر أين عملك منه وقال الجمهور أنه حرف معجم يدخله ما يدخل أوائل السور من الأقوال ويختص هذا بأن قال بعض الناس معناه صدق محمد وقال الضحاك معناه صدق الله وقال محمد بن كعب القرظي هو مفتاح أسماء الله صمد صادق ونحوه وقوله والقرءان ذى الذكر قسم قال ابن عباس وغيره معناه ذى الشرف الباقى المخلد وقال قتادة ذى التذكرة للناس والهداية لهم قالت فرقة ذى الذكر للأمم والقصص والغيوب ت ولا مانع من أن يراد الجميع قال ع وأما جواب القسم فاختلف فيه فقالت فرقة الجواب في قوله ص إذ هو بمعنى صدق الله أو صدق محمد وقال الكوفيون والزجاج الجواب في قوله أن ذلك لحق تخاصم أهل النار وقال بعض البصريين ومنهم الأخفش الجواب قي قوله أن كل الأكذب الرسل قال ع وهذان القولان بعيدان وقال قتادة والطبري الجواب مقدر قبل بل وهذا هو الصحيح تقديره والقرآن ما الأمر كما يزعمون ونحو هذا من التقدير فتدبره وقال أبو حيان الجواب انك لمن المرسلين وهو ما أثبت جوابا للقرآن حين أقسم به انتهى وهو حسن قال أبو حيان وقوله في عزة هي قراءة الجمهور وعن الكسائي بالغين المعجمة والراءاي في غفلة انتهى والعزة هنا المعازة والمغالبة والشقاق ونحوه أي هم في شق والحق في شق وكم للتكثير وهي خبر فيه مثال ووعيد وهي في موضع نصب بأهلكنا وقوله فنادوا معناه مستغيثين والمعنى أنهم فعلوا ذلك بعد المعاينة فلم ينفعهم ذلك ولم يكن في وقت نفع ولات بمعنى ليس واسمها مقدر عند سيبويه تقديره ولات الحين حين مناص والمناص المفرناص ينوص اذا فروفات قال ابن عباس المعنى ليس بحين نزولا ولا فرار ضبط القوم والضمير في عجبوا الكفار قريش قوله تعالى وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم الآية روى في قصص هذه الآية أن اشراف قريش اجتمعوا عند مرض أبي طالب وقالوا أن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونوذي محمدا بعده فتقول العرب تركوه مدة عمه فلما مات ءاذوه ولكن لنذهب الى أبي طالب فينصفنا منه ويربط بيننا وبينه ربطا فنهضوا اليه فقالوا يا أبا طالب أن محمدا يسب آلهتنا ويسفه آراءنا ونحن لا نقاره على ذلك ولكن افصل بيننا وبينه في حياتك بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم ويدع آلهتنا وسبها ولا يعرض لأحد منا بشيء من هذا فبعث أبو طالب الى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد إن قومك قد دعوك الى النصفة وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك فقال أو غير ذلك يا عم قال وما هو قال يعطونني كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي اليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي فانا نبادر اليها قال لا اله الا الله فنفروا عند ذلك وقالوا ما يرضيك منا غير هذا قال والله لو أعطيتموني الأرض ذهبا ومالا وفي رواية لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها فقاموا عند ذلك وبعضهم يقول لبعض اجعل الآلهة الها واحدا أن هذا لشيء عجاب ويرددون هذا المعنى وعقبة بن ابي معيط يقول امشوا واصبروا على آلهتكم فقوله تعالى وانطلق الملأ عن خروجهم عن أبي طالب وانطلاقهم من ذلك الجمع هذا قول جماعة من المفسرين وقوله أن امشوا نقل الامام الفخران أن بمعنى أي انتهى وقولهم أن هذا لشيء يراد يريدون ظهور محمد وعلوه أي يراد منا الانقياد له وأن نكون له اتباعا ويريدون بالملة الآخرة ملة عيسى قال ابن عباس وغيره وذلك أنها ملة شهر فيها التثليث ثم توعدهم سبحانه بقوله بل لما يذوقوا عذاب أي لو أذاقوه لتحققوا أن هذه الرسالة حق وقوله تعالى أم عندهم خزائن رحمة ربك الآية عبارة الثعلبي أم عندهم خزائن رحمة ربك يعني مفاتيح النبؤة حتى يعطوا من اختاروا نظيرها أهم يقسمون رحمة ربك أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما يعني أن ذلك لله تعالى يصطفي من يشاء فليرتقوا في الأسباب فليصعدوا فيما يوصلهم الى السماوات فليأتوا منها بالوحي الى من يختارون وهذا أمر توبيخ وتعجيز انتهى ونحوه كلام ع ثم وعد الله نبيه النصر فقال جند ما هنالك مهزوم أي مغلوب ممنوع من الصعود الى السماء من الأحزاب أي من جملة الاحزاب قال ع وهذا تأويل قوي وقالت فرقة الاشارة بهنالك الى حماية الاصنام وعضدها أي هؤلاء القوم جند مهزوم في هذه السبيل وقال مجاهد الاشارة بهنالك الى يوم بدر وهي من الأمور المغيبة أخبر بها عليه السلام وما في قوله جند ما زائدة موكدة وفيها تخصيص وباقي الآية وقال أبو حيان جند خبر مبتدأ محذوف أي هم جند وما زائدة أو صفة أريد بها التعظيم على سبيل الهزء بهم أو الاستخفاف لأن الصفة تستعمل على هذين المعنيين وهنالك ظرف مكان يشار به الى البعيد في موضع صفة لجند أي كائن هنالك أو متعلق بمهزوم انتهى وقوله تعالى وما ينظر هؤلاء أي ينتظر الاصيحة واحدة قال قتادة توعدهم سبحانه بصيحة القيامة والنفخ في الصور قال الثعلبي وقد روي هذا التفسير مرفوعا وقالت طائفة توعدهم الله بصيحة يهلكون بها في الدنيا ما لها من فواق قرأ الجمهور بفتح الفاء وقرأ حمزة والكسائي فواق بضم الفاء قال ابن عباس هما بمعنى أي ما لها من انقطاع وعودة بل هي متصلة حتى تهلكهم ومنه فواق الحلب وهي المهلة التي بين الشخبين وقال ابن زيد وغيره المعنى مختلف فالضم كما تقدم من معنى فواق الناقة والفتح بمعنى الافاقة أي لا يفيقون فيها كما يفيق المريض والمغشي عليه والقط الحظ والمصيب والقط أيضا الصك والكتاب من السلطان بصلة ونحوه واختلف في القط هنا ما أرادوا به فقال ابن جبير أرادوا به عجل لنا نصيبنا من الخير والنعيم في دنيانا وقال أبو العالية أرادوا عجل لنا صحفنا بأيماننا وذلك لما سمعوا في القرآن أن الصحف تعطي يوم القيامة بالأيمان والشمائل وقال ابن عباس وغيره أرادوا ضد هذا من العذاب ونحوه وهذا نظير قولهم فامطر علينا حجارة من السماء قال ع وعلى كل تأويل فكلامهم خرج على جهة الاستخفاف والهزء واذكر عبدنا داود ذا الأيد أي فتأس به ولا تلتفت الى هؤلاء والأيد القوة في الدين والشرع والصدع به والأواب الرجاع الى طاعة الله وقال مجاهد وابن زيد وفسره السدي بالمسبح وتسبيح الجبال هنا حقيقة والاشراق ضياء الشمس وارتفاعها وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني اسراءيل قال الثعلبي وليس الاشراق طلوع الشمس وإنما هو صفاؤها وضوءها انتهى قال ابن العربي في أحكامه قال ابن عباس ما كنت أعلم صلاة الضحى في القرآن حتى سمعت الله تعالى يقول يسبحن بالعشي والاشراق قال ابن العربي أما صلاة الضحى فهي في هذه الآية نافلة مستحبة ولا ينبغي أن تصلى حتى تتبين الشمس طالعة قد أشرق نورها وفي صلاة الضحى أحاديث أصولها ثلاثة الأولى حديث أبي ذر وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يصبح على كل سلامي من ابن آدم صدقة تسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف صدقة ونهيه عن المنكر صدقة وإماطته الأذى عن الطريق صدقة وبضعه أهله صدقة ويجزئي من ذلك كله ركعتان من الضحى الثاني حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول الأخير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر الثالث حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى يوم الفتح ثماني ركعات انتهى ت وروى أبو عيسى الترمذي وغيره عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة قال الترمذي حديث حسن انتهى قال الشيخ أبو الحسن ابن بطال في شرحه للبخاري وعن زيد بن أسلم قال سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر أوصني يا عم قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم كما سألتني فقال من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعا كتب من العابدين ومن صلى ستا لم يلحقه ذلك اليوم ذنب ومن صلى ثمانيا كتب من القانتين ومن صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة انتهى والطير عطف على الجبال أي وسخرنا الطير ومحشورة معناه مجموعة والضمير في له قالت فرقة هو عائد على الله عز و جل فكل على هذا يراد به داود والجبال والطير وقالت فرقة هو عائد على داود فكل على هذا يراد به الجبال والطير وقوله تعالى وشددنا ملكه عبارة عامة لجميع ما وهبه الله تعالى من قوة وجند ونعمة وفصل الخطاب قال ابن عباس وغيره هو فصل القضاء بين الناس بالحق واصابته وفهمه وقال الشعبي أراد قول أما بعد فإنه أول من قالها قال ع والذي يعطبه اللفظ أنه آتاه الله فصل الخطاب بمعنى أنه اذا خاطب في نازلة فصل المعنى وأوضحه لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف وقوله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم واستفتحت بالاستفهام تعجيبا من القصة وتفخيما لها والخصم يوصف به الواحد والاثنان والجمع وتسوروا معناه علوا سوره وهو جمع سورة وهي القطعة من البناء وتحتمل هذه الآية أن يكون المستور اثنان فقط فعبر عنهما بلفظ الجمع ويحتمل أن يكون مع كل واحد من الخصمين جماعة والمحراب الموضع الأرفع من القصر أو المسجد وهو موضع التعبد وإنما فزع منهم من حيث دخلوا من غير الباب ودون استيذان ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا الخصم إنما كانوا ملائكة بعثهم الله ضرب مثل لداود فاختصموا اليه في نازلة قد وقع هو في نحوها فافتاهم بفتيا وهي واقعة عليه في نازلته ولما شعر وفهم المراد خر راكعا وأناب واستغفر وأما نازلته التي وقع فيها ففيها للقصاص تطويل فلم نر سوق جميع ذلك لعدم صحته وروي في ذلك عن ابن عباس ما معناه أن داود كان في محرابه يتعبد إذ دخل عليه طائر حسن الهيئة فمد يده اليه ليأخذه فزال مطمعا له من موضع الى موضع حتى اطلع على امرأة لها منظر وجمال فخطر في نفسه أن لو كانت من نسائه وسأل عنها فأخبر أنها امرأة أوريا وكان في الجهاد فبلغه فبلغه أنه استشهد فخطب المرأة وتزوجها فكانت أن سليمان فيما روي عن قتادة فبعث الله الخصم ليفتي قالت فرقة من العلماء وإنما وقعت المعاتبة على همه ولم يقع منه شيء سوى الهم وكان لداود فيما روي تسع وتسعون امرأة وفي كتب بني اسرائيل في هذه القصة صور لا تليق وقد قال علي بن أبي طالب من حديث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله قدره وقوله خصمان تقديره نحن خصمان وبغى معناه اعتدى واستطال ولا تشطط معناه ولا تتعد في حكمك وسواء الصراط معناه وسطه وقوله أن هذا أخي اعراب أخي عطف بيان وذلك أن ما جرى من هذه الأشياء صفة كالخلق والخلق وسائر الأوصاف فانه نعت محض والعامل فيه هو العامل في الموصوف وما كان منها مما ليس يوصف به بتة فهو بدل والعامل فيه مكرر أي تقديرا يقال جاءني أخوك زيد فالتقدير جاءني أخوك جاءني زيد وما كان منها مما لا يوصف به واحتيج الى أن يبين به ويجري مجرى الصفة فهو عطف بيان والنعجة في هذه الآية عبر بها عن المرأة والنعجة في كلام العرب تقع على انثى بقر الوحش وعلى انثى الضأن وتعبر العرب بها عن المرأة وقوله اكفلنيها أي ردها في كفالتي وقال ابن كيسان المعنى اجعلها كفلي أي نصيبي وعزني معناه غلبني ومنه قول العرب من عزيز أي من غلب سلب ومعنى قوله في الخطاب أي كان أوجه مني فاذا خاطبته كان كلامه أقوى من كلامي وقوته أعظم من قوتي ويروى أنه لما قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك تبسما عند ذلك وذهبا ولم يرهما لحينه فشعر حينئذ للأمر ويروى أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه والخلطاء الشركاء في الاملاك والأمور وهذا القول من داود وعظ وبسط لقاعدة حق ليحذر الخصم من الوقوع في خلاف الحث وقوله تعالى الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم قال أبو حيان وقليل خبر مقدم وما زائدة تفيد معنى التعظيم انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أشد الأعمال ذكر الله على كل حال والأنصاف من نفسك ومواساة الأخ في المال انتهى وقوله تعالى وظن داود إنما فتناه معناه شعر للأمر وعلمه وفتناه أي ابتليناه وامتحناه وقال البخاري قال ابن عباس فتناه أي اختبرناه وأسند البخاري عن مجاهد قال سألت ابن عباس عن سجدة ص أين تسجد فقال أو ما تقرأ ومن ذريته داود وسليمان الى قوله أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه و سلم انتهى فتأمله وما فيه من الفقه وقرأ أبو عمرو في رواية على ابن نصر فتناه بتخفيف التاء والنون على اسناد الفعل للخصمين أي امتحناه عن أمرنا قال ابو سعيد الخدري رأيتني في النوم اكتب سورة ص فلما بلغت قوله وخر راكعا وأناب سجد القلم ورأيتني في منام آخر وشجرة تقرأ سورة ص فلما بلغت هذا سجدت وقالت اللهم اكتب لي بها أجرا وحط عني بها وزرا وارزقني بها شكرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود فقال النبي صلى الله عليه و سلم وسجدت أنت يا أبا سعيد قلت لا قال أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة ثم تلا نبي الله الآيات حتى بلغ وأناب فسجد وقال كما قالت الشجرة وأنا معناه رجع ت وحديث سجود الشجرة رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الحاكم وهو من شرط الصحة انتهى من السلاح والزلفى القربة والمكانة الرفيعة والمئاب المرجع في الآخرة من ءاب يئوب اذا رجع وقوله تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض تقدير الكلام وقلنا له يا داود وقال ع ولا يقال خليفة الله الا لرسوله وأما الخلفاء فكل واحد خليفة الذي قبله وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله فذلك تجوز وغلو الا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرزوا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم وبهذا كان يدعي مدة خلافته فلنا ولي عمر وقالوا يا خليفة خليفة رسول الله فطال الأمر ورأوا أنه في المستقبل سيطول أكثر فدعوه أمير المؤمنين وقصر هذا الاسم على الخلفاء وقوله فيضلك قال أبو حيان منصوب في جواب النهي ص أبو البقاء وقيل مجزوم عطفا على النهي وفتحت اللام لالتقاء الساكنين انتهى وقوله سبحانه إن الذين يضلون عن سبيل الله الى قوله وليتذكر أولوا الألباب اعتراض فصيح بين الكلامين من أمر داود وسليمان وهو خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وعظة لأمته ونسوا في هذه الآية معناه تركوا ثم وقف تعالى على الفرق عنده بين المؤمنين العاملين بالصالحات وبين المفسدين الكفرة وبين المتقين والفجار وفي هذا التوقيف حض على الايمان والتقوى وترغيب في عمل الصالحات قال ابن العربي نفي الله تعالى المساواة بين المؤمنين والكافرين وبين المتقين والفجار فلا مساواة بينهم في الآخرة كما قاله المفسرون ولا في الدنيا أيضا لأن المؤمنين المتقين معصومون دما ومالا وعرضا والمفسدون في الأرض والفجار مباحو الدم والمال والعرض فلا وجه لتخصيص المفسرين بذلك في الآخرة دون الدنيا انتهى من الأحكام وهذا كما قال وقوله تعالى في الآية الأخرى سواء محياهم ومماتهم يشهد له وباقي الآية بين وقوله تعالى كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته قال الغزالي في الاحياء اعلم أن القرآن من أوله الى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمنا بما فيه وترى الناس يهذونه هذا ويخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها لا يهمهم الالتفات الى معانيها والعمل بما فيها وهل في العلم غرور يزيد على هذا انتهى من كتاب ذم الغرور واختلف المتأولون في قصص هذه الخيل المعروضة على سليمان عليه السلام فقال الجمهور أن سليمان عليه السلام عرضت عليه آلاف من الخيل تركها أبوه فأجريت بين يديه عشاء فتشاغل بجريها ومحبتها حتى فاته صلاة العشي فأسف لذلك وقال ردوا علي الخيل فطفق يمسح سوقها وأعناقها بالسيف قال الثعلبي وغيره وجعل ينحرها تقربا الى الله تعالى حيث اشتغل بها عن طاعته وكان ذلك مباحا لهم كما أبيح لنا بهيمة الأنعام قال ع فروي أن الله تعالى أبدله منها أسرع منها وهي الريح قال ابن العربي في أحكامه والخير هنا هي الخيل وكذلك قرأها ابن مسعود أني أحببت حب الخيل انتهى والصافن الذي يرفع احدى يديه وقد يفعل ذلك برجله وهي علامة الفراهية وانشد الزجاج ... ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا ... قال بعض العلماء الخير هنا اراد به الخيل والعرب تسمى الخيل الخير وفي مصحف ابن مسعود حب الخيل باللام والضمير في توارت للشمس وإن كان لم يتقدم لها ذكر لأن المعنى يقتضيها وأيضا فذكر العشي يتضمنها وقال بعض المفسرين حتى توارت بالحجاب أي الخيل دخلت اصطبلاتها وقال ابن عباس والزهري مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف بل بيده تكريما لها ورجحه الطبري وفي البخاري فطفق مسحا يمسح أعراف الخيل وعراقيبها انتهى وعن بعض العلماء أن هذه القصة لم يكن فيها فوت صلاة وقالوا عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة فأشار اليهم أي أني في صلاة فأزالوها عنه حتى أدخلوها في الاصطبلات فقال لما فرغ من صلاته أني أحببت حب الخير أي الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي كأنه يقول فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها ردوها علي فطفق يمسح أعرافها وسوقها تكرمة لها أي لأنها معدة للجهاد وهذا هو الراجح عند الفخر قال ولو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم قطعها ت وهذا لا يلزم للقرينة في الموضعين اه قال ابن حيان وحب الخير قال العزاء مفعول به وأحببت مضمن معنى آثرت وقيل منصوب على المصدر التشبيهي أي حبا مثل حب الخير انتهى وقوله عن ذكر ربي عن على كل تأويل هنا للمجاوزة من شيء الى شيء وتدبره فإنه مطرد وقوله تعالى ولقد فتنا سليمان الآية ت اعلم رحمك الله أن الناس قد أكثروا في قصص هذه الآية بما لا يوقف على صحته وحكى الثعلبي في بعض الروايات أن سليمان عليه السلام لما فتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه فأعاده الى يده فسقط وأيقن بالفتنة وأن ءاصف بن برخيا قال له يا نبي الله انك مفتون ولذلك لا يتماسك الخاتم في يدك أربعة عشر يوما ففر الى الله تعالى تائبا من ذنبك وأنا أقوم مقامك في عالمك إن شاء الله تعالى الى أن يتوب الله تعالى عليك ففر سليمان هاربا الى ربه منفردا لعبادته وأخذ ءاصف الخاتم فوضعه في يده فثبت وقيل أن الجسد الذي قال الله تعالى وألقينا على كرسيه جسدا هو ءاصف كاتب سليمان وهو الذي عنده علم من الكتاب واقام ءاصف في ملك سليمان وعياله يسير بسيرته الحسنة ويعمل بعمله أربعة عشر يوما الى أن رجع سليمان الى منزله تائبا الى الله تعالى ورد الله تعالى عليه ملكه فأقام ءاصف عن مجلسه وجلس سليمان على كرسيه وأعاد الخاتم وقال سعيد بن المسيب أن سليمان بن داود عليهما السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله اليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي ولم تنصف مظلوما من ظالم وذكر حديث الخاتم كما تقدم انتهى وهذا الذي نقلناه أشبه ما ذكر وأقرب الى الصواب والله أعلم وقال عياض قوله تعالى ولقد فتنا سليمان معناه ابتليناه وابتلاؤه هو ما حكي في الصحيح أنه قال لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل ان شاء الله فلم تحمل منهن الا امرأة جاءت بشق رجل الحديث قال اصحاب المعاني والشق هو الجسد الذي القى على كرسيه حين عرض عليه وهي كانت عقوبته ومحنته وقيل بل مات والقي على كرسيه ميتا وأما عدم استثنائه فأحسن الأجوبة عنه ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن يقول إن شاء الله ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا وقد عصم الأنبياء من مثله انتهى ت قال ابن العربي والقينا على كرسيه جسدا يعني جسده لا أجساد الشياطين كما يقوله الضعفاء انتهى من كتاب تفسير الأفعال قال ابن العربي في أحكامه وما ذكره بعض المفسرين من أن الشيطان أخذ خاتمه وجلس مجلسه وحكم الخلق على لسانه قول باطل قطعا لأن الشياطين لا يتصورون بصور الأنبياء ولا يمكنون من ذلك حتى يظن الناس أنهم مع نبيهم في حق وهم مع الشياطين في باطل ولو شاء ربك لوهب من المعرفة والدين لمن قال هذا القول ما يزعه عن ذكره ويمنعه من أن يسطره في ديوان من بعده انتهى وقوله وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد الآية قال ع من المقطوع به أن سليمان عليه السلام إنما بذلك قصدا برا لأن للانسان أن يرغب من فضل الله فيما لا يناله أحد لا سيما بحسب المكانة والنبوءة وقوله تعالى فسخرنا له الريح الآية كان لسليمان كرسي فيه جنوده وتأتي عليه الريح الاعصار فتنقله من الأرض حتى يحصل في الهواء ثم تتولاه الرخاء وهي اللينة القوية لا تأتي فيها دفع مفرطة فتحمله غدوها شهرا ورواحها شهر وحيث أصاب معناه حيث أراد قاله وهب وغيره قال ع ويشبه أن اصاب معدي صاب يصوب أي حيث وجه جنوده وقال الزجاج معناه قصد ت وعليه اقتصر أبو حيان فانه قال اصاب أي قصد وأنشد الثعلبي ... أصاب الكلام فلم يستطع ... فاخطا الجواب لدي المفصل ... انتهى وقوله كل بناء بدل من الشياطين ومقرنين معناه موثقين قد قرن بعضهم ببعض والاصفاد القيود والاغلال قال الحسن والاشارة بقوله هذا عطاؤنا الآية الى جميع ما أعطاه الله سبحانه من الملك وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عن من يشاء فكأنه وقفه على قدر النعمة ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته وهذا أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية وتقدمت قصة أيوب في سورة الأنبياء وقوله انى مسني الشيطان بنصب الآية النصب المشقة فيحتمل أن يشير الى مسه حين سلطه الله على إهلاك ماله وولده وجسمه حسبما روي في ذلك وقيل أشار الى مسه إياه في تعرضه لأهله وطلبه منها أن تشرك بالله فكان أيوب تشكي هذا الفصل وكان عليه أشد من مرضه وهنا في الآية محذوف تقديره فاستجاب له وقال اركض برجلك فروي أن أيوب ركض الأرض فنبعت له عين ماء صافية بادرة فشرب منها فذهب كل مرض في داخل جسده ثم اغتسل فذهب ما كان في ظاهر بدنه وروي أن الله تعالى وهب له أهله وماله في الدنيا ورد من مات منهم وما هلك من ماشيته وحاله ثم بارك له في جميع ذلك وروي أن هذا كله وعد به في الآخرة والأول أكثر في قول المفسرين ت وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال عبد قط اذا أصابه هم أو حزن اللهم اني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي الا اذهب الله غمه وابدله مكان حزنه فرحا قالوا يا رسول الله ينبغي لنا أن تعلم هذه الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن قال صاحب السلاح رواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه ت ورويناه من طريق النووي عن ابن السني بسنده عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم وفيه أنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك في قبضتك وفيه فقال رجل من القوم وأن المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات فقال أجل فقولهن وعلموهن من قالهن التماس ما فيهن اذهب الله تعالى حزنه وأطال فرحه انتهى وقوله وذكرى معناه موعظة وتذكرة يعتبر بها أولوا العقول ويتأسون بصبره في الشدائد ولا يئسون من رحمة الله على حال وروي أن أيوب عليه السلام كانت زوجته مدة مرضه تختلف اليه فيتلقاها الشيطان في صورة طبيب ومرة في هيئة ناصح وعلى غير ذلك فيقول لها لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ لو ذبح عناقا للصنم الفلاني لبرئ ويعرض عليها وجوها من الكفر فكانت هي ربما عرضت شيا من ذلك على أيوب فيقول لها لقيت عدو الله في طريقك فلما اغضبته بهذا ونحوه حلف عليها لئن برئ من مرضه ليضربنها مائة سوط فلما برئ أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا فيه مائة قضيب والضغث القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشجر الرطب قاله الضحاك وأهل اللغة فيضرب به ضربة واحدة فتبر يمينه وهذا حكم قد ورد في شرعنا عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله في حد الزنا لرجل زمن فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بعذق نخلة فيه شماريخ مائة أو نحوها فضرب ضربة ذكر الحديث أبو داود وقال بهذا بعض فقهاء الأمة وليس يرى ذلك مالك بن أنس وأصحابه وكذلك جمهور العلماء على ترك القول به وأن الحدود والبر في الأيمان لا تقع الا بتمام عدد الضربات وقرأ الجمهور أولي الأيدي يعني أولى القوة في طاعة الله قاله ابن عباس ومجاهد وقالت فرقة معناه أولي الأيدي والنعم التي أسدها الله اليهم من النبوءة والمكانة والأبصار عبارة عن البصائر أي يبصرون الحقائق وينظرون بنور الله تعالى وقرأ نافع وحده بخالصة ذكرى الدار على الاضافة وقرأ الباقون بخالصة على تنوين خالصة فذكرى على هذه القراءة بدل من خالصة فيحتمل ان يكون معنى الآية انا اخلصناهم بان خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ودعاء الناس اليها وهذا قول قتادة وقيل المعنى انا اخلصناهم بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم لها والعمل بحسب ذلك وهذا قول مجاهد وقال ابن زيد المعنى أنا وهبناهم أفضل ما في الدار الآخرة وأخلصناهم به وأعطيناهم اياه ويحتمل أن يريد بالدار دار الدنيا على معنى ذكر الثناء والتعظيم من الناس وقوله تعالى هذا ذكر يحتمل معنيين أحدهما أن يشير الى مدح من ذكر وابقاء الشرف له فيتأيد بهذا قول من قال أن الدار يراد بها الدنيا والثاني أن يشير بهذا الى القرآن أي ذكر للعالم وجنات بدل من حسن مئاب ومفتحة نعت الجنات والأبواب مفعول لم يسم فاعله وباقي الآية بين وقوله سبحانه هذا وان للطاغين لشر مآب الآية التقدير الأمر هذا ويحتمل أن يكون التقدير هذا واقع أو نحوه والطغيان هنا في الكفر وقوله تعالى هذا ليذوقوه حميم وغساق قرأ الجمهور غساق بتخفيف السين وهو اسم بمعنى السائل قال قتادة الغساق ما يسيل من صديد أهل النار قال ص الغساق السائل وعن أبي عبيدة أيضا البارد المنتن بلغة الترك انتهى قال الفخر هذا فليذوقوه حميم وغساق فيه وجهان الأول على التقديم والتأخير والتقدير هذا حميم وغساق أي منه حميم وغساق انتهى ت والوجه الثاني أن الآية ليس فيها تقديم ولا تأخير وهو واضح وقرأ الجمهور وآخر بالافراد أي ولهم عذاب آخر ومعنى من شكله أي من مثله وضربه وقرأ أبو عمرو وحده وأخر على الجمع وأزواج معناه أنواع والمعنى لهم حميم وغساق وأغذية أخر من ضرب ما ذكر وقوله تعالى هذا فوج هو مما يقال لأهل النار اذا سيق عامة الكفار والاتباع اليها لأن رؤساءهم يدخلون النار أولا والأظهر أن قائل ذلك لهم ملائكة العذاب وهو الذي حكاه الثعلبي وغيره يحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض فيقول البعض الآخر لا مرحبا بهم أي لا سعة مكان ولا خير يلقونه وقوله بل انتم لا مرحبابكم حكاية لقول الاتباع لرؤسائهم اي انتم قدمتموه لنا بأغوائكم وأسلفتم لنا ما أوجب هذا قال العراقي ... مقتحم أي داخل بشده ... مجاوز لما اقتحم بالشدة ... انتهى وقوله تعالى قالوا ربنا من قدم لنا هذا الآية هو حكاية لقول الاتباع أيضا دعوا على رؤسائهم بأن يكون عذابهم مضاعفا وقوله تعالى وقالوا ما لنا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار الآية الضمير في قالوا لأشراف الكفار ورؤسائهم وهذا مطرد في كل أمة وروي أن قائلي هذه المقالة أهل القليب كأبي جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة ومن جرى مجراهم وأن الرجال الذين يشيرون اليهم هم كعمار بن ياسر وبلال وصهيب ومن جرى مجراهم قاله مجاهد وغيره والمعنى كنا في الدنيا نعدهم أشرارا وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو اتخذناهم بصلة الألف على أن يكون ذلك في موضع الصفة لرجال وقرأ الباقون اتخذناهم بهمزة الاستفهام ومعناها تقرير أنفسهم على هذا على جهة التوبيخ لها والاسف أي اتخذناهم سخريا ولم يكونوا كذلك وقرأ نافع وحمزة والكسائي سخريا بضم السين من السخرة والاستخدام وقرأ الباقون سخريا بكسر السين ومعناها المشهور من السخر الذي هو بمعنى الهزء وقولهم أم زاغت معادلة لما في قولهم ما لنا لا نرى والتقدير في هذه الآية أمفقودون هم أم هم معنا ولكن زاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم والزيغ الميل ثم أخبر تعالى نبيه بقوله أن ذلك لحق تخاصم أهل النار والاشارة بقوله تعالى قل هو نبأ عظيم الى التوحيد والمعاد فهي الى القرآن وجميع ما تضمن وعظمه أن التصديق به نجاة والتكذيب به هلكة ووبخهم بقوله أنتم عنه معرضون ثم أمر عليه السلام أن يقول محتجا على صحة رسالته ما كان لي من علم بالملأ الا على لولا أن الله أخبرني بذلك والملأ الأعلى أراد به الملائكة واختلف في الشيء الذي هو اختصامهم فيه فقالت فرقة اختصامهم في شأن ءادم كقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويدل على ذلك ما يأتي من الآيات وقالت فرقة بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه فان العبد اذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء وروي في هذا حديث فسره ابن فورك يتضمن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له ربه عز و جل في نومه أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا قال اختصموا في الكفارات والدرجات فأما الكفارات فأسباغ الوضوء في الغدوات الباردة ونقل الاقدام الى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة وأما الدرجات فافشاء السلام واطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام الحديث قال ابن العربي في أحكامه وقد رواه الترمذي صحيحا وفيه قال سل قال اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وعملا يقرب الى حبك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنها حق فارسموها ثم تعلموها انتهى وقوله أن يوحى الي إلا انما أنا نذير مبين قال العزاء ان شئت جعلت انما في موضع رفع كأنه قال ما يوحي الي الا الانذار أو ما يوحي الي الا أني نذير مبين انتهى وهكذا قال أبو حيان أن بمعنى ما وباقي الآية بين مما تقدم في البقرة وغيرها وقوله تعالى بيدي عبارة عن القدرة والقوة وقوله استكبرت المعنى أحدث لك الاستكبار الآن أم كنت قديما ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو مكانك وهو على جهة التوبيخ له وقوله تعالى قال فاخرج منها فانك رجيم وان عليك لعنتي الى يوم الدين قال رب فانظرني الى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم الآية الرجيم أي المرجوم بالقول السيء واللعنة الابعاد وقوله سبحانه فالحق والحق أقول قال مجاهد المعنى فالحق أنا وقرأ الجمهور فالحق والحق بنصب الاثنين فأما الثاني فمنصوب بأقول وأما الأول فيحتمل أن ينتصب على الاغراء ويحتمل ان ينتصب على القسم على اسقاط حرف القسم كأنه قال فوالحق ثم حذف الحرف كما تقول الله لافعلن تريد والله ويقوي ذلك قوله لأملأن وقد قال سيبويه قلت للخليل ما معنى لأفعلن اذا جاءت مبتدأة فقال هي بتقدير قسم منوي وقالت فرقة الحق الأول منصوب بفعل مضمر وقرأ ابن عباس فالحق والحق برفع الاثنين وقرأ عاصم وحمزة فالحق بالرفع والحق بالنصب وهي قراءة مجاهد وغيره ثم أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بأنه ليس بسائل منهم عليه أجرا وأنه ليس ممن يتكلف ما لم يحبل اليه ولا يحتلى بغير ما هو فيه قال الزبير بن العوام نادى منادي النبي صلى الله عليه و سلم اللهم اغفر للذين لا يدعون ولا يتكلفون الا اني بريء من التكلف وصالحو أمتي وقوله أن هو يريد القرآن وذكر بمعنى تذكرة ثم توعدهم بقوله ولتعلمن نبأه بعد حين وهذا على خلاف تقديره لتعلمن صدق نبإه بعد حين قال ابن زيد اشار الى يوم القيامة وقال قتادة والحسن اشار الى الآجال التي لهم لأن كل واحد منهم يعرف الحقائق بعد موته تفسير سورة الزمر وهي مكية باجماع غير ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وهي قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآيات وقالت فرقة الى آخر السورة هو مدني وقيل فيها مدني سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى تنزيل الكتاب الآية تنزيل رفع بالابتداء والخبر قوله من الله وقالت فرقة تنزيل خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا تنزيل والاشارة الى القرآن قاله المفسرون ويظهر لي أنه اسم عام لجميع ما تنزل من عند الله فكأنه أخبر اخبارا مجردا أن الكتب الهادية الشارعة انما تنزيلها من الله تعالى وجعل هذا الاخبار تقدمة وتوطئة لقوله أنا أنزلنا اليك الكتاب وقوله بالحق معناه متضمنا الحق أي بالحق فيه وفي أحكامه واخباره والدين هنا يعم المعتقدات وأعمال الجوارح قال قتادة والدين الخالص لا اله الا الله وقوله تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء الآية أي يقولون ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى وفي مصحف ابن مسعود قالوا ما نعبدهم وهي قراءة ابن عباس وغيره وهذه المقالة شائعة في العرب في الجاهلية يقولون في معبوداتهم من الاصنام وغيرها ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله قال مجاهد وقد قال ذلك قوم من اليهود في عزير وقوم من النصارى في عيسى وزلفى بمعنى قربة وتوصلة كأنهم قالوا ليقربونا الى الله تقريبا وكان هذه الطوائف كلها حتى نفوسها أقل من أن تتصل هي بالله فكانت ترى أن تتصل بمخلوقاته وزلفى عند سيبويه مصدر في موضع الحال كأنه تنزل منزلة متزلفين والعامل فيه يقربنا وقرأ الجحدري كذاب كفار بالمبالغة فيهما وهذه المبالغة اشارة الى التوغل في الكفر وقوله تعالى لو اراد الله أن يتخذ ولدا معناه اتخاذ التشريف والتبني وعلى هذا يستقيم قوله تعالى لاصطفى مما يخلق وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد فمستحيل أن يتوهم في جهة الله تعالى ولا يستقيم عليه معنى قوله لاصطفى مما يخلق وقوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا لفظ يعم اتخذا النسل واتخاذ الاصطفاء فأما الأول فمعقول وأما الثاني فمعروف بخبر الشرع ومما يدل على أن معنى قوله أن يتخذ انما المقصود به اتخاذ اصطفاء وتبن قوله مما يخلق أي من موجوداته ومحدثاته ثم نزه سبحانه نفسه تنزيها مطلقا عن كل ما لا يليق به سبحانه وقوله تعالى يكور الليل على النهار الآية معناه يعيد من هذا على هذا ومنه كور العمامة التي يلتوي بعضها على بعض فكان الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزء فيستره وكأن الآخر الذي يقصر يلج في الذي يطول فيستتر فيه وقوله تعالى خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها قيل هنا لترتيب الاخبار لا لترتيب الوجود وقيل قوله خلقكم من نفس واحدة هو أخذ الذرية من ظهر آدم وذلك شيء كان قبل خلق حواء ت وهذا يحتاج الى سند قاطع وقوله سبحانه في ظلمات ثلاث قالت فرقة الأولى هي ظهر الأب ثم رحم الأم ثم المشيمة في البطن وقال مجاهد وغيره هي المشيمة والرحم والبطن وهذه الآيات كلها فيها عبر وتنبيه على توحيد الخالق الذي لا يستحق العبادة غيره وتوهين لأمر الاصنام وقوله سبحانه أن تكفروا فان الله غني عنكم الآية قال ابن عباس هذه الآية مخاطبة للكفار قال ع وتحتمل أن تكون مخاطبة لجميع الناس لأن الله سبحانه غني عن جميع الناس وهم فقراء اليه واختلف المتأولون من أهل السنة في تأويل قوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر فقالت فرقة الرضى بمعنى الارادة والكلام ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن قضى الله له بالايمان وحتمه له فعباده على هذا ملائكته ومومنوا الانس والجان وهذا يرتكب على قول ابن عباس وقالت فرقة الكلام عموم صحيح والكفر يقع ممن يقع بإرادة الله تعالى الا انه بعد وقوعه لا يرضاه دينا لهم ومعنى لا يرضاه لا يشكره لهم ولا يثيهم به خيرا فالرضى على هذا هو صفة فعل بمعنى القبول ونحوه وتأمل الارادة فانما هي حقيقة فيما لم يقع بعد والرضى فانما هو حقيقة فيما قد وقع واعتبر هذا في آيات القرآن أن تجده وإن كانت العرب قد تستعمل في اشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا وقوله تعالى وأن تشكروا يرضه لكم عموم والشكر الحقيق في ضمنه الايمان قال النووي وروينا في سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من قال رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه و سلم رسولا وجبت له الجنة انتهى وقوله تعالى واذا مس الانسان ضر دعا ربه الآية الانسان هنا الكافر وهذه الآية بين تعالى بها على الكفار انهم على كل حال يلجئون اليه في حال الضرورات وخوله معناه ملكه وحكمه فيها ابتداء من الله لا مجازاة ولا يقال في الجزاء خول وقوله تعالى نسي ما كان يدعوا اليه قالت فرقة ما مصدرية والمعنى نسي دعاءه اليه في حال الضرورة ورجع الى كفره وقالت فرقة ما بمعنى الذي والمراد بها الله تعالى أي نسي الله وعبارة الثعلبي قوله نسي ما كان يدعوا اليه من قبل أي ترك عبادة الله تعالى والتضرع اليه من قبل في حال الضر انتهى وباقي الآية بين وقوله تعالى أمن هو قانت بتخفيف الميم هي قراءة نافع وابن كثير وحمزة والهمزة للتقرير والاستفهام وكأنه يقول أهذا القانت خير أم هذا المذكور الذي يتمتع بكفره قليلا وهو من أصحاب النار وقرأ الباقون أمن بتشديد الميم والمعنى أهذا الكافر خيرا من هو قانت والقانت المطيع وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما والقنوت في الكلام يقع على القراءة وعلى طول القيام في الصلاة وبهذا فسره ابن عمر رضي الله عنهما قال الفخر قيل أن المراد بقوله أمن هو قانت آناء الليل عثمان بن عفان لأنه كان يحي الليل والصحيح أنها عامة في كل من اتصف بهذه الصفة وفي هذه الآية تنبيه على فضل قيام الليل انتهى وروي عن ابن عباس أنه قال من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في سواد الليل ساجدا وقائما ت قال الشيخ عبد الحق في العاقبة وعن قبيصة بن سفيان قال رأيت سفيان الثوري في المنام بعد موته فقلت له ما فعل الله بك فقال ... نظرت الى ربي عيانا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد لقد كنت قواما اذا الليل قد دجا ... بعبرة محزون وقلب عميد ... فدونك فاختر أي قصر تريده ... وزرني فاني منك غير بعيد ... وكان شعبة بن الحجاج ومسعر بن كدام رجلين فاضلين وكانا من ثقات المحدثين وحفاظهم وكان شعبة أكبر فماتا قال أبو أحمد اليزيزدي فرأيتهما في النوم وكنت الى شعبة أميل مني الى مسعر فقلت يا أبا بسطام ما فعل الله بك فقال وفقك الله يا بني احفظ ما أقول ... حباني الهي في الجنان بقبة ... لها ألف باب من لجين وجوهرا ... وقال لي الجبار يا شعبة الذي ... تبحر في جمع العلوم وأكثرا ... تمتع بقربي انني عنك ذو رضى ... وعن عبدي القوام في الليل مسعرا ... كفى مسعرا عزا بأن سيزورني ... واكشف عن وجهي ويدنو لينظرا ... وهذا فعالي بالذين تنسكوا ... ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا ... انتهى والآناء الساعات واحدها اني كمعي ويقال اني بكسر الهمزة وسكون النون وانا على وزن قفا وقوله سبحانه يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قال الجوزي في المنتخب يقول الله تعالى لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ومن أمنني في الدنيا خوفته في الآخرة يا أخي امتطى القوم مطايا الدجى على مركب السهر فما حلوا ولا حلوا رحالهم حتى السحر درسوا القرآن فغرسوا بأيدي الفكر أزكى الشجر ومالوا الى النفوس باللوم فلا تسأل عما شجر رجعوا بنيل القبول من ذلك السفر ووقفوا على كنز النجاة وما عندك خبر فاذا جاء النهار قدموا طعام الجوع وقالوا للنفس هذا الذى حضر حذوا عزمات طاحت الارض بينها فصار سراهم في ظهور العزائم تراهم نجوم الليل ما يبتغونه على عاتق الشعرى وهام النعائم مالت بالقوم ريح السحر ميل الشجر بالاغصان وهز الخوف افنان القلوب فانتشرت الافنان فالقلب يخشع واللسان يضرع والعين تدمع والوقت بستان خلوتهم بالحبيب تشغلهم عن نعم ونعمان سرورهم اساورهم والخشوع تيجان خضوعهم حلاهم وماء دمعهم در ومرجان باعوا الحرص بالقناعة فما ملك انوشروان فاذا وردوا القيامة تلقاهم بشر لولاكم ما طاب الجنان يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان اين أنت منهم يا نائم كيقظان كم بينك وبينهم أين الشجاع من الجبان ما للمواعظ فيك نجح موضع القلب باللهو منك ملئان يا أخي قف على باب النجاح ولكن وقوف لهفان واركب سفن الصلاح فهذا الموت طوفان اخواني انما الليل والنهار مراحل ومركب العمر قد قارب الساحل فانتبه لنفسك وازدجر يا غافل يا هذا انت مقيم في مناخ الراحلين ويحك اغتنم ايام القدرة قبل صيحة الانتزاع فما أقرب ما ينتظر وما أقل المكث فيما يزول ويتغير انتهى وقوله تعالى قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم يروي أن هذه الآية انزلت في جعفر بن ابي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة الى أرض الحبشة ووعد سبحانه بقوله للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة فقوله في هذه الدنيا متعلق بأحسنوا والمعنى ان الذين يحسنون في الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة والنعيم قاله مقاتل ويحتمل أن يريد أن الذين يحسنون لهم حسنة في الدنيا وهي العافية والظهور وولاية الله تعالى قاله السدي والأول أرجح أن الحسنة هي في الآخرة وقوله سبحانه وأرض الله واسعة حض على الهجرة ثم وعد تعالى على الصبر على المكاره الخروج من الوطن ونصرة الدين وجميع الطاعات بتوفية الاجور بغير حساب وهذا يحتمل معنيين أحدهما أن الصابر يوتي أجره ولا يحاسب على نعيم ولا يتابع بذنوب ويكون في جملة الذين يدخلون الجنة بغير حساب والثاني من المعنيين أن أجور الصابرين توفى بغير حصر ولا عد بل جزافا وهذه استعارة للكثرة التي لا تحصى والى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين حتى قال قتادة ليس ثم والله مكيال ولا ميزان وفي الحديث أنه لما نزلت والله يضاعف لمن يشاء قال النبي صلى الله عليه و سلم اللهم زد امتي فنزلت بعد ذلك من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة فقال اللهم زد أمتي حتى نزلت انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال رضيت يا رب وقوله تعالى قل اني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم من المعلوم أنه عليه السلام معصوم من العصيان وانما الخطاب بالآية لأمته يعمهم حكمه ويحفهم وعيده وقوله فاعبدوا ما شئتم من دونه هذه صيغة أمر على جهة التهديد وهذا في القرآن كثير والظلة ما غشي وعم كالسحابة وسقف البيت ونحوه وقوله سبحانه ذلك يخوف الله به عباده يريد جميع العالم وقوله تعالى والذين اجتنبوا الطاغوت الآية قال ابن زيد أن سبب نزولها زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وابو ذر الغفاري والاشارة اليهم ت سلمان انما اسلم بالمدينة فيلزم على هذا التاويل أن تكون الآية مدنية وقال ابن اسحاق الاشارة بها الى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير وذلك أنه لما أسلم أبو بكر وسمعوا ذلك فجاءوه فقالوا أسلمت قال نعم وذكرهم بالله سبحانه فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم هذه الآية وهي على كل حال عامة في الناس الى يوم القيامة يتناولهم حكمها والطاغوت كل ما عبد من دون الله وقوله سبحانه الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه كلام عام في جميع الأقوال والمقصد الثناء على هؤلاء في نفوذ بصائرهم وقوام نظرهم حتى انهم اذا سمعوا قولا ميزوه واتبعوا أحسنه قال أبو حيان الذين يستمعون صفة لعباد وقيل الوقف على عباد والذين مبتدأ خبره أولائك وما بعده انتهى وقوله تعالى أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار قالت فرقة معنى الآية أفمن حقت عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه لكنه زاد الهمزة الثانية توكيدا وأظهر الضمير تشهيرا لهؤلاء القوم واظهارا لخسة منازلهم وقوله تعالى لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف الآية معادلة وتحضيض على التقوى وعادلت غرف من فوقها غرف ما تقدم من الظلل فوقهم وتحتهم والاحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة ثم وقف تعالى نبيه عليه السلام وامته على معتبر من مخلوقاته فقال ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء الآية قال الطبري الاشارة الى ماء المطر ونبع العيون منه وسلكه معناه أجراه وأدخله في الأرض ويهيج معناه ييبس وهاج الزرع والنبات اذا يبس والحطام اليابس المتفتت ومعنى لذكرى أي للبعث من القبور وأحياء الموتى على قياس هذا المثال المذكور وقوله تعالى أفمن شرح صدره للاسلام الآية روي أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة وأبي لهب وابنه وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم وفي الكلام محذوف يدل عليه الظاهر تقديره افمن شرح صدره للاسلام كالقاسي القلب المعرض عن أمر الله وشرح الصدر استعارة لتحصيله للنظر الجيد والايمان بالله والنور هداية الله تعالى وهي أشبه شيء بالضوء قال ابن مسعود قلنا يا رسول الله كيف انشراح الصدر قال اذا دخل النور القلب انشرح وانفسخ قلنا يا رسول الله وما علامة ذلك قال الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت والقسوة شدة القلب وهي مأخوذة من قسوة الحجر شبه قلب الكافر به في صلابته وقلة انفعاله للوعظ وروى الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان أبعد الناس من الله القلب القاسي قال الترمذي هذا حديث حسن غريب انتهى وقال مالك بن دينار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلبه قال ابن هشام قوله تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله من هنا مرادفة عن وقيل هي للتعليل أي من أجل ذكر الله لأنه اذا ذكر الله قسن قلوبهم عياذا بالله وقيل هي للابتداء انتهى من المغنى الفخر اعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية وقد يوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية فاذا عرفت هذا فنقول أن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورتبتها هو ذكر الله فاذا اتفق لبعض النفوس ان صار ذكر الله سببا لازدياد مرضها كان مرض تلك النفوس مرضا لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة فلهذا المعنى قال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين وهذا كلام كامل محقق انتهى وقوله تعالى نزل أحسن الحديث يريد القرآن وروي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن قوما من الصحابة قالوا يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وأخبرنا بأخبار الدهر فنزلت الآية وقوله متشابها معناه مستويا لا تناقض فيه ولا تدافع بل يشبه بعضه بعضا في رصف اللفظ ووثاقة البراهين وشرف المعاني اذ هي اليقين في العقائد في الله وصفاته وأفعاله وشرعه ومثاني معناه موضع تثنية للقصص والأقضية والمواعظ تثنى فيه ولا تمل مع ذلك ولا يعرضها ما يعرض الحديث المعاد وقال ابن عباس ثنى فيه والأمر مرارا ولا ينصرف مثاني لأنه جمع لا نظير له في الواحد وقوله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم عبارة عن قف شعر الانسان عند ما يداخله خوف ولين قلب عند سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه وهذه علامة وقوع المعنى المخشع في قلب السامع وفي الحديث أن أبي بن كعب قرأ عند النبي صلى الله عليه و سلم فرقت القلوب فقال النبي صلى الله عليه و سلم اغتنموا الدعاء عند الرقة فانها رحمة وقال العباس ابن عبد المطلب قال النبي صلى الله عليه و سلم من اقشعر جلده من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما تتحات عن الشجرة اليابسة ورقها وقالت أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم عند سماع القرآن قيل لها أن أقواما اليوم اذا سمعوا القرآن خر أحدهم مغشيا عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان وعن ابن عمر نحوه وقال ابن سيرين بيينا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على حائط مادا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن كله فان رمي بنفسه فهو صادق ت وهذا كله تغليظ على المراءين والمتصنعين ولا خلاف اعلمه بين أرباب القلوب وائمة التصوف أن المصنع عندهم بهذه الأمور ممقوت وأما من غلبة الحال لضعفه وقوي الوارد عليه حتى أذهبه عن حسه فهو ان شاء الله من السادة الاخيار والأولياء الأبرار وقد وقع ذلك لكثير من الاخيار يطول تعدادهم كابن وهب واحمد بن معتب المالكيين ذكرهما عياض في مداركه وانهما ماتا من ذلك وكذلك مالك بن دينار مات من ذلك ذكره عبد الحق في العاقبة وغيرهم ممن لا يحصى كثرة ومن كلام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله في قواعده الصغرى قال وقد يصبح بعضهم لغلبة الحال عليها والجائها اياه الى الصياح وهو في ذلك معذور ومن صاح لغير ذلك فمتصنع ليس من القوم في شيء وكذلك من أظهر شيأ من الأحوال رياء أو تسميعا فانه ملحق بالفجار دوت الابرار انتهى وقوله تعالى ذلك هدى الله يحتمل أن يشير الى القرآن ويحتمل أن يشير الى الخشية واقشعرار الجلود أي ذلك امارة هدى الله قال الغزالي في الاحياء والمستحب من التالي للقرآن أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغير ذلك ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه انتهى قال الشيخ الولي عبد الله بن أبي جمرة وكان النبي صلى الله عليه و سلم في قيامه يكسوه من كل آية يقرأها حال يناسب معنى تلك الآية وكذلك ينبغي أن تكون تلاوة القرآن وأن لا يكون تاليه كمثل الحمار يحمل اسفارا انتهى وقوله تعالى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب الآية تقرير بمعنى التعجيب والمعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كالمنعمين في الجنة قال مجاهد يتقي بوجهه أي يجر على وجهه في النار وقالت فرقة ذلك لما روي أن الكافر يلقي في النار مكتوفا مربوطة يداه الى رجليه مع عنقه ويكب على وجهه فليس له شيء يتقي به الا وجهه وقال فرقة المعنى في ذلك صفة كثرة ما ينالهم من العذاب يتقيه بكل جارحة منه حتى بوجهه الذي هو أشرف جوارحه وهذا المعنى أبين بلاغة ثم مثل لقريش بالأمم الذين من قبلهم وما نالهم من العذاب في الدنيا المتصل بعذاب الآخرة الذي هو أكبر ونفى الله سبحانه عن القرآن العوج لأنه لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا مغمز بوجه وقوله سبحانه ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون الآية هذا مثل ضربه الله سبحانه في التوحيد فمثل تعالى الكافر العابد للأوثان والشياطين بعبد لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة وعدم مسامحة فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بتضايقهم في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل فهو ابدا في نصب منهم وعناء فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها ومتى توهم أنه أرضى ضما بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر فهو ابدا تعب في ظلال وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدة وقد ساس مولاه فالمولى يغفر زلته ويشكره على اجادة عمله ومثلا مفعول بضرب ورجلا نصب على البدل ومتشاكسون معناه لا سمح في أخلاقهم بل فيها لجاج وقرأ ابن كثير وأبو عمرو سالما أي سالما من الشركة ثم وقف تعالى الكفار بقوله هل يستويان مثلا ونصب مثلا على التمييز وهذا التوقيف لا يجيب عنه أحدا الا بأنهما لا يستويان فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد أجابوا فقال الحمد لله أي على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم وباقي الآية بين والاختصام في الآية قيل عام في المؤمنين والكافرين قال ع ومعنى الآية عندي أن الله تعالى توعدهم بأنهم سيتخاصمون يوم القيامة في معنى ردهم في وجه الشريعة وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم وروى الترمذي من حديث عبد الله بن الزبير قال لما نزلت ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أتكر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال نعم قال أن الأمر أذن لشديد انتهى وقوله تعالى فمن اظلم ممن كذب على الله الآية الاشارة بهذا الكذب الى قولهم أن لله صاحبة وولدا وقولهم هذا حلال وهذا حرام افتراء على الله ونحو ذلك وكذبوا أيضا بالصدق وذلك تكذيبهم بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم ثم توعدهم سبحانه توعدا فيه احتقارهم بقوله اليس في جهنم مثوى للكافرين وقرأ ابن مسعود والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به والصدق هنا القرآن والشرع بجملته وقالت فرقة الذي يراد به الذين وحذفت النون قال ع وهذا غير جيد وتركيب جاء عليه يرد ذلك بل الذى هاهنا هي للجنس والآية معادلة لقوله فمن أظلم قال قتادة وغيره الذي جاء بالصدق هو محمد عليه السلام والذي صدق به هم المؤمنون وهذا اصوب الأقوال وذهب قوم الى أن الذي صدق به أبو بكر وقيل علي وتعميم اللفظ اصوب وقوله سبحانه أولائك هم المتقون قال ابن عباس اتقوا الشرك وقوله تعالى ليكفر يحتمل أن يتعلق بقوله المحسنين اي الذين احسنوا لكي يكفر وقاله ابن زيد ويحتمل ان يتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله تقديره يسرهم الله لذلك ليكفر لأن التكفير لا يكون الا بعد التيسير للخير وقوله تعالى اليس الله بكاف عبده وتقوية لنفس النبي صلى الله عليه و سلم وقرأ حمزة والكسائي عباده يريد الأنبياء وأنت يا محمد أحدهم فيدخل في ذلك المؤمنون المطيعون والمتولكون على الله سبحانه وقوله سبحانه ويخوفونك بالذين من دونه أي بالذين يعبدون وباقي الآية بين وقد تقدم تفسير نظيره وقوله تعالى فمن اهتدى فلنفسه أي فلنفسه عمل وسعى ومن ضل فعليها جنى ثم نبه تعالى على آية من آياته الكبرى تدل الناظر على الوحدانية وأن ذلك لا شركة فيه لصنم وهي حالة التوفي وذلك أن ما توفاه الله تعالى على الكمال فهو الذي يموت وما توفاه توفيا غير مكمل فهو الذي يكون في النوم قال ابن زيد النوم وفاة والموت وفاة وكثر الناس في هذه الآية وفي الفرق بين النفس والروح وفرق قوم بين نفس التميز ونفس التخيل الى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله به وغيبه عن عباده في قوله قل الروح من أمر ربي ويكفيك أن في هذه الآية يتوفى الأنفس وفي الحديث الصحيح أن الله قبض أرواحنا حين شاء وردها علينا حين شاء وفي حديث بلال في الوادي فقد نطقت الشريعة بقبض الروح والنفس وقد قال تعالى قل الروح من أمر ربي والظاهر أن الخوض في هذا كله عناء وإن كان قد تعرض للقول في هذا ونحوه ائمة ذكر الثعلبي عن ابن عباس أنه قال في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فاذا نام العبد قبض الله تعالى نفسه ولم يقبض روحه وجاء في آداب النوم وأذكار النائم أحايث صحيحة ينبغي للعبد أن لا يخلي نفسه منها وقد روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اذا أوى الرجل الى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير ويقول الشيطان اختم بشر فان ذكر الله تعالى ثم نام بات الملك يكلؤه فان استيقظ قال الملك افتح بخير وقال الشيطان افتح بشر فان قال الحمد لله الذي رد الي نفسي ولم يمتها في منامها الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من أحد من بعده انه كان حليما غفورا الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم فان وقع من سريره فمات دخل الجنة رواه النسائي واللفظ له والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وزاد آخره الحمد لله الذي يحي الموتى وهو على كل شيء قدير انتهى من السلاح وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من قال حين يأوى الى فراشه لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر غفرت له ذنوبه أو خطاياه شك مسعر وإن كانت مثل زبد البحر رواه ابن حبان في صحيحه ورواه النسائي موقوفا انتهى وروى الترمذي عن أبي امامة قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول من أوى الى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسئل الله شيئا من خير الدنيا والآخرة الا أعطاه اياه انتهى والأجل المسمى في هذه الآية هو عمر كل انسان والضمائر في قوله تعالى أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون للأصنام وقوله تعالى واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة الآية قال مجاهد وغيره في قراءة النبي صلى الله عليه و سلم سورة النجم عند الكعبة بمحضر من الكفار وقرأ أفرأيتم اللات والعزى الآية والقي الشيطان يعني في اسماع الكفار تلك الغرانقة العلى على ما مر في سورة الحج فاستبشروا واشمأزت نفوسهم معناه تقبضت كبرا وانفة وكراهية ونفورا وقوله تعالى قل اللهم فاطر السموات الآية أمر لنبيه عليه السلام بالدعاء اليه ورد الحكم الى عدله ومعنى هذا الأمر تضمن الاجابة وقوله تعالى وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون قال الثعلبي قال السدي ظنوا أشياء أنها حسنات فبدت سيئات قال ع قال سفيان الثوري ويل لأهل الرياء من هذه الآية وقال عكرمة بن عمار جزع محمد بن المنكدر عند الموت فقيل له ما هذا فقال أخاف هذه الآية وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وقوله تعالى ثم اذا خولناه نعمة منا الآية قال الزجاج التخويل العطاء عن غير مجازاة والنعمة هنا عامة في المال وغيره وتقوى الاشارة الى المال بقوله انما اوتيته على علم قال قتادة يريد انما اوتيته على علم مني بوجه المكاسب والتجارات ويحتمل أن يريد على علم من الله في واستحقاق حزته عند الله ففي هذا التأويل اغترار بالله وفي الأول اعجاب بالنفس ثم قال الله تعالى بل هي فتنة أي ليس الأمر كما قال بل هذه الفعلة به فتنة له وابتلاء ثم أخبر تعالى عمن سلف من الكفرة أنهم قد قالوا هذه المقالة كقارون وغيره فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من الأموال والذين ظلموا من هؤلاء المعاصرين لك يا محمد سيصيبهم سيئات ما كسبوا قال أبو حيان فما أغنى يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية فيها معنى النفي انتهى وقوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله الآية هذه الآية عامة في جميع الناس الى يوم القيامة فتوبة الكافر تمحو ذنبه وتوبة العاصي تمحو ذنبه على ما تقدم تفصيله واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال عطاء بن يسار نزلت في وحشي قاتل حمزة وقال ابن اسحاق وغيره نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا وفتنتهم فريش فافتتنوا ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم فنزلت الآية فيهم منهم الوليد بن الوليد وهشام بن العاصي وهذا قول عمر بن الخطاب وأنه كتبها بيده الى هشام بن العاصي الحديث وقالت فرقة نزلت في قوم كفار من أهل الجاهلية قالوا وما ينفعنا الاسلام ونحن قد زنينا وقتلنا النفس واتينا كل كبيرة فنزلت الآية فيهم وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر هذه ارجى آية في القرآن وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية يا عبادي وأسرفوا معناه افرطوا والقنط أعظم اليأس وقرأ نافع والجمهور تقنطوا بفتح النون قال أبو حاتم فيلزمهم أن يقرءوا من بعد ما قنطوا بكسرها ولم يقرأ به أحد وقرأ أبو عمرو تقنطوا بالكسر وقوله أن الله يغفر الذنوب جميعا عموم بمعنى الخصوص لأن الشرك ليس بداخل في الآية اجماعا وهي أيضا في المعاصي مقيدة بالمشيئة وروي أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ أن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي وقرأ ابن مسعود أن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء وأنيبوا معناه ارجعوا وقوله سبحانه واتبعوا أحسن معناه أن القرآن العزيز تضمن عقائد نيرة وأوامر ونواهي منجية وعدات على الطاعات والبر وتضمن أيضا حدودا على المعاصي ووعيدا على بعضها فالأحسن للمرء أن يسلك طريق الطاعة والانتهاء عن المعصية والعفو في الأمور ونحو ذلك من أن يسلك طريق الغفلة والمعصية فيحد أو يقع تحت الوعيد فهذا المعنى هو المقصود بأحسن وليس المعنى أن بعض القرآن أحسن من بعض من حيث هو قرآن ت وروى أبو بكر بن الخطيب بسنده عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في قول الله عز و جل يا حسرتي قال الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة قال فهي الحسرة انتهى وقوله فرطت في جنب الله أي في جهة طاعته وتضييع شريعته والايمان به وقال مجاهد في جنب الله أي في أمر الله وقول الكافر وان كنت لمن الساخرين ندامة على استهزائه بأمر الله تعالى وكرة مصدر من كريكر وهذا الكون في هذه الآية داخل في التمني وباقي الآية أنواره لائحة وحججه واضحة ثم خاطب تعالى نبيه بخبر ما يراه يوم القيامة من حالة الكفار وفي ضمن هذا الخبر وعيد بين لمعاصريه عليه السلام فقال ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ترى من رؤية العين وظاهر الآية أن وجوههم تسود حقيقة وقوله سبحانه وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم الآية ذكر تعالى حالة المتقين ونجاتهم ليعادل بذلك ما تقدم من شقاوة الكافرين وفي ذلك ترغيب في حالة المتقين لأن الأشياء تتبين بأضدادها ومفازتهم مصر من الفوز وفي الكلام حذف مضاف تقديره وينجي الله الذين اتقوا بأسباب مفازتهم والمقاليد المفاتيح وقاله ابن عباس واحدها مقلاد كمفتاح وقال عثمان بن عفان سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن مقاليد السماوات والأرض فقال هي لا اله الا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله ولا حول ولا قوة الا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحي ويميت وهو على كل شيء قدير وقوله تعالى ولقد اوحي اليك والى الذين من قبلك قالت فرقة المعنى ولقد أوحي الى كل نبي لئن أشركت ليحبطن عملك ت قد تقدم غير ما مرة أن ما ورد من مثل هذا فهو محمول على ارادة الامة لعصمة النبي صلى الله عليه و سلم وانما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه وخوطب هو صلى الله عليه و سلم تعظيما للأمر قال صلى الله عليه و سلم ليحبطن جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه انتهى وقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره معناه وما عظموا الله حق عظمته ولا وصفوه بصفاته ولا نفوا عنه مالا يليق به قال ابن عباس نزلت هذه الآية في كفار قريش الذين كانت هذه الآيات كلها محاورة لهم وردا عليهم وقالت فرقة نزلت في قوم من اليهود تكلموا في صفات الله تعالى فالحدوا وجسموا واتوا بكل تخليط وقوله تعالى والأرض جميعا قبضته معناه في قبضته واليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة والقوة وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل وصعق في هذه الآية معناه خر ميتا والصور القرن وا يتصور هنا غير هذا ومن يقول الصور جمع صورة فانما يتوجه قوله في نفخة البعث وقد تقدم بيان نظير هذه الآية في غير هذا الموضع وقوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى هي نفخة البعث وفي الحديث أن بين النفختين أربعين لا يدري أبو هريرة سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة ت ولفظ مسلم عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه و سلم ما بين النفختين أربعون قالوا يا ابا هريرة اربعون سنة قال ابيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون يوما قال ابيت الحديث قال صاحب التذكرة فقيل معنى قوله أبيت أي امتنعت عن بيان ذلك اذ ليس هو مما تدعو اليه حاجة وعلى هذا كان عنده علم ذلك وقيل المعنى أبيت أن أسئل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك وعلى هذا فلا علم عنده والأول أظهر وقد جاء أن ما بين النفختين اربعين عاما انتهى وقد تقدم أن الصحيح في المستثنى في الآية أنهم الشهداء قال الشيخ أبو محمد بن بزيزة في شرح الأحكام الصغرى لعبد الحق الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العوالم التي لا تفنى سبعة العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار والأرواح انتهى واشرقت الأرض بنور ربها معناه أضاءت وعظم نورها والأرض في هذه الآية الأرض المبدلة من الأرض المعروفة وقوله بنور ربها اضافة مخلوق الى خالق والكتاب كتاب حساب الخلائق ووحده على اسم الجنس لأن كل احد له كتاب على حدة وجيء بالنبيين أي ليشهدوا على أممهم والشهداء قيل هو جمع شاهد وقيل هو جمع شهيد في سبيل الله والأول ابين في معنى التوعد والضمير في قوله بينهم عائد على العالم باجمعه اذ الآية تدل عليهم وزمرا معناه جماعات متفرقة واحدتها زمرة وقوله فتحت جواب اذا والكلام هنا يقتضي ان فتحها انما يكون بعد مجيئهم وقي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم وهكذا هي حال السجون ومواضع الثقاف والعذاب بخلاف قوله في أهل الجنة وفتحت فالواو موذنة بأنهم يجدونها مفتوحة كمنازل الأفراح والسرور وقوله تعالى وقال لهم خزنتها الم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم الآية في قوله منكم أعظم في الحجة أي رسل من جنسكم لا يصعب عليكم مرامهم ولا فهم أقوالهم وقوله تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم لفظ يعم كل من يدخل الجنة من المؤمنين الذين اتقوا الشرك والواو في قوله وفتحت مؤذنة بأنها قد فتحت قبل وصولهم اليها وقالت فرقة هي زائدة وقال قوم اشار اليهم ابن الأنباري وضعف قولهم هذه واو الثمانية وقد تقدم الكلام عليها وجواب اذا فتحت وعن المبرد جواب اذا محذوف تقديره بعد قوله خالدين سعدوا وسقطت هذه الواو في مصحف ابن مسعود وسلام عليكم تحية وطبتم معناه أعمالا ومعتقدا ومسقرا وجزاء وأورثنا الأرض يريد أرض الجنة ونتبوأ معناه نتخذ أمكنة ومساكن ثم وصف تعالى حالة الملائكة من العرش وحفوفهم به والحفوف الأحداق بالشيء وهذه اللفظة مأخوذة من الحفاف وهو الجانب قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا معمر عن أبي اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي أنه تلا هذه الآية وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاءوها قال وجدوا عند باب الجنة شجرة يخرج من ساقها عينان فعمدوا الى احداهما كأنما أمروا بها فاغتسلوا بها فلم تشعث رءؤسهم بعدها ابدا ولم تتغير جلودهم بعدها ابدا كأنما دهنوا بالدهن ثم عمدوا الى الأخرى فشربوا منها فطهرت اجواغهم وغسلت كل قذر فيها وتتلقاهم على كل باب من أبواب الجنة ملائكة سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ثم تتلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان الدنيا بالحميم يجيء من الغيبة يقولون أبشر أعد الله لك كذا وكذا واعد الله لك كذا ثم يذهب الغلام منهم الى الزوجة من أزواجه فيقول قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا فتقول له أنت رأيته فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها ترجع فيجيء فينظر الى تأسيس بنيانه من جندل اللؤلؤ أخضر وأصفر وأحمر من كل لون ثم يجلس فينظر فاذا زرابي مبثوثة وأكواب موضوعة ثم يرفع راسه فلولا أن الله قدر ذلك لأذهب بصره انما هو مثل البرق ثم يقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله انتهى وقوله تعالى يسبحون بحمد ربهم قالت فرقة معناه أن تسبيحهم يتأتى بحمد الله وفضله وقالت فرقة تسبيحهم هو بترديد حمد الله وتكراره قال الثعلبي متلذذين لا متعبدين مكلفين وقوله تعالى وقيل الحمد لله رب العالمين ختم للأمر وقول جزم عند فصل القضاء أي أن هذا الملك الحاكم العادل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه واكمال قضائه بين عباده ومن هذه الآية جعلت الحمد لله رب العالمين خاتمة المجالس والمجتمعات في العلم قال قتادة فتح الله أول الخلق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وختم القيامة بالحمد في هذه الآية قال ع وجعل سبحانه الحمد لله رب العالمين فاتحة كتابه فيه يبدأ كل أمر وبه يختم وحمد الله تعالى وتقديسه ينبغي أن يكون من المؤمن كما قيل ... وآخر شيء أنت في كل ضجعة ... وأول شيء أنت عند هبوب ... تفسير سورة غافر وهي مكية روى أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الحواميم ديباج القرآن ومعنى هذه العبارة انها خلت من الأحكام وقصرت على المواعظ والزجر وطرق الآخرة محضا وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من اراد أن يرتع في رياض مونقة من الجنة فليقرإ الحواميم بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى حم تقدم القول في الحروف المقطعة ويختص هذا الموضع بقول آخر قاله الضحاك والكسائي أن حم هجاء حم بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة كأنه يقول حم الأمر ووقع تنزيل الكتاب من الله وقال ابن عباس الروحم ون هي حروف الرحمن مقطعة في سور وسأل اعرابي النبي صلى الله عليه و سلم عن حم ما هو فقال بدأ أسماء وفواتح سور وذي الطول معناه ذي التطول والمن بكل نعمة فلا خير الا منه سبحانه فترتب في هذه الآية وعيد بين وعدين وهكذا رحمته سبحانه تغلب غضبه قال ع سمعت هذه النزعة من أبي رحمه الله وهو نحو من قول عمر رضي الله عنه لن يغلب عسر يسرين ت هو حديث والطول الانعام وعبارة البخاري الطول التفضل وحكى الثعلبي عن اهل الاشارة انه تعالى غافر الذنب فضلا وقابل التوب وعدا شديد العقاب عدلا لا اله الا هو اليه المصير فردا وقال ابن عباس الطول السعة والغنى وتقلب الذين كفروا في البلاد عبارة عن تمتعهم بالمساكن والمزارع والاسفار وغير ذلك وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه أي ليهلكوه كما قال تعالى فأخذتهم والعرب تقول للقتيل أخيذ وللأسير كذلك قال قتادة ليأخذوه معناه ليقتلوه وليدحضوا معناه ليزلقوا ويذهبوا والمدحضة المزلة والمزلقة وقوله فكيف كان عقاب تعجيب وتعظيم وليس باستفهام عن كيفية وقوع الأمر وقوله سبحانه وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا الآية في مصحف ابن مسعود وكذلك سبقت كلمة ربك والمعنى وكما أخذت أولئك المذكورين فأهلكتهم فكذلك حقت كلماتي على جميع الكفار من تقدم منهم ومن تأخر أنهم أصحاب النار وقوله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به الآية أخبر الله سبحانه بخبر يتضمن تشريف المؤمنين ويعظم الرجاء لهم وهو أن الملائكة الحاملين للعرش والذين حول العرش وهؤلاء أفضل الملائكة يستغفرون للمؤمنين ويسئلون الله لهم الرحمة والجنة وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية كان على ربك وعدا مسئولا أي سألته الملائكة قال ع وفسر في هذه الآية المجمل الذي في قوله تعالى ويستغفرون لمن في الأرض لأن الملائكة لا تستغفر لكافر وقد يجوز أن يقال أن استغفارهم لهم بمعنى طلب هدايتهم وبلغني أن رجلا قال لبعض الصالحين ادع لي واستغفر لي فقال له تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني وتلا هذه الآية وقال مطرف بن الشخير وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة واغش العباد للعباد الشياطين وتلا هذه الآية وروى جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال اذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة اذنه وعاقته مسيرة سبعمائة سنة قال الداودي وعن هارون بن رياب قال حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن فأربعة يقولون سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك وأربعة يقولون سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك انتهى وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال اذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة اذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام انتهى وقد تقدم وقوله ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما معناه وسعت رحمتك وعلمك كل شيء وقوله ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم روي عن سعيد بن جبير في ذلك أن الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول أين أبي أين أمي أين ابني أين زوجي فيلحقون به لصلاحهم ولتنبيه عليهم وطلبه اياهم وهذه دعوة الملائكة وقولهم وقهم السيئات معناه اجعل لهم وقاية تقيهم السيئات واللفظ يحتمل أن يكون الدعاء في أن يدفع الله عنهم انفس السيئات حتى لا ينالهم عذاب من أجلها ويحتمل أن يكون الدعاء في دفع العذاب اللاحق من السيئات فيكون في اللفظ عى هذا حذف مضاف كأنه قال وقهم جزاء السيئات قال الفخر وقوله تعالى ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته يعني من تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة انتهى وهذا راجع الى التأويل الأول وقوله تعالى أن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم الآية روى أن هذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار فانهم اذا دخلوا فيها مقتوا أنفسهم وتناديهم ملائكة العذاب على جهة التوبيخ لمقت الله اياكم في الدنيا اذ كنتم تدعون الى الايمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم هذا هو معنى الآية وبه فسر مجاهد وقتادة وابن زيد واللام في قوله لمقت يحتمل أن تكون لام ابتداء ويحتمل أن تكون لام قسم وهو أصوب وأكبر خبر الابتداء واختلف في معنى قولهم امتنا اثنتين الآية فقال ابن عباس وغيره أرادوا موتة كونهم في الاصلاب ثم ءاحياءهم في الدنيا ثم أماتتهم الموت المعروف ثم أحياءهم يوم القيامة وهي كالتي في سورة البقرة كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا الآية وقال السدي ارادوا أنه أحياهم في الدنيا ثم اماتهم ثم أحياهم في القبر وقت السؤال ثم أماتهم فيه ثم احياهم في الحشر قال ع وهذا فيه الاحياء ثلاث مرار والأول أثبت وهذه الآية متصلة المعنى بالتي قبلها وبعد قولهم فهل الى خروج من سبيل محذوف يدل عليه الظاهر تقديره لا اسعاف لطلبتكم أو نحو هذا من الرد وقوله تعالى ذلكم يحتمل أن يكون اشارة الى العذاب الذي هم فيه أوالي مقتهم أنفسهم أوالي المنع والزجر والاهانة وقوله تعالى ذلكم بأنه اذا ادعى الله وحده معناه بحالة توحيد ونفي لما سواه كفرتم وأن يشرك به اللات والعزى وغيرهما صدقتم فالحكم اليوم بعذابكم وتخليدكم في النار لله لا لتلك التي كنتم تشركونها معه في الألوهية وقوله سبحانه فادعوا الله مخلصين له الدين الآية مخاطبة للمؤمنين أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وادعوا معناه اعبدوا وقوله تعالى رفيع الدرجات يحتمل أن يريد بالدرجات صفاته العلى وعبر بما يقرب من افهام السامعين ويحتمل ان يريد رفيع الدرجات التي يعطيها للمؤمنين ويتفضل بها على عباده المخلصين في جنته والعرش هو الجسم المخلوق الأعظم الذي السموات السبع والكرسي والأرضون فيه كالدنانير في الفلاة من الأرض وقوله تعالى يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده قال الضحاك الروح هنا هو الوحي القرآن وغيره مما لم يتل وقال قتادة والسدي الروح النبوءة ومكانتهما كما قال تعالى وروحا من أمرنا وسمي هذا روحا لأنه تحي به الأمم والأزمان كما يحي الجسد بروحه ويحتمل أن يكون القاء الروح عاما لكل ما ينعم الله له على عباده المهتدين في تفهيمه الأيمان والمعقولات الشريفة والمنذر بيوم التلاق ففي هذا التأويل هو الله تعالى قال الزجاج الروح كل ما فيه حياة الناس وكل مهتد حي وكل ضال كالميت وقوله من أمره أن جعلته جنسا للأمور فمن لتبعيض أو لابتداء الغاية وان جعلت الأمر من معنى الكلام فمن أما لابتداء الغاية وأما بمعنى الباء ولا تكون للتبعيض بتة وقرأ الجمهور لتنذر بالتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه و سلم وقرأ أبي بن كعب وجماعة لينذر بالياء ويوم التلاق معناه تلاقي جميع العالم بعضهم بعضا وذلك أمر لم يتفق قط قبل ذلك اليوم وقوله يوم هم بارزن معناه في براز من الأرض يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وقوله تعالى لمن الملك اليوم روي ان الله تعالى يقرر هذا التقرير ويسكت العالم هيبة وجزعا فيجيب سبحانه هو نفسه بقوله لله الواحد القهار ثم يعلم الله تعالى أهل الموقف بأن اليوم تجزى كل نفس بما كسبت وباقي الآية تكرر معناه فانظره في موضعه ثم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بانذار العالم وتحذيرهم من يوم القيامة وأهواله والآزفة القريبة من أزف الشيء اذا قرب والآزفة في الآية صفة لمحذوف قد علم واستقر في النفوس هوله والتقدير يوم الساعة والآزفة أو الطامة الآزفة ونحو هذا وقوله سبحانه اذ القلوب لدى الحناجر معناه عند الحناجر أي قد صعدت من شدة الهول والجزع والكاظم الذي يرد غيظه وجزعه في صدره فمعنى الآية أنهم يطمعون في رد ما يجدونه في الحناجر والحال تغالبهم ويطاع في موضع الصفة لشفيع لأن التقدير ولا شفيع مطاع قال أبو حيان يطاع في موضع صفة لشفيع فيحتمل أن يكون في موضع خفض على اللفظ أو في موضع رفع على الموضع ثم يحتمل النفي أن يكون منسحبا على الوصف فقط فيكون ثم شفيع ولكنه لا يطاع ويحتمل أن ينسحب على الموصوف وصفته أي لا شفيع فيطاع انتهى وهذا الاحتمال الاخير هو الصواب قال ع وهذه الآية كلها عندي اعتراض في الكلام بليغ وقوله يعلم خائنة الأعين متصل بقوله سريع الحساب وقالت فرقة يعلم متصل بقوله لا يخفي على الله منهم شيء وهذا قول حسن يقويه تناسب المعنيين ويضعفه بعد الآية من الآية وكثرة الحائل والخائنة مصدر كالخيانة ويحتمل أن تكون خائنة اسم فاعل أي يعلم الأعين اذا خانت في نظرها قال ابو حيان والظاهر أن خائنة الأعين من اضافة الصفة الى الموصوف أي الأعين الخائنة كقوله وان سقيت كرام الناس فاسقينا أي الناس الكرام وجوزوا أن يكون خائنة مصدرا كالعافية أي يعلم خيانة الأعين انتهى وهذه الآية عبارة عن علم الله تعالى بجميع الخفيات فمن ذلك كسر الجفون والغمز بالعين أو النظرة التي تفهم معنى ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم لأصحابه في شأن رجل ارتد ثم جاء ليسلم هلا قام اليه رجل منكم حين تلكأت عنه فضرب عنقه فقالوا يا رسول الله الا أومأت الينا فقال صلى الله عليه و سلم ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين وفي بعض الكتب المنزلة من قول الله عز و جل أنا مرصاد الهمم انا العالم بمجال الفكر وكسر الجفون وقال مجاهد خائنة الأعين مسارقة النظر الى ما لا يجوز ثم قوى تعالى هذا الاخبار بقوله وما تخفي الصدور بما لم يظهر على عين ولا غيرها واسند أبو بكر بن الخطيب عن مولى أم معبد الخزاعية عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يدعو اللهم طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء ولساني من الكذب وعيني من الخيانة فانك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور انتهى قال القشيري في التحبير ومن علم اطلاع الحق تعالى عليه يكون مراقبا لربه وعلامته أن يكون محاسبا لنفسه ومن لم تصح محاسبته لم تصح مراقبته وسئل بعضهم عما يستعين به العبد على حفظ البصر فقال يستعين عليه بعلمه ان نظر الله اليه سابق على نظره الى ما ينظر اليه انتهى وقوله سبحانه والله يقضي بالحق أي يجازي الحسنة بعشر والسيئة بمثلها وينصف المظلوم من الظالم الى غير ذلك من أقضية الحق والعدل والأصنام لا تقضي بشيء ولا تنفذ أمرا ويدعون معناه يعبدون وقوله سبحانه أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق الضمير في يسيروا لكفار قريش والآثار في الارض هي المباني والمآثر والصيت الدنيوي وذنوبهم كانت تكذيب الأنبياء والواقي الساتر المانع مأخوذ من الوقاية وباقي الآية بين وخص تعالى هامان وقارون بالذكر تنبيها على مكانهما من الكفر ولكونهما أشهر رجال فرعون وقيل أن قارون هذا ليس بقارون بني اسرائيل وقيل هو ذلك ولكنه كان منقطعا الى فرعون خادما له مستغنيا معه وقوله ساحر أي في أمر العصا وكذاب في قوله أني رسول الله ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لما جاءهم موسى بالنبوءة والحق من عند الله قال هؤلاء الثلاثة وأجمع رأيهم على أن يقتل ابناء بني اسرائيل اتباع موسى وشبانهم وأهل القوة منهم وأن يستحي النساء للخدمة والاسترقاق وهذا رجوع منهم الى نحو القتل الأول الذي كان قبل ميلاد موسى ولكن هذا الأخير لم تتم لهم فيه عزمة ولا أعانهم الله تعالى على شيء منه قال قتادة هذا قتل غير الأول الذي كان حذر المولود وسموا من ذكرنا من بني اسرائيل أبناء كما تقول لانجاد القبيلة أو المدينة وأهل الظهور فيها هؤلاء أبناء فلانة وقوله تعالى وما كيد الكافرين الا في ضلال عبارة وجيزة تعطي قوتها أن هؤلاء الثلاثة لم يقدرهم الله تعالى على قتل احد من بني اسرائيل ولا نجحت لهم فيهم سعاية وقوله تعالى وقال فرعون ذروني أقتل موسى الآية الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرتهم آيات موسى عليه السلام أنهد ركنه واضطربت معتقدات أصحابه ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره وذلك بين من غير ما موضع من قصتهما وفي هذه الآية على ذلك دليلان أحدهما قوله ذروني فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من انفاذ أوامرهم والدليل الثاني مقالة المؤمن وما صدع به وان مكاشفته لفرعون أكثر من مساترته وحكمه بنبوءة موسى أظهر من توريته في أمره وأما فرعون فانما نحا الى المخرقة والتمويه والاضطراب ومن ذلك قوله ذروني أقتل موسى وليدع ربه أي أني لا أبالي برب موسى ثم رجع الى قومه يريهم النصيحة والحماية لهم فقال اني أخاف أن يبدل دينكم والدين السلطان ومنه قول زهير ... لئن حللت بحي في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك ... وقرأ حمزة والكسائي وعاصم أو أن يظهر وقرأ الباقون وأن يظهر فعلى القراءة الأولى خاف فرعون أحد أمرين وعلى الثانية خاف الأمرين معا ولما سمع موسى مقالة فرعون دعا وقال أني عذت بربي وربكم الآية ثم حكى الله سبحانه مقالة رجل مؤمن ومن آل فرعون شرفه بالذكر وخلد ثناؤه في الأمم غابر الدهر قال ع سمعت أبي رحمه الله يقول سمعت ابا الفضل الله الجوهري على المنبر يقول وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة فأطرق ثم رفع رأسه وأنشد ... عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد ... ماذا تريد من قوم قرنهم الله بنبيه وخصهم بمشاهدة وحيه وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن ومن آل فرعون كتم إيمانه وأسره فجعله تعالى في كتابه وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر وأين هو من عمر بن الخطاب رضي الله عنه اذ جرد سيفه بمكة وقال والله لا أعبد الله سرا بعد اليوم قال مقاتل كان هذا المؤمن ابن عم فرعون قال الفخر قيل انه كان ابن عم لفرعون وكان جاريا مجرى ولي العهد له ومجرى صاحب السر له وقيل كان قبطيا من قومن فرعون وقيل انه كان من بني اسرائيل والقول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة انتهى قال الثعلبي قال ابن عباس وأكثر العلماء كان اسمه حزقيل وقيل حزبقال وقيل غير هذا انتهى وقوله يصبكم بعض الذي يعدكم قال ابو عبيدة وغيره بعض هنا بمعنى كل وقال الزجاج هو الزام الحجة بأيسر ما في الأمر وليس فيه نفي اصابة الكل قال ع ويظهر لي أن المعنى يصبكم القسم الواحد مما يعدبه لأنه عليه السلام وعدهم أن آمنوا بالنعيم وان كفروا بالعذاب الأليم فإن كان صادقا فالعذاب بعض ما وعد به وقول المؤمن يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض استنزال لهم ووعظ وقوله في الأرض يريد أرض مصر وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون ولذلك استكان هو وراجع بقوله ما أريكم الا ما أرى واختلف الناس من المراد بقوله تعالى وقال الذي آمن فقال الجمهور هو المؤمن المذكور قص الله تعالى أقاويله الى آخر الآيات وقالت فرقة بل كلام ذلك المؤمن قد تم وانما أراد تعالى بالذي آمن موسى عليه السلام محتجين بقوة كلامه وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك ولم يكن كلام الأول الا بملاينة لهم وقوله مثل يوم الأحزاب أي مثل يوم من ايامهم لأن عذابهم لم يكن في عصر واحد والمراد بالأحزاب المتحزبون على الأنبياء ومثل الثاني بدل من الأول والدأب العادة ويوم التنادي معناه يوم ينادي قوم قوما ويناديهم الآخرون واختلف في التنادي المشار اليه فقال قتادة هو نداء أهل الجنة أهل النار فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا وقيل هو النداء الذي يتضمنه قوله تعالى يوم ندعوا كل أناس بإمامهم قال ع ويحتمل أن يكون المراد التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة وذلك كثير وقرأ ابن عباس والضحاك وابو صالح يوم التناد بشد الدال وهذا معنى آخر ليس من النداء بل هو من ند البعير اذا هرب وبهذا المعنى فسر ابن عباس والسدي هذه الآية وروت هذه الفرقة في هذا المعنى حديثا أن الله تعالى اذا طوى السماوات نزلت ملائكة كل سماء فكانت صفا بعد صف مستديرة بالأرض التي عليها الناس للحساب فاذا رأى الخلق هول القيامة وأخرجت جهنم عنقا الى أصحابها فر الكفار وندوا مدبرين الى كل جهة فتردهم الملائكة الى المحشر لا عاصم لهم والعاصم المنجي وقوله ولقد جاءكم يوسف الآية قالت فرقة منهم الطبري يوسف المذكور هنا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام وروي عن وهب بن منبه أن فرعون موسى هو فرعون يوسف عمر الى زمن موسى وروى أشهب عن مالك أنه بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة وأربعين سنة وقالت فرقة بل هو فرعون آخر وقوله كبر مقتا أي كبر مقتا جدالهم عند الله فاختصر ذكر الجدال لدلالة تقدم ذكره عليه وقرأ أبو عمرو وحده على كل قلب بالتنوين وقرأ الباقون بغير تنوين وفي مصحف ابن مسعود على قلب كل متكبر جبار ثم ان فرعون لما أعيته الحيل في مقاومة موسى نحا الى المخرقة ونادى هامان وزيره أن يبني له صرحا فيروي أنه طبخ الآجر لهذا الصرح ولم يطبخ قبله وبناه ارتفاع أربعمائة ذراع فبعث الله جبريل فمسحه بجناحه فكسره ثلاث كسر تفرقت اثناتان ووقعت ثالثة في البحر والأسباب الطرق قاله السدي وقال قتادة اراد الأبواب وقيل عنى لعله يجد مع قربه من السماء سببا يتعلق به وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وصد عن السبيل بضم الصاد وفتح الدال عطفا على زين والباقون بفتح الصاد والتباب الخسران ومنه تبت يدا أبي لهب وبه فسرها مجاهد وقتادة ثم وعظهم الذي آمن فدعا الى اتباع أمر الله وقوله اتبعون أهدكم يقوي أن المتكلم موسى وإن كان الآخر يحتمل أن يقول ذلك أي اتبعوني في اتباع موسى ثم زهدهم في الدنيا وانها شيء يتمتع به قليلا ورغب في الآخرة اذ هي دار الاستقرار قال الغزالي في الاحياء من أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في التلاوة والذكر والتفكر في حسن المئاب ومن اراد أن ترجح كفة حسناته وتثقل موازين خيراته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته فان خلط عملا صالحا وآخر سيئا فأمره في خطر لكن الرجاء غير منقطع والعفو من كرم الله منتظر انتهى وقوله تعالى ويا قوم مالي أدعوكم الى النجاة الآية قد تقدم ذكر الخلاف هل هذه المقالات لموسى أو لمؤمن آل فرعون والدعاء الى النجاة هو الدعاء الى سببها وهو توحيد الله تعالى وطاعته وباقي الآية بين وقوله أن ما تدعونني المعنى وأن الذي تدعونني اليه من عبادة غير الله ليس له دعوة أي قدر وحق يجب أن يدعي أحد اليه ثم توعدهم بأنهم سيذكرون قوله عند حلول العذاب بهم والضمير في وقاه يحتمل أن يعود على موسى أو على مؤمن آل فرعون على ما تقدم من الخلاف وقال القائلون بأنه مؤمن آل فرعون أن ذلك المؤمن نجا مع موسى عليه السلام في البحر وفر في جملة من فر معه من المتبعين وقوله تعالى في آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا الآية قوله النار رفع على البدل من قوله سوء وقيل رفع بالابتداء وخبره يعرضون قالت فرقة هذا الغدو والعشي هو في الدنيا أي في كل غدو وعشي من ايام الدنيا يعرض آل فرعون على النار قال القرطبي في التذكرة وهذا هو عذاب القبر في البرزخ انتهى وكذا قال الامام الفخر وروي في ذلك أن أرواحهم في أجواف طير سود تروح بهم وتغدوا الى النار وقاله الأوزاعي عافانا الله من عذابه وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أن أحدكم اذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ان كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال له هذا مقدعك حتى يبعثك الله اليه يوم القيامة انتهى وقوله تعالى ويوم تقوم الساعة أي ويوم القيامة يقال ادخلوا آل فرعون اشد العذاب وآل فرعون اتباعه وأهل دينه والضمير في قوله يتحاجون لجميع كفار الأمم وهذا ابتداء قصص لا يختص بآل فرعون والعامل في اذ فعل مضمر تقديره اذكر ثم قال جميع من في النار لخزنتها ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فراجعتهم الخزنة على معنى التوبيخ والتقرير أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات فاقر الكفار عند ذلك وقالوا بلى أي قد كان ذلك فقال لهم الخزنة عند ذلك ادعوا أنتم اذن وهذا على معنى الهزء بهم وقوله تعالى وما دعاء الكافرين الا في ضلال وقيل هو من قول الخزنة وقيل هو من قول الله تعالى اخبارا منه لمحمد عليه الصلاة و السلام ثم أخبر تعالى أنه ينصر رسله والمؤمنين في الدنيا والآخرة ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل وأيضا فقد جعل الله للمؤمنين الفضلاء ودا ووهبهم نصرا اذا ظلموا وحضت الشريعة على نصرهم ومنه قوله صلى الله عليه و سلم من رد عن أخيه في عرضه كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم وقوله عليه السلام من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله ملكا يحميه يوم القيامة وقوله تعالى ويوم يقوم الأشهاد يريد يوم القيامة قال الزجاج والاشهاد جمع شاهد وقال الطبري جمع شهيد كشريف واشراف ويوم لا ينفع بدل من الأول والمعذرة مصدر كالعذر ثم اخبر تعالى بقصة موسى وما أتاه من النبوءة تأنيسا لمحمد وضرب أسوة وتذكيرا بما كانت العرب تعرفه من أمر موسى فبين ذلك أن محمدا ليس ببدع من الرسل والهدى والنبوءة والحكمة والتوراة تعم جميع ذلك وقوله تعالى واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار قال الطبري الابكار من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وقيل من طلوع الشمس الى ارتفاع الضحى وقال الحسن بالعشي يريد صلاة العصر والابكار يريد صلاة الصبح وقوله تعالى أن في صدورهم الأكبر أي ليسوا على شيء بل في صدورهم كبر وأنفة عليك ثم نفي أن يكونوا يبلغون آمالهم بحسب ذلك الكبير ثم أمره تعالى بالاستعاذة بالله في كل أمره من كل مستعاذ منه وقوله تعالى لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس فيه توبيخ لهؤلاء الكفرة المتكبرين كأنه قال مخلوقات الله أكبر وأجل قدرا من خلق البشر فما لأحد منهم يتكبر على خالقه ويحتمل أن يكون الكلام في معنى البعث وأن الذي خلق السمالوات والأرض قادر على خلق الناس تارة أخرى والخلق هنا مصدر مضاف الى المفعول والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعادلهم قوله ولا المسيء وهو اسم جنس يعم المسيئين وقوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم آية تفضل ونعمة ووعد لامة محمد صلى الله عليه و سلم بالاجابة عند الدعاء قال النووي وروينا في كتاب الترمذي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة الا أتاه الله اياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم اذن تكثر قال الله أكثر قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه الحاكم في المستدرك من رواية أبي سعيد الخدري وزاد فيه أو يدخر له من الاجر مثلها انتهى قال ابن عطاء الله لا يكن تأخر أمد العطاء مع الالحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو ضمن لك الاجابة فيما يختار لك لا فيما تختار نفسك وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد انتهى وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الله عز و جل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه اذا دعاني رواه الجماعة الا ابا داود واللفظ لمسلم انتهى من السلاح وقالت فرقة معنى ادعوني اعبدوني واستجب معناه بالنصر والثواب ويدل على هذا قوله ان الذين يستكبرون عن عبادتي الآية ت وهذا التأويل غير صحيح والأول هو الصواب ان شاء الله للحديث الصحيح فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الدعاء هو العبادة وقرأ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن حيان وفي صحيحيهما وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الاسناد انتهى من السلاح والداخر الصاغر الذليل وقوله تعالى الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه الآيات هذا تنبيه على آيات الله وعبرة متى املها العاقل أدته الى توحيد الله سبحانه والاقرار بربوبيته وتؤفكون معناه تصرفون عن طريق النظر والهدى كذلك يوفك أي على هذه الهيئة وبهذه الصفة صرف الله تعالى الكفار الجاحدين بآيات الله من الأمم المتقدمة عن طريق الهدى وقوله تعالى هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل الآية تنبيه على الوحدانية بالعبرة في ابن آدم وتدريج خلقه وقوله سبحانه ومنكم من يتوفى من قبل عبارة تردد في الادراج المذكورة فمن الناس من يموت قبل أن يخرج طفلا وآخرون قبل الأشد وآخرون قبل الشيخوخة ولتبلغوا أجلا مسمى أي ليبلغ كل واحد أجلا مسمى لا يتعداه ولعلكم تعقلون الحقائق اذا نظرتم في هذا وتدبرتم حكمة الله تعالى وقوله تعالى الم تر الى الذين يجادلون في آيات الله الآية في الكفار المجادلين في رسالة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ويسحبون معناه يجرون والسحب الجر والحميم الذائب الشديد الحر من النار ويسجرون قال مجاهد معناه توقد النار بهم والعرب تقول سجرت التنور اذا ملأته نارا وقال السدي يسجرون يحرقون ثم أخبر تعالى أنهم يقال لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا فيقولون ضلوا أي تلفوا لنا وغابوا ثم تضطرب أقوالهم ويفزعون الى الكذب فيقولون بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ثم يقال لهؤلاء الكفار المعذبين ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بما كنتم تفرحون في الدنيا بالمعاصي والكفر وتمرحون قال مجاهد معناه الأشر والبطر وقوله تعالى ادخلوا أبواب جهنم معناه يقال لهم قبل هذه المحاورة في أول الأمر ادخلوا لأن هذه المخاطبة انما هي بعد دخولهم ثم أنس تعالى نبيه ووعده بقوله فاصبر ان وعد الله حق أي في نصرك واظهار أمرك فان ذلك أمرا اما ان ترى بعضه في حياتك فتقر عينك به واما أن تموت قبل ذلك فالى أمرنا وتعذيبنا يصيرون ويرجعون قال أبو حيان وما في أما زائدة لتأكيد معنى الشرط انتهى وقوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك هذه الآية رد على العرب الذين استبعدوا أن يبعث الله بشرا رسولا وقوله تعالى فاذا جاء أمر الله قضي بالحق الآية يحتمل أن يريد بأمر الله القيامة فتكون الآية توعدا لهم بالآخرة ويحتمل أن يريد بأمر الله ارسال رسول وبعثة نبي قضى ذلك وأنفذه بالحق وخسر كل مبطل ت والاول أبين وقوله تعالى الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها الآية هذه آيات فيها عبر وتعديد نعم والأنعام الازواج الثمانية ومنها الأولى للتبعيض وقال الطبري في هذه الآية الانعام تعم الابل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما ينتفع به من البهائم فمنها في الموضعين على هذا للتبعيض وقوله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون الآية هذا احتجاج على قريش بما أظهر سبحانه في الأمم السالفة من نقماته في الكفار الذين كانوا أكثر منهم وأشد قوة قال أبو حيان فما أغنى ما نافية أو استفهامية بمعنى النفي انتهى وقوله سبحانه فلما جاءتهم رسلهم بالبينات الآية الضمير في جاءتهم عائد على الأمم المذكورة واختلف المفسرون في الضمير في فرحوا على من يعود فقال مجاهد وغيره هو عائد على الأمم المذكورين أي فرحوا بما عندهم من العلم في ظنهم ومعتقدهم من انهم لا يبعثون ولا يحاسبون قال ابن زيد واغتروا بعلمهم بالدنيا والمعاش وظنوا انه لا آخرة ففرحوا وهذا كقوله تعالى يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وقالت فرقة الضمير في فرحوا عائد على الرسل وفي هذا التأويل حذف وتقديره فلما جاءتهم رسلهم بالبينات كذبوهم ففرح الرسل بما عندهم من العلم بالله والثقة به وبأنه سينصرهم والضمير في بهم عائد على الكفار بلا خلاف ثم حكى سبحانه حالة بعضهم ممن آمن بعد تلبس العذاب بهم فلم ينفعهم ذلك وفي ذكر هذا حض على المبادرة وسنة نصب على المصدر ت وقيل المعنى احذروا سنة لله كقوله ناقة الله قال الفخر وقوله هنالك اسم مكان مستعار للزمان أي وخسروا وقت رؤية البأس انتهى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما تفسير سورة حم السجدة وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم روى أن عتبة بن ربيعة ذهب الى النبي صلى الله عليه و سلم ليحتج عليه ويبين له أمر مخالفته لقومه فلما فرغ عتبة من كلامه قال النبي صلى الله عليه و سلم بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته الى قوله فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأرعد الشيخ وقف شعره وأمسك على فم النبي صلى الله عليه و سلم وناشده بالرحم أن يمسك وقال حين فارقه والله لقد سمعت شيئا ما هو بالشعر ولا هو بالكهانة ولا هو بالسحر ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي والرحمن الرحيم صفتا رجاء ورحمة الله عز و جل وفصلت معناه بينت آياته أي فسرت معانيه ففصل بين حلاله وحرامه ووعده ووعيده وقيل فصلت في التنزيل أي نزل نجوما ولم ينزل مرة واحدة وقيل فصلت بالمواقف وأنواع اواخر الآي ولم يكن يرجع الى قافية ونحوها كالسجع والشعر وقوله تعالى لقوم يعلمون قالت فرقة يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل فكان القرآن فصلت آياته لهؤلاء اذ هم أهل الانتفاع بها فخصوا بالذكر تشريفا وقالت فرقة يعلمون متعلق في المعنى بقوله عربيا أي لقوم يعلمون ألفاظه ويتحققون أنها لم يخرج شيء منها عن كلام العرب وكان الآي على هذا التأويل رادة على من زعم أن في كتاب الله ما ليس في كلام العرب والتأويل الأول أبين وأشرف معنى وبين أنه ليس في القرآن الا ما هو من كلام العرب اما من أصل لغتها وأما مما عربته من لغة غيرها ثم ذكر في القرآن وهو معرب مستعمل وقوله تعالى فهم لا يسمعون نفي لسماعهم النافع الذي يعتد به ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كل المباعدة وأرادوا أن يأيسوه من قبولهم ما جاء به وهي قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه وأكنة جمع كنان والوقر الثقل في الاذن الذي يمنع السمع وقوله تعالى وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة الآية قال الحسن المراد بالزكاة زكاة المال وقال ابن عباس والجمهور الزكاة في هذه الآية لا اله الا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون هل لك الى أن تزكي ويرجح هذا التأويل أن الآية مكية وزكاة المال انما نزلت بالمدينة وانما هذه زكاة القلب والبدن أي تطهيره من المعاصي وقاله مجاهد والربيع وقال الضحاك ومقاتل معنى الزكاة هنا النفقة في الطاعة وغير ممنون قال ابن عباس معناه غير منقوص وقالت فرقة معناه غير مقطوع يقال مننت الحبل اذا قطعته وقال مجاهد مهناها غير محسوب قال ع ويظهر في الآية أنه وصفه بعدم المن والأذى من حيث هو من جهة الله تعالى فهو شريف لا من فيه وأعطيات البشر هي التي يدخلها المن والأنداد الأشباه والأمثال وهي اشارة الى كل ما عبد من دون الله وقوله تعالى وبارك فيها أي جعلها منبتة للطيبات والأطعمة وجعلها طهورا الى غير ذلك من وجوه البركة وفي قراءة ابن مسعود وقسم فيها أقواتها واختلف في معنى قوله أقواتها فقال السدي هي أقوات البشر وارزاقهم وأضافها الى الأرض من حيث هي فيها وعنها وقال قتادة هي اقوات الأرض من الجبال والأنهار والأشجار والصخور والمعادن والأشياء التي بها قوام الأرض ومصالحها وروى ابن عباس في هذا حديثا مرفوعا فشبهها بالقوت الذي به قوام الحيوان وقال مجاهد اراد أقواتها من المطر والمياه وقال الضحاك وغيره أراد بقوله أقواتها خصائصها التي قسمها في البلاد من الملبوس والمطعوم فجعل في بلد وفي قطر ما ليس في الآخر ليحتاج بعضهم الى بعض ويتقوت من هذه في هذه وهذا قريب من الأول وقوله تعالى في أربعة أيام يريد باليومين الأولين وقرأ الجمهور سواء بالنصب على الحال أي سواء هي وما انقضى فيها وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع سواء بالرفع أي هي سواء وقرأ الحسن سواء بالخفض على نعت الأيام واختلف في معنى السائلين فقال قتادة معناه سواء لمن سأل واستفهم عن الأمر وحقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فانه يجده كما قال تعالى وقال ابن زيد وجماعة معناه مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين اليها من البشر فعبر عنهم بالسائلين بمعنى الطالبين لأنه من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعون به فهم في حكم من سأل هذه أشيءا اذ هم أهل حاجة اليها ولفظة سواء تجري مجرى عدل وزر في أن ترد على المفرد والجمع والمذكر والؤنث وقوله سبحانه ثم استوى الى السماء معناه بقدرته واختراعه الى خلق السماء وايجادها وقوله تعالى وهي دخان روي أنها كانت جسما رخوا كالدخان أو البخار وروي أنه مما أمره الله تعالى أن يصعد من الماء وهنا محذوف تقديره فأوجدها وأتقنها وأكمل أمرها وحينئذ قال لها وللأرض أيتيا بمعنى ايتيا أمري وإرادتي فيكما وقرأ ابن عباس آتيا بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما والاشارة بهذا كله الى تسخيرهما وما قدره الله من أعمالهما وقوله أو كرها فيه محذوف تقديره ايتيا طوعا وإلا أتيتما كرها وقوله سبحانه قالتا أراد الفرقتين جعل السموات سماء والأرضين أرضا واختلف في هذه المقالة من السماوات والأرض هل هو نطق حقيقة أو هو مجاز لما ظهر عليها من التذلل والخضوع والانقياد الذي يتنزل منزلة النطق قال ع والقول الأول أنه نطق حقيقة أحسن لأنه لا شيء يدفعه وأن العبرة به أتم والقدرة فيه أظهر وقوله تعالى فقضاهن معناه فصنعن وأوجدهن ومنه قول أبي ذؤيب ... وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع ... وقوله تعالى وأوحى في كل سماء أمرها قال مجاهد وقتادة أوحى الى سكانها وعمرتها من الملائكة واليها هي في نفسها ما شاء الله تعالى من الامور التي بها قوامها وصلاحها وقوله ذلك اشارة الى جميع ما ذكر أي أوجده بقدرته وأحكمه بعلمه وقوله تعالى فإن أعرضوا يعني قريشا والعرب الذين دعوتهم الى عبادة الله تعالى عن هذه الآيات البينات فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود وقرأ النخعي وغيره صعقة فيهما وهذه قراءة بينة المعنى لأن الصعقة الهلاك الوحي وأما الأولى فهي تشبيه بالصاعقة وهي الوقعة الشديدة من صوت الرعد فشبهت هنا وقعة العذاب بها لأن عادا لم تعذب الا بريح وانما هذا تشبيه واستعارة وعبارة الثعلبي صاعقة أي واقعة وعقوبة مثل صاعقة عاد وثمود انتهى قال ع وخص عادا وثمودا بالذكر لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام قال الثعلبي ومن بين ايديهم ومن خلفهم يعني قبلهم وبعدهم وقامت الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمتهم خبرا ومباشرة وقال ع قوله ومن خلفهم أي جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في الزمن فلذلك قال ومن خلفهم ولا يتوجه أي يجعل ومن خلفهم عبارة عما أتى بعدهم لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير ت وما تقدم للثعلبي وغيره أحسن لأن مقصد الآية اتصال النذارة بهم وبمن قبلهم وبمن بعدهم اذ ما من أمة الا وفيها نذير وكما قال تعالى رسلنا تترا وأيضا فانه جمع في اللفظ عادا وثمودا وبالضرورة أن الرسول الذي أرسل الى ثمود هو بعد عاد فليس لرد ع وجه فتأمله وقوله تعالى فأرسلنا عليهم ريحا الآية تقدم قصص هؤلاء وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير نحسات بسكون الحاء وهي جمع نحس وقرأ الباقون نحسات بكسر الحاء جمع نحس على وزن حذر والمعنى في هذه اللفظة مشائيم من النحس المعروف قاله مجاهد وغيره وقال ابن عباس نحسات معناه متتابعات وقيل معناه شديدة أي شديدة البرد وقوله تعالى فهديناهم معناه بينا لهم قاله ابن عباس وغيره وهذا كما هي الآن شريعة الاسلام مبينة لليهود والنصارى المختلطين بنا ولكنهم يعرضون ويشتغلون بالضد فذلك استحباب العمى على الهدى والعذاب الهون هو الذي معه هوان واذلال قال أبو حيان الهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب انتهى وأعداء الله هم الكفار المخالفون لأمر الله سبحانه ويوزعون معناه يكف أولهم حبسا على آخرهم قاله قتادة والسدي وأهل اللغة وهذا وصف حال من أحوال الكفرة في بعض أوقات القيامة وذلك عند وصولهم الى جهنم فانه سبحانه يستقرهم عند ذلك على أنفسهم ويسئلون سؤال توبيخ عن كفرهم فيجحدون ويحسبون أن لا شاهد عليهم ويطلبون شهيدا عليهم من أنفسهم وفي الحديث الصحيح أن العبد يعني الكافر يقول يا رب اليس وعدتني أن لا تظلمني قال فان ذلك لك قال فاني لا أقبل علي شاهدا الا من نفسي قال فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل قال فيقول لهن بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أدافع الحديث قال أبو حيان حتى اذا ما جاءوها ما بعد اذا زائدة للتوكيد انتهى وقوله تعالى وما كنتم تستترون يحتمل أن يكون من كلام الجلود ويحتمل أن يكون من كلام الله عز و جل وجمهور الناس على أن المراد بالجلود الجلود المعروفة وأما معنى الآية فيحتمل وجهين أحدهما أن يريد وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد أو لأجل أن يشهد عليكم سمعكم الآية وهذا هو منحى مجاهد والمعنى الثاني أن يريد وما يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم وهذا هو منحي السدي وعن ابن مسعوج قال اني لمستتر بأستار الكعبة اذ دخل ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فتحدثوا بحديث فقال أحدهم أترى الله يسمع ما قلنا فقال الآخر يسمع اذا رفعنا ولا يسمع اذا أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع منه شيئا فانه يسمعه كله فجئت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته بذلك فنزلت هذه الآية وما كنتم تستترون وقرأ حتى بلغ وان يستعتبوا فما هم من المعتبين قال الشيخ أبو محمد بن ابي زيد في آخر مختصر المدونة له واعلم أن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازي والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد انتهى قال القرطبي في تذكرته واعلم أن عند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم في ذلك انتهى ومعنى أرادكم أهلككم والردى الهلاك وفي صحيح البخاري ومسلم عن جابر قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول قبل وفاته ثلاث لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن بالله عز و جل وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عز و جل وزاد فيه فان قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال لهم الله تبارك وتعالى وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارداكم فأصبحتم من الخاسرين انتهى ونقله أيضا صاحب التذكرة وقوله تعالى فإن يصبروا مخاطبة للنبي صلى الله عليه و سلم والمعنى فان يصبروا أولا يصبروا واقتصر لدلالة الظاهر على ما ترك وقوله تعالى وان يستعتبوا معناه وان طلبوا العتبى وهي الرضا فما هم ممن يعطاها ويستوجبها قال أبو حيان قراءة الجمهور وأن يستعتبوا مبنيا للفاعل ومن المعتبين مبنيا للمفعول أي وأن يعتذروا فما هم من المعذروين انتهى ثم وصف تعالى حالهم في الدنيا وما أصابهم به حين أعرضوا فختم عليهم فقال وقيضنا لهم قرناء أي يسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الانس وقوله فزينوا لهم ما بين أيديهم أي علموهم وقرروا لهم في نفوسهم ومعتقدات سوء في الأمور التي تقدمتهم من أمر الرسل والنبوءات ومدح عبادة الأصنام واتباع فعل الآباء الى غير ذلك مما يقال أنه بين ايديهم وذلك كل ما تقدمهم في الزمن واتصل اليهم أثره أو خبره وكذلك أعطوهم معتقدات سوء فيما خلفهم وهو كل ما يأتي بعدهم من القيامة والبعث ونحو ذلك وحق عليهم القول أي سبق عليهم القضاء الحتم وأمر الله بتعذيبهم في جملة أمم معذبين كفار من الجن والانس وقالت فرقة في بمعنى مع أي مع أمم قال ع والمعنى يتأدى بالحرفين ولا نحتاج أن نجعل حرفا بمعنى حرف اذ قد أبى ذلك رؤساء البصريين وقوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن الآية حكاية لما فعله بعض كفار قريش كأبي جهل وغيره لما خافوا استمالة القلوب بالقرآن قالوا متى قرأ محمد فالغطوا بالصفير والصياح وانشاد الشعر حتى يخفي صوته فهذا الفعل منهم هو اللغو وقال أبو العالية ارادوا قعوا فيه وعيبوه وقولهم لعلكم تغلبون أي تطمسون أمر محمد وتميتون ذكره وتصرفون عنه القلوب فهذه الغاية التي تمنوها ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون وقوله تعالى فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا الآية قوله لنذيقن الفاء دخلت على لام القسم وهي آية وعيد لقريش والعذاب الشديد هو عذاب الدنيا في بدر وغيرها والجزاء بأسوأ أعمالهم هو عذاب الآخرة ت حدث ابو عمر في كتاب التمهيد قال حدثنا احمد بن قاسم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا ابراهيم بن موسى بن جميل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ابي الدنيا قال حدثنا العتكي قال حدثنا خالد أبو يزيد الرقي عن يحيى المدني عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال خرجت مرة فمررت بقبر من قبور الجاهلية فاذا رجل قد خرج من القبر يتأجج نارا في عنقه سلسلة ومعي اداوة من ماء فلما رءاني قال يا عبد الله اسقني قال فقلت عرفني فدعاني باسمي أو كلمة تقولها العرب يا عبد الله اذ خرج على أثره رجل من القبر فقال يا عبد الله لا تسقه فانه كافر ثم أخذ السلسلة فاجتذبه فادخله القبر قال ثم أضافني الليل الى بيت عجوز الى جانبها قبر فسمعت من القبر صوتا يقول بول وما بول شن وما شن فقلت للعجوز ما هذا قالت كان زوجا ليس وكان اذا بال لم يتق البول وكنت أقول له ويحك إن الجمل اذا بال تفاج وكان يأبى فهو ينادي من يوم مات بول وما بول قلت فما الشن قالت جاء رجل عطشان فقال اسقني فقال دونك الشن فاذا ليس فيه شيء فخر الرجل ميتا فهو ينادي منذ مات شن وما شن فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبرته فنهى أن يسافر الرجل وحده قال ابو عمر هذا الحديث فى اسناده مجهولون ولم نورده للاحتجاج به ولكن للاعتبار وما لم يكن حكم فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء انتهى من ترجمة عبد الرحمن بن حرملة وكلامه على قول النبي صلى الله عليه و سلم الشيطان يهم بالواحد والاثنين فاذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم وقد ذكرنا الحكاية الاولى عن الوائلي فى سورة اقرأ باسم ربك بغير هذا السند وأن الرجل الأول هو ابو جهل انتهى ثم ذكر تعالى مقالة كفار يوم القيامة اذا دخلوا النار فانهم يرون عظيم ما حل بهم وسوء منقلبهم فتجول أفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم ومبادي ضلالتهم فيعظم غيظهم وحنقهم عليه ويودون ان يحصل فى اشد عذاب فحينئذ يقولون ربنا ارنا اللذين اضلانا وظاهر اللفظ يقتضي أن الذي في قولهم اللذين انما هو للجنس أي ارنا كل مغو من الجن والانس وهذا قول جماعة من المفسرين وقيل طلبوا ولد آدم الذي سن القتل والمعصية من البشر وابليس الأبالسة من الجن وهذا قول لا يخفي ضعفه والأول هو القوي وقولهم نجعلهما تحت اقدامنا يريدون في أسفل طبقة في النار وهي أشد عذابا وقوله تعالى ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا قال سفيان بن عبد الله الثقفي قلت يا رسول الله أخبرني بأمر اعتصم به قال قل ربي الله ثم استقم ت هذا الحديث خرجه مسلم في صحيحه قال صاحب المفهم جوابه صلى الله عليه و سلم من جوامع الكلم وكأنه منتزع من قول الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا الآية وتلخيصه اعتدلوا على طاعته قولا وفعلا وعقدا انتهى من شرح الأربعين حديثا لابن الفاكهاني قال ع واختلف الناس في مقتضى قوله ثم استقاموا فذهب الحسن وجماعة الى أن معناه استقاموا بالطاعات واحتناب المعاصي وتلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر ثم قال استقاموا والله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب قال ع فذهب رحمه الله الى حمل الناس على الاتم الأفضل وإلا فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أن لا تتنزل الملائكة عند الموت على غير مستقيم على الطاعة وذهب أبو بكر رضي الله عنه وجماعة معه الى أن المعنى ثم استقاموا على قولهم ربنا الله فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب ايمانهم قال ع وفي الحديث الصحيح من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة وهذا هو المعتقد ان شاء الله وذلك أن العصاة من أمة محمد وغيرها فرقتان فاما من غفر الله له وترك تعذيبه فلا محالة أنه ممن تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة وهو انما استقام على توحيده فقط وأما من قضى الله بتعذيبه مدة ثم يأمر بادخاله الجنة فلا محالة أنه يلقي جميع ذلك عند موته ويعلمه وليس يصح أن تكون حالة كحالة الكافر واليائس من رحمة الله واذا كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه ويدخل فيمن يقال لهم ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ومع هذا كله فلا يختلف في أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالا وأكمل بشارة وهو مقصد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعدادا كان أسرع فوزا بفضل الله تعالى قال الثعلبي قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا قال وكيع والبشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث وفي البخاري تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت انتهى قال ابن العربي في أحكامه تتنزل عليهم الملائكة قال المفسرون عند الموت وأنا أقول كل يوم وأوكد الأيام يوم الموت وحين القبر ويوم الفزع الأكبر وفي ذلك أثار بيناها في موضعها انتهى قال ع وقوله تعالى أن لا تخافوا ولا تحزنوا آمنة عامة في كل هم مستأنف وتسلية تامة عن كل فائت ماض وقال مجاهد المعنى لا تخافون ما تقدمون عليه ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم ت وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني أنه قرأ حم السجدة حتى بلغ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة فوقف وقال بلغنا أن العبد المؤمن حيث يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد قال فآمن الله خوفه وأقر عينه الحديث انتهى قال ابن المبارك في رقائقه سمعت سفيان يقول في قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت أن لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم من ضيعاتكم وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون قال يبشر بثلاث بشارات عند الموت واذا خرج من القبر واذا فزع نحن أوليائكم في الحياة الدنيا قالوا كانوا معهم قال ابن المبارك وأخبرنا رجل عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى نحن أولياءكم في الحياة الدنيا قال قرناءهم يلقونهم يوم القيامة فيقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة اه وقوله تعالى نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة المتكلم بنحن أولياءكم هم الملائكة القائلون لا تخافوا ولا تحزنوا أي يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق نحن كنا أولياءكم في الدنيا ونحن هم أولياءكم في الآخرة قال السدي المعنى نحن حفظتكم وأولياؤكم في الآخرة والضمير في قوله فيها عائد على الآخرة وتدعون معناه تطلبون قال الفخر ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين اشارة الى أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية بالالهامات والمكاشفات اليقينية والمناجات الخفية كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح بالقاء الوساوس وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات فهم يقولون كما أن تلك الولايات الحاصلة في الدنيا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير مائلة الى الزوال بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة وهي كالشعلة بالنسبة الى الشمس والقطرة بالنسبة الى البحر وانما التعلقات الجسدانية والتدبيرات البدنية هي الحائلة بينها وبين الملائكة فاذا زالت تلك العلائق فقد زال الغطاء واتصل الأثر بالمؤثر والقطرة بالبحر والشعلة بالشمس انتهى ت وقد نقل الثعلبي من كلام أرباب المعاني هنا كلاما كثيرا حسنا جدا موقظا لأرباب الهمم فانظره ان شئت وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم إنه قال اذا فنيت أيام الدنيا عن هذا العبد المؤمن بعث الله الى نفسه من يتوفاها قال فقال صاحباه اللذان يحفظان عليه عمله أن هذا قد كان لنا أخا وصاحبا وقد حان اليوم منه فراق فأذنوا لنا أو قال دعونا نثن على أخينا فيقال أثنيا عليه فيقولان جزاك الله خيرا ورضي عنك وغفر لك وأدخلك الجنة فنعم الأخ كنت والصاحب ما كان أيسر مؤنتك وأحسن معونتك على نفسك ما كانت خطاياك تمنعنا أن نصعد الى ربنا فنسبح بحمده ونقدس له ونسجد د له ويقول الذي يتوفى نفسه أخرج أيها الروح الطيب الى خير يوم مر عليك فنعم ما قدمت لنفسك أخرج الى الروح والريحان وجنات النعيم ورب عليك غير غضبان واذا فنيت أيام الدنيا عن العبد الكافر بعث الله الى نفسه من يتوفاها فيقول صاحباه اللذان كانا يحفظان عليه عمله أن هذا قد كان لنا صاحبا وقد حان منه فراق فاذنوا لنا ودعونا نثن على صاحبنا فيقال أثينا عليه فيقولان لعنة الله وغضبه عليه ولا غفر له وأدخله النار فبيس الصاحب ما كان أشد مؤنته وما كان يعين على نفسه إن كانت خطاياه وذنوبه لتمنعنا الى أن نصعد الى ربنا فنسبح له ونقدس له ونسجد له ويقول الذي يتوفى نفسه اخرج أيها الروح الخبيث الى شر يوم مر عليك فبيس ما قدمت لنفسك اخرج الى الحميم وتصلية الجحيم ورب عليك غضبان انتهى وقوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله الآية ابتداء توصية لنبيه عليه السلام وهو لفظ يعم كل من دعا قديما وحديثا الى الله عز و جل من الأنبياء والمؤمنين والمعنى لا أحد أحسن قولا ممن هذه حاله والى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة وقيل أن الآية نزلت في المؤذنين وهذا ضعيف لأن الآية مكية والأذان شرع بالمدينة قال أبو حيان ولا السيئة لا زائدة للتوكيد انتهى وقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن آية جمعت مكارم الاخلاق وأنواع الحلم والمعنى ادفع ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن قال ابن عباس أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الاساءة فاذا فعل المؤمنون ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم البخاري ولي حميم أي قريب انتهى وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء قال ع ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه والضمير في قوله يلقاها عائد على هذه الخلق التي يقتضيها قوله ادفع بالتي هي أحسن وقالت فرقة المراد وما يلقي لا اله الا الله وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ وقوله سبحانه الا الذين صبروا مدح بليغ للصابرين وذلك بين المتأمل لأن الصبر على الطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها والحظ العظيم يحتمل أن يريد من العقل والفضل فتكون الآية مدحا للمتصف بذلك ويحتمل أن يريد ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة فتكون الآية وعدا وبالجنة فسر قتادة الحظ هنا وقوله تعالى وإما ينزغنك الشيطان نزغ فاستعذ بالله أما شرط وجواب الشرط قوله فاستعذ والنزغ فعل الشيطان في قلب أو يد من القاء غضب أو حقد أو بطش في اليد فمن الغضب هذه الآية ومن الحقد قوله نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ومن البطش قول النبي صلى الله عليه و سلم لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار ومن دعاء الشيخ الولي العارف بالله سبحانه محمد بن مسرة القرطبي اللهم لا تجعل صدري للشيطان مراغا ولا تصير قلبي له مجالا ولا تجعلني ممن استفزه بصوته واجلب عليه بخيله ورجله وكن لي من حبائله منجيا ومن مصائده منقذا ومن غوايته مبعدا اللهم أنه وسوس في القلب وألقى في النفس مالا يطيق اللسان ذكره ولا تستطيع النفس نشره مما نزهك عنه علو عزك وسمو مجدك فازل يا سيدي ما سطر وامح ما زور بوابل من سحائب عظمتك وطوفان من بحار نصرتك واسلل عليه سيف أبعادك وارشقه بسهام أقصائك واحرقه بنار انتقامك واجعل خلاصي منه زائدا في حزنه وموكدا لاسفه ثم قال رحمه الله اعلم أنه ربما كان العبد في خلوته مشتغلا بتلاوته ويجد في نفسه من الوسوسة ما يجول بينه وبين ربه حتى لا يجد لطعم الذكر حلاوة ويجد في قلبه قساوة وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعلة ذلك أن الذكر ذكران ذكر خوف ورهبة وذكر أمن وغفلة فاذا كان الذكر بالخوف والرهبة خنس الشيطان ولم يحتمل الحملة وأذهب الوسوسة لأن الذكر اذا كان باجتماع القلب وصدق النية لم يكن للشيطان قوة عند ذلك وانقطعت علاق حيله وانما قوته ووسوسته مع الغفلة واذا كان الذكر بالأمن والغفلة لم تفارقه الوسوسة وان استدام العبد الذكر والقراءة لأن على قلب الغافل غشاوة ولا يجد صاحبها لطعم الذكر حلاوة فتحفظ على دينك من هذا العدو وليس لك أن تزيله عن مرتبته ولا أن تزيحه عن وطنه وإنما أبيح لك مجاهدته فاستعن بالله يعنك وثق بالله فانه لا يخذلك قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين انتهى من تصنيفه رحمه الله وندب سبحانه في الآية المتقدمة الى الأخذ بمكارم الأخلاق ووعد على ذلك وعلم سبحانه أن خلقة البشر تغلب أحيانا وتثور بهم سورة الغضب ونزغ الشيطان فدلهم في هذه الآية على ما يذهب ذلك وهي الاستعاذة به عز و جل ثم عدد سبحانه آياته ليعتبر فيها فقال ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ثم قال تعالى لا تسجدوا للشمس ولا للقمر وان كانت لكم فيهما منافع لأن النفع منهما انما هو يتسخير الله اياهما فهو الذي ينبغي أن يسجد له والضمير في خلقهن قيل هو عائد على الآيات المتقدم ذكرها وقيل عائد على الشمس والقمر والاثنان جمع وايضا جمع ما لا يعقل يؤنث فلذلك قال خلقهن ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام ساغ أن يعود الضمير مجموعا وقيل هو عائد على الأربعة المذكورة ت ومن كتاب المستغيثين بالله لأبي القاسم بن بشكوال حدث بسنده الى أنس بن مالك قال تقرأ حم السجدة وتسجد عند السجدة وتدعو فانه يستجاب لك قال الراوي وجربته فوجدته مستجابا انتهى ثم خاطب جل وعلا نبيه عليه السلام بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم وأنه سبحانه غني عن عبادتهم بقوله فان استكبروا الآية وقوله فالذين يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون وعند هنا ليست بظرف مكان وانما هي بمعنى المنزلة والقربة كما تقول زيد عند الملك جليل ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم كالنفس لبني آدم ولا يسئمون معناه لا يملون ثم ذكر تعالى آية منصوبة ليعتبر بها في أمر البعث من القبور ويستدل بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد فقال ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة الآية وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشعث بالجدب فهي عابسة كما الخاشع عابس يكاد يبكي واهتزاز الأرض هو تخلخل أجزائها وتشققها للنبات وربوها هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به وعبارة البخاري اهتزت بالنبات وربت ارتفعت اه ثم ذكر الله تعالى بالأمر الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية والعبرة وذلك احياء الموتى فقال ان الذي أحياها لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير والشيء في اللغة الموجود وقوله تعالى أن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا الآية آية وعيد والالحاد الميل وهو هنا ميل عن الحق ومنه لحد الميت لأنه في جانب يقال لحد الرجل والحد بمعنى واختلف في الحادهم هذا ما هو فقال قتادة وغيره هو الحاد بالتكذيب وقال مجاهد وغيره هو بالمكاء والصفير واللغو الذين ذهبوا اليه وقال ابن عباس الحادهم وضعهم للكلام غير موضعه ولفظة الالحاد تعم هذا كله وباقي الآية بين وقوله تعالى اعملوا ما شئتم وعيد في صيغة الأمر باجماع من أهل العلم وقوله تعالى ان الذين كفروا بالذكر الآية يريد الذين كفروا قريشا والذكر القرآن باجماع واختلف في الخبر عنهم أين هو فقالت فرقة هو في قوله أولئك ينادون من مكان بعيد ورد بكثرة الحائل وأن هنالك قوما قد ذكروا يحسن رد قوله أولئك ينادون عليهم وقالت فرقة الخبر مضمر تقديره ان الذين كفروا بالذكر لما جاءهم هلكوا أو ضلوا وقيل الخبر في قوله وإنه لكتاب عزيز وهذا ضعيف لا يتجه وقال عمرة بن عبيد معناه في التفسير ان الذين كفروا بالذكر لما جائهم كفروا به وانه لكتاب عزيز قال ع والذي يحسن في هذا هو اضمار الخبر ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه وانما هو بعد حكيم حميد وهو أشد اظهارا لمذمة الكفار به وذلك لأن قوله وانه لكتاب داخل في صفة الذكر المكذب به فلم يتم ذكر المخبر عنه الا بعد استيفاء وصفه ووصف الله تعالى الكتاب بالعزة لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والازراء عليه وهو محفوظ من الله تعالى قال ابن عباس معناه كريم على الله تعالى وقوله تعالى لا يأتيه الباطل قال قتادة والسدي يريد الشيطان وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئا وقوله من بين يديه معناه ليس فيما تقدم من الكتب ما يبطل شيئا منه وقوله ولا من خلفه أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل شيئا منه والمراد باللفظة على الجملة لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات وقوله تنزيل خبر مبتدأ أي هو تنزيل وقوله تعالى ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك يحتمل معنيين أحدهما أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم عن مقالات قومه وما يلقاه من المكروه منهم والثاني أن يكون المعنى ما يقال لك من الوحي وتخاطب به من جهة الله تعالى الا ما قد قيل للرسل من قبلك وقوله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية الأعجمي هو الذي لا يفصح عربيا كان أو غير عربي والعجمي الذي ليس من العرب فصيحا كان أو غير فصيح والمعنى ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا لا يبين لقالوا واعترضوا لولا بينت آياته وهذه الآية نزلت بسبب تخليط اكن من قريش في أقوالهم من أجل حروف وقعت في القرآن وهي مما عرب من كلام العجم كسجين واستبرق ونحوه وقرأ الجمهور ءاعجمي وعربي على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف وقرأ حمزة والكسائي وحفص أأعجمي بهمزتين وكأنهم ينكرون ذلك ويقولون أأعجمي وعربي مختلط هذا لا يحسن ثم قال تعالى قل هو يعني القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء واختلف الناس في قوله وهو عليهم عمى فقالت فرقة يريد بهو القرآن وقالت فرقة يريد بهو الوقر وهذه كلها استعارات والمعنى أنهم كالأعمى وصاحب الوقر وهو الثقل في الاذن المانع من السمع وكذلك قوله تعالى أولئك ينادون من مكان بعيد يحتمل معنيين وكلاهما مقول للمفسرين أحدهما أنها استعارة لقلة فهمهم شبههم بالرجل ينادي على بعد يسمع منه الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه وهذا تأويل مجاهد والآخران الكلام على الحقيقة وأن معناه أنهم يوم القيامة ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف ليفضحوا على رؤوس الخلائق ويكون أعظم لتوبيخهم وهذا تأويل الضحاك قال أبو حيان عمى بفتح الميم مصدر عمي انتهى ثم ضرب الله تعالى امر موسى مثلا للنبي عليه السلام ولقريش أي فعل أولئك كأفعال هؤلاء حين جاءهم مثل ما جاء هؤلاء والكلمة السابقة هي حتم الله تعالى بتأخير عذابهم الى يوم القيامة والضمير في قوله لفي شك منه يحتمل أن يعود على موسى أو على كتابه وقوله تعالى من عمل صالحا فلنفسه الآية نصيحة بليغة للعالم وتحذير وترجية وقوله تعالى اليه يرد علم الساعة الآية المعنى أن علم الساعة ووقت مجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه الى الله عز و جل وقوله تعالى ويوم يناديهم أين شركائي الآية التقدير واذكر يوم يناديهم والضمير في يناديهم الأظهر والأسبق فيه للفهم أنه يريد الكفار عبدة الأوثان ويحتمل أن يريد كل من عبد من دون الله من انسان وغيره وفي هذا ضعف وأما الضمير في قوله وضل عنهم فلا احتمال لعودته الا على الكفار وءاذناك قال ابن عباس وغيره معناه أعلمناك ما منا من يشهد ولا من شهد بأن لك شريكا وضل عنهم أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام ويحتمل أن يريد وضل عنهم الاصنام أي تلفت فلم يجدوا منها نصرا وتلاشى لهم أمرها وقوله وظنوا يحتمل أن يكون متصلا بما قبله ويكون الوقف عليه ويكون قوله ما لهم من محيص استئناف نفي أن يكون لهم ملجأ أو موضع روغان تقول حاص الرجل اذا راغ لطلب النجاة من شيء ومنه الحديث فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الأبواب ويكون الظن على هذا التأويل على بابه أي ظنوا أن هذه المقالة ما منا من شهيد منجاة لهم أو أمر يموهون به ويحتمل أن يكون الوقف في قوله من قبل ويكون وظنوا متصلا بقوله ما له من محيص أي ظنوا ذلك ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وقد تقدم البحث في اطلاق الظن على اليقين ت وهذا التأويل هو الظاهر والأول بعيد جدا وقوله تعالى لا يسأم الانسان من دعاء الخير هذه آيات نزلت في كفار قيل في الوليد بن المغيرة وقيل في عتبة بن ربيعة وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقا ربما شارك فيها بعض المؤمنين ودعاء الخير اضافته اضافة المصدر الى المفعول وفي مصحف ابن مسعود من دعاء بالخير والخير في هذه الآية المال والصحة وبذلك تليق الآية بالكفار وقوله تعالى ليقولون هذا لي أي بعملي وبما سعيت ولا يرى أن النعم انما هي فضل من الله تعالى قال صلى الله عليه و سلم ليقولون قال أبو البقاء هو جواب الشرط والفاء محذوفة وقيل هو جواب قسم محذوف قال صلى الله عليه و سلم قلت هذا هو الحق والأول غلط لأن القسم قد تقدم في قوله ولئن فالجواب له ولأن حذف الفاء في الجواب لا يجوز انتهى وفي تغليط الصفاقسي لأبي البقاء نظر وقوله وما أظن الساعة قائمة قول بين فيه الجحد والكفر ثم يقول هذا الكافر ولئن رجعت الى ربي كما تقولون أن لي عنده للحسنى أي حالا ترضيني من مال وبنين وغير ذلك قال ع والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد فقد قال عليه السلام الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقوله تعالى واذا أنعمنا على الانسان أعرض ونئا عن جانبه الآية ذكر سبحانه الخلق الذميمة من الانسان جملة وهي في الكافر بينة متمكنة وأما المؤمن ففي الأغلب يشكر على النعمة وكثيرا ما يصير عند الشدة ونئا معناه بعد ولم يمل الى شكر ولا طاعة وقوله فذو دعاء عريض أي وطويل أيضا وعبارة الثعلبي عريض أي كثير والعرب تستعمل الطول والعرض كليهما في الكثرة من الكلام انتهى ثم أمر تعالى نبيه أن يوقف قريشا على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال قل أرايتم إن كان من عند الله وخالفتموه ألستم على هلكة فمن أضل ممن يبقي على مثل هذا الغرر مع الله وهذا هو الشقاق ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيرى الكفار آياته واختلف في معنى قوله سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم فقال المنهال والسدي وجماعة هو وعد بما يفتحه الله على رسوله من الاقطار حول مكة وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها وفي أنفسهم اراد به فتح مكة قال ع وهذا تأويل حسن يتضمن الاعلام بغيب ظهر بعد ذلك وقال قتادة والضحاك ستنريهم آياتنا في الآفاق هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديما وفي أنفسهم يوم بدر والتأويل الأول أرجح والله اعلم والضمير في قوله تعالى أنه الحق عائد على الشرع والقرآن فباظهار الله نبيه وفتح البلاد عليه يتبين لهم أنه الحق وقوله بربك قال ابو حيان الباء زائدة وهو فاعل يكف أي أو لم يكفهم ربك انتهى وباقي الآية بين تفسير سورة الشورى وهي مكية وقال مقاتل فيها مدني قوله تعالى ذلك الذي يبشر الله عباده الى الصدور بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى حم عسق قال الثعلبي قال ابن عباس أن حم عسق هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب ولذلك قال تعالى كذلك يوحي اليك والى الذين من قبلك وقرأ الجمهور يوحي باسناد الفعل الى الله تعالى وقرأ ابن كثير وحده يوحي بفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول والتقدير يوحي اليك القرآن وقوله تعالى والى الذين من قبلك يريد من الأنبياء الذين نزل عليهم الكتاب وقرأ نافع والكسائي يتفطرن وقرأ أبو عمرة وعاصم ينفطرن والمعنى فيهما يتصدعن ويتشققن خضوعا وخشية من الله تعالى وتعظيما وطاعة وقوله من فوقهن أي من أعلاهن وقال الأخفش علي بن سليمان الضمير من فوقهن للكفار أي من فوق الجماعات الكافرة والفرق الملحدة من أجل أقوالها يكاد السماوات يتفطرن فهذه الآية على هذا كالتي في كهيعص يكاد السماوات يتفطرن منه الآية وقالت فرقة معناه من فوق الأرضين اذ قد جرى ذكر الأرض وقوله تعالى ويستغفرون لمن في الأرض قالت فرقة هذا منسوخ بقوله تعالى ويستغفرون للذين آمنوا قال ع وهذا قول ضعيف لأن النسخ في الاخبار لا يتصور وقال السدي ما معناه أن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمنين فكأنه قال ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين وقالت فرقة بل هي على عمومها لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران للكفرة مع بقائهم على كفرهم وانما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي الى الغفران لهم وتأويل السدي أرجح وقوله تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل هذه آية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم ووعيد للكافرين والمعنى ليس لك الا البلاغ فقط فلا تهتم بعدم ايمان قريش وغيرهم الله هو الحفيظ عليهم كفرهم المحصي لأعمالهم المجازي عليها وأنت لست بوكيل عليهم وما في هذه الألفاظ من موادعة فمنسوخ قال الامام الفخر في شرحه لأسماء الله الحسنى عند كلامه على اسمه سبحانه الحفيظ قال بعضهم ما من عبد حفظ جوارحه الا حفظ الله عليه قلبه وما من عبد حفظ الله عليه قلبه الا جعله حجة على عباده انتهى ثم قال تعالى وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا المعنى وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه في هذه السورة كذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا مبينا لهم لا يحتاجون الى آخر سواه اذ فهمه متأت لهم ولم نكلفك الا انذار من ذكر وأم القرى هي مكة ويوم الجمع هو يوم القيامة أي تخوفهم اياه وقوله فريق مرتفع على خبر الابتداء المضمر كأنه قال هم فريق في الجنة وفريق في السعير ثم قوي تعالى تسلية نبيه بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من ايمانهم أو كفرهم وأنه لو اراد كونهم أمة واحدة على دين واحد لجمعهم عليه ولكنه سبحانه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة وان الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقاوة ما لهم من ولي ولا نصير قال عبد الحق رحمه الله في العاقبة وقد علمت رحمك الله أن الناس يوم القيامة صنفان صنق مقرب مصان وآخر مبعد مهان صنف نصبت لهم الأسرة والحجال والأرائك والكلال وجمعت لهم الرغائب والآمال وآخرون أعدت لهم الأراقم والصلال والمقامع والأغلال وضروب الاهوال والأنكال وأنت لا تعلم من ايهما أنت ولا في أي الفريقين كنت ... نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل ... وتقلبوا فرحين تحت ظلالها ... وطرحت بالصحراء غير مظلل وسقوا من الصافي المعتق ريهم ... وسقيت دمعة واله متململ ... بكى سفيان الثوري رحمه الله ليلة الى الصباح فقيل له بكاؤك هذا على الذنوب فأخذ نبتة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذا إنما أبكي خوف الخاتمة وبكى غير سفيان وغير سفيان وأنه للأمر يبكي عليه ويصرف الاهتمام كله اليه وقد قيل لا تكف دمعك حتى ترى في المعاد ربعك وقيل يا ابن آدم الأقلام عليك تجري وأنت في غفلة لا تدري يا ابن آدم دع التنافس في هذه الدار حتى ترى ما فعلت في أمرك الأقدار سمع بعض الصالحين منشدا ينشد أيا راهبي نجران ما فعلت هند فبكى ليلة الى الصباح فسئل عن ذلك فقال قلت في نفسي ما فعلت الأقدار في وماذا جرت به علي انتهى وقوله تعالى أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي الآية قوله ام اتخذوا كلام مقطوع مما قبله وليست بمعادلة ولكن الكلام كانه اضرب عن حجة أم لهم أو مقالة مقررة فقال بل اتخذوا هذا مشهور قول النحويين في مثل هذا وذهب عضهم الى أن أم هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقرير اضراب ثم أثبت الحكم بأنه عز و جل هو الولي الذي تنفع ولايته وقوله تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله الآية المعنى قل لهم يا محمد وما اختلفتم فيه أيها الناس من تكذيب وتصديق وايمان وكفر وغير ذلك فالحكم فيه والمجازاة عنه ليست الي ولا بيدي وانما ذلك الى الله تعالى الذي صفاته ما ذكر من احياء الموتى والقدرة على كل شيء وقوله تعالى جعل لكم من أنفسكم أزواجا يريد زوج الانسان الأنثى وبهذه النعمة اتفق الذرء وليست الأزواج هاهنا الأنواع وقوله ومن الأنعام أزواجا الظاهر أيضا فيه والمتسق أنه يريد اناث الذكران ويحتمل أن يريد الأنواع والأول أظهر وقوله يذرؤكم أي يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن قاله مجاهد والناس فلفظة ذرأ تزيد على لفظة خلق معنى آخر ليس في خلق وهو توالي طبقات على مر الزمان وقوله فيه الضمير عائد على الجعل الذي يتضمنه قوله جعل لكم وهذا كما تقول كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه وقال القتبي الضمير للتزويج ولفظة في مشتركة على معان وان كان أصلها الوعاء واليه يردها النظر في كل وجه وقوله تعالى ليس كمثله شيء الكاف موكدة للتشبيه فنفي التشبيه أوكد ما يكون وذلك أنك تقول زيد كعمرو وزيد مثل عمرو فاذا أرادت المبالغة التامة قلت زيد كمثل عمرو وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة وذهب الطبري وغيره الى أن المعنى ليس كهو شيء وقالو لفظة مثل في الآية توكيد وواقعة موقع هو والمقاليد المفاتيح قاله ابن عباس وغيره وقال مجاهد هذا أصلها بالفارسية وهي هاهنا استعارة لوقوع كل أمر تحت قدرته سبحانه وقال السدي المقاليد الخزائن وفي اللفظ على هذا حذف مضاف قال قتادة من ملك مقاليد خزائن فالخزائن في ملكه وقوله سبحانه شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية المعنى شرع لكم وبين من المعتقدات والتوحيد ما وصى به نوحا قبل وقوله والذي عطف على ما وكذلك ما ذكر بعد من اقامة الدين مشروع اتفقت النبوءات فيه وذلك في المعتقدات وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة وهي المراد في قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا واقامة الدين هو توحيد الله ورفض سواه وقوله تعالى ولا تتفرقوا نهي عن المهلك من تفرق الانحاء والمذاهب والخير كله في الألفة واجتماع الكلمة ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام كبر على المشركين ما تدعوهم اليه من توحيد الله ورفض الأوثان قال قتادة كبر عليهم لا اله الا الله وأبى الله الا نصرها ثم سلاه تعالى عنهم بقوله الله يجتبي اليه من يشاء الآية أي يختار ويصطفي قاله مجاهد وغيره وينيب معناه يرجع عن الكفر ويحرص على الخير ويطلبه وما تفرقوا يعني اوائل اليهود والنصارى الا من بعد ما جاءهم العلم وقوله بغيا بينهم أي بغى بعضهم على بعض واداهم ذلك الى اختلاف الراي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة قال المفسرون هي حتمة تعالى القضاء بان مجازاتهم انما تقع في الآخرة ولولا ذلك لفصل بينهم في الدنيا وغلب الحق على المبطل وقوله تعالى وان الذين اورثوا الكتاب اشارة الى معاصري نبينا محمد عليه السلام من اليهود والنصارى وقيل هو اشارة الى العرب والكتاب على هذا هو القرآن والضمير في قوله لفي شك منه يحتمل ان يعود على الكتاب او على محمد او على الاجل المسمى أي في شك من البعث على قول من راى ان الاشارة الى العرب ووصف الشك بمريب مبالغة فيه واللام في قوله تعالى فلذلك فادع قالت فرقة هي بمنزلة الى كأنه قال فالى ما وصى به الانبياء من التوحيد فادع وقالت فرقة بل هي بمعنى من اجل كانه قال من اجل ان الامر كذا وكذا ولكونه كذا فادع انت الى ربك وبلغ ما أرسلت به وقال الفخر يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين فادع الى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة اليها كما أمرك الله ولا تتبع أهواءهم الباطلة انتهى وخوطب عليه السلام بالاستقامة وهو قد كان مستقيما بمعنى دم على استقامتك وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به انما معناه الدوام وهذه الآية ونحوها كانت نصب عيني النبي عليه السلام وكانت شديدة الموقع من نفسه أعني قوله تعالى واستقم كما امرت لأنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة وفي هذا المعنى قال عليه السلام شيبتني هود وأخواتها فقيل له لم ذلك يا نبي الله فقال لأن فيها فاستقم كما أمرت وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في أمر الله عز و جل وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا ولن تحصوا وقوله تعالى ولا تتبع أهواءهم يعني قريشا ت وفرض الفخر هذه القضية في أهل الكتاب وذكر ما وقع من اليهود ومحاجتهم في دفع الحق وجحد الرسالة وعلى هذا فالضمير في اهوائهم عائد عليهم والله اعلم اه ثم امره تعالى أن يقول آمنت بما أنزل الله من كتاب وهو أمر يعم سائر أمته وقوله وأمرت لا عدل بينكم قالت فرقة اللام في لاعدل بمعنى أن أعدل بينكم وقالت فرقة المعنى وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم وقوله لنا أعمالنا ولكم أعمالكم الى آخر الآية ما فيه من موادعة منسوخ بآية السيف وقوله لا حجة بيننا وبينكم أي لا جدال ولا مناظرة قد وضح الحق وأنتم تعاندون وفي قوله الله يجمع بيننا وعيد بين وقوله تعالى والذين يحاجون في الله الآية قال ابن عباس ومجاهد نزلت في طائفة من بني اسرائيل همت برد الناس عن الاسلام واضلالهم وقيل نزلت في قريش لأنها كانت أبدا تحاول هذا المعنى ويحاجون في الله معناه في دين الله أو توحيد الله أي يحاجون فيه بالابطال والالحاد وما أشبهه والضمير في له يحتمل أن يعود على الله تبارك وتعالى ويحتمل أن يعود على الدين والشرع ويحتمل أن يعود على النبي عليه السلام وداحضة معناه زاهقة والدحض الزهق وباقي الآية بين وقوله سبحان الله الذي أنزل الكتاب بالحق معناه مضمنا الحق أي بالحق في أحكامه وأوامره ونواهيه وأخباره والميزان هنا العدل قاله ابن عباس ومجاهد والناس وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس قال ع ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وقوله تعالى وما يدريك لعل الساعة قريب وعيد للمشركين وجاء لفظ قريب مذكرا من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي واذ هي بمعنى الوقت ت ينبغي للمؤمن العاقل أن يتدبر هذه الآية ونظائرها ويقدر في نفسه أنه المقصود بها ... لاه بدنياه والأيام تنعاه ... والقبر غايته واللحد مأواه يلهو فلو كان يدري ما أعدله ... اذن لأحزنه ما كان الهاه ... قال الغزالي في الأحياء قال أبو زكريا التيمي بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام اذ أتوي بحجر منقوش فطلب من يقرأه فأوتي بوهب بن منبه فاذا فيه ابن آدم انك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت من حرصك وحيلك وانما يلقاك غدا ندمك لو قد زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك ففارقك الولد والقريب ورفضك الوالد والنسيب فلا أنت الى دنياك عائد ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة فبكى سليمان بكاء شديدا انتهى وباقي الآية بين ثم رجى تبارك وتعالى عبادع بقوله الله لطيف بعباده ولطيف هنا بمعنى رفيق متحف والعباد هنا المؤمنون وقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة معناه ارادة مستعد عامل لا ارادة متمن مسوف والحرث في هذه الآية عبارة عن السعي والتكسب والاعداد وقوله تعالى نزد له في حرثه وعد متنجز قال الفخر وفي تفسير قوله نزد له في حرثه قولان الأول نزد له في توفيقه واعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه وقال مقاتل نزد له في حرثه بتضعيف الثواب قال تعالى ليوفيهمم أجورهم ويزيدهم من فضله انتهى وقوله ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها معناه ما شئنا منها ولمن شئنا فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره نعوذ بالله من ذلك وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة وقوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله أم هذه منقطعة لا معادلة وهي بتقدير بل وألف الاستفهاك والشركاء في هذه الآية يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم ويكون الضمير في لهم للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام فالاشتراك هاهنا هو في الكفر والغواية وليس بشركة الاشراك بالله ويحتمل أن يكون المراد بالشركاء الأصنام والأوثان على معنى أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته ويكون الضمير في شرعوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم والضمير في لهم للاصنام الشركاء وشرعوا معناه أثبتوا ونهجوا ورسموا والدين هنا العوائد والأحكام والسيرة ويدخل في ذلك أيضا المعتقدات السوء لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعا فاسدة وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم للدار الآخرة والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم وقوله تعالى ترى الظالمين هي رؤية بصر ومشفقين حال وليس لهم في هذا الاشفاق مدح لأنهم انما شفقوا حين نزل بهم وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من أمر الساعة كما تقدم وهو واقع بهم أبو حيان ضمير هو عائد على العذاب أو على ما كسبوا بحذف مضاف أي وبال ما كسبوا انتهى والروضات المواضع المونقة النضرة وقوله تعالى ذلك الذي يبشر الله عباده اشارة الى قوله تعالى في الآية الأخرى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا وقوله تعالى قل لا أسلألكم عليه أجرا الا المودة في القربى اختلف الناس في معناه فقال ابن عباس وغيره هي آية مكية نزلت في صدر الاسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسالكم على القرآن الا أن تودوني لقرابة بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم قال ابن عباس وابن اسحاق وقتادة ولم يكن في قريش بطن الا وللنبي صلى الله عليه و سلم فيه نسب أو صهر فالآية على هذا فيها استعطاف ما ودفع اذى وطلب سلامة منهم وذلك كله منسوخ بآية السيف ويحتمل هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم أي لا اسالكم غرامة ولا شيئا إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم قال ع وقريش كلها عندي قربى وان كانت تتفاضل وقد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من مات على حب آل محمد مات شهيدا ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة وقال ابن عباس أيضا ما يقتضي أن الآية مدنية وأن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه و سلم مالا وساقته اليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك وقيل غير هذا وعلى كل قول فالاستثناء منقطع والا بمعنى لكن ويقترف معناه يكتسب ورجل قرفة اذا كان محتالا كسوبا وغفور معناه ساتر عيوب عباده وشكور معناه مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل وقوله تعالى أن يقولون افترى على الله كذبا أم هذه مقطوعة مضمنة اضرابا عن كلام متقدم وتقريرا على هذه المقالة منهم وقوله تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين ينسيك القرآن والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان ابطالها كأنه يقول وكيف يصح أن تكون مفتريا وأنت من الله بمرأى ومسمع وهو قادر لو شاء أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراءك فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارا واقتصارا وقال مجاهد المعنى فإن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر لأذى الكفار ويربط عليك بالجلد فهذا تاويل لا يتضمن الرد على مقالتهم قال أبو حيان وذكر القشيري أن الخطاب للكفار أي يختم على قلبك أيها القائل فيكون انتقالا من الغيبة للخطاب ويمح استئناف اخبار لا داخل في الجواب وتسقط الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين ومن المصحف حملا على اللفظ انتهى وقوله تعالى ويمح فعل مستقبل خبر من الله تعالى أنه يمحو الباطل ولا بد أما في الدنيا وأما في الآخرة وهذا بحسب نازلة نازلة وكتب يمح في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا ويدع الانسان الى غير ذلك مما ذهبوا فيه الى الحذف والاختصار وقوله بكلماته معناه بما سبق في قديم علمه وارادته من كون الأشياء فالكلمات المعاني القائمة القديمة التي لا تبديل لها ثم ذكر تعالى النعمة في تفضله بقبول التوبة من عباده وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله مقطوع به بهذه الآية وأما ما سلف من أعماله فينقسم فأما التوية من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفائتة وغير ذلك وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة فيها قولان هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه فقالت فرقة هي مذهبة لها وقالت فرقة هي في مشيئة الله تعالى وأجمعوا أنها لا تذهب مظالم العباد وحقيقة التوبة الاقلاع عن المعاصي والاقبال والرجوع الى الطاعات ويلزمها الندم على ما فات والعزم على ملازمة الخيرات وقال سري السقطي التوبة العزم على ترك الذنوب والاقبال بالقلب على علام الغيوب وقال يحيى بن معاذ التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على راس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام وقوله تعالى عن عباده بمعنى من عباده وكأنه قال التوبة الصادرة عن عباده وقرأ الجمهور يفعلون بالياء على الغيبة وقرأ حمزة والكسائي تفعلون بالتاء على المخاطبة وفي الآية توعد وقوله تعالى ويستجيب قال الزجاج وغيره معناه يجيب والعرب تقول اجاب واستجاب بمعنى والذين على هذا التأويل مفعول يستجيب وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ونحوه عن ابن عباس وقالت فرقة المعنى ويستدعي الذين آمنوا الاجابة من ربهم بالأعمال الصالحات ودل قوله ويزيدهم من فضله على أن المعنى فيجيبهم والذين على هذا القول فاعل يستجيب وقالت فرقة المعنى ويجيب المؤمنون ربهم فالذين فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ورسالته والزيادة من فضله هي تضعيف الحسنات وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال هي قبول الشفاعات في المذنبين والرضوان وقوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء أنه بعباده خبير بصير قال عمرو ابن حريث وغيره أنها نزلت لأن قوما من أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق فعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وافسادهم ولكنه عز و جل أعلم بالمصلحة في كل أحد أنه بعباده خبير بصير بمصالحهم فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم فرب انسان لا يصلح وتنكف عاديته الا بالفقر ت وقد ذكرنا في هذا المختصر أحاديث كثيرة مختارة في فضل الفقراء الصابرين ما فيه كفاية لمن وفق وقد روى ابن المبارك في رقائقه عن سعيد بن المسيب قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة قال هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا قال يا رسول الله فهم أول الناس يدخلون الجنة قال لا قال فمن أول الناس يدخل الجنة قال الفقراء يسبقون الناس الى الجنة فتخرج اليهم منها ملائكة فيقولون ارجعوا الىالحساب فيقولون على ما نحاسب والله ما أفيضت علينا الأموال في الدنيا فنقبض فيها ونبسط وما كنا أمراء نعدل ونجور ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين انتهى وقوله عز و جل وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا الآية تعديد نعم الله الدالة على وحدانيته وانه المولى الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه من الأنداد وقرأ الجمهور قنطوا بفتح النون وقرأ الأعمش قنطوا بكسرها وهما لغتان وروي أن عمر رضي الله عنه قيل له أجدبت الأرض وقنط الناس فقال مطروا اذن بمعنى أن الفرج عند الشدة وقوله تعالى وينشر رحمته قيل اراد بالرحمة المطر وقيل اراد بالرحمة هنا الشمس فذلك تعديد نعمة غير الأولى وذلك أن المطر اذا الم بعد القنط حسن موقعه فاذا دام سئم فتجيء الشمس بعده عظيمة الموقع وقوله تعالى وهو الولي الحميد أي من هذه أفعاله هو الذي ينفع اذا والى وتحمد أفعاله ونعمه قال القشيري اسمه تعالى الولي هو المتولي لأحوال عباده وقيل هو من الوالي وهو الناصر فأولياء الله أنصار دينه وأشياع طاعته والوالي في صفة العبد من يواظب على طاعة ربه ومن علامات من يكون الحق سبحانه وليه أن يصونه ويكفيه في جميع الأحوال ويؤمنه فيغار على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو جلب نفع بل يكون سبحانه هو القائم على قلبه في كل نفس فيحقق آماله عند اشاراته ويعجل مآربه عند خطراته ومن أمارات ولايته لعبده أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءا أو قصد محظورا عصمه عن ارتكابه أولوا جنح الى تقصير في طاعة أبى الا توفيقا وتأييدا وهذا من أمارت السعادة وعكس هذا من إمارت الشقاوة ومن أمارات ولايته أيضا أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه انتهى من التحبير ثم ذكر تعالى الآية الكبرى الدالة على الصانع وذلك خلق السماوات والأرض وقوله تعالى وما بث فيهما من دابة يتخرج على وجوه منها أن يريد أحدهما وهو ما بث في الأرض دون السموات ومنها أن يكون تعالى قد خلق في السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن ومنها أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب وقد تقع أحيانا كالضفادع ونحوها فان السحاب داخل في اسم السماء وقوله تعالى وهو على جمعهم يريد يوم القيامة عند الحشر من القبور وقوله تعالى وما اصابكم من مصيبة قرأ جمهور القراء فبما بفاء وكذلك هي في جل المصاحف وقرأ نافع وابن عامر بما دون فاء قال أبو علي الفارسي أصاب من قوله وما أصابكم يحتمل أن يكون في موضع جزم وتكون ما شرطية وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه وجوز حذفها ابو الحسن الأخفش وبعض البغداديين على أنها مرادة في المعنى ويحتمل أن يكون أصاب صلة لما وتكون ما بمعنى الذي وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم أي لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة والمصيبة انما هي بكسب الأيدي ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم ويجوز أن يعرى منه قال ع وأما في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه فقالت فرقة هو اخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا انما هي مجازات من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق الا بذنب وما يعفو عنه أكثر وقال مرة الهمداني رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا فقال هذا بما كسبت يدي ويعفو الله عن كثير وقيل لأبي سليمان الداراني ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء اليهم فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما اصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه وقال الحسن معنى الآية في الحدود أي ما أصابكم من حد من حدود الله فبما كسبت أيديكم ويعفو الله عن كثير فيستره على العبد حتى لا يحد عليه ثم أخبر تعالى عن قصور ابن آدم وضعفه وأنه في قبضة القدرة لا يعجز طلب ربه ولا يمكنه الفرار منه والجواري جمع جارية وهي السفينة والاعلام الجبال وباقي الآية بين فيه الموعظة وتشريف الصبار الشكور وقوله تعالى أو يوبقهن بما كسبوا أوبقت الرجل اذا أنشبته في أمر يهلك فيه وهو في السفن تغريقها وبما كسبوا أي بذنوب ركابها وقرأ نافع وابن عامر ويعلم بالرفع على القطع والاستئناف وقرأ الباقون والجمهور ويعلم بالنصب على تقدير أن والمحيص المنجي وموضع الروغان ثم وعظ سبحانه عباده وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها ورغبهم فيما عنده من النعيم والمنزلة الرفيعة لديه وعظم قدر ذلك في قوله فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وقرأ الجمهور كبائر على الجمع قال الحسن هي كل ما توعد فيه بالنار وقد تقدم ما ذكره الناس في الكبائر في سورة النساء وغيرها والفواحش قال السدي الزنا وقال مقاتل موجبات الحدود وقوله تعالى واذا ما غضبوا هم يغفرون حض على كسر الغضب والتدرب في أطفائه اذ هو جمرة من جهنم وباب من أبوابها وقال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم أوصني قال لا تغضب قال زدني قال لا تغضب قال زدني قال لا تغضب ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي هما عظيما في دنياه وآخرته ت وروى مالك في الموطأ إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تغضب قال أبو عمر بن عبد البر اراد علمني ما ينفعني بكلمات قليلة ليلا أنسى إن أكثرت علي ثم اسند أبو عمر من طرق عن الأحنف بن قيس عن عمه جارية بن قدامة أنه قال يا رسول الله قل لي قولا ينفعني الله به واقلل لي لعلي أعقله قال لا تغضب فأعاد عليه مرارا كلها يرجع اليه رسول الله لا تغضب انتهى من التمهيد واسند أبو عمر في التمهيد أيضا عن عبد الله بن ابي الهذيل قال لما رأى يحيى أن عيسى مفارقه قال له أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع قال لا تقتن مالا قال عسى انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كف لسانه عن اعراض المسلمين أقاله الله عثرته يوم القيامة ومن كف غضبه عنهم وقاه الله عذابه يوم القيامة قال ابن المبارك وأخبرنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال ان الله تبارك وتعالى يقول من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن ذكرني حين يغضب ذكرته حين أغضب فلم أمحقه فيمن أمحق انتهى وقوله تعالى والذين استجابوا مدح لكل من آمن بالله وقبل شرعه ومدح الله تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الايدي والتعاضد على الخير وفي الحديث ما تشاور قوم قط الا هدوا لأحسن ما بحضرتهم وقوله تعالى ومما رزقناهم يتفقون معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وقال ابن زيد قوله تعالى والذين استجابوا لربهم الآية نزلت في الأنصار والظاهر أن الله تعالى مدح كل من انصف بهذه الصفة كائنا من كان وهل حصل الانصار في هذه الصفة الا بعد سبق المهاجرين اليها رضي الله عن جميعهم بمنه وقوله عز و جل والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون مدح سبحانه في هذه الآية قوما بالانتصار ممن بغى عليهم ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا الانتصار بالواجب تغيير منكر قال الثعلبي قال ابراهيم النخعي في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فاذا قدروا عفوا انتهى وقوله سبحانه وجزاء سيئة سيئة مثلها قيل سمى الجزاء باسم الابتداء وان لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة قال ع وإن أخذنا السيئة هنا بمعنى المصيبة في حق البشر أي يسوء هذا هذا ويسوءه الآخر فلسنا نحتاج الى أن نقول سمة العقوبة باسم الذنب بل الفعل الأول والآخر سيئة قال الفخر اعلم أنه تعالى لما قال والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل فان النقصان حيث والزيادة ظلم والمساواة هو العدل فلهذا السبب قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها انتهى ويدل على ذلك قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ونحوه من الآي واللام في قوله ولمن انتصر بعد ظلمه لام التقاء القسم وقوله من سبيل يريد من سبيل حرج ولا سبيل حكم وهذا ابلاغ في اباحة الانتصار والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك أو بين المؤمنين وقوله تعالى انما السبيل على الذين يظلمون الناس الآية المعنى انما السبيل الحكم والاثم على الذين يظلمون الناس روى الترمذي عن كعب بن عجرة قال قال لي النبي صلى الله عليه و سلم أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون فمن غشي ابوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض يا كعب الصلاة برهان والصبر جنة حصينة والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفئ الماء النار يا كعب أنه لا يربو لحم نبت من سحت الا كانت النار أولى به قال أبو عيسى هذا حديث حسن وخرجه ايضا في كتاب الفتن وصححه انتهى وقوله تعالى انما السبيل الى قوله اليم اعتراض بين الكلامين ثم عاد في قوله ولمن صبر الى الكلام الأول كأنه قال ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر الآية واللام في قوله ولمن صبر يصح أن تكون لام قسم ويصح أن تكون لام الابتداء وعزم الأمور محكمها ومتقنها والحميد العاقبة منها فمن رأيى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الصبر للمشركين كان أفضل قال أن الآية نسخت بآية السيف ومن رأى أن الآية بين المؤمنين قال هي محكمة والصبر والغفران أفضل اجماعا وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فيقوم عنق من الناس كبير فيقال ما أجركم فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا في الدنيا وقوله تعالى ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده تحقير لأمر الكفرة أي فلا يبالي بهم أحد من المؤمنين لأنهم صائرون الى ما لا فلاح لهم معه ثم وصف تعالى لنبيه حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب وقولهم هل الى مرد من سبيل ومرادهم الرد الىالدنيا والرؤية هنا رؤية عين والضمير في قوله عليها عائد على النار وان لم يتقدم لها ذكر من حيث دل عليها قوله رأوا العذاب وقوله من الذل يتعلق بخاشعين وقوله تعالى ينظرون من طرف خفي قال قتادة والسدي المعنى يسارقون النظر لما كانوا فيه هنا من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين وانما ينظرون ببعضها قال الثعلبي قال يونس من بمعنى الباء أي ينظرون بطرف خفي أي ضعيف من أجل الذل والخوف ونحوه عن الأخفش انتهى وفي البخاري من طرف خفي أي ذليل وقوله تعالى وقال الذين آمنوا أن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القامة الآية وقول الذين آمنوا هو في يوم القيامة عند ما عاينوا حال الكفار وسوء منقلبهم وقوله تعالى الا ان الظالمين في عذاب مقيم يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ حكاه الله عنهم ويحتمل أن يكون استئنافا من قول الله عز و جل واخباره لنبيه محمد عليه السلام وقوله تعالى وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله الآية انحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها واعتقدت ذلك دينا ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته من قبل اتيان يوم القيامة الذي لا يرد أحد بعده الى عمل قال ع في الآية الأخرى في سورة ألم غلبت الروم ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ والنكير مصدر بمعنى الانكار قال الثعلبي مالكم من ملجأ أي معقل ومالكم من نكير أي من انكار على ما ينزل بكم من العذاب يغير ما بكم انتهى وقوله تعالى فإن أعرضوا الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم والانسان هنا اسم جنس وجمع الضمير في قوله تصبهم وهو عائد على لفظ الانسان من حيث هو اسم جنس وقوله تعالى لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء الآية هذه آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع وأن مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم وهذا لا مدخل لصنم فيه فان الذي يخلق ما يشاء هو الله تبار وتعالى وهو الذي يقسم الخلق فيهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الأولاد الذكور أو يزوجهم أي ينوعهم ذكرانا واناثا وقال محمد بن الحنفية يريد بقوله تعالى أو يزوجهم التوأم أي يجعل في بطن زوجا من الذرية ذكرا وانثى والعقيم الذي لا يولد له وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة وبدأ في هذه الآية بذكر الاناث تانيسا بهن ليتهم بصونهن والاحسان اليهن وقال النبي صلى الله عليه و سلم من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن اليهن كن له حجابا من النار وقال واثلة بن الأسقع من يمن المرأة تبكيرها بالانثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بذكر الاناث حكاه عنه الثعلبي قال وقال اسحاق بن بشر نزلت هذه الآية في الانبياء ثم عمت فيهب لمن يشاء اناثا يعني لوطا عليه السلام ويهب لمن يشاء الذكور يعني ابراهيم عليه السلام أو يزوجهم ذكرانا واناثا يعني نبينا محمدا عليه السلام ويجعل من يشاء عقيما يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام وقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك ذهب قريش واليهود في ذلك الى تجسيم ونحوه فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو فبين الله تعالى أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله الا بأن يوحي اليه أحد وجوه الوحي من الالهام قال مجاهد أو النفث في القلب أو وحي في منام قال النخعي وكان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزا كموسى عليه السلام وهذا معنى من وراء حجاب أي من خفاء عن المكلم لا يحده ولا يتسور بذهنه عليه وليس كالحجاب في الشاهد أو بأن يرسل اليه ملكا يشافهه بوحي الله عز و جل قال الفخر قوله فيوحي باذنه ما يشاء أي فيوحي ذلك الملك باذن الله ما يشاء الله انتهى وقرأ جمهور القراء والناس أو يرسل بالنصب فيوحي بالنصب أيضا وقرأ نافع وابن عامر وابن عباس واهل المدينة أو يرسل بالرفع فيوحي بسكون الياء وقوله أو من وراء حجاب من متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم وأن من حلف لا يكلم فلانا وهو لم ينو المشافهة ثم أرسل رسولا حنث وقوله تعالى وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا الآية المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا اليك أي بالرسول والروح في هذه الآية القرآن وهدي الشريعة سماه روحا من حيث يحي به البشر والعالم كما يحي الجسد بالروح فهذا على جهة التشبيه وقوله تعالى من أمرنا أي واحد من أمورنا ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام ومن لابتداء الغاية وقوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان توقيف على مقدار النعمة والضمير في جعلناه عائد على الكتاب ونهدي بمعنى نرشد وقرأ جمهور الناس وانك لتهدي بفتح التاء وكسر الدال وقرأ حوشب لتهدي بضم التاء وفتح الدال وقرأ عاصم لتهدي بضم التاء وكسر الدال وقوله صراط الله يعني صراط شرع الله ثم استفتح سبحانه القول في الاخبار بصيرورة الأمور اليه سبحانه مبالغة وتحقيقا وتثبيتا فقال الا الى الله تصير الأمور قال الشيخ العارف بالله أبو الحسن الشاذلي رحمه الله إن اردت أن تغلب الشر كله وتلحق الخير كله ولا يسبقك سابق وإن عمل فقل يا من له الخير كله أسألك الخير كله واعوذ بك من الشر كله فانك أنت الله الغني الغفور الرحيم أسألك بالهادي محمد صلى الله عليه و سلم الى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض الا الى الله تصير الأمور مغفرة تشرح بها صدري وتضع بها وزرى وترفع بها ذكرى وتيسر بها أمري وتنزه بها فكري وتقدس بها سري وتكشف بها ضري وترفع بها قدري انك على كل شيء قدير اه ت قوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب هذا بين وقوله ولا الايمان فيه تأويلات قيل معناه ولا شرائع الايمان ومعالمه قال ابو العالية يعني الدعوة الى الايمان وقال الحسين ابن الفضل يعني أهل الايمان من يؤمن ومن لا يؤمن وقال ابن خزيمة الايمان هنا الصلاة دليله وما كان الله ليضيع ايمانكم قال ابن ابي الجعد وغيره احترق مصحف فلم يبق منه الا الا الى الله تصير الأمور وغرق مصحف فامتحى كله الا قوله الا الى الله تصير الأمور نقله الثعلبي وغيره انتهى قال العبد الفقير الى الله تعالى عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين قد يسر الله عز و جل في تحرير هذا المختصر وقد أودعته بحمد الله جزيلا من الدرر قد استوعبت فيه بحمد الله مهمات ابن عطية وزدته فوائد جليلة من غيره وليس الخبر كالعيان توخيت فيه بحمد الله الصواب وجعلته ذخيرة عند الله ليوم المآب لا يستغني عنه المنتهي وفيه كفاية للمبتدي يستغني به عن المطولات اذ قد حصل منها لبابها وكشف عن الحقائق حجابها التعريف برحلة المؤلف رحلت في طلب العلم في أواخر القرن الثامن ودخلت بجاية في أوائل القرن التاسع فلقيت بها الأئمة المقتدى بهم اصحاب سيدي عبدالرحمن الوغليسي متوافرين فحضرت مجالسهم وكانت عمدة قراءتي بها على سيدي علي بن عثمان المانجلاتي رحمه الله بمسجد عين البربر ثن ارتحلت الى تونس فلقيت بها سيدي عيسى الغبريني والأبي والبرزلي وغيرهم وأخذت عنهم ثم ارتحلت الى المشرق فلقيت بمصر الشيخ ولي الدين العراقي فأخذت عنه علوما جمة معظمها علم الحديث وفتح الله لي فيه فتحا عظيما وكتب لي وأجازني جميع ما حضرته عليه وأطلق في غيره ثم لقيت بمكة بعض المحدثين ثم رجعت الى الديار المصرية والى تونس وشاركت من بها ولقيت بها شيخنا أبا عبد الله محمد بن مرزوق قادما لارادة الحج فأخذت عنه كثيرا وأجازني التدريس في أنواع الفنون الاسلامية وحرضني على اتمام تقييد وضعته على ابن الحاجب الفرعي ت ولما فرغت من تحرير هذا المختصر وافق قدوم شيخنا أبي عبد الله محمد بن مرزوق علينا في سفرة سافرها من تلمسان متوجها الى تونس ليصلح بين سلطانها وبين صاحب تلمسان فأوقفته على هذا الكتاب فنظر فيه وأمعن النظر فسر به سرورا كثيرا ودعا لنا بخير والله الموفق بفضله تفسير سورة الزخرف وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم حم والكتاب المبين والكتاب خفض بواو القسم والضمير في جعلناه عائد على الكتاب وأنه عطف على جعلناه وهذا الاخبار الثاني واقع أيضا تحت القسم وأم الكتاب اللوح المحفوظ وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع واختلف المتأولن كيف هو في أم الكتاب فقال قتادة وغيره القرآن بأجمعه فيه منسوخ ومنه كان جبريل ينزل وهنالك هو علي حكيم وقال جمهور الناس انما في اللوح المحفوظ ذكره ودرجته ومكانته من العلو والحكمة وقوله سبحانه أفنضرب بمعنى أفنترك تقول العرب أضربت عن كذا وضربت اذا أعرضت عنه وتركته والذكر هو الدعاء الى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه وقال ابو صالح الذكر هنا أراد به العذاب نفسه وقال الضحاك ومجاهد الذكر القرآن وقوله صفحا يحتمل أن يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب فكأنه يقول أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم وغفرا لاجرامكم من أجل إن كنتم قوما مسرفين أي هذا لا يصلح وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل قوله صفحا أن يكون بمعنى مغفولا عنه أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبره فكان المعنى أفنترككم سدى وهذا هو منحى قتادى وغيره وقرأ نافع وحمزة والكسائي ان كنتم بكسر الهمزة وهو جزاء دل ما تقدمه على جوابه وقرأ الباقون بفتحها بمعنى من أجل أن والاسراف في الآية هو كفرهم وكم أرسلنا من نبي في الأولين أي في الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وما يأتيهم من نبي الا كانوا به يستهزئون أي كما يستهزئ قومك بك وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم وتهديد بأن يصيب قريشا ما أصاب من هو أشد بطشا منهم ومضى مثل الأولين أي سلف أمرهم وسنتهم وصاروا عبرة غابر الدهر أنشد صاحب عنوان الدراية لشيخه أبي عبد الله التميمي ... يا ويح من غره دهر فسر به ... لم يخلص الصفو الا شيب بالكدر ... هو الحمام فلا تبعد زيارته ... ولا تقل ليتني منه على حذر ... انظر لمن باد تنظر آية عجبا ... وعبرة لأولي الألباب والعبر ... أين الألى جنبوا خيلا مسومة ... وشيدوا أرما خوفا من القدر ... لم تغنهم خيلهم يوما وإن كثرت ... ولم تفد أرم للحادث النكر ... بادوا فعادوا حديثا ان ذا عجب ... ما أوضح الرشد لولا سيء النظر ... تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن المقام بها كاللمح بالبصر ... انتهى وقوله سبحانه ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض من حيث اقروا بالخالق وعبدوا غيره وجاءت العبارة عن الله بالعزيز العليم ليكون ذلك توطئة لما عدد سبحانه من أوصافه التي ابتدأ الأخبار بها وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن قريش وقوله تعالى الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون الآية هذه أوصاف فعل وهي نعم من الله سبحانه على البشر تقوم بها الحجة على كل مشرك وقوله الذي جعل لكم ليس هو من قول المسؤولين بل هو ابتداء اخبار من الله تعالى وقوله سبحانه والذين نزل من السماء ماء بقدر قيل معناه بقدر في الكفاية للصلاح لا اكثار فيفسد ولا قلة فيقصر بل غيثا مغيثا وقيل بقدر أي بقضاء وحتم وقالت فرقة معناه بتقدير وتحرير أي قدر ماء معلوما ثم اختلف قائلوا هذه المقالة فقال بعضهم ينزل في كل عام ماء قدرا واحدا لا يفضل عام عاما لكن يكثر مرة هاهنا ومرة هاهنا وقال بعضهم بل ينزل تقديرا ما في عام وينزل في آخر تقديرا وما ينزل في آخر تقديرا آخر بحسب ما سبق به قضاؤه لا اله الا هو ت وبعض هذه الأقوال لا تقال من جهة الرأي بل لا بد لها من سند وأنشرنا معناه أحيينا يقال نشر الميت وأنشره الله والأزواج هنا الأنواع من كل شيء ومن في قوله من الفلك والانعام للتبعيض والضمير في ظهوره عائد على النوع المركوب الذي وقعت عليه ما وقد بينت آية اخرى ما يقال عند ركوب الفلك وهو بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم وانما هذه خاصة فيما يركب من الحيوان وان قدرنا أن ذكر النعمة هو بالقلب والتذكر بدأ الراكب بسبحان الذي سخر لنا هذا وهو يرى نعمة الله في ذلك وفي سواه ومقرنين أي مطيقين وقال أبو حيان مقرنين خبر كان ومعناه غالبين ضابطين انتهى وهو بمعنى الأول وانا الى ربنا لمنقلبون أمر بالإقرار بالبعث ت وعن حمزة بن عمرو والأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم على ظهر كل بعير شيطان فاذا ركبتموها فسموا الله رواه ابن حبان في صحيحه انتهى من السلاح وينبغي لمن ملكه الله شيئا من هذا الحيوان أن يرفق به ويحسن اليه لينال بذلك رضا الله تعالى قال القشيري في التحبير وينبغي للعبد أن يكون معظما لربه نفاعا لخلقه خيرا في قومه مشفقا على عباده فان رأس المعرفة تعظيم أمر الله سبحانه والشفقة على خلق الله انتهى وروى مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بينما رجل يمشي بطريق اذا اشتد عليه العطش فوجد بيرا فنزل فيها فشرب فخرج فاذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني فنزل البير فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له فقالوا يا رسول الله وان لنا في البهائم أجرا فقال في كل كبد رطبة أجر قال أبو عمر في التمهيد وكذا في الاساءة الى الحيوان اثم وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض ثم أسند أبو عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل حائطا من حيطان الأنصار فاذا جمل قد أتى فجرجر وذرفت عيناه فمسح رسول الله صلى الله عليه و سلم سراته وذفراه فسكن فقال من صاحب الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال هو لي يا رسول الله فقال أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله أنه شكا الي أنك تجيعه وتدئبه ومعنى ذرفت عيناه أي قطرت دموعهما قطرا ضعيفا والسراة الظهر والذفرى ما وراء الاذنين عن يمين النقرة وشمالها انتهى وقوله سبحانه وجعلوا له من عباده جزاء أي جعلت كفار قريش والعرب لله جزاء أي نصيبا وحظا وهو قول العرب الملائكة بنات الله هذا قول كثير من المتأولين وقال قتادة المراد بالجزء الاصنام وغيرها فجزءا معناه ندا ت وباقي الآية يرجح تأويل الأكثر وقوله أم اتخذوا اضراب وتقرير وتوبيخ اذ المحمود المحبوب من الاولاد قد خوله الله بني آدم فكيف يتخذ هو لنفسه النصيب الادنى وباقي الآية بين ما ذكر في سورة النحل وغيرها ثم زاد سبحانه في توبيخهم وافساد رأيهم بقوله أو من ينشأ في الحلية التقدير أو من ينشأ في الحلية هو الذي يختصم به الله عز و جل والحلية من الذهب والفضة والاحجار وينشأ معناه ينبت ويكبر والخصام المحاجة ومجاذبة المحاورة وقل ما تجد امرأة الا تفسد الكلام وتخلط المعاني وفي مصحف ابن مسعود وهو في الكلام غير مبين والتقدير غير مبين غرضا أو منزعا ونحو هذا وقال ابن زيد المراد بمن ينشأ في الحلبة الاصنام والأوثان لأنهم كانوا يجعلون الحلي على كثير منها ويتخذون كثيرا منها من الذهب والفضة وقرأ أكثر السبعة وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا وقرأ الحرميان وابن عامر عند الرحمن اناثا وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة وقوله تعالى أأشهدوا خلقهم معناه أأحضروا خلقهم وفي قوله تعالى ستكتب شهادتهم ويسئلون وعيد مفصح واسند ابن المبارك عن سليمان ابن راشد أنه بلغه أن امرا لا يشهد شهادة في الدنيا الا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الاشهاد ولا يمتدح عبدا في الدنيا الا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الاشهاد قال القرطبي في تذكرته وهذا صحيح يدل على صحته قوله تعالى ستكتب شهادتهم ويسئلون وقوله ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد انتهى وقوله سبحانه وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم الآية أي ما عبدنا الأصنام ت وقال قتادة وغيره يعني ما عبدنا الملائكة وجعل الكفار أمهال الله لهم دليلا على رضاه عنهم وان ذلك كالأمر به ثم نفى سبحانه علمهم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك وانما هم يظنون ويحدسون ويخمنون وهذا هو الخرص والتخرص والامة هنا بمعنى الملة والديانة والآية على هذا تعيب عليهم التقليد وذكر الطبري عن قوم أن الأمة الطريقة ثم ضرب الله المثل لنبيه محمد عليه السلام وجعل له الأسوة فيمن مضى من النذر والرسل وذلك أن المترفين من قومهم وهم أهل التنعم والمال قد قابلوهم بمثل هذه المقالة وفي قوله عز و جل فانتقمنا منهم الآية وعيد لقريش وضرب مثل لهم بمن سلف من الأمم المعذبة المكذبة لأنبيائها وقوله سبحانه واذ قال ابراهيم المعنى واذكر اذ قال ابراهيم لأبيه وقومه أنني براء مما تعبدون أي فافعل أنت فعله وتجلد جلده وبراء صفة تجري على الواحد والاثنين والجمع كعدل وزور وقرأ ابن مسعود بريء وقوله الا الذي فطرني قالت فرقة الاستثناء متصل وكانوا يعرفون الله ويعظمونه الا انهم كانوا يشركون معه اصنامهم فكان ابراهيم قال لهم انا لا أوافقكم الا على عبادة الله الذي فطرني وقالت فرقة الاستثناء منقطع والمعنى لكن الذي فطرني هو معبودي الهادي المنجي من العذاب وفي هذا استدعاء لهم وترغيب في طاعة الله وتطميع في رحمته والضمير في قوله وجعلها كلمة الآية قالت فرقة هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله انني براء وقال مجاهد وغيره المراد بالكلمة لا اله الا الله وعاد عليها الضمير وان كان لم يجر لها ذكران اللفظ يتضمنها والعقب الذرية وولد الولد ما امتد فرعهم وقوله بل متعت هؤلاء يعني قريشا حتى جاءهم الحق ورسول وذلك هو شرع الاسلام والرسول هو محمد صلى الله عليه و سلم ومبين أي يبين لهم الاحكام والمعنى في الآية بل أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة ولما جاءهم الحق يعني القرآن قالوا هذا سحر وقالوا يعني قريشا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين يعني من إحدى القريتين وهما مكة والطائف ورجل مكة هو الوليد بن المغيرة في قول ابن عباس وغيره وقال مجاهد هو عتبة بن ربيعة وقيل غير هذا ورجل الطائف قال قتادة هو عروة بن مسعود وقيل غير هذا قال ع وانما قصدوا الى من عظم ذكره بالسن والا فرسول الله صلى الله عليه و سلم كان أعظم من هؤلاء اذ كان المسمى عندهم الأمين ثم وبخهم سبحانه بقوله أهم يقسمون رحمة ربك والرحمة اسم عام يشمل النبوة وغيرها وفي قوله تعالى نحن قسمنا بينهم معيشتهم تزهيد السعايات وعون على التوكل على الله عز و جل ولله در القائل ... كم جاهل يملك دورا وقرى ... وعالم يسكن بيتا بالكرا ... لما سمعنا قوله سبحانه ... نحن قسمنا بينهم زال المرا ... وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اذا أراد الله بعبد خيرا ارضاه بما قسم له وبارك له فيه واذا لم يرد به خيرا لم يرضه بما قسم له ولم يبارك له فيه انتهى وسخريا بمعنى التسخير ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية وقوله تعالى ورحمة ربك خير مما يجمعون قال قتادة والسدي يعني الجنة قال ع ولا شك أن الجنة هي الغاية ورحمة الله في الدنيا بالهداية والايمان خير من كل مال وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا وتزهيد فيها ثم استمر القول في تحقيرها بقوله سبحانه ولولا أن يكون الناس أمة واحدة الآية وذلك أن معنى الآية أن الله سبحانه ابقى على عباده وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والايمان وشاء حفظه على طائفة منهم بقية الدهر ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسع الله على الكفار وغاية التوسعة ومكنهم من الدنيا وذلك لحقارتها عنده سبحانه وانها لا قدر لها ولا وزن لفنائها وذهاب رسومها فقوله أمة واحدة معناه في الكفر قاله ابن عباس وغيره ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه و سلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن علقمة عن عبد الله قال اضطجع رسول الله صلى الله عليه و سلم على حصير فاثر الحصير في جنبه فلما استيقظ جعلت امسح عنه وأقول يا رسول الله الا آذيتني قبل أن تنام على هذا الحصير فابسط لك عليه شيئا يقيك منه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم مالي وللدنيا وما للدنيا الا كراكب استظل في فيء أو ظل شجرة ثم راح وتركها انتهى وقد خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وسقفا جمع سقف والمعارج الأدراج التي يطلع عليها قاله ابن عباس وغيره ويظهرون معناه يعلون ومنه حديث عائشة رضي الله عنها والشمس في حجرتها لم تظهر بعد والسرر جمع سرير قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي هو الذهب وقالت فرقة الزخرف التزاويق والنقش ونحوه وشاهده حتى اذا أخذت الأرض زخرفها وقرأ الجمهور وأن كل ذلك لما بتخفيف الميم من لما فان المخففة من الثقيلة واللام في لما داخلة لتفصل بين النفي والايجاب وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه بتشديد الميم من لما فان نافية بمعنى ما ولما بمعنى الا أي وما كل ذلك الا متاع الحياة الدنيا وفي قوله سبحانه والآخرة عند ربك للمتقفين وعد كريم وتحريض على لزوم التقوى اذ في الآخرة هو التباين الحقيقي في المنازل قال الفخر بين تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا وأما الآخرة فهي باقية دائمة وهي عند الله وفي حكمه للمتقين المعرضين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى انتهى وقوله عز و جل ومن يعش عن ذكر الرحمن الآية وعشا يعشو معناه قل الابصار منه ويقال أيضا عشي الرجل يعشى اذا فسد بصره فلم ير أو لم ير الا قليلا فالمعنى في الآية ومن يقل بصره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الرحمن أي فيما ذكر به عباده أي فيما أنزله من كتابه وأوحاه الى نبيه وقوله نقيض له شيطانا أي نيسر له ونعد وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح وهذا كما يقال ان الله تعالى يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي ويجازي على الحسنة بالتزيد من الحسنات وقد روى هذا المعنى مرفوعا قال ص - ومن يعش الجمهور بضم الشين أي يتعام ويتجاهل فمن شرطية ويعش مجزوم بها ونقيض جواب من انتهى والضمير في قوله وانهم عائد على الشياطين وفيما بعده عائد على الكفار وقرأ نافع وغيره حتى اذا جاءنا على التثنية يريد العاشي والقرين قاله قتادة وغيره وقرأ أبو عمرو وغيره جاءنا يريد العاشي وحده وفاعل قال هو العاشي قال الفخر وروى أن الكافر اذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ الشيطان بيده فلم يفارقه حتى يصيرهما الله الى النار فذلك حيث يقول يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين انتهى وقوله بعد المشرقين يحتمل معانيا أحدها أن يريد بعد المشرق من المغرب فسماهما مشرقين كما يقال القمران والعمران والثاني أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم ومشرقها في أقصر يوم والثالث أن يريد بعد المشرقين من المغربين فاكتفى بذكر المشرقين ت واستبعد الفخر التأويل الثاني قال لأن المقصود من قوله يا ليت بين وبينك بعد المشرقين المبالغة في حصول البعد وهذا المبالغة انما نحصل عند ذكر بعد لا يمكن وجود بعد أزيد منه والبعد بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك فيبعد حمل اللفظ عليه قال والاكثرون على التأويل الأول انتهى وقوله تعالى ولن ينفعكم اليوم الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم القيامة وهي مقالة موحشة فيها زيادة تعذيب لهم ويأس من كل خير وفاعل ينفعكم الاشتراك ويجوز أن يكون فاعل ينفعكم التبري الذي يدل عليه قوله يا ليت وقوله سبحانه أفأنت تسمع الصم الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وباقي الآية تكرر معناه غير ما مرة وقوله تعالى فاستمسك بالذي أوحى اليك أي بما جاءك من عند الله من الوحي المتلو وغيره وقوله وانه لذكر لك يحتمل أن يريد وانه لشرف فى الدنيا لك ولقومك يعنى قريشا قاله ابن عباس وغيره ويحتمل ان يريد لتذكرة وموعظة فالقوم على هذا امته بأجمعها وهذا قول الحسن بن أبي الحسن وقوله وسوف تسئلون قال ابن عباس وغيره معناه عن أوامر القرآن ونواهييه وقال الحسن معناه عن شكر النعمة فيه واللفظ يحتمل هذا كله ويعمه وقوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية قال ابن زيد والزهري أما أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يسأل الرسل ليلة الاسراء عن هذا لأنه كان أثبت يقينا من ذلك ولم يكن في شك وقال ابن عباس وغيره أراد واسأل اتباع من أرسلنا وحملة شرائعهم وفي قراءة ابن مسعود وأبي واسأل الذين أرسلنا اليهم ت قال عياض قوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك الآية الخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد المشركون قاله القتبي ثم قال عياض والمراد بهذا الاعلام بأن الله عز و جل لم يأذن في عبادة غيره لأحد ردا على مشركي العرب وغيرهم في قولهم ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى انتهى وقوله سبحانه ولقد أرسلنا موسى بآياتنا الآية ضرب مثل وأسوة للنبي صلى الله عليه و سلم بموسى عليه السلام ولكفار قريش بقوم فرعون وقوله وأخذناهم بالعذاب أي كالطوفان والجراد والقمل والضفادع وغير ذلك لعلهم يرجعون أي يتوبون ويرجعون عن كفرهم وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى يا ايه الساحر أي العالم وانما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير لأن علم السحر عندهم كان علما عظيما وقيل انما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والأول أرجح وقولهم ادع لنا ربك بما عهد عندك اننا لمهتدون أي ان نفعتنا دعوتك وقوله أليس لي ملك مصر الآية مصر من بحر الاسكندرية الى أسوان بطول النيل والأنهار التي أشار اليها هي الخلجان الكبار الخارجة من النيل وقوله أم أنا خير قال سيبويه أم هذه المعادلة والمعنى أفأنتم لا تبصرون أم تبصرون وقالت فرقة أم بمعنى بل وقرأ بعض الناس اما أنا خير حكاه الفراء وفي مصحف أبي بن كعب أم أنا خير أم هذا ومهين معناه ضعيف ولا يكاد يبين اشارة الى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة وكانت أحدثت في لسانه عقدة فلما دعا في أن تحل ليفقه قوله أجيبت دعوته لكنه بقي أثر كان البيان يقع معه فعيره فرعون به وقوله ولا يكاد يبين يقتضي انه كان يبين وقوله فلولا ألقي عليه يريد من السماء على معنى التكرمة وقرأ الجمهور أساورة وقرأ حفص عن عاصم أسورة وهو ما يجعل في الذراع من الحلي وكانت عادة الرجال يومئذ لبس ذلك والتزين به ت وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أنهم كانوا اذا سودوا رجال سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته فقال فرعون هلا القي رب موسى على موسى أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين متتابعين يقارن بعضهم بعضا يمشون معه شاهدين له انتهى وقال ع قوله مقترنين أي يحمونه ويشهدون له ويقيمون حجته ت وما تقدم لغيره أحسن ولا يشك أن فرعون شاهد من حماية الله لموسى أمورا لم يبق معه شك في أن الله قد منعه منه وقوله سبحانه ءاسفونا معناه اغضبونا بلا خلاف وقوله فجعلناهم سلفا السلف الفارط المتقدم أي جعلناهم متقدمين في الهلاك ليتعظ بهم من بعدهم الى يوم القيامة وقال البخاري قال قتادة مثلا للآخرين عظة انتهى وقوله سبحانه ولما ضرب ابن مريم مثلا الآية روى عن ابن عياش وغيره في تفسيرها أنه لما نزلت أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم الآية وكون عيسى من غير فحل قالت قريش ما يريد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم وقوله تعالى وقالوا أآلهتنا خير ام هو هذا ابتداء معنى ثان وذلك أنه لما نزل انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم الآية قال ابن الزبعري ونظراؤه يا محمد أآلهتنا خير أم عيسى فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى اذ هو خير منها واذ قد عبد فهو من الحصب اذن فقال الله تعالى ما ضربوه لك الأجدلا ومغالطة ونسوا أن عيسى لم يعبد برضى منه وقالت فرقة المراد بهو محمد صلى الله عليه و سلم وهو قول قتادة وفي مصحف أبي خير أم هذه فالاشارة الى نبينا محمد عليه السلام وقال ابن زيد وغيره المراد بهو عيسى وهذا هو الراجح ثم أخبر تعالى عنهم أنهم أهل خصام ولدد وأخبر عن عيسى بقوله أن هو الأعبد أنعمنا عليه أي بالنبوءة والمنزلة العالية ت وروينا في جامع الترمذي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه الا أتوا الجدل ثم تلا هذه الآية ما ضربوه لك الأجدلا بل هم قوم خصمون قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله وجعلناه مثلا أي عبرة وآية لبني اسرائيل والمعنى لا تستغربوا أن يخلق عيسى من غير فحل فان القدرة تقتضي ذلك وأكثر منه وقوله ولو نشاء لجعلنا منكم معناه لجعلنا بدلا منكم أي لو شاء الله لجعل بدلا من بني آدم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون بني آدم فيها وقال ابن عباس ومجاهد يخلف بعضهم بعضا والضمير في قوله وانه لعلم قال ابن عباس وغيره الاشارة به الى عيسى وقالت فرقة الى محمد وقال قتادة وغيره الى القرآن ت وكذا نقل أبو حيان هذه الأقوال الثلاثة ولو قيل أنه ضمير الأمر والشأن استعظاما واستهولا الأمر الآخرة ما بعد بل هو المتبادر الى الذهن يدل عليه فلا تمترن بها والله اعلم وقرأ ابن عباس وجماعة لعلم بفتح العين واللام أي امارة وقرأ عكرمة للعلم بلا مين الأولى مفتوحة وقرأ أبي لذكر للساعة فمن قال ان الاشارة الى عيسى حسن مع تأويله علم وعلم أي هو اشعار بالساعة وشرط من أشراطها يعني خروجه في آخر الزمان وكذلك من قال الاشارة الى النبي صلى الله عليه و سلم أي هو آخر الأنبياء وقد قال بعثت أنا والساعة كهاتين يعني السبابة والوسطى ومن قال الاشارة الى القرآن حسن قوله مع قراءة الجمهور أي يعلمكم بها وبأهوالها وقوله هذا صراط مستقيم اشارة الى الشرع وقوله تعالى ولما جاء عيسى بالبينات يعين احياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص وغير ذلك وباقي الآية تكرر معناه وقوله هذا صراط مستقيم حكاية عن عيسى عليه السلام اذ أشار الى شرعه وقوله سبحانه هل ينظرون يعني قريشا والمعنى ينتظرون وبغتة معناه فجأة ثم وصف سبحانه بعض حال القيامة فقال الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو وذلك لهول مطلعها والخوف المطيف بالناس فيها يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقي لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من قبل خليله وأما المتقون فيرون أن النفع دخل من بعضهم على بعض هذا معنى كلام علي رضي الله عنه وخرج البزار عن ابن عباس قال قيل يا رسول الله أي جلسائنا خير قال من ذكركم بالله رؤيته وزادكم في علمكم منطقه وذكركم بالله عمله اه فمن مثل هؤلاء تصلح الأخوة الحقيقية والله المستعان ومن كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه دليل تخليطك صحبتك للمخلطين ودليل انقطاعك صحبتك للمنقطعين وقال ابن عطاء الله في التنوير قل ما تصفو لك الطاعات أو تسلم من المخالفات مع الدخول في الأسباب لاستلزامها لمعاشرة الأضداد ومخالطة أهل الغفلة والبعاد وأكثر ما يعينك على الطاعات رؤية المطيعين وأكثر ما يدخلك في الذنب رؤية المذنبين كما قال عليه السلام المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل والنفس من شانها التشبه والمحاكاة بصفات من قارنها فصحبة الغافلين معينة لها على وجود الغفلة انتهى وفي الحكم الفارقية من ناسب شيئا انجذب إليه وظهر وصفه عليه وفي سماع العتبية قال مالك لا تصحب فاجرا ليلا تتعلم من فجوره قال ابن رشد لا ينبغي أن يصحب الا من يقتدى به في دينه وخيره لأن قرين السوء يردى قال الحكيم ... إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى ... ... عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى ... انتهى ت وحديث المرء على دين خليله أخرجه أبو داود وأبو بكر بن الخطيب وغيرهما وفي الموطأ من حديث معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله ص - يقول قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتباذلين في والمتزاورين في قال أبو عمر اسناده صحيح عن أبي ادريس الخولاني عن معاذ وقد رواه جماعة عن معاذ ثم اسند أبو عمر من طريق ابي مسلم الخولاني عن معاذ قال سمعت رسول الله ص - يقول المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله قال أبو مسلم فخرجت فلقيت عبادة بن الصامت فذكرت له حديث معاذ فقال وانا سمعت رسول الله ص - يحكي عن ربه قال حقت محبتي على المتحابين في وحقت محبتي على المتزاورين في وحقت محبتي على المتباذلين في والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله انتهى من التمهيد وقوله تعالى يا عبادي المعني يقال لهم أي للمتقين وذكر الطبري عن المعتمر عن ابيه انه قال سمعت ان الناس حين يبعثون ليس منهم احد إله فزع فينادي مناد يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا انتم تحزنون فيرجوها الناس كلهم فيتبعها الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين قال فييأس منها جميع الكفار وقوله الذين امنوا نعت للعباد وتحبرون معناه تنعمون وتسرون والحبرة السرور والاكواب ضرب من الاواني كالاباريق الا انها لا آذان لها ولا مقابض وقوله تعالى ان المجرمين يعني الكفار والمبلس المبعد اليائس من الخير قاله قتادة وغيره وقولهم ليقض علينا ربك أي ليمتنا ربك فنستريح فالقضاء في هذه الآية الموت كما في قوله تعالى فوكزه موسى فقضى عليه وروي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أن مالكا يقيم بعد سؤالهم الف سنة ثم حينئذ يقول لهم انكم ماكثون وقوله سبحانه لقد جئناكم يحتمل أن يكون من تمام قول مالك لهم ويحتمل ان يكون من قول الله تعالى لقريش فيكون فيه تخويف فصيح بمعنى انظروا كيف يكون حالكم وقوله تعالى ام ابرموا امرا أي احكموا امرا في المكر بالنبي ص - فانا مبرمون أي محكمون امرا في نصره ومجازاتهم والمراد بالرسل هنا الحفظة من الملائكة يكتبون اعمال العباد وتعد للجزاء يوم القيامة واختلف في قوله تعالى قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين فقال مجاهد المعنىان كان لله ولد في قولكم فانا اول من عبد الله ووحده وكذبكم وقال ابن زيد وغيره ان نافية بمعنى ما فكأنه قال قل ما كان للرحمن ولد وهنا هو الوقف على هذا التأويل ثم يبتدىء قوله فانا اول العابدين قال ابو حاتم قالت فرقة العابدون فى الآية من عبد الرجل اذا انف وانكر والمعنى ان كان للرحمن ولد فى قولكم فانا اول الآنفين المنكرين لذلك وقرأ ابو عبد الرحمن فانا اول العبدين قال حاتم العبد بكسر الباء الشديد الغضب وقال ابو عبيدة معناه اول الجاحدين والعرب تقول عبدني حقي أي جحدني وباقي الآية تنزيه لله سبحانه ووعيد للكافرين ويومهم الذي يوعدون هو يوم القيامة هذا قول الجمهور وقال عكرمة وغيره هو يوم بدر وقوله جلت عظمته وهو الذي في السماء اله الآية اية تعظيم واخبار بألوهيته سبحانه أي هو النافذ امره في كل شيء وقرأ عمر بن الخطاب وابي وابن مسعود وغيرهم وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله وباقي الآية بين ثم اعلم سبحانه ان من عبد من دون الله لا يملك شفاعة يوم القيامة الا من شهد بالحق وهم الملائكة وعيسى وعزير فانهم يملكون الشفاعة بان يملكها الله اياهم اذ هم ممن شهد بالحق وهم يعلمونه فالاستثناء على هذا التاويل متصل وهو تأويل قتادة وقال مجاهد وغيره الاستثناء في المشفوع فيهم فكانه قال لا يشفع هؤلاء الملائكة وعيسى وعزير الا فيمن شهد بالحق أي بالتوحيد فأمن على علم وبصيرة فالاستثناء على هذا التأويل منفصل كانه قال لكن من شهد بالحق فيشفع فيهم هؤلاء والتاويل الاول اصوب وقرأ الجمهور وقيله بالنصب وهو مصدر كالقول والضمير فيه لنبينا محمد ص - واختلف في الناصب له فقالت فرقة هو معطوف على قوله سرهم ونجواهم ولفظ البخاري وقيله يا رب تفسيره ايحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم ولا نسمع قيله يا رب انتهى وقيل العامل فيه يكتبون ونزل قوله تعالى وقيله يا رب بمنزلة شكوى محمد عليه السلام واستغاثته من كفرهم وعتوهم وقرأ حمزة وعاصم وقيله بالخفض عطفا على الساعة وقوله سبحانه فاصفح عنهم موادعة منسوخة وقل سلام تقديره امرى سلام أي مسالمة فسوف تعلمون تفسير سورة الدخان وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم حم والكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة الآية قوله والكتاب المبين قسم اقسم الله تعالى به وقوله انا انزلناه يحتمل ان يقع القسم عليه ويحتمل ان يكون وصفا للكتاب ويكون الذي وقع القسم عليه انا كنا منذرين واختلف في تعينن الليلة المباركة فقال قتادة والحسن وابن زيد هي ليلة القدر ومعنى هذا النزول ان ابتداء نزوله كان في ليلة القدر وهذا قول الجمهور وقال عكرمة الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان قال القرطبي والصحيح ان الليلة التي يفرق فيها كل امر حكيم ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة انتهى من التذكرة ونحوه لابن العربي وقوله تعالى فيها يفرق كل امر حكيم معناه يفصل من غيره ويتخلص فعن عكرمة ان الله تعالى يفصل ذلك للملائكة في ليلة النصف من شعبان وفي بعض الأحاديث عن النبي ص انه قال تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى ان الرجل لينكح الولد ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى وقال قتادة والحسن ومجاهد يفصل في ليلة القدر كل ما في العام المقبل من الأقدار والارزاق والآجال وغير ذلك وامرا نصب على المصدر وقوله انا كنا مرسلين يحتمل ان يريد الرسل والاشياء ويحتمل ان يريد الرحمة التي ذكر بعد واختلف الناس في الدخان الذي امر الله تعالى بارتقابه فقالت فرقة منها علي وابن عباس وابن عمر والحسن بن ابي الحسن وابو سعيد الخدري هو دخان يجيء قبل يوم القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام وينضح رءوس المنافقين والكافرين حتى تكون كأنها مصلية حينئذ وقال فرقة منها ابن مسعود هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النبي ص - بسبع كسبع يوسف فكان الرجل يرى من الجوع دخانا بينه وبين السماء وما يأتي من الآيات يؤيد هذا التأويل وقولهم انا مؤمنون كان ذلك منهم من غير حقيقة ثم قال تعالى انى لهم لذكرى أي من اين لهم التذكر والاتعاظ بعد حلول العذاب وقد جاءهم رسول مبين يعني محمدا ص - فتولوا عنه أي اعرضوا وقالوا معلم مجنون وقوله انكم عائدون أي الى الكفر واختلف في يوم البطشة الكبرى فقالت فرقة هو يوم القيامة وقال ابن مسعود وغيره هو يوم بدر وقوله ان ادوا ماخوذ من الأدء كانه يقول ان ادفعوا الي واعطوني ومكنوني من بني اسرائيل واياهم اراد بقوله عباد الله وقال ابن عباس المعنى اتبعوني الى ما ادعوكم اليه من الحق فعباد الله على هذا منادى مضاف والمؤدى هي الطاعة والظاهر من شرع موسى عليه السلام انه بعث إلى دعاء فرعون إلى الايمان وان يرسل بني اسراءيل فلما ابى ان يؤمن ثبتت المكافحة في ان يرسل بني اسرائيل وقوله بعد وان لم تومنوا لي فاعتزلون كالنص في انه أخر الامر انما يطلب ارسال بني اسرائيل فقط وقوله وان لا تعلوا على الله الآية المعنى كانت رسالته وقوله ان ادوا وان لا تعلوا على الله أي على شرع الله وعبر بالعلو عن الطغيان والعتو وان ترجمون معناه الرجم بالحجارة المؤدى الى القتل قاله قتادة وغيره وقيل اراد الرجم بالقول والاول اظهر لأنه الذي عاد منه ولم يعذ من الآخر ت وعن ابن عمر قال قال النبي ص - من استعاذ بالله فاعيذوه ومن سألكم بالله فاعطوه ومن استجار بالله فأجيروه ومن اتى اليكم بمعروف فكافئوه فان لم تقدروا فادعوا له حتى تعلموا ان قد كافأتموه رواه ابو داود والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما واللفظ للنسائي وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين يعنى البخاري ومسلما أه من السلاح وقوله فاعتزلون متاركة صريحة قال قتادة اراد خلوا سبيلي وقوله فدعا ربه قبله محذوف تقديره فما اجابوه لما طلب منهم وقوله فاسر قبله محذوف أي قال الله له فاسر بعبادي قال ابن العربي في احكامه السرى سير الليل والادلاج سير السحر والتأويب سير النهار ويقال سرى واسرى انتهى واختلف في قوله تعالى واترك البحر رهوا متى قالها لموسى فقالت فرقة هو كلام متصل بما قبله وقال قتادة وغيره خوطب به بعد ما جاز البحر وذلك انه هم ان يضرب البحر ليلتئم خشية ان يدخل فرعون وجنوده وراءه ورهوا معناه ساكنا كما جزته قاله ابن عباس وهذا القول هو الذي تؤيده اللغة ومنه قول القطامي ... يمشين رهوا فلا الاعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الاعجاز تتكل ومنه ... وامة خرجت رهوا الى عيد ... أي اخرجوا في سكون وتمهل فقيل لموسى عليه السلام اترك البحر ساكنا على حاله من الانفراق ليقضي الله امرا كان مفعولا وقوله تعالى كم تركوا كم للتكثير أي كم ترك هؤلاء المغترون من كثرة الجنات والعيون فروي ان الجنات كانت متصلة ضفتي النيل جميعا من رشيد الى اسوان واما العيون فيحتمل انه اراد الخلجان فشبهها بالعيون ويحتمل انها كانت ونضبت ذكر الطرطوشي في سراج الملوك له قال قال ابو عبد الله بن حمدون كنت مع المتوكل لما خرج الى دمشق فركب يوما الى رصافة هشام بن عبد الملك فنظر الى قصورها ثم خرج فنظر الى دير هناك قديم حسن البناء بين مزارع واشجار فدخله فبينما هو يطوف به اذ برقعة قد الصقت في صدره فامر بقلعها فاذا فيها مكتوب هذه الابيات ... ايا منزلا بالدير اصبح خاليا ... تلاعب فيه شمأل ودبور ... كانك لم يسكنك بيض او انس ... ولم تتبختر في قبابك حور ... وابناء املاك غواشم سادة صغيرهم و عند الانام كبير ... اذا لبسوا ادراعهم فعوابس ... وان لبسوا تيجانهم فبدور ... على انهم يوم اللقاء ضراغم ... وانهمو يوم النوال بحور ... ليالي هشام بالرصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو امير ... اذ العيش غض والخلافة لذة ... وانت طروب والزمان غرير ... ورضك مرتاد ونورك مزهر ... وعيش بني مروان فيك نضير ... بلى فسقاك الغيث صوب سحائب ... عليك لها بعد الرواح بكور ... تذكرت قومي فيكما فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جدير ... فعزيت نفسي وهي إذا جرى لها ذكر قومي انة وزفير ... لعل زمانا جر يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور ... فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق اسير ... رويدك ان الدهر يتبعه غد ... وان صروف الدائرات تدور ... فلما قرأها المتوكل ارتاع ثم دعا صاحب الدير فسأله عمن كتبها فقال لا علم لي به وانصرف انتهى وفي هذا وشبهه عبرة لاولى البصائر المستيقظين اللهم ألا تجعلنا ممن اغتر بزخاف هذه الدار الا انما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم ... وقرأ جمهور الناس ومقام بفتح الميم قال ابن عباس وغيره اراد المنابر وعلى قراءة ضم الميم قال قتادة اراد المواضع الحسان من المساكن وغيرها والقول بالمنابر بعيد جدا والنعمة بفتح النون غضارة العيش ولذاذة الحياة والنعمة بكسر النون اعم من هذا كله وقد تكون الامراض والمصائب نعما ولا يقال فيها نعمة بالفتح وقرأ الجمهور فاكهين ومعناه فرحين مسرورين كذلك واورثناها قوما آخرين أي بعد القبط وقال قتادة هم بنو اسرائيل وفيه ضعف وقد ذكر الثعلب عن الحسن ان بني اسرائيل رجعوا الى مصر بعد هلاك فرعون واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى فما بكت عليهم السماء والارض فقال ابن عباس وغيره وذلك ان الرجل المؤمن اذا مات بكى عليه من الارض موضع عبادته اربعين صباحا وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله قالوا ولم يكن في قوم فرعون من هذه حاله فتبكى عليهم السماء والارض قال ع والمعنى الجيد في الآية انها استعارة فصيحة تتضمن تحقير امرهم وانه لم يتغير لاجل هلاكهم شيء ومثله قوله ص - لا ينتطح فيها عنزان وفي الحديث عن النبي ص - انه قال ما مات مومن في غربة غابت عنه فيها بواكيه الا بكت عليه السماء والارض ثم قرأ هذه الآية وقال انهما لا يبكيان على كافر قال الداودي وعن مجاهد ما مات مؤمن الا بكت عليه السماء والارض وقال افي هذا عجب وما للارض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه قال اخبرنا الاوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الارض الا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت انتهى وروى ابن المبارك ايضا عن ابي عبيد صاحب سليما ان العبد المؤمن اذا مات تنادت بقاع الارض عبد الله المؤمن مات فتبكى عليه السماء والارض فيقول الرحمن تبارك وتعالى ما يبكيكما على عبدي فيقولان يا ربنا لم يمش على ناحية منا قط الا وهو يذكرك اه ومنظرين أي مؤخرين والعذاب المهين هو ذبح الابناء والتسخير وغير ذلك وقوله على علم أي على شيء قد سبق عندنا فيهم وثبت في علمنا انه سينفذ ويحتمل ان يكون معناه على علم لهم وفضائل فيهم على العالمين أي عالمي زمانهم بدليل ان امة محمد خير امة اخرجت للناس وءاتيناهم من الايات لفظ جامع لما اجرى الله من الآيات على يدي موسى ولما انعم به على بني اسرائيل والبلاء في هذا الموضع الاختبار والامتحان كما قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة الآية ومبين بمعنى بين ثم ذكر تعالى قريشا على جهة الانكار لقولهم وانكارهم للبعث فقال ان هؤلاء ليقولون ان هي أي ما هي الا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين وقول قريش فآتوا بآياتنا مخاطبة للنبي ص - طلبوا منه ان يحي الله لهم بعض ءابائهم وسموا له قصيا وغيره كي يسئلوهم عما رأووا في أخرتهم وقوله سبحانه اهم خير ام قوم تبع الآية اية تقرير ووعيد وتبع ملك حميري وكان يقال لكل ملك منهم تبع الا ان المشار اليه في هذه الآية رجل صالح روي عن النبي ص - من طريق سهل بن سعد ان تبعا هذا اسلم وأمن بالله وقد ذكره ابن اسحاق في السيرة قال السهيلي وبعد ما غزا تبع المدينة واراد خرابها اخبر بأنها مهاجر نبي اسمه احمد فانصرف عنها وقال فيه شعر واودعه عند اهلها فكانوايتوارثونه كابرا عن كابر الى ان هاجر اليهم النبي عليه السلام فادوه اليه ويقال ان الكتاب والشعر كان عند ابى ايوب الانصاري ومنه ... شهدت على احمد انه ... رسول من الله بارى النس م ... فلو مد عمرى الى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم وذكر الزجاج وابن ابي الدنيا انه حفر قبر بصنعاء في الاسلام فوجد فيه امرأتان صحيحتان وعند رأسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب هذا قبر حبى ولميس ويروى وتماضر ابنتي تبع ماتتا وهما تشهدان ان لا اله الا الله ولا تشركان به شيأ وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما انتهى ويوم الفصل هو يوم القيامة وهذا هو الاخبار بالبعث والمولى في هذه الآية يعم جميع الموالى وقوله سبحانه ان شجرت الزقوم طعام الاثيم روي عن ابن زيد ان الاثيم المشار اليه أبو جهل ثم هي بالمعنى تتناول كل اثيم وهو كل فاجر روي انها لما نزلت جمع ابو جهل عجوة وزبدا وقال لاصحابه تزقموا فهذا هو الزقوم وهو طعامي الذي حدث به محمد قال ع وانما قصد بذلك ضربا من المغالطة والتلبيس على الجهلة وقوله سبحانه كالمهل قال ابن عباس وابن عمر المهل دردي الزيت وعكره وقال ابن مسعود وغيره المهل ما ذاب من ذهب او فضة والمعنى ان هذه الشجرة اذا طعمها الكافر في جهنم صارت في جوفه تفعل كما يفعل الممهل المذاب من الاحراق والافساد والحميم الماء الساخن الذي يتطاير من غليانه وقوله خذوه الآية أي يقال يومئذ للملائكة خذوه يعني الاثيم فاعتلوه والعتل السوق بعنف واهانة ودفع قوي متصل كما يساق ابدا مرتكب الجرائم والسواء الوسط وقيل المعظم وذلك متلازم وقوله تعالى ذق انك انت العزيز الكريم مخاطبة على معنى التقريع وقوله سبحانه ان هذا ما كنتم به تمترون عبارة عن قول يقال للكفرة ثم ذكر تعالى حالة المتقين فقال ان المتقين في مقام امين أي مامون والسندس رقيق الحرير والاستبرق خشنه وقوله متقابلين وصف لمجالس اهل الجنة لان بعضهم لا يستدبر بعضا في المجالس وقرأ الجمهور وزوجناهم بحور عين وقرا ابن مسعود بعيس عين وهو جمع عيساء وهي البيضاء وكذلك هي من النوق وروى ابو قرصافة عن النبي ص - انه قال اخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين قال الثعلبي قال مجاهد يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كعب احداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون انتهى وقوله سبحانه يدعون فيها بكل فاكهة أي يدعون الخدمة والمتصرفين قال ابو حيان الا الموتة استثناء منقطع أي لكن الموتة الاولى ذاقوها انتهى والضمير في يسرناه عائد على القرآن بلسانك أي بلغة العرب قال الواحدي لعلهم يتذكرون أي يتعظون انتهى وفي قوله تعالى فارتقب انهم مرتقبون وعد للنبي ص - ووعيد للكافرين تفسير سورة الجاثية وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ان في السموات والارض لايات للمؤمنين قال ابو حيان اجاز الفخر الرازي في العزيز الحكيم ان يكونا صفتين لله وهو الراجح او للكتاب ورد بانه لا يجوز ان يكونا صفتين للكتاب من وجوه انتهى وذكر تبارك وتعالى هنا الآيات التي في السموات والارض مجملة غير مفصلة فكانها احالة على غوامض تثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع فلذلك جعلها للمؤمنين ثم ذكر سبحانه خلق البشر والحيوان وكأنه اغمض فجعله للموقنين الذين لهم نظر يؤديهم الى اليقين ثم ذكر اختلاف الليل والنهار والعبرة بالمطر والرياح فجعل ذلك القوم يعقلون اذ كل عاقل يحصل هذه ويفهم قدرها قال ع وان كان هذا النظر ليس بلازم ولا بد فان اللفظ يعطيه والرزق المنزل من السماء هو الماء وسماه الله سبحانه رزقا بمئاله لان جميع ما يرتزق فعن الماء هو وقوله نتلوها عليك بالحق أي بالصدق والاعلام بحقائق الامور في انفسها وقال جلت عظمته فبأي حديث بعد الله وأياته يومنون ءاية تقريع وتوبيخ وفيها قوة تهديد والافاك الكذاب الذي يقع منه الافك مرارا والاثيم بناء مبالغة اسم فاعل من اثم ياثم وروي ان سبب الآية ابو جهل وقيل النضر بن الحارث والصواب انها عامة فيهما وفي غيرهما وانها تعم كل من دخل تحت الاوصاف المذكورة الى يوم القيامة ويصر معناه يثبت على عقيدته من الكفر وقوله فبشره بعذاب اليم أي مؤلم وقوله تعالى وإذا علم من آياتنا شيأ أي اخبر بشيء من آياتنا فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه الخبر ولو علم المعاني التي تضمنها اخبار الشرع وعرف حقائقها لكان مومنا ت وفي هذا نظر لأنه ينحو الى القول بان الكفر لا يتصور عنادا محضا وقد تقدم اختياره رحمه الله لذلك في غير هذا المحل فقف عليه وخشية الاطالة منعتني من تكراره هنا وقوله سبحانه هذا هدى اشارة الى القرآن وقوله لهم عذاب بمنزلة قولك لهم حظ فمن هذه الجهة ومن جهة تغاير اللفظين حسن قوله عذاب من رجز اذ الرجز هو العذاب وقوله لتجري الفلك فيه بأمره أقام القدرة والاذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك وقرأ مسلمة بن محارب جميعا منة بضم التاء وقرأ ايضا جميعا منه بفتح الميم وشد النون والهاء وقرأ ابن عباس منة بالنصب على المصدر وقوله تعالى ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قال الغزالي في الاحياء الفكر والذكر اعلى مقامات الصالحين وقال رحمه الله اعلم ان الناظرين بأنوار البصيرة علموا ان لا نجاة الا في لقاء الله عز و جل وانه لا سبيل الى اللقاء الا بان يموت العبد محبا لله تعالى وعارفا به وان المحبة والانس لا يتحصلان الا بدوام ذكر المحبوب وان المعرفة لا تحصل الا بدوام الفكر ولن يتيسر دوام الذكر والفكر الا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة ثم قال والقرآن جامع لفضل الذكر والفكر والدعاء مهما كان بتدبر انتهى وقوله تعالى قل للذين أمنوا يغفروا الآية قال اكثر الناس هذه الآية منسوخة بآية القتال وقال فرقة بل هي محكمة قال ع الآيى تتضمن الغفران عموما فينبغي ان يقال ان الامور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخت غفرانه آية السيف والجزية وما احكمه الشرع لا محالة وان الامور الحقيرة كالجفاء في القول ونحو ذلك تحتمل ان تبقى محكمة وان يكون العفو عنها اقرب الى التقوى وقوله ايام الله قالت فرقة معناه ايام انعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك وقال مجاهد ايام الله ايام نقمه وعذابه وباقي الآية بين وقوله سبحانه فما اختلفوا الامن بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم الآية قد تقدم بيان نظيرها في سورة يونس وغيرها وقوله سبحانه ثم جعلناك على شريعة من الامر الآية الشريعة لغة مورد المياه وهي في الدين من ذلك لان الناس يردون الدين ابتغاء رحمة الله والتقرب منه والامر واحد الأمور ويحتمل ان يكون واحد الاوامر والذين لا يعلمون هم الكفار وفي قوله تعالى وان الظالمين بعضهم اولياء بعض والله ولي المتقين تحقير للكفرة من حيث خروجهم عن ولاية الله تعالى ت وقد قال ص - يوم احد اجيبوهم فقولوا الله مولانا ولا مولى لكم وذلك ان قريشا قالوا للصحابة لنا العزى ولا عزى لكم وقوله عز و جل هذا بصائر للناس يريد القرءان وهو جمع بصيرة وهو المعتقد الوثيق في الشيء كأنه من ابصار القلب قال ابو حيان وقرىء هذه أي هذه الآيات انتهى وقوله سبحانه ام حسب الذين اجترحوا السيئات قيل ان الآية نزلت بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين قالوا لئن كانت آخرة كما تزعمون لتفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا واجترحوا معناه اكتسبوا وهذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال اهل التقوى وهي موقف للعارفين يبكون عنده وروي عن الربيع بن خيثم انه كان يرددها ليلة حتى اصبح وكذلك عن الفضيل بن عياض وكان يقول لنفسه ليت شعري من أي الفريقين انت وقال الثعلبي كانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين قال ع واما لفظها فيعطى انه اجتراح الكفر بدليل معادلته بالايمان ويحتمل ان تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات ويكون الايمان في الفريقين ولهذا بكى الخائفون رضي الله عنهم ت وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده ان تميما الداري رضي الله عنه بات ليلة الى الصباح يركع ويسجد ويردد هذه الآية ام حسب الذين اجترحوا السيئات الآية ويبكي رضي الله عنه انتهى وقوله ساء ما يحكمون ما مصدرية والتقدير ساء الحكم حكمهم وقوله سبحانه افرأيت من اتخذ الهه هواه الآية تسلية للنبي ص - أي لا تهتم بأمر الكفرة من اجل اعراضهم عن الايمان وقوله الهه هواه اشارة إلى الاصنام اذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة وقال قتادة المعنى لا يهوى شيأ الا ركبه لا يخاف الله فهذا كما يقال الهوى اله معبود وهذه الآية وان كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الامارة قال النبي ص - والعاجز مع اتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال سهل التستري هواك داؤك فان خالفته فدواؤك وقال وهب اذا عرض لك امران وشككت في خيرهما فانظر ابعدهما من هواك فاته ومن الحكمة في هذا قول القائل ... اذا انت لم تعص الهوى قادك الهوى ... الى كل ما فيه عليك مقال ... قال الشيخ ابن ابي جمرة قوله ص - فيقال من كان يعبد شيئا فليتبعه شيئا يعم جميع الاشياء مدركة كانت او غير مدركة فالمدرك كالشمس والقمر وغير المدرك مثل الملائكة والهوى لقوله عز و جل أفرأيت من اتخذ الهه هواه وما اشبه ذلك انتهى قال القشيري في رسالته وحكي عن ابي عمران الواسطي قال انكسرت بنا السفينة فبقيت انا وامرأتي على لوح وقد ولدت في تلك الحال صبية فصاحت بي وقالت يقتلني العطش فقلت هو ذا يرى حالنا فرفعت رأسي فاذا رجل في الهواء جالس في يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت احمر فقال هاك اشربا فاخذت الكوز فشربنا منه فاذا هو اطيب من المسك وابرد من الثلج واحلى من العسل فقلت من انت رحمك الله فقال عبد لمولاك فقلت له بم وصلت إلى هذا فقال تركت هواي لمرضاته فاجلسني في الهواء ثم غاب عني ولم اره انتهى وقوله تعالى على علم قال ابن عباس المعنى على علم من الله تعالى سابق وقالت فرقة أي على علم من هذا الضال بتركه للحق واعراضه عنه فتكون الآية على هذا التأويل من آيات العناد من نحو قوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وقوله تعالى وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة استعارات كلها وقوله من بعد الله فيه حذف مضاف تقديره من بعد اضلال الله اياه واختلف في معنى قولهم نموت ونحيى فقالت فرقة المعنى يموت الآباء ويحيى الأبناء وقالت فرقة المعنى نحيى ونموت فوقع في اللفظ تقديم وتاخير وقولهم وما يهلكنا الا الدهر أي طول الزمان وقوله سبحانه واذا تتلى عليهم أياتنا بينات يعني قريشا ما كان حجتهم الا ان قالوا ايتوا بأبائنا أي يا محمد احي لنا قصيا حتى نسأله إلى غير ذلك من هذا النحو فنزلت الآية في ذلك ومعنى ان كنتم صادقين أي في قولكم انا نبعث بعد الموت ثم امر الله تعالى نبيه ان يخبرهم بالحال السابقة في علم الله التي لا تبدل بانه يحيي الخلق ثم يميتهم الى آخر الآية وباقي الآية بين والمبطلون الداخلون في الباطل وقوله سبحانه وترى كل امة جاثية هذا وصف حال القيامة وهولها والامة الجماعة العظيمة من الناس وقال مجاهد الامة الواحد من الناس قال ع وهذا قلق في اللغة وان قيل في ابراهيم امة وفي قس بن ساعدة فذلك تجوز على جهة التشريف والتشبيه وجاثية معناه على الركب قاله مجاهد وغيره وهي هيئة المذنب الخائف وقال سلمان في القيامة ساعة قدر عشر سنين يخر الجميع فيها جثاة على الركب وقوله كل امة تدعى الى كتابها قالت فرقة معناه الى كتابها المنزل عليها فتحاكم اليه هل وافقته او خالفته وقالت فرقة اراد الى كتابها الذي كتبته الحفظة على كل واحد من الامة وقوله سبحانه هذا كتابنا يحتمل ان تكون الاشارة الى الكتب المنزلة أو الى اللوح المحفوظ او الى كتب الحفظة وقال ابن قتيبة الى القرآن وقوله سبحانه انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال الحسن وهو كتب الحفظة على بني أدم وروى ابن عباس وغيره حديثا ان الله يأمر بعرض اعمال العباد كل يوم خميس فينقل من الصحف التي كانت ترفع الحفظة كل ما هو معد ان يكون عليه ثواب او عقاب ويلغى الباقي فهذا هو النسخ من أصل وقوله عز و جل فاما الذين أمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته أي في جنته واما الذين كفروا أفلم تكن أي فيقال لهم افلم تكن آياتي تتلى عليكم وقرأ حمزه وحده والساعة بالنصب عطفا على قوله وعد الله وقرأ ابن مسعود وان الساعة لا ريب فيها وباقي الآية بين وقوله سبحانه وبدا لهم سيئات ما عملوا الآية حكاية حال يوم القيامة وحاق معناه نزل واحاط وهي مستعملة في المكروه وفي قوله ما كانوا حذف مضاف تقديره جزاء ما كانوا به يستهزءون وقوله عز و جل وقيل اليوم ننساكم معناه نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وأيات الله هنا لفظ جامع لآيات القرآن وللأدلة التي نصبها الله تعالى للنظر ولا هم يسيتعتبون أي لا يطلب منهم مراجعة إلى عمل صالح وقوله سبحانه فلله الحمد رب السموات ورب الارض الى آخر السورة تحميد لله عز و جل وتحقيق لالوهيته وفي ذلك كسر لامر الاصنام وسائر ما تعبده الكفرة والكبرياء بناء مبالغة تفسير سورة الأحقاف وهي مكية إلا ءايتين وهما قوله تعالى قل ارأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به الآية وقوله سبحانه فاصبر كما صبر اولوا العزم الآية بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه حم تنزيل الكتاب يعني القرآن وقوله سبحانه ما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى والذين كفروا عما انذروا معرضون هذه الآية موعظة وزجر المعنى فانتبهوا ايها الناس وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم والاجل المسمى هو يوم القيامة وقوله قل ارأيتم ما تدعون معناه ما تعبدون ثم وقفهم على السموات هل لهم فيها شرك ثم استدعى منهم كتابا منزلا قبل القرآن يتضمن عبادة الأصنام قال ابن العربي في احكامه هذه الآية من اشرف آية في القرآن فانها استوفت الدلالة على الشرائع عقليها وسمعيها لقوله عز و جل قل أرأيتم ما تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الأرض ام لهم شرك في السموات فهذا بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد وحدوث العالم وانفراد الباري تعالى بالقدرة والعلم والوجود والخلق ثم قال ايتوني بكتاب من قبل هذا على ما تقولون وهذا بيان لأدلة السمع فان مدرك الحق انما يكون بدليل العقل او بدليل الشرع حسبما بيناه من مراتب الأدلة في كتب الاصول ثم قال او اثارة من علم يعني او علم يؤثر أي يروى وينقل وان لم يكن مكتوبا انتهى وقوله او اثارة معناه او بقية قديمة من علم احد العلماء تقتضي عبادة الأصنام والاثارة البقية من الشيء وقال الحسن المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه وقال مجاهد المعنى هل من احد يأثر علما في ذلك وقال القرطبي هو الاسناد ومنه قول الاعشى ... ان الذي فيه تماريتما ... بين للسامع والآثر ... أي وللمسند عن غيره وقال ابن عباس الاثارة الخط في التراب وذلك شيء كانت العرب تفعله والضمير في قوله وهم عن دعائهم غافلون هو للاصنام في قول جماعة ويحتمل ان يكون لعبدتها وقوله سبحانه واذا حشر الناس كانوا لهم اعداء وصف ما يكون يوم القيامة بين الكفار واصناهم من التبرى والمناكرة وقد بين ذلك في غير هذه الآية واذا تتلى عليهم آياتنا أي آيات القرآن قال الذين كفروا للحق يعني القرآن هذا سحر مبين أي يفرق بين المرء وبنيه وقوله سبحانه قل ان افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا المعنى ان افتريته فالله حسبي في ذلك وهو كان يعاقبني ولا يمهلني ثم رجع القول الى الاستسلام الى الله والاستنصار به عليهم وانتظار ما يقتضيه علمه بما يفيضون فيه من الباطل ومراده الحق وذلك يقتضي معاقبتهم ففي اللفظ تهديد والضمير في به عائد على الله عز و جل وقوله سبحانه وهو الغفور الرحيم ترجية واستدعاء الى التوبة ثم امره عز و جل ان يحتج عليهم بانه لم يكن بدعاء من الرسل والبدع البديع من الأشياء ما لم ير مثله المعنى قد جاء قبلي غيري قاله ابن عباس وغيره ت ولفظ البخاري وقال ابن عباس بدعا من الرسل أي لست بأول الرسل واختلف الناس في قوله وما ادرى ما يفعل بي ولا بكم فقال ابن عباس وجماعة كان هذا في صدر الاسلام ثم بعد ذلك عرفه الله عز و جل بانه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبان المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة وبأن الكافرين في نار جهنم والحديث الصحيح الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيد هذا وقالت فرقة معنى الآية وما ادري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وقيل غير هذا وقوله ان اتبع الا ما يوحى الي معناه الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز و جل وقوله عز و جل قل أرأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني اسرائيل الآية جواب هذا التوقيف محذوف تقديره اليس قد ظلمتم ودل على هذا المقدر قوله تعالى ان الله لا يهدي القوم الظالمين قال مجاهد وغيره هذه الآية مدنية والشاهد عبد الله بن سلام وقد قال عبد الله بن سلام في نزلت وقال مسروق بن الأجدع والجمهور الشاهد موسى بن عمران عليه السلام والآية مكية ورجحه الطبري وقوله على مثله يريد بالمثل التوراة والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن أي جاء شاهد من بني اسرائيل بمثله انه من عند الله سبحانه وقوله فأمن على هذا التأويل يعني به تصديق موسى وتبشيره بنبينا محمد ص - وقوله سبحانه ومن قبله أي من قبل القرآن كتاب موسى يعني التوراة وهذا كتاب يعني القرآن مصدق للتوراة التي تضمنت خبره وفي مصحف ابن مسعود مصدق لما بين يديه والذين ظلموا هم الكفار وعبر عن المؤمنين بالمحسنين ليناسب لفظ الاحسان في مقابلة الظلم ثم اخبر تعالى عن حسن حال المستقيمين وذهب كثير من الناس الى ان المعنى ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات وقال ابو بكر الصديق رضي الله عنه المعنى ثم استقاموا بالدوام على الايمان قال ع وهذا عم رجاء واوسع وان كان في الجملة المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد فهو ممن يخلد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحال بالكفرة وقوله تعالى جزاء بما كانوا يعملون قد جعل الله سبحانه الاعمال امارات على ما سيصير اليه العبد لا انها توجب على الله شيأ وقوله سبحانه ووصينا الانسان يريد النوع أي هكذا مضت شرائعي وكتبي فهي وصية من الله في عباده وبر الوالدين واجب وعقوقهما كبيرة وقد قال النبي ص - كل شيء بينه وبين الله حجاب الا شهادة ان لا اله الا الله ودعوة الوالدين قال ع ولن يدعوا في الغالب الا اذا ظلمهما الولد فهذا يدخل في عموم قوله عليه السلام اتقوا دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ثم عدد سبحانه على الابناء منن الامهات وقوله تعالى حملته امه كرها قال مجاهد والحسن وقتاده حملته مشقة ووضعته مشقة قال ابو حيان وحمله على حذف مضاف أي مدة حمله انتهى وقوله ثلاثون شهرا يقتضي ان مدة الحمل والرضاع هي هذه المدة وفي البقرة والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين فيترتب من هذا ان اقل مدة الحمل ستة اشهر واقل ما يرضع الطفل عام وتسعة اشهر واكمال الحولين هو لمن اراد ان يتم الرضاعة وهذا في امد الحمل هو مذهب مالك وجماعة من الصحابة واقوى الاقوال في بلوغ الاشد ستة وثلاثون سنة قال ع وانما ذكر تعالى الاربعين لانها حد للانسان في فلاحه ونجابته وفي الحديث ان الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب فيقول بابى وجه لا يفلح ت وحدث ابو بكر بن الخطيب في تاريخ بغداد بسنده المتصل عن انس قال قال رسول الله ص - اذا بلغ العبد اربعين سنة امنه الله من البلايا الثلاث الجنون والجذام والبرص فاذا بلغ خمسين سنة خفف الله عنه الحساب فاذا بلغ ستين سنة رزقه الله الانابة لما يحب فاذا بلغ سبعين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع في اهل بيته وناداه مناد من السماء هذا اسير الله في ارضه انتهى وهذا والله اعلم في العبد المقبل على آخرته المشتغل بطاعة ربه وقوله رب اوزعني معناه ادفع عني الموانع واجرني من القواطع لاجل ان اشكر نعمتك ويحتمل ان يكون اوزعني بمعنى اجعل حظي ونصيبي وهذا من التوزيع ت وقال الثعلبي وغيره اوزعني معناه الهمني وعبارة الفخر قال ابن عباس اوزعني معناه الهمني قال صاحب الصحاح استوزعت الله فاوزعني أي استلهمته فالهمني انتهى قال ابن عباس نعمتك في التوحيد وصالحا ترضاه الصلوات والاصلاح في الذرية كونهم اهل طاعة وخير وهذه الآية معناها ان هكذا ينبغي للانسان ان يكون فهي وصية الله تعالى للانسان في كل الشرائع وقول من قال انها في ابي بكر وابويه ضعيف لأن هذه الآية نزلت بمكة بلا خلاف وابو قحافة اسلم عام الفتح وفي قوله تعالى اولائك الذين يتقبل عنهم الآية دليل على ان هذه الاشارة بقوله ووصينا الانسان انما اراد به الجنس وقوله في اصحاب الجنة يريد الذين سبقت لهم رحمة الله قال ابو حيان في اصحاب الجنة قيل في على بابها أي في جملتهم كما تقول اكرمني الامير في ناس أي في جملة من اكرم وقيل في بمعنى مع انتهى وقوله تعالى والذي قال لوالديه قال الثعلبي معناه اذ دعواه الى الايمان اف لكما الآية انتهى والذي يعني به الجنس على حد العموم في التي قبلها في قوله ووصينا الانسان هذا قول الحسن وجماعة ويشبه ان لها سببا من رجل قال ذلك لأبويه فلما فرغ من ذكر الموفق عقب بذكر هذا العاق وقد انكرت عائشة ان تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن ابي بكر وقالت ما نزل في آل ابي بكر من القرآن غير براءتي ت ولا يعترض عليها بقوله تعالى ثاني اثنين ولا بقوله ولا ياتل اولو الفضل كما بينا ذلك في غير هذه الآية قال ع والأصوب ان تكون الآية عامة في اهل هذه الصفات والدليل القاطع على ذلك قوله تعالى اولائك الذين حق عليهم القول في امم وكان عبد الرحمن بن ابي بكر رضي الله عنه من افاضل الصحابة ومن ابطال المسلمين وممن له في الاسلام غناء يوم اليمامة وغيره واف بالتنوين قراءة نافع وغيره والتنوين في ذلك علامة تنكير كما تستطعم رجلا حديثا غير معين فتقول ايه منونة وان كان حديثا مشارا اليه قلت ايه بغير تنوين وقوله اتعدانني ان اخرج المعنى ان اخرج من القبر الى الحشر وهذا منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد وقد خلت القرون من قبلي معناه هلكت ومضت ولم يخرج منهم احد وهما يستغيثان الله يعني الوالدين يقولان له ويلك امن وقوله ما هذا الا اساطير الاولين أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور الا شيء سطره الاولون في كتبهم يعني الشرائع وظاهر الفاظ هذه الآية انها نزلت في مشار اليه قال وقيل له فنعى الله الينا اقواله تحذيرا من الوقوع في مثلها وقوله اولائك ظاهره انها اشارة الى جنس وحق عليهم القول أي قول الله انه يعذبهم قال ابو حيان في امم أي في جملة امم ففي على بابها وقيل في بمعنى مع وقد تقدم ذلك انتهى وقوله قد خلت من قبلهم من الجن والانس يقتضي ان الجن يموتون وهكذا فهم الآية قتادة وقد جاء حديث يقتضي ذلك وقوله سبحانه ولكل درجات يعني المحسنين والمسيئين قال ابن زيد ودرجات المحسنين تذهب علوا ودرجات المسيئين تذهب سفلا وباقي الآية بين في ان كل امرئى يجتني ثمرة عمله من خير او شر ولا يظلم في مجازاته وقوله عز و جل ويوم يعرض الذين كفروا على النار الآية المعنى واذكر يوم يعرض وهذا العرض هو بالمباشرة اذهبتم أي يقال لهم اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا والطيبات هنا الملاذ وهذه الآية وان كانت في الكفار فهي رادعة لأولى النهي من المؤمنين عن الشهوات واستعمال الطيبات ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه اتظنون انا لا نعرف طيب الطعام ذلك لباب البر بصغار المعزى ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم انهم ذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد وقال ايضا نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم اليه طعام طيب فقال عمر هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير فقال خالد لهم الجنة فبكى عمر وقال لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة فقد بانوا بونا بعيدا وقال جابر بن عبد الله اشتريت لحما بدرهم فرءاني عمر فقال او كلما اشتهى احدكم شيأ اشتراه فاكله اما تخشى ان تكون من اهل هذه الآية وتلا اذهبتم طيباتكم ت والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا فمنها ما رواه ابو داود في سننه عن عبد الله بن بريدة ان رجلا من اصحاب النبي ص - رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقد عليه فقال اما انى لم أتك زائرا ولكن سمعت انا وانت حديثا من رسول الله ص - رجوت ان يكون عندك منه علم قال ما هو قال كذا وكذا قال فمالي اراك شعثا وانت امير الارض قال ان رسول الله ص - كان ينهى عن كثير من الارفاه قال فما لي لا ارى عليك حذاء قال كان رسول الله ص - يامرنا ان نحتفي احيانا وروى ابو داود عن ابي امامة قال ذكر اصحاب النبي ص - يوما عنده الدنيا فقال رسول الله ص - الا تسمعون ان البذاذة من الايمان ان البذاذة من الايمان ان البذاذة من الايمان قال ابو داود يعني التقحل وفسر ابو عمر بن عبد البر البذاذة برث الهيئة ذكر ذلك في التمهيد وكذلك فسرها غيره انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه من طريق الحسن عن النبي ص - انه خرج في اصحابه الى بقيع الغرقد فقال السلام عليكم يا اهل القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ثم اقبل على اصحابه فقال هؤلاء خير منكم قالوا يا رسول الله اخواننا اسلمنا كما اسلموا وهاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا واتوا على اجالهم فمضوا فيها وبقينا في أجالنا فما يجعلهم خيرا منا قال هؤلاء خرجوا من الدنيا لم ياكلوا من اجورهم شيأ وخرجوا وانا الشهيد عليهم وانكم قد اكلتم من اجوركم ولا ادرى ما تحدثون من بعدي قال فلما سمعها القوم عقلوها وانتفعوا بها وقالوا انا لمحاسبون بما اصبنا من الدنيا وانه لمنتقص به من اجورنا انتهى ومنها حديث ثوبان في سنن ابي داود قال ثوبان كان رسول الله ص - اذا سافر كان آخر عهده بانسان من اهله فاطمة واول من يدخل عليها فاطمة فقدم من غزاة وقد علقت مسحا او سترا على بابها وحلت الحسن والحسين قلبين من فضة فلم يدخل فظنت انما منعه ان يدخل ما رأى فهتكت الستر وفكت القلبين عن الصلبيين وقطعتهما عنهما فانطلقا الى رسول الله ص - يبكيان فاخذهما منهما وقال يا ثوبان اذهب بهما الى آل فلان ان هؤلاء اهلي اكره ان ياكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج انتهى ص قرأ الجمهور اذهبتم على الخبر أي فيقال لهم اذهبتم طيباتكم وابن كثير بهمزة بعدها مدة مطولة وابن عامر بهمزتين حققهما ابن ذكوان ولين الثانية هشام وابن كثير في رواية والاستفهام هنا على معنى التوبيخ والتقرير فهو خبر في المعنى ولهذا حسنت الفاء في قوله فاليوم ولو كان استفهاما محضا لما دخلت الفاء انتهى وعذاب الهون هو الذي اقترن به هوان فالهون والهوان بمعنى ثم امر تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد على جهة المثال لقريش وقد تقدم قصص عاد مستوفى في سورة الأعراف فلينظر هناك والصحيح من الأقوال ان بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت ارم ذات العماد والأحقاف جمع حقف وهو الجبل المستطيل المعوج من الرمل وقوله سبحانه وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه الا تعبدوا الا الله اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم خلت معناه مضت الى الأرض الخلاء والنذر جمع نذير وقولهم لتافكنا معناه لتصرفناوقولهم فاتنا بما تعدنا تصميم منهم على التكذيب وتعجيز له في زعمهم وقوله سبحانه قال انما العلم عند الله الآية المعنى قال لهم هود ان هذا الوعيد ليس من قبلي وانما الامر فيه الى الله وعلم وقته عنده وانما علي ان ابلغ فقط والضمير في رأوه يحتمل ان يعود على العذاب ويحتمل ان يعود على الشيء المرءي الطالع عليهم وهو الذي فسره قوله عارضا والعارض هو ما يعرض في الجو من السحاب الممطر قال ابن العربي في احكامه عند تفسيره قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم كل شيء عرض فقد منع ويقال لما عرض في السماء من السحاب عارض لأنه منع من رؤيتها ومن رؤية البدر والكواكب انتهى وروي في معنى قوله مستقبل اوديتهم ان هؤلاء القوم كانوا قد قحطوا مدة فطلع هذ العارض من جهة كانوا يمطرون بها ابدا جاءهم من قبل واد لهم يسمونه المغيث قال ابن عباس ففرحوا به وقالوا هذا عارض ممطرنا وقد كذب هود فيما اوعد به فقال لهم هود عليه السلام ليس الأمر كما رأيتم بل هو ما استعجلتم به في قولكم فاتنا بما تعدنا ثم قال ريح فيها عذاب اليم وفي قراءة ابن مسعود ممطرنا قال هود بل هو ريح بإظهار المقدر وتدمر معناه تهلك والدمار الهلاك وقوله كل شيء ظاهره العموم ومعناه الخصوص في كل ما امرت بتدميره وروي ان هذه الريح رمتهم اجمعين في البحر ثم خاطب جل وعلا قريشا على جهة الموعظة بقوله ولقد مكناهم فيما ان مكناكم فيه فما بمعنى الذي وان نافية وقعت مكان ما لمختلف اللفظ ومعنى الآية ولقد اعطيناهم من القوة والغنى والبسط في الأموال والأجسام ما لم نعطكم ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب فانتم احرى بذلك اذا تماديتم في كفركم وقالت فرقة ان شرطية والجواب محذوف تقديره في الذي ان مكناكم فيه طغيتم وهذا تنطع في التاويل وما نافية في قوله فما اغنى عنهم ويقوى ذلك دخول من في قوله من شيء وقالت فرقة بل هي استفهام على جهة التقرير ومن شيء على هذا تاكيد وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الجواب وقوله عز و جل ولقد اهلكنا ما حولكم من القرى الآية مخاطبة لقريش على جهة التمثيل وصرفنا الآيات يعني لهذه القرى وقوله سبحانه فلولا نصرهم الآية يعني فهلا نصرتهم اصنامهم بل ضلوا عنهم أي انتلفوا عنهم وقت الحاجة وذلك افكهم اشارة إلى قولهم في الأصنام انها آلهة وقوله وما كانوا يفترون يحتمل ان تكون ما مصدرية فلا تحتاج الى عائد ويحتمل ان تكون بمعنى الذي فهناك عائد محذوف تقديره يفترونه وقوله تعالى واذ صرفنا اليك نفرا من الجن الآية ابتداء وصف قصة الجن ووفادتهم على النبي ص - وقد اختلفت الرواة هنا هل هذا الجن هم الوفد او المتجسسون واختلفت الروايات ايضا عن ابن مسعود وغيره في هذا الباب والتحرير في هذا ان النبي ص - جاءه نفر من الجن دون ان يشعر بهم وهم المتجسسون المتفرقون من اجل رجم الشهب الذي حل بهم وهؤلاء هم المراد بقوله تعالى قل اوحي الي الآية ثم بعد ذلك وفد عليه وفدهم حسبما ورد في ذلك من الآثار وقوله نفرا يقتضي ان المصروفين كانوا رجالا لا انثى فيهم والنفر والرهط هم القوم الذين لا انثى فيهم وقوله تعالى فلما حضروه قالوا انصتوا فيه تأدب مع العلم وتعليم كيف يتعلم فلما قضي أي فرغ من تلاوة القرآن واستماع الجن قال جابر بن عبد الله وغيره ان النبي ص - لما قرأ عليهم سورة الرحمن فكان اذا قال فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا لا بشيء من آلائك نكذب ربنا لك الحمد ولما ولت هذه الجملة تفرقت على البلاد منذرة للجن وقولهم انا سمعنا كتابا يعنون القرآن ت وقولهم من بعد موسى يحتمل انهم لم يعلموا بعيسى قاله ابن عباس او انهم على دين اليهود قاله عطاء نقل هذا الثعلبي ويحتمل ما تقدم ذكره في غير هذا وانهم ذكروا المتفق عليه انتهى مصدقا لما بين يديه وهي التوراة والانجيل وداعي الله هو محمد ص - وأمنوا به أي بالله يغفر لكم من ذنوبكم الآية ت وذكر الثعلبي خلافا في 3 - ومني الجن هل يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة او يجارون من النار فقط الله اعلم بذلك قال الفخر والصحيح انهم في حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وهو قول مالك وابن ابي ليلى قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون انتهى وقد تقدم ما نقلناه عن البخاري في سورة الأنعام انهم يثابون وقوله سبحانه ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز الآية يحتمل ان يكون من تمام كلام المنذرين ويحتمل ان يكون من كلام الله عز و جل والمعجز الذاهب في الأرض الذي يعجز طالبه فلا يقدر عليه وقوله سبحانه اولم يروا الضمير لقريش وذلك انهم انكروا البعث وعود الاجساد وهم مع ذلك معترفون بان الله تعالى خلق السموات والارض فاقيمت عليهم الحجة من اقوالهم قال ابو حيان والباء في قوله بقادر زائدة انتهى وقوله تعالى ويوم يعرض الذين كفروا على النار المعنى واذكر يوم وهذا وعيد لكفار قريش وغيرهم وهذا عرض مباشرة وقوله اليس هذا بالحق أي يقال لهم اليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا فصدقوا بذلك حيث لا ينفعهم التصديق فروي عن الحسن انه قال انهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون انه العدل واختلف في تعينن اولى العزم من الرسل ولا محالة ان لكل نبي ورسول عزما وصبرا وقوله ولا تستعجل لهم معناه ولا تستعجل لهم عذابا فانهم اليه صائرون ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة فانهم يوم يرون العذاب كانهم لم يلبثوا في الدنيا الا ساعة لاحتقارهم ذلك لان المنقضي من الزمان يصير عدما ت واذا علمت ايها الاخ ان الدنيا اضغاث احلام كان من الحزم اشتغالك الآن بتحصيل الزاد للمعاد وحفظ الحواس ومراعاة الانفاس ومراقبة مولاك فاتخذه صاحبا وذر الناس جانبا قال ابو حامد الغزالي رحمه الله اعلم ان صاحبك الذي لا تفارقه في حضرك وسفرك ونومك ويقظتك بل في حياتك وموتك هو ربك ومولاك وسيدك وخالقك ومهما ذكرته فهو جليسك اذ قال تعالى انا جليس من ذكرني ومهما انكسر قلبك حزنا على تقصيرك في حق دينك فهو صاحبك وملازمك اذ قال انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلي فلو عرفته يا اخي حق معرفته لاتخذته صاحبا وتركت الناس جانبا فان لم تقدر على ذلك في جميع اوقاتك فاياك ان تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه بمولاك وتلذذ بمناجاته وعند ذلك فعليك بآداب الصحبة مع الله تعالى وآدابها اطراق الطرف وجمع الهم ودوام الصمت وسكون الجوارح ومبادرة الأمر واجتناب النهي وقلة الاعتراض على القدر ودوام الذكر باللسان وملازمة الفكر وايثار الحق واليأس من الخلق والخضوع تحت الهيبة والانكسار تحت الحياء والسكون عن حيل الكسب ثقة بالضمان والتوكل على فضل الله معرفة بحسن اختياره وهذا كله ينبغي ان يكون شعارك في جميع ليلك ونهارك فانه أداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك والخلق كلهم يفارقونك في بعض اوقاتك انتهى من بداية الهداية وقوله بلاغ يحتمل معانيا احدها ان يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا انذار وتبليغ ويحتمل ان يريد كان لم يلبثوا الا ساعة كانت بلاغهم وهذا كما تقول متاع قليل وقيل غير هذا وقرأ ابو مجلز وغيره بلغ على الامر وقرأ الحسن بن ابي الحسن بلاغ بالخفض نعتا لنهار وقوله سبحانه فهل يهلك الا القوم الفاسقون وقرئى شاذا فهل يهلك ببناء الفعل للفاعل وفي هذه الآية وعيد محض وانذار بين وذلك ان الله عز و جل جعل الحسنة بعشر امثالها والسيئة بمثلها وغفر الصغائر باجتناب الكبائر ووعد الغفران على التوبة فلن يهلك على الله الا هالك كما قال ص - قال الثعلبي يقال ان قوله تعالى فهل يهلك الا القوم الفاسقون ارجىء آية في كتاب الله عز و جل للمؤمنين تفسير سورة القتال وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله اضل اعمالهم الذين كفروا اشارة الى اهل مكة الذين اخرجوا النبي ص - وقوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية اشارة الى الأنصار الذين أووا ونصروا وفي الطائفتين نزلت الآيتان قاله ابن عباس ومجاهد ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت الفاظها وقوله اضل اعمالهم أي اتلفها ولم يجعل لها نفعا ت وقد ذكرنا في سورة الصف ان اسم محمد ص - لم يتسم به احد قبله الا قوم قليلون رجاء ان تكون النبوءة في ابنائهم والله اعلم حيث يجعل رسالاته قال ابن القطان وعن خليفة والدابي سويد قال سألت محمد بن عدي بن ابي ربيعة كيف سماك ابوك محمدا قال سألت ابي عما سألتني عنه فقال لي كنت رابع اربعة من بني غنم انا فيهم وسفيان بن مجاشع بن جرير وامامة بن هند بن خندف ويزيد بن ربيعة فخرجنا في سفرة نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات وقربه شخص نائم فتحدثنا فاستمع كلامنا فاشرف علينا فقال ان هذه لغة ما هي لغة هذه البلاد فقلنا نحن قوم من مضر فقال من أي المضريين قلنا من خندف قال انه يبعث فيكم خاتم النبيين فسارعوا اليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا قلنا ما اسمه قال محمد فرجعنا فولد لكل واحد منال ابن سماه محمدا وذكره المدائني انتهى وقوله تعالى في المؤمنين واصلح بالهم قال قتادة معناه حالهم وقال ابن عباس شأنهم وتحرير التفسير في اللفظة انها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه نظر الانسان وهو القلب فاذا صلح ذلك منه فقد صلح حاله فكان اللفظة مشيرة الى صلاح عقيدتهم وغير ذلك من الحال تابع فقولك خطر في بالي كذا وقولك اصلح الله بالك المراد بهما واحد ذكره المبرد والبال مصدر كالحال والشأن ولا يستعمل منه فعل وكذلك عرفه لا يثنى ولا يجمع وقد جاء مجموعا شاذا في قولهم بالات والباطل هنا الشيطان وكل ما يامر به قاله مجاهد والحق هنا الشرع ومحمد عليه السلام وقوله كذلك يضرب الله الاشارة الا الاتباع المذكورين من الفريقين وقوله سبحانه فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب الآية قال اكثر العلماء ان هذه الآية وآية السيف وهي قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم محكمتان فقوله هنا فضرب الرقاب بمثابة قوله هنالك فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وصرح هنا بذكر المن والفداء ولم يصرح به هنالك فهذه مبينه لتلك وهذا هو القول القوي وقوله فضرب الرقاب مصدر بمعنى الفعل أي فاضربوا رقابهم وعين من انواع القتل اشهره والمراد اقتلوهم باي وجه امكن وفي صحيح مسلم عن النبي ص - قال لا يجتمع كافر وقاتله في النار ابدا وفي صحيح البخاري عنه ص - قال ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار انتهى والاثخان في القوم ان يكثر فيهم القتلى والجرحى ومعنى فشدوا الوثاق أي بمن لم يقتل ولم يترتب فيه الا الاسر ومنا وفداء مصدران منصوبان بفعلين مضمرين وقوله حتى تضع الحرب اوزارها معناه حتى تذهب الحرب وتزول اثقالها والاوزار الاثقال ومنه قول عمرو بن معد يكرب ... واعددت للحرب اوزارها رماحا طوالا وخيلا ذكورا واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحرب اوزارها فقال قتادة حتى يسلم الجميع وقال حذاق اهل النظر حتى تغلبوهم وتقتلوهم وقال مجاهد حتى ينزل عيسى بن مريم قال ع وظاهر اللفظ انه استعارة يراد بها التزام الامر ابدا وذلك ان الحرب بين المومنين والكافرين لا تضع اوزارها فجاء هذا كما تقول انا افعل كذا وكذا الى يوم القيامة وانما تريد انك تفعله دائما ولو شاء الله لانتصر منهم أي بعذاب من عنده ولكن اراد سبحانه اختبار المومنين وان يبلو بعض الناس ببعض وقرأ الجمهور قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه قتلوا بفتح القاف والتاء وقرأ ابو عمرو وحفص قتلوا بضم القاف وكسر التاء قال قتادة نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم احد من المومنين وقوله سبحانه سيهديهم أي الى طريق الجنة ت ذكر الشيخ ابو نعيم الحافظ ان ميسرة الخادم قال غزونا في بعض الغزوات فاذا فتى الى جانبي واذا هو مقنع بالحديد فحمل على الميمنة فثناها ثم على الميسرة حتى ثناها وحمل على القلب حتى ثناه ثم أنشأ يقول ... احسن بمولاك سعيد ظنا ... هذا الذي كنت له تمنى ... تنح يا حور الجنان عنا ... مالك قاتلنا ولا قتلنا ... لكن الى سيدكن اشتقنا ... قد علم السر وما اعلنا ... قال فحمل فقاتل فقتل منهم عددا ثم رجع الى مصافه فتكالب عليه العدو فاذا هو رضي الله تعالى عنه قد حمل على الناس وانشأ يقول ... قد كنت ارجو ورجاءي لم يخب ... ان لا يضيع اليوم كدى والطلب ... يا من ملا تلك القصور باللعب ... لولاك ما طابت ولا طاب الطرب ... ثم حمل رضي الله عنه فقاتل فقتل منهم عددا ثم رجع الى مصافة فتكالب عليه العدو فحمل رضي الله عنه في المرة الثالثة وأنشأ يقول ... يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ... مالك قاتلنا فكفي وارجعي ... ثم ارجعي الى الجنان واسرعي ... لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي ==========================================================ج9. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي فقاتل رضي الله عنه حتى قتل انتهى من ابن عباد شارح الحكم وقوله تعالى عرفها لهم قال ابو سعيد الخدري وقتادة ومجاهد معناه بينها لهم أي جعلهم يعرفون منازلهم منها وفي نحو هذا المعنى قول النبي ص - لأحدكم بمنزلة في الجنة اعرف منه بمنزله في الدنيا قال القرطبي في التذكرة وعلى هذا القول اكثر المفسرين قال وقيل ان هذا التعريف الى المنازل هو بالدليل وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه انتهى وقالت فرقة معناه سماها لهم ورسمها كل منزل باسم صاحبه فهذا نحو من التعريف وقالت فرقة معناه شرفها لهم ورفعها وعلاها وهذا من الاعراف التي هي الجبال ومنه اعراف الخيل وقال مؤرج وغيره معناه طيبها ماخوذ من العرف ومنه طعام معرف أي مطيب وعرفت القدر طيبتها بالملح والتابل قال ابو حيان واصلح بالهم البال الفكر ولا يثنى ولا يجمع انتهى وقوله سبحانه ان تنصروا الله أي دين الله ينصركم بخلق القوة لكم وغير ذلك من المعاون ويثبت اقدامكم أي في مواطن الحرب وقيل على الصراط في القيامة وقوله فتعسا لهم معناه عثارا وهلاكا لهم وهي لفظة تقال للعاثر اذا اريد به الشر قال ابن السكيت التعس ان يخر على وجهه وقوله تعالى كرهوا ما انزل الله يريد القرآن فاحبط اعمالهم قال ع ولا خلاف ان الكافر له حفظة يكتبون سيئاته واختلف الناس في حسناتهم فقالت فرقة هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط وقالت فرقة هي محصاة من اجل ثواب الدنيا ومن اجل انه قد يسلم فينضاف ذلك الى حسناته في الاسلام وهذا احد التاويلين في قوله ص - لحكيم بن حزام اسلمت على ما سلف لك من خير وقوله عز و جل افلم يسيروا في الارض توقيف لقريش وتوبيخ والذين من قبلهم يريد ثمود وقوم شعيب وغيرهم والدمار الافساد وهدم البناء واذهاب العمران والضمير في قوله امثالها يصح ان يعود على العاقبة ويصح ان يعود على الفعلة التي يتضمنها قوله دمر الله عليهم وقوله تعالى ذلك بان الله مولى الذين أمنوا الآية المولى الناصر الموالي قال قتادة نزلت هذه الآية يوم احد ومنها انتزع النبي ص - رده على ابي سفيان حين قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم وقوله سبحانه والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام أي اكلا مجردا عن الفكر والنظر وهذا كما تقول الجاهل يعيش كما تعيش البهيمة والمعنى يعيش عديم الفهم والنظر في العواقب وقوله سبحانه وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك يعني مكة التي اخرجتك معناه وقت الهجرة ويقال أن هذه الاية نزلت اثر خروج النبي ص - من مكة وقيل غير هذا وقوله سبحانه افمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله الآية توقيف وتقرير وهي معادلة بين هذين الفريقين واللفظ عام لاهل هاتين الصفتين غابر الدهر وعلى بينة أي على يقين وطريق واضحة وعقيدة نيرة بينة وقوله سبحانه مثل الجنة الآية قال النضر بن شميل وغيره مثل معناه صفة كانه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا وقوله فيها انهار من ماء غير آسن معناه غير متغير قاله ابن عباس وقتادة وسواء انتن او ينتن وقوله في اللبن لم يتغير طعمه نفي لجميع وجوه الفساد فيه وقوله لذة للشاربين جمعت طيب الطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره ت وروينا في كتاب الترمذي عن حكيم بن معاوية عن ابيه عن النبي ص - قال ان في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الانهار بعد قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله ولهم فيها من كل الثمرات أي من هذه الأنواع لكنها بعيدة الشبه تلك لا عيب فيها ولا تعب وقوله ومغفرة من ربهم معناه وتنعيم اعطته المغفرة وسببته والا فالمغفرة انما هي قبل دخول الجنة وقوله سبحانه كمن هو خالد في النار الآية قبله محذوف تقديره اسكان هذه او تقديره اهؤلاء المتقون كمن هو خالد في النار وقوله سبحانه ومنهم من يستمع يعني بذلك المنافقين حتىاذا خرجوا من عندك قالوا للذين اوتوا العلم ماذا قال أنفا على جهة الاستخفاف ومنهم من يقوله جهالة ونسيانا وآنفا معناه مبتدئا كانه قال ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه والمفسرون يقولون أنفا معناه الساعة الماضية وهذا تفسير بالمعنى ت وقال الثعلبي أنفا أي الآن واصله الابتداء قال ابو حيان أنفا بالمد والقصر اسم فاعل والمستعمل من فعله ائتنفت ومعنى ءأنفا مبتدئا فهو منصوب على الحال واعربه الزمخشري ظرفا أي الساعة قال ابو حيان ولا اعلم احدا من النحاة عده من الظروف انتهى وقال العراقي أنفا أي الساعة وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى أي زادهم الله هدى ويحتمل زادهم استهزاء المنافقين هدى قال الثعلبي وقيل زادهم ما قال النبي ص - هدى قال ع الفاعل في وءاتاهم يتصرف القول فيه بحسب التاويلات المذكورة واقواها ان الفاعل الله تعالى وءاتاهم معناه اعطاهم أي جعلهم متقين وقوله تعالى فهل ينظرون يريد المنافقين والمعنى فهل ينتظرون وبغتة معناه فجأة وقوله فقد جاء اشراطها أي فينبغي الاستعداد والخوف منها والذي جاء من اشراط الساعة محمد ص - لأنه آخر الانبياء وقال عليه السلام بعثت انا والساعة كهاتين والاحاديث كثيرة في هذا الباب وقوله تعالى فاعلم انه لا اله الا الله الآية اضراب عن امر هؤلاء المنافقين وذكر الاهم من الامر والمعنى دم على علمك وهذا هو القانون في كل من امر بشيء هو متلبس به وكل واحد من الامة داخل في هذا الخطاب وعن ابي هريرة قال قال رسول الله ص - ما قال عبد لا اله الا الله مخلصا الا فتحت له ابواب الجنة حتى تفضي الى العرش ما اجتنبت الكبائر رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن غريب انتهى من السلاح وقوله تعالى واستغفر لذنبك أي لتستن امتك بسنتك ت هذا لفظ الثعلبي وهو حسن وقال عياض قال مكي مخاطبة النبي ص - ها هنا هي مخاطبة لامته انتهى قال ع وروى ابو هريرة عن النبي ص - انه قال من لم يكن عنده ما يتصدق به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات وبوب البخاري رحمه الله العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى فاعلم انه لا اله الا الله وقوله تعالى واستغفر لذنبك الآية وواجب على مومن ان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فانها صدقة وقال الطبري وغيره متقلبكم متصرفكم فى يقظتكم ومثواكم منامكم وقال ابن عباس متقلبكم تصرفكم في حياتكم الدنيا ومثواكم اقامتكم في قبوركم وفي أخرتكم وقوله عز و جل ويقول الذين أمنوا لولا نزلت سورة الآية هذا ابتداء وصف حال المؤمنين على جهة المدح له ووصف حال المنافقين على جهة الذم وذلك ان المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تمنى ظهور الاسلام وتمنى قتال العدو وكانوا يانسون بالوحي ويستوحشون اذا ابطأ وكان المنافقون على العكس من ذلك وقوله محكمة معناه لا يقع فيها نسخ واما الاحكام الذي هو الاتقان فالقرآن كله سواء فيه والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فساد معتقدهم ونظر الخائف الموله قريب من نظر المغشي عليه وخسسهم هذا الوصف والتشبيه وقوله تعالى فاولى لهم طاعة اولى وزنها افعل من وليك الشيء يليك والمشهور من استعمال اولى انك تقول هذا اولى بك من هذا أي احق وقد تستعمل العرب اولى لك فقط على جهة الاختصار لما معها من القول على جهة الزجروالتوعد فتقول اولى لك يا فلان وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى اولى لك فأولى وقالت فرقة اولى رفع بالابتداء وطاعة خبره قال ع وهذا هو المشهور من استعمال اولى وقيل غير هذا قال ابو حيان قال صاحب الصحاح اولى لك تهديد ووعيد قال ابو حيان والأكثر على انه اسم مشتق من الولي وهو القرب وقال الجرجاني هو مأخوذ من الويل فقلب فوزنه افلع انتهى فاذا عزم الأمر ناقضوا وعصوا قال البخاري قال مجاهد عزم الامر جد الامر انتهى وقوله سبحانه فهل عسيتم مخاطبة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض والمعنى فهل عسى ان تفعلوا ان توليتم غير ان تفسدوا في الأرض وتقطعوا ارحامكم ومعنى ان توليتم أي ان اعرضتم عن الحق وقيل المعنى ان توليتم امور الناس من الولاية وعلى هذا قيل انها نزلت في بني هاشم وبني امية ذكره الثعلبي ت وهو عندي بعيد لقوله اولائك الذين لعنهم الله فتعين التاويل الاول والله اعلم وفي البخاري عن جبير بن مطعم عن البني ص - قال لا يدخل الجنة قاطع يعني قاطع رحم وفيه عن ابي هريرة عن النبي ص - قال من سره ان يبسط له في رزقه وان ينسأ له في اثره فليصل رحمه اه وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله ص - الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله وفي رواية لا يدخل الجنة قاطع وفي طريق من سره ان يبسط عليه رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه وخرجه البخاري من طريق ابي هريرة على ما تقدم وخرج البخاري عن ابي هريرة عن النبي ص - قال ان الله خلق الخلق حتى اذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم اما ترضين ان اصل من وصلك واقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فهو لك قال رسول الله ص - فاقرءوا ان شئتم فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الأرض وتقطعوا ارحامكم وفي رواية قال الله من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته انتهى وروى ابو داود في سننه عن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت رسول الله ص - يقول قال الله عز و جل انا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي من وصلها وصلته ومن قطعها بتته انتهى وقوله تعالى اولائك الذين لعهم الله اشارة الى المرضى القلوب المذكورين وقوله فاصمهم واعمى ابصارهم استعارة لعدم فهمهم وقوله عز من قائل افلا يتدبرون القرآن الآية توقيف وتوبيخ وتدبر القرآن زعيم بالتبيين والهدى لمتأمله قال الهروي قوله تعالى افلا يتدبرون والقرآن معناه افلا يتفكرون فيعتبرون يقال تدبرت الأمر اذا نظرت في ادباره وعواقبه انتهى وقوله تعالى ام على قلوب اقفالها معناه بل على قلوب اقفالها وهو الرين الذي منعهم من الايمان وروي ان وفد اليمن وفد على النبي ص - وفيهم شاب فقرأ النبي ص - هذه الآية فقال الفتى عليها اقفالها حتى يفتحها الله تعالى ويفرجها قال عمر فمعظم في عيني فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي الخلافة فاستعان بذلك الفتى وقوله تعالى ان الذين ارتدوا على ادبارهم الآية قال قتادة نزلت في قوم من اليهود وقال ابن عباس وغيره نزلت في منافقين كانوا اسلموا ثم نافقت قلوبهم والآية تعم كل من دخل في ضمن لفظها غابر الدهر وسول معناه رجاهم سؤلهم وأمانيهم ونقل ابو الفتح عن بعضهم انه بمعنى دلاهم مأخوذ من السول وهو الاسترخاء والتدلى وقال العراقي سول أي زين سوء الفعل وقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا الآية قيل انها نزلت في بني اسرائيل الذين تقدم ذكرهم الآن وروي ان قوما من قريظة والنضير كانوا يعدون المنافقين في امر رسول الله ص - والخلاف عليه بنصر ومؤازرة فذلك قولهم سنطيعكم في بعض الامر وقرا الجمهور اسرارهم بفتح الهمزة وقرأ حمزة والكسائي وحفص اسرارهم بكسرها وقوله سبحانه فكيف اذا توفتهم الملائكة يعنى ملك الموت واعوانه والضمير يضربون للملائكة وفي نحو هذا احاديث تقتضي صفة الحال وما اسخط الله هو الكفر والرضوان هنا الحق والشرع المؤدى الى الرضوان وقوله سبحانه ام حسب الذين في قلوبهم مرض الآية توبيخ للمنافقين وفضح لسرائرهم والضفن الحقد وقال البخاري قال ابن عباس اضغانهم حسدهم انتهى وقوله سبحانه ولو نشاء لاريناكهم الآية لم يعينهم سبحانه بالاسماء والتعريف التام ابقاء عليهم وعلى قراباتهم وان كانوا قد عرفوا بلحن القول وكانوا في الاشتهار على مراتب كابن ابي وغيره والسيما العلامة وقال ابن عباس والضحاك ان الله تعالى قد عرفه بهم في سورة براءة بقوله ولا تصل على احد منهم مات ابدا وفي قوله قل لن تخرجوا معي ابدا ولن تقاتلوا معي عدوا قال ع وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تام ثم اخبر تعالى انه سيعرفهم في لحن القول أي في مذهب القول ومنحاه ومقصده واحتج بهذه الآية من جعل الحد في التعريض بالقذف ص قال ابو حيان ولتعرفنهم اللام جواب قسم محذوف انتهى وقوله سبحانه والله يعلم اعمالكم مخاطبة للجميع من مومن وكافر وقوله سبحانه ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين الآية كان الفضيل بن عياض اذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللهم لا تبتلنا فانك ان بلوتنا فضحتنا وهتكت استارنا وقوله سبحانه ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول الآية قالت فرقة نزلت في بني اسرائيل وقالت فرقة نزلت في قوم من المنافقين وهذا نحو ما تقدم وقال ابن عباس نزلت في المطعمين في سفرة بدر وقالت فرقة بل هي عامة في كل كافر وقوله لن يضروا الله شيئا تحقير لهم وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا اعمالكم روي ان هذه الآية نزلت في بني اسد من العرب وذلك انهم اسلموا وقالوا للنبي ص - نحن آثرناك على كل شيء وجئناك بانفسنا واهلينا كانهم يمنون بذلك فنزل فيهم يمنون عليك ان اسلموا الآية ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية العموم وقوله سبحانه ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار الآية روي انها نزلت بسبب ان عدي بن حاتم قال يا رسول الله ان حاتما كانت له افعال بر فما حاله فقال النبي ص - هو في النار فبكى عدي وولى فدعاه النبي ص - فقال له ابي وابوك وابو ابراهيم خليل الرحمن في النار ونزلت هذه الآية في ذلك وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته الصفة وقوله سبحانه فلا تهنوا معناه لا تضعفوا وتدعوا الى السلم أي الى المسألة وقال قتادة معنى الآية لا تكونوا اولى الطائفتين ضرعت للأخرى قال ع وهذا حسن ملتئم مع قوله تعالى وان جنحوا للسلم فاجنح لها وانتم الأعلون في موضع الحال المعنى فلا تهنوا وانتم في هذه الحال ويحتمل ان يكون اخبارا بمغيب ابرزه الوجود بعد ذلك والأعلون معناه الغالبون والظاهرون من العلو وقوله والله معكم معناه بنصره ومعونته ويتر معناه ينقص ويذهب والمعنى لن يتركم ثواب اعمالكم وقوله سبحانه انما الحياة الدنيا لعب ولهو تحقير لامر الدنيا وقوله وان تومنوا وتتقوا يؤتكم اجوركم معناه هذا هو المطلوب منكم لا غيره لا تسئلون اموالكم ثم قال سبحانه منبها على خلق ابن آدم ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا والاحفاء هو اشد السؤال وهو الذي يستخرج ما عند المسئول كرها ت وقال الثعلبي فيحفكم أي يجهدكم ويلحف عليكم وقوله تبخلوا جزما على جواب الشرط ويخرج اضغانكم أي يخرج الله اضغانكم وقرأ يعقوب ونخرج بالنون والاضغان معتقدات السوء وهو الذي كان يخاف ان يعتري المسلمين ثم وقف الله تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله هأنتم هؤلاء وكرر ها التنبيه تاكيدا وقوله تعالى ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه أي بالثواب والله الغني أي عن صدقاتكم وانتم الفقراء الى ثوابها ت هذا لفظ الثعلبي قال ع يقال بخلت عليك بكذا وبخلت عنك بمعنى امسكت عنك وروى الترمذي عن ابي هريرة عن النبي ص - قال السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل قال أبو عيسى هذا حديث غريب انتهى وقوله سبحانه وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم قالت فرقة هذا الخطاب لجميع المسلمين والمشركين والعرب حينئذ والقوم الغير هم فارس وروى أبو هريرة أن النبي ص - سئل عن هذا وكان سلمان إلى جنبه فوضع يده على فخذه وقال قوم هذا لو كان الدين في الثريا لناله رجال من اهل فارس وقوله سبحانه ثم لا يكونوا أمثالكم معناه في الخلاف والتولي والبخل بالأموال ونحو هذاوحكى الثعلبي قولا أن القوم الغيرهم الملائكة ت وليس لأحد مع الحديث إذا صح نظر ولولا الحديث لاحتمل أن يكون الغير ما يأتي من الخلف بعد ذهاب السلف على ما ذكر في غير هذا الموضع تفسير سورة الفتح وهي مدنية هذه السورة نزلت على النبي ص - منصرفة من الحديبية وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس وابن مسعود وغيرهما وفي تلك السفرة قال النبي ص - لعمر لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي من الدينا وما فيها خرجه البخاري وغيره بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل إنا فتحنا لك فتحا مبينا الآية قوم يريد فتح مكة وقال جمهور الناس وهو الصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن قوله إنا فتحنا لك إنما معناه هو ما يسر الله عز و جل لنبيه في تلك الخرجة من الفتح البين الذي استقبله ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها الله سببا للفتوحات واستقبل النبي ص - في تلك السفرة إنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش واتفقت بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبدالله والبراء بن عازب وبلغ هديه محله قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر وامتلأت أيدي المؤمنين وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس فكانت من جملة الفتح فسربها ص - هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وشرفه الله بأن أخبره أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أي وإن لم يكن ذنب ت قال الثعلبي قوله ليغفر لك الله قال أبو حاتم هذه لام القسم لما حذفت النون من فعله كسرت ونصب فعلها تشبيها بلام كي انتهى قال عياض ومقصد الآية إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان انتهى قال أبو حيان ليغفر اللام للعلة وقال ع هي لام الصيرورة وقيل هي لام القسم ورد بأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها وأجيب بأن الكسر قد علل بالحمل على لام كي وأما الحركة فليست نصبا بل هي الفتحة الموجودة مع النون بقيت بعد حذفها دالة على المحذوف ورد بأنه لم يحفظ من كلامهم والله ليقوم ولا بالله ليخرج زيد انتهى وفي صحيح البخاري عن أنس ابن مالك إنا فتحنا لك فتحا مبينا الحديبية انتهى وقوله سبحانه ويتم نعمته عليه أي بإظهارك وتغليبك على عدوك والرضوان في الآخرة والسكينة فعيلة من السكون وهو تسكين قلوبهم لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت وعلموا أن وعد الله حق وقوله سبحانه ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار الآية روي في معنى هذه الآية لما نزلت وما أدري ما يفعل بي ولا بكم تكلم فيها أهل الكفر وقالوا كيف نتبع من لا يعرف ما يفعل به وبالناس فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلما سمعها المؤمنون قالوا هنيئا لك يا رسول الله لقد بين الله لك ما يفعل بك فما يفعل بنا فنزلت ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات إلى قوله مصيرا فعرفه الله ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين وذكر النقاش أن رجلا من عك قال هذا الذي لرسول الله فما لنا فقال النبي ص - هي لي ولأمتي كهاتين وجمع بين أصبعيه وقوله ويكفر عنهم سيئاتهم هو من ترتيب الجمل في السرد لا ترتيب وقوع معانيها لأن تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة وقوله الظانين بالله ظن السوء قيل معناهم من قولهم لن ينقلب الرسول الآية وقيل هو كونهم يعتقدون الله بغير صفاته العلى وقوله عليهم دائرة السوء أي دائرة السوء الذي أرادوه بكم في ظنهم السوء ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طي الزمان دائرة لأنها تدور بدوران الزمان وقوله سبحانه إنا أرسلناك شاهدا الآية من جعل الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها فقوله شاهدا حال واقعة ومن جعل الشاهد مؤدي الشهادة فهي حال مستقبلة وهي التي يسميها النحاة المقدرة والمعنى شاهدا على الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلغت ومبشرا أهل الطاعة برحمة الله ونذيرا من عذاب الله أهل المعصية ومعنى تعزروه تعظموه وتكبروه قاله ابن عباس وقرأ ابن عباس وغيره تعززوه بزاءين من العزة ثال الجمهور الضمير في تعزروه وتوقروه لللنبي ص - وفي تسبحوه لله عز و جل والبكرة الغدو والأصيل العشي وقوله سبحانه إن الذين يبايعونك يريد في بيعة الرضوان وهي بيعةالشجرة حين أخذ رسول الله ص - الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل عثمان بن عفان رسوله إليهم وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية وكان في ألف وأربعمائة وبايعهم ص - على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد حتى قال سلمة ابن الأكوع وغيره بايعنا رسول الله ص - على الموت وقال عبد الله ابن عمر وجابر بن عبد الله بايعنا رسول الله ص - على أن لا نفر والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع لأن الله تعالىاشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ومعنى إنما يبايعون الله إن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح الثمن الله تعالى ت وهذا تفسير لا يمس الآية ولا بد وقال الثعلبي إنما يبايعون الله أي أخذك البيعة عليهم عقد الله عليهم انتهى وهذا تفسير حسن وقوله تعالى يد الله قال جمهور المتأولين اليد بمعنى النعمة إذ نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك وقيل المعنى قوة الله فوق قواهم في نصرك ت وقال الثعلبي يد الله فوق أيديهم أي بالوفاء والعهد وقيل بالثواب وقيل يد الله في المنة عليهم فوق أيديهم في الطاعة عند المبايعة وهذا حسن قريب من الأول وقوله تعالى فمن نكث أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا عظيما وهو الجنة وقوله سبحانه سيقول لك المخلفون من الأعراب قال مجاهد وغيره من جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من الأعراب وذلك أن النبي ص - حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش وأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعمل الناس أنه لا يريد حربا فتثاقل عنه هؤلاء المخلفين ورأوا أنه يستقبل عدوا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة وهم الأحابيش ولم يكن تمكن إيمان هؤلاء المخلفين فقعدوا عن النبي ص - وتخلفوا وقالوا لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة ففضحهم الله في هذه الآية وأعلم نبيه محمدا ص - بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم فكان كما أخبر الله سبحانه فقالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا عنك فاستغفر لنا وهذا منهم خبث وإبطال لأنهم قالوا ذلك مصانعة من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم فمن يملك لكم من الله شيئاإن أراد بكم ضرا أي من يحمي منه أموالكم وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءا وفي مصحف ابن مسعود إن أراد بكم سوءا ثم رد عليهم بقوله بل كان الله بما تعملون خبيرا ثم فسر لهم العلة التي تخلفوا من أجلها بقوله بل ظننتم الآية وبورا معناه هلكى فاسدين والبوار الهلاك والبور في لغة أزد عمان الفاسد ثم رجى سبحانه بقوله ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما ثم إن الله سبحانه أمر نبيه على ما روي بغزو خيبر ووعده بفتحها وأعلمه أن المخلفين إذارأوا مسير رسول الله ص - إلى يهود وهم عدو مستضعف طلبواالكون معه رغبة في عرض الدنيا والغنيمة فكان كذلك وقوله تعالى يريدون ان يبدلوا كلام الله معناه ان يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة خيبر وقال ابن زيد كلام الله هو قوله تعالى لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا قال ع وهذا ضعيف لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ص - وآية هذه السورة نزلت عام الحديبية وأيضا فقد غزت جهينة ومزينة بعد هذه المدة مع رسول الله ص - يعني غزوة الفتح فتح مكة ت قال الثعلبي وعلى التأويل الأول عامة أهل التأويل وهو أصوب من تأويل ابن زيد وقوله كذلكم قال الله من قبل يريد وعده قبل باختصاصهم بها وباقي الآية بين وقوله سبحانه ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد قال قتادة وغيره هم هوازن ومن حارب النبي عليه السلام يوم حنين وقال الزهري وغيره هم أهل الردة وبنو حنيفة باليمامة وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم المراد وقيل هم فارس والروم وقرأ الجمهور أو يسلمون على القطع أي أو هم يسلمون دون حرب قال ابن العربي والذين تعين قتالهم حتى يسلموا من غير قبول جزية هم العرب في أصح الأقوال أو المرتدون فأما فارس والروم فلا يقاتلون إلى أن يسلموا بل أن بذلوا الجزية قبلت منهم وهذه الآية أخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ص - انتهى من الأحكام وقوله فان تطيعوا اي فيما تدعون اليه وباقي الآية بين ثم ذكر تعالى اهل الاعذار ورفع الحرج عنهم وهو حكم ثابت لهم الى يوم القيامة ومع ارتفاع الحرج فجائز لهم الغزو واجرهم فيه مضاعف وقد غزا ابن ام مكتوم وكان يمسك الراية فى بعض حروب القادسية وقد خرج النسائي هذا المعنى وذكر ابن ام مكتوم رحمه الله وقوله عز و جل لقد رضي الله عن المؤمنين الآية تشريف لهم رضي الله عنهم وقد تقدم القول في المبايعة ومعناها وكان سبب هذه المبايعة أن رسول الله ص - أراد أن يبعث إلى مكة رجلا يبين لهم أن النبي ص - أراد لا يريد حربا وإنما جاء معتمرا فبعث إليهم خداش بن أمية الخزاعي وحمله ص - على جمل له يقال له الثعلب فلما كلمهم عقروا الجمل وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش وبلغ ذلك النبي ص - فأراد بعث عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي أحد يحميني ولكن ابعث عثمان فهو أعز بمكة مني فبعثه النبي ص - فذهب فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دابته فحمله عليها وأجاره حتى بلغ الرسالة فقالوا له إن شئت يا عثمان أن تطوف بالبيت فطف به فقال ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي ص - ثم إن بني سعيد بن العاصي حبسوا عثمان على جهة المبرة فأبطأ على النبي ص - وكانت الحديبية من مكة على نحو عشرة أميال فصرخ صارخ من عسكر رسول الله ص - قتل عثمان فجثا رسول اللله ص - والمؤمنون وقالوا لا نبرح إن كان هذا حتى نناجز القوم ثم دعا الناس إلى البيعة فبايعوه ص - ولم يتخلف عنها إلا الجد بن قيس المنافق وجعل النبي ص - يده على يده وقال هذه يد عثمان وهي خير ثم جاء عثمان سالما والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين وقوله سبحانه فعلم ما في قلوبهم قال الطبري ومنذر بن سعيد معناه من الإيمان وصحته والحب في الدين والحرص فيه وقرأ الناس وأثابهم قال هارون وقد قرئت وآتاهم بالتاء بنقطتين والفتح القريب خيبر والمغانم الكثيرة فتح خيبر وقوله تعالى وعدكم الله الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخدونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره وقوله فعجل لكم هذه يريد خيبر وقال زيد بن اسلم وابنه المغانم الكثيرة خيبر وهذه اشارة الى البيعة والتخلص من امر قريش وقاله ابن عباس وقوله سبحانه وكف أيدي الناس عنكم قال قتادة يريد كف أيديهم عن أهل المدينة فى مغيب النبي عليه السلام والمؤمنين ولتكون ءاية اي علامة على نصر المؤمنين وحكى الثعلبي عن قتادة أن المعنى كف الله غطفان ومن معها حين جاءوا لنصر خيبر وقيل أراد كف قريشا وقوله سبحانه وأخرى لم تقدروا عليها قال ابن عباس الإشارة إلى بلاد فارس والروم وقال قتادة والحسن الأشارة إلى مكة وهذا قول يتسق معه المعنى ويتأيد وقوله قد أحاط الله بها معناه بالقدرة والقهر لأهلها أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها ت قوله وظهر فيها إلى آخره كلام غير محصل ولفظ الثعلبي وأخرى لم تقدروا عليها أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط بها لكم حتى يفتحها عليكم وقال ابن عباس علم الله أنه يفتحها لكم قال مجاهد هو ما فتحوه حتى اليوم ثم ذكر بقية الأقوال انتهى وقوله سبحانه ولو قاتلكم الذين كفروا يعني كفار قريش في تلك السنة لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا وقوله سنة الله أي كسنة الله إشارة إلى وقعة بدر وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء ونصب سنة على المصدر وقوله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية روي في سببها أن قريشا جمعت جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر النبي ص - واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافا متفاوتا فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله ص - في أثرهم خالد بن الوليد وسماه يومئذ سيف الله في جملة من الناس ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة فسيقوا إلى النبي ص - فمن عليهم وأطلقهم قال الواحدي وكان ذلك سبب الصلح بينهم انتهى وقوله سبحانه هم الذين كفروا يعني أهل مكة وصدوكم عن المسجد الحرام أي منعوكم من العمرة وذلك أن النبي ص - خرج من المدينة إلى الحديبية في ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ص - حتى نزل على بير الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمرا حتى كفى الجيش ثم بعث ص - إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالا آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ص - ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير والهدي معطوف على الضمير في صدوكم أي وصدوا الهدي ومعكوفا حال ومعناه محبوسا تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم لأجل أن يبلغ الهدي محله وهو مكة والبيت وهذا هو حبس المسلمين وذكر تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة وهي أنه كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خفي إيمانهم فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولائك المؤمنين قال قتادة فدفع الله عن المشركين بأولائك المؤمنين والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ص - اللهم اشدد وطأتك على مضر قال أبو حيان ولولا رجال جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه أي ما كف أيديكم عنهم انتهى والمعرة السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العر والعرة وهو الحرب الصعب اللازم واختلف في تعيين هذه المعرة فقال الطبري وحكاه الثعلبي هي الكفارة وقال منذر المعرة أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم وقال بعض المفسرين هي الملام والقول في ذلك وتألم النفس في باقي الزمان وهذه أقوال حسان وجواب لولا محذوف تقديره لولا هؤلاء لدخلتم مكة لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة ليدخل الله أي ليبين للناظر أن الله يدخل من يشاء في رحمته أي ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم ت وقال الثعلبي قوله بغير علم يحتمل أن يريد بغير علم ممن تكلم بهذا والمعرة المشقة ليدخل الله في رحمته أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة قبل أن تدخلوها انتهى وقوله تعالى لو تزيلوا أي لو ذهبوا عن مكة تقول زلت زيدا عن موضعه إزالة أي أذهبته وليس هذا الفعل من زال يزول وقد قيل هو منه وقرأ أبو حيوة وقتادة تزايلوا بألف أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وقال النحاس وقد قيل إن قوله ولولا رجال مؤمنون الآية يريد من في أصلاب الكافرين ممن سيؤمن في غابر الدهر وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ص مرفوعا والحمية التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد قال الزهري وهي حمية سهيل ومن شاهد منهم عقد الصلح وجعلها سبحانه حمية جاهلية لأنها كانت منهم بغير حجة إذ لم يأت ص - محاربا لهم وإنام جاء معتمرا معظما لبيت الله والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله ص - والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره وكلمة التقوى قال الجمهور هي لا إله إلا الله وروي ذلك عن النبي ص - وفي مصحف ابن مسعود وكانوا أهلها وأحق بها والمعنى كانوا أهلها على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم وروى أبو أمامة عن النبي ص - أنه قال إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي فإذا كبر كبر وإذا تشهد تشهد وإذا قال حي على الصلاة قال حي على الصلاة وإذا قال حي على الفلاح قال حي على الفلاح ثم يقول رب هذه الدعوة الصادقة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى أحينا عليها وأمتنا عليها وابعثنا عليها واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتا ثم يسئل الله حاجته رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد انتهى من السلاح فقد بين ص - في هذا الحديث معنى كلمة التقوى على نحو ما فسر به الجمهور والصحيح أنه يعوض عن الحيلة الحوقلة ففي صحيح مسلم ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله الحديث انتهى وقوله تعالى وكان الله بكل شيء عليما إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنه لما انعقد الصلح أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة وامتزجوا وعلت دعوة الإسلام وانقاد إلى الإسلام كل من له فهم وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أضعاف ما كان قبل ذلك قال ع ويقتضي ذلك أن النبي ص - كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس ص - ت المعروف عشرة آلاف وقوله فارس ما أظنه يصح فتأمله في كتب السيرة وقوله سبحانه لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق الآية روي في تفسيرها أن النبي ص - رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون وقال مجاهد رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناس بهذه الرؤيا فوثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك وقد كان سبق في علم الله أن ذلك يكون لكن ليس في تلك الوجهة فلما صدهم أهل مكة قال المنافقون وأين الرؤيا ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك فأجابهم النبي ص - بأن قال وهل قلت لكم يكون ذلك في عامنا هذا أو كما قال ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه ثم أنزل الله عز و جل لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق الآيةواللام في لتدخلن لام القسم وقوله إن شاء الله اختلف في هذا الاستثناء فقال بعض العلماء إنما استثنى من حيث أن كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وإن لا يتم إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه فلذلك استثنى عز و جل في الجملة إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض ت وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السير وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى على عباده بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل ت قال ثعلب استثنى الله تعالى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون وقيل غير هذا ولما نزلت هذه الآية علم المسلمون أن تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان فكان كذلك فخرج ص - في العام المقبل واعتمر وقوله سبحانه فعلم ما لم تعلموا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه وقوله من دون ذلك أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم واختلف في الفتح القريب فقال كثير من العلماء هو بيعة الرضوان وصلح الحديبية وقال ابن زيد هو فتح خيبر وقوله تعالى محمد رسول الله قال جمهور الناس هو ابتداء وخبر استوفى فيه تعظيم منزلة النبي ص - وقوله والذين معه ابتداء وخبره أشداء ورحماء خبر ثان وهذا هو الراجح لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا تكتب محمد رسول الله والذين معه إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن الإشارة إلى من شهد الحديبية ت ووصف تعالى الصحابة بأنهم رحماء بينهم وقد جاءت أحاديث صحيحة في تراحم المؤمنين حدثنا الشيخ ولي الدين العراقي بسنده عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ص - قال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وأخرج الترمذي من طريق أبي هريرة عن رسول الله ص - أنه قال لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي وخرج عن جرير بن عبدالله قال قال رسول الله ص - من لا يرحم الناس لا يC قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وهذا الحديث خرجه مسلم عن جرير وخرج مسلم أيضا من طريق أبي هريرة من لا يرحم لا يرحم انتهى وبالجملة فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرة ولو بأن تلقى أخاك بوجه طلق وكذلك بذل السلام وطيب الكلام فالموفق لا يحتقر من المعروف شيأ وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب ختم الأولياء له بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ص - يقول إذا التقى المسلمان كان أحبهما إلى الله سبحانه أحسنهما بشرا بصاحبه أو قال أكثرهما بشرا بصاحبه فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة تسعون منها للذي بدأ وعشرة للذي صوفح انتهى وقوله تراهم ركعا سجدا أي ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم ويبتغون معناه يطلبون وقوله سبحانه سيماهم في وجوههم قال مالك بن أنس كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب وقاله عكرمة ونحوه لأبي العالية وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية هو وعد بحالهم يوم القيامة من الله تعالى يجعل لهم نورا من أثر السجود قال ع كما يجعل غرة من أثر الوضوء حسبما هو في الحديث ويؤيد هذا التأويل اتصال القول بقوله فضلا من الله وقال ابن عباس السمت الحسن هو السيما وهو خشوع يبدو على الوجه قال ع وهذه حالة مكثري الصلاة لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر وقال الحسن ابن أبي الحسن وشمر بن عطية السيما بياض وصفرة وتبهيج يعتري الوجوه من السهر وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس السيما حسن يعتري وجوه المصلين قال ع ومن هذا الحديث الذي في الشهاب من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار قال ع وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد سمع شريك بن عبدالله يقول حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم نزع شريك لما رأى ثابتا الزاهد فقال يعنيه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار فظن ثابت أن هذاالكلام حديث متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك ت واعلم أن الله سبحانه جعل حسن الثناء علامة على حسن عقبى الدار والكون في الجنة مع الأبرار جاء بذلك صحيح الآثار عن النبي المختار ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي ص - وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال وجبت فقال عمر ما وجبت فقال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض انتهى ونقل صاحب الكوكب الدري من مسند البزار عن النبي ص - أنه قال يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار فقالوا يا رسول الله بم قال بالثناء الحسن والثناء السيء انتهى ونقله صاحب كتاب التشوف إلى رجال التصوف وهو الشيخ الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التاذلي عن ابن أبي شيبة ولفظه وخرج أبو بكر بن أبي شيبة أنه قال ص - في خطبته توشكوا أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار أو قال خياركم من شراركم قالوا بما يا رسول الله قال بالثناء الحسن وبالثناء السيئ أنتم شهداء الله بعضكم على بعض ومن كتاب التشوف قال وخرج البزار عن أنس قال قيل يا رسول الله من أهل الجنة قال من لا يموت حتى تملأ مسامعه مما يحبه قيل فمن أهل النار قال من لا يموت حتى تملأ مسامعه مما يكره قال وخرج البزار عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله دلني على عمل أدخل به الجنة قال لا تغضب وأتاه آخر فقال متى أعلم أني محسن قال إذا قال جيرانك أنك محسن فإنك محسن وإذا قالوا أنك مسيء فإنك مسيء انتهى ونقل القرطبي في تذكرته عن عبدالله بن السائب قال مرت جنازة بابن مسعود فقال لرجل قم فانظر أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار فقال الرجل ما يدريني أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار قال انظر ما ثناء الناس عليه فأنتم شهداء الله في الأرض انتهى وبالله التوفيق وإياه نستعين وقوله سبحانه ذلك مثلهم في التوراة الآية قال مجاهد وجماعة من المتأولين المعنى ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل وتم القول وكزرع ابتداء تمثيل وقال الطبري وحكاه عن الضحاك المعنى ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة وتم القول ثم ابتدأ ومثلهم في الإنجيل كزرع ت وقيل غير هذا وأبينها الأول وما عداه يفتقر إلى سند يقطع الشك وقوله تعالى كزرع على كل قول هو مثل للنبي عليه السلام وأصحابه في أن النبي عليه السلام بعث وحده فكن كالزرع حبة واحدة ثم كثر المسلمون فهم كالشطء وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل يقال أشطأت الشجرة إذا أخرجت غصونها وأشطأ الزرع إذا أخرج شطأه وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال الزرع النبي ص فآزره علي بن أبي طالب فاستغلظ بأبي بكر فاستوى على سوقه بعمر بن الخطاب ت وهذا لين الإسناد والمتن كما ترى والله أعلم بصحته وقوله تعالى فآزره له معنيان أحدهما ساواه طولا والثاني أن آزره ووازره بمعنى أعانه وقواه مأخوذ من الأزر وفاعل آزر يحتمل أن يكون الشطء ويحتمل أن يكون الزرع وقوله تعالى ليغيظ بهم الكفار ابتداء كلام قبله محذوف تقديره جعلهم الله بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار قال الحسن من غيظ الكفار قول عمر بمكة لا يعبد الله سرا بعد اليوم وقوله تعالى منهم هي لبيان الجنس وليست للتبعيض لأنه وعد مرج للجميع تفسير سورة الحجرات وهي مدنية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله الآية قال ابن زيد معنى لا تقدموا لا تمشوا وقرأ ابن عباس والضحاك ويعقوب بفتح التاء والدال على معنى لا تتقدموا وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد والمعنى على ضم التاء بين يدي قول الله ورسوله وروي أن سبب هذه الآية أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا رسول الله لو أمرت القعقاع بن معبد وقال عمر لا يا رسول الله بل أمر الأقرع ابن حابس فقال له أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر ما أردت خلافك وارتفعت أصواتهما فنزلت الآية وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله لا تقدموا أي ولاة فهو من تقديم الأمراء وعموم اللفظ أحسن أي اجعلوه مبدأ في الأقوال والأفعال وعبارة البخاري وقال مجاهد لا تقدموا لا تفتاتوا على رسول الله ص - حتى يقضي الله عز و جل على لسانه انتهى وقوله سبحانه لا ترفعوا أصواتكم الآية هي أيضا في هذا الفن المتقدم فروي أن سببها ما تقدم عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والصحيح أنها نزلت بسب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه ممن في صوته جهارة فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج وهو كئيب حزين حتى عرف النبي ص - خبره فبعث إليه فأنسه وقال له امش في الأرض بسطا فإنك من أهل الجنة وقال له مرة أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا فعاش كذلك ثم قتل شهيدا باليمامة يوم مسيلمة ت وحديث ثابت بن قيس وتبشيره بالجنة خرجه البخاري وكذلك حديث أبي بكر وعمر وارتفاع أصواتهما خرجه البخاري ايضا انتهى وقوله كجهر بعضكم لبعض أي كحال أحدكم في جفائه فلا تنادوه باسمه يا محمد يا أحمد قاله ابن عباس وغيره فأمرهم الله بتوقيره وأن يدعوه بالنبوءة والرسالة والكلام اللين وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي ص - وبحضرة العالم وفي المساجد وفي هذه كلها آثار قال ابن العربي في أحكامه وحرمة النبي ص - ميتا كحرمته حيا وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وكلام النبي ص - هو من الوحي وله من الحرمة مثل ما للقرآن انتهى وقوله تعالى أن تحبط مفعول من أجله أي مخافة أن تحبط ثم مدح سبحانه الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله وغض الصوت خفضه وكسره وكذلك البصر وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله ص - إلا كأخي السرار وأن النبي ص - كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه وامتحن معناه اختبر وطهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى وقال عمر بن الخطاب امتحنها للتقوى أذهب عنها الشهوات قال ع من غلب شهوته وغضبه فذلك الذي امتحن الله قلبه للتقوى وبذلك تكون الاستقامة وقال البخاري امتحن أخلص انتهى وقوله سبحانه إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون نزلت في وفد بني تميم وقولهم يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا وفي مصحف ابن مسعود أكثرهم بنو تميم لا يعقلون وباقي الآية بين وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا وقرئ فتثبتوا روي في سبب الآية أن النبي ص - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقا فلما قرب منهم خرجوا إليه ففزع منهم وظن بهم شرا فرجع وقال للنبي ص - قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا فغضب النبي ص - وهم بغزوهم فورد وفدهم منكرين لذلك وروي أنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا لا نعطيه الصدقة ولا نطيعه فقال ما ذكرناه فنزلت الآية وإن تصيبوا معناه مخافة أن تصيبوا قال قتادة وقال النبي ص - عندما نزلت هذه الآية التثبت من الله والعجلة من الشيطان وقوله سبحانه واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم توبيخ للكذبة والعنت المشقة وقوله تعالى أولائك هم الراشدون رجوع من الخطاب إلى الغيبة كأنه قال ومن اتصف بما تقدم من المحاسن أولائك هم الراشدون وقوله سبحانه فضلا من الله ونعمة أي كان هذا فضلا من الله ونعمة وكان قتادة رحمه الله يقول قد قال الله تعالى لأصحاب محمد عليه السلام واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم وأنتم والله أسخف رأيا وأطيش أحلاما فليتهم رجل نفسه ولينتصح كتاب الله تعالى وقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما سبب الآية في قول الجمهور هو ما وقع بين المسلمين المتحزبين في قضية عبدالله بن أبي ابن سلول حين مر به النبي ص - راكبا على حماره متوجها إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه حسبما هو معلوم في الحديث الطويل ومدافعة الفئة الباغية متوجهة في كل حال وأما التهيئ لقتالهم فمع الولاة وقال النبي ص - حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريحها ولا يطلب هاربها ولا يقتل أسيرها ولا يقسم فيئها وتفيء معناه ترجع وقرأ الجمهور بين أخويكم وذلك رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر وقرأ ابن عامر بين إخوتكم وقرأ عاصم الجحدري بين إخوانكم وهي قراءة حسنة لأن الأكثر في جمع الأخ في الدين ونحوه من غير النسب إخوان والأكثر في جمعه من النسب إخوة وآخاء قد تتداخل هذه الجموع وكلها في كتاب الله وقوله سبحانه يا أيهاالذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم الآية هذه الآية والتي بعدها نزلت في خلق أهل الجاهلية وذلك أنهم كانوا يجرون مع شهوات نفوسهم لم يقومهم أمر من الله ولا نهي فكان الرجل يسخر ويلمز وينبز بالألقاب ويظن الظنون ويتكلم بها ويغتاب ويفتخر بنسبه إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطالة فنزلت هذه الآية تأديبا لهذه الأمة وروى البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص - المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على السملم حرام عرضه وماله ودمه التقوى هاهنا بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم انتهى ويسخر معناه يستهزئ وقد يكون ذلك المستهزأ به خيرا من الساخر والقوم في كلام العرب واقع على الذكران وهو من أسماء الجمع ومن هذا قول زهير ... وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء ... وهذه الآية أيضا تقتضي اختصاص القوم بالذكران وقد يكون مع الذكران نساء فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور وتلمزوا معناه يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونحوه وقد يكون اللمز بالقول وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر والهمز لا يكون إلا باللسان وحكىالثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب وحكى الزهراوي عكس ذلك وقوله تعالى أنفسكم معناه بعضكم بعضا كما قال تعالى أن اقتلوا أنفسكم كأن المؤمنين كنفس واحدة إذ هم ءاخوة كما قال ص - كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى وهم كما قال ايضا كالبنيان يشد بعضه بعضا والتنابز التلقب والنبز واللقب واحد واللقب يعني المذكور في الآية هو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها وليس من هذا قول المحدثين سليمان الأعمش وواصل الأحدب ونحوه مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف واذى وقال ابن زيد معنى ولا تنابزوا بالألقاب أي لا يقل أحد لأحد يا يهودي بعد إسلامه ولا يا فاسق بعد توبته ونحو هذا وقوله سبحانه بيس الاسم الفسوق بعد الإيمان يحتمل معنيين أحدهما بيس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقا بالمعصية بعد إيمانكم والثاني بيس قول الرجل لأخيه يا فاسق بعد إيمانه وعن حذيفة رضي الله عنه قال شكوت إلى رسول الله ص - ذرب لساني فقال أين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة رواه النسائي واللفظ له وابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم وفي رواية للنسائي اني لاستغفر الله في اليوم واتوب اليه مائة مرة والذرب بفتح الذال والراء هو الفحش انتهى من السلاح ومنه عن ابن عمر ان كنا لنعد لرسول الله ص - في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي انك انت التواب الرحيم رواه ابو داود وهذا لفظه والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حسن صحيح غريب انتهى ثم امر تعالى المومنين باجتناب كثير من الظن وان لا يعلموا ولا يتكلموا بحسبه لما في ذلك وفي التجسس من التقاطع والتدابر وحكم على بعضه انه اثم اذ بعضه ليس باثم والظن المنهي عنه هو ان تظن شرا برجل ظاهره الصلاح بل الواجب ان تزيل الظن وحكمه وتتأول الخير قال ع وما زال اولوا العزم يحترسون من سوء الظن ويجتنبون ذرائعه قال النووي واعلم ان سوء الظن حرام مثل القول فكما يحرم ان تحدث غيرك بمساوى انسام يحرم ان تحدث نفسك بذلك وتسىء الظن به وفي الصحيح عنه ص - اياكم والظن فانه اكذب الحديث والاحاديث بمعنى ما ذكرناه كثيرة والمراد بذلك عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء فاما الخواطر وحديث النفس اذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء لأنه لا اختيار له في وقوعه ولا طريق له الى الانفكاك عنه انتهى قال ابو عمر في التمهيد وقد ثبت عن النبي ص - انه قال حرم الله من المومن دمه وماله وعرضه وان لا يظن به الا الخير انتهى ونقل في موضع آخر بسنده ان عمر بن عبد العزيز كان اذا ذكر عنده رجل بفضل او صلاح قال كيف هو اذا ذكر عنده اخوانه فان قالوا انه يتنقصهم وينال منهم قال عمر ليس هو كما تقولون وان قالوا انه يذكر منهم جميلا وخيرا ويحسن الثناء عليهم قال هو كما تقولون ان شاء الله انتهى من التمهيد وروى ابو داود في سننه عن ابي هريرة عن النبي ص - قال حسن الظن من حسن العبادة انتهى وقوله تعالى ولا تجسسوا أي لا تبحثوا عن مخبئات امور الناس وادفعوا بالتي هي احسن واجتزءوا بالظواهر الحسنة وقرأ الحسن وغيره ولا تحسسوا بالحاء المهملة قال بعض الناس والتجسس بالجيم في الشر وبالحاء في الخير قال ع وهكذا ورد القرآن ولكن قد يتداخلان في الاستعمال ت وقد وردت احاديث صحيحة في هذا الباب لولا الاطالة لجلبناها ولا يغتب معناه لا يذكر احدكم من اخيه شيأ هو فيه ويكره سماعه وقد قال النبي ص - اذا ذكرت ما في اخيك فقد اغتبته وذا ذكرت ما ليس فيه فقد بهته وفي حديث آخر الغيبة ان تذكر المؤمن بما يكره قيل وان كان حقا قال اذا قلت باطلا فذلك هو البهتان وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي ص - انه قال الغيبة اشد من الزنا قيل وكيف قال لان الزاني يتوب فيتوب الله عليه والذي يغتاب لا يتاب عليه حتى يستحل قال ع وقد يموت من اغتيب او يابى وروى ابو داود في سننه عن انس بن مالك قال قال رسول الله ص - لما عرج بي مررت بقوم لهم اظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين ياكلون لحوم الناس ويقعون في اعراضهم انتهى والغيبة مشتقة من غاب يغيب وهي القول في الغائب واستعملت في المكروه ولم يبح في هذا المعنى الا ما تدعو الضرورة اليه من تجريح الشهود وفي التعريف بمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي ص - اما معاوية فصعلوك لا مال له وما يقال في الفسقة ايضا وفي ولاة الجور ويقصد به التحذير منهم ومنه قوله عليه السلام اعن الفاجر ترعون اذكروا الفاجر بما فيه متى يعرفه الناس اذا لم يذكروه ت وهذا الحديث خرجه ايضا ابو بكر بن الخطيب بسنده عن بهز عن ابيه عن جده عن النبي ص قال اترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس ولم يذكر في سنده مطعنا انتهى ومنه قوله عليه السلام بيس ابن العشيرة ثم مثل تعالى الغيبة باكل لحم ابن آدم الميت ووقف تعالى على جهة التوبيخ بقوله ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه أي فكذلك فاكرهوا الغيبة قال ابو حيان فكرهتموه قيل خبر بمعنى الامر أي فاكرهوه وقيل على بابه فقال الفراء فقد كرهتموه فلا تفعلوه انتهى وقد روى البخاري عن النبي ص - انه قال لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر الا ارتدت عليه ان لم يكن صاحبه كذلك وفي رواية مسلم من دعا رجلا بالكفر او قال عدو الله وليس كذلك الا حار عليه وفي الصحيحين عنه ص - أي رجل قال لأخيه كافر فقد باءبها احدهما انتهى وباقي الآية بين وقوله تعالى يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى الآية المعنى يا أيها الناس انتم سواء من حيث انتم مخلوقون وانما جعلتم قبائل لأن تتعارفوا او لان تعرفوا الحقائق واما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب وقرأ ابن مسعود لتعارفوا بينكم وخيركم عند الله اتقاكم وقرأ ابن عباس لتعرفوا ان على وزن تفعلوا بكسر العين وبفتح الهمزة من ان وروي ان النبي ص - قال من سره ان يكون اكرم الناس فليتق الله واما الشعوب فهو جمع شعب وهو اعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطا بنسب واحد كمضر وربيعة وحمير ويتلوه القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة والأسرة وهما قرابة الرجل الادنون ثم نبه سبحانه على الحذر بقوله ان الله عليم خبير أي بالمتقى الذي يستحق رتبة الكرم وخرج مسلم في صحيحه عن النبي ص - انه قال ان الله اوحى الي ان تواضعوا حتى لا يفخر احد على احد ولا يبغى احد على أحد ورورى ابو داود والترمذي عن النبي ص - أنه قال لينتهين اقوام يفتخرون بآبائهم انما هم فحم من جهنم او ليكونن على الله اهون من الجعل الذي يدهده الخراء بانفه ان الله اذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها انما هو مؤمن تقي او فاجر شقي كلكم بنو آدم وآدم من تراب انتهى ونقله البغوي في مصابيحه وقوله تعالى قالت الأعراب آمنا قال مجاهد نزلت في بني اسد وهي قبيلة كانت تجاور المدينة اظهروا الاسلام وفي الباطن انما يريدون المغانم وعرض الدنيا ثم امر الله تعالى نبيه ان يقول لهؤلاء المدعين للايمان لم تؤمنوا أي لم تصدقوا بقلوبكم ولكن قولوا اسلمنا أي استسلمنا والاسلام يقال بمعنيين احدهما الذي يعم الايمان والاعمال وهو الذي في قوله تعالى ان الدين عند الله الاسلام والذي في قوله عليه السلام بني الاسلام على خمس والمعنى الثاني للفظ الاسلام هو الاستسلام والاظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم وهذا هو الذي في الآية ثم صرح بان الايمان لم يدخل في قلوبهم ثم فتح باب التوبة بقوله وان تطيعوا الله الآية وقرأ الجمهور لا يلتكم من لات يليت اذا نقص يقال لات حقه اذا نقصه منه وقرأ ابو عمرو لا يالتكم من ألت يألت وهي بمعنى لات وقوله سبحانه انما المؤمنون انما هنا حاصرة وقوله ثم لم يرتابوا أي لم يشكوا ثم امر الله تعالى نبيه عليه السلام بتوبيخهم بقوله اتعلمون الله بدينكم أي بقولكم آمنا وهو يعلم منكم خلاف ذلك لأنه العليم بكل شيء وقوله سبحانه يمنون عليك ان اسلموا نزلت في بني اسد ايضا وقرأ ابن مسعود يمنون عليك اسلامهم وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية والله بصير بما يعلمون تفسير سورة ق وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل ق والقرآن المجيد قال مجاهد والضحاك وابن زيد وعكرمة ق اسم الجبل المحيط بالدنيا وهو فيما يزعمون انه من زمردة خضراء منها خضرة السماء وخضرة البحر وقيل في تفسيره غير هذا والمجيد الكريم في اوصافه الذي جمع كل معلاة وق مقسم به وبالقرآن قال الزجاج وجواب القسم محذوف تقديره ق والقرآن المجيد لتبعثن قال ع وهذا قول حسن واحسن منه ان يكون الجواب هو الذي يقع عنه الاضراب ببل كانه قال والقرآن المجيد ما ردوا امرك بحجة ونحو هذا مما لا بد لك من تقديره بعد الذي قدره الزجاج وباقي الآية بين مما تقدم في ص ويونس وغيرهما ثم اخبر تعالى ردا على قولهم بانه سبحانه يعلم ما تاكل الأرض من ابن آدم وما تبقى منه وان ذلك في كتاب والحفيظ الجامع الذي لم يفته شيء وفي الحديث الصحيح ان الارض تاكل ابن آدم الاعجب الذنب وهو عظم كالخردلة فمنه يركب ابن آدم قال ع وحفظ ما تنقص الأرض انما هو ليعود بعينه يوم القيامة وهذا هو الحق قال ابن عباس والجمهور المعنى ما تنقص من لحومهم وابشارهم وعظامهم وقال السدي ما تنقص الارض أي ما يحصل في بطنها من موتاهم وهذا قول حسن مضمنه الوعد والمريج معناه المختلط قاله ابن زيد أي بعضهم يقول ساحر وبعضهم يقول كاهن وبعضهم يقول شاعر الى غير ذلك من تخليطهم قال ع والمريج المضطرب ايضا وهو قريب من الاول ومنه مرجت عهودهم ومن الاول مرج البحرين ثم دل تعالى على العبرة بقوله افلم ينظروا الى السماء الآية وزيناها أي بالنجوم والفروج والفطور والشقوق خلالها واثناءها قاله مجاهد وغيره ت وقال الثعلبي باثر كلام للكساءي يقول كيف بنيناها بلا عمد وزيناها بالنجوم وما فيها فتوق والارض مددناها أي بسطناها على وجه الماء انتهى والرواسي الجبال والزوج النوع والبهيج الحسن المنظر قاله ابن عباس وغيره والمنيب الراجع الى الحق عن فكرة ونظر قال قتادة هو المقبل الى الله تعالى وخص هذا الصنف بالذكر تشريفا لهم من حيث انتفاعهم بالتبصرة والذكرى وحب الحصيد البر والشعير ونحوه مما هو نبات محبب يحصد قال ابو حيان وحب الحصيد من اضافة الموصوف الى صفته على قول الكوفيين او على حذف الموصوف واقامة الصفة مقامه أي حب الزرع الحصيد على قول البصريين وباسقات حال مقدرة لانها حالة الانبات ليست طوالا انتهى وباسقات معناه طويلات ذاهبات في السماء والطلع اول ظهور التمر في الكفرى قال البخاري ونضيد معناه منضود بعضه على بعض انتهى ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد ثم بين سبحانه موضع الشبه فقال كذلك لخروج يعني من القبور وهذه الآيات كلها انما هي امثلة وادلة على البعث واصحاب الرس قوم كانت لهم بير عظيمة وهي الرس وكل ما لم يطو من بير او معدن او نحوه فهو رس وجاءهم نبيء يسمى حنظلة ابن سفيان فيما روي فجعلوه في الرس وردموا عليه فاهلكهم الله وقال الضحاك الرس بير قتل فيها صاحب يس وقيل انهم قوم عاد والله اعلم وقوله كل قال سيبويه التقدير كلهم والوعيد الذي حق هو ما سبق به القضاء من تعذيبهم وقوله سبحانه افعيينا توقيف للكفار وتوبيخ والخلق الاول انشاء الانسان من نطفة على التدريج المعلوم وقال الحسن الخلق الأول آدم واللبس الشك والريب واختلاط النظر والخلق الجديد البعث من القبور وقوله سبحانه ولقد خلقنا الانسان الآية الانسان اسم جنس وتوسوس معناه تتحدث في فكرتها والوسوسة انما تستعمل في غير الخير وقوله تعالى ونحن اقرب اليه من حبل الوريد عبارة عن قدرة الله على العبد وكون العبد في قبضة القدرة والعلم قد احيط به فالقرب هو بالقدرة والسلطان اذ لا ينحجب عن علم الله لا باطن ولا ظاهر والوريد عرق كبير في العنق ويقال انهما وريدان عن يمين وشمال واما قوله تعالى اذا يتلقى المتلقيان فقال المفسرون العامل في اذ اقرب ويحتمل عندي ان يكون العامل فيه فعلا مضمرا تقديره اذكر اذ يتلقى المتلقيان والمتلقيان الملكان الموكلان بكل انسان ملك اليمين الذي يكتب الحسنات وملك الشمال الذي يكتب السيئات قال الحسن الحفظة اربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل قال ع ويؤيد ذلك الحديث الصحيح يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث بكماله ويروى ان ملك اليمين امير على ملك الشمال وان العبد اذا اذنب يقول ملك اليمين للآخر تثبت لعله يتوب رواه ابراهيم التيمي وسفيان الثوري وقعيد معناه قاعد وقوله سبحانه ما يلفظ من قول الآية قال الحسن بن ابي الحسن وقتادة يكتب الملكان جميع الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير هذا وهذا هو ظاهر هذه الآية قال ابو الجوزاء ومجاهد يكتبان عليه كل شيء حتى انينه في مرضه وقال عكرمة يكتبان الخير والشر فقط قال ع والأول اصوب ت وروى ابو الدرداء عن النبي ص - انه قال كل شيء يتكلم به ابن ادم فانه مكتوب عليه اذا اخطأ خطيئة فاحب ان يتوب الى الله فليأت فليمد يديه الى الله عز و جل ثم يقول اللهم اني اتوب اليك منها لا ارجع اليها ابدا فانه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلما انتهى من السلاح قال النووي رحمه الله تعالى ينبغي لكل مكلف ان يحفظ لسانه من جميع الكلام الا كلاما تظهر فيه مصلحته ومتى استوى الكلام وتركه بالمصلحة فالسنة الامساك فانه قد ينجر الكلام المباح الى حرام او مكروه وهذا هو الغالب والسلامة لا يعدلها شيء وقد صح عنه ص - فيما رواه البخاري ومسلم انه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليصمت وهو نص صريح فيما قلناه قال وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن النبي ص - انه قال من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال الترمذي حديث حسن وفيه عن عقبة بن عامر قلت يا رسول الله ما النجاة قال امسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك قال الترمذي حديث حسن وفيه عنه ص - قال من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة قال الترمذي حديث حسن انتهى والرقيب المراقب والعتيد الحاضر وقوله جاءت عطف عندي على قوله اذ يتلقى فالتقدير واذ تجىء سكرة الموت ت قال شيخنا زين الدين العراقي في ارجوزته ... وسكرة الموت اختلاط العقل ... البيت انتهى وقوله بالحق معناه بلقاء الله وفقد الحياة الدنيا وفراق الحياة حق يعرفه الانسان ويحيد منه بامله ومعنى هذا الحيد انه يقول اعيش كذا وكذا فمتى فكر حاد بذهنه وامله الى مسافة بعيدة من الزمان وهذا شأن الانسان حتى يفاجئه الاجل قال عبد الحق في العاقبة ولما احتضر مالك بن انس ونزل به الموت قال لمن حضره ليعاينن الناس غدا من عفو الله وسعة رحمته ما لم يخطر على قلب بشر كشف له رضي الله عنه عن سعة رحمة الله وكثرة عفوه وعظيم تجاوزه ما اوجب ان قال هذا وقال ابو سليمان الداراني دخلنا على عابد نزوره وقد حضره الموت وهو يبكي فقلنا له ما يبكيك رحمك الله فأنشأ يقول ... وحق لمثلي البكا عند موته ... ومالي لا أبكي وموتي قد اقترب ولي عمل في اللوح احصاه خالقي ... فان لم يجد بالعفو صرت الى العطب ... انتهى يوم الوعيد هو يوم القيامة والسائق الحاث على السير واختلف الناس في السائق والشهيد فقال عثمان بن عفان وغيره هما ملكان موكلان بكل انسان احدهما يسوقه والاخر من حفظته يشهد عليه وقال ابو هريرة السائق ملك والشهيد العمل وقيل الشهيد الجوارح وقال بعض النظار سائق اسم جنس وشهيد كذلك فالساقة للناس ملائكة موكلون بذلك والشهداء الحفظة في الدنيا وكل من يشهد وقوله سبحانه كل نفس يعم الصالحين وغيرهم فانما معنى الآية شهيد بخيره وشره ويقوى في شهيد اسم الجنس فتشهد الملائكة والبقاع والجوارح وفي الصحيح لا يسمع مدى صوت المؤذن انس ولا جن ولا شيء الا شهد له يوم القيامة وقوله سبحانه لقد كنت قال ابن عباس وغيره أي يقال للكافر لقد كنت في غفلة من هذا فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك وهذا كما تقول فلان حديد الذهن ونحوه وقال مجاهد هو بصر العين أي احتد التفاته الى ميزانه وغير ذلك من اهوال القيامة والوجه عندي في هذه الآية ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله انها مخاطبة للانسان ذي النفس المذكورة من مومن وكافر وهكذا قال الفخر قال والأقوى ان يقال هو خطاب عام مع السامع كانه يقول ذلك ما كنت منه تحيد ايها السامع انتهى وينظر الى معنى كشف الغطاء قول النبي ص - الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا وقوله تعالى وقال قرينه هذا ما لدي عتيد قال جماعة من المفسرين يعني قرينه من زبانية جهنم أي قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الكافر حاضر وقال قتادة وابن زيد بل قرينه الموكل بسوقه قال ع ولفظ القرين اسم جنس فسائقه قرين وصاحبه من الزبانية قرين وكاتب سيئاته في الدنيا قرين والكل تحتمله هذه الآية أي هذا الذي احصيته عليه عتيد لدي وهو موجب عذابه والقرين الذي في هذه الآية غير القرين الذي في قوله قال قرينه ربنا ما اطغيته اذ المقارنة تكون على انواع وقوله سبحانه القيا في جهنم كل كفار عنيد المعنى يقال القيا في جهنم واختلف لمن يقال ذلك فقال جماعة هو قول لملكين من ملائكة العذاب وقال عبد الرحمن بن زيد هو قول للسائق والشهيد وقال جماعة من اهل العلم باللغة هذا جار على عادة كلام العرب الفصيح ان يخاطب الواحد بلفظ الاثنين وذلك ان العرب كان الغالب عندها ان يترافق في الاسفار ونحوها ثلاثة فكل واحد منهم يخاطب اثنين فكثر ذلك في اشعارها وكلامها حتى صار عرفا في المخاطبة فاستعمل في الواحد ومن هذا قولهم في الاشعار خليلي وصاحبي وقفا نبك ونحوه وقال بعض المتأولين المراد القين فعوض من النون الف وقرأ الحسن بن ابي الحسن القيا بتنوين الياء وعنيد معناه عاند عن الحق أي منحرف عنه وقوله تعالى مناع للخير لفظ عام للمال والكلام الحسن والمعاونة على الأشياء ومعتد معناه بلسانه ويده وقوله سبحانه الذي جعل مع الله الآية يحتمل ان يكون الذي بدلا من كفار او صفة له ويقوى عندي ان يكون الذي ابتدأ ويتضمن القول حينئذ بني آدم والشياطين المغوين لهم في الدنيا ولذلك تحرك القرين الشيطان المغوى فرام ان يبرئى نفسه ويخلصها بقوله ربنا ما اطغيته وقوله ربنا ما اطغيته ليست بحجة لأنه كذب ان نفى الاطغاء عن نفسه جملة وهو قد اطغاه بالوسوسة والتزيين واطغاه الله بالخلق والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه سبحانه لا رب غيره وقوله سبحانه لا تختصموا لدي معناه قال الله لا تختصموا لدي بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيأ وقد قدمت اليكم بالوعيد وهو ما جاءت به الرسل والكتب وجمع الضمير لانه مخاطبة لجميع القرناء اذ هو امر شائع لا يقف على اثنين فقط وقوله سبحانه ما يبدل القول لدي أي لا ينقض ما ابرمه كلامى من تعذيب الكفرة ثم ازال سبحانه موضع الاعتراض بقوله وما انا بظلام للعبيد أي هذا عدل فيهم لاني انذرت وامهلت وانعمت وقرأ الجمهور يوم نقول بالنون وقرأ نافع وعاصم في رواية ابي بكر بالياء وهي قراءة اهل المدينة قال ع والذي يترجح في قول جهنم هل من مزيد انها حقيقة وانها قالت ذلك وهي غير ملأى وهو قول انس بن مالك ويبين ذلك الحديث الصحيح وهو قوله ص - يقول الله لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها الى بعض ولفظ البخاري عن ابي هريرة قال قال النبي ص - تحاجب الجنة والنار فقالت النار اوثرت بالمتكبرين والتجبرين وقالت الجنة ما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله للجنة انت رحمتى ارحم بك من اشاء من عبادي وقال للنار انما انت عذابي اعذب بك من اشاء من عبادي ولك واحدة منهما ملؤها فاما النار فلا تملئي حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط فهناك تمتلئي ويزوي بعضها الى بعض ولا يظلم الله عز و جل من خلقه احدا واما الجنة فان الله ينشئى لها خلقا انتهى قال ع ومعنى قدمه ما قدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها ومنه ان لهم قدم صدق عند ربهم وملاك النظر في هذا الحديث ان الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتف كل ذلك عن الله سبحانه فلم يبق الا اخراج اللفظ على الوجوه السائغة في كلام العرب وازلفت الجنة معناه قربت ولما احتمل ان يكون معناه بالوعد والاخبار رفع الاحتمال بقوله غير بعيد قال ابو حيان غير بعيد أي مكانا غير بعيد فهو منصوب على الظرف وقيل منصوب على الحال من الجنة انتهى وقوله سبحانه هذا ما توعدون يحتمل ان يكون معناه يقال لهم في الآخرة عند ازلاف الجنة هذا الذي كنتم توعدون به في الدنيا ويحتمل ان يكون خطابا للامة أي هذا ما توعدون ايها الناس لكل اواب حفيظ والاواب الرجاع الى الطاعة والى مراشد نفسه وقال ابن عباس وعطاء الاواب المسبح من قوله يا جبال اوبى معه وقال المحاسبي هو الراجع بقلبه الى ربه وقال عبيد بن عمير كنا نتحدث انه الذي اذا قام من مجلسه استغفر الله مما جرى في ذلك المجلس وكذلك كان النبي ص - يفعل والحفيظ معناه لاوامر الله فيمتثلها ولنواهيه يتركها وقال ابن عباس حفيظ لذنوبه حتى يرجع عنها والمنيب الراجع الى الخير المائل اليه قال الداودي وعن قتاة بقلب منيب قال مقبل على الله سبحانه انتهى وقوله سبحانه ادخلوها أي يقال لهم ادخلوها وقوله عز و جل لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد خبر بانهم يعطون آمالهم اجمع ثم ابهم تعالى الزيادة التي عنده للمومنين المنعمين وكذلك هي مبهمة في قوله تعالى فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين وقد فسر ذلك الحديث الصحيح وهو قوله عليه السلام يقول الله تعالى اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه قال ع وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد احاديث مطولة واشياء ضعيفة لان الله تعالى يقول فلا تعلم نفس وهم يعينونها تكلفا وتعسفا وقوله سبحانه فنقبوا في البلاد أي ولجوا البلاد من انقابها طمعا في النجاة من الهلاك هل من محيص أي لا محيص لهم وقرأ ابن عباس وغيره فنقبوا على الامر لهؤلاء الحاضرين ت وعبارة البخاري فنقبوا ضربوا وقال الداودي وعن ابي عبيدة فنقبوا في البلاد طافوا وتباعدوا انتهى وقوله تعالى ان في ذلك يعني اهلاك من مضى لذكرى أي تذكرة والقلب عبارة عن العقل اذ هو محله والمعنى لمن كان له قلب واع ينتفع به وقال الشبلي معناه قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين وقوله تعالى او القى السمع وهو شهيد معناه صرف سمعه الى هذه الانباء الواعظة واثبته في سماعها وهو شهيد قال بعض المتأولين معناه وهو مشاهد مقبل على الأمر غير معرض ولا مفكر في غير ما يسمع ت ولفظ البخاري او القى السمع أي لا يحدث نفسه بغيره شهيد أي شاهد بالقلب انتهى قال المحاسبي في رعايته وقد احببت ان احضك على حسن الاستماع لتدرك به الفهم عن الله عز و جل في كل ما دعاك اليه فانه تعالى اخبرنا في كتابه ان من استمع كما يحب الله تعالى ويرضى كان له فيما يستمع اليه ذكرى يعني اتعاظا واذا سمى الله عز و جل لاحد من خلقه شيأ فهو له كما سمى وهو واصل اليه كما اخبر قال عز و جل ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد قال مجاهد شاهد القلب لا يحدث نفسه بشيء ليس بغائب القلب فمن استمع الى كتاب الله عز و جل أو الى حكمة او الى علم او الى عظة لا يحدث نفسه بشيء غير ما يستمع اليه قد اشهد قبله ما استمع اليه يريد الله عز و جل به كان له فيه ذكرى لأن الله تعالى قال ذلك فهو كما قال عز و جل انتهى كلام المحاسبي وهو در نفيس فحصله واعمل به ترشد وقد وجدناه كما قال وبالله التوفيق وقوله سبحانه ولقد خلقنا السموات والارض الآية خبر مضمنه الرد على اليهود الذين قالوا ان الله خلق الأشياء كلها ثم استراح يوم السبت فنزلت وما مسنا من لغوب واللغوب الاعياء والنصب وقوله تعالى فاصبر على ما يقولون أي ما يقوله الكفرة من اهل الكتاب وغيرهم وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش وغيرهم وسبح معناه صل باجماع من المتأولين ت وفي الاجماع نظر وقد قال الثعلبي وسبح بحمد ربك أي قل سبحان الله والحمد لله قاله عطاء الخراساني انتهى ولكن المخرج في الصحيح انما هو امر الصلاة وقال ابن العربي في احكامه وقوله تعالى ومن الليل فسبحه فيه اربعة اقوال احدها انه تسبيح الله في الليل ويعضد هذا القول الحديث الصحيح من تعار من الليل فقال لا اله الا الله الحديث وقد ذكرناه في سورة المزمل والثاني صلاة الليل والثالث انها ركعتا الفجر والرابع انها صلاة العشاء الآخرة انتهى وقوله بحمد ربك الباء للاقتران أي سبح سبحة يكون معها حمد وقبل طلوع الشمس هي الصبح وقبل الغروب هي العصر قاله ابن زيد والناس وقال ابن عباس الظهر والعصر ومن الليل هي صلاة العشائين وقال ابن زيد هي العشاء فقط وقال مجاهد هي صلاة الليل وقوله وادبار السجود قال عمر بن الخطاب وجماعة هي الركعتان بعد المغرب واسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي ص - قال ع كانه روعي ادبار صلاة النهار كما روعي ادبار النجوم في صلاة الليل وقال ابن عباس ايضا وابن زيد ومجاهد هي النوافل اثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية وقرأ نافع وابن كثير وحمزة وادبار بكسر الهمزة وهو مصدر وقرأ الباقون بفتحها وهو جمع دبر كطنب واطناب أي وفي ادبار السجود أي في اعقابه وقوله سبحانه واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب واستمع بمنزلة وانتظر وانما الآية في معنى الوعيد للكفار وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا أي كن منتظرا له مستمعا له فعلى هذا فنصب يوم انما هو على المفعول الصريح وقوله سبحانه من مكان قريب قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق وروي عن النبي ص - أن ملكا ينادي من السماء ايتها الاجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة هلمي الى الحشر والوقوف بين يدي الله عز و جل والصيحة هي صيحة النادي والخروج هو من القبور ويومه هو يوم القيامة ويوم الخروج في الدنيا هو يوم العيد وقوله تعالى ذلك حشر علينا يسير معادل لقول الكفرة ذلك رجع بعيد وقوله سبحانه نحن اعلم بما يقولون وعيد محض للكفرة وقوله سبحانه وما انت عليهم بجبار قال الطبري وغيره معناه وما انت عليهم بمسلط تجبرهم على الايمان وقال قتادة هو نهي من الله تعالى عن التجبر والمعنى وما انت عليهم بمتعظم من الجبروت وروى ابن عباس ان المومنين قالوا يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي تفسير سورة والذاريات وهي مكية باجماع المفسرين بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل والذاريات ذروا الآية اقسم الله عز و جل بهذه المخلوقات تنبيها عليها وتشريفا لها ودلالة على الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها الى توحيد الله عز و جل فقوله والذاريات هي الرياح باجماع وذروا نصب على المصدر والحاملات وقرأ قال علي هي السحاب وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقورة بالناس وامتعتهم وقال جماعة من العلماء هي ايضا مع هذا جميع الحيوان الحامل وفي جميع ذلك معتبر والجاريات يسرا قال علي وغيره هي السفن في البحر وقال آخرون هي السحاب وقال آخرون هي الكواكب قال ع واللفظ يقتضي جميع هذا ويسرا نعت لمصدر محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود احوالا ويسرا معناه بسهولة والمقسمات امرا الملائكة والامر هنا اسم جنس فكانه قال والجماعات التي تقسم امور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وامر الرياح والجبال وغير ذلك لان كل هذا انما هو بملائكة تخدمه وانت المقسمات من حيث اراد الجماعات وهذا القسم واقع على قوله انما توعدون لصادق الآية وتوعدون يحتمل ان يكون من الوعد ويحتمل ان يكون من الايعاد وهو اظهر والدين الجزاء وقال مجاهد الحساب ثم اقسم تعالى بمخلوق آخر فقال والسماء ذات الحبك والحبك الطرائق التي هي على نظام في الأجرام ويقال لما تراه من الطرائق في الماء والرمال اذا اصابته الريح حبك ويقال لتكسر الشعر حبك وكذلك في المنسوجات من الآكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك وذلك لجودة خلقة السماء ولذلك فسرها ابن عباس وغيره بذات الخلق الحسن وقال الحسن حبكها كواكبها وقوله سبحانه انكم لفي قول مختلف يحتمل ان يكون خطابا لجميع الناس أي منكم مومن بمحمد ومنكم مكذب له وهو قول قتادة ويحتمل ان يكون خطابا للكفرة فقط لقول بعضهم شاعر وبعضهم كاهن وبعضهم ساحر الى غير ذلك وهذا قول ابن زيد ويوفك معناه يصرف أي يصرف من الكفار عن كتاب الله من صرف ممن غلبت عليه شقاوته وعرف الاستعمال في افك انما هو في الصرف من خير الى شر وقوله تعالى قتل الخراصون دعاء عليهم كما تقول قاتلك الله وقال بعض المفسرين معناه لعن الخراصون وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ ت والظاهر ما قاله هذا المفسر قال عياض في الشفاء وقد يقع القتل بمعنى اللعن قال الله تعالى قتل الخراصون وقاتلهم الله انى يوفكون أي لعنهم الله انتهى وقد تقدم للشيخ عند قوله تعالى عليهم دائرة السوء قال كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز و جل فانما هو بمعنى ايجاب الشيء لان الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته انتهى بلفظه وظاهره مخالف لما هنا وسيبينه في سورة البروج والخراص المخمن القائل بظنه والاشارة الى مكذبي النبي ص - والغمرة ما يغشى الانسان ويغطيه كغمرة الماء وساهون معناه عن وجوه النظر وقوله تعالى يسئلون ايان يوم الدين أي يوم الجزاء وذلك منهم على جهة الاستهزاء وقوله يوم هم على النار يفتنون قال الزجاج التقدير هو كائن يوم هم على النار يفتنون ويفتنون معناه يحرقون ويعذبون في النار قاله ابن عباس والناس وفتنت الذهب احرقته وذوقوا فتنتكم أي حرقكم وعذابكم قاله قتادة وغيره ان المتقين في جنات وعيون الآية روى الترمذي عن النبي ص - قال لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا لما به الباس قال ابو عيسى هذا حديث حسن انتهى وقوله سبحانه في المتقين آخذين ما آتاهم ربهم أي محصلين ما اعطاهم ربهم سبحانه من جناته ورضوانه وانواع كراماته انهم كانوا قبل ذلك يريد في الدنيا محسنين بالطاعات والعمل الصالح ت وروى الترمذي عن سعد بن ابي وقاص عن النبي ص - قال لو ان ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما بين خوافق السموات والارض ولو ان رجلا من اهل الجنة اطلع فبدا اساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم انتهى ومعنى قوله كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ان نومهم كان قليلا لاشتغالهم بالصلاة والعبادة والهجوع النوم وقد قال الحسن في تفسير هذه الآية كابدوا قيام الليل لا ينامون منه الا قليلا واما اعراب الآية فقال الضحاك في كتاب الطبري ما يقتضي ان المعنى كانوا قليلا في عددهم وتم خبر كان ثم ابتدأ من الليل ما يهجعون فما نافية وقليلا وقف حسن وقال جمهور النحويين ما مصدرية وقليلا خبر كان والمعنى كانوا قليلا من الليل هجوعهم وعلى هذا الاعراب يجيء قول الحسن وغيره وهو الظاهر عندي ان المراد كان هجوعهم من الليل قليلا قيل لبعض التابعين مدح الله قوما كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ونحن قليلا من الليل ما نقوم فقال رحم الله امرأ رقد اذا نعس واطاع ربه اذا استيقظ وقوله تعالى وبالاسحار هم يستغفرون قال الحسن معناه يدعون في طلب المغفرة ويروى ان ابواب الجنة تفتح سحر كل ليلة قال ابن زيد السحر السدس الاخر من الليل والباء في قوله بالاسحار بمعنى في قاله ابو البقاء انتهى ومن كلام الجوزي في المنتخب يا اخي علامة المحبة طلب الخلوة بالحبيب وبيداء الليل فلوات الخلوات لما ستروا قيام الليل في ظلام الدجى غيرة ان يطلع الغير عليهم سترهم سبحانه بستر فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين لما صفت خلوات الدجى ونادى اذان الوصال اقم فلانا وانم فلانا خرجت بالاسماء الجرائد وفاز الأحباب بالفوائد وانت غافل راقد أه لو كنت معهم اسفا لك لو رأيتهم لأبصرت طلائع الصديقين في اول القوم وشاهدت ساقه المستغفرين في الركب وسمعت استغاثة المحبين في وسط الليل لو رأيتهم يا غافل وقد دارت كؤس المناجات بين مزاهر التلاوات فاسكرت قلب الواجد ورقمت في مصاحف الوجنات تعرفهم بسيماهم يا طويل النوم فاتتك مدحة تتجافى وحرمت منحة والمستغفرين يا هذا ان لله تعالى ريحا تسمى الصبيحة مخزونه تحت العرش تهب عند الاسحار فتحمل الدعاء والانين والاستغفار الى حضرة العزيز الجبار انتهى وفي اموالهم حق الآية الصحيح انها محكمة وان هذا الحق هو على وجه الندب ومعلوم يراد به متعارف وكذلك قيام الليل الذي مدح به ليس من الفرائض واكثر ما تقع الفضيلة بفعل المندوبات والمحروم هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه فيناله حرمان وفاقة وهو مع ذلك لا يسئل فهذا هو الذي له حق في اموال الأغنياء كما للسائل حق وما وقع من ذكر الخلاف فيه فيرجع الى هذا وبعد هذا محذوف تقديره فكونوا ايها الناس مثلهم وعلى طريقهم وفي الأرض آيات لمن اعتبر وايقن وقوله سبحانه وفي انفسكم احالة على النظر في شخص الانسان وما فيه من العبر وامر النفس وحياتها ونطقها واتصال هذا الجزء منها بالعقل قال ابن زيد انما القلب مضغة في جوف ابن آدم جعل الله فيه العقل افيدري احد ما ذلك العقل وما صفته وكيف هو ت قال ابن العربي في رحلته اعلم ان معرفة العبد نفسه من اولى ما عليه وآكده اذا لا يعرف ربه الا من عرف نفسه قال تعالى وفي انفسكم افلا تبصرون وغير ما آية في ذلك ثم قال ولا ينكر عاقل وجود الروح من نفسه وان كان لم يدرك حقيقته كذلك لا يقدر ان ينكر وجود الباري سبحانه الذي دلت افعاله عليه وان لم يدرك حقيقته انتهى وقوله سبحانه وفي السماء رزقكم قال مجاهد وغيره هو المطر وقال واصل الاحدب اراد القضاء والقدر أي الرزق عند الله ياتي به كيف شاء سبحانه لا رب غيره وتوعدون يحتمل ان يكون من الوعد ويحتمل ان يكون من الوعيد قال الضحاك المراد من الجنة والنار وقال مجاهد المراد الخير والشر وقال ابن سيرين المراد الساعة ثم اقسم سبحانه بنفسه على صحة هذا القول والخبر وشبهه في اليقين به بالنطق من الانسان وهو عنده في غاية الوضوح وما زائدة تعطى تاكيدا والنطق في هذه الآية هو الكلام بالحروف والاصوات في ترتيب المعاني وروي ان بعض الاعراب الفصحاء سمع هذه الآية فقال من احوج الكريم الى ان يحلف والحكاية بتمامها في كتاب الثعلبي وسبل الخيرات وروي ان النبي ص - قال قاتل الله قوما اقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه وروى ابو سعيد الخدري ان النبي ص - قال لو فر احدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت واحاديث الرزق كثيرة ومن كتاب القصد الى الله سبحانه للمحاسبي قال قلت لشيخنا من اين وقع الاضطراب في القلوب وقد جاءها الضمان من الله عز و جل قال من وجهين احدهما قلة المعرفة بحسن الظن والقاء التهم من الله عز و جل والوجه الثاني ان يعارضها خوف الفوت فتستجيب النفس للداعي ويضعف اليقين ويعد الصبر فيظهر الجزع قلت شيء غير هذا قال نعم ان الله عز و جل وعد الارزاق وضمن وغيب الاوقات ليختبر اهل العقول ولولا ذلك لكان كل المومنين راضين صابرين متوكلين لكن الله عز و جل اعلمهم انه رازقهم وحلف لهم على ذلك وغيب عنهم اوقات العطاء فمن ها هنا عرف الخاص من العام وتفاوت العباد في الصبر والرضا واليقين والتوكل والسكون فمنهم كما علمت ساكن ومنهم متحرك ومنهم راض ومنهم ساخط ومنهم جزع فعلى قدر ما تفاوتوا في المعرفة تفاوتوا في اليقين وعلى قدر ما تفاوتوا في اليقين تفاوتوا في السكون والرضا والصبر والتوكل اه وقوله سبحانه هل اتاك حديث ضيف ابراهيم الآية قد تقدم قصصها وعليم أي عالم وهو اسحاق عليه السلام ت ولنذكر هنا شيئا في آداب الطعام قال النووي روى ابن السني بسنده عن النبي ص - انه كان يقول في الطعام اذا قرب اليه اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار بسم الله انتهى وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ص - قال اذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء واذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان ادركتم المبيت واذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال ادركتم المبيت والعشاء وفي صحيح مسلم عن النبي ص - قال ان الشيطان يستحل الطعام ان لا يذكر اسم الله عليه الحديث انتهى والصرة الصيحة كذا فسره ابن عباس وجماعة قال الطبري عن بعضهم قالت اوه بصياح وتعجب وقال النحاس في صرة في جماعة نسوة وقوله فصكت وجهها معناه ضربت وجهها استهوالا لما سمعت وقال سفيان وغيره ضربت بكفها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الان وقولهم كذلك قال ربك أي كقولنا الذي اخبرناك وقوله تعالى حجارة من طين بيان يخرج عن معتاد حجارة البرد التي هي من ماء ويروى انه طين طبخ في نار جهنم حتى صار حجارة كالآجر ومسومة نعت لحجارة ثم اخبر تعالى انه اخرج بامره من كان في قرية لوط من المومنين منجيا لهم واعاد الضمير على القرية وان لم يجر لها قبل ذلك ذكر لشهرة امرها قال المفسرون لا فرق بين تقدم ذكر المؤمنين وتأخره وانما هما وصفان ذكرهم اولا باحدهما ثم أخرا بالثاني قيل فالآية دالة على ان الايمان هو الاسلام قال ع ويظهر لي ان في المعنى زيادة تحسن التقديم للايمان وذلك انه ذكره مع الاخراج من القرية كأنه يقول نفذ امرنا باخراج كل مؤمن ولا يشترط فيه ان يكون عاملا بالطاعات بل التصديق بالله فقط ثم لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها وهي الكاملة التصديق والاعمال والبيت من المسلمين هو بيت لوط عليه السلام وكان هو وابنتاه وفي كتاب الثعلبي وقيل لوط واهل بيته ثلاثة عشر وهلكت امرأته فيمن هلك وهذه القصة ذكرت على جهة ضرب المثل لقريش وتحذيرا ان يصيبهم مثل ما اصاب هؤلاء وقوله وتركنا فيها أي في القرية وهي سدوم آية قال ابو حيان وفي موسى أي وفي قصه موسى انتهى وقوله سبحانه في فرعون فتولى بركته أي اعرض عن امر الله وركنه هو سلطانه وجنده وشدة امره وقول فرعون في موسى ساحرا او مجنون و تقسيم ظن ان موسى لا بد ان يكون احد هذين القسمين وقال ابو عبيدة او هنا بمعنى الواو وهذا ضعيف لا داعية اليه في هذا الموضع وقوله ما تذر من شيء اتت عليه أي ما تدع من شيء اتت عليه مما اذن لها في اهلاكه الا جعلته كالرميم وهو الفاني المتقطع يبسا او قدما من الأشجار والورق والعظام وروي في حديث ان تلك الريح كانت تهب على الناس فيهم العادي وغيره فتنتزع من بين الناس وتذهب به وقوله سبحانه وفي ثمود اذا قيل لهم تمتعوا أي اذ قيل لهم في أول بعث صالح وهذا قول الحسن ويحتمل اذ قيل لهم بعد عقر الناقة تمتعوا في دركم ثلاثة ايام وهو قول الفراء وقوله فاخذتهم الصاعقة وهم ينظرون أي يبصرون بعيونهم وهذا قول الطبري ويحتمل ان يريد وهم ينتظرون في تلك الايام الثلاثة وهذا قول مجاهد فما استطاعوا من قيام أي من مصارعهم قاله بعض المفسرين وقال قتادة وغيره معناه من قيام بالامر النازل بهم ولا دفعه عنهم وقم نوح بالنصب وهو عطف اما على الضمير في قوله فاخذتهم اذ هو بمنزلة اهلكتهم واما على الضمير في قوله فنبذناهم وقوله والسماء نصب باضمار فعل تقديره وبنينا السماء بنيناها والايد القوة قاله ابن عباس وغيره وانا لموسعون أي في بناء السماء أي جعلناها واسعة قاله ابن زيد ابو البقاء فنعم الماهدون أي نحن فحذف المخصوص انتهى وقوله سبحانه ومن كل شيء خلقنا زوجين قال مجاهد معناه ان هذه اشارة الى المتضادات والمتقابلات من الاشياء كالليل والنهار والشقاوة والسعادة والهدى والضلال والسماء والارض والسواد والبياض والصحة والمرض والايمان والكفر ونحو هذا ورجحه الطبري بانه ادل على القدرة التي توجد الضدين وقال ابن زيد وغيره هي اشارة الى الانثى والذكر من كل حيوان ت والاول احسن لشموله لما ذكره ابن زيد وقوله سبحانه ففروا الى الله الآية امر بالدخول في الايمان وطاعة الرحمن ونبه بلفظ الفرار على ان وراء الناس عقابا وعذابا يفر منه فجمعت لفظه فروا بين التحذير والاستدعاء ت واسند ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي في دلائل النبوءة تصنيفه عن كثير بن عبد الله عن ابيه عن جده ان رسول الله ص - كان في المسجد فسمع كلاما من زاويته واذا هو بقائل يقول اللهم اعني على ما ينجيني مما خوفتني فقال رسول الله ص - حين سمع ذلك الا تضم اليها اختها فقال الرجل اللهم ارزقني شوق الصادقين الى ما شوقتهم اليه وفيه فذهبوا ينظرون فاذا هو الخضر عليه السلام انتهى مختصرا وقوله تعالى كذلك أي سيرة الامم كذلك قال عياض فهذه الآية ونظائرها تسلية للنبي ص - عزاه الله عز و جل بما اخبر به عن الامم السالفة ومقالها لانبيائها وانه ليس اول من لقي ذلك انتهى من الشفا وقوله سبحانه اتواصوا به توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة في تكذيب الانبياء على تفرق ازمانهم أي لم يتواصوا لكنهم فعلوا فعلا كأنه فعل من تواصي والعلة في ذلك ان جميعهم طاغ والطاغي المستعلي في الارض المفسد وقوله تعالى فتول عنهم أي عن الحرص المفرط عليهم وذهاب النفس حسرات ولست بملوم اذ قد بلغت وذكر فإن الذكرى نافعة للمؤمنين ولمن قضي له ان يكون منهم وقوله سبحانه وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون قال ابن عباس وعلي المعنى ما خلقت الجن والانس الا لآمرهم بعبادتي وليقروا لي بالعبودية وقال زيد بن اسلم وسفيان هذا خاص والمراد ما خلقت الطائعين من الجن والانس الا لعبادتي ويؤيد هذا التأويل ان ابن عباس روى عن النبي ص - انه قرأ وما خلقت الجن والانس من المؤمنين الا ليعبدون وقال ابن عباس ايضا معنى ليعبدون ليتذللوا لي ولقدرتي وان لم يكن ذلك على قوانين شرع وعلى هذا التأويل فجميعهم من مؤمن وكافر متذلل لله عز و جل الا تراهم عند القحوط والامراض وغير ذلك كيف يخضعون لله ويتذللون ت قال الفخر فإن قيل ما العبادة التي خلق الله الجن والانس لها قلنا التعظيم لامر الله والشفقة على خلق الله فان هذين النوعن لم يخل شرع منهما وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بلوضع والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والاركان انتهى ونقل الثعلبي وغيره عن مجاهد الا ليعبدون أي ليعرفوني قال صاحب الكلم الفارقية المعرفة بالله تملأ القلب مهابة ومخافة والعين عبرة وعبرة وحياء وخجلة والصدر خشوعا وحرمة والجوارح استكانة وذلة وطاعة وخدمة واللسان ذكرا وحمدا والسمع اصغاء وتفهما والخواطر في مواقف المناجات خمودا والوساوس اضمحلالا انتهى وقوله سبحانه ما اريد منهم من رزق أي ان يرزقوا انفسهم ولا غيرهم وقوله ان يطعمون أي ان يطعموا خلقي قاله ابن عباس ويحتمل ان يريد ان ينفعوني والمتين الشديد ت وروينا في كتاب الترمذي عن ابي هريرة عن النبي ص - قال ان الله عز و جل يقول يا بن آدم تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى وأسد فقرك والا تفعل ملأت يدك شغلا ولم اسد فقرك قال ابو عيسى هذا حديث حسن وروينا فيه عن انس قال قال رسول الله ص - من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله واتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا الا ما قدر له انتهى وقوله سبحانه فان للذين ظلموا يريد اهل مكة والذنوب الحظ والنصيب واصله من الدلو وذلك ان الذنوب هو ملء الدلو من الماء وكذا قال ابن حيان ذنوبا أي نصيبا انتهى واصحابهم يراد بهم من تقدم من الامم المعذبة وباقي الآية وعيد بين تفسير سورة والطور وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل والطور وكتاب مسطور الآية هذه مخلوقات اقسم الله عز و جل بها تنبيها على النظر والاعتبار بها المؤدي الى توحيد الله والمعرفة بواجب حقه سبحانه قال بعض اللغويين كل جبل طور فكانه سبحانه اقسم بالجبال وقال آخرون الطور كل جبل اجرد لا ينبت شجرا وقال نوف البكالي المراد هنا جبل طور سيناء وهو الذي اقسم الله به لفضله على الجبال والكتاب المسطور معناه باجماع المكتوب اسطار واختلف الناس في هذا الكتاب المقسم به فقال بعض المفسرين هو الكتاب المنتسخ من اللوح المحفوظ للملائكة لتعرف منه جميع ما تفعله وتصرفه في العالم وقيل هو القرآن اذ قد علم تعالى انه يتخلد في رق منشور وقيل هو الكتب المنزلة وقيل هو الكتاب الذي فيه اعمال الخلق وهو الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة والرق الورق المعدة للكتب وهي مرققة فلذلك سميت رقا وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان والمنشور خلاف المطوي والبيت المعمور هو الذي ذكر في حديث الاسراء قال جبريل للنبي ص - هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون اليه آخر ما عليهم وبهذا هي عمارته وهو في السماء السابعة وقيل في السادسة وقيل انه مقابل للكعبة لو وقع حجر منه لوقع على ظهر الكعبة وقال مجاهد وقتادة وابن زيد في كل سماء بيت معمور وفي كل أرض كذالك وهي كلها على خط من الكعبة وقال علي بن ابي طالب قال السهيلي والبيت المعمور اسمه عريبا قال وهب بن منبه من قال سبحان الله وبحمده كان له نور يملأ ما بين عريبا وحريبا وهي الأرض السابعة انتهى والسقف المرفوع هو السماء واختلف الناس في البحر المسجور فقال مجاهد وغيره الموقد نارا وروي ان البحر هو جهنم وقال قتادة المسجور المملوء وهذا معروف من اللغة ورجحه الطبري وقال ابن عباس هو الذي ذهب ماؤه فالمسجور الفارغ وروي ان البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وهذا معروف في اللغة فهو من الاضداد وقيل يوقد البحر نارا يوم القيامة فذلك سجره وقال ابن عباس ايضا المسجور المحبوس ومنه ساجور الكلب وهي القلادة من عود او حديد تمسكه وكذلك لولا ان البحر يمسك لفاض على الأرض والجمهور على انه بحر الدنيا وقال منذر بن سعيد المقسم به جهنم وسماها بحرا لسعتها وتموجها كما قال ص - في الفرس وان وجدناه لبحرا والقسم واقع على قوله ان عذاب ربك لواقع يريد عذاب الآخرة واقع للكافرين قاله قتادة قال الشيخ عبد الحق في العاقبة ويروى ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع قارئا يقرأ والطور وكتاب مسطور قال هذا قسم حق فلما بلغ القارىء الى قوله عز و جل ان عذاب ربك لواقع ظن ان العذاب قد وقع به فغشي عليه انتهى وتمور معناه تذهب وتجيء بالرياح متقطعة متفتتة وسير الجبال هو في اول الامر ثم تتفتت حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش ويدعون قال ابن عباس وغيره معناه يدفعون في اعناقهم بشدة واهانة وتعتمة ومنه يدع اليتيم وفي الكلام محذوف تقديره يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون توبيخا وتقريعا لهم ثم وقفهم سبحانه بقول افسحر هذة الآية ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم اصبروا او لا تصبروا سواء عليكم أي عذابكم حتم فسواء جزعكم وصبركم لا بد من جزاء اعمالكم وقوله سبحانه ان المتقين في جنات ونعيم الآية يحتمل ان يكون من خطاب اهل النار فيكون اخبارهم بذلك زيادة في غمهم وسوء حالهم نعوذ بالله من سخطه ويحتمل وهو الاظهر ان يكون اخبارا للنبي ص - ومعاصريه لما فرغ من ذكر عذاب الكفار عقب بذكر نعيم المتقين جعلنا الله منهم بفضله ليبين الفرق ويقع التحريض على الايمان والمتقون هنا متقوا الشرك لأنهم لا بد من مصيرهم الى الجنات وكلما زادت الدرجة في التقوى قوي الحصول في حكم الآية حتى ان المتقين على الإطلاق هم في هذه الآية قطعا على الله تعالى بحكم خبره الصادق وقرأ جمهور الناس فاكهين ومعناه فرحين مسرورين وقال ابو عبيدة هو من باب لابن وتامر أي لهم فاكهة قال ع والمعنى الاول ابرع وقرأ خالد فيما روى ابو حاتم فكهين والفكه والفاكه المسرور المتنعم وقوله تعالى بما أتاهم ربهم أي من انعامه ورضاه عنهم وقوله تعالى ووقاهم ربهم عذاب الجحيم هذا متمكن في متقى المعاصي الذي لا يدخل النار ووقاهم مشتق من الوقاية وهي الحائل بين الشيء وبين ما يضره وقوله كلوا واشربوا أي يقال لهم كلوا واشربوا وهنيئا نصب على المصدر وقوله بما كنتم تعملون معناه ان رتب الجنة ونعيمها بحسب الاعمال واما نفس دخولها فهو برحمة الله وفضله واعمال العباد الصالحات لا توجب على الله تعالى التنعيم ايجابا لكنه سبحانه قد جعلها امارة على من سبق في علمه تنعيمه وعلق الثواب والعقاب بالتكسب الذي في الاعمال والحور جمع حوراء وهي البيضاء القوية بياض بياض العين وسواد سوادها والعين جمع عيناء وهي كبيرة العينين مع جمالها وفي قراءة ابن مسعود والنخعي وزوجناهم بعيس عين قال ابو الفتح العيساء البيضاء وقوله سبحانه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذرياتهم اختلف في معنى الآية فقال ابن عباس وابن جبير والجمهور اخبر الله تعالى ان المؤمنين الذين اتبعتهم ذريتهم في الايمان يلحق الابناء في الجنة بمراتب الآباء وان لم يكن الابناء في التقوى والاعمال كالآباء كرامة للآباء وقد ورد في هذا المعنى حديث عن النبي ص - فجعلوا الحديث تفسير للآية وكذلك وردت احاديث تقتضي ان الله تعالى يرحم الآباء رعيا للأبناء الصالحين وقال ابن عباس ايضا والضحاك معنى الآية ان الله تعالى يلحق الابناء الصغار باحكام الآباء المؤمنين يعني في الموارثة والدفن في مقابر المسلمين وفي احكام الآخرة في الجنة وقال منذر بن سعيد هي في الصغار لا في الكبار قال ع وارجح الأقوال في هذه الآية القول الاول لأن الآيات كلها في صفة احسان الله تعالى الى اهل الجنة فذكر من جملة احسانه سبحانه انه يرعى المحسن في المسيء ولفظة الحقنا تقتضي ان للملحق بعض التقصير في الأعمال ت واظهر من هذا ما اشار اليه الثعلبي في بعض انقاله ان الله تعالى يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كانوا في الدنيا انتهى ولم يتعرض لذكر الدرجات في هذا التاويل وهو احسن لأنه قد تقرر ان رفع الدرجات هي بأعمال العاملين والايات والاحاديث مصرحة بذلك ولما يلزم على التأويل الاول ان يكون كل من دخل الجنة مع آدم عليه السلام في درجة واحدة إذ هم كلهم ذريته وقد فتحت لك بابا للبحث في هذا المعنى منعني من اتمامه ما قصدته من الاختصار وبالله التوفيق وقوله وما التناهم أي نقصناهم ومعنى الآية ان الله سبحانه يلحق الابناء بالآباء ولا ينقص الآباء من اجورهم شيئا وهذا تأويل الدجمهور ويحتمل ان يريد من عمل الآبناء من شيء من حسن او قبيح وهذا تأويل ابن زيد ويؤيده قوله سبحانه كل امرئى بما كسب رهين والرهين المرتهن وفي هذه الألفاظ وعيد وامددت الشيء اذا سربت اليه شيأ آخر يكثره او يكثر لديه وقوله مما يشتهون اشارة الى ما روي من ان المنعم اذا اشتهى لحما نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها وليس يكون في الجنة لحم يحتز ولا يتكلف فيه الذبح والسلخ والطبخ وبالجملة لا كلفة في الجنة ويتنازعون معناه يتعاطون ومنه قول الأخطل ... نازعته طيب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري ... قال الفخر ويحتمل ان يقال التنازع التجاذب وحينئذ يكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة وفيه نوع لذة وهو بيان لما عليه حال الشراب في الدنيا فإنهم يتفاخرون بكثرة الشرب ولا يتفاخرون بكثرة الاكل انتهى والكأس الاناء فيه الشراب ولا يقال في فارغ كأس قاله الزجاج واللغو السقط من القول والتأثيم يلحق خمر الدنيا في نفس شربها وفي الأفعال التي تكون من شاربيها وذلك كله منتف في الآخرة ت قال الثعلبي وقال ابن عطاء أي لغو يكون في مجلس محله جنة عدن والساقي فيه الملائكة وشربهم على ذكر الله وريحانهم تحية من عند الله والقوم اضياف الله ولا تأثيم أي فعل يؤثمهم وهو تفعيل من الاثم أي لا يأثمون في شربها انتهى واللؤلؤ المكنون اجمل اللؤلؤ لأن الصون والكن يحسنه قال ابن جبير اراد الذي في الصدف لم تنله الايدي وقيل للنبي ص - اذا كان الغلماء كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدومون قال هم كالقمر ليلة البدر ت وهذا تقريب للافهام والا فجمال اهل الجنة اعظم من هذا يدل على ذلك احاديث صحيحة ففي صحيح مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ص - ان اول زمرة يدخلون الجنة وفي رواية من امتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على اشد كوكب دري في السماء اضاءة وفي رواية ثم هم بعد ذلك منازل الحديث وفي صحيح مسلم ايضا عن النبي ص - ان في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم ويزدادون حسنا وجمالا فيقول لهم اهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وانتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا انتهى وقد اشار الغزالي وغيره الى طرف من هذا المعنى لما تكلم على رؤية العارفين لله سبحانه في الآخرة قال بعد كلام ولا يبعد ان تكون الطاف الكشف والنظر في الآخرة متوالية الى غير نهاية فلا يزال النعيم واللذة متزايدة ابد الآباد وللشيخ ابي الحسن الشاذلي هنا كلام حسن قال لو كشف عن نور المؤمن لعبد من دون الله ولو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق السماء والأرض فكيف بنور المؤمن المطيع نقل كلامه هذا ابن عطاء وابن عباد انظره ثم وصف تعالى عنهم انهم في جملة تنعمهم يتساءلون أي عن احوالهم وما نال كل واحد منهم وانهم يتذكرون حال الدنيا وخشيتهم عذاب الاخرة والاشفاق اشد الخشية ورقة القلب والسموم الحار وندعوه يحتمل ان يريد الدعاء على بابه ويحتمل ان يريد نعبده وقرأ نافع والكساءي انه بفتح الهمزة والباقون بكسرها والبر الذي يبر ويحسن وقوله سبحانه فذكر امر لنبيه عليه السلام بادامة الدعاء الى الله عز و جل ثم قال مونسا له فما انت بانعام الله عليك ولطفه بك كاهن ولا مجنون وقوله سبحانه ام يقولون أي بل يقولون شاعر الآية روي ان قريشا اجتمعت في دار الندوة فكثرت آراؤهم في النبي ص - حتى قال قائل منهم تربصوا به ريب المنون أي حوادث الدهر فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة والاعشى وغيرهم فافترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك والتربص الانتظار والمنون من اسماء الموت وبه فسر ابن عباس وهو ايضا من اسماء الدهر وبه فسر مجاهد والريب هنا الحوادث والمصائب ومنه قوله ص - انما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها الحديث وقوله قل تربصوا وعيد في صيغة امر وقوله سبحانه ام تأمرهم احلامهم بهذا الاحلام العقول وقوله بهذا يحتمل ان يشير الى هذه المقالة هو شاعر ويحتمل ان يشير الى ما هم عليه من الكفر وعبادة الاصنام وتقوله معناه قال عن الغير انه قال فهي عبارة عن كذب مخصوص ثم عجزهم سبحانه بقوله فليأتوا بحديث مثله والضمير في مثله عائد على القرآن وقوله ان كانوا صادقين ت أي في ان محمدا تقوله قاله الثعلبي وقوله سبحانه ام خلقوا من غير شيء قال الثعلبي قال ابن عباس من غير اب ولا ام فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم حجة اليسوا خلقوا من نطفة وعلقة وقال ابن كيسان ام خلقوا عبثا وتركوا سدى من غير شيء أي لغير شيء لا يؤمرون ولا ينهون ام هم الخالقون لانفسهم فلا ياتمرون لامر الله انتهى وعبر ع عن هذا بان قال وقال آخرون معناه ام خلقوا لغير علة ولا لغاية عقاب وثواب فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرعون ت وقد يحتمل ان يكون المعنى ام خلقوا من غير شيء خلقهم أي من غير موجد اوجدهم ويدل عليه مقابلته بقوله ام هم الخالقون وهكذا قال الغزالي في الاحياء قال وقوله عز و جل ام خلقوا من غير شيء أي من غير خالق انتهى بلفظه من كتاب آداب التلاوة قال الغزالي ولا يتوهم ان الآية تدل انه لا يخلق شيء الا من شيء انتهى وقال الفخر قوله تعالى من غير شيء فيه وجوه المنقول منها ام خلقوا من غير خالق وقيل ام خلقوا لا لغير شيء عبثا وقيل ام خلقوا من غير اب وام انتهى واحسنها الاول كما قال الغزالي والله اعلم بما اراد سبحانه وفي الصحيح عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي ص - يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية ام خلقوا من غير شيء ام هم الخالقون الى قوله المصيطرون كاد قلبي ان يطير وفي رواية وذلك اول ما وقر الايمان في قلبي انتهى واسند ابو بكر بن الخطيب في تاريخه عن جبير بن مطعم قال اتيت رسول الله ص - في فداء اهل بدر فسمعته يقرأ في المغرب بالطور فكأنما تصدع قلبي حين سمعت القرآن انتهى وقوله سبحانه ام عندهم خزائن ربك بمنزلة قوله ام عندهم الاستغناء في جميع الامور والمصيطر القاهر وبذلك فسر ابن عباس الآية والسلم السبب الذي يصعد به كان ما كان من خشب او بناء او حبال او غير ذلك والمعنى الهم سلم الى السماء يستمعون فيه أي عليه او منه وهذه حروف يسد بعضها مسد بعض والمعنى يستمعون الخبر بصحة ما يدعونه فليأتوا بالحجة المبينة في ذلك وقوله سبحانه ام عندهم الغيب الآية قال ابن عباس يعني ام عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون به ثم قال ام يريدون كيدا بك وبالشرع ثم جزم الخبر بأنهم هم المكيدون أي هم المغلوبون فسمى غلبتهم كيدا اذ كانت عقوبة الكيد ثم قال سبحانه ام لهم اله غير الله يعصمهم ويمنعهم من الهلاك قال الثعلبي قال الخليل ما في سورة الطور كلها من ذكر ام كله استفهام لهم انتهى ثم نزه تعالى نفسه عما يشركون به وقوله وان يروا كسفا أي قطعة يقولون لشدة معاندتهم هذا سحاب مركوم بعضه على بعض وهذا جواب لقولهم فاسقط علينا كسفا من السماء وقولهم او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا يقول لو فعلنا هذا بهم لما آمنوا ولقالوا سحاب مركوم وقوله تعالى فذرهم وما جرى مجراه من الموادعة منسوخ بآية السيف والجمهور ان يومهم الذي فيه يصعقون هو يوم القيامة وقيل هو موتهم واحدا واحدا ويحتمل ان يكون يوم بدر لانهم عذبوا فيه والصعق التعذيب في الجملة وان كان الاستعمال قد كثر فيما يصيب الانسان من الصيحة المفرطة ونحوه ثم اخبر تعالى بان لهم دون هذا اليوم أي قبله عذابا واختلف في تعيينه فقال ابن عباس وغيره هو بدر ونحوه وقال مجاهد هو الجوع الذي اصابهم وقال البراء بن عازب وابن عباس ايضا هو عذاب القبر وقال ابن زيد هي مصائب الدنيا اذ هي لهم عذاب ت ويحتمل ان يكون المراد الجميع قال الفخر ان قلنا ان العذاب هو بدر فالدين ظلموا هم اهل مكة وان قلنا العذاب هو عذاب القبر فالذين ظلموا عام في كل ظالم انتهى ثم قال تعالى لنبيه واصبر لحكم ربك فانك باعيننا أي بمرأي ومنظر نرى ونسمع ما تقول وانك في حفظنا وحيطتنا كما تقول فلان يرعاه الملك بعين وهذه الآية ينبغي ان يقررها كل مومن في نفسة فانها تفسح مضايق الدنيا وقوله سبحانه وسبح بحمد ربك قال ابو الاحوص هو التسبيح المعروف يقول في كل قيام سبحان الله وبحمده وقال عطاء المعنى حين تقوم من كل مجلس ت وفي تفسير احمد بن نصر الداودي قال وعن ابن المسيب قال حق على كل مسلم ان يقول حين يقوم الى الصلاة سبحان الله وبحمده لقول الله سبحانه لنبيه وسبح بحمد ربك حين تقوم انتهى وقال ابن زيد هي صلاة النوافل وقال الضحاك هي الصلوات المفروضة ومن قال هي النوافل جعل ادبار النجوم ركعتي الفجر وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين وقد روي مرفوعا ومن جعله التسبيح المعروف جعل قوله حين تقوم مثالا أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفك وحكى منذر عن الضحاك ان المعنى حين تقوم في الصلاة بعد تكبيرة الاحرام فقل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك الحديث تفسير سورة والنجم وهي مكية باجماع وهي اول سورة اعلن بها رسول الله ص - وجهر بقراءتها في الحرم والمشركون يستمعون وفيها سجد وسجد معه المومنون والمشركون والجن والانس غير ابي لهب فانه رفع حفنة من تراب الى جبهته وقال يكفيني هذا ت والذي خرجه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود فسجد رسول الله ص - وسجد من خلفه الا رجلا رأيته اخذ كفا من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو امية بن خلف انتهى وسبب نزولها ان المشركين قالوا ان محمدا يتقول القرآن ويختلق اقواله فنزلت السورة في ذلك بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل والنجم اذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى الآية قال الحسن وغيره النجم المقسم به هنا اسم جنس اراد به النجوم ثم اختلفوا في معنى هوى فقال جمهور المفسرين هوى للغروب وهذا هو السابق الى الفهم من كلام العرب وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هوى في الانقضاض في اثر العفريت عند استراق السمع وقال مجاهد وسفيان النجم في قسم الآية الثريا وسقوطها مع الفجر هو هويها والعرب لا تقول النجم مطلقا الا للثريا والقسم واقع على قوله ما ضل صاحبكم وما غوي ص اذا هوى ابو البقاء العامل في الظرف فعل القسم المحذوف أي اقسم بالنجم وقت هويه وجواب القسم ما ضل انتهى قال الفخر اكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال وبينهما فرق فالغي في مقابلة الرشد والضلال اعم منه انتهى وما ينطق عن الهوى يريد محمدا ص - انه لا يتكلم عن هواه أي بهواه وشهوته وقال بعض العلماء وما ينطق القرآن المنزل عن هوى ت وهذا تاويل بعيد من لفظ الآية كما ترى وقوله ان هو الا وحي يوحى يراد به القرآن باجماع ت وليس هذا الاجماع بصحيح ولفظ الثعلبي ان هو الا وحي أي ما نطقه في الدين الا بوحي انتهى وهو احسن ان شاء الله قال الفخر الوحي اسم ومعناه الكتاب او مصدر وله معان منها الارسال والالهام والكتابة والكلام والاشارة فان قلنا هو ضمير القرآن فالوحي اسم معناه الكتاب ويحتمل ان يقال مصدر أي ما القرآن الا ارسال أي مرسل وان قلنا المراد من قوله ان هو الا وحي قول محمد وكلامه فالوحي حينئذ هو الالهام أي كلامه ملهم من الله او مرسل انتهى والضمير في علمه لنبينا محمد ص - والمعلم هو جبريل عليه السلام قاله ابن عباس وغيره أي علم محمدا القرآن وذو مرة معناه ذو قوة قاله قتادة وغيره ومنه قوله عليه السلام لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي واصل المرة من مرائر الحبل وهي فتلة واحكام عمله وقوله فاستوى قال الربيع والزجاج المعنى فاستوى جبريل في الجو وهو اذ ذاك بالافق الاعلى اذ رآه رسول الله ص - بحراء قد سد الافق له ستمائة جناح وحينئذ دنا من محمد عليه السلام حتى كان قاب قوسين وكذلك رآه نزلة اخرى في صفته العظيمة له ستمائة جناح عند السدرة وقوله ثم دنا فتدلى قال الجمهور المعنى دنا جبريل الى محمد في الارض عند حراء وهذا هو الصحيح ان جميع ما في هذه الآيات من الأوصاف هو مع جبريل ودنا اعم من تدلى فبين تعالى بقوله فتدلى هيئة الدنو كيف كانت وقاب معناه قدر قال قتادة وغيره معناه من طرف العود الى طرفه الآخر وقال الحسن ومجاهد من الوتر الى العود في وسط القوس عند المقبض وقوله او ادنى معناه على مقتضى نظر البشر أي لو رآه احدكم لقال في ذلك قوسان او ادنى من ذلك وقيل المراد بقوسين أي قدر الذراعين وعن ابن عباس ان القوس في الآية ذراع يقاس به وذكر الثعلبي انها لغة بعض الحجازيين وقوله تعالى فاوحى الى عبده ما اوحى قال ابن عباس المعنى فاوحى الله الى عبده محمد ما اوحى وفي قوله ما اوحى ابهام على جهة التفخيم والتعظيم قال عياض ولما كان ما كاشفه عليه السلام من ذلك الجبروت وشاهده من عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ولا تستقل بحمل سماع ادناه العقول رمز عنه تعالى بالايماء والكناية الدالة على التعظيم فقال تعالى فاوحى الى عبده ما اوحى وهذا النوع من الكلام يسميه اهل النقد والبلاغة بالوحي والاشارة وهو عندهم ابلغ ابواب الايجاز انتهى وقوله سبحانه ما كذب الفؤاد ما رأى المعنى لم يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى بل صدقه وتحققه نظرا قال اهل التأويل منهم ابن عباس وغيره رأى محمد الله بفؤاده وقال النبي ص - جعل الله نور بصري في فؤادي فنظرت اليه بفؤادي وقال آخرون من المتأولين المعنى ما راى بعينه لم يكذب ذلك قلبه بل صدقه وتحققه وقال ابن عباس فيما روي عنه ان محمدا رأى ربه بعيني راسه وانكرت ذلك عائشة وقالت انا سألت رسول الله ص - عن هذه الآيات فقال لي هو جبريل فيها كلها قال ع وهذا قول الجمهور وحديث عائشة عن النبي ص - قاطع بكل تاويل في اللفظ لان قول غيرها انما هو منتزع من الفاظ القرآن وقوله سبحانه افتمارنه على ما يرى قرأ حمزة والكساءي افتمرونه بفتح التاء دون الف أي افتجحدونه ت قال الثعلبي واختار هذه القراءة ابو عبيد قال انهم لا يمارونه وانما جحدوه واختلف في الضمير في قوله ولقد رآه حسبما تقدم فقالت عائشة والجمهور هو عائد على جبريل ونزله معناه مرة اخرى فجمهور العلماء ان المرءي هو جبريل عليه السلام في المرتين مرة في الارض بحراء ومرة عند سدرة المنتهى ليلة الاسراء رآه على صورته التي خلق عليها وسدرة المنتهى هي شجرة نيق في السماء السابعة وقيل لها سدرة المنتهى لأنها اليها ينتهي علم كل عالم ولا يعلم ما وراءها صعدا الا الله عز و جل وقيل سميت بذلك لأنها اليها ينتهي من مات على سنة النبي ص - قال ع وهم المومنون حقا من كل جيل وقوله سبحانه عندها جنة المأوى قال الجمهور اراد سبحانه ان يعظم مكان السدرة ويشرفه بان جنة المأوى عندها قال الحسن هي الجنة التي وعد بها المومنون وقوله سبحانه اذ يغشى السدرة ما يغشى أي غشيها من امر الله ما غشيها فما يستطيع احد ان يصفها وقد ذكر المفسرون في وصفها اقوالا هي تكلف في الآية لأن الله تعالى ابهم ذلك وهم يريدون شرحه وقد قال ص - فغشيها الوان لا ادرى ما هي وقوله تعالى ما زاغ البصر قال ابن عباس معناه ما جال هكذا ولا هكذا وقوله وما طغى معناه ولا تجاوز المرءي وهذا تحقيق للامر ونفي لوجوه الريب عنه وقوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال جماعة معناه لقد رأى الكبرى من آيات ربه أي مما يمكن ان يراها البشر وقال آخرون المضى لقد رأى بعضا من آيات ربه الكبرى وقال ابن عباس وابن مسعود رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الافق ت وزاد الثعلبي وقيل المعراج وما رأى في تلك الليلة في مسراه في عوده وبدءه دليله قوله تعالى لنريه من آياتنا الآية قال عياض وقوله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى انحصرت الافهام عن تفصيل ما أوحى وتاهت الاحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى وقد اشتملت هذه الآيات على اعلام الله بتزكية جملته عليه السلام وعصمتها من الآفات في هذا المسرى فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه فقلبه بقوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى ولسانه عليه السلام بقوله تعالى وما ينطق عن الهوى وبصره بقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى اه ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته قال على جهة التوقيف افرأيتم اللات والعزى الآية أي ارأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية واللات صنم كانت العرب تعظمة والعزى صخرة بيضاء كانت العرب أيضا تعبدها واما مناة فكانت بالمشلل من قديد وكانت اعظم هذه الأوثان عندهم وكانت الأوس والخزرج تهل لها ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها انها بنات الله فكأنه قال أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله الكم الذكر وله الأنثى ثم قال تعالى على جهة الانكار تلك اذا قسمة ضيزى أي عوجاء قاله مجاهد وقيل جائرة قال ابن عباس وقال سفيان معناه منقوصة وقال ابن زيد معناه مخالفة والعرب تقول ضزته حقه اضيزه بمعنى منعته وضيزى من هذا التصريف قال ابو حيان والثالثة الاخرى صفتان لمناة للتاكيد قيل واكدت بهذين الوصفين لعظمها عندهم وقال الزمخشري والاخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار وتعقب بان اخرى مؤنث آخر ولم يوضعا للذم ولا للمدح ت وفي هذا التعقب تعسف والظاهر ان الوصفين معا سيقا مساق الذم لأن هؤلاء الكفار لم يكتفوا بضلالهم في اعتقادهم ما لا يجوز في اللات والعزى الى ان اضافوا الى ذلك مناة الثالثة الأخرى الحقيرة وكل اصنامهم حقير انتهى ثم قال تعالى ان هي الا اسماء يعني ان هذه الأوصاف من انها اناث وانها آلهة تعبد ونحو هذا الا اسماء أي تسميات اخترعتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها برهانا ولا حجة وما هو الا اتباع الظن وما تهوى الانفس وهوى الانفس هو ارادتها الملذة لها وانما تجد هوى النفس ابدا في ترك الأفضل لآنها مجبولة بطبعها على حب الملذ وانما يردعها ويسوقها الى حسن العاقبة العقل والشرع وقوله سبحانه ولقد جاءهم من ربهم الهدى فيه توبيخ لهم اذ يفعلون هذه القبائح والهدى حاضر وهو محمد وشرعه والانسان في قوله ام للانسان اسم جنس كانه يقول ليست الاشياء بالتمنى والشهوات وانما الامر كله لله والاعمال جارية على قانون امره ونهيه فليس لكم ايها الكفرة مرادكم في قولكم هذه آلهتنا وهي تشفع لنا وتقربنا الى الله زلفى ونحو هذا فلله الآخرة والاولى أي له كل امرهما ملكا ومقدورا وتحت سلطانه قال الشيخ ابو عبد الرحمن السلمي في كتاب عيوب النفس ومن عيوب النفس كثرة التمني والتمنى هو الاعتراض على الله عز و جل في قضائه وقدره ومداواتها ان يعلم انه لا يدري ما يعقبه التمني ايجره الى خير او الى شر فاذا تيقن ابهام عاقبة تمنيه اسقط عن نفسه ذلك ورجع الى الرضى والتسليم فيستريح انتهى وقوله سبحانه وكم من ملك الآية رد على قريش في قولهم الأوثان شفعاؤنا وكم للتكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر لا تغنى والغنى جلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء وقوله سبحانه ان الذين لا يؤمنون بالاخرة يعني كفار العرب وقوله وان الظن لا يغني من الحق شيئا أي في المعتقدات والمواضع التي يريد الانسان ان يحرر ما يعقل ويعتقد فانها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها واما في الاحكام وظواهرها فيجتزى فيها بالمظنونات ثم سلى سبحانه نبيه وامره بالاعراض عن هؤلاء الكفرة وقوله عن ذكرنا قال الثعلبي يعني القرآن وقوله سبحانه ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله الآية متصلة في معنى التسلية ومتضمنة وعيدا للكافرين ووعدا للمؤمنين والحسنى الجنة ولا حسنى دونها وقد تقدم نقل الأقوال في الكبائر في سورة النساء وغيرها وتحرير القول في الكبائر انها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا او توعد عليها بنار في الآخرة او لعنة ونحو هذا وقوله الا اللمم هو استثناء يصح ان يكون متصلا وان قدرته منقطعا ساغ ذلك وبكل قد قيل واختلف في معنى اللمم فقال ابو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم اللمم صغار الذنوب التي لا حد فيها ولا وعيد عليها لأن الناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى اذا اجتنبوا الكبائر وتظاهر العلماء في هذا القول وكثر المائل اليه وحكي عن ابن المسيب ان اللمم ما خطر على القلب يعني بذلك لمة الشيطان وقال ابن عباس معناه الا ما الموا به من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه وعن الحسن بن ابي الحسن انه قال في اللمة من الزنا والسرقة وشرب الخمر ثم لا يعود قال ع وهذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في ادخالهم في الوعد بالحسنى اذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي وعلى هذا انشدوا وقد تمثل به النبي ص - ... ان تغفر اللهم تغفر جما ... واي عبد لك لا الما ... وقوله سبحانه اذ أنشأكم من الأرض يريد خلق ابيهم آدم ويحتمل ان يراد به انشاء الغذاء واجنة جمع جنين وقوله سبحانه فلا تزكوا انفسكم ظاهره النهي عن تزكية الانسان نفسه ويحتمل ان يكون نهيا عن ان يزكي بعض الناس بعضا واذا كان هذا فانما ينهي عن تزكية السمعة والمدح للدنيا اوالقطع بالتزكية واما تزكية الامام والقدوة احدا ليؤتم به او ليتهمم الناس بالخير فجائز وفي الباب احاديث صحيحة وباقي الآية بين ت قال صاحب الكلم الفارقية اعرف الناس بنفسه اشدهم ايقاعا للتهمة بها في كل ما يبدو ويظهر له منها واجهلهم بمعرفتها وخفايا آفاتها وكوامن مكرها من زكاها واحسن ظنه بها لانها مقبلة على عاجل حظوظها معرضة عن الاستعداد لآخرتها انتهى وقال ابن عطاء الله اصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضى عن النفس واصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضى منك عنها قال شارحة ابن عباد الرضى عن النفس اصل جميع الصفات المذمومة وعدم الرضى عنها اصل الصفات المحمودة وقد اتفق على هذا جميع العارفين وارباب القلوب وذلك لأن الرضى عن النفس يوجب تغطية عيوبها ومساويها وعدم الرضى عنها على عكس هذا كما قيل ... وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا ... انتهى وقوله تعالى أفرأيت الذي تولى الآية قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك انه سمع قراءة النبي ص - ووعظه فقرب من الاسلام وطمع النبي ص - في اسلامه ثم انه عاتبه رجل من المشركين وقال له اتترك ملة آبائك ارجع الى دينك واثبت عليه وانا اتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة لكن على ان تعطيني كذا وكذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الاسلام واعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم امسك عنه وشح فنزلت الآية فيه وقال السدي نزلت في العاصي بن وائل قال ع فقوله واعطى قليلا واكدى على هذا هو في المال وقال مقاتل في كتاب الثعلبي المعنى اعطى الوليد قليلا من الخير بلسانه ثم اكدى أي انقطع ما اعطى وهذا بين من اللغفظ والآخر يحتاج الى رواية وتولى معناه ادبر واعرض عن امر الله واكدى معناه انقطع عطاؤه وهو مشبه بالذي يحفر في الأرض فانه اذا انتهى في حفر بير ونحوه الى كدية وهي ما صلب من الأرض يئس من الماء وانقطع حفره وكذلك اجبل اذا انتهى في الحفر الى جبل ثم قيل لمن انقطع عمله اكدى واجبل ت قال الثعلبي واصله من الكدية وهو حجر في البيريويس من الماء قال الكساءي تقول العرب اكدى الحافر واجبل اذا بلغ في الحفر الى الكدية والجبل انتهى وقوله عز و جل اعنده علم الغيب فهو يرى معناه اعلم من الغيب ان من تحمل ذنوب آخر انتفع بذلك المتحمل عنه فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وله فيه بصيرة ام هو جاهل لم ينبأ بما في صحف موسى وابراهيم الذي وفى بما ارسل به من انه لا تزر وازرة أي لا تحمل حاملة حمل اخرى وفي البخاري وابراهيم الذي وفى وفى ما فرض عليه انتهى وقوله سبحانه وان ليس للانسان الا ما سعى وما بعده كل ذلك معطوف على قوله الا تزر وازرة وزر اخرى والجمهور ان قوله وان ليس للانسان الا ما سعى محكم لا نسخ فيه وهو لفظ عام مخصص وقوله وان سعيه سوف يرى أي يراه الله ومن شاهد تلك الامور وفي عرض الاعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين ومنه قوله ص - من سمع باخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة وفي قوله تعالى ثم يجزاه الجزاء الاوفى وعيد للكافرين ووعد للمومنين وقوله سبحانه وان الى ربك المنتهى أي منتهى الخلق ومصيرهم اللهم اطلعنا على خيرك بفضلك ولا تفضحنا بين خلقك وجد علينا بسترك في الدارين وحق لعبد يعلم انه الى ربه منتهاه ان يرفض هواه ويزهد في دنياه ويقبل بقلبه على مولاه ويقتدي بنبي فضله الله على خلقه وارتضاه ويتأمل كيف كان زهده ص - في دنياه واقباله على مولاه قال عياض في شفاه واما زهده ص - فقد قدمنا من الاخبار اثناء هذه السيرة ما يكفي وحسبك من تقلله منها واعراضه عنها وعن زهرتها وقد سيقت اليه بحذافيرها وترادفت عليه فتوحاتها انه توفي ص - ودرعة مرهونة عند يهودي وهو يدعو ويقول اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت ما شبع آل رسول الله ص - ثلاثة أيام تباعا حتى مضى لسبيله وعنها رضي الله عنها قالت لم يمتلئى جوف نبي الله ص - شبعا قط ولم يبث شكوى الى احد وكانت الفاقة احب اليه من الغنى وان كان ليظل جائعا يلتوى طول ليلته من الجوع فلا يمنعه ذلك صيام يومه ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها ولقد كنت ابكي له رحمة مما ارى به وامسح بيدي على بطنه مما به من الجوع واقول نفسي لك الفداء لو تلغت من الدنيا بما يقوتك فيقول يا عائشة ما لي وللدنيا اخواني من اولى العزم من الرسل صبروا على ما هو اشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فاكرم مئابهم واجزل ثوابهم فاجدني استحيي ان ترفهت في معيشتي ان يقصر بي غدا دونهم وما من شيء هو احب الي من اللحوق باخواني واخلاءي قالت فما اقام بعد الا اشهرا حتى توفي صلوات الله وسلامه عليه انتهى وباقي الآية دلالة على التوحيد واضحة والنشأة الأخرى هي اعادة الاجسام الى الحشر بعد البلى واقنى معناه اكسب ما يقتنى تقول قنيت المال أي كسبته وقال ابن عباس اقنى قنع قال ع والقناعة خير قنية والغنى عرض زائل فلله در ابن عباس والشعري نجم في السماء قال مجاهد وابن زيد هو مرزم الجوزاء وهما شعريان احداهما الفميصاء والاخرى العبور لانها عبرت المجرة وكانت خزاعة ممن يعبد هذه الشعرى العبور ومعنى الآية وان الله سبحانه رب هذا المعبود الذي لكم وعادا الاولى اختلف في معنى وصفها بالاولى فقال الجمهور سميت اولى بالاضافة الى الامم المتأخرة عنها وقال الطبري وغيره سميت اولى لان ثم عادا آخرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال والله اعلم وقرأ الجمهور وثموادا بالنصب عطفا على عاد وقوم نوح عطفا على ثمود وقوله من قبل لانهم كانوا اول امة كذبت من اهل الأرض والموتفكة قرية قوم لوط اهوى أي طرحها من هواء عال الى سفل وقوله سبحانه فبأي آلاء ربك تتمارى مخاطبة للانسان الكافر كانه قيل له هذا هو الله الذي له هذه الأفعال وهو خالقك المنعم عليك بكل النعم ففي أيها تشك وتتمارى معناه تتشكك وقال مالك الغفاري إن قوله الا تزر إلى قوله تتمارى هو في صحف إبراهيم وموسى وقوله سبحانه هذا نذير يحتمل أن يشير إلى نبينا محمد ص - وهو قول قتادة وغيره وهذا هو الأشبه ويحتمل أن يشير إلى القرآن وهو تأويل قوم ونذير يحتمل أن يكون بناء اسم فاعل ويحتمل أن يكون مصدر ونذر جمع نذير وقوله تعالى أزفت الآزفة معناه قربت القريبة والآزفة عبارة عن القيامة بإجماع من المفسرين وأزف معناه قرب جدا قال كعب بن زهير ... بان الشباب وأها الشيب قد أزفا ... ولا أرى لشباب ذاهب خلفا ... وكاشفة يحتمل أن تكون صفة لمؤنث التقدير حال كاشفة ونحو هذا التقدير ويحتمل أن تكون بمعنى كاشف قال الطبري والزجاج هو من كشف السر أي ليس من دون الله من يكشف وقتها ويعلمه وقال منذر بن سعيد هو من كشف الضر ودفعه أي ليس من يكشف خطبها وهولها إلا الله وقوله سبحانه أفمن هذا الحديث تعجبون الآية روى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ص - قال إن هذا القرآن أنزل بخوف فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ذكره الثعالبي وأخرج الترمذي والنسائي عن النبي ص - أنه قال لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخر أبدا قال النسائي ويروى في جوف أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب أبدا قال الترمذي وقال النبي ص - عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله انتهى من مصابيح البغوي قال أبو عمر بن عبد البر روي عن النبي ص - أنه قال إياكم وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه انتهى من بهجة المجالس وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص - من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن فقال أبو هريرة فقلت أنا يا رسول الله فأخذ بيدي فعد خمسا وقال اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك يميت القلب انتهى والسامد اللاعب اللاهي وبهذا فسر ابن عباس وغيره من المفسرين وسمد بلغة حمير غني وهو كله معنى قريب بعضه من بعض ثم أمر تعالى بالسجود له والعبادة تخويفا وتحذيرا وهاهنا سجدة في قول كثير من العلماء ووردت بها أحاديث صحاح ولم ير مالك بالسجود هنا وقال زيد بن ثابت أنه قرأ بها عند النبي ص - فلم يسجد قال ابن العربي في أحكامه وكان مالك يسجدها في خاصة نفسه انتهى تفسير سورة اقتربت الساعة وهي مكية بإجماع إلا آية واحدة قوله سيهزم الجمع الآية ففيها خلاف والجمهور أنها أيضا مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه اقتربت الساعة وانشق القمر معناه قربت الساعة وهي القيامة وأمرها مجهول التحديد وكل ما يروى في عمر الدنيا من التحديد فضعيف وقوله وانشق القمر إخبار عما وقع وذلك أن قريشا سألت رسول الله ص - آية فأراهم الله انشقاق القمر فرآه النبي ص - وجماعة من المسلمين والكفار فقال رسول الله ص - اشهدوا وقوله وإن يروا جاء اللفظ مستقبلا لينتظم ما مضى وما يأتي فهو إخبار بأن حالهم هكذا وقوله مستمر قال الزجاج قيل معناه دائم متماد وقال قتادة وغيره معناه مار ذاهب عن قريب يزول ثم قال سبحانه على جهة جزم الخبر وكل أمر مستقر كأنه يقول وكل شيء إلى غاية عنده سبحانه ومزدجر معناه موضع زجر وقوله فما تغن النذر يحتمل أن تكون ما نافية ويحتمل أن تكون استفهامية ثم سلى سبحانه نبيه عليى السلام بقوله فتول عنهم أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات وتم القول في قوله عنهم ثم ابتدأ وعيدهم بقوله يوم والعامل في يوم قوله يخرجون وقال الرماني المعنى فتول عنهم واذكر يوم وقال الحسن المعنى فتول عنهم إلى يوم وقرأ الجمهور نكر بضم الكاف قال الخليل النكر نعت للأمر الشديد والرجل الداهية وخص الإبصار بالخشوع لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أو صلف أو خوف ونحوه إنما يظهر في الإبصار والأجداث جمع جدث وهو القبر وشبههم سبحانه بالجراد المنتشر وقد شبههم سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث وفيهم من كل هذا شبه وذهب بعض المفسرين إلى أنهم أولا كالفراش حين يموج بعضهم في بعض ثم في رتبة أخرى كالجراد إذا توجهو نحو المحشر والداعي والمهطع المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد إما لخوف أو طمع ونحوه قال أبو حيان مهطعين أي مسرعين وقيل فاتحين أذانهم للصوت انتهى ويقول الكافرون هذا يوم عسر لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته وقوله سبحانه كذبت قبلهم قوم نوح الآية وعيد لقريش وضرب مثل لهم وقوله وازدجر إخبار من الله عز و جل أنهم زجروا نوحا عليه السلام بالسب والنجه والتخويف قاله ابن زيد وقوله فانتصر أي فانتصر لي منهم بأن تهلكهم وقوله ففتحنا أبواب السماء قال الجمهور هذا مجاز وتشبيه لأن المطر كأنه من أبواب وهذا مبدأ الانتصار من الكفار والمنهمر الشديد الوقوع الغزير وقرأ الجمهور فالتقى الماء يعني ماء السماء وماء العيون وقوله سبحانه على أمر قد قدر أي قضي وقدر في الأزل وذات ألواح ودسر هي السفينة والدسر المسامير واحدها دسار وهذا هو قول الجمهور وقال مجاهد الدسر أضلاع السفينة قال العراقي والدسار أيضا ما تشد به السفينة انتهى وقوله تعالى تجري بأعيننا معناه بحفظنا وتحت نظر منا قال البخاري قال قتادة أبقى الله عز و جل سفينة نوح حتى أدركها أوائل هذه الأمة انتهى وقرأ جمهور الناس جزاء لمن كان كفر مبنيا للمفعول قال مكي قيل من يراد بها نوح والمؤمنون لأنهم كفروا من حيث كفر بهم فجزاهم الله بالنجاة وقرئي شاذ كفر مبنيا للفاعل والضمير في تركناها قال مكي هو عائد على هذه الفعلة والقصة وقال قتادة وغيره هو عائد على السفينة ومدكر أصله مذتكر أبدلوا من التاء دالا ثم أدغموا الدال في الدال وهذه قراءة الناس قال أبو حاتم ورويت عن النبي ص - بإسناد صحيح وقوله تعالى فكيف كان عذابي ونذرى توقيف لكفار قريش والنذر هنا جمع نذير وهو المصدر والمعنى كيف كان عاقبة إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيها القوم ويسرنا القرآن أي سهلناه وقربناه والذكر الحفظ عن ظهر قلب قال ع يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني فله حلاوة في القلوب وامتزاج بالعقول السليمة وقوله فهل من مدكر استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه حاضرة في النفس فلله در من قبل وهدي ت وقال الثعلبي فهل من مدكر أي من متعظ وقوله في يوم نحس مستمر الآية ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية يوم نحس مستمر يوم الأربعاء ومستمر معناه متتابع وقوله تنزع الناس معناه تقلعهم من مواضعهم قلما فتطرحهم وروي عن مجاهد أن الريح كانت تلقي الرجل على رأسه فيتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بده قال ع فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك ان المنقلع هو الذى ينقلع من قعره وقال قوم انما شبههم باعجاز النخل لأنهم كانوا يحتفرون حفرا ليمتنعوا فيها من الريح فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز النخل والنخل تذكر وتؤنث وفائدة تكرار قوله فكيف كان عذابي ونذر التخويف وهز النفوس وهذا موجود في تكرار الكلام كقوله ص - الأهل بلغت الأهل بلغت الأهل بلغت ونحوه وقول ثمود لصالح ابشر منا واحدا نتبعه هو حسد منهم واستبعاد منهم أن يكون نوع البشر يفضل هذا التفضيل ولم يعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويفيض نور الهدى على من رضيه وقولهم إنا إذا لفي ضلال أي في ذهاب وائتلاف عن الصواب وسعر معناه في احتراق انفس واستعارها حنقا وقيل في جنون يقال ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها والأشر البطر وقرأ الجمهور سيعلمون بالياء وقرأ حمزة وحفص ستعلمون بالتاء من فوق على معنى قل لهم يا صالح ثم أمر الله صالحا بارتقاب الفرج والصبر ت وقال الثعلبي فارتقبهم أي انتظرهم ما يصنعون ونبئهم أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة لها شرب ولهم شرب يوم ومعلوم ومحتضر معناه محضور مشهود متواسى فيه وقال مجاهد كل شرب أي من الماء يوما ومن لبن الناقة يوما محتضر لهم فكأنه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك وصاحبهم هو قدار بن سالف وتعاطى مطاوع عاطي فكان هذه الفعلة تدافعها الناس وأعطاها بعضهم بعضا فتعاطاها هو وتناول العقربيده قاله ابن عباس وقد تقدم قصص القوم والهشيم ما تفتت وتهشم من الأشياء والمحتظر معناه الذي يصنع حظيرة قاله ابن زيد وغيره وهي مأخوذة من الحظر وهو المنع والعرب وأهل البوادي يصنعونها للمواشي وللسكنى أيضا من الأغصان والشجر المورق والقصب ونحوه وهذا كله هشيم يتفتت أما في أول الصنعة وأما عند بلى الحظيرة وتساقط أجزائها وقد تقدم قصص قوم لوط والحاصب مأخوذ من الحصباء وقوله فتماروا معناه تشككوا وأهدى بعضهم الشك إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال و النذر جمع نذير وهو المصدر ويحتمل أن يراد بالنذر هنا وفي قوله كذبت قوم لوط بالنذر جمع نذير الذي هو اسم فاعل وقوله سبحانه فطمسنا أعينهم قال قتادة هي حقيقة جر جبريل شيئا من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم قال أبو عبيدة مطموسة بجلدة كالوجه وقال ابن عباس والضحاك هذه استعارة وإنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئا فجعل ذلك كالطمس وقوله بكرة قيل عند طلوع الفجر وقوله فذوقوا يحتمل أن يكون من قول الله تعالى لهم ويحتمل أن يكون من قولا لملائكة ونذري جمع المصدر أي وعاقبة إنذاري ومستقر أي دائم استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة وآل فرعون قومه واتباعه وقوله كذبوا بئاياتنا كلها يحتمل ان يريد ءال فرعون ويحتمل أن يكون قوله ولقد جاء آل فرعون النذر كلاما تاما ثم يكون قوله كذبوا بآياتاننا كلها يعود على جميع من ذكر من الأمم وقوله تعالى أكفاركم خير من أولائكم خطاب لقريش على جهة التوبيخ وقوله أم لكم براءة أي من العذاب في الزبر أي في كتب الله المنزلة قاله ابن زيد وغيره ثم قال تعالى لنبينا محمد ص - أم يقولون نحن واثقون بجماعتنا منتصرون بقوتنا على جهة الإعجاب سيهزمون فلا ينفع جمعهم وهذه عدة من الله تعالى لرسوله أن جمع قريش سيهزم فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كنت أقول في نفسي أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ص - يثب في الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر والجمهور على أن الآية نزلت بمكة وقول من زعم أنها نزلت يوم بدر ضعيف والصواب أن الوعد نجز يوم بدر قال أبو حيان ويولون الجمهور بياء الغيبة وعن أبي عمرو بتاء الخطاب والدبر هنا اسم جنس وحسن إفراده كونه فاصلة وقد جاء مجموعا في آية أخرى وهو الأصل انتهى ثم اضرب سبحانه تهمما بأمر الساعة التي هي أشد عليهم من كل هزيمة وقتل فقال بل الساعة موعدهم وأدهى أفعل من الداهية وهي الرزية العظمى تنزل بالمرء وأمر من المرارة ت وقال الثعالبي الداهية الأمر الشديد الذي لا يهتدى للخلاص منه انتهى ثم أخبر تعالى عن المجرمين أنهم في الدنيا في حيرة وائتلاف وفقد هدى وفي الآخرة في احتراق وتسعر وقال ابن عباس المعنى في خسران وجنون والسعر الجنون وأكثر المفسرين على أن المجرمين هنا يراد بهم الكفار والسحب الجر وقوله سبحانه إنا كل شيء خلقناه بقدر قرأ جمهور الناس كل بالنصب وقالوا المعنى إنا خلقنا كل شيء بقدر سابق وليست خلقنا في موضع الصفة لشيء وهذا مذهب أهل السنة وهذا المعنى يقتضي أن كل شيء مخلوق إلا ما قام عليه الدليل أنه ليس بمخلوق كالقرآن والصفات ت قال الثعالبي قال ابن عباس خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق الخير والشر فخير الخير السعادة وشر الشر الشقاوة وقوله سبحانه وما أمرنا إلا واحدة قال ع أي إلا قوله واحدة وهي كن ت قوله إلا قوله فيه قلق ما وكانه فهم أن معنى الآية راجع إلى قوله تعالى إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وعبارة الثعالبي أي وما أمر الساعة إلا واحدة أي إلا رجفة واحدة قال أبو عبيد هي نعت للمعنى دون اللفظ مجازه وما أمرنا إلا مرة واحدة كن فيكون كلمح بالبصر أي كخطف بالبصر فقيل له إنه يعني الساعة فقال الساعة وجميع ما يريد انتهى وكلام أبي عبيد عندي حسن والأشياع الفرق المتشابهة في مذهب أو دين ونحوه الأول شيعة للآخر والآخر شيعة للأول وكل شيء فعلته الأمم المهلكة في الزبر أي مكتوب محفوظ عليهم إلى يوم الحساب قاله ابن عباس وغيره ومستطر أي مسطر وقرأ الجمهور ونهر بفتح النون والهاء على أنه اسم الجنس يريد به الأنهار على أنه بمعنى وسعة في الأرزاق والمنازل قال أبو حيان وقرأ الأعمش ونهر بضم النون والهاء جمع نهر كرهن ورهن انتهى وقوله تعالى في مقدع صدق يحتمل أن يريد به الصدق الذي هو ضد الكذب أي المقعد الذي صدقوا في الخبر به ويحتمل أن يكون من قولك عود صدق أي جيد ورجل صدق أي خير والمليك المقتدر الله تعالى ت وقال الثعلبي في مقعد صدق أي في مجلس حق لا لغو فيه وتأثيم وهو الجنة عند مليك مقتدر وعند إشارة إلى القربة والرتبة انتهى ص قال أبو البقاء في مقعد صدق بدل من قوله في جنات انتهى قال المحاسبي وإذا أخذ أهل الجنة مجالسهم واطمأنوا في مقعد الصدق الذي وعده الله لهم منهم في القرب من مولاهم سبحانه على قدر منازلهم عنده انتهى من كتاب التوهم ثم قال المحاسبي بإثر هذا الكلام فلو رأيتهم وقد سمعوا كلام ربهم وقد داخل قلوبهم السرور وقد بلغوا غاية الكرامة ومنتهى الرضى والغبطة فما ظنك بنظرهم إلى العزيز العظيم الجليل الذي لا تقع عليه الأوهام ولا تحيط به الأفهام ولا تحده الفطن ولا تكيفه الفكر الأزلي القديم الذي حارت العقول عن إدراكه وكلت الألسن عن كنه صفاته انتهى تفسير سورة الرحمن عز و جل وهي مكية في قول الجمهور بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل الرحمن علم القرآن الرحمن بناء مبالغة من الرحمة وقوله علم القرآن تعديد نعمه أي هو من به وعلمه الناس وخص حفاظه وفهمته بالفضل قال النبي ص - خيركم من تعلم القرآن وعلمه ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق أن الله تعالى ذكر القرآن في كتابه في أربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار إليه وذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا كلها نصت على خلقه وقد اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو والإنسان هنا اسم جنس قاله الزهراوي وغيره قال الفخر الرحمن مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي علم القرآن انتهى والبيان النطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول قاله الجمهور وبذلك فضل الإنسان من سائر الحيوان وكل المعلومات داخلة في البيان الذي علمه الإنسان فمن ذلك البيان كون الشمس والقمر بحسبان وهذا ابتداء تعديد نعم قال قتادة بحسبان مصدر كالحساب وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى والضحاك هو جمع حساب والمعنى أن هذين لهما في طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروج وغير ذلك حسابات شتى وهذا مذهب ابن عباس وغيره وقال قتادة الحسبان الفلك المستدير شبهه بحسبان الرحى وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة وقوله سبحانه والنجم والشجر يسجدان قال ابن عباس وغيره النجم النبات الذي لا ساق له قال ع وسمي نجما لأنه نجم أي ظهر وهو مناسب للشجر نسبة بينة وقال مجاهد وغيره النجم اسم الجنس من نجوم السماء قال ع والنسبة التي لها من السماء هي التي للشجر من الأرض لأنهما في ظاهرهما وسمي الشجر من اشتجار غصونه وهو تداخلها قال مجاهد وسجودهما عبارة عن التذلل والخضوع وقوله سبحانه ووضع الميزان يريد به العدل قاله أكثر الناس وقوله ألا تطغوا في الميزان وقوله واقيموا الوزن بالقسط وقوله ولا تخسروا الميزان يريد به الميزان المعروف وأن لا هو بتقدير ليلا أو مفعول من أجله وفي مصحف ابن مسعود لا تطغوا في الميزان وقرأ بلال بن أبي بردة تخسروا بفتح التاء وكسر السين من خسر ويقال خسر وأخسر بمعنى نقص وأفسد كجبر وأجبر والأنام قال الحسن بن أبي الحسن هم الثقلان الإنس والجن وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد والشعبي هم الحيوان كله والنخل ذات الأكمام وذلك أن طلعها في كم وفروعها أيضا في أكمام من ليفها والكم من النبات كل ما التف على شيء وستره ومنه كمائم الزهر وبه شبه كم الثوب والحب ذو العصف هو البر والشعير وما جرى مجراه قال ابن عباس العصف التبن واختلف في الريحان فقال ابن عباس وغيره هو الرزق وقال الحسن هو ريحانكم هذا وقال ابن زيد وقتادة الريحان هو كل مشموم طيب قال ع وفي هذا النوع نعمة عظيمة ففيه الأزهار والمندل والعقاقير وغير ذلك وقرأ الجمهور والريحان بالرفع عطفا على فاكهة وقرأ حمزة والكسائي والريحان بالخفض عطفا على العصف فالريحان على هذه القراءة الرزق ولا يدخل فيه المشموم إلا بتكلف وريحان أصله روحان فهو من ذوات الواو والآلاء النعم والضمير في قوله ربكما للجن والإنس اللذين تضمنهما لفظ الأنام وأيضا ساغ تقديم ضميرهما عليهما لذكر الإنسان والجان عقب ذلك وفيه اتساع وقال منذر بن سعيد خوطب من يعقل لأن المخاطبة بالقرآن كله هي للإنس والجن وعن جابر قال قرأ علينا النبي ص - سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال ما لي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن ردا منكم ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب وقوله سبحانه خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار الآية اختلف في اشتقاق الصلصال فقيل هو من صل إذا أنتن فهي إشارة إلى الحمأة وقال الجمهور هو من صل إذا صوت وذلك في الطين لجودته فهي إشارة إلى ما كان في تربة أدم من الطين الحر وذلك أن الله تعالى خلقه من طين مختلف فمرة ذكر في خلقه هذا ومرة هذا وكل ما في القرآن صفات ترددت على التراب الذي خلق منه والفخار الطين الطيب إذا مسه الماء فخر أي ربا وعظم والجان اسم جنس كالجنة قال الفخر وفي الجان وجه آخر أنه أبو الجن كما أن الإنسان هنا أبو الإنس خلق من صلصال ومن بعده خلق من صلبه كذلك الجان هنا أبو الجن خلق من نار ومن بعده من ذريته انتهى والمارج اللهب المضطرب من النار قال ابن عباس وهو أحسن النار المختلط من ألوان شتى قال أبو حيان المارج المختلط من أصفر وأخضر وأحمر انتهى وكرر سبحانه قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان تأكيدا وتنبيها للنفوس وتحريكا لها وهذه طريقة من الفصاحة معروفة وهي من كتاب الله في مواضع وفي حديث النبي ص - وفي كلام العرب وذهب قوم إلى أن هذا التكرار إنما هو لما اختلفت النعم المذكورة كرر التوقيف مع كل واحدة منها قال ع وهذا حسن وقال الحسين بن الفضل التكرار لطرد الغفلة وللتأكيد وخص سبحانه ذكر المشرقين والمغربين بالتشريف في إضافة الرب إليهما لعظمهما في المخلوقات ت وتحتمل الآية أن يراد بالمشرقين والمغربين وما بينهما كما هو في سورة الشعراء واختلف الناس في البحرين قال ع والظاهر عندي أن قوله تعالى البحرين يريد بهما نوعي الماء العذب والأجاج أي خلطهما في الأرض وأرسلهما متداخلين في وضعهما في الأرض قريب بعضهما من بعض ولا بغي قال ع وذكر الثعالبي في مرج البحرين ألغازا وأقوالا باطنة يجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ت ولا شك في اطراحها فمنها نقله عن الثوري مرج البحرين فاطمة وعلي اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين ثم تمادى في نحو هذا مما كان الأولى به تركه ومرج الشيء أي اختلط والبرزخ الحاجز قال البخاري لا يبغيان لا يختلطان انتهى قال ابن مسعود والمرجان حجر أحمر وهذا هو الصواب قال عطاء الخراساني وهو البسذ وقوله سبحانه يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان قال جمهور من المتأولين إنما يخرج ذلك من الأجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فلذلك قال منهما ت وهذا بناء على أن الضمير في منهما للعذب وللمالح وأما على قول من قال إن البحرين بحر فارس والروم أو بحر القلزم وبحر الشام فلا إشكال إذ كلها مالحة وقد نقل الأخفش عن قوم أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من المالح ومن العذب وليس لمن رده حجة قاطعة ومن أثبت أولى ممن نفى قال أبو حيان والضمير في منهما يعود على البحرين يعني العذب والمالح والظاهر خروج اللؤلؤ والمرجان منهما وحكاه الأخفش عن قوم انتهى والجواري جمع جارية وهي السفن وقرأ حمزة وأبو بكر المنشئات بكسر الشين أي اللواتي أنشأ جريهن أي ابتدأنه وقرأ الباقون بفتح الشين أي أنشأها الله أو الناس وقال مجاهد المنشآت ما رفع قلعه من السفن كالأعلام أي الجبال ت ولفظ البخاري المنشئات ما رفع قلعه من السفن فأما ما لا يرفع قلعه فليس بمنشئات انتهى وقوله سبحانه كل من عليها أي على الأرض فان والإشارة بالفناء إلى جميع الموجودات على الرض من حيوان وغيره والوجه عبارة عن الذات لأن الجارحة منفية في حقه سبحانه قال الداودي وعن ابن عباس ذو الجلال قال ذو العظمة والكبرياء انتهى وقوله سبحانه يسأله من في السماوات والأرض أي من ملك وأنس وجن وغيرهم لا غنى لأحد منهم عنه سبحانه كلهم يسئله حاجته إما بلسان مقاله وإما بلسان حاله وقوله سبحانه كل يوم هو في شأن أي يظهر شأنا من قدرته التي قد سبقت في الأزل في ميقاته من الزمان من إحياء وإماتة ورفعة وخفض وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو سبحانه والشأن هو اسم جنس للأمور قال الحسين بن الفضل معنى الآية سوق المقادير إلى المواقيت وفي الحديث أن النبي ص - قرأ هذه الآية فقيل له ما هذا الشأن يا رسول الله قال يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وذكر النقاش أن سبب هذه الآية قول اليهود استراح الله يوم السبت فلا ينفذ فيه شيأ وقوله تعالى سنفرغ لكم أيه الثقلان عبارة عن إتيان الوقت الذي قدر فيه وقضى أن ينظر في أمور عباده وذلك يوم القيامة وليس المعنى أن ثم شغلا يتفرغ منه إذ لا يشغله سبحانه شان عن شان وإنما هي إشارة وعيد وتهديد قال البخاري وهو معروف في كلام العرب يقال لأفرغن لك وما به شغل انتهى والثقلان الإنس والجن يقال لكل ما يعظم أمره ثقل وقال جعفر بن محمد الصادق سمي الإنس والجن ثقلين لأنهما ثقلا بالذنوب قال ع وهذا بارع ينظر إلى خلقهما من طين ونار واختلف الناس في معنى قوله تعالى إن استطعتم أن تنفذوا الآية فقال الطبري قال قوم المعنى يقال لهم يوم القيامة يا معشر الجن والإنس إن استطعتم الآية قال الضحاك وذلك أنه يفر الناس في أقطار الأرض والجن كذلك لما يرون من هول يوم القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة قد أحاطت قد أحاطت بالأرض فيرجعون من حيث جاءوا فحينئذ يقال لهم يا معشر الجن والإنس وقال بعض المفسرين هي مخاطبة في الدنيا والمعنى إن استطعتم الفرار من الموت بأن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا ت والصواب الأول وقوله فانفذوا صيغة أمر ومعناه التعجيز والشواظ لهب النار قاله ابن عباس وغيره قال أبو حيان الشواظ هو اللهب الخالص بغير دخان انتهى والنحاس هو المعروف قاله ابن عباس وغيره أي يذاب ويرسل عليهما ونحوه في البخاري قال ص وقال الخليل النحاس هنا هو الدخان الذي لا لهب له ونقله أيضا أبو البقاء وغيره انتهى وقوله سبحانه فإذا انشقت السماء جواب إذا محذوف مقصود به الإبهام كأنه يقول فإذا انشقت السماء فما أعظم الهول قال قتادة السماء اليوم خضراء وهي يوم القيامة حمراء فمعنى قوله وردة أي محمرة كالوردة وهي النوار المعروف وهذا قول الزجاج وغيره وقوله كالدهان قال مجاهد وغيره هو جمع دهن وذلك أن السماء يعتريها يوم القيامة ذوب وتميع من شدة الهول وقال ابن جريج من حر جهنم نقله الثعلبي وقيل غير هذا وقوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان قال قتادة وغيره هي مواطن فلا تعارض بين الآيات وقوله سبحانه فيؤخذ بالنواصي والأقدام قال ابن عباس يؤخذ كل كافر بناصيته وقدميه ويطوى ويجمع كالحطب ويلقى كذلك في النار وقيل المعنى أن بعض الكفرة يؤخذون بالنواصي وبعضهم يسحبون ويجرون بالأقدام وقوله تعالى هذه جهنم أي يقال لهم على جهة التوبيخ وفي مصحف ابن مسعود هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان لا تموتان فيها ولا تحييان وقوله سبحانه يطوفون بينها وبين حميم آن المعنى أنهم يترددون بين نار جهنم وجمرها وبين حميم وهو ما غلي في جهنم من مائع عذابها وءان الشيء حضر وءان اللحم أو ما يطبخ أو يغلى نضج وتناهى حره وكونه من الثاني أبين وقوله تعالى ولمن خاف مقام ربه أي موقفه بين يدي ربه قيل في هذه الآية إن كل خائف له جنتان ت قال الثعلبي قال محمد بن علي الترمذي جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته والأفنان يحتمل أن تكون جمع فنن وهو الغصن وهذا قول مجاهد فكأنه مدحها بظلالها وتكاثف أغصانها ويحتمل أن تكون جمع فن وهو قول ابن عباس فكأنه مدحها بكثرة فواكهها ونعيمها وزوجان معناه نوعات ت ونقل الثعلبي عن ابن عباس قال ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو انتهى ومتكئين حال وقرأ الجمهور على فرش بضم الراء وروي في الحديث أنه قيل للنبي ص - هذه البطائن من استبرق فكيف الظواهر قال هي من نور يتلألأ والاستبرق ما خشن وحسن من الديباج والسندس ما رق منه وقد تقدم القول في لفظ الاستبرق والضمير في قوله فيهن للفرش وقيل للجنات إذ الجنتان جنات في المعنى والجنى ما يجني من الثمار ووصفه بالدنو لأنه يدنو إلى مشتهيه فيتناوله كيف شاء من قيام أو جلوس أو اضطجاع روي معناه في الحديث وقاصرات الطرف هن الحور قصرن الحاظهن على أزواجهن لم يطمثهن أي لم يفتضهن لأن الطمث دم الفرج وقوله ولاجان قال مجاهد الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج اسم الله فنفى سبحانه في هذه الآية جميع المجامعات وقوله تعالى كأنهن الياقوت والمرجان الآية الياقوت والمرجان هي من الأشياء التي قد برع حسنها واستشعرت النفوس جلالتها فوقع التشبيه بها فيما يشبه ويحسن بهذه المشبهات فالياقوت في املاسه وشفوفه ولو ادخلت فيه سلكا لرأيته من ورائه وكذلك المرأة من نساء الجنة يرى مخ ساقها من وراء العظم والمرجان في إملاسه وجمال منظره وقوله سبحانه هل جزاء الإحسان إلا الإحسان آية وعد وبسط لنفوس جميع المؤمنين لأنها عامة قال ابن المنكدر وابن زيد وجماعة من أهل العلم هي للبر والفاجر والمعنى أن جزاء من أحسن بالطاعة أن يحسن إليه بالتنعيم وحكى النقاش أن النبي ص - فسر هذه الآية هل جزاء التوجيد إلا الجنة ت ولو صح هذا الحديث لوجب الوقوف عنده ولكن الشان في صحته قال الفخر قوله تعالى هل جزاء الاحسان إلا الاحسان فيه وجوه كثيرة حتى قيل أن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول إحداها قوله تعالى فاذكروني اذكركم وثانيتها وإن عدتم عدنا وثالثتها هل جزاء الاحسان إلا الاحسان ولنذكر الأشهر منها والأقرب أما الأشهر فوجوه أحدها هل جزاء التوحيد إلا الجنة أي هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا دخول الجنة ثانيها هل جزاء الاحسان في الدنيا إلا الاحسان في الآخرة ثالثها هل جزاء من أحسن اليكم بالنعم في الدنيا إلا أن تحسنوا له العبادة والتقوى وأما الأقرب فهو التعميم أي لأن لفظ الآية عام انتهى وقوله سبحانه ومن دونهما جنتان قال ابن زيد وغيره معناه أن هاتين دون تينك في المنزلة والقرب فالأوليان للمقربين وهاتان لأصحاب اليمين وعن ابن عباس أن المعنى أنهما دونهما في القرب إلى المنعمين وأنهما أفضل من الأولين قال ع وأكثر الناس على التأويل الأول ت واختار الترمذي الحكيم التأويل الثاني وأطنب في الاحتجاج له في نوادر الأصول له وخرج البخاري هنا عن النبي ص - قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما الحديث وفيه أن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن انتهى ومد هامتان معناه قد علا لونهما دهمة وسواد في النظرة والخضرة قال البخاري مدهامتان سوداوان من الري انتهى والنضاخة الفوارة التي يهيج ماؤها وكرر النخل والرمان وهما من أفضل الفاكهة تشريفا لهما وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى خيرات حسان قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه وقرئى شاذا خيرات بشد الياء المكسورة ت وفي صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي ص - لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم في الجنة أو موضع قيد سوطه خير من الدنيا وما فيها ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا ولنصيفها على رأسها يعني الخمار خير من الدنيا وما فيها وقوله سبحانه مقصورات أي محجوبات مصونات في الخيام وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي در مجوف ورواه ابن مسعود عن النبي ص - قال الداودي وعن ابن عباس والخيمة لؤلؤة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع انتهى والرفرف ما تدلى من الأسرة من عالي الثياب والبسط وقاله ابن عباس وغيره وما يتدلى حول الخباء من الخرقة الهفافة يسمى رفرفا وكذلك يسميه الناس اليوم وقيل غير هذا وما ذكرناه أصوب والعبقري بسط حسان فيها صور وغير ذلك تصنع بعبقر وهو موضع يعمل فيه الوشي والديباج ونحوه قال ابن عباس العبقري الزرابي وقال ابن زيد هي الطنافس قال الخليل والأصمعي العرب إذا استحسنت شيأ واستجادته قالت عبقري قال ع ومنه قوله ص - في عمر فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه وقوله سبحانه تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام هذا الموضع مما أريد فيه بالاسم مسماه والدعاء بهاتين الكلمتين حسن مرجو الإجابة وقد قال ص - الظوا بيا ذا الجلال والإكرام تفسير سورة الواقعة وهي مكية بإجماع ممن يعتد بقوله روي عن النبي ص - أنه قال من دام على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أو قال لم تصبه فاقة أبدا قال ع لأن فيها ذكر القيامة وحظوظ الناس في الآخرة وفهم ذلك غنى لا فقر معه ومن فهمه شغل بالاستعداد بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه إذا وقعت الواقعة الآية الواقعة اسم من أسماء القيامة قاله ابن عباس وقال الضحاك الواقعة الصيحة وهي النفخة في الصور وكاذبة يحتمل أن يكون مصدرا فالمعنى ليس لها تكذيب ولا رد ولا مثنوية وهذا قول مجاهد والحسن ويحتمل أن يكون صفة لمقدر كأنه قال ليس لوقعتها حال كاذبة وقوله سبحانه خافضة رافعة قال قتادة وغيره يعني القيامة تخفض أقواما إلى النار وترفع أقواما إلى الجنة وقيل إن بانفطار السماوات والأرض والجبال وانهدام هذه البنية ترتفع طائفة من الأجرام وتنخفض أخرى فكأنها عبارة عن شدة هول القيامة ت والأول أبين وهو تفسير البخاري ومعنى رجت زلزلت وحركت بعنف قاله ابن عباس ومعنى بست فتت كما تبس البسيسة وهي السويق قاله ابن عباس وغيره وقال بعض اللغويين بست معناه سيرت والهباء ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت من كوة قاله ابن عباس وغيره والمنبث بالثاء المثلثة الشائع في جميع الهواء والخطاب في قوله وكنتم لجميع العالم والأزواج الأنواع قال قتادة هذه منازل الناس يوم القيامة وقوله سبحانه فأصحاب الميمنة ابتداء وما ابتداء ثان وأصحاب الميمنة خبر ما والجملة خبر الابتداء الأول وفي الكلام معنى التعظيم كما تقول زيد ما زيد ونظير هذا في القرآن كثير والميمنة أظهر ما في اشتقاقها أنها من ناحية اليمين وقيل من اليمن وكذلك المشأمة إما أن تكون من اليد الشؤمي وإما أن تكون من الشؤم وقد فسرت الآية بهذين المعنيين وقوله تعالى والسابقون ابتداء والسابقون الثاني قال سيبويه هو خبر الأول وهذا على معنى تفخيم الأمر وتعظيمه وقال بعض النحاة السابقون الثاني نعت للأول ومعنى الصفة أن تقول والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة والرحمة أولئك ويتجه هذا المعنى على الابتداء والخبر وقوله أولئك المقربون ابتداء وخبر وهو في موضع الخبر على قول من قال السابقون الثاني صفة والمقربون معناه من الله سبحانه في جنة عدن فالسابقون معناه الذين قد سبقت لهم السعادة وكانت أعمالهم في الدنيا سبقا إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي فهذا عموم في جميع الناس وخصص المفسرون في هذه أشياء تفتقر إلى سند قاطع وروي أن النبي ص - سئل عن السابقين فقال هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم والمقربون عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة قال جماعة من أهل العلم هذه الآية متضمنة أن العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف وقوله سبحانه ثلة من الأولين وقليل من الآخرين الثلثة الجماعة قال الحسن بن أبي الحسن وغيره المراد السابقون من الأمم والسابقون من هذه الأمة وروي أن الصحابة حزنوا لقلة سابقي هذه الأمة على هذا التأويل فنزلت الآية ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فرضوا وروي عن عائشة أنها تأولت أن الفرقتين في أمة كل نبىء هي في الصدر ثلة وفي آخر الأمة قليل وقال النبي ص - فيما روي عنه الفرقتان في أمتي فسابق أول الأمة ثلة وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل قال السهيلي وأما آخر من يدخل الجنة وهو آخر أهل النار خروجا منها فرجل اسمه جهينة فيقول أهل الجنة تعالوا نسئله فعند جهينة الخبر اليقين فيسلونه هل بقي في النار أحد بعدك ممن يقول لا إله إلا الله وهذا حديث ذكره الدارقطني من طريق مالك بن أنس يرفعه بإسناد إلى النبي ص - ذكره في كتاب رواه مالك بن أنس رحمه الله انتهى وقوله تعالى على على سرر موضونة أي منسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض كحلق الدرع ومنه وضين الناقة وهو حزامها قال ابن عباس موضونة مرمولة بالذهب وقال عكرمة مشبكة بالدر والياقوت يطوف عليهم للخدمة ولدان وهو صغار الخدمة ووصفهم سبحانه بالخلد وإن كان جميع ما في الجنة كذلك إشارة إلى أنهم في حال الولدان مخلدون لا تكبر لهم سن أي لا يحولون من حالة إلى حالة وقاله ابن كيسان وقال الفراء مخلدون معناه مقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط والأول أصوب لأن العرب تقول للذي كبر ولم يشب أنه لمخلد والأكواب ما كان من أواني الشرب لا أذن له ولا خرطوم قال قتادة ليست لها عرى والإبريق ما له خرطوم والكأس الآنية المعدة للشرب بشريطة أن يكون فيها خمر ولا يقال لأنية فيها ماء أو لبن كأس وقوله من معين قال ابن عباس معناه من خمر سائلة جارية معينة وقوله لا يصدعون عنها ذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى لا يلحق رءوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا وقال قوم معناه لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق ولا ينزفون معناه لا تذهب عقولهم سكرا قاله مجاهد وغيره والنزيف السكران وباقي الآية بين وخص المكنون باللؤلؤ لأنه أصفى لونا وأبعد عن الغير وسألت أم سلمة رسول الله ص - عن هذا التشبيه فقال صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي وجزاء بما كانوا يعملون أي أن هذه الرتب والنعيم هي لهم بحسب أعمالهم لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة هي مقتسمة على قدر الأعمال ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله لا بعمل عامل كما جاء في الصحيح وقوله تعالى إلا قيلا سلاما سلاما قال أبو حيان إلا قيلا سلاما سلاما الظاهر أن الاستثناء منقطع لأنه لا يندرج في اللغو والتأثيم وقيل متصل وهو بعيد انتهى قال الزجاج وسلاما مصدر كأنه يذكر انه يقول بعضهم لبعض سلاما سلاما ت قال الثعلبي والسدر شجر النبق ومخضود أي مقطوع الشوك قال ع ولأهل تحرير النظر هنا إشارة في أن هذا الخذد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها إذ أهل اليمين توابون لهم سلام وليسوا بسابقين قال الفخر وقد بان لي بالدليل أن المراد بأصحاب اليمين الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا وعفا الله تعالى عنهم بسبب أدنى حسنة لا الذين غلبت حسناتهم وكثرت انتهى والطلح من العضاة شجر عظيم كثير الشوك وصفه في الجنة على صفة مباينة لحال الدنيا ومنضود معناه مركب ثمره بعضه على بعض من أرضه إلى أعلاه وقرأ علي رضي الله عنه وغيره وطلع فقيل لعلي إنما هو وطلح فقال ما للطلح والجنة قيل له أنصلحها في المصحف فقال أن المصحف اليوم لا يهاج ولا يغير وقال علي أيضا وابن عباس الطلح الموز والظل الممدود معناه الذي تنسخه شمس وتفسير ذلك في قوله ص - أن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة لا يقطعها واقرءوا إن شئتم وظل ممدود إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى ت وفي صحيحي البخاري ومسلم عن النبي ص - أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب انتهى وماء مسكوب أي جار في غير أخدود لا مقطوعة ولا ممنوعة أي لا مقطوعة بالأزمان كحال فاكهة الدنيا ولا ممنوعة بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهة الدنيا والفرش الأسرة وعن أبي سعيد الخدري أن في ارتفاع السرير منها مسيرة خمس مائة سنة ت وهذا إن ثبت فلا بعد فيه إذ أحوال الآخرة كلها خرق وعادة وقال أبو عبيدة وغيره أراد بالفرش النساء ومرفوعة معناه في الأقدار والمنازل وأنشأناهن معناه خلقناهن شيئا بعد شيئ وقال النبي ص - في تفسير هذه الآية هن عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا جعلهن الله بعد الكبر أترابا وقال للعجوز أن الجنة لا يدخلها العجوز فحزنت فقال إنك إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر وقوله سبحانه فجعلناهن أبكار قيل معناه دائمة البكارة متى عاود الوطء وجدها بكرا والعرب جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها بإظهار محتبه قاله ابن عباس وعبر عنهن ابن عباس أيضا بالعواشق وقال زيد العروب الحسنة الكلام ت قال البخاري والعروب يسميها أهل مكة العربة وأهل المدينة الغنجة وأهل العراق الشكلة انتهى وقوله أترابا معناه في الشكل والقد قال قتادة أترابا يعني سنا واحدة ويروى أن أهل الجنة هم على قد ابن أربعة عشر عاما في الشباب والنضرة وقيل على مثال أبناء ثلاث وثلاثين سنة مردا بيضا مكحلين زاد الثعلبي على خلق ءادم طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع وقوله سبحانه ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قال الحسن بن أبي الحسن وغيره الأولون سالف الأمم منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين والأخرون هذه الأمة منهم جماعة عظيمة أهل يمين قال ع بل جميعهم الأمن كان من السابقين وقال قوم من المتأولين هاتان الفرقتان في أمة محمد وروى ابن عباس عن النبي ص - أنه قال الثلتان من أمتي وروى ابن المبارك في رقائقه عن النبي ص - أنه قال إن أمتى ثلثا أهل الجنة والناس يومئذ عشرون ومائة صف وإن أمتي من ذلك ثمانون صفا انتهى وقوله سبحانه وأصحاب الشمال الآية في الكلام بمعنى الانحاء عليهم وتعظيم مصائبهم والسموم أشد ما يكون من الحر اليابس الذي لا بلل معه والحميم السخن جدا من الماء الذي في جهنم واليحموم هو الدخان الأسود يظل اهل النار قاله ابن عباس والجمهور وقيل هو سرادق النار المحيط باهلها فإنه يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم وقيل هو جبل في النار أسود وقوله ولا كريم معناه ليس له صفة مدح قال الثعلبي وعن ابن المسيب ولا كريم أي ولا حسن نظيره من كل زوج كريم وقال قتادة لا بارد النزل ولا كريم المنظر وهو الظل الذي لا يغني من اللهب انتهى والمترف المنعم في سرف وتخوض ويصرون معناه يعتقدون اعتقادا لا ينزعون عنه والحنث الآثم وقال الثعلبي وكانوا يصرون يقيمون على الحنث العظيم أي الذنب انتهى ونحوه للبخاري وهو حسن نحو ما في الرسالة قال قتادة وغيره والمراد بهذا الإثم العظيم الشرك وباقي الآية في استبعادهم للبعث وقد تقدم بيانه وقوله سبحانه ثم إنكم أيها الضالون مخاطبة لكفار قريش ومن كان في حالهم ومن في قوله من زقوم لبيان الجنس والضمير في منها عائد على الشجر والضمير في عليه عائد على المأكول والهيم قال ابن عباس وغيره جمع أهيم وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم الهاء وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقم سقما شديدا وقال قوم هو جمع هائم وهو أيضا من هذا المعنى لأن الجمل إذا أصابه ذلك الداء هام على وجهه وذهب وقال ابن عباس أيضا وسفيان الثوري الهيم الرمال التي لا تروى من الماء والنزل أول ما يأكل الضيف والدين الجزاء وقوله سبحانه أفرأيتم ما تمنون الآية وليس يوجد مفطور يخفي عليه أن المني الذي يخرج منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة وقرأ الجمهور قدرنا وقرأ ابن كثير وحده قدرنا بتخفيف الدال فيحتمل أن يكون المعنى فيهما قضينا وأثبتنا ويحتمل أن يكون بمعنى سوينا قال الثعلبي عن الضحاك أي سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض وقوله وما نحن بمسبوقين أي على تبديلكم إن أردناه وإن ننشئكم بأوصاف لا يصلها علمكم ولا يحيط بها فكركم قال الحسن من كونهم قردة وخنازير لأن الآية تنحو إلى الوعيد والنشأة الأولى قال أكثر المفسرين إشارة إلى خلق آدم وقيل المراد نشأة الإنسان في طفولته وهذه الآية نص في استعمال القياس والحض عليه وعبارة الثعلبي ويقال النشأة الأولى نطفة ثم علقة ثم مضغة ولم يكونوا شيا فلولا أي فهلا تذكرون أني قادر على إعادتكم كما قدر على إبدائكم وفيه دليل على صحة القياس لآن علمهم سبحانه الاستدلال بالنشأة الأخرى انتهى وقوله سبحانه أنتم تزرعونه أي زرعا يتم أم نحن وروي أبو هريرة عن النبي ص - أنه قال لا تقل زرعت ولكن قلت حرثت ثم تلا أبو هريرة هذه الآية والحطام اليابس المتفتت من النبات الصائر إلى ذهاب وبه شبه حطام الدنيا وتفكهون قال ابن عباس وغيره معناه تعجبون أي مما نزل بكم وقال ابن زيد معناه تتفجعون قال ع وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة والذي يخص اللفظة هو تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وقولهم أنا لمغرمون قبله محذوف تقديره يقولون وقرأ عاصم الجحدري أإنا لمغرمون بهمزتين على الاستفهام والمعنى يحتمل أن يكون انا لمغرمون من الغرام وهو أشد العذاب ويحتمل أنا لمحملون الغرم أي غرمنا في النفقة وذهب زرعنا وقد تقدم تفسير المحروم وأنه الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه وقال الثعلبي المحروم ضد المرزوق انتهى والمزن هو السحاب والاجاج أشد المياه ملوحة وتورون معناه تقتدحون من الأزند تقول أوريت النار من الزناد والزناد قد يكون من حجر وحديدة ومن شجر لا سيما في بلاد العرب ولا سيما في الشجر الرخو كالمرخ والعفار والكلخ وما اشبهه ولعادة العرب فى ازنادهم من شجر قال تعالى أأنتم أنشأتم شجرتها أي التي تقدح منها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها يعني نار الدنيا تذكرة للنار الكبرى نار جهنم قاله مجاهد وغيره والمتاع ما ينتفع به والمقوين في هذه الآية الكائنين في الأرض القواء وهي الفيافي ومن قال معناه للمسافرين فهو نحو ما قلناه وهي عبارة ابن عباس رضي الله عنه تقول أقوى الرجل إذا دخل أن الأرض القواء وقوله سبحانه فلا أقسم بمواقع النجوم الآية قال بعض النحاة لا زائدة والمعنى فاقسم وزيادتها في بعض المواضع معروفة وقرأ الحسن وغيره فلا قسم من غير ألف وقال بعضهم لا نافية كأنه قال فلا صحة لما يقوله الكفار ثم ابتدأ اقسم بمواقع النجوم والنحوم هنا قال ابن عباس وغيره هي نجوم القرءان وذلك أنه روي أن القرءان نزل في ليلة القدر إلى سماء الدنيا وقيل إلى البيت المعمور جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك على النبي ص - نجوما مقطعة مدة من عشرين سنة قال ع ويؤيده عود الضمير على القرءان في قوله إنه لقرءان كريم وقال كثير من المفسرين بل النجوم هنا هي الكواكب المعروفة ثم اختلف هؤلاء في مواقعها فقيل غروبها وطلوعها وقيل مواقعها عند انقضاضها أثر العفاريت وقوله وإنه لقسم تأكيد وقوله لو تعلمون اعتراض وقوله إنه لقرءان كريم هو الذي وقع القسم عليه وقوله في كتاب مكنون الآية المكنون المصون قال ابن عباس وغيره أراد الكتاب الذي في السماء قال الثعلبي ويقال هو اللوح المحفوظ وقوله لا يمسه إلا المطهرون يعني الملائكة وليس في الآية على هذا التأويل تعرض لحكم مس المصحف لسائر بني آدم وقال بعض المتأولين أراد بالكتاب مصاحف المسلمين ولم تكن يومئذ فهو إخبار بغيب مضمنه النهي فلا يمس المصحف من بني آدم الا الطاهر من الكفر والحدث وفي كتاب رسول الله ص - لعمرو بن حزم لا يمس القرءان إلا طاهر وبه أخذ مالك وقرأ سلمان إلا المطهرون بكسر الهاء وقوله تعالى أفبهذا الحديث يعني القرءان المتضمن البعث ومدهنون معناه يلاين بعضكم بعضا ويتبعه في الكفر مأخوذ من الدهن للينه وإملاسه وقال ابن عباس المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل والمداراة هي المهاودة فيما يحل ونقل الثعلبي أن ادهن وداهن بمعنى واحد وأصله من الدهن انتهى وقوله سبحانه وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله تعالى رزقا للعباد هذا بنوء كذا والمعنى وتجعلون شكر رزقكم وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة ازد شنوءة ما رزق فلان بمعنى ما شكر وكان علي يقرأ وتجلون شكركم أنكم تكذبون وكذلك قرأ ابن عباس ورويت عن النبي ص - وقد أخبر الله سبحانه فقال ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد فهذا معنى قوله أنكم تكذبون أي بهذا الخبر قال ع والمنهي عنه هو أن يعتقد أن للنجوم تأثيرا في المطر وقوله سبحانه فلولا إذابلغت الحلقوم يعنى بلغت نفس الانسان والحلقوم مجرى الطعام وهذه الحال هي نزع المرء للموت وقوله وأنتم إشارة إلى جميع البشر حينئذ أي وقت النزع تنظرون إليه وقال الثعلبي وأنتم حينئذ تنظرون إلى أمري وسلطاني يعني تصريفه سبحانه في الميت انتهى والأول عندي أحسن وعزاه الثعلبي لابن عباس ونحن أقرب إليه منكم أي بالقدرة والعلم ولا قدرة لكم على دفع شيء عنه وقيل المعنى وملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرونهم على التأويل الأول من البصر بالقلب فلولا إن كنتم غير مدينين أي مملوكين أذلاء والمدين المملوك هذا أصح ما يقال في هذه اللفظة هنا ومن عبر عنها بمجازي أو بمحاسب فذلك هنا قلق والمملوك مقلب كيف شاء المالك ومن هذا الملك قول الأخطل ... رتب وربا في حجرها ابن مدينة ... تراه على مسحاته يتركل ... أراد ابن أمة مملوكة وهو عبد يخدم الكرم وقد قيل في معنى البيت أنه أراد أكارا حضريا فنسبه إلى المدينة فمعنى الآية فهل لا ترجعون النفس البالغة الحلقوم إن نتم غير مملوكين مقهورين وقوله ترجعونها سد مسد الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضات وقوله تعالى فأما إن كان من القربين الآية ذكر سبحانه في هذه الآية حال الآزواج الثلاثة المذكورين في أول السورة وحال كل امرئي منهم فأما المرء من السابقين المقربين فيلقى عند موته روحا وريحانا والروح الرحمة والسعة والفرح ومنه لا تيأسوا من روح الله والريحان الطيب وهو دليل النعيم وقال مجاهد الريحان الرزق وقال الضحاك الريحان الاستراحة قال ع الريحان ما تنبسط إليه النفوس ونقل الثعلبي عن أبي العالية قال لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يوتي بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض روحه فيه ونحوه عن الحسن انتهى فإن أردت يا أخي اللحوق بالمقربين والكون في زمرة السابقين فاطرح عنك دنياك واقبل على ذكر مولاك واجعل الآن الموت نصب عينيك قال الغزالي وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب عينيك لا تغفل عنه ساعة فليكن الموت على بالك يا مسكين فإن السير حاث بك وأنت غافل عن نفسك ولعلك قد قاربت المنزل وقطعت المسافة فلا يكن اهتمامك إلا بمبادرة العمل اغتناما لك نفس أمهلت فيه انتهى من الأحياء قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا سفيان عن ليث عن مجاهد قال ما من ميت يموت الأعرض عليه أهل مجلسه إن كان من أهل الذكر فمن أهل الذكر وإن كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو انتهى وقوله تعالى فسلام لك من أصحاب اليمين عبارة تقتضي جملة مدح وصفة تخلص وحصول عال من المراتب والمعنى ليس في أمرهم إلا السلام والنجاة من العذاب وهذا كما تقول في مدح رجل أما فلان فناهيك به فهذا يقتضي جملة غير مفصلة من مدحه وقد اضطربت عبارات المتأولين في قوله تعالى فسلام لك فقال قوم المعنى فيقال له سلام لك إنك من أصحاب اليمين وقال الطبري فسلام لك أنت من أصحاب اليمين وقيل المعنى فسلام لك يا محمد أي لا ترى فيهم إلا السلامة من العذات ت ومن حصلت له السلامة من العذاب فقد فاز دليله فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز قال ع فهذه الكاف في لك إما أن تكون للنبي عليه السلام وهو الأظهر ثم لكل معتبر فيها من أمته وأما أن تكون لمن يخاطب من أصحاب اليمين وغير هذا مما قيل تكلف ونقل الثعلبي عن الزجاج فسلام لك أي أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة وقد علمت ما أعد الله لهم من الجزاء بقوله في سدر مخضود الآيات والمكذبون الضالون هم الكفار أصحاب الشمال والمشئمة والنزول أول شيء يقدم للضيف والتصلية أن يباشر بهم النار والجحيم معظم النار وحيث تراكمها إن هذا لهو حق اليقين المعنى أن هذا الخبر هو نفس اليقين وحقيقته وقوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم عبارة تقتضي الأمر بالأعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة الله تعالى والدعاء إليه ت وعن جابر بن عبد الله قال قال النبي ص - من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة رواه الترمذي والنساءي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وعند النساءي شجرة بدل نخلة وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ص - أن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل تذكر بصاحبها أما يحب أحدكم أن يكون ألا يزال له من يذكر به ورواه أيضا ابن المبارك في رقائقه عن كعب وفيه ايضا عن كعب أنه قال أن للكلام الطيب حول العرش دويا كدوي النحل يذكرن بصاحبهن انتهى وعن أبي هريرة أن النبي ص - مر به وهو يغرس غرسا فقال يا أبا هريرة ما الذي تغرس قلت غراسا قال ألا أدلك على غراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة روى هذين الحديثين ابن ماجه واللفظ له والحاكم في المستدرك وقال في الأول صحيح على شرط مسلم انتهى من السلاح وروى عقبة بن عامر قال لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال النبي ص - اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم فيحتمل أن يكو المعنى سبح الله بذكر أسمائه العلا والاسم هنا بمعنى الجنس أي بأسماء ربك والعظيم صفة للرب سبحانه وقد يحتمل أن يكون الاسم هنا واحدا مقصودا ويكون العظيم صفة له فكأنه أمره أن يسبحه باسمه الأعظم وإن كان لم ينص عليه ويؤيد هذا ويشير إليه اتصال سورة الحديد وأولها فيها التسبيح وجملة من أسماء الله تعالى وقد قال ابن عباس اسم الله الأعظم موجود في ست آيات من أول سورة الحديد فتأمل هذا فإنه من دقيق النظر ولله تعالى في كتابه العزيز غوامض لا تكاد الأذهان تدركها تفسير سورة الحديد وهي مدنية ويشبه صدرها أن يكون مكيا روي عن ابن عباس أن اسم الله الأعظم هو في ست آيات من أول سورة الحديد وروي أن الدعاء بعد قراءتها مستجاب بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم قال أكثر المفسرين التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم سبحان الله وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوام والاستمرار ثم اختلفوا هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز على معنى أن أثر الصنعة فيها تنبه الراءي على التسبيح قال الزجاج وغيره والقول بالحقيقة أحسن وهذا كله في الجمادات وأما ما يمكن التسبيح منه فقول واحد أن تسبيحهم حقيقة وقوله تعالى هو الأول أي الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة والآخر الدائم الذي ليس له نهاية منقضية قال أبو بكر الوراق هو الأول بالأزلية والآخر بالأبدية والظاهر معناه بالأدلة ونظر العقول في صنعته والباطن بلطفه وغوامض حكمته وباهر صفاته التي لا تصل إلى معرفتها على ما هي عليه الأوهام وباقي الآية تقدم تفسير نظيره وقوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم معناه بقدرته وعلمه وإحاطته وهذه آية جمعت الأمة على هذا التأويل فيها وباقي الآية بين وقوله سبحانه آمنوا بالله ورسوله والآية أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان ويروى أن هذه الآية نزلت في غزوة العسرة قاله الضحاك وقال الإشارة بقوله فالذين آمنوا منكم وأنفقوا إلى عثمان بن عفان يريد ومن في معناه كعبد الرحمن بن عوف وغيره وقوله مما جعلكم مستخلفين فيه تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره ويتركها لغيره وليس له من ذلك الا ما أكل فأفنى أو تصدق فأمضى ويروى أن رجلا مر بأعرابي له إبل فقال له يا أعرابي لمن هذه الإبل قال هي لله عندي فهذا موفق مصيب أن صحب قوله عمله وقوله سبحانه وما لكم لا تؤمنون بالله الآية توطئة لدعائهم رضي الله عنهم لأنهم أهل هذه الرتب الرفيعة وإذا تقرر ان الرسول يدعوهم وأنهم ممن أخذ الله ميثاقهم فيكف يمتنعون من الإيمان وقوله إن كنتم مؤمنين أي إن دمتم على إيمانكم والظلمات الكفر والنور الإيمان وباقي الآية وعد وتأنيس وقوله تعالى ومالكم لا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض المعنى وما لكم أن لا تنفقوا في سبيل الله وأنتم تموتون وتتركون أموالكم فناب مناب هذا القول قوله ولله ميراث السموات والأرض وفيه زيادة تذكير بالله وعبرة وعنه يلزم القول الذي قدرناه وقوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح الآية الأشهر في هذه الآية أنها نزلت بعد الفتح واختلف في الفتح المشار إليه فقال أبو سعيد الخدري والشعبي هو فتح الحديبية وقال قتادة ومجاهد وزيد بن أسلم هو فتح مكة الذي أزال الهجرة قال ع وهذا هو المشهور الذي قال فيه النبي ص - لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وحكم الآية باق غابر الدهر من أنفق في وقت حاجة السبيل أعظم أجرا ممن أنفق مع استغناء السبيل والحسنى الجنة قاله مجاهد وقتادة والقرض السلف والتضعيف من الله تعالى هو في الحسنات وقد مر ذكر ذلك والأجر الكريم الذييقترن به رضى وإقبال هذا معنى الدعاء بيا كريم العفو أي إن مع عفوه رضى وتنعيما وقوله سبحانه يوم ترى المؤمينن المؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم الآية العامل في يوم قوله وله أجر كريم والرؤية هنا رؤية عين والجمهور أن النور هنا هو نور حقيقة وقد روي في هذا عن ابن عباس وغيره أثار مضمنها أن كل مؤمن ومظهر للإيمان يعطي يوم القيامة نوار فيطفأ نور كل منافق ويبقى نور المؤمنون حتى أن منهم من نوره يضيء كما بين مكة وصنعاء رفعه قتادة إلى النبي ص - ومنهم من نوره كالنخلة السحوق ومنهم من نوره يضيء ما قرب من قدميه قاله ابن مسعود ومنهم من يهم بالانطفاء مرة ويبين مرة على قدر المنازل في الطاعة والمعصية قال الفخر قال قتادة ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة يا فلان هذا نورك يا فلان لا نور لك نعوذ بالله من ذلك واعلم أن العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورا من نور البصر وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله تعالى هي النور في القيامة فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا اننتهى ونحوه للغزالي وخص تعالى بين الأيدي بالذكر لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور واختلف في قوله تعالى وبأيمانهم فقال بعض المتأولين المعنى وعن إيمانهم فكأنه خص ذكر جهة اليمين تشريفا وناب ذلك مناب أن يقول وفي جميع جهاتهم وقال جمهور المفسرين المعنى يسعى نورهم بين أيديهم يريد الضوء المنبسط من أصل النور وبإيمانهم أصله والشيء الذي هو متقد فيه فتضمن هذا القول أنهم يحملون الأنوار وكونهم غير حاملين أكرم الأتري أن فضيلة عباد بن بشر وأسيد بن حضير غنما كانت بنور لا يحملانه هذا في الدنيا فكيف بالآخرة ت وفيما قاله ع عندي نظر وأيضا فأحوال الآخرة لا تقاس على احوال الدنيا وقوله تعالى بشراكم أي يقال بشراكم جنات أي دخول جنات ت وقد جاءت بحمد الله أثار بتبشير هذه الأمة المحمدية وخرج ابن ماجه قال أخبرنا جبارة بن المغلس قال حدثنا عبد الأعلى عن أبي بردة عن أبيه قال قال النبي ص - إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة محمد ص - في السجود فسجدوا طويلا ثم يقال ارفعوا رءوسكم فقد جعلنا عدتكم فداءكم من النار قال ابن ماجه وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا كثير بن سليمان عن أنس بن مالك قال قال النبي ص - أن هذه الأمة أمة مرحومة عذابها بأيديها فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين فيقال هذا فداؤك من النار وفي صحيح مسلم دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فداؤك من النار انتهى من التذكرة وقوله تعالى يوم يقول المنافقون قيل يوم هو بدل من الأول وقيل العامل فيه اذكر قال ع ويظهر لي أن العامل فيه قوله تعالى ذلك هو الفوز العظيم ويجيء معنى الفوز أفخم كأنه يقول إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا وكذا لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه ومضاده ابدع وأفخم وقول المنافقين هذه المقالة المحكية هو عند انطفاء أنوارهم كما ذكرنا قبل وقولهم انظرونا معناه انتظرونا وقرأ حمزة وحده انظرونا بقطع الألف وكسر الظاء ومعناه أخرونا منه فنظرة إلى ميسرة ومعنى قولهم أخرونا أي أخروا مشيكم لنا حتى نلتحق فنقتبس من نوركم واقتبس الرجل أخذ من نور غيره قبسا قال الفخر القبس الشعلة من النار والسراج والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين وهذا منهم جهل لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا وهم لم يقدموها قال الحسن يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله ثم يؤخذ من حجر جهنم ومما فيها من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق ثم تمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر ثم تمضي زمرة أخرى كأضوأ كوكب في السماء ثم على ذلك ثم تغشاهم ظلمة تطفىء نور المنافقين فهنالك يقول المنافقون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم انتهى وقوله تعالى قيل ارجعوا وراءكم يحتمل أن يكون من قول المؤمنين لهم ويحتمل أن يكون من قول الملائكة والقول لهم فالتمسوا نورا هو على معنى التوبيخ لهم أي أنكم لا تجدونه ثم أعلم تعالى أنه يضرب بينهم في هذه الحال بسور حاجز فيبقى المنافقون في ظلمة وعذاب وقوله تعالى باطنه فيه الرحمة أي جهة المؤمنين وظاهره جهة المنافقين والظاهر هنا البادي ومنه قول الكتاب من ظاهر مدينة كذا وعبارة الثعلبي فضرب بينهم بسور وهو حاجز بين الجنة والنار قال أبو أمامة الباهلي فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور قال قتادة حائط بين الجنة والنار له باب باطنه فيه الرحمة يعني الجنة وظاهره من قبله العذاب يعني النار انتهى قال ص قال أبو البقاء الباء في بسور زائدة وقيل ليست بزائدة قال أبو حيان والضمير في باطنه عائد على الباب وهو الأظهر لأنه الأقرب وقيل على سور أبو البقاء والجملة صفة لباب أو لسور انتهى وقوله تعالى ينادونهم معناه ينادي المنافقون المؤمنين ألم نكن معكم في الدنيا فيرد المؤمنون عليهم بلى كنتم معنا ولكن عرضتم أنفسكم للفتنة وهي حب العاجل والقتال عليه قال مجاهد فتنتم أنفسكم بالنفاق وتربصتم معناه هنا بأيمانكم فأبطأتم به حتى متم وقال قتادة معناه تربصتم بنا وبمحمد ص - الدوائر وشككتم والارتياب التشكك والأماني التي غرتهم وهي قولهم سيهلك محمد هذا العام ستهزمه قريش ستأخذه الأحزاب إلى غير ذلك من أمانيهم وطول الأمل غرار لكل أحد وأمر الله الذي جاء هو الفتح وظهور الإسلام وقيل هو موتهم على النفاق الموجب للعذاب والغرور الشيطان بإجماع المتأولين وينبغي لكل مؤمن أن يعتبر هه الآية في نفسه وتسويفه في توبته واعلم أيها الأخ أن الدنيا غرارة للمقبلين عليها فإن أردت الخلاص والفوز بالنجاة فازهد فيها وأقبل على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود لآخرتك وقد روى ابن المبارك في رقائقه عن أبي الدرداء أنه قال يعني لأصحابه لئن حلفتم لي على رجل منكم أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم وروى ابن المبارك بسنده عن النبي ص - أنه قال يبعث الله تبارك وتعالى يوم القيامة عبدين من عباده كانا على سيرة واحدة أحدهما مقتور عليه والآخر موسع عليه فيقبل المقتور عليه إلى الجنة ولا ينثني عنها حتى ينتهي إلى أبوابها فيقول حجبتها إليك إليك فيقول إذن لا أرجع قال وسيفه في عنقه فيقول أعطيت هذا السيف في الدنيا أجاهد به فلم أزل مجاهدا به حتى قبضت وأنا على ذلك فيرمي بسيفه إلى الخزنة وينطلق لا يثنونه ولا يحبسونه عن الجنة فيدخلها فيمكث فيها دهرا ثم يمر به أخوه الموسع عليه فيقول له يا فلان ما حبسك فيقول ما خلي سبيلي إلا الآن ولقد حبست ما لو أن ثلاثمائة بعير أكلت خمطا لا يردن إلا خمسا وردن على عرقي لصدرن منه ريا انتهى وقوله تعالى فاليوم لا يؤخذ منكم فدية الآية استمرار في مخاطبة المنافقين قال قتادة وغيره وقوله تعالى هي مولاكم قال المفسرون معناه هي أولى بكم وهذا تفسير بالمعنى وإنما هي استعارة لأنها من حيث تضمهم وتباشرهم هي تواليهم وتكون لهم مكان المولى وهذا نحو قول الشاعر ... تحية بينهم ضرب وجيع ... وقوله تعالى ألم يأن ابتداء معنى مستأنف ومعنى ألم يأن ألم يحن يقال أنى الشيء يأنى إذا حان وفي الآية معنى الحض والتقريع قال ابن عباس عوتب المؤمنون بهذه الآية وهذه الآية كانت سبب توبة الفضيل وابن المبارك والخشوع الإخبات والتطامن وهي هيئة تظهر في الجوارح متى كان في القلب ولذلك خص تعالى القلب بالذكر وروى شداد بن أوس عن النبي ص - أنه قال أول ما يرفع من الناس الخشوع وقوله تعالى لذكر الله أي لأجل ذكر الله تعالى ووحيه أو لأجل تذكير الله إياهم وأوامره فيهم والإشارة في قوله أوتوا الكتاب إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام ولذلك قال من قبل وإنما شبه أهل عصبي نبي بأهل عصر نبي وقوله فطال عليهم الأمد قيل معناه أمد الحياة وقيل أمد انتظار القيامة قال الفخر قال مقاتل ابن حيان الأمد هنا الأمل أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم انتهى وباقي الآية بين وقوله تعالى اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها الآية مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين ندبوا إلى الخشوع وهذا ضرب مثل واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ أي لا يبعد عندكم أيها التاركون للخشوع رجوعكم إليه وتلبسكم به فإن الله يحيي الأرض بعد موتها فكذلك يفعل بالقلوب يردها إلى الخشوع بعد بعدها عنه وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابة والتكسب من العبد بعد نفورها منها كما يحيي الأرض بعد أن كانت ميتة وباقي الآية بين والمصدقين يعني به المتصدقين وباقي الآية بين ت وقد جاءت آثار صحيحة في الحض على الصدقة قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر وأسند مالك في الموطأ عن النبي ص - أنه قال يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق في الموطأ عنه ص - ردوا السائل ولو بظلف محرق قال ابن عبد البر في التمهيد ففي هذا الحديث الحض على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها وفي قول الله عز و جل فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره أوضح الدلائل في هذا الباب وتصدقت عائشة رضي الله عنها بحبتين من عنب فنظر إليها بعض أهل بيتها فقالت لا تعجبن فكم فيها من مثقال ذرة ومن هذا الباب قوله ص - اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة وإذا كان الله عز و جل يربي الصدقات ويأخذ الصدقة بيمينه فيربيها كما يربي أحدنا فلوه أو فصيله فما بال من عرف هذا يغفل عنه وما التوفيق إلا بالله انتهى من التمهيد وروى ابن المبارك في رقائقه قال أخبرنا حرملة بن عمران أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يحدث أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول سمعت رسول الله ص - يقول كل امرىء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس قال يزيد فكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة أو كذا انتهى والصديقون بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزجاج وقوله تعالى والشهداء عند ربهم اختلف في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة والشهداء معطوف على الصديقين والكلام متصل ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاتصال فقال بعضهما وصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء فكل مؤمن شهيد قاله مجاهد وروى البراء بن عازب أن النبي ص - قال مؤمنوا أمتي شهداء وتلا رسول الله ص - هذه الآية وإنما خص ص - ذكر الشهداء السبعة تشريفا لهم لأنهم في أعلى رتب الشهادة ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضا من السبعة بتشريف ينفرد به وقال بعضها الشهداء هنا من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد فكأنه قال هم أهل الصدق والشهداء على الأمم وقال ابن عباس ومسروق والضحاك الكلام تام في قوله الصديقون وقوله والشهداء ابتداء مستأنف ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاستيناف فقال بعضها معنى الآية والشهداء بأنهم صديقون حاضرون عند ربهم وعنى بالشهداء الأنبياء عليهم السلام ت وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية وقال بعضها قوله والشهداء ابتداء يريد به الشهداء في سبيل الله واستأنف الخبر عنهم بأنهم عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكأنه جعلهم صنفا مذكورا وحده ت وأبين هذه الأقوال الأول وهذا الأخير وإن صح حديث البراء لم يعدل عنه قال أبو حيان والظاهر أن الشهداء مبتدأ خبره ما بعده انتهى وقوله تعالى ونورهم قال الجمهور ههو حقيقة حسبما تقدم وقوله سبحانه اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو هذه الآية وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها والحياة الدنيا في هذه الآية عبارة عن الأشغال والتصرفات والفكر التي هي مختصة بالحياة الدنيا وأما ما كان من ذلك في طاعة الله وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعين على الطاعات فلا مدخل له في هذه الآية وتأمل حال الملوك بعد فقرهم يبن لك أن جميع ترفههم لعب ولهو والزينة التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء والتفاخر بالأموال والأنساب وغير ذلك على عادة الجاهلية ثم ضرب الله عز و جل مثل الدنيا فقال كمثل غيث الآية وصورة هذا المثال أن الإنسان ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك فيشب في النعمة ويقوى ويكسب المال والولد ويغشاه الناس ثم يأخذ بعد ذلك في انحطاط ويشيب ويضعف ويسقم وتصيبه النوائب في ماله وذريته ويموت ويضمحل أمره وتصير أمواله لغيره وتتغير رسومه فأمره مثل مطر أصاب أرضا فنبت عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق ثم هاج أي يبس واصفر ثم تحطم ثم تفرق بالرياح واضمحل وقوله أعجب الكفار أي الزراع فهو من كفر الحب أي ستره وقيل يحتمل أن يعني الكفار بالله لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا ثم قال تعالى وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة الآية كأنه قال والحقيقة ها هنا وذكر العذاب أولاتهما به من حيث الحذر في الإنسان ينبغي أن يكون أولا فإذا تحرز من المخاوف مد حينئذ أمله فذكر تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه وهو المغفرة والرضوان وعبارة الثعلبي ثم يهيج أي يجف وفي الآخرة عذاب شديد لأعداء الله ومغفرة لأوليائه وقال الفراء وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة أي إما عذاب شديد وإما مغفرة وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور هذا تزهيد في العمل للدنيا وترغيب في العمل للآخرة انتهى وهو حسن وعن طارق قال قال رسول الله ص - نعمت الدار الدنيا لمن تزول منها لآخرته وبيست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه فإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا قبح الله أعصانا لربه رواية الحاكم في المستدرك انتهى من السلاح ولا يشك عاقل أن حطام الدنيا مشغل عن التأهب للآخرة قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم وقد روي مرفوعا لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال قال أبو عمر ثم نقول إن الزهد في الحلال وترك الدنيا مع القدرة عليها أفضل من الرغبة فيها في حلالها وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين قديما وحديثا والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها وفضل القناعة والرضا بالكفاف والاقتصار على ما يكفي دون التكاثرالذي يلهي ويطغى أكثر من أن يحيط بها كتاب أو يشمل عليها باب والذين زوى الله عنهم الدنيا من الصحابة أكثر من الذين فتحها عليهم أضعافا مضاعفة وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما حضرته الوفاة بكى بكاء شديدا وقال كان مصعب بن عمير خيرا مني توفي ولم يترك ما يكفن فيه وبقيت بعده حتى أصبت من الدنيا وأصابت مني ولا أحسبني إلا سأحبس عن أصحابي بما فتح الله علي من ذلك وجعل يبكي حتى فاضت نفسه وفارق الدنيا رحمة الله عليه فإن ظن ظان جاهل أن الاستكثار من الدنيا ليس به بأس أو غلب عليه الجهل فظن أن ذلك أفضل من طلب الكفاف منها وشبه عليه بقول الله تعالى ووجدك عائلا فأغنى فيما عدده سبحانه على نبيه ص - من نعمه عنده فإن ذلك ليس كما ظن بل ذلك غنى القلب دلت على ذلك الآثار الكثيرة كقوله عليه السلام ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس انتهى وقوله سبحانه سابقوا إلى مغفرة من ربكم الآية لما ذكر تعالى المغفرة اتي في الآخرة ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة وهذه الآية حجة عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات وقد استدل بها بعضهم على أن أول أوقات الصلوات أفضل لأنه يقتضي المسارعة والمسابقة وذكر سبحانه العرض من الجنة إذ المعهود أنه أقل من الطول وقد ورد في الحديث أن سقف الجنة العرش وورد في الحديث أن السموات السبع في الكرسي كالدرهم في الفلاة وأن الكرسي في العرش كالدرهم في الفلاة ت أيها الأخ أمرك المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة رحمة منه وفضلا فلا تغفل عن امتثال أمره وإجابة دعوته ... السباق السباق قولا وفعلا ... حذر النفس حسرة المسبوق ... ذكر صاحب معالم الإيمان وروضات الرضوان في مناقب صلحاء القيروان قال ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد كان كثير الخوف والحزن وبالخوف مات رأى يوما خيلا يسابق بها فتقدمها فرسان ثم تقدم أحدهما على الآخر ثم جد التالي حتى سبق الأول فتخقق عبد الخالق الناس حتى وصل إلى الفرس السابق فجعل يقبله ويقول بارك الله فيك صبرت فظفرت ثم سقط مغشيا عليه انتهى وقوله سبحانه ما أصاب من مصيبة في الأرض الآية قال ابن زيد وغيره المعنى ما حدث من حادث خير وشر فهذا على معنى لفظ أصاب لا على عرف المصيبة فإن عرفها في الشر وقال ابن عباس ما معناه أنه أراد عرف المصيبة فقوله في الأرض يعني بالقحوط والزلازل وغير ذلك وفي أنفسكم بالموت والأمراض وغير ذلك وقوله إلا في كتاب معناه إلا والمصيبة في كتاب ونبرأها معناه نخلقها يقال برأ الله الخلق أي خلقهم والضمير عائد على المصيبة وقيل على الأرض وقيل على الأنفس قاله ابن عباس وجماعة وذكر المهدوي جواز عود الضمير على جميع ما ذكر وهي كلها معان صحاح أن ذلك على الله يسير يريد تحصيل الأشياء كلها في كتاب وقال الثعلبي وقيل المعنى إن خلق ذلك وحفظ جميعه على الله يسير انتهى وقوله لكيلا تأسوا معناه فعل الله هذا كله وأعلمكم به ليكون سبب تسليتكم وقلة اكتراثكم بأمور الدنيا فلا تحزنوا على فائت ولا ترفحوا الفرح المبطر يما ءاتاكم منها قال ابن عباس ليس أحد إلا يحزن أو يفرح ولكن من أصابته مصيبة فليجعلها صبرا ومن أصابه خير فليجعله شكرا وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله ص - يقول ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت سمعت رسول الله ص - يقول ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال لما نزلت من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله ص - سددوا وقاربوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها انتهى وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى فالله المسئول أن ينفع به كل من حصله أو نظر فيه وقوله تعالى والله لا يحب كل مختال فخور يدل على أن الفرح المنهي عنه إنما هو ما أدى إلى الاختيال والفخر وأما الفرح بنعم الله المقترن بالشكر والتواضع فإنه لا يستطيع أحد دفعه عن نفسه ولا حرج فيه والله أعلم وقوله الذين يبخلون قال بعضهم هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين يبخلون وقال بعضهم هو في موضع نصب صفة لكل وإن كان نكرة فهو يخصص نوعا ما فيسوغ لذلك وصفه بالمعرفة وهذا مذهب الأخفش والكتاب هنا اسم جنس لجميع الكتب المنزلة والميزان العدل في تأويل الأكثرين وقوله تعالى وأنزلنا الحديد عبر سبحانه عن خلقه الحديد بالإنزال كما قال وأنزل لكم من الأنعام الآية قال جمهور من المفسرين الحديد هنا أراد به جنسه من المعادن وغيرها وقال حذاق من المفسرين أراد به السلاح ويترتب معنى الآية بأن الله أخبر أنه أرسل وأنزل كتبا وعدلا مشروعا وسلاحا يحارب به من عاند ولم يقبل هدى الله إذ لم يقبل له عذر وفي الآية على هذا التأويل حض على القتال في سبيل الله وترغيب فيه وقوله وليعلم الله من ينصره يقوي هذا التأويل وقوله بالغيب معناه بما سمع من الأوصاف الغائبة عنه فآمن بها وباقي الآية بين وقوله سبحانه وقفينا معناه جئنا بهم بعد الأولين وهو مأخوذ من القفا أي جيء بالثاني في قفا الأول فيجيء الأول بين يدي الثاني وقد تقدم بيانه وقوله سبحانه وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق وقوله ابتدعوها صفة لرهبانية وخصها بأنا ابتدعت لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها وأما الرهبانية فهي أفعال بدن مع شيء في القلب ففيها موضع للتكسب ونحو هذا عن قتادة والمراد بالرأفة والرحمة حب بعضهم في بعض وتوادهم والمراد بالرهبانية رفض النساء واتخاذ الصوامع والديارات والتفرد للعبادات وهذا هو ابتداعهم ولم يفرض الله ذلك عليهم لكنهم فعلوا ذلك ابتغاء رضوان الله هذا تأويل جماعة وقرأ ابن مسعود ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها وقال مجاهد المعنى كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله فالاستثناء على هذا متصل واختلف في الضمير الذي في قوله فما رعوها من المراد به فقال ابن زيد وغيره هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانية وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل وأنه يلزمه أن يرعاه حق رعيه وقال الضحاك وغيره الضمير للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين لها وروينا في كتاب الترمذي عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن النبي ص - قال لبلال بن الحارث اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع ضلالة لا يرضى الله ورسوله بها كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا قال أبو عيسى هذا حديث حسن انتهى وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله قالت فرقة الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب ويؤيده الحديث الصحيح ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي الحديث وقال آخرون الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة ومعنى آمنوا برسوله أي اثبتوا على ذلك ودوموا عليه يؤتكم كفلين أي نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه قال أبو موسى كفلين ضعفين بلسان الحبشة والنور هنا إما أن يكون وعدا بالنور الذي يسعى بين الأيدي يوم القيامة وإما أن يكون استعارة للهدى الذي يمشي به في طاعة الله وقوله تعالى ليلا يعلم أهل الكتاب الا يقدرون على شيء من فضل الله الآية روي أنه لما نزل هذا الوعد المتقدم للمؤمنين حسدهم أهل الكتاب على ذلك وكانت اليهود تعظم دينها وأنفسها وتزعم أنهم أحباء الله وأهل رضوان فنزلت هذه الآية معلمة أن الله فعل ذلك وأعلم به ليعلم أهل الكتاب أنهم ليسوا كما يزعمون ولا في قوله ليلا زائدة وقرأ ابن عباس والجحدري ليعلم أهل الكتاب وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس كي يعلم وروي عن حطان الرقاشي أنه قرأ لان يعلم وقوله تعالى ألا يقدرون معناه أنهم لا يملكون فضل الله ولا يدخل تحت قدرهم وباقي الآية بين تفسير سورة المجادلة وهي مدنية إلا أن النقاش حكى أن قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة الآية مكي بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها الآية اختلف الناس في اسم هذه المرأة على أقوال واختصار ما رواه ابن عباس والجمهور أن أوس بن الصامت الأنصاري أخا عبادة بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت خويلد وكان القهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة فلما فعل ذلك أوس جاءت زوجته رسول الله ص - فقالت يا رسول الله إن أوسا أكل شبابي ونثرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني فقال رسول الله ص - ما أراك إلا حرمت عليه فقالت يا رسول الله لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه فراجعها رسول الله ص - بمثل مقالته فراجعته فهذا هو جدالها وكانت في خلال جدالها تقول اللهم إليك أشكو حالي وانفرادي وفقري وروي أنها كانت تقول اللهم إن لي منه صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فهذا هو اشتكاؤها إلى الله فنزلت الآية فبعث النبي ص - في أوس وأمره بالتكفير فكفر بالإطعام وأمسك أهله قال ابن العربي في أحكامه والأشبه في اسم هذه المرأة أنها خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت وعلى هذا اعتمد الفخر قال الفخر هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه من الخلق ولم يبق له في مهمه أحد إلا الخالق كفاه الله ذلك المهم انتهى والمحاورة مراجعة القول ومعاطاته وفي مصحف ابن مسعود تحاورك في زوجها والظهار قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي يريد في التحريم كأنها إشارة إلى الركوب إذ عرفه في ظهور الحيوان وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فرد الله بهذه الآية على فعلهم وأخبر بالحقيقة من أن الأم هي الوالدة وأما الزوجة فلا يكون حكمها حكم الأم وجعل الله سبحانه القول بالظهار منكرا وزورا فهو محرم لكنه إذا وقع لزم هكذا قال فيه أهل العلم لكن تحريمه تحريم المكروهات جدا وقد رجى الله تعالى بعده بأنه عفو غفور مع الكفارة وقوله سبحانه ثم يعودون الآية ت اختلف في معنى العود والعود في الموطأ العزم على الوطء والإمساك معا وفي المدونة العزم على الوطء خاصة وقوله تعالى من قبل أن يتماسا قال الجمهور وهذا عام في نوع المسيس الوطء والمباشرة فلا يجوز لمظاهر أن يطأ ولا أن يقبل أو يلمس بيده أو يفعل شيئا من هذا النوع إلا بعد الكفارة وهذا قول مالك رحمه الله وقوله تعالى ذلكم توعظون به إشارة إلى التحذير أي فعل ذلك عظة لكم لتنتهوا عن الظهار وقوله سبحانه فمن لم يستطع قال الفخر الاستطاعة فوق الوسع والوسع فوق الطاعة فالاستطاعة هي أن يتمكن الإنسان من الفعل على سبيل السهولة انتهى وفروع الظهار مستوفاة في كتب الفقه فلا نطيل بذكرها وقوله سبحانه ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الآية إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحريم إلى الصوم والإطعام ثم شدد سبحانه بقوله وتلك حدود الله أي فالتزموها ثم توعد الكافرين بقوله وللكافرين عذاب أليم وقوله سبحانه إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا الآية نزلت في قوم من المنافقين واليهود كانوا يتربصون برسول الله ص - وبالمؤمنين الدوائر ويتمنون فيهم المكروه ويتناوجون بذلك وكبت الرجل إذا بقي خزيان يبصر ما يكره ولا يقدر على دفعه وقال قوم منهم أبو عبيدة أصله كبدوا أي أصابهم داء في أكبادهم فأبدلت الدال تاء وهذا غير قوي والذين من قبلهم منافقوا الأمم الماضية ولفظ البخاري كبتوا أحزنوا وقوله تعالى وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله العامل في يوم قوله مهين ويحتمل أن يكون فعلا مضمرا تقديره اذكره وقوله تعالى إلا هو رابعهم أي بعلمه وإحاطته وقدرته وعبارة الثعلبي إلا هو رابعهم يعلم ويسمع نجواهم يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتها انتهى وقوله تعالى ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون الآية قال ابن عباس نزلت في اليهود والمنافقين وإذا جاؤوك حيوك هو قولهم السام عليكم يريدون الموت ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان محمد نبيئا لعذبنا بهذه الأقوال التي تسيئه وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم الآية وصية منه سبحانه للمؤمنين أن لا يتناجوا بمكروه وذلك عام في جميع الناس إلى يوم القيامة وقوله إنما النجوى أي بالإثم من الشيطان وقرأ نافع وأهل المدينة ليحزن بضم الياء وكسر الزاي والفعل مسند إلى الشيطان وقرأ أبو عمرو وغيره ليحزن بفتح الياء وضم الزاي ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحدا إلا أن يكون ضر بإذن الله أي بأمره وقدره ثم أمر بتوكيل المؤمنين عليه تبارك وتعالى وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس الآية وقرأ عاصم في المجالس قال زيد بن أسلم وقتادة هذه الآية نزلت بسبب تضايق الناس في مجلس النبي ص - وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكانا فنزلت بسبب ذلك وروى أبو هريرة أن النبي ص - قال لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح الله لكم قال جمهور العلماء سبب نزول الآية مجلس النبي ص ثم الحكم مطرد في سائر المجالس التي هي للطاعات ومنه قوله ص - أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركبا في المجالس وهذا قول مالك رحمه الله وقال ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر قال ع فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي منه في حديث النبي ص - حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلسه الآخر مكانه ت وقد روى أبو داود في سننه عن سعيد بن أبي الحسن قال جاءنا أبو بكرة في شهادة فقام له رجل من مجلسه فأبى أن يجلس فيه وقال إن رسول الله ص - نهى عن ذلك ونهى أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه وروى أبو داود عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي ص - فقام له رجل من مجلسه فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله ص - انتهى قال ع فأما القيام إجلالا فجائز بالحديث وهو قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ قوموا إلى سيدكم وواجب على المعظم أن لا يجب ذلك ويأخذ الناس به لقوله عليه السلام من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار ت وفي الاحتجاج بقضية سعد نظر لأنها احتفت بها قرائن سوغت ذلك انظر السير وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرد على المجيزين للقيام والسلامة عندي ترك القيام وقوله تعالى يفسك الله لكم معناه في رحمته وجنته ص يفسح مجزوم في جواب الأمر انتهى وإذا قيل انشزوا معناه ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك ومن رياض الصالحين للنووي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ص - قال لايحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وفي رواية لأبي داود لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما وعن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله ص - لعن من جلس وسط الحلقة رواه أبو داود بإسناد حسن وروى الترمذي عن أبي مجلز أن رجلا قعد وسط الحلقة فقال حذيفة ملعون على لسان محمد ص - أو لعن الله على لسان محمد ص - من جلس وسط الحلقة قال الترمذي حديث حن صحيح انتهى وقوله سبحانه يرفع الله الذين آمنوا منكم الآية قال جماعة المعنى يرفع الله المؤمنين العلماء درجات فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم وقال آخرون المعنى يرفع الله المؤمنين ولعلماء الصنفين جميعا درجات لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخر فلذلك جاء الأمر بالتفسح عاما للعلماء وغيرهم وقال ابن مسعود وغيره يرفع الله الذين آمنوا منكم وهنا تم الكلام ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل فللمؤمنين رفع على هذا التأويل وللعلماء درجات وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن الشخير فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع وروى البخاري وغيره عن أبي موسى عن النبي ص - قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله عز و جل ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله عز و جل الذي أرسلت به انتهى وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ارسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر روي عن ابن عباس وقتادة في سببها أن قوما من شباب المؤمنين وإغفالهم كثرت مناجاتهم للنبي ص - في غير حاجة وكان ص - سمحا لا يرد أحدا فنزلت هذه الآية مشددة عليهم وقال مقاتل نزلت في الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي ص - ومجالسته قال جماعة من الرواة نسخت هذه الآية قبل العمل بها لكن استقر حكمها بالعزم عليه وصح عن علي أنه قال ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين قال ثم فهم رسول الله ص - أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي كم ترى أن يكون جد هذه الصدقة أتراه دينارا قلت لا قال فنصف دينار قلت لا قال فكم حبة من شعير قال إنك لزهيد فأنزل الله الرخصة يريد للواجدين وأما من لم يجد فالرخصة له ثابتة بقوله فإن لم تجدوا قال الفخر قوله عليه السلام لعلي إنك لزهيد معناه إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك انتهى وقوله سبحانه ءأشفقتم الآية الإشفاق هنا الفزع من العجر عن الشيء المتصدق به أو من ذهاب المال في الصدقة وقوله فأقيموا الصلاة الآية المعنى دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم ومن قال إن هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة فقوله ضعيف وقوله تعالى ألم تر إلى الذين تولوا نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوما من الهيود وهم المغضوب عليهم قال الطبري ما هم منكم يريد به المنافقين ولا منهم أي ولا من اليهود وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كالشاة العائرة بين الغنمين وتحتمل الآية تأويلا آخر وهو أن يكون قوله ما هم يريد به اليهود ولا منهم يريد به المنافقين ويحلفون يعني المنافقين وقرأ الحسن اتخذوا إيمانهم بكسر الهمزة والجنة ما يتستر به ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أنه ستكون لهم إيمان يوم القيامة بين يدي الله تعالى يخيل إليهم بجهلهم أنها تنفعهم وتقبل منهم وهذا هو حسابهم أنهم على شيء أي على شيء نافع لهم وقوله تعالى استحوذ عليهم الشيطان معناه تملكهم من كل جهة وغلب على نفوسهم وحكي أن عمر قرأ استحاذ ثم قضى تعالى على محاده بالذل وباقي الآية بين وقوله سبحانه لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله الآية نفت هذه الآية أن يوجد من يومن بالله حق الإيمان ويلتزم شعبه على الكمال يواد كافرا ومنافقا وكتب في قلوبهم الإيمان معناه أثبته وخلقه بالإيجاد وقوله أولائك إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية لأن المعنى لكنك تجدهم لا يوادون من حاد الله وقوله تعالى بروح منه معناه بهدى منه ونور وتوفيق إلا هي ينقدح لهم من القرءان وكلام النبي ص - والحزب الفريق وباقي الآية بين تفسير سورة الحشر وهي مدنية باتفاق وهي سورة بني النضير وذلك أنهم كانوا عاهدوا النبي ص - وهم يرون أنه لا ترد له راية فلما كان شأن أحد وما أكرم الله به المسلمين ارتابوا وداخلوا قريشا وغدروا فلما رجع النبي ص - من أحد حاصرهم حتى أجلاهم عن أرضهم فارتحلوا إلى بلاد مختلفة خيبر والشام وغير ذلك ثم كان أمر بني قريظة مرجعه من الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم الآية تقدم الكلام في تسبيح الجمادات والذين كفروا من اهل الكتاب هم بنو النضير وقوله لأول الحشر قال الحسن بن أبي الحسن وغيره يريد حشر القيامة أي هذا أوله والقيام من القبور آخره وقال عكرمة وغيره المعنى لأول موضع الحشر وهو الشام وذلك أن أكثرهم جاء إلى الشام وقد روي أن حشر القيامة هو إلى بلاد الشام وقوله سبحانه ما ظننتم أن يخرجوا يريد لمنعتهم وكثرة عددهم وقوله تعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين أي كلما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت ليجبروا الحصن ت والحاصل أنهم يخربون بيوتهم حسا ومعنى اما حسا فواضح واما معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من الوطن لعذبهم في الدنيا بالسبي والقتل قال البخاري والجلاء الإخراج من أرض إلى أرض انتهى وقوله تعالى ما قطعتم من لينة الآية سببها قول اليهود ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فرد الله عليهم بهذه الآية قال ابن عباس وجماعة من اللغويين اللينة من النخيل ما لم يكن عجوة وقيل غير هذا ص أصل لينة لونة فقلبوا الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وجمعه لين كتمرة وتمر قال الأخفش واللينة كأنها لون من النخل أي ضرب منه انتهى وقوله عز و جل وما أفاء الله على رسوله منهم الآية إعلام بأن ما أخذ لبني النضير ومن فدك هو خاص بالنبي ص - وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس الغنائم وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال فأخذ منها ص - قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين وأدخل معهم أبا دجانة وسهل بن حنيف من الأنصار لأنهما شكيا فقرا والإيجاف سرعة السير والوجيف دون التقريب يقال وجف الفرس وأوجفه الراكب وقوله تعالى ما أفاء الله علىرسوله من أهل القرى الآية أهل القرى في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب وذلك أنها فتحت في ذلك الوقت من غير إيجاف وأعطى رسول الله ص - جميع ذلك للمهاجرين ولم يحبس منها لنفسه شيئا ولم يعط الأنصار شيئا لغناهم والقربى في الآية قرابته ص - منعوا الصدقة فعوضوا من الفيء وقوله سبحانه كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم مخاطبة للأنصار لأنه لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غني والمعنى كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بتصرفاتهم ويبقى المساكين بلا شيء وقد مضى القول في الغنائم في سورة الأنفال وروي أن قوما من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا لنا منها سهمنا فنزل قوله تعالى وما أتاكم الرسول فخذوه الآية فرفضوا بذلك ثم اطرد بعد معنى الآية في أوامر النبي ص - ونواهيه حتى قال قوم أن الخمر محرمة في كتاب الله بهذه الآية وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة الحديث ت وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وقوله تعالى للفقراء المهاجرين بيان لقوله والمساكين وابن السبيل وكرر لام الجر لما كانت الجملة الأولى مجرورة باللام ليبين أن البدل إنما هو منها ثم وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم وتوجب الشفقة عليهم وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا يريد به الآخرة والجنة أولائك هم الصادقون أي في الأقوال والأفعال والنيات والذين تبوءوا الدار هم الأنصار رضي الله عن جميعهم والضمير في من قبلهم للمهاجرين والدار هي المدينة والمعنى تبوءوا الدار مع الإيمان وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله من قبلهم فتأمله قال ص والإيمان منصوب بفعل مقدار أي واعتقدوا الإيمان فهو من عطف الجمل كقوله علفتها تبنا وماء باردا انتهى وقيل غير هذا وأثنى الله تعالى في هذه الآية على الأنصار بأنهم يحبون المهاجرين وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم ت وروى الترمذي عن أنس قال لما قدم النبي ص - المدينة أتاه المهاجرون فقالوا يا رسول الله ما رأينا قوما ابذل لكثير ولا أحسن مواساة في قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم لقد كفونا المئونة وأشركونا المهنة حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله فقال النبي ص - لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى والحاجة الحسد في هذا الموضع قاله الحسن ثم يعم بعد وجوها وقال الثعلبي حاجة أي حزازة وقيل حسدا مما أوتوا أي مما أعطى المهاجرون من أموال بني النضير والقرى انتهى وقوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم صفة للأنصار وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق أنها نزلت بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيف رسول الله ص - إذ نوم صبيانه وقدم للضيف طعامه وأطفأت أهله السراج وأوهما الضيف أنهما يأكلان معه وباتا طاويين فلما غدا الأنصاري على رسول الله ص - قال له لقد عجب الله من فعلكما البارحة ونزلت الآية في ذلك قال صاحب سلاح المؤمن الرجل الأنصاري الذي أضاف هو أبو طلحة انتهى قال الترمذي الحكيم في كتاب ختم الأولياء له حدثنا أبي قال حدثنا عبد الله بن عاصم حدثنا الجماني حدثنا صالح المري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ص - أن بدلاء أمتى لم يدخلوا الجنة بكثرة صوم ولا صلاة إنما دخلوها بسلامة الصدور وسخاوة الأنفس وحسن الخلق والرحمة بجميع المسلمين انتهى والإيثار على النفس أكرم خلق قال أبو يزيد البسطامي قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال لي ما حد الزهد عندكم فقلت إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا فقال هكذا عندنا كلاب بلخ فقلت له فما هو عندكم فقال إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا وروي أن سبب هذه الآية أن النبي ص - لما فتح هذه القرى قال للأنصار ان شئتم قسمتم للمهاجرين من اموالكم ودياركم وشاركتموهم فى هذه الغنيمة إن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه الغنيمة فقالوا بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة فنزلت الآية والخصاصة الفاقة والحاجة وشح النفس هو كثرة طمعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل هذا جماع شح النفس وهو داعية كل خلق سوء وقد قال رسول الله ص - من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برئى من الشج وإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام وقيل في الشخ غير هذا قال ع وشح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب به ويوق من وقى يقي وقال الفخر اعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع ولما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال الله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون أي الظافرون بما أرادوا قال ابن زيد من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئا أمره الله تعالى بإعطائه فقد وقى شح نفسه انتهى وقوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم الآية قال جمهور العلماء أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة وقال الفراء أراد الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن في آخر مدة النبي ص - وقوله يقولون حال فيها الفائدة والمعنى والذين جاءوا قائلين كذا وروت أم الدرداء وأبو الدرداء عن النبي ص - أنه كان يقول دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به ءامين ولك مثله رواه مسلم انتهى قال ع ولهذه الآية قال مالك وغيره أنه من كان له في أحد من الصحابة رأي سوء أو بغض فلا حظ له في فيئي المسلمين وقال عبد الله بن يزيد قال الحسن أدركت ثلاثمائة من أصحاب النبي ص - منهم سبعون بدريا كلهم يحدثني أن النبي ص - قال من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه فالجماعة ألا تسبوا الصحابة ولا تماروا في دين الله ولا تكفروا أحدا من اهل التوحيد بذنب قال عبد الله فلقيت أبا أمامة وأبا الدرداء ووائلة وأنسا فكلهم يحدثني عن النبي ص - بمثل حديث الحسن والغل الحقد والاعتقاد الردي وقوله تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت وقوم من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم اثبتوا في معاقبكم فأنا معكم كيفما تقلبت حالكم وكانوا في ذلك كاذبين وإنما أرادوا بذلك أن تقوى نفوسهم عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر النبي ص - فيتم مرادهم وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله لا يخرجون ولا ينصرونهم لأنها راجعة إلى حكم القسم لا إلى حكم الشرط والضمير في صدورهم يعود على اليهود والمنافقين والضمير في قوله لا يقاتلونكم جميعا لبني النضير وجميع اليهود هذا قول جماعة المفسرين ومعنى الآية لا يبرزون لحربكم وإنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران للرعب والرهب الكائن في قلوبهم وقوله تعالى بأسهم بينهم شديد أي في غائلتهم وأحنهم تحسبهم جميعا أي مجتمعين وقلوبهم شتى أي متفرقة قال ع وهذه حال الجماعة المتخاذلة وهي المغلوبة أبدا في كل ما تحاول واللفظة مأخوذة من الشتات وهو التفرق ونحوه وقوله تعالى كمثل الذين من قبلهم قال ابن عباس هم بنو قينقاع لأن النبي ص - أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير والوبال الشدة والمكروه وعاقبة السوء والعذاب الأليم هو في الآخرة وقوله سبحانه كمثل الشيطان معناه أن هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النضير كمثل الشيطان مع الإنسان فالمنافقون مثلهم الشيطان وبنو النضير مثلهم الإنسان وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أن الشيطان والإنسان في هذه الآية اسما جنس فكما أن الشيطان يغوي الإنسان ثم يفر عنه بعد أن يورطه كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبوت ووعدوهم النصر فلما نشب بنو النضير وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون في أسوأ حال وذهب قوم من رواة القصص إلى أن هذا في شيطان مخصوص مع عابد مخصوص اسمه برصيصا استودع امرأة جميلة وقيل سيقت إليه ليشفها بدعائه من الجنون فسول له الشيطان الوقوع عليها فحملت منه فخشي الفضيحة فسول له فقتلها ودفنها ففعل ثم شهره فلما استخرجت المرأة وحمل العابد شر حمل وصلب جاءه الشيطان فقال له اسجد لي سجدة وأنا أخلصك فسجد له فقال له الشيطان هذا الذي أردت منك إن كفرت بربك إني بريء منك فضرب الله تعالى هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين وهذا يحتاج إلى صحة سند والتأويل الأول هو وجه الكلام ت قال السهيلي وقد ذكر هذه القصة هكذا القاضي إسماعيل وغيره من طريق سفيان بن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر بن عبيد بن رفاعة الزرقي عن النبي ص - أن راهبا كان في بني إسرائيل فذكر القصة بكمالها ويقال أن اسم هذا الراهب برصيصا ولم يذكر اسمه القاضي إسماعيل انتهى قال ع وقول الشيطان إني أخاف الله رياء من قوله وليست على ذلك عقيدته ولا يعرف الله حق معرفته ولا يحجزه خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلى آخر فكان عاقبتهما يعني الشيطان والإنسان على ما تقدم من حملهما على الجنس والخصوص وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد الآية هذه آية وعظ وتذكير وتقريب للآخرة وتحذير ممن لا تخفي عليه خافية وقوله تعالى لغد يريد يوم القيامة والذين نسوا الله هم الكفار والمعنى تركوا الله وغفلوا عنه حتى كانوا كالناسين فعاقبهم بأن جعلهم ينسون أنفسهم وهذا هو الجزاء على الذنب بالذنب قال سفيان المعنى حظ أنفسهم ويعطي لفظ الآية أن من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالى وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعرف نفسك تعرف ربك وروي عنه أيضا أنه قال من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه وقوله سبحانه لو أنزلنا هذا القرآن على جبل الآية موعظة للإنسان وذم لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تدبر كلام خالقه وإذا كان الجبل على عظمه وقوته لو أنزل عليه القرآن وفهم منه ما فهمه الإنسان لخشع واستكان وتصدع خشية لله تعالى فالإنسان على حقارته وضعفه أولى بذلك وضرب الله سبحانه هذا المثل ليتفكر فيه العاقل ويخشع ويلين قلبه وقوله سبحانه هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الآية لما قال تعالى من خشية الله جاء بالأوصاف العلية التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية وقرأ الجمهور القدوس بضم القاف من تقدس إذا تطهر وتنزه وقوله السلام أي ذو السلام لأن الإيمان به وتوحيده وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها والمؤمن اسم فاعل من آمن بمعنى آمن من الأمن وقيل معناه المصدق عباده المؤمنين والمهيمن معناه الحفيظ والأمين قاله ابن عباس والجبار هو الذي لا يدانيه شيء ولا تلحق رتبته قال الفخر وفي اسمه تعالى الجبار وجوه أحدها أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير وجبر الكسير والثاني أن يكون الجبار من جبره إذا اكرهه قال الأزهري وهي لغة تميم وكثير من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه وكان الشافعي رحمه الله يقول جبره السلطان على كذا بغير ألف وجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر بالأفل وهي اللغة المعروفة في الإكراه انتهى والمتكبر معناه الذي له التكبر حقا والباريء بمعنى الخالق والمصور هو الذي يوجد الصور وباقي الآية بين وروى معقل بن يسار عن النبي ص - أنه قال من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حين يمسي وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب انتهى تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية المراد بالعدو ها هنا كفار قريش وسبب نزول هذه الآية حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن النبي ص - أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية ت بل عام فتح مكة فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله ص - ولم يكن ذلك منه ارتدادا فنزل الوحي مخبرا بما صنع حاطب فبعث النبي ص - عليا والزبير وثالثا قيل هو المقداد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فانطلقوا حتى وجدوا المرأة فقالوا لها أخرجي الكتاب فقالت ما معي كتاب ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئا فقال علي ما كذب رسول الله ص - ولا كذب والله لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فقالت أعرضوا عني فحلته من قرون رأسها فجاؤوا به النبي ص - فقال لحاطب من كتب هذا فقال أنا يا رسول الله فقال ما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله لا تعجل علي فوالله ما كفرت منذ أسلمت وما فعلت ذلك ارتدادا عن ديني ولا رغبة عنه ولكن لم يكن أحد من المهاجرين الأوله بمكة من يمنع عشيرته وكنت امرءا ملصقا فيهم وأهلي بين ظهرانيهم فخشيت عليهم فأردت أن أتخذ عندهم يدا فصدقه النبي ص - وقال لا تقولوا لحاطب إلا خيرا وروي أن حاطبا كتب أن رسول الله ص - يريد غزوكم في مثل الليل والسيل وأقسم بالله لو غزاكم وحده لنصر عليكم فكيف وهو في جمع كثير ص وتلقون مفعوله محذوف أي تلقون إليهم أخبار الرسول وأسراره وبالمودة الباء للسبب انتهى وقوله تعالى إن تؤمنوا مفعول من أجله أي أخرجوكم من أجل أن آمنتم بربكم وقوله تعالى إن كنتم شرط جوابه متقدم في معنى ما قبله وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط والتقدير إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء وجهادا منصوب على المصدر وكذلك ابتغاء ويجور أن يكون ذلك مفعولا من أجله والمرضاة مصدر كالرضى وتسرون حال من تلقون ويجوز أن يكون في موضع خبر ابتداء كأنه قال أنتم تسرون ويصح أن يكون فعلا ابتدئي به القول وقوله تعالى أعلم يحتمل أن يكون افعل ويحتمل أن يكون فعلا لأنك تقول علمت بكذا فتدخل الباء ص والظاهر أنه افعل تفضيل ولذلك عدي بالباء انتهى وسواء يجوز أن يكون مفعولا بضل على تعدي ضل ويجوز أن يكون ظرفا على غير التعدي لأنه يجيء بالوجهين والأول أحسن في المعنى والسواء الوسط والسبيل هنا شرع الله وطريق دينه وقوله سبحانه إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء الآية أخبر تعالى أن مداراة هؤلاء الكفرة غير نافعة في الدنيا وأنها ضارة في الآخرة ليبين فساد رأي مصانعهم فقال إن يثقفوكم أي إن يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم ظهرت عداوتهم وانبسطت إليكم أيديهم بضرركم وقتلكم وانبسطت ألسنتهم بسبكم وأشد من هذا كله إنما يقنعهم أن تكفروا وهذا هو ودهم ثم أخبر تعالى أن هذه الأرحام التي رغبتم في وصلها ليست بنافعة يوم القيامة فالعامل في يوم قوله تنفعكم وقيل العامل فيه يفصل وهو مما بعده لا مما قبله وعبارة الثعلبي لن تنفعكم أرحامكم أي قرابتكم منهم ولا أولادكم الذين عندهم بمكة يوم القيامة إذا عصيتم الله من أجلهم يفصل بينكم فيدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار انتهى ت وهذه الآية تنظر إلى قوله تعالى وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى الآية واعلم أن المال والسبب النافع يوم القيامة ما كان لله وقصد به العون على طاعة الله وإلا فهو على صاحبه وبال وطول حساب قال ابن المبارك في رقائقه أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن الحارث يحدث عن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه سمعه يقول ويجمعون يعني ليوم القيامة فيقال أين فقراء هذه الأمة ومساكينها فيبرزون فيقال ما عندكم فيقولون يا ربنا ابتلينا فصبرنا وأنت أعلم حسبه قال ووليت الأموال والسلطان غيرنا فيقال صدقتم فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان وتبقى شدة الحساب على ذوي السلطان والأموال قال قلت فأين المؤمنون يومئذ قال توضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم الغمام ويكون ذلك اليوم أقصر عليهم من ساعة من نهار انتهى وفي قوله تعالى والله بما تعملون بصير وعيد وتحذير وقوله تعالى قد كانت لكم أسوة أي قدوة في إبراهيم الخليل والذين معه قيل من آمن به من الناس وقال الطبري وغيره الذين معه هم الأنبياء المعاصرون له أو قريبا من عصره قال ع وهذا أرجح لأنه لم يرو أن لإبراهيم أتباعا مؤمنين في وقت مكافحته نمرودا وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا من بلد النمرود ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك وهذه الأسوة مقيدة في التبري من المشركين وإشراكهم وهو مطرد في كل ملة وفي نبينا عليه السلام أسوة حسنة على الإطلاق في العقائد وفي أحكام الشرع كلها وقوله كفرنا بكم أي كذبناكم في عبادتكم الأصنام وقوله إلا قول إبراهيم لأبيه يعني تأسوا بإبراهيم إلا في استغفاره لأبيه فلا تتأسوا به فتستغفروا للمشركين لأن استغفاره إنما كان عن موعدة وعدها إياه وهذا تأويل قتادة ومجاهد وعطاء الخراساني وغيرهم وقوله ربنا عليك توكلنا إلى قوله إنك أنت العزيز الحكيم هو حكاية عن قول إبراهيم والذين معه وهذه الألفاظ بينة مما تقدم في ءاي القرآن وقوله ربنا لا تجعلنا فتنة قيل المعنى لا تغلبهم علينا فنكون لهم فتنة وسبب ضلالة نحا هذا المنحى قتادة وأبو مجلز وقد تقدم مستوفى في سورة يونس وقال ابن عباس المعنى لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن أدياننا فكأنه قال لا تجعلنا مفتونين فعبر عن ذلك بالمصدر وهذا أرجح الأقوال لأنهم إنما دعوا لأنفسهم وعلى منحى قتادة إنما دعوا للكفار أما إن مقصدهم إنما هو أن يندفع عنهم ظهور الكفار الذي بسببه فتن الكفار فجاء في المعنى تحليق بليغ وقوله تعالى لقد كان لكم فيهم أي في إبراهيم والذين وباقي الآية بين وروي أن هذه الآيات لما نزلت وعزم المؤمنون على امتثالها وصرم حبال الكفرة لحقهم تأسف وهم من أجل قراباتهم إذ لم يؤمنوا ولم يهتدوا حتى يكون بينهم التوادد والتواصل فنزلت عيسى الآية مونسة في ذلك ومرجية أن يقع فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح وصار الجميع إخوانا وعسى من الله واجبة الوقوع ت قد تقدم تحقيق القول في عسى في سورة القصص فأغنى عن إعادته وقوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم الآية اختلف في هؤلاء الذين لم ينه عنهم أن يبروا فقيل أراد المؤمنين التاركين للهجرة وقيل خزاعة وقبائل من العرب كانوا مظاهرين للنبي ص - ومحبين لظهوره وقيل أراد النساء والصبيان من الكفرة وقيل أراد من كفار قريش من لم يقاتل ولا أخرج ولم يظهر سوءا وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال والذين قاتلوا في الدين وأخرجوهم هم مردة قريش وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية أثر صلح الحديبية وذلك أن ذلك الصلح تضمن أن من أتى مسلما من أهل مكة رد إليهم سواء كان رجلا أو امرأة فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية وحكم بأن المهاجرة المؤمنة لا ترد إلى دار الكفر وامتحنوهن معناه جربوهن واستخبروا حقيقة ما عندهن وقوله تعالى الله أعلم بإيمانهن إشارة إلى الاسترابة ببعضهن ت وقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات الآية العلم هنا بمعنى الظن وذكر الله تعالى العلة في أن لا يرد النساء إلى الكفار وهو امتناع الوطء وحرمته وقوله تعالى وآتوهم ما أنفقوا الآية أمر بأن يؤتى الكفار مهور نسائهم التي هاجرن مؤمنات ورفع سبحانه الجناح في أن يتزوجن بصدقات هي أجورهن وأمر المسلمين بفراق الكافرات وأن لا يتمسكوا بعصمهن فقيل الآية في عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحها ابتداء وقيل هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب والعصم جمع عصمة وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية وأمر تعالى أن يسئل أيضا المؤمنون ما أنفقوا فروي عن ابن شهاب أن قريشا لما بلغهم هذا الحكم قالوا نحن لا نرضى بهذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقا فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الآية فأمر الله تعالى المؤمنين أن يدفعوا إلى من فرت زوجته ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق واختلف من أي مال يدفع إليه الصداق فقال ابن شهاب يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواجهم وأزال الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه قال ع وهذا قول صحيح يقتضيه قوله فعاقبتم وقال قتادة وغيره يدفع إليه من مغانم المغازي وقال هؤلاء التعقيب هو الغزو والمغنم وقال ابن شهاب أيضا يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن والمعاقبة في هذه الآية ليست بمعنى مجازاة السوء بسوء قال الثعلبي وقرأ مجاهد فأعقبتم وقال المعنى صنعتم بهم كما صنعوا بكم انتهى قال ع أي وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزاجهم وهكذا هو التعاقب على الجمل والدواب أن يركب هذا عقبة وهذا عقبة ويقاب عاقب الرجل صاحبه في كذا أي جاء فعل كل واحد منها بعقب فعل الآخر وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها وقوله عز و جل يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على الصفا وهي كانت في المعنى بيعة الرجال قبل فرض القتال ت وخرج البخاري بسنده عن عائشة أن النبي ص - كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية وكذا روى البخاري من طريق ابن عباس أنه عليه السلام تلا عليهن الآية يوم الفطر عقب الصلاة ونحوه عن أم عطية في البخاري وقرأ عليهن الآية أيضا في ثاني يوم فتح مكة وكلام ع يوهم أن الآية نزلت في بيعة النساء يوم الفتح وليس كذلك وإنما يريد أنه أعاد الآية على من لم يبايعه من أهل مكة لقرب عهدهم بالإسلام والله أعلم والإتيان بالبهتان قال أكثر المفسرين معناه أن تنسب إلى زوجها ولدا ليس منه قال ع واللفظ أعم من هذا التخصيص وقوله تعالى ولا يعصينك في معروف يعمم جميع أوامر الشريعة فرضها وندبها وفي الحديث أن جماعة نسوة قلن يا رسول الله نبايعك على كذا وكذا الآية فلما فرغن قال ص - فيما استطعتن وأطقتن فقلنا الله ورسوله أرحم بنا منا لأنفسنا وقوله تعالى فبايعهن أي امض لهن صفقة الإيمان بأن يعطين ذلك من أنفسهن ويعطين عليه الجنة واختلف في هيئة مبايعته ص - النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد امرأة أجنبية قط والمروي عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولا وقال إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة وقوما غضب الله عليهم هم اليهود في قول ابن زيد وغيره ويأسهم من الآخرة هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها وقال ابن عباس قوما غضب الله عليهم في هذه الآية كفار قريش وقوله كما يئس الكفار من أصحاب القبور على هذا التأويل هو على ظاهره في اعتقاد الكفرة إذا مات لهم حميم قالوا هذا آخر العهد به لا يبعث أبدا تفسير سورة الصف وهي مدنية في قول الجمهور وقيل مكية والأول أصح لأن معاني السورة تعضده ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم قد تقدم تفسيره واختلف في السبب الذي نزلت فيه يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فقال ابن عباس وغيره نزلت بسبب قوم قالوا لو علمنا أحب العمل إلى الله تعالى لسارعنا إليه ففرض الله الجهاد وأعلمهم بفضله وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص فكرهه قوم منهم وفروا يوم الغزو فعاتبهم الله تعالى بهذه الآية وقال قتادة والضحاك نزلت بسبب جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا ع وحكم هذه الآية باق غابر الدهر وكل من يقول ما لا يفعل فهو ممقوت الكلام والقول الأول يترجح بما يأتي من أمر الجهاد والقتال والمقت البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت وقول المرء ما لا يفعل موجب مقت الله تعالى ولذلك فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير وآثروا السكوت ت وهذا بحسب فقه الحال إن وجد الإنسان من يكفيه هذه المنونة في وقته فقد يسعه السكون وإلا فلا يسعه قال الباجي في سنن الصالحين له قال الأصمعي بلغني أن بعض الحكماء كان يقول أني لأعظكم وإني لكثير الذنوب ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير واقتصر على الشر ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس وتذكير من النسيان وقال أبو حازم اني لأعظ الناس وما أنا بموضع للوعظ ولكن أريد به نفسي وقال الحسن لمطرف عظ أصحابك فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل فقال رحمك الله واينا يفعل ما يقول ود الشيطان أنه لو ظفر منكم بهذه فلم يأمر أحد منكم بمعروف ولم ينه عن منكر انتهى وقوله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله الآية قال معاذ بن جبل سمعت رسول الله ص - يقول من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد مختصر رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه واللفظ لأبي داود وقال الترمذي هذا حديث صحيح انتهى من السلاح ثم ذكر تعالى مقالة موسى وذلك ضرب مثل للمؤمنين ليحذروا ما وقع فيه هؤلاء من العصيان وقول الباطل وقوله لم تؤذونني أي بتعنيتكم وعصيانكم واقتراحاتكم واسند الزيغ إليهم لكونه فعل حطيطة وهذا بخلاف قوله تعالى ثم تاب عليهم ليتوبوا فاسند التوبة إليه سبحانه لكونها فعل رفعة وزاغ معناه مال وصار عرفها في الميل عن الحق وأزاغ الله قلوبهم معناه طبع عليها وكثر ميلها عن الحق وهذه هي العقوبة على الذنب بالذنب وقوله ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد قال عياض في الشفا سمى الله تعالى نبيه في كتابه محمدا وأحمد فأما اسمه أحمد فافعل مبالغة من صفة الحمد ومحمد مفعل من كثرة الحمد وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه سبحانه وبدائع اياته أنه سبحانه حمى أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه أما أحمد الذي اتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع سبحانه أن يتسمى به أحد غيره حتى لا يدخل بذلك ليس على ضعيف القلب وكذلك محمد أيضا لم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده ص - وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو وهم محمد بن احيحة الأوسي ومحمد بن سلمة الأنصاري ومحمد بن براء البكري ومحمد بن سفيان باليمن ويقولون بل محمد بن اليحمد بن الأزد ومحمد بن سوادة منهم لا سابع لهم ولم يدع أحد من هؤلاء النبوءة أو يظهر عليه سبب يشكك الناس انتهى وروى أنس بن مالك عن النبي ص - أنه قال لا تسموا أولادكم محمدا ثم تلعنونهم رواه الحاكم في المستدرك انتهى من السلاح وقوله سبحانه فلما جاءهم بالبينات الآية يحتمل أن يريد عيسى ويحتمل أن يريد محمد ص - لأنه تقدم ذكره ت والأول أظهر وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم الآية ندب وحض على الجهاد بهذه التجارة التي بينها سبحانه وهي أن يبذل المرء نفسه وماله ويأخذ ثمنا جنة الخلد وقرأ ابن عامر وحده تنجيكم بفتح النون وشد الجيم وقوله تؤمنون معناه الأمر أي امنوا قال الأخفش ولذلك جاء يغفر مجزوما وفي مصحف ابن مسعود امنوا بالله ورسوله وجاهدوا وقوله ذلكم إشارة إلى الجهاد والإيمان وخير هنا يحتمل أن يكون للتفضيل فالمعنى من كل عمل ويحتمل أن يكون إخبارا أن هذا خير في ذاته ومساكن عطف على جنات وطيب المساكن سعتها وجمالها وقيل طيبها المعرفة بدوام أمرها وقوله سبحانه وأخرى تحبونها الآية قال الأخفش وأخرى هي في موضع خفض عطفا على تجارة وهذا قلق وقد رده الناس لأن هذه الأخرى ليست مما دل عليه سبحانه إنما هي مما أعطى ثمنا وجزاء على الإيمان والجهاد بالنفس والمال وقال الفراء وأخرى في موضع رفع وقيل في موضع نصب بإضمار فعل تقديره ويدخلكم جنات ويمنحكم أخرى وهي النصر والفتح القريب وقصة عيسى مع بني إسراءيل قد تقدمت وقوله تعالى فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم قيل ذلك قبل محمد عليه السلام وبعد فترة من رفع عيسى رد الله الكرة لمن آمن به فغلبوا الكافرين الذين قتلوا صاحبه الذي ألقى عليه الشبه وقيل المعنى فأصبحوا ظاهرين بالحجة تفسير سورة الجمعة وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى يسبح لله ما في السموات وما في الأرص تقدم القول في مثل ألفاظ الآية والمراد بالأميين جميع العرب واختلف في المعينين بقول تعالى وآخرين منهم فقال أبو هريرة وغيره أراد فارس وقد سئل رسول الله ص - من الآخرون فأخذ بيد سلمان وقال لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء خرجه مسلم والبخاري وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وغيرهم أراد جميع طوائف الناس فقوله منهم على هذين القولين إنما يريد في البشرية والإيمان وقال مجاهد أيضا وغيره أراد التابعين من أبناء العرب فقوله منهم يريد في النسب والإيمان وقوله لما يلحقوا نفي لما قرب من الحال والمعنى أنهم مزمعون أن يلحقوا فهي لم زيدت عليها ما تأكيدا والذين حملوا التوراة هم بنو إسرائيل الأحبار المعاصرون للنبي ص - وحملوا معناه كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها فهذا كما حمل الإنسان الأمانة وذكر تعالى أنهم لم يحملوها أي لم يطيعوا أمرها ويقفوا عند حدودها حين كذبوا نبيه محمدا ص والتوراة تنطق بنبوته فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل كمثل حمار عليه أسفار وفي مصحف ابن مسعود كمثل حمار بغير تعريف والسفر الكتاب المجمع الأوراق منضدة وقول بيس مثل القوم التقدير بيس المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ص ورد بأن فيه حذف الفاعل ولا يجوز والظاهر أن مثل القوم فاعل بيس والذين كذبوا هو المخصوص بالذم على حذف مضاف أي مثل الذين كذبوا انتهى وقوله سبحانه قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم الآية روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول الله ص - خاطبوا يهود خيبر في أمره وذكروا لهم نبوته وقالوا إن رأيتم أتباعه أطعناكم وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن وأبناء عزير بن الله ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب نحن أحق بالنبوة من محمد ولا سبيل إلى اتباعه فنزلت الآية بمعنى أنكم إذا كنتم من الله بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الخسيسة أحب إليكم فتمنوا الموت إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبدا لعلمهم بسوء حالهم وروى كثير من المفسرين أن الله جلت قدرته جعل هذه الآية معجزة لمحمد نبيه فيهم فهي آية بااهرة وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودات مات وفارق الدنيا فقال رسول الله ص - تمنوا الموت على جهة التعجيز وإظهار الآية فما تمناه أحد منهم خوفا من الموت وثقة بصدق نبينا محمد ص - وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة الآية النداء هو الأذان وكان على الجدار في مسجد رسول الله ص - وفي مصنف أبي داود كان بين يدي النبي ص - وهو على المنبر أذان ثم زاد عثمان النداء على الزوراء ليسمع الناس ت وفي البخاري والترمذي وصححه عن السائب بن يزيد قال كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ص - وأبي بكر وعمر فلما تولى عثمان وكثر الناس زاد الأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك قيل فقوله الثالث يقتضي أنهم كانوا ثلاثة وفي طريق آخر الثاني بدل الثالث وهو يقتضي أنهما اثنان انتهى وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي ص - أنه قال من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت للإمام حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام انتهى وخرجه البخاري من طريق سلمان وقوله من يوم الجمعة قال ابن هشام من مرادفة في انتهى وقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله الآية السعي في الآية لا يراد به الإسراع في المشي وإنما هو بمعنى قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فالسعي هو بالنية والإرادة والعمل من وضوء وغسل ومشي ولبس ثوب كل ذلك سعي وقد قال مالك وغيره إنما تؤتى الصلاة بالسكينة ت وهو نص الحديث الصحيح وهو قوله ص - في الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة ت والظاهر أن المراد بالسعي هنا المضي إلى الجمعة كما فسره الثعلبي ويدل على ذلك إطلاق العلماء لفظ الوجوب عليه فيقولون السعي إلى الجمعة واجب ويدل على ذلك قراءة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين فامضوا إلى ذكر الله وقال ابن مسعود لو قرأت فاسعوا لأسرعت حتى يقع ردائي وقال العراقي فاسعوا معناه بادروا انتهى وقوله إلى ذكر الله هو وعظ الخطبة قاله ابن المسيب ويؤيده قوله ص - في الحديث الصحيح إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر الحديث خرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم والخطبة عند الجمهور شرح في انعقاد الجمعة وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ص - قال إن الله عز و جل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها محفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها الوانهم كالثلج بياضا وريحهم يسطع كالمسك يخوضون في جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما يطرفون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون خرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي قال صاحب التذكرة وإسناده صحيح انتهى وقوله سبحانه ذلكم إشارة إلى السعي وترك البيع وقوله فانتشروا أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر الإباحة وكذلك قوله وابتغوا من فضل الله أنه الإباحة في طلب المعاش مثل قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا إلا ما روي عن أنس عن النبي ص - أنه قال ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة قال ع وفي هذا ينبغي أن يكون المرء بقية يوم الجمعة ونحوه عن جعفر بن محمد وقال مكحول الفضل المبتغى العلم فينبغي أن يطلب أثر الجمعة وقوله تعالى واذكروا الله كثيرا الآية قال معاذ بن جبل ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله رواه الترمذي واللفظ له وابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد انتهى من السلاح وقوله سبحانه وإذا رأوا تجارة أو لهوا الآية نزلت بسبب أن رسول الله ص - كان قائما على المنبر يخطب يوم الجمعة فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي قال مجاهد وكان من عرفهم أن تدخل عيرالمدينة بالطبل والمعازف والصياح سرورا بها فدخلت العير بمثل ذلك فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه وتركوا رسول الله ص - قائما على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا قال جابر بن عبد الله أنا أحدهم قال ع ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما أذكر الآن إلا أني سمعت أبي رحمه الله يقول هم العشرة المشهود لهم بالجنة واختلف في الحادي عشر فقيل عمار بن ياسر وقيل ابن مسعود ت وفي تقييد أبي الحسن الصغير والاثنا عشر الباقون هم الصحابة العشرة والحاي عشر بلال واختلف في الثاني عشر فقيل عمار بن ياسر وقيل ابن مسعود انتهى قال السهيلي وجاءت تسمية الاثني عشر في حديث مرسل رواه أسد بن عمرو والد موسى بن أسد وفيه أن رسول الله ص - لم يبق معه إلا أبو بكر وعثمان حتى العشرة وقال وبلال وابن مسعود وفي رواية عمار بدل ابن مسعود وفي مراسيل أبي داود ذكر السبب الذي من أجله ترخصوا فقال إن الخطبة يوم الجمعة كانت بعد الصلاة فتأولوا رضي الله عنهم أنهم قد قضوا ما عليهم فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة فهذا الحديث وإن كان مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي ص - يوجب أن يكون صحيحا والله أعلم انتهى وروي أن النبي ص - قال لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة سومت على المنفضين من السماء وفي حديث آخر والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا قال البخاري انفضوا معناه تفرقوا انتهى وقرأ ابن مسعود ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين وإنما أعاد الضمير في قوله إليها على التجارة وحدها لأنها أهم وهي كانت سبب اللهو ص وقرئي إليهما بالتثنية تفسير سورة إذا جاءك المنافقون وهي مدنية بإجماع ونزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن ابن أبي سلول كانت له في تلك الغزوة أقوال منكرة وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله الآية فضح الله سرائر المنافقين بهذه الآية وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ص - نشهد أنك لرسول الله وهم في إخبارهم هذا كاذبون لأن حقيقة الكذب أن يخبر الإنسان بضد ما في قلبه وهذه كانت حالهم وقرأ الناس أيمانهم جمع يمين وقرأ الحسن إيمانهم بكسر الهمزة والجنة ما يتستر به في الإجرام والمعاني وقوله ذلك إشارة إلى فعل الله بهم في فضحهم وتوبيخهم ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا فالمعنى ساء عملهم بأن كفروا بعد إيمان وقوله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم هذا توبيخ لهم إذ كان منظرهم يروق جمالا وقولهم يخلب بيانا لكنهم كالخشب المسندة إذ لا أفهام لهم نافعة وكان عبدا بن أبي سلول من أبهى المنافقين وأطولهم ويدل على ذلك أنه لم يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه قال الثعلبي تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وطول قامتها وحسن صورتها قال ابن عباس وكان عبد الله بن أبي جسيما صبيحا فصيحا ذلق اللسان فإذا قال سمع النبي ص قوله ووصفهم الله تعالى بتمام الصورة وحسن الإبانة ثم شبههم بالخشب المسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام انتهى وقوله تعالى يحسبون كل صيحة عليهم هذا أيضا فضح لما كانوا يسرونه من الخوف وذلك بأنه كانوا يسرونه من الخوف وذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يأمر النبي ص - عن الله بقتلهم قال مقاتل فكانوا متى سمعوا نشد أن ضالة أو صياحا بأي وجه أو أخبروا بنزول وحي طارت عقولهم حتى يسكن ذلك ويكون في غير شأنهم ثم أخبر تعالى بأنهم هم العدو وحذر منهم وقوله تعالى قاتلهم الله دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة لهم وأنى يؤفكون معناه كيف يصرفون وقوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله الآية سبب نزولها أن النبي ص - غزا بني المصطلق فازدحم لعمر بن الخطاب يقال له جهجاه مع سنان بن وبرة الجهني حليف للأنصار على الماء فكسع جهجاه سنانا فتثاورا ودعا جهجاه يا للمهاجرين ودعا سنان يا للأنصار فخرج رسول الله ص - فقال ما بال دعوى الجاهلية فلما أخبر بالقصة قال دعوها فإنها منتنة فقال عبد الله بن أبي أوقد فعلوها والله ما مثلنا ومثل جلابيب قريش إلا كما قال الأول سمن كلبك ياكلك وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم قال لمن معه من المنافقين إنما يقيم هؤلاء المهاجرون مع محمد بسبب معونتكم لهم لو قطعتم ذلك عنهم لفروا فسمعها منه زيد بن أرقم فأخبر النبي ص - بذلك فعاتب رسول الله عبد الله بن أبي عند رجال من الأنصار فبلغه ذلك فجاء وحلف ما قال ذلك وحلف معه قوم من المنافقين وكذبوا زيدا فصدقهم النبي ص - فبقي زيد في منزله لا يتصرف حيا من الناس فنزلت هذه السورة عند ذلك فبعث النبي ص - إلى زيد وقال له لقد صدقك الله يا زيد فخري عند ذلك عبد الله بن أبي ومقته الناس ولامه المؤمنون من قومه وقال له بعضم امض إلى رسول الله ص - واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأي وقال لهم لقد اشرتم علي بالإيمان فآمنت وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد فهذا قصص هذه السورة موجزا وقرأ نافع والمفضل عن عاصم لووا بتخفيف الواو وقرأ الباقون بتشديدها وقوله تعالى سواء عليهم استغفرت لهم الآية روي أنه لما نزلت أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال رسول الله ص - لأزيدن على السبعين وفي حديث آخر لو علمت أني لو زدت على السبعين لغفر لهم لزدت وفي هذا الحديث دليل على رفض دليل الخطاب فلما فعل ابن أبي وأصحابه ما فعلوا شدد الله عليهم في هذه الآية واعلم أنه لن يغفر لهم دون حد في الاستغفار وقوله تعالى هم الذين إشارة إلى أن ابن أبي ومن قال بقوله ثم سفه تعالى أحلامهم في أن ظنوا أن إنفاقهم وهو سبب رزق المهاجرين ونسوا أن جريان الرزق بيد الله تعالى إذا انسد باب انفتح غيره ثم اعلم تعالى أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين وفي ذلك وعيد وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي كان رجلا صالحا لما سمع الآية جاء إلى أبيه فقال له أنت والله يا أبت الذليل ورسول الله العزيز ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه وجرد السيف ومنعه الدخول وقال والله لا دخلت إلى منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله وعبد الله بن أبي في أذل حال وبلغ ذلك رسول الله ص - فبعث إليه أن خله يمضي إلى منزله فقال أما الآن فنعم وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله الآية الالهاء الاشتغال بملذ وشهوة وذكر الله هنا عام في الصلوات والتوحيد والدعاء وغير ذلك من مفروض ومندوب وكذلك قوله تعالى وانفقوا من ما رزقناكم عام في المفروض والمندوب قاله جماعة من المفسرين قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب عيوب النفس ومن عيوبها تضييع أوقاتها بالاشتغال بما لا يعني من أمور الدنيا والخوض فيها مع أهلها ومداواتها أن يعلم أن وقته أعز الأشياء فيشغله بأعز الأشياء وهو ذكر الله والمداومة على الطاعة ومطالبة الإخلاص من نفسه فإنه روي عن النبي ص - أنه قال من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه وقال الحسن بن منصور عليك بنفسك فإن لم تشغلها شغلتك انتهى وقوله لولا أخرتني إلى أجل قريب طلب للكرة والإمهال وسماه قريبا أنه بات وأيضا فإنما يتمنى ذلك ليقضي فيه العمل الصالح فقط وليس بتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته وقوله واكن من الصالحين ظاهره العموم وقال ابن عباس هو الحج وروى الترمذي عنه أنه قال ما من رجل لا يؤدي الزكاة ولا يحج إلا طلب الكرة عند موته قال الثعلبي قال ابن عباس إلى أجل قريب يريد مثل آجالنا في الدنيا انتهى وقرأ أبو عمرو وأكون وفي قوله تعالى ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها حض على المبادرة ومسابقة الأجل بالعمل الصالح تفسير سورة التغابن وهي مدنية وقال آخرون مكية إلا قوله عز و جل يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم إلى آخر السورة فإنه مدني بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن أي في أصل الخلقة وهذا يجري مع قول الملك يا رب اشقي أم سعيد الحديث وذلك في بطن أمه وقيل الآية تعديد نعم فقوله هو الذي خلقكم هذه نعمة إلايجاد ثم قال فمنكم كافر أي بهذه النعمة لجهله بالله ومنكم مؤمن بالله والإيمان به شكر لنعمته فالإشارة على هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد وهذا قول جماعة وقيل غير هذا وقوله تعالى خلق السموات والأرض بالحق أي لم يخلقها عبثا ولا لغير معنى وقوله تعالى فأحسن صوركم هو تعديد نعم والمراد الصورة الظاهرة وقيل المراد صورة الإنسان المعنوية من حيث هو إنسان مدرك عاقل والأول أجرى على لغة العرب وقوله تعالى ألم يأتكم جزم أصله يأتيكم والخطاب في هذه الآية لقريش ذكروا بما حل بعاد وثمود وغيرهم ممن سمعت قريش بأخبارهم ووبال الأمر مكروهه وما يسوء منه وقوله تعالى ذلك بأنه إشارة إلى ذوق الوبال وباقي الآية بين وقوله تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا يريد قريشا ثم هي بعد تعم كل كافر بالبعث ولا توجد زعم مستعملة في فصيح الكلام إلا عبارة عن الكذب أو قول انفرد به قائله وقوله سبحانه فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أننزلنا هذه الآية دعاء من الله وتبليغ وتحذير من يوم القيامة والنور القرءان ومعانيه ويوم الجمع هو يوم القيامة وهو يوم التغابن يغبن فيه المؤمنون الكافرين نحا هذا المنحى مجاهد وغيره وقوله تعالى مااصاب من مصيبة يحتمل أن يريد المصائب التي هي رزايا ويحتمل أن يريد جميع الحوادث من خير وشر والكل بإذن الله والإذن هنا عبارة عن العلم والإرادة وتمكين الوقوع وقوله سبحانه ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال فيه المفسرون المعنى ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره وعلمه هانت عليه مصيبته وسلم لأمر الله تعالى وقوله تعالى فإن توليتم إلى آخر الآية وعيد وتبرئة للنبي ص - وقوله يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم إلى آخر السورة قرءان مدني واختلف في سببه فقال عطاء بن أبي رباح أنه نزل في عوف بن مالك الأشجعي وذكل أنه أراد غزوا مع النبي ص - فاجتمع أهله وأولاده وتشكوا إليه فراقه فرق لهم فثبطوه ولم يغز ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم فنزلت الآية بسببه محذرة من الأزواج والأولاد وفتنتهم ثم صرف تعالى عن معاقبتهم بقوله وإن تعفوا وتصفحوا وقال بعض المفسرين سبب الآية إن قوما آمنوا وثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة فلم يهاجروا إلا بعد مدة فوجدوا غيرهم قد تفقه في الدين فندموا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم ثم أخبر تعالى أن الأموال والأولاد فتنة تشغل المرء عن مراشده وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في آخرته ومنه قوله ص - الولد مبخلة مجينة وخرج أبو داود حديثا في مصنفه أن رسول الله ص - كان يخطب يوم الجمعة على المنبر حتى جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يجرانهما يعثران ويقومان فنزل رسول الله ص - عن المنبر حتى أخذهما وصعد بهما ثم قرأ إنما أموالكم وأولادكم فتنة الآية وقال أني رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في خطبته قال ع وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء فأما فتنة الجهال الفسقة فمؤدية إلى كل فعل مهلك وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي ذر قال انتهيت إلى النبي ص - وهو يقول هم الأخسرون ورب الكعبة هم الأخسرون ورب الكعبة قلت ما شأني أيرى في شيئا فجلست وهو يقول فما استطعت أن أسكت وتغشاني ما شاء الله فقلت من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال هم الأكثرون مالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا وفي رواية أن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وأشار ابن شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم انتهى واللفظ للبخاري وقوله سبحانه فاتقوا الله ما استطعتم تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى اتوقوا الله حق تقاته أو ليست بناسخة بل هي مبينة لها وإن المعنى اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم وهذا هو الصحيح قال الثعلبي قال الربيع بن أنس ما استطعتم أي جهدكم وقيل معناه إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد واسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون به انتهى وقوله سبحانه ومن يوق شح نفسه تقدم الكلام عليه وأسند أبو بكر بن الخطيب من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ص - قال السخاء شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار وأغصانها في الأرض فمن كان شحيحا أخذ بغصن من اغصانها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار انتهى وباقي الآية بين تفسير سورة الطلاق وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء أي إذا أردتم طلاقهن قاله الثعلبي وغيره فطلقوهن لعدتهن وطلاق النساء حل عصمتهن وصورة ذلك وتنويعه مما لا يختص بالتفسير ومعنى فطلقوهن لعدتهن أي لاستقبال عدتهن وعبارة الثعلبي أي لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن وهو طهر لم يجامعها فيه انتهى قال ع ومعنى الآية أن لا يطلق أحد امرأته إلا في طهر لم يمسها فيه هذا على مذهب مالك ومن قاله بقوله القائلين بأن الإقراء عندهم هي الإطهار فيطلق عندهم المطلق في طهر لم يمس فيه وتعتد به المرأة ثم تحيض حيضتين تعتد بالطهر الذي بينهما ثم تقيم في الطهر الثالث معتدة به فإذا رأت أول الحيضة الثالثة حلت ومن قال بأن الإقراء الحيض وهم العراقيون قال لعدتهن معناه أن يطلق طاهرا فتسقبل بثلاث حيض كوامل فإذا رأت الطهر بعد الثالثة حلت والأصل في منع طلاق الحائض حديث ابن عمر ثم أمر تعالى بإحصاء العدة لما يلحق ذلك من أحكام الرجعة والسكن والميراث وغير ذلك وعبارة الثعلبي وأحصوا العدة أي احفظوا عدد قروءها الثلاثة ونحوه تفسير ابن العربي قال قوله تعالى وأحصوا العدة معناه احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق لما يترتب على ذلك من الأحكام انتهى من أحكامه ثم أخبر تعالى بأنهن أحق بسكنى بيوتهن التي طلقن فيها فنهى سبحانه عن إخراجهن وعن خروجهن وسنة ذلك ألا تبيت عن بيتها ولا تغيب عنه نهارا إلا في ضرورة وما لا خطب له من جائز التصرف وذلك لحفظ النسب والتحرز بالنساء واختلفت في معنى قوله تعالى إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فقال الحسن وغيره ذلك الزنا فيخرجن للحد وقال ابن عباس ذلك البذاء على الإحماء فتخرج ويسقط حقها من المسكن وتلزم الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب وفي مصحف أبي إلا أن يفحشن عليكم وعبارة الثعلبي عن ابن عباس إلا أن تبذو على أهلها فيحل لهم إخراجها انتهى وهو معنى ما تقدم وقرأ الجمهور مبينة بكسر الياء تقول بأن الشيء وبين بمعنى واحد إلا أن التضعيف للمبالغة وقرأ عاصم مبينة بفتح الياء وقوله سبحانه وتلك حدود الله إشارة إلى جميع أوامره في هذه الآية وقوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قال قتادة وغيره يريد به الرجعة أي احصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به تجدوا المخلص إن ندمتم فإنكم لا تدرون لعل الرجعة تكون بعد وقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن يريد به أخر القروء فأمسكوهن بمعروف وهو حسن العشرة أو فارقوهن بمعروف وهو أداء جميع الحقوق والوفاء بالشروط حسب نازلة نازلة وعبارة الثعلبي فإذا بلغن أجلهن أي أشرفن على انقضاء عدتهن انتهى وهو حسن وقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم يريد على الرجعة وذلك شرط في صحة الرجعة وتمنع المرأة الزوج من نفسها حتى يشهد وقال ابن عباس على الرجعة والطلاق معا قال النخعي العدل من لم تظهر منه ريبة والعدل حقيقة الذي لا يخاف إلا الله وقوله سبحانه وأقيموا الشهادة لله أمر للشهود وقوله ذلكم يوعظ به إشارة إلى إقامة الشهادة وذلك أن فصول الأحكام تدور على إقامة الشهادة وقوله سبحانه ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب قال بعض رواة الآثار نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي أسر ولده وقدر عليه رزقه فشكا ذلك إلى النبي ص - فأمره بالتقوى فلم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيع غنم للقوم الذين أسروه فسأل عفو النبي ص - أتطيب له تلك الغنم فقال نعم فقال أبو عمر ابن عبد البر قال النبي ص - أبى الله عز و جل أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون وقال عليه السلام لابن مسعود لا يكثر همك يا عبد الله ما يقدر يكن وما ترزق يأتيك وعنه ص - استنزلوا الرزق بالصدقة انهتى من كتابه المسمى ببهجة المجالس وأنس المجالس وقوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه هذه الآيات كلها عظة لجميع الناس ومعنى حسبه كافيه وقال ابن مسعود أكثر هذه الآيات حضا على التفويض لله وقوله تعالى إن الله بالغ أمره بيان وحض على التوكل أي لا بد من نفوذ أمر الله توكلت أيها المرء أو لم تتوكل قاله مسروق فإن توكلت على الله كفاك وتعجلت الراحة والبركة وإن لم تتوكل وكلك إلى عجزك وتسخطك وأمره سبحانه في الوجهين نافذ وقوله سبحانه واللائي يئسن من المحيض من نسائكم الآية اللائي جميع التي واليائسات من المحيض على مراتب محل بسطها كتب الفقه وروى إسماعيل بن خالد أن قوما منهم أبي بن كعب وخلاد بن النعمان لما سمعوا قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء قالوا يا رسول الله فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر فنزلت هذه الآية فقال قائل منهم فما عدة الحامل فنزلت وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وهو لفظ يعم الحوامل المطلقات والمعتدات من الوفاة والارتياب المذكور قيل هو بأمر الحمل وقوله سبحانه أسكنوهن من حيث سكنتم الآية أمر بإسكان المطلقات ولا خلاف في ذلك في التي لم تبت وأما المبتوتة فمالك يرى لها السكنى لمكان حفظ النسب ولا يرى لها نفقة لأن النفقة بإزاء الاستمتاع وقال الثعلبي من حيث سكنتم أي في مساكنكم التي طلقتموهن فيها انتهى والوجد السعة في المال وأما الحامل فلا خلاف في وجوب سكناها ونفقتها بتت أو لم تبت لأنها مبينة في الآية وإنا اختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها هل ينفق عليها من التركة أم لا وكذلك النفقة على المرضع المطلقة واجبة وبسط ذلك في كتب الفقه وقوله سبحانه واتمروا بينكم بمعروف أي ليأمر كل واحد صاحبه بخير وليقبل كل أحد ما أمر به من المعروف وقوله سبحانه وإن تعاسرتم أي تشططت المرأة في الحد الذي يكون أجره على الرضاع فللزوج أن يسترضع بما فيه رفقة إلا أن لا يقبل المولود غير أمه فتجبر هي حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج في حالهما وغناهما ت وهذا كله في المطلقة البائن قال ابن عبد السلام من أصحابنا الضمير في قوله تعالى فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن عائد على المطلقات وكذلك قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن وأما ذات الزوج أو الرجعية فيجب عليها أن ترضع من غير أجر إلا أن تكون شريفة فلا يلزمها ذلك انتهى وقوله سبحانه لينفق ذو سعة من سعته الآية عدل بين الأزواج ليلا تضيع هي ولا يكلف هو ما لايطيق ثم رجى تعالى باليسر تسهيلا على النفوس وتطييبا لها وقوله سبحانه وكأين قال الثعلبي وكأين أي وكم من قرية عتت أي عصت وقوله فحاسبناها قال ع قال بعض المتأولين الآية في أحوال الآخرة أي ثم هو الحساب والتعذيب والذوق وخسارة العاقبة وقال آخرون ذلك في الدنيا ومعنى حاسبناها حسابا شديدا أي لم تغتفر لهم زلة بل أخذت بالدقائق من الذنوب ثم ندب تعالى أولي الألباب إلى التقوى تحذيرا وقوله تعالى قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا اختلف في تقديره وأبين الأقوال فيه معنى أن يكون الذكر القرآن والرسول محمدا ص - والمعنى وأرسل رسولا لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول ونحا هذا المنحى السدي وسائر الآية بين وقوله سبحانه الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن لا خلاف بين العلماء أن السماوات سبع وأما الأرض فالجمهور على أنها سبع أرضين وهو ظاهر هذه الآية وإنما المماثلة في العدد ويبينه قوله ص - في الحديث الصحيح من غصب شبرا من أرض طوقه الله من سبع أرضين إلى غير هذا مما وردت به الروايات وروي عن قوم من العلماء أنهم قالوا الأرض واحدة وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جرمها وفي أن فيها عالما يعبد الله وقوله سبحانه يتنزل الأمر بينهن الأمر هنا يعمم الوحي وجميع ما يأمر به سبحانه من تصريف الرياح نوالسحاب وغير ذلك من عجائب صنعه لا إله غيره وباقي السورة وعظ وحض على توحيد الله عز و جل وقوله على كل شيء قدير عموم معناه الخصوص في المقدورات وقوله بكل شيء علما عموم على إطلاقه تفسير سورة التحريم وهي مدنية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية وفي الحديث من طرق ما معناه أن النبي ص - جاء إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت لزيارة أبيها فدعا ص - جاريته مارية فقال معها فجاءت حفصة وقالت يا نبي الله أفي بيتي وعلى فراشي فقال لها ص - مترضيا لها أيرضيك أن أحرمها قالت نعم فقال إني قد حرمتها قال ابن عباس وقال مع ذلك والله لا أطأها أبدا ثم قال لها لا تخبري بهذا أحدا ثم أن حفصة قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة وأخبرتها لتسرها بالأمر ولم تر في إفشائه إليها حرجا واستكتمتها فأوحى الله بذلك إلى نبيه ونزلت الآية وفي حديث آخر عن عائشة أن هذا التحريم المذكور في الآية إنما هو بسبب العسل الذي شربه ص - عند زينب بنت جحش فتمالأن عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له من دنا منها إنا نجد منك ريح مغافير أأكلت مغافير يا رسول الله والمغافير صمغ العرفط وهو حلو كريه الرائحة ففعلن ذلك فقال رسول الله ما أكلت مغافير ولكني شربت عسلا فقلن له جرست نحلة العرفط فقال ص - لا أشربه أبدا وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة فدخل بعد ذلك على زينب فقالت ألا أسقيك من ذلك العسل فقال لا حاجة لي به قالت عائشة تقول سودة حين بلغنا امتناعه والله لقد حرمناه فقلت لها اسكتي قال ع والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح وعليه تفقه الناس في الآية ومتى حرم الرجل مالا أو جارية فليس تحريمه بشيء ت والحديث الثاني هو الصحيح خرجه البخاري ومسلم وغيرهما ودعا الله تعالى نبيه باسم النبوءة الذي هو دال على شرف منزلته وفضيلته التي خصه بها وقرره تعالى كالمعاتب له على تحريمه على نفسه ما أحل الله له ثم غفر له تعالى ما عاتبه فيه ورحمه وقوله تعالى قد فرض الله أي بين وأثبت فقال قوم من أهل العلم هذه إشارة إلى تكفير التحريم وقال آخرون هي إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم والتحلة مصدر وزنها تفعلة وأدغم لاجتماع المثلين وأحال في هذه الآية على الآية التي فسر فيها الإطعام في كفارة اليمين بالله تعالى والمولى الموالي الناصر وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه يعني حفصة حديثا قال الجمهور الحديث هو قوله في أمر مارية وقال آخرون بل هو قوله إنما شربت عسلا وقوله تعالى عرف بعضه المعنى مع شد الراء أعلم به وانب عليه وأعرض عن بعض أي تكرما وحياء وحسن عشرة قال الحسن ما استقصى كريم قط والمخاطبة بقوله إن تتوبا إلى الله هي لحفصة وعائشة وفي حديث البخاري وغيره عن ابن عباس قال قلت لعمر من اللتان تظاهرتا على رسول الله ص - قال حفصة وعائشة وقوله صغت قلوبكما معناه مالت والصغي الميل ومنه أصغى إليه بأذنه وأصغى الإناء وفي قراءة ابن مسعود فقد زاغت قلوبكما والزيغ الميل وعرفه في خلاف الحق وجمع القلوب من حيث الاثنان جمع ص قلوبكما القياس فيه قلباكما مثنى والجمع أكثر استعمالا وحسنه إضافته إلى مثنى وهو ضميرهما لأنهم كرهوا اجتماع تثنيتين انتهى ومعنى الآية إن تبتما فقد كان منكما ما ينبغي أن يتاب منه وهذا الجواب الذي للشرط هو متقدم في المعنى وإنما ترتب جوابا في اللفظ وإن تظاهرا معناه تتعاونا وأصل تظاهرا تتظاهرا ومولاه أي ناصره وجبريل وما بعده يحتمل أن يكون عطفا على اسم الله ويحتمل أن يكون جبريل رفعا بالابتداء وما بعده عطف عليه وظهير هو الخبر وخرج البخاري بسنده عن أنس قال قال عمر اجتمع نساء النبي ص - في الغيرة عليه فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت هذه الآية انتهى وقانتات معناه مطيعات والسائحات قيل معناه صائمات وقيل معناه مهاجرات وقيل معناه ذاهبات في طاعة الله وشبه الصائم بالسائح من حيث ينهمل السائح ولا ينظر في زاد ولا مطعم وكذلك الصائم يمسك عن ذلك فيستوي هو والسائح في الامتناع وشظف العيش لفقد الطعام وقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا الآية قوا معناه اجعلوا وقاية بينكم وبين النار وقوله وأهليكم معناه بالوصية لهم والتقويم والحمل على طاعة الله وفي الحديث رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم ت وفي العتبية عن مالك أن النبي ص - قال إن الله أذن لي أن أتحدث عن ملك من الملائكة إن ما بين شحمة أذنه وعاتقه لمخفق الطير سبعين عاما انتهى وباقي الآية في غاية الوضوح نجانا الله من عذابه بفضله والتوبة فرض على كل مسلم وهي الندم على فارط المعصية والعزم على ترك مثلها في المستقبل هذا من المتمكن وأما غير المتمكن كالمجبوب في الزنا فالندم وحده يكفيه والتوبة عبادة كالصلاة وغيرها فإذا تاب العبد وحصلت توبته بشروطها وقبلت ثم عاود الذنب فتوبته الأولى لا تفسدها عودة بل هي كسائر ما تحصل من العبادات والنصوح بناء مبالغة من النصح أي توبة نصحت صاحبها وأرشدته وعن عمر التوبة النصوح هي أن يتوب ثم لا يعود ولا يريد أن يعود وقال أبو بكر الوراق هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت كتوبة الذين خلفوا وروي في ذلك معنى قوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي أن النبي ص - تضرع مرة إلى الله عز و جل في أمر أمته فأوحى الله إليه إن شئت جعلت حسابهم إليك فقال يا رب أنت أرحم بهم فقال الله تعالى إذن لا أخزيك فيهم وقوله تعالى والذين آمنوا معه يحتمل أن يكون معطوفا على النبي فيخرج المؤمنون من الخزي ويحتمل أن يكون مبتدأ ونورهم يسعى جملة هي خبره وقولهم اتمم لنا نورنا قال الحسن بن أبي الحسن هو عندما يرون من انطفاء نور المنافقين حسبما تقدم تفسيره وقيل يقوله من أعطي من النور بقدر ما يرى موضع قدميه فقط وباقي الآية بين مما تقدم في غير هذا الموضع وقوله سبحانه ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح الآية هذان المثلان اللذان للكفار والمؤمنين معناهما أن من لا كفر لا يغني عنه من الله شيء ولا ينفعه سبب وإن من آمن لا يدفعه عن رضوان الله دافع ولو كان في أسوأ منشأ وأخس حال وقول من قال إن في المثلين عبرة لأزواج النبي ص - بعيد قال ابن عباس وغيره خانتاهما أي في الكفر وفي أن امرأة نوح كانت تقول للناس إنه مجنون وأن امرأة لوط كانت تنم إلى قومها خبر أضيافه قال ابن عباس وما بغت زوجة نبي قط وامرأة فرعون اسمها آسية وقولها وعمله تعني كفره وما هو عليه من الضلالة وقوله التي أحصنت فرجها الجمهور أنه فرج الدرع وقال قوم هو الفرج الجارحة وإحصانه صونه وقوله سبحانه فنفخنا فيه عبارة عن فعل جبريل ت وقد عكس رحمه الله نقل ما نسبه للجمهور في سورة الأنبياء فقال المعنى واذكر التي أحصنت فرجها وهو الجارحة المعروفة هذا قول الجمهور انظر بقية الكلام هناك وقوله سبحانه من روحنا إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك كما تقول بيت الله وناقة الله كذلك الروح الجنس كله هو روح الله وقرأ الجمهور وصدقت بكلمات ربها بالجمع فيقوى أن يريد التوراة ويحتمل أن يريد أمر عيسى وقرأ الجحدري بكلمة فيقوى أن يريد أمر عيسى ويحتمل أن يريد التوراة فتكون الكلمة اسم جنس وقرأ نافع وغيره وكتابه وقرأ أبو عمرو وغيره وكتبه بضم التاء والجمع وذلك كله مراد به التوراة والإنجيل قال الثعلبي واختار أبو حاتم قراءة أبي عمرو بالجمع لعمومها واختار أبو عبيدة قراءة الإفراد لأن الكتاب يراد به الجنس انتهى وهو حسن وكانت من القانتين أي من القوم القانتين وهم المطيعون العابدون وقد تقدم بيانه تفسير سورة الملك وهي مكية بإجماع وكان النبي ص - يقرأها عند أخذ مضجعه رواه جماعة مرفوعا وروي أنها تنجي من عذاب القبر تجادل عن صاحبها حتى لا يعذب وروى ابن عباس أن النبي ص - قال وددت أن سورة تبارك الذي بيده الملك في قلب كل مؤمن ت وقد خرج مالك في الموطأ أنها تجادل عن صاحبها وخرج أبو داود والترمذي والنسائي وأبو الحسن بن صخر وأبو ذر الهروي وغيرهم أحاديث في فضل هذه السورة نحو ما تقدم ولولا ما قصدته من الاختصار لنقلتها هنا ولكن خشية الإطالة منعتني من جلب كثير من الآثار الصحيحة في هذا المختصر وانظر الغافقي فقد استوفى نقل الآثار في فضل هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى تبارك الذي بيده الملك تبارك من البركة وهي التزايد في الخيرات الثعلبي تبارك الذي بيده الملك أي تعالى وتعاظم وقال الحسن تقدس الذي بيده الملك في الدنيا والآخرة وقال ابن عباس بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء انتهى وقوله سبحانه الذي خلق الموت والحياة الآية الموت والحياة معنيان يتعاقبان جسم الحيوان يرتفع أحدهما بحلول الآخر وما جاء في الحديث الصحيح من قوله عليه السلام يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح على الصراط الحديث فقال أهل العلم إنما ذلك تمثال كبش يوقع الله العلم الضروري لأهل الدارين أنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا ويكون ذلك التمثال حاملا للموت لا على أنه يحل الموت فيه فتذهب عنه حياة ثم يقرن الله تعالى في ذلك التمثال إعدام الموت وقوله سبحانه ليبلوكم أي جعل لكم هاتين الحالتين ليبلوكم أي ليختبركم في حال الحياة ويجازيكم بعد الممات وقال أبو قتادة ونحوه عن ابن عمر قلت يا رسول الله ما معنى قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا فقال يقول أيكم أحسن عقلا وأشدكم لله خوفا وأحسنكم في أمره ونهيه نظرا وإن كانوا أقلكم تطوعا وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن أيكم أحسن عملا أزهدكم في الدنيا قال القرطبي وقال السدي أحسنكم عملا أي أكثركم للموت ذكرا وله أحسن استعدادا ومنه أشد خوفا وحذرا انتهى من التذكرة ولله در القائل ... وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى ... عن الشغل باللذات للمرء زاجر ... ... أبعد اقتراب الأربعين تربص ... وشيب فذاك منذر لك ذاعر ... ... فكم في بطون الأرض بعد ظهورها ... محاسنهم فيها بوال دوائر ... ... وأنت على الدنيا مكب منافس ... لخطابها فيها حريص مكاثر ... ... على خطر تمسي وتصبح لاهيا ... أتدري بما إذا لو عقلت تخاطر ... ... وإن امرأ يسعى لدنياه جاهدا ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر ... ... كأنك مغتر بما أنت صائر ... لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر ... ... فجد ولا تغفل فعيشك زائل ... وأنت إلى دار المنية صائر ... ... ولا تطلب الدنيا فإن طلابها ... وإن نلت منها ثروة لك ضائر وكيف يلذ العيش من هو موقن ... بموقف عدل يوم تبلى السرائر ... ... لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت ... لعزة ذي العرش الملوك الجبابر ... انتهى وطباقا قال الزجاج هو مصدر وقيل جمعه طبقة أو جمع طبق والمعنى بعضها فوق بعض وقال أبان بن ثعلب سمعت أعرابيا يذم رجلا فقال شره طباق وخيره غير باق وما ذكره بعض المفسرين في السموات من أن بعضها من ذهب وفضة وياقوت ونحو هذا ضعيف لم يثبت بذلك حديث وقوله سبحانه ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت معناه من قلة تناسب ومن خروج عن إتقان قال بعض العلماء خلق الرحمن معني به السماوات وإياها أراد بقوله هل ترى من فطور وبقوله ينقلب إليك البصر الآية وقال آخرون بل يعني به جميع ما خلق سبحانه من الأشياء فإنها لا تفاوت فيها ولا فطور جارية على غير إتقان قال منذر بن سعيد أمر الله تعالى بالنظر إلى السماء وخلقها ثم أمر بتكرير النظر وكذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر ليرى فيها خللا أو نقصا فإن بصره ينقلب خاسئا حسيرا ورجع البصر ترديده في الشيء المبصر وكرتين معناه مرتين والخاسئ المبعد عن شيء أراده وحرص عليه ومنه قوله تعالى اخسئوا فيها وكذلك البصر يحرص على رؤية فطور أو تفاوت فلا يجد ذلك فينقلب خاسئا والحسير العيي الكال وقوله تعالى بمصابيح يعني النجوم قال الفخر ومعنى السماء الدنيا أي القريبة من الناس وليس في هذه الآية ما يدل على أن الكواكب مركوزة في السماء الدنيا وذلك لأن السماوات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سماوات أخرى فوقها فهي لا بد أن تظهر في السماء وتلوح فيها فعلى كلا التقديرين فالسماء الدنيا مزينة بها انتهى وقوله وجعلناها معناه وجعلنا منها ويوجب هذا التأويل في الآية أن الكواكب الثابتة والبروج وكل ما يهتدى به في البر والبحر ليست براجمة وهذا نص في حديث السير قال الثعلبي رجوما للشياطين يرجمون بها إذا استرقوا السمع فلا تخطئهم فمنهم من يقتل ومنهم من يبخل انتهى وقوله تعالى وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم قال ع تضمنت الآية أن عذاب جهنم للكفار المخلدين وقد جاء في الأثر أنه يمر على جهنم زمان تخفق أبوابها قد أخلتها الشفاعة والذي يقال في هذا أن جهنم اسم تختص به الطبقة العليا من النار ثم قد تسمى الطبقات كلها باسم بعضها فالتي في الأثر هي الطبقة العليا لأنها مقر العصاة من المؤمنين والتي في هذه الآية هي جهنم بأسرها أي جميع الطبقات والشهيق أقبح ما يكون من صوت الحمار فاشتعال النار وغليانها يصوت مثل ذلك وقوله تكاد تميز أي يزايل بعضها بعضا لشدة الاضطراب ومن الغيظ معناه على الكفرة بالله والفوج الفريق من الناس وظاهر الآية أنه لا يلقى في جهنم أحد إلا سئل على جهة التوبيخ وقوله سبحانه إن أنتم إلا في ضلال كبير يحتمل أن يكون من قول الملائكة ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفار للنذر قال الفخر وقوله تعالى عنهم لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير قيل إنما جمعوا بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل انتهى وقوله سبحانه الذين يخشون ربهم بالغيب يحتمل معنيين أحدهما بالغيب الذي أخبروا به من النشر والحشر والجنة والنار فآمنوا بذلك وخشوا ربهم فيه ونحا إلى هذا قتادة والمعنى الثاني أنهم يخشون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس أي في خلواتهم في صلاتهم وعباداتهم وقوله تعالى وأسروا قولكم الآية خطاب لجميع الخلق وذلولا بمعنى مذلولة ومناكبها قال مجاهد هي الطرق والفجاج وقال البخاري مناكبها جوانبها قال الغزالي رحمه الله جعل الله سبحانه الأرض ذلولا لعباده لا ليستقروا في مناكبها بل ليتخذوها منزلا فيتزودون منها محترزين من مصائدها ومعاطبها ويتحققون أن العمر يسير بهم سير السفينة براكبها فالناس في هذا العالم سفر وأول منازلهم المهد وآخرها اللحد والوطن هو الجنة أو النار والعمر مسافة السفر فسنوه مراحله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطواته وطاعته بضاعته وأوقاته رؤوس أمواله وشهواته وأغراضه قطاع طريقه وربحه الفوز بلقاء الله عز و جل في دار السلام مع الملك الكبير والنعيم المقيم وخسرانه البعد من الله عز و جل مع الأنكال والأغلال والعذاب الأليم في دركات الجحيم فالغافل عن نفس واحد من أنفاسه حتى ينقضي في غير طاعة تقربه إلى الله تعالى زلفى متعرض في يوم التغابن لغبينة وحسرة مالها منتهى ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد ودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا العمر فعمروها بالطاعات بحسب تكرر الأوقات انتهى قال الشيخ أبو مدين رحمه الله عمرك نفس واحد فاحرص من أن يكون لك لا عليك انتهى والله الموفق بفضله والنشور الحياة بعد الموت وتمور معناه تذهب وتجيء كما يذهب التراب الموار في الريح والحاصب البرد وما جرى مجراه والنكير مصدر بمعنى الإنكار والنذير كذلك ومنه قول حسان بن ثابت ... فأنذر مثلها نصحا قريشا ... من الرحمن إن قبلت نذيري ... ثم أحال سبحانه على العبرة في أمر الطير وما أحكم من خلفتها وذلك بين عجز الأصنام والأوثان عنه وصافات جمع صافة وهي التي تبسط جناحها وتصفه وقبض الجناح ضمه إلى الجنب وهاتان حالتان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى وقوله سبحانه أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه هذا أيضا توقيف على أمر لا مدخل للأصنام فيه وقوله سبحانه أفمن يمشي مكبا على وجهه قال ابن عباس والضحاك ومجاهد نزلت مثلا للمؤمنين والكافرين على العموم وقال قتادة نزلت مخبرة عن حال القيامة وأن الكفار يمشون على وجوههم والمؤمنين يمشون على استقامة كما جاء في الحديث ويقال أكب الرجل إذا در وجهه إلى الأرض وكبه غيره قال عليه السلام وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم فهذا الفعل على خلاف القاعدة المعلومة لأن أفعل هنا لا يتعدى وفعل يتعدى ونظيره قشعت الريح السحاب فانقشع وقال ص مكبا حال وهو من اكب غير متعد وكب متعد قال تعالى فكبت وجوههم في النار والهمزة فيه للدخول في الشيء أو للصيرورة ومطاوع كب انكب تقول كببته فانكب قال بعض الناس ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا انتهى وأهدى في هذه الآية أفعل تفضيل من الهدى وقوله تعالى ويقولون متى هذا الوعد يريدون أمر القيامة والعذاب المتوعد به ثم أمر سبحانه نبيه عليه السلام أن يخبرهم بأن علم القيامة والوعد الصدق مما تفرد الله سبحانه بعلمه وقوله سبحانه فلما رأوه الضمير للعذاب الذي تضمنه الوعد وهذه حكاية حال تأتي والمعنى فإذا رأوه وزلفة معناه قريبا قال الحسن عيانا وسيئت وجوه الذين كفروا معناه ظهر فيها السوء وتدعون معناه تتداعون أمره بينكم وقال الحسن تدعون أنه لا جنة ولا نار وروي في تأويل قوله تعالى قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي الآية أنهم كانوا يدعون على محمد ص - وأصحابه بالهلاك فقال الله تعالى لنبيه قل لهم أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجيركم من العذاب الذي يوجبه كفركم ثم وقفهم سبحانه على مياههم التي يعيشون منها إن غارت أي ذهبت في الأرض من يجيئهم بماء كثير كاف ص والغور مصدر بمعنى الغائر انتهى والمعين فعيل من معن الماء إذا كثر وقال ابن عباس معين عذب تفسير سورة القلم وهي مكية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل ن والقلم وما يسطرون ن حرف مقطع في قول الجمهور فيدخله من الاختلاف ما يدخل أوائل السور ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال مجاهد وابن عباس ن اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما يروي وقال ابن عباس أيضا وغيره ن اسم الدواة فمن قال بأنه اسم الحوت جعل القلم القلم الذي خلقه الله وأمره بكتب الكائنات وجعل الضمير في يسطرون للملائكة ومن قال بأن ن اسم للدواة جعل القلم هذا القلم المتعارف بأيدي الناس نصا على ذلك ابن عباس وجعل الضمير في يسطرون للناس فجاء القسم على هذا بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة فإن القلم أخو اللسان وعضد الإنسان ومطية الفطنة ونعمة من الله عامة وروى معاوية بن قرة أن النبي ص - قال ن لوح من نور وقال ابن عباس أيضا وغيره ن هو حرف من حروف الرحمن وقالوا إنه تقطع في القرآن الروحم ون ويسطرون معناه يكتبون سطورا فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به وإن أراد بني آدم فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها قال ابن العربي في أحكامه روى الوليد بن مسلم عن مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ص - يقول أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة وذلك قوله ن والقلم ثم قال له اكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة قال ثم ختم العمل فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ثم خلق العقل فقال الجبار ما خلقت خلقا أعجب إلي منك وعزتي لأكلمنك فيمن أجبت ولا نقصنك فيمن أبغضت قال ثم قال رسول الله ص - أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعملهم بطاعته انتهى ت وهذا الحديث هو الذي يعول عليه في تفسير الآية لصحته والله سبحانه أعلم وقوله تعالى ما أنت بنعمة ربك بمجنون وهو جواب القسم وما هنا عاملة لها اسم وخبر وكذلك هي متى دخلت الباء في الخبر وقوله بنعمة ربك اعتراض كما تقول لإنسان أنت بحمد لله فاضل وسبب الآية هو ما كان من قريش في رميهم النبي ص - بالجنون فنفى الله تعالى ذلك عنه وأخبره بأن له الأجر وأنه على الخلق العظيم تشريفا له ومدحا واختلف في معنى ممنون فقال أكثر المفسرين هو الواهن المنقطع يقال حبل منين أي ضعيف وقال آخرون معناه غير ممنون عليك أي لا يكدره من به وفي الصحيح سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ص - فقالت كان خلقه القرآن وقال الجنيد سمي خلقه عظيما إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق وفي وصية بعض الحكماء عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق وحسن الخلق خير كله وقال عليه السلام إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار وجاء في حسن الخلق آثار كثيرة منعنا من جلبها خشية الإطالة وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال سئل رسول الله ص - ما يدخل الناس الجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج قال أبو عيسى هذا حديث صحيح غريب انتهى وروى الترمذي عن أبي الدرداء أن النبي ص - قال ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذي قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى قال أبو عمر في التمهيد قال الله عز و جل لنبيه ص - وإنك لعلى خلق عظيم قال المفسرون كان خلقه ما قال الله سبحانه خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين انتهى وقوله تعالى فستبصر أي أنت وأمتك ويبصرون أي هم بأيكم المفتون قال الأخفش والعامل في الجملة المستفهم عنها الأبصار وأما الباء فقال أبو عبيدة معمة وقتادة هي زائدة والمعنى أيكم المفتون قال الثعلبي المفتون المجنون الذي فتنه الشيطان انتهى وقوله تعالى فلا تطع المكذبين يعني قريشا وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي ص - لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمنا وودوا أن يداهنهم النبي ص - ويميل إلى ما قالوا فيميلوا هم أيضا إلى قوله ودينه والإدهان الملاينة فيما لا يحل والمداراة الملاينة فيما يحل وقوله فيدهنون معطوف وليس بجواب لأنه لو كان لنصب والحلاف المردد لحلفه الذي قد كثر منه والمهين الضعيف الرأي والعقل قاله مجاهد وقال ابن عباس المهين الكذاب والهماز الذي يقع في الناس بلسانه قال منذر بن سعيد وبعينه وإشارته والنميم مصدر كالنميمة وهو نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ببهجة المجالس قال النبي ص - من كف عن أعراض المسلمين لسانه أقاله الله يوم القيامة عثرته وقال عليه السلام شراركم أيها الناس المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون لأهل البر العثرات انتهى وروى حذيفة أن النبي ص - قال لا يدخل الجنة قتات وهو النمام وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه وقالت طائفة بل نزلت في معين واختلفوا فيه فقال بعضهم هو الوليد بن المغيرة وقيل هو الأخنس بن شريق ويؤيد ذلك أنه كانت له زنمة في حلقه كزنمة الشاة وأيضا فكان من ثقيف ملصقا في قريش وقيل هو أبو جهل وقيل هو الأسود بن عبد يغوث قال ع وظاهر اللفظ عموم من اتصف بهذه الصفات والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمان لا سيما لولاة الأمور وقوله تعالى مناع للخير قال كثير من المفسرين الخير هنا المال فوصفه بالشح وقال آخرون بل هو على عمومه في الأموال والأعمال الصالحات والمعتدى المتجاوز لحدود الأشياء والإثم فعيل من الإثم والعتل القوي البنية الغليظ الأعضاء القاسي القلب البعيد الفهم الأكول الشروب الذي هو بالليل جيفة وبالنهار حمار وكل ما عبر به المفسرون عنه من خلال النقص فعن هذه التي ذكرت تصدر وقد ذكر النقاش أن النبي ص - فسر العتل بنحو هذا وهذه الصفات كثيرة التلازم والزنيم في كلام العرب الملصق في القوم وليس منهم ومنه قول حسان ... وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد ... فقال كثير من المفسرين هو الأخنس بن شريق وقال ابن عباس أراد بالزنيم أن له زنمة في عنقه وكان الأخنس بهذه الصفة وقيل الزنيم المريب القبيح الأفعال وقوله سنسمه على الخرطوم معناه على الأنف قال ابن عباس هو الضرب بالسيف في وجهه على أنفه وقد حل ذلك به يوم بدر وقيل ذلك الوسم هو في الآخرة وقال قتادة وغيره معناه سنفعل به في الدنيا من الذم له والمقت والاشتهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به فيكون ذلك كالوسم على الأنف وقوله سبحانه إنا بلوناهم يريد قريشا أي امتحناهم وأصحاب الجنة فيما ذكر كانوا إخوة وكان لأبيهم جنة وحرث يغتله فكان يمسك منه قوته ويتصدق على المساكين بباقية وقيل بل كان يحمل المساكين معه في وقت حصاده وجذه فيجديهم منه فمات الشيخ فقال ولده نحن جماعة وفعل أبينا كان خطأ فلنذهب إلى جنتنا ولا يدخلنها علينا مسكين ولا نعطى منها شيئا قال فبيتوا أمرهم وعزمهم فبعث الله عليهم طائفا من نار أو غير ذلك فاحترقت فقيل فأصبحت سوداء وقيل بيضاء كالزرع اليابس المحصود فلما أصبحوا إلى جنتهم لم يروها فحسبوا أنهم قد أخطئوا الطريق ثم تبينوها فعلموا أن الله أصابهم فيها فتابوا حينئذ وكانوا مؤمنين أهل كتاب فشبه الله قريشا بهم في أنه امتحنهم بالمصائب في دنياهم لعدم اتباعهم للنبي ص - ثم التوبة معرضة لمن بقي منهم وقوله تعالى ليصرمنها أي ليجذنها ومصبحين معناه داخلين في الصباح وقوله تعالى ولا يستثنون أي لا ينثبنون عن رأي منع المساكين وقال مجاهد معناه ولا يقولون إن شاء الله والصريم قال جماعة أراد به الليل من حيث اسودت جنتهم وقال ابن عباس الصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة وقولهم إن كنتم صارمين يحتمل أن يكون من صرام النخل ويحتمل أن يريد إن كنتم أهل عزم وإقدام على رأيكم من قولك سيف صارم ويتخافتون معناه يتكلمون كلاما خفيا وكان هذا التخافت خوفا من أن يشعر بهم المساكين وكان لفظهم الذي يتخافتون به أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وقوله على حرد يحتمل أن يريد على منع من قولهم حاردت الإبل إذا قلت ألبانها فمنعتها وحاردت السنة إذا كانت شهباء لا غلة لها ويحتمل أن يريد بالحرد الغضب يقال حرد الرجل حردا إذا غضب قال البخاري قال قتادة على حرد أي على جد في أنفسهم انتهى وقوله تعالى قادرين يحتمل أن يكون من القدرة أي قادرون في زعمهم ويحتمل أن يكون من التقدير الذي هو تضييق كأنهم قد قدروا على المساكين أي ضيقوا عليهم فلما رأوها أي محترقة قالوا إنا لضالون طريق جنتنا فلما تحققوها علموا أنها قد أصيبت فقالوا بل نحن محرومون أي قد حرمنا غلتها وبركتها فقال لهم اعدلهم قولا وعقلا وخلقا وهو الأوسط ألم أقل لكم لولا تسبحون قيل هي عبارة عن تعظيم الله والعمل بطاعته سبحانه فبادر القوم عند ذلك وتابوا وسبحوا واعترفوا بظلمهم في اعتقادهم منع الفقراء ولام بعضهم بعضا واعترفوا بأنهم طغوا أي تعدوا ما يلزم من مواساة المساكين ثم انصرفوا إلى رجاء الله سبحانه وانتظار الفضل من لدنه في أن يبدلهم بسبب توبتهم وإنابتهم خيرا من تلك الجنة قال الثعلبي قال ابن مسعود بلغني أن القوم لما أخلصوا وعلم الله صدقهم أبدلهم الله عز و جل بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل العنقود منها وعن أبي خالد اليماني أنه رأى تلك الجنة ورأى كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم انتهى وقدرة الله أعظم فلا يستغرب هذا إن صح سنده وقوله سبحانه كذلك العذاب أي كفعلنا بأهل الجنة نفعل بمن تعدى حدودنا ولعذاب الآخرة أكبر أي أعظم مما أصابهم إن لم يتوبوا في الدنيا ثم أخبر تعالى بأن للمتقين عند ربهم جنات النعيم فروي أنه لما نزلت هذه الآية قالت قريش إن كان ثم جنات نعيم فلنا فيها أكبر الحظ فنزلت أفنجعل المسلمين كالمجرمين الآية توبيخا لهم أم لكم كتاب منزل من عند الله تدرسون فيه أن لكم ما تختارون من النعيم فإن معمولة لتدرسون وكسرت الهمزة من أن لدخول اللام في الخبر وهي في معنى أن بفتح الألف وقرئ شاذان لكم بالفتح وقرأ الأعرج آن لكم فيه على الاستفهام ثم خاطب تعالى الكفار بقوله أم لكم أيمان علينا بالغة كأنه يقول هل أقسمنا لكم قسما فهو عهد لكم بأنا ننعمكم في يوم القيامة وما بعده وقرأ الأعرج آن لكم لما تحكمون على الاستفهام أيضا سلهم أيهم بذلك زعيم أي ضامن ت قال الهروي وقوله أيمان علينا بالغة أي موكدة انتهى وقوله تعالى فليأتوا بشركائهم قيل هو استدعاء وتوقيف في الدنيا أي ليحضروهم حتى يرى هل هم بحال من يضر وينفع أم لا وقيل هو استدعاء وتوقيف على أن يأتوا بهم يوم القيامة يوم يكشف عن ساق وقرأ ابن عباس تكشف بضم التاء على معنى تكشف القيامة والشدة الحال الحاضرة وقرأ ابن عباس أيضا تكشف بفتح التاء على أن القيامة هي الكاشفة وهذه القراءة مفسرة لقراءة الجماعة فما ورد في الحديث والآية من كشف الساق فهو عبارة عن شدة الهول وقوله جلت عظمته ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون وفي الحديث الصحيح فيخرون لله سجدا أجمعون ولا يبقى أحد كان يسجد في الدنيا رياء ولا سمعة ولا نفاقا إلا صار ظهره طبقا واحدا كلما أراد أن يسجد خر على قفاه الحديث وفي الحديث فيسجد كل مؤمن وترجع أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظما واحدا فلا يستطيعون سجود الحديث وقوله تعالى وقد كانوا يدعون إلى السجود يريد في دار الدنيا وهم سالمون مما نال عظام ظهورهم من الاتصال والعتو وقوله سبحاه فذرني ومن يكذب بهذا الحديث الآية وعيد وتهديد والحديث المشار إليه هو القرآن وباقي الآية بين مما ذكر في غير هذا الموضع ثم أمر الله تعالى نبيه بالصبر لحكمه وأن يمضي لما أمر به من التبليغ واحتمال الأذى والمشقة ونهى عن الضجر والعجلة التي وقع فيها يونس ص - ثم اقتضب القصة وذكر ما وقع في آخرها من ندائه من بطن الحوت وهو مكظوم أي وهو كاظم لحزنه وندمه وقال الثعلبي ونحوه في البخاري وهو مكظوم أي مملوء أي مملوء غما وكربا انتهى وهو أقرب إلى المعنى وقال النقاش المكظوم الذي أخذ بكظمه وهي مجاري القلب وقرأ ابن مسعود وغيره لولا أن تداركته نعمة والنعمة التي تداركته هي الصفح والاجتباء الذي سبق له عند الله عز و جل لنبذ بالعراء أي لطرح بالعراء وهو الفضاء الذي لا يوارى فيه جبل ولا شجر وقد نبذ يونس عليه السلام بالعراء ولكن غير مذموم وجاء في الحديث عن أسماء بنت عميس قالت علمني رسول الله ص - كلمات أقولهن عند الكرب أو في الكرب الله الله ربي لا أشرك به شيئا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء انتهى من السلاح ثم قال تعالى لنبيه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم المعنى يكادون من الغيظ والمداواة يزلقونه فيذهبون قدمه من مكانها ويسقطونه قال عياض وقد روي عن ابن عباس أنه قال كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون قال تعالى يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ولم يذهبها وأكاد أخفيها ولم يفعل انتهى ذكره إثر قوله تعالى وإن كادوا ليفتنونك وقرأ الجمهور ليزلقونك بضم الياء من أزلق ونافع بفتحها من زلقت الرجل وفي هذا المعنى قول الشاعر ... يتقارضون إذا التقوا في مجلس ... نظرا يزل مواطىء الأقدام ... وذهب قوم من المفسرين على أن المعنى يأخذونك بالعين وقال الحسن دواء من أصابته العين إن يقرأ هذه الآية والذكر في الآية القرآن تفسير سورة الحاقة وهي مكية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل الحاقة ما الحاقة المراد بالحاقة القيامة وهي اسم فاعل من حق الشيء يحق لأنها حقت لكل عامل عمله قال ابن عباس وغيره سميت القيامة حاقة أنها تهدي حقائق الأشياء والحاقة مبتدأ وما مبتدأ ثان والحاقة الثانية خبر ما والجملة خبر الأولى وهذا كما تقول زيد ما زيد على معنى التعظيم له وإبهام التعظيم أيضا ليتخيل السامع أقصى جهده وقوله وما أدراك ما الحاقة مبالغة في هذا المعنى أي إن فيها ما لم تدره من أهوالها وتفاصيل صفاتها ثم ذكر تعالى تكذيب ثمود وعاد بهذا الأمر الذي هو حق مشيرا إلى أن من كذب بذلك ينزل به ما نزل بأولئك والقارعة من أسماء القيامة أيضا لأنها تقرع القلوب بصدمتها وقوله سبحانه فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية قال قتادة معناه بالصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة وقيل المعنى بسبب الفيئة الطاغية وقيل بسبب الفعلة الطاغية وقال ابن زيد ما معناه الطاغية مصدر كالعاقبة فكأنه قال بطغيانهم وقال أبو عبيدة ويقوي هذا قوله تعالى كذبت ثمود بطغوها وأولى الأقوال وأصوبها الأول وباقي الآية تقدم تفسير نظيره وما في ذلك من القصص والعاتية معناه الشديدة المخالفة فكانت الريح قد عتت على خزانها بخلافها وعلى قوم عاد بشدتها وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا لم ينزل من السماء قطرة ماء قط إلا بمكيال على يد ملك ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد فإن الله أذن لهما في الخروج دون إذن الخزان وحسوما قال ابن عباس وغيره معناه كاملة تباعا لم يتخللها غير ذلك وقال ابن زيد حسوما جمع حاسم ومعناه أن تلك الأيام قطعتهم بالإهلاك ومنهم حسم العلل ومنه الحسام والضمير في قوله فيها صرعى يحتمل عوده على الليالي والأيام ويحتمل عوده على ديارهم وقيل على الريح ص ومن قبله النحويان وعاصم في رواية بكسر القاف وفتح الباء أي أجناده وأهل طاعته وقرأ الباقون قبله ظرف زمان انتهى وقوله بالخاطئة صفة لمحذوف أي بالفعلة الخاطئة والرابية النامية التي قد عظمت جدا ومنه ربا المال ومنه اهتزت وربت ثم عدد تعالى على الناس نعمة في قوله إنا لما طغا الماء يعني في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح والجارية سفينة نوح قاله منذر بن سعيد والضمير في لنجعلها عائد على الجارية أو على الفعلة وقوله تعالى وتعيها أذن واعية عبارة عن الرجل الفهم المنور القلب الذي يسمع القرآن فيتلقاه بفهم وتدبر قال أبو عمران الجوني واعية عقلت عن الله تعالى وقال الثعلبي المعنى لتحفظها كل أذن فتكون عظة لمن يأتي بعد تقول وعيت العلم إذا حفظته انتهى ثم ذكر تعالى بأمر القيامة وقرأ الجمهور وحملت بتخفيف الميم بمعنى حملتها الريح أو القدرة ودكتا معناه سوي جميعها وانشقاق السماء هو تفطرها وتميز بعضها من بعض وذلك هو الوهي الذي ينالها كما يقال في الجدرات البالية المتشققة واهية والملك اسم الجنس يريد به الملائكة وقال جمهور من المفسرين الضمير في أرجائها عائد على السماء أي الملائكة على نواحيها والرجا الجانب من البير أو الحائط ونحوه وقال الضحاك وابن جبير وغيرهما الضمير في أرجائها عائد على الأرض وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب لأن القصة واللفظ يقتضي إفهام ذلك وفسروا هذه الآية بما روي من أن الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدنيا فيقفون صفا على حافات الأرض ثم يأمر ملائكة السماء الثانية فيصفون خلفهم ثم كذلك ملائكة كل سماء فكلما ند أحد من الجن أو الإنس وجد الأرض قد أحيط بها قالوا فهذا تفسير هذه الآية وهو أيضا معنى قوله وجاء ربك والملك صفا صفا وهو تفسير يوم التناد يوم تولون مدبرين على قراءة من شدد الدال وهو تفسير قوله يا معشر الجن والإنس الآية واختلف الناس في الثمانية الحاملين للعرش فقال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدتهم وقال ابن زيد هم ثمانية أملاك على هيئة الوعول وقال جماعة من المفسرين هم على هيئة الناس أرجلهم تحت الأرض السابعة ورؤوسهم وكواهلهم فوق السماء السابعة قال الغزالي في الدرة الفاخرة هم ثمانية أملاك قدم الملك منهم مسيرة عشرين ألف سنة انتهى والضمير في قوله فوقهم قيل هو للملائكة الحملة وقيل للعالم كله وقوله تعالى يومئذ تعرضون خطاب لجميع العالم وفي الحديث الصحيح يعرض الناس ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف في الأيدي فأخذ بيمينه وأخذ بشماله قال الغزالي يجب على مسلم البدار إلى محاسبة نفسه كما قال عمر رضي الله عنه حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوها قبل ان توزنوا وانما حسابه لنفسه ان يتوب من كل معصية قبل الموت توبة نصوحا ويتدارك ما فرط فيه من تقصير في فرائض الله عز و جل ويرد المظالم حبة حبة ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسوء ظنه بقلبه ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة فهذا يدخل الجنة بغير حساب ان شاء الله تعالى انتهى من ءاخر الاحياء ونقل القرطبي في تذكرته هذه الالفاظ بعينها وقوله هاؤم اقرءوا كتابيه معناه تعالوا وقوله اقرءوا كتابيه هو استبشار وسرور ص هاؤم ها بمعنى خذ قال الكساءي والعرب تقول هاء يا رجل وللاثنين رجلين او امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم وللمرأة هاء بهمزة مكسورة من غير ياء وللنساء هاؤن وزعم القتبي ان الهمزة بدل من الكاف وهو ضعيف الا ان يعنى انها تحل محلها في لغة من قال هاك وهاك وهاكما وهاكم وهاكن فذلك ممكن لا انه بدل صناعي لان الكاف لا تبدل من الهمزة ولا الهمزة منها انتهى وقوله انى ظننت انى ملاق حسابيه عبارة عن ايمانه بالبعث وغيره وظننت هنا واقعة موقع تيقنت وهي في متيقن لم يقع بعد ولا خرج الى الحس وهذا هو باب الظن الذي يوقع موقع اليقين وراضية بمعنى مرضية والقطوف جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف ودنوها هوانها تأتي طوع التمنى فيأكلها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من شجرتها وبما اسلفتم معناه بما قدمتم من الاعمال الصالحة والايام الخالية هي ايام الدنيا لانها في الآخرة قد خلت وذهبت وقال وكيع وغيره المراد بما اسلفتم من الصوم وعموم الآية في كل الاعمال اولى واحسن ت ويدل على ذلك الآية الاخرى كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون قال ابن المبارك في رقائقه اخبرنا مالك بن مغول انه بلغه ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا فانه اهون او ابسر لحسابكم وزنوا انفسكم قبل ان توزنوا وتجهزوا للعرض الاكبر يومئذ تعرضون لا تخفي منكم خافية قال ابن المبارك اخبرنا معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال ان المومن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله وانما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا انفسهم في الدنيا وانما شق الحساب يوم القيامة على قوم اخذوا هذا الامر عن غير محاسبة انتهى والذين يوتون كتبهم بشمائلهم هم المخلدون في النار اهل الكفر فيتمنون ان لو كانوا معدومين وقوله يا ليتها كانت القاضة اشارة الى مونة الدنيا أي ليتها لم يكن بعدها رجوع ص ما اغنى ما نافية او استفهامية انتهى والسلطان في الآية الحجة وقيل انه ينطق بذلك ملوك الدنيا والظاهر ان سلطان كل احد حاله في الدنيا من عدد وعدد ومنه قوله ص - لا يومن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه وقوله سبحانه خذوه فغلوه الآية المعنى يقول الله تعالى او الملك بامره للزبانية خذوه واجعلوا في عنقه غلا قال ابن جريح نزلت في ابي جهل وقوله تعالى فاسلكوه معناه ادخلوه وروي ان هذه السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج من دبره فهي في الحقيقة التي تسلك فيه لكن الكلام جرى مجرى ادخلت القلنسوة في رأسي وروي ان هذه السلسلة تلوى حول الكافر حتى تعمه وتضغطه فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك وقوله تعالى ولا يحض على طعام المسكين خصت هذه الخلة بالذكر لانها من اضر الخلال بالبشر اذا كثرت في قوم هلك مساكينهم ت ونقل الفخر عن بعض الناس أنه قال في قوله تعالى ولا يحض على طعام المسكين دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المساكين احدهما عطفه على الكفر وجعله قرينا له والثانى ذكر الحض دون الفعل ليعلم انه اذا كان تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بمن ترك الفعل قال الفخر ودلت الآية على ان الكفار يعاقبون على ترك الصلاة والزكاة وهو المراد من قولنا انهم مخاطبون بفروع الشريعة وعن ابي الدرداء انه كان يحض امرأته على تكثير المرق لاجل المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة بالايمان افلا نخلع النصف الثاني انتهى وقوله فليس له اليوم ها هنا حميم أي صديق لطيف المودة قاله الجمهور وقيل الحميم الماء السخن فكانه تعالى اخبر ان الكافر ليس له ماء ولا شيء مائع ولا طعام الا من غسلين وهو ما يجري من الجراح اذا غسلت وقال ابن عباس الغسلين هو صديد أهل النار وقال قوم الغسلين شيء يجري من ضريع النار ص - الا من غسلين ابو البقاء النون في غسلين زائدة لانه غسالة اهل النار انتهى والخاطىء الذي يفعل ضد الصواب وقوله تعالى فلا اقسم قيل لا زائدة وقيل لا رد لما تقدم من اقوال الكفار والبدأة اقسم وقوله بما تصبرون وما لا تبصرون قال قتادة اراد الله تعالى ان يعم بهذا القسم جميع مخلوقاته والرسول الكريم قيل هو جبريل وقيل نبينا محمد ص - وقوله تعالى وما هو بقول شاعر نفي سبحانه ان يكون القرءان من قول شاعر كما زعمت قريش وقليلا نصب بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون وما يحتمل ان تكون نافية فينتفي ايمانهم البتة ويحتمل ان تكون مصدرية فيتصف ايمانهم بالقلة ويكون ايمانا لغويا لانهم قد صدقوا باشياء يسيرة لا تغنى عنهم شيأ ثم اخبر سبحانه ان محمد عليه السلام لو تقول عليه لعاقبه بما ذكر ص الاقاويل جمع اقوال واقوال جمع قول فهو جمع الجمع انتهى وقوله سبحانه لاخذنا منه باليمين قال ابن عباس المعنى لاخذنا منه بالقوة اي لنلنا منه عقابه بقوة منا وقيل معناه لاخذنا بيده اليمنى على جهة الهوان كما يقال لمن يسجن او يقام لعقوبة خذوا بيده او بيمينه والوتين نياط القلب قاله ابن عباس وهو عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر فمعنى الآية لا ذهبنا حياته معجلا والحاجز المانع والضمير في قوله وانه لتذكرة عائد على القرءان وقيل على النبي ص - ص وانه لحسرة ضمير انه يعود على التكذيب المفهوم من مكذبين انتهى وقال الفخر الضمير في قوله وانه لحسرة فيه وجهان احدهما انه يعود على القرءان اي هو على الكافرين حسرة اما يوم القيامة اذا راوا ثواب المصدقين به أو في الدنيا اذا رأوا دولة المؤمنين والثاني قال مقاتل وان تكذيبهم بالقرءان لحسرة عليهم يدل عليه قوله ان منكم مكذبين انتهى ثم امر تعالى نبيه بالتسبيح باسمه العظيم ولما نزلت قال رسول الله ص - اجعلوها في ركوعكم تفسير رسول سال وسائل وهي مكية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل سال سائل بعذاب قرأ جمهور السبعة سأل بهمزة محققة قالوا والمعنى دعا داع والاشارة الى من قال من قريش اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء الآية وقولهم عجل لنا قطنا ونحو ذلك وقال بعضهم المعنى بحث باحث واستفهم مستفهم قالوا والاشارة الى قول قريش متى هذا الوعد وما جرى مجراه قاله الحسن وقتادة والباء على هذا التأويل في قوله بعذاب بمعنى عن وقرأ نافع وابن عامر سال سائل ساكنة الالف واختلف القراء بها فقال بعضهم هي سأل المهموزة الا ان الهمزة سهلت وقال بعضهم هي لغة من يقول سلت اسال ويتساولان وهي لغة مشهوة وقال بعضهم في الآية هي من سال يسيل اذا جرى وليست من معنى السؤال قال زيد بن ثابت وغيره في جهنم واد يسمى سائلا والاخبار هنا عنه وقرأ ابن عباس سال سيل بسكون الياء وسؤال الكفار عن العذاب حسب قراءة الجماعة انما كان على انه كذب فوصفه الله تعالى بانه واقع وعيدا لهم وقوله للكافرين قال بعض النحاة اللام بمعنى على روري انه كذلك في مصحف ابي على الكافرين والمعارج في اللغة الدرج في الاجرام وهي هنا مستعارة في الرتب والفضائل والصفات الحميدة قاله ابن عباس وقتادة وقال الحسن هي المراقي في السماء قال عياض في مشارق الانوار قوله ص - فعرج بي الى السماء اي ارتقي بي والمعراج الدرج وقيل سلم تعرج فيه الارواح وقيل هو احسن شيء لا تتمالك النفس اذا رأته ان تخرج واليه يشخص بصر الميت من حسنه وقيل هو الذي تصعد فيه الاعمال وقيل قوله ذي المعارج معارج الملائكة وقيل ذي الفواضل انتهى وقوله تعالى تعرج الملائكة معناه تصعد والروح عند الجمهور هو جبريل عليه السلام وقال مجاهد الروح ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني ادم لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة وقال بعض المفسرين هو اسم جنس لأرواح الحيوان وقوله سبحانه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة قال ابن عباس وغيره هو يوم القيامة ثم اختلفوا فقال بعضهم قدره في الطول قدر خمسين الف سنة وقال بعضهم بل قدرة في الشدة والاول هو الظاهر وهو ظاهر قوله ص - ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله الا جعل له صفائح من نار يوم القيامة تكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة قال ابو سعيدالخدري قيل يا رسول الله ما اطول يوما مقداره خمسون الف سنة فقال والذي نفسي بيده انه ليخف على المومن حتى يكون اخف عليه من صلاة مكتوبة قال ابن المبارك اخبرنا معمر عن قتادة عن زرارة بن او في عن ابي هريرة قال يقصر يؤمئذ على المؤمن حتى يكون كوقت الصلاة انتهى قال ع وقد ورد في يوم القيامة انه كالف سنة وهذا يشبه ان يكون في طوائف دون طوائف ت قال عبد الحق في العاقبة له اعلم رحمك الله ان يوم القيامة ليس طوله كما عهدت من طول الايام بل هو آلالف من الأعوام يتصرف فيه هذا الأنام على الوجوه والأقدام حتى ينفذ فيهم ما كتب لهم وعليهم من الاحكام وليس يكون خلاصه دفعة واحدة ولا فراغهم في مرة واحدة بل يتخلصون ويفرغون شيأ بعد شيء لكن طول ذلك اليوم خمسون الف سنة فيفرغون بفراغ اليوم ويفرغ اليوم بفراغهم فمن الناس من يطول مقامه وحبسه الى ءاخر اليوم ومنهم من يكون انفصاله في ذلك اليوم في مقدار يوم من ايام الدنيا او في ساعة من ساعاته أو في اقل من ذلك ويكون رايحا في ظل كسبه وعرش ربه ومنهم من يومر به الى الجنة بغير حساب ولا عذاب كما ان منهم من يومر به الى النار في اول الامر من غير وقوف ولا انتظار او بعد يسير من ذلك انتهى وقوله سبحانه فاصبر صبرا جميلا امر للنبي ص - بالصبر على اذي قومه والصبر الجميل الذي لا يلحقه عيب ولا تشك ولا قلة رضي ولا غير ذلك والامر بالصبر الجميل محكم في كل حالة اعنى لا نسخ فيه وقيل ان الآية نزلت قبل الامر بالقتال فهي منسوخة ت ولو قيل هذا خطاب لجنس الانسان في شأن هول ذلك اليوم ما بعد وقوله تعالى انهم يرونه بعيدا يعنى يوم القيامة والمهل عكر الزيت قاله ابن عباس وغيره فهي لسوادها وانكدار انوارها تشبه ذلك والمهل ايضا ما اذيب من فضة ونحوها قاله ابن مسعود وغيره والعهن الصوف وقيل هو الصوف المصبوغ اي لون كان والحميم في هذا الموضع القريب والولي والمعنى ولا يسئله نصرة ولا منفعة ولا يجدها عنده وقال قتادة المعنى ولا يسئله عن حاله لانها ظاهرة قد بصر كل احد حالة الجميع وشغل بنفسه قال الفخر قوله تعالى يبصرونهم تقول بصرنى زيد كذا وبصرنى بكذا فاذا بنيت الفعل للمفعول وحذفت الجار قلت بصرت زيدا وهكذا معنى يبصرونهم وكأنه لما قال ولا يسئل حميم حميما قيل لعله لا يبصره فقال يبصرونهم ولكن لاشتغالهم بأنفسهم لا يتمكنون من تساؤهم انتهى وقرأ ابن كثير بخلاف عنه ولا يسئل على بناء الفعل للمفعول فالمعنى ولا يسئل احضاره لأن كل مجرم له سيما يعرف بها كما ان كل مؤمن له سيما خير والصاحبة هنا الزوجة والفصيلة هنا قرابة الرجل وقوله تعالى كلا انها لظى رد لما ودوه اي ليس الامر كذلك ولظى طبقة من طبقات جهنم والشوي جلد الانسان وقيل جلد الرأس تدعوا من ادبر وتولى يريد الكفار قال ابن عباس وغيره تدعوهم بأسمائهم واسماء ءابائهم وجمع اي جمع المال وأوعى جعله في الاوعية اي جمعوه من غير حل ومنعوه من حقوق الله وكان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله تعالى يقول وجمع فأوعى وقوله تعالى ان الانسان عموم لاسم الجنس لكن الاشارة هنا الى الكفار والهلع فزع واضطراب يعترى الانسان عند المخاوف وعند المطامع وقوله تعالى اذا مسه الآية مفسر للهلع وقوله تعالى الا المصلين اي الا المؤمنين الذين امر الآخرة عليهم اوكد من امر الدنيا والمعنى ان هذا المعنى فيهم يقل لانهم يجاهدونه بالتقوى وقوله الذين هم على صلاتهم دائمون اي مواضبون وقد قال عليه السلام احب العمل الى الله ما دام عليه صاحبه ت وقد تقدم في سورة قد افلح ما جاء في الخشوع قال الغزالي فينبغي لك ان تفهم ما تقرأه في صلاتك ولا تغفل في قراءتك عن امره سبحانه ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه واخبار انبيائه وذكر منته واحسانه فلكل واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الامر والنهي والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق ذكر المنة والاعتبار حق ذكر اخبار الانبياء قال الغزالي =========================================================10. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر فهذا حق القراءة وهو حق الاذكار والتسبيحات أيضا ثم يراعى الهيئة في القراءة فيرتل ولا يسرد فان ذلك ايسر للتأمل ويفرق بين نغمانه في ءايات الرحمة وءايات العذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم انتهى من الاحياء وروى ابن المبارك في رقائقه قال اخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن ابي حبيب ان ابا الخير حدثه قال سألنا عقبة بن عامر الجهني عن قوله عز و جل الذين هم على صلاتهم دائمون اهم الذين يصلون ابدا قال لا ولكنه الذي إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه انتهى وقوله سبحانه والذين في اموالهم حق معلوم قال ابن عباس وغيره هذه الآية في الحقوق التي في المال سوى الزكاة وهي ما ندبت اليه الشريعة من المواساة وهذا هو الاصح في هذه الآية لان السورة مكية وفرض الزكاة وبيانها انما كان بالمدينة وباقي الآية تقدم تفسير نظيره وقوله سبحانه والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون جمع الامانة من حيث انها متنوعة في الاموال والاسرار وفيما بين العبد وربه فيما امره به ونهاه عنه والعهد كل ما تقلده الانسان من قول او فعل او مودة اذا كانت هذه الاشياء على منهاج الشريعة فهو عهد ينبغي رعيه وحفظه وقوله سبحانه والذين هم بشهادتهم قائمون معناه في قول جماعة من المفسرين انهم يحفظون ما يشهدون فيه ويتقنونه ويقومون بمعانيه حتى لا يكون لهم فيه تقصير وهذا هو وصف من يمتثل قول النبي ص - على مثل الشمس فاشهد وقال ءاخرون معناه الذين اذا كانت عندهم شهادة ورأوا حقا بدرس او حرمة لله تنتهك قاموا لله بشهادتهم وقوله تعالى فمال الذين كفروا قبلك مهطعين الآية نزلت بسبب ان النبي ص - كان يصلى عند الكعبة احيانا ويقرأ القرءان فكان كثير من الكفار يقومون من مجالسهم مسرعين اليه يستمعون قراءته ويقول بعضهم لبعض شاعر وكاهن ومفتر وغير ذلك وقبلك معناه فيما يليك والمهطع الذي يمشى مسرعا الى شيء قد اقبل ببصره عليه وعزين جمع عزة والعزة الجمع اليسير كأنهم كانوا ثلاثة ثلاثة واربعة اربعة وفي حديث ابي هريرة قال خرج النبي ص - على اصحابه وهم حلق متفرقون فقال ما لي اراكم عزين وقوله تعالى أيطمع كل امرئ منهم ان يدخل جنة نعيم نزلت لان بعض الكفار قال ان كانت ثم آخرة وجنة فنحن اهلها لان الله تعالى لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك الا لرضاه عنا وقوله تعالى كلا رد لقولهم وطمعهم اي ليس الامر كذلك ثم اخبر تعالى عن خلقهم من نطفة قذرة واحال في العبارة على علم الناس أي فمن خلق من ذلك فليس بنفس خلقه يعطي الجنة بل بالايمان والاعمال الصالحة وروى ابن المبارك في رقائقه قال اخبرنا مالك بن مغول قال سمعت ابا ربيعة يحدث عن الحسن قال قال رسول الله ص - كلكم يحب ان يدخل الجنة قالوا نعم جعلنا الله فداءك قال فاقصروا من الامل وثبتوا آجالكم بين ابصاركم واستحيوا من الله حق الحياء قالوا يا رسول الله كلنا نستحي من الله قال ليس كذلك الحياء ولكن الحياء من الله ان لا تنسوا المقابر والبلى ولا تنسوا الجوف وما وعى ولا تنسوا الرأس وما حوى ومن يشتهى كرامة الآخرة يدع زينة الدنيا هنالك استحيى العبد من الله هنالك اصاب ولاية الله انتهى وقد روينا اكثر هذا الحديث من طريق ابي عيسى الترمذي وباقي الآية تقدم تفسير نظيره والاجداث القبور والنصب ما نصب للانسان فهو يقصده مسرعا اليه من علم او بناء وقال ابو العالية الى نصب يوفضون معناه الى غايات يستبقون ويوفضون معناه يسرعون وخاشعة اي ذليلة منكسرة تفسير سورة نوح عليه السلام وهي مكية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه انا ارسلنا نوحا الى قومه ان انذر قومك من قبل ان يأتيهم عذاب اليم هذا العذاب الذي توعدوا به الاظهر انه عذاب الدنيا ويحتمل ان يكون عذاب الآخرة وقوله من ذنوبكم قال قوم من زائدة وهذا نحو كوفي واما الخليل وسيبويه فلا يجوز عندهم زيادة من في الموجب وقال قوم هي للتبعيض قال ع وهذا القول عندي ابين الاقوال هنا وذلك انه لو قال يغفر لكم ذنوبكم لعم هذا اللفظ ما تقدم من الذنوب وما تأخر عن ايمانهم والاسلام انما يجب ما قبله وقوله سبحانه ويؤخركم الى اجل مسمى كان نوحا عليه السلام قال لهم ءامنوا يبين لنا انكم ممن قضي له بالايمان والتأخير وان بقيتم على كفركم فسيبين انكم ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة ثم تبين هذا المعنى ولاح بقوله تعالى ان اجل الله اذا اذا جاء لا يؤخر وجواب لو مقدر يقتضيه المعنى كأنه قال فما كان احزمكم او اسرعكم الى التوبة لو كنتم تعلمون وقوله تعالى قال رب اني دعوت قومى ليلا ونهارا الآية هذه المقالة قالها نوح عليه السلام بعد طول عمره ويأسه من قومه واستغشوا ثيابهم معناه جعلوها اغشية على رءوسهم وقوله يرسل السماء الآية روي ان قوم نوح كانوا قد اصابتهم قحوط وازمة فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر ومدرارا من الدر وروى ابن عباس عن النبي ص - انه قال من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب رواه ابو داود واللفظ له والنساءي وابن ماجه ولفظ النساءي من اكثر من الاستغفار انتهى من السلاح وقوله ما لكم لا ترجون لله وقارا قال أبو عبيدة وغيره ترجون معناه تخافون قالوا والوقار بمعنى العظمة فكان الكلام على هذا التأويل وعيد وتخويف وقال بعض العلماء ترجون على بابها وكأنه قال ما لكم لا تجعلون رجاءكم لله ووقارا يكون على هذا التأويل منهم كانه يقول تؤدة منكم وتمكنا في النظر وقوله وقد خلقكم اطوارا قال ابن عباس وغيره هي اشارة الى التدريج الذي للانسان في بطن امه وقال جماعة هي اشارة الى العبرة في اختلاف خلق الوان الناس وخلقهم ومللهم والاطور الاحوال المختلفة وقوله سبحانه وجعل القمر فيهن نورا الآية قال عبد الله بن عمرو بن العاصى وابن عباس ان الشمس والقمر اقفاؤهما الى الأرض واقبال نورهما وارتفاعه في السماء وهذا الذي يقتضيه لفظ السراج وانبتكم من الأرض استعارة من حيث خلق ءادم عليه السلام من الأرض ونباتا مصدر جاء على غير الصدر التقدير فنبتم نباتا والاعادة فيها بالدفن والأخراج هو بالبعث وظاهر الآية ان الأرض بسيطة غير كرية واعتقاد احد الامرين غير قادح في الشرع بنفسه اللهم الا ان يترتب على القول بالكرية نظر فاسد واما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله تعالى وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة واستدل ابن مجاهد على صحة ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور فقال لو كانت الأرض كرية لما استقر الماء عليها والسبل الطرق والفجاج الواسعة وقول نوح واتبعوا من لم يزده ماله الآية المعنى اتبعوا اشرافهم وغواتهم وخسارا معناه خسرانا وكبارا بناء مبالغة نحو حسان وقرئى شاذا كبارا بكسر الكاف قال ابن الانباري جمع كبير وودا وما عطف عليه اسماء اصنام وروى البخاري وغيره عن ابن عباس انها كانت اسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا اوحى الشيطان الى قومهم ان انصبوا الى مجالسهم التي كانوا يجلسون انصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى اذا هلك اولائك وتنسخ العلم عبدت قال ابن عباس ثم صارت هذه الاوثان التي في قوم نوح في العرب بعد انتهى وقوله وقد اضلوا كثيرا هو اخبار نوح عن الاشراف ثم دعا الله عليهم ان لا يزيدهم الا ضلالا وقال الحسن اراد بقوله وقد اضلوا الاصنام المذكورة وقوله تعالى مما خطيئاتهم اغرقوا ابتداء اخبار من الله تعالى لمحمد عليه السلام وما في قوله مما زائدة فكانه قال من خطيئاتهم وهي لابتداء الغاية ص مما خطيئاتهم من للسبب ع لابتداء الغاية وما زائدة للتوكيد انتهى فادخلوا نارا يعنى جهنم وقول نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا قال قتادة وغيره لم يدع نوح بهذه الدعوة الا من بعد ان اوحي اليه انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن وديارا اصله ديوار من الدوران اي من يجيء ويذهب وقوله رب اغفر لي ولوالدي قال ابن عباس لم يكفر لنوح اب ما بينه وبين ءادم عليه السلام وقرأ أبي بن كعب ولابوي وبيته المسجد فيما قاله ابن عباس وجمهور المفسرين وقال ابن عباس ايضا بيته شريعته ودينه استعار لها بيتاكما يقال قبة الاسلام وفسطاط الدين وقيل اراد سفينته وقوله وللمؤمنين والمؤمنات تعميم بالدعاء لمؤمني كل امة وقال بعض العلماء ان الذي استجاب لنوح عليه السلام فأغرق بدعوته اهل الارض الكفار لجدير ان يستجيب له فيرحم بدعوته المؤمنين والتبار الهلاك تفسير سورة الجن وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن هؤلاء النفر من الجن هم الذين صادفوا النبي ص - يقرأ ببطن نخلة في صلاة الصبح وقد تقدم قصصهم في سورة الأحقاف وقول الجن انا سمعنا الآيات هو خطاب منهم لقومهم وقرءانا عجبا معناه ذا عجب لان العجب مصدر يقع من سامع القرءان لبراعته وفصاحته ومضمناته وقوله وإنه تعالى جد ربنا قال الجمهور معناه عظمة ربنا وروي عن انس انه قال كان الرجل اذا قرأ البقرة وءال عمران جد في اعيننا اي عظم وعن الحسن جد ربنا غناه وقال مجاهد ذكره وقال بعضهم جلاله ومن فتح الالف من قوله وانه تعالى اختلفوا في تأويل ذلك فقال بعضهم هو عطف على أنه استمع فيجيء على هذا قوله تعالى وانه تعالى مما امر ان يقول النبي انه اوحي اليه وليس هو من كلام الجن وفي هذا قلق وقال بعضهم بل هو عطف على الضمير في به كأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى وهذا القول ابين في المعنى لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون اعادة الخافض وذلك لا يحسن ت بل هو حسن اذ قد اتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا وقرأ عكرمة تعالى جد ربنا بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كانه يقول تعالى عظيم هو ربنا فربنا بدل والجد العظيم في اللغة وقرأ ابو الدرداء تعالى ذكر ربنا وروي عنه تعالى جلال ربنا وقوله تعالى وانه كان يقول سفيهنا لا خلاف ان هذا من قول الجن والسفيه المذكور قال جمهور من المفسرين هو ابليس لعنه الله وقال آخرون هو اسم جنس لكل سفيه منهم ولا محالة ان ابليس صدر في السفاهة وهذا القول احسن والشطط التعدى وتجاوز الحد بقول او فعل ص شططا ابو البقاء نعت لمصدر محذوف اي قولا شططا انتهى ثم قال اولائك النفر وانا ظننا قبل ايماننا ان لن تقول الانس والجن على الله كذبا في جهة الالوهية وما يتعلق بذلك وقوله تعالى وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن الآية من القراء من كسر الهمزة من انه ومنهم من فتحها والكسر اوجه والمعنى في الآية ما كانت العرب تفعله في اسفارها من ان الرجل اذا اراد المبيت بواد صاح بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادى اني اعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك ويعتقد بذلك ان الجني يحميه ويمنعه قال قتادة فكانت الجن تحتقر بني آدم وتزدريهم لما ترى من جهلهم فكانوا يزيدونهم مخافة ويتعرضون للتخيل لهم ويغوونهم في ارادتهم فهذا هو الرهق الذي زادته الجن بني ءادم وقال مجاهد وغيره بنو ءادم هم الذين زادوا الجن رهقا وهي الجراءة والطغيان وقد فسر قوم الرهق بالإثم وقوله وانهم ظنوا يريد به بني اءدم وقوله كما ظننتم مخاطبة لقومهم من الجن وقولهم ان لن يبعث الله احدا يحتمل معنيين احدهما بعث الحشر من القبور والآخر بعث ءادمي رسولا وذكر المهدوي تأويلا ثالثا ان المعنى وان الجن ظنوا كما ظننتم ايها الانس فهي مخاطبة من الله تعالى قال الثعلبي وقيل ان قوله وانه كان رجال من الانس الآية ابتداء اخبار من الله تعالى ليس هو من كلام الجن انتهى فهو وفاق لما ذكره المهدوي وقولهم وانا لمسنا السماء قال جمهور المتأولين معناه التمسنا والشهب كواكب الرجم والحرس يحتمل ان يريد الرمي بالشهب وكرر المعنى بلفظ مختلف ويحتمل ان يريد الملائكة ومقاعد جمع مقعد وقد تقدم بيان ذلك في سورة الحجر وقولهم فمن يستمع الآن الآية قطع على ان كل من استمع الآن احرقه شهاب فليس هنا بعد سمع انما الاحراق عند الاستماع وهذا يقتضي ان الرجم كان في الجاهلية ولكنه بمستأصل فلما جاء الاسلام اشتد الامر حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة ورصدا نعت لشهاب ووصفه بالمصدر وقولهم وانا لا ندرى اشر أريد بمن في الارض الآية معناه لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي فيرشدوا ام يكفرون به فينزل بهم الشر وعبارة الثعلبي وانا لا ندري اشر اريد بمن في الارض حين حرست السماء ومنعنا السمع ام اراد بهم ربهم رشدا انتهى وقولهم وانا منا الصالحون الى آخر قولهم ومنا القاسطون هو من قول الجن وقولهم ومنا دون ذلك اي غير صالحين ص دون ذلك قيل بمعنى غير ذلك وقيل دون ذلك في الصلاح فدون في موضع الصفة لمحذوف أي ومنا قوم دون ذلك انتهى والطرائق السير المختلفة والقدد كذلك هي الأشياء المختلفة كأنه قدقد بعضها من بعض وفصل قال ابن عباس وغيره طرائق قددا أهواء مختلفة وقولهم وإنا ظننا أي تيقنا فالظن هنا بمعنى العلم ان لن نعجز الله في الارض الآية وهذا اخبار منهم عن حالهم بعد ايمانهم بما سمعوا من نبينا محمد ص - والهدى يريدون به القرءان والبخس النقص والرهق تحميل ما لا يطاق وما يثقل قال ابن عباس البخس نقص الحسنات والرهق الزيادة في السيئات وقوله تعالى فمن اسلم فأولئك تحروا رشدا الوجه فيه ان يكون مخاطبة من الله تعالى لنبيه محمد عليه السلام ويؤيده ما بعده من الآيات وتحروا معناه طلبوا باجتهادهم وقوله سبحانه وان لو استقاموا على الطريقة الآية قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير الضمير في قوله استقاموا عائد على القاسطين والمعنى لو استقاموا على طريقة الاسلام والحق لأنعمنا عليهم وهذا المعنى نحو قوله تعالى ولو ان اهل الكتاب آمنوا واتقوا الآية الى قوله لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم والقاسط الظالم والماء الغدق هو الماء الكثير ولنفتنهم معناه لنختبرهم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يكون الماء فثم المال وحيث المال فثم الفتنة ونزع بهذه الآية وقال الحسن وجماعة من التابعين كانت الصحابة رضي الله عنهم سامعين مطيعين فلما فتحت كنوز كسرى وقيصر على الناس ثارت الفتن ونسلكه ندخله وصعدا معناه شاقا وقال ابن عباس وابو سعيد الخدري صعدا جبل في النار وان المساجد لله قيل اراد البيوت التي للعبادة والصلاة في كل ملة وقال الحسن اراد بها كل موضع يسجد فيه اذ الأرض كلها جعلت مسجدا لهذه الامة وروي ان هذه الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة حينئذ فقيل للنبي ص - المواضع كلها لله فاعبده حيث كنت قال ع والمساجد المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصلح ان تفرد للعبادة وكل ما هو خالص لله تعالى وان لا يتحدث بها في امور الدنيا ولا يجعل فيها لغير الله نصيب وقوله تعالى وانه لما قام عبد الله يحتمل ان يكون خطابا من الله تعالى ويحتمل ان يكون اخبارا عن الجن وعبد الله هو محمد ص - والضمير في كادوا يحتمل ان يكون لكفار قريش وغيرهم في اجتماعهم على رد امره ص - وقيل الضمير للجن والمعنى انهم كادوا يتقصفون عليه لاستماع القرءان وقال ابن جبير معنى الآية انها قول الجن لقومهم يحكون لهم والعبد محمد عليه السلام والضمير في كادوا لأصحابه الذين يطيعون له ويقتدون به في الصلاة فهم عليه لبد واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد وقال البخاري قال ابن عباس لبدا اعوانا انتهى ويدعوه معناه يعبد وقيل عبد الله في الآية المراد به نوح وقرأ جمهور السبعة قال انما ادعوا ربي وقرأ حمزة وعاصم وابو عمرو بخلاف عنه قل ثم امر الله تعالى محمدا عليه السلام بالتبري من القدرة وانه لا يملك لاحد ضرا ولا نفعا والملتحد الملجأ الذي يمال إليه ومنه الالحاد وهو الميل وقوله الا بلاغا قال قتادة التقدير لا املك الا بلاغا اليكم فاما الايمان او الكفر فلا املكه وقال الحسن ما معناه انه استثناء منقطع والمعنى لن يجيرني من الله احد الا بلاغا فإنى ان بلغت رحمنى بذلك اي بسبب ذلك وقوله تعالى ومن يعص الله يريد بالكفر بدليل تأبيد الخلود وقوله تعالى قل ان ادرى أقريب ما توعدون يعنى عذابهم الذي وعدوا به الامد المدة والغاية وقوله تعالى الا من ارتضى من رسول معناه فانه يظهره على ما شاء مما هو قليل من كثير ثم يبث تعالى حول ذلك الملك الرسول حفظة رصدا لأبليس وحزبه من الجن والانس وقوله تعالى ليعلم ان قد ابلغوا الآية قال ابن جبير ليعلم محمد ان الملائكة الحفظة الرصد النازلين بين يدي جبريل وخلفه قد ابلغوا رسالات ربهم وقال مجاهد معناه ليعلم من كذب او اشرك ان الرسل قد بلغت وقيل المعنى ليعلم الله تعالى رسله مبلغة خارجة الى الوجود لان علمه بكل شيء قد تقدم والضمير في احاطوا وأحصى لله سبحانه لا غير تفسير سورة المزمل وهي مكية في قول الجمهور الا قوله ان ربك يعلم الى آخر السورة فمدني وقال جماعة هي مكية كلها بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل يا ايها المزمل نداء للنبي ص - قال السهيلي المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها عليه السلام حين الخطاب وكذلك المدثر وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان احداهما الملاطفة فان العرب اذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك معاتبته سموه باسم مشتق من حالته كقوله عليه السلام لعلي حين غاضب فاطمة قم ابا تراب اشعارا له انه غير عاتب عليه وملاطفة له والفائدة الثانية التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه الى قيام الليل وذكر الله فيه لان الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل بذلك العمل واتصف بتلك الصفة انتهى والتزمل الالتفاف في الثياب قال جمهور المفسرين وهو في البخاري وغيره ان النبي ص - لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره به رجع رسول الله ص - الى خديجة فقال زملونى زملونى فنزلت يا ايها المدثر وعلى هذا نزلت يا ايها المزمل وقوله تعالى قم الليل الا قليلا قال جمهور العلماء هو امر ندب وقيل كان فرضا وقت نزول الآية وقال بعضهم كان فرضا على النبي ص - خاصة وبقي كذلك حتى توفي وقيل غير هذا وقوله تعالى نصفه يحتمل ان يكون بدلا من قوله قليلا ص الا قليلا استثناء من الليل ونصفه قيل بدل من الليل وعلى هذا يكون استثناء الا قليلا منه اي قم نصف الليل الا قليلا منه والضمير في قوله او انقص منه او زد عليه عائد على النصف وقيل نصفه بدل من قوله الا قليلا قال ابو البقاء وهو اشبه بظاهر الآية انتهى قال ع وكيف ما تقلب المعنى فإنه امر بقيام نصف الليل او اكثر شيئا او اقل شيئا فالأكثر عند العلماء لا يريد على الثلثين والاقل لا ينحط عن الثلث ويقوى هذا حديث ابن عباس في مبيته في بيت ميمونة قال فلما انتصف الليل او قبله بقليل او بعده بقليل قام رسول الله ص - قال ع ويلزم على هذا البدل الذي ذكرناه ان يكون نصف الليل قد وقع عليه الوصف بقليل وقد يحتمل عندى قوله الا قليلا ان يكون استثناء من القيام فنجعل الليل اسم جنس ثم قال الا قليلا اي الا الليالي التي تخل بقيامها لعذر وهذا النظر يحسن مع القول بالندب جدا قال ص وهذا النظر خلاف ظاهر الآية انتهى والضمير في منه وعليه عائدان على النصف وقوله سبحانه ورتل معناه في اللغة تمهل وفرق بين الحروف لتبين والمقصد ان يجد الفكر فسحة للنظر وفهم المعاني وبذلك يرق القلب ويفيض عليه النور والرحمة قال ابن كيسان المراد تفهمه تاليا له وروي في صحيح الحديث ان قراءة رسول الله ص - كانت بينة مترسلة لو شاء احد ان يعد الحروف لعدها قال الغزالي في الاحياء واعلم ان الترتيل والتؤدة اقرب الى التوفير والاحترام واشد تأثيرا في القلب من الهدرمة والاستعجال والمقصود من القراءة التفكير والترتيل معين عليه وللناس عادات مختلفة في الختم واولى ما يرجع اليه في التقديرات قول النبي ص - وقد قال عليه السلام من قرأ القرءان في اقل من ثلاث لم يفقهه وذلك لان الزيادة عليها تمنع الترتيل المطلوب وقد كره جماعة الختم في يوم وليلة والتفصيل في مقدار القراءة انه ان كان التالي من العباد السالكين طريق العمل فلا ينبغي له ان ينقص من ختمتين في الاسبوع وان كان من السالكين بأعمال القلب وضروب الفكر او من المشغولين بنشر العلم فلا بأس ان يقتصر في الاسبوع على ختمة وان كان نافذ الفكر في معاني القراءن فقد يكتفي في الشهر بمرة لحاجته الى كثرة الترديد والتأمل انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه قال حدثنا اسماعيل عن ابي المتوكل الناجى ان النبي ص - قام ذات ليلة بآية من القرآن يكررها على نفسه انتهى وقوله تعالى انا سنلقى عليك قولا ثقيلا يعنى القرآن واختلف لم سماه ثقيلا فقال جماعة من المفسرين لما كان يحل برسول الله ص - من ثقل الجسم حتى انه كان اذا اوحي اليه وهو على ناقته بركت به وحتى كادت فخذه ان ترض فخذ زيد ابن ثابت رضي الله عنه وقيل لثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعده ووعيده ونحو ذلك وقال حذاق العلماء معناه ثقيل المعانى من الامر بالطاعات والتكاليف الشرعية من الجهاد ومزاولة الاعمال الصالحات دائما قال الحسن ان الهذ خفيف ولكن العمل ثقيل ت والصواب عندي ان يقال اما ثقله باعتبار النبي ص - فهو ما كان يجده عليه السلام من الثقل المحسوس وأما ثقله باعتبار سائر الأمة فهو ما ذكر من ثقل المعاني وقد زجر مالك سائلا سأله عن مسئلة وقال يا ابا عبد الله انها مسئلة خفيفة فغضب مالك وقال ليس في العلم خفيف اما سمعت قول الله تعالى انا سنلقى عليك قولا ثقيلا فالعلم كله ثقيل انتهى من المدارك لعياض وقوله سبحانه ان ناشئة الليل قال ابن جبير وغيره هي لفظة حبشية نشأ الرجل اذا قام من الليل فناشئة على هذا جمع ناشئ اي قائم واشد وطأ معناه ثبوتا واستقلالا بالقيام وقرأ ابو عمرو وابن عامر وجماعة كابن عباس وابن الزبير وغيرهم وطاء بكسر الواو ممدودا على وزن فعال على معنى المواطأة والموافقة وهو ان يواطئ قلبه لسانه والمواطأة هي الموافقة فهذه مواطأة صحيحة لخلو البال من اشغال النهار وبهذا المعنى فسر اللفظ مجاهد وغيره قال الثعلبي واختار هذه القراءة ابو عبيد وقال جماعة ناشئة الليل ساعاته كلها لانها تنشأ شيأ بعد شيء وقيل في تفسير ناشئة الليل غير هذا وقرأ انس بن مالك واصوب قيلا فقيل له انما هو اقوم فقال اقوم واصوب واحد وقوله تعالى ان لك في النهار سبحا طويلا اي تصرفا وترددا في امورك ومنه السباحة في الماء وتبتل معناه انقطع اليه انقطاعا هذا لفظ ابن عطاء على ما نقله الثعلبي انتهى واما ع فقال معناه انقطع من كل شيء الا منه وافزع اليه قال زيد بن اسلم التبتل رفض الدنيا ومنه بتل الحبل وتبتيلا مصدر على غير الصدر قال ابو حيان وحسنه كونه فاصلة انتهى قال ابن العربي في احكامه فالتبتل المأمور به في الآية الانقطاع الى الله تعالى باخلاص العبادة وهو اختيار البخاري والتبتل المنهي عنه في الحديث هو سلوك مسلك النصاري في ترك النكاح والترهب في الصوامع انتهى والوكيل القائم بالامر الذي توكل اليه الاشياء وقوله واهجرهم هجرا جميلا منسوخ بأية السيف وقوله سبحانه وذرنى والمكذبين اولى النعمة الآية وعيد بين والمعنى لا تشغل بهم فكرك وكلهم الي والنعمة غضارة العيش وكثرة المال والمشار اليهم كفار قريش اصحاب القليب ببدر ولدينا بمنزلة عندنا والانكال جمع نكال وهو القيد من الحديد ويروى انها قيود سود من النار والطعام ذو الغصة شجرة الزقوم قاله مجاهد وغيره وقال ابن عباس شوك من نار يعترض في حلوقهم وكل مطعوم هنالك فهو ذو غصة وروي ان النبي ص - قرأ هذه الآية فصعق والرجفان والاهتزاز والاضطراب من فزع وهول والمهيل اللين الرخو الذي يذهب بالريح وقال البخاري كثيبا مهيلا رملا سائلا انتهى وقوله تعالى انا ارسلنا اليكم الآية خطاب للعالم لكن المواجهون قريش وشاهدا عليكم نحو قوله وجئنا بك على هؤلاء شهيدا والوبيل الشديد الردى وقوله تعالى فكيف تتقون معناه كيف تجعلون وقاية لأنفسكم ويوما مفعول بتتقون وقيل هو مفعول بكفرتم ويكون كفرتم بمعنى جحدتم فتتقون على هذا من التقوى اي تتقون عذاب الله ويجوز ان يكون يوما ظرفا والمعنى تتقون عقاب الله يوما وعبارة الثعلبي فكيف تتقون ان كفرتم اي كيف تتحصنون من عذاب يوم يشيب فيه الطفل لهوله ان كفرتم ثم ذكر نحو ما تقدم انتهى وحكى ص عن بعض الناس جواز ان يكون يوما ظرفا اي فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة ان كفرتم في الدنيا ت وهذا هو مراد ع قال ابو حيان وشيبا مفعول ثان ليجعل وهو جمع اشيب انتهى وقوله تعالى السماء منفطر به اي ذات انفطار والانفطار التصدع والانشقاق والضمير في به قال منذر وغيره عائد على اليوم وكذا قال ص ان ضمير به يعود على اليوم والباء سببية او ظرفية انتهى وفي صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو وذكر ص - بعث النار من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعون الى النار وواحد الى الجنة قال فذلك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق الحديث انتهى وقيل عائد على الله اي منفطر بأمره وقدراته والضمير في قوله وعده الظاهر انه يعود على الله تعالى وقوله تعالى ان هذه تذكرة الآية الاشارة بهذه تحتمل الى ما ذكر من الانكال والجحيم والاخد الوبيل وتحتمل ان تكون الى السورة بجملتها وتحتمل ان تكون الى ءايات القرآن بجملتها وقوله سبحانه فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا ليس معناه اباحة الامر وضده بل الكلام يتضمن الوعد والوعيد والسبيل هنا سبيل الخير والطاعة وقوله سبحانه ان ربك يعلم انك تقوم الآية المعنى ان الله تعالى يعلم انك تقوم أنت وغيرك من امتك قياما مختلفا مرة يكثر ومرة يقل ومرة ادنى من الثلثين ومرة ادنى من النصف ومرة ادنى من الثلث وذلك لعدم تحصيل البشر لمقادير الزمان مع عذر النوم وتقدير الزمان حقيقة انما هو لله تعالى واما البشر فلا يحصى ذلك فتاب الله عليهم اي رجع بهم من الثقل الى الخفة وامرهم بقراءة ما تيسر ونحو هذا تعطى عبارة الفراء ومنذر فإنهما قالا تحصوه تحفظوه وهذا التأويل هو على قراءة الخفض عطفا على الثلثين وهي قراءة ابي عمرو ونافع وابن عامر واما من قرأ ونصفه وثلثه بالنصب عطفا على ادنى وهي قراءة باقي السبعة فالمعنى عندهم ان الله تعالى قد علم انهم يقدرون الزمان على نحو ما امر به تعالى في قوله نصفه او انقص منه قليلا او زد عليه فلم يبق الا قوله ان لن تحصوه فمعناه لن يطيقوا قيامه لكثرته وشدته فخفف الله عنهم فضلا منه لا لعلة جهلهم بالتقدير واحصاء الاوقات ونحو هذا تعطى عبارة الحسن وابن جبير فانهما قالا تحصوه تطيقوه وعبارة الثعلبي ومن قرأ بالنصب فالمعنى وتقوم نصفه وثلثه قال الفراء وهو الاشبه بالصواب لانه قال اقل من الثلثين ثم ذكر تفسير القلة لا تفسير اقل من القلة انتهى ولو عبر الفراء بالأرجح لكان احسن ادبا وعن عبادة بن الصامت عن النبي ص - انه قال من تعار من الليل فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله ثم قال اللهم اغفر لي او دعا استجبيب له فان توضأ ثم صلى قبلت صلاته رواه الجماعة الا مسلما وتعار بتشديد الراء معناه استيقظ انتهى من السلاح وقوله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القرآن قال الثعلبي اي ما خف وسهل بغير مقدار من القراءة والمدة وقيل المعنى فصلوا ما تيسر فعبر بالقراءة عنها ت وهذا هو الاصح عند ابن العربي انتهى قال ع قوله فاقرءوا ما تيسر من القرآن هو امر ندب في قول الجمهور وقال جماعة هو فرض لا بد منه ولو خمسين ءاية وقال الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة الا ان الحسن قال من قرأ مائة ءاية لم يحاجه القرءان واستحسن هذا جماعة من العلماء قال بعضهم والركعتان بعد العشاء مع الوتر داخلتان في امتثال هذا الامر ومن زاد زاده الله ثوابا ت ينبغي للعاقل المبادرة الى تحصيل الخيرات قبل هجوم صولة الممات قال الباجي في سنن الصالحين له قالت بنت الربيع بن خثيم لابيها يا ابت ما لي ارى الناس ينامون وانت لا تنام قال ان اباك يخاف البيات قال الباجي رحمه الله تعالى ولي في هذا المعنى ... قد افلح القانت في جنح الدجى ... يتلوا الكتاب العربي النيرا ... فقائما وراكعا وساجدا ... مبتهلا مستعبرا مستغفرا ... له حنين وشهيق وبكا ... يبل من ادمعه ترب الثرى انا لسفر نبتغي نيل الهدى ... ففي السرى بغيتنا لا في الكرا ... من ينصب الليل ينل راحته ... عند الصباح يحمد القوم السرى ... انتهى والضرب في الارض هو السفر للتجارة ابتغاء فضل الله سبحانه فذكر الله سبحانه اعذار بني آدم التي هي حائلة بينهم وبين قيام الليل ثم كرر سبحانه الامر بقراءة ما تيسر منه تاكيدا والصلاة والزكاة هنا هما المفروضتان فمن قال ان القيام من الليل غير واجب قال معنى الآية خذوا من هذا النفل بما تيسر وحافظوا على فرائضكم ومن قال ان شيأ من القيام واجب قال قد قرنه الله بالفرائض لانه فرض واقراض الله تعالى هو اسلاف العمل الصالح عنده وقرأ جمهور الناس هو خيرا على ان يكون هو فصلا قال بعض العلماء الاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالاسحار هم يستغفرون قال ع وعهدت ابي رحمه الله يستغفر الله اثر كل مكتوبة ثلاثا بعقب السلام ويأثر في ذلك حديثا فكان هذا الاستغفار من التقصير وتقلب الفكر اثناء الصلاة وكان السلف الصالح يصلون الى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار ت وما ذكره ع رحمه الله عن ابيه رواه مسلم وابو داود والترمذي والنساءي وابن ماجه عن ثوبان قال كان رسول الله ص - اذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم انت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والاكرام قال الوليد فقلت للاوزاعي كيف الاستغفار قال تقول استغفر الله استغفر الله استغفر الله وفي رواية لمسلم من حديث عائشة يا ذا الجلال والاكرام انتهى من سلاح المؤمن تفسير سورة المدثر وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل يا ايها المدثر قم فانذر الآية اختلف في اول ما نزل من القرءان فقال الجمهور هو اقرأ باسم ربك وهذا هو الاصح وقال جابر وجماعة هو يا ايها المدثر ص والتدثر لبس الدثار وهو الثوب الذي فوق الشعار والشعار الثوب الذي يلى الجسد ومنه قوله عليه السلام الانصار شعار والناس دثار انتهى وقوله تعالى قم فانذر بعثة عامة الى جميع الخلق وربك فكبر اي فعظم وثيابك فطهر قال ابن زيد وجماعة هو امر بتطهير الثياب حقيقة وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية الى وجوب غسل النجاسات من الثياب وقال الجمهور هذه الالفاظ استعارة في تنقية الافعال والنفس والعرض وهذا كما تقول فلان طاهر الثوب ويقال للفاجر دنس الثوب قال ابن العربي في احكامه والذي يقول انها الثياب المجازية اكثر كثيرا ما تستعمله العرب قال ابو كبشة ... ثياب بنى عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران ... يعنى بطهارو ثيابهم سلامتهم من الدناءات وقال غيلان بن سلمة التقفي ... فاني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة اتقنع ... وليس يمتنع ان تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز على ما بيناه في اصول الفقه واذا حملناها على الثياب المعلومة فهي تتناول معنيين احدهما تقصير الاذيال فإنها اذا ارسلت تدنست وتقصير الذيل انقى لثوبه واتقى لربه والمعنى الثانى غسلها من النجاسة فهو ظاهر منها صحيح فيها انتهى قال الشيخ ابو الحسن الشاذلي رضي الله عنه رأيت النبي ص - في المنام فقال يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس فقلت وما ثيابي يا رسول الله فقال ان الله كساك حلة المعرفة ثم حلة المحبة ثم حلة التوحيد ثم حلة الايمان ثم حلة الاسلام فمن عرف الله صغر لديه كل شيء ومن احب الله هان عليه كل شيء ومن وحد الله لم يشرك به شيأ ومن آمن بالله وامن من كل شيء ومن اسلم لله قل ما يعصيه وان عصاه اعتذر اليه واذا اعتذر اليه قبل عذره قال ففهمت حينئذ معنى قوله عز و جل وثيابك فطهر انتهى من التنوير لا بن عطاء الله والرجز يعنى الاصنام والأوثان وقال ابن عباس الرجز السخط يعنى اهجر ما يؤدي اليه ويوجبه واختلف في معنى قوله تعالى ولا تمنن تستكثر فقال ابن عباس وجماعة معناه لا تعط عطاء لتعطى اكثر منه فكأنه من قولهم من اذا اعطى قال الضحاك وهذا خاص بالنبي ص - ومباح لامته لكن لا اجر لهم فيه وقال الحسن بن ابي الحسن معناه ولا تمنن على الله بجدك تستكثر اعمالك ويقع لك بها اعجاب قال ع وهذا من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها وقال مجاهد معناه ولا تضعف تستكثر ما حملناك من اعباء الرسالة وتستكثر من الخير وهذا من قولهم حبل منين اي ضعيف ولربك فاصبر اي لوجه ربك وطلب رضاه فاصبر على اذى الكفار وعلى العبادة وعن الشهوات وعلى تكاليف النبوة قال ابن زيد وعلى حرب الاحمر والاسود ولقد حمل امرا عظيما ص - والناقور الذي ينفخ فيه وهو الصور قاله ابن عباس وعكرمة وهو فاعول من النقر قال ابو حباب القصاب أمنا زرارة بن اوفى فلما بلغ فإذا نقر في الناقور خر ميتا قال الفجر قوله تعالى فذلك يومئذ يوم عسير اي على الكافرين لانهم يناقشون غير يسير اي بل كثير شديد فاما المؤمنون فانه عليهم يسير لانهم لا يناقشون قال ابن عباس ولما قال تعالى على الكافرين غير يسير دل على انه يسير على المؤمنين وهذا هو دليل الخطاب ويحتمل ان يكون انما وصفه تعالى بالعسر لانه في نفسه كذلك للجميع من المؤمنين والكافرين الا انه يكون هول الكفار فيه اكثر واشد وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله يوم عسير انتهى وقوله تعالى ذرنى ومن خلقت وحيدا الآية لا خلاف بين المفسرين ان هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي فروي انه كان يلقب الوحيد اي لانه لا نظيرا له في ماله وشرفه في بيته فذكر الوحيد في جملة النعم التي اعطي وان لم يثبت هذا فقوله تعالى خلقت وحيدا معناه منفردا قليلا ذليلا والمال الممدود قال مجاهد وابن جبير هو الف دينار وقال سفيان بلغني انه اربعة ءالالف وقاله قتادة وقيل عشرة ءالالف دينار قال ع وهذا مد في العدد وقال عمر بن الخطاب المال الممدود الزيع المستغل مشاهرة وبنين شهودا اي حضورا قيل عشرة وقيل ثلاثة عشر قال الثعلبي اسلم منهم ثلاثة خالد بن الوليد وهشام وعمارة قالوا فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك انتهى ومهدت له تمهيدا قال سفيان المعنى بسطت له العيش بسطا وقوله تعالى كلا ردع وزجر له على امنيته وأرهقه معناه اكلفه بمشقة وعسر وصعود عقبة في نار جهنم روى ذلك ابو سعيد الخدري عن النبي ص - كلما وضع عليها شيء من الانسان ذاب ثم يعود والصعود في اللغة العقبة الشاقة وقوله تعالى مخبرا عن الوليد انه فكر وقدر الاية روى جمهور من المفسرين ان الوليد سمع من القرءان ما اعجبه ومدحه ثم سمع كذلك مرارا حتى كاد ان يقارب الاسلام وقال والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الانس ولا هو من كلام الجن ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان اعلاه لمثمر وان اسفله لمغدق وانه يعلو وما يعلى فقالت قريش صبأ الوليد والله لتصبأن قريش فقال ابو جهل انا اكفيكموه فحاجه ابو جهل وجماعة حتى غضب الوليد وقال تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط قالوا لا قال تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط قالوا لا قال تزعمون أنه كاهن فعل رأيتموه يتكهن قط قالوا لا قال تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب قط قالوا لا وكانوا يسمونه قبل النبوة الامين لصدقه فقالت قريش ما عندك فيه فتفكر في نفسه فقال ما ارى فيه شيأ مما ذكرتموه فقالوا هو ساحر فقال اما هذا فيشبه والفاظ الرواة هنا متقاربة المعانى من رواية الزهري وغيره وقوله تعالى فقتل كيف قدر قال الثعلبي وغيره قتل معناه لكن انتهى وبسر اي قطب ما بين عينيه واربد وجهه ثم ادبر عن الهدى بعد ان أقبل إليه وقال أن هذا الاسحر يؤثر أي يروى أي يرويه محمد عن غيره وسقر هي الدرك السادس من النار لا تبقى على من القي فيها ولا تذر غاية من العذاب الا وصلته اليه وقوله تعالى لواحة للبشر قال ابن عباس وجمهور الناس معناه مغيرة للبشرات ومحرقة للجلود مسودة لها فالبشر جمع بشرة وقال الحسن وابن كيسان لواحة بناء مبالغة من لاح يلوح اذا ظهر فالمعنى انها تظهر للناس وهم البشر من مسيرة خمسمائة عام وذلك لعظمها وهولها وزفيرها وقوله تعالى عليها تسعة عشر لا خلاف بين العلماء انهم خزنة جهنم المحيطون بامرها الذين اليهم جماع امر زبانيتها وروي ان قريشا لما سمعت هذا كثر لغطهم فيه وقالوا ولو كان هذا حقا فان هذا العدد قليل وقال ابو جهل هؤلاء تسعة عشرة وانتم الدهم اي الشجعان افيعجز عشرة منا عن رجل منهم الى غير هذا من اقوالهم السخيفة وقوله تعالى وما جعلنا اصحاب النار الا ملائكة تبيين لفساد اقوال قريش اي انا جعلناهم خلقا لا قبل لاحد من الناس بهم وجعلنا عدتهم هذا القدر فتنة للكفار ليقع منهم من التعاطى والطمع في المبالغة ما وقع وليستيقن اهل الكتاب التوارة والانجيل ان هذا القرءان من عند الله اذ هم يجدون هذه العدة في كتبهم المنزلة قال هذا المعنى ابن عباس وغيره وبورود الحقائق من عند الله عز و جل يزداد كل ذي ايمان ايمانا ويزول الريب عن المصدقين من اهل الكتاب ومن المؤمنين وقوله سبحانه وليقول الذين في قلوبهم مرض الآية نوع من الفتنة لهذا الصنف المنافق او الكافر اي حاروا ولم يهتدوا لمقصد الحق فجعل بعضهم يستفهم بعضا عن مراد الله بهذا المثل استبعادا ان يكون هذا من عند الله قال الحسين بن الفضل السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وانما المرض في هذه الآية الاضطراب وضعف الايمان ثم قال تعالى وما يعلم جنود ربك الا هو اعلاما بان الامر فوق ما يتوهم وان الخبر انما هو عن بعض القدرة لا عن كلها ت صوابه ان يقول عن بعض المقدورات لا عن كلها وهذا هو مراده الا تراه قال في قوله تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه قال يعنى بشيء من معلوماته لان علمه تعالى لا يتجزأ فافهم راشدا والسموات كلها عامرة بانواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة قال مجاهد والضمير في قوله وما هي للنار المذكورة اي يذكر بها البشر فيخافونها فيطيعون الله وقال بعضهم قوله وما هي يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة وأقسم تعالى بالقمر وما بعده تنبيها على النظر في ذلك والفكر المؤدي الى تعظيمه تعالى وتحصيل معرفته تعالى مالك الكل وقوام الوجود ونور السموات والارض لا اله الا هو العزيز القهار وادبر الليل معناه ولى واسفر الصبح اضاء وانتشر ضوءه قال ابن زيد وغيره الضمير في قوله انها لإحدى الكبر لجهنم ويحتمل ان يكون الضمير للنذارة وامر الآخرة فهو للحال والقصة ص والكبر جمع كبرى وفي ع جمع كبيرة ولعله وهم من الناسخ انتهى وقوله سبحانه نذيرا للبشر هو محمد ص - وقوله سبحانه لمن شاء منكم ان يتقدم او يتأخر قال الحسن هو وعيد نحو قوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ثم قوى سبحانه هذا المعنى بقوله كل نفس بما كسبت رهينة اذ لزم بهذا القول ان المقصر مرتهن بسوء عمله وقال الضحاك المعنى كل نفس حقت عليها كلمة العذاب ولا يرتهن تعالى احدا من اهل الجنة ان شاء الله وقوله تعالى الا اصحاب اليمين استثناء ظاهره الانفصال تقديره لكن اصحاب اليمين في جنات ص في جنات اي هم في جنات فيكون خبر مبتدا محذوف م واعربه ابو البقاء حالا من الضمير في يتساءلون انتهى قال ابن عباس اصحاب اليمين هنا الملائكة وقال الضحاك هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى وقال الحسن وابن كيسان هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين ت واسند ابو عمر بن عبد البر عن علي بن ابي طالب في قوله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة الا اصحاب اليمين قال اصحاب اليمين اطفال المسلمين انتهى من التمهيد وقولهم ما سلككم اي ما ادخلكم فيحتمل ان يكون من قول اصحاب اليمين الآدميين او من قول الملائكة وقوله تعالى قالوا يعنى الكفار لم نك من المصلين الآية وفي نفي الصلاة يدخل الايمان بالله والمعرفة به والخشوع له ولم نك نطعم المسكين يشمل الصدقة فرضا كانت او نفلا والخوض مع الخائضين عرفه في الباطل والتكذيب بيوم الدين كفر صراح حتى اتانا اليقين يعنى الموت قاله المفسرون قال ع وعندي ان اليقين صحة ما كانوا يكذبون به من الرجوع الى الله والدار الآخرة وقد تقدم ذكر احاديث الشفاعة قال الفخر واحتج اصحابنا بهذه الآية على ان الكفار يعذبون بترك فروع الشريعة والاستقصاء فيه قد ذكرناه في المحصول انتهى وقوله تعالى في صفة الكفار المعرضين كأنهم حمر مستنفرة اثبات لجهلهم لان الحمر من جاهل الحيوان جدا وفي حرف ابن مسعود حمر نافرة قال ابن عباس وابو هريرة وجمهور من اللغويين القسورة الاسد وقيل غير هذا بل يريد كل امرئي منهم اي من هؤلاء ان يؤتى صحفا منشرة اي يريد كل انسان منهم ان ينزل عليه كتاب من الله ومنشرة اي منشورة غير مطوية وقوله كلا رد على ارادتهم اي ليس الامر كذلك ثم قال بل لا يخافون الآخرة المعنى هذه هي العلة والسبب في اعراضهم فكان جهلهم بالآخرة سبب امتناعهم من الهدى حتى هلكوا ثم اعاد تعالى الرد والزجر بقوله كلا واخبر ان هذا القول والبيان وهذه المحاورة بجملتها تذكرة فمن شاء ووفقه الله لذلك ذكر معاده فعمل له ثم اخبر سبحانه ان ذكر الانسان معاده وجريه الى فلاحه انما هو كله بمشيئة الله تعالى وليس يكون شيء الا بها وقرأ ابو عمرو وعاصم وابن كثير يذكرون بالياء من تحت وقوله سبحانه هو اهل التقوى وأهل المغفرة خبر جزم معناه أن الله عز و جل أهل بصفاته العلى ونعمه التي لا تحصى لان يتقي ويطاع امره ويحذر عصيانه وانه بفضله وكرمه اهل ان يغفر لعباده اذا اتقوه روى ابن ماجه عن انس ان النبي ص - قرأ هذه الآية هو اهل التقوى واهل المغفرة فقال قال الله تعالى انا اهل ان اتقى فلا يجعل معى اله آخر فمن اتقاني فلم يجعل معى الها آخر فانا اهل ان اغفر له واخرجه ابو عيسى الترمذي بمعناه وقال حديث حسن انتهى تفسير سورة القيامة وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل لا اقسم بيوم القيامة ولا اقسم بالنفس اللوامة هذه قراءة الجمهور وقرأ ابن كثير لا قسم بيوم القيامة ولا قسم فقيل على قراءة الجمهور لا زائدة وقال الفراء لا نفى لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم وجمهور المتأولين على ان الله تعالى اقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة اقسم سبحانه بيوم القيامة تنبيها منه على عظمه وهوله قال الحسن النفس اللوامة هي اللوامة لصاحبها في ترك الطاعة ونحو ذلك فهي على هذا ممدوحة ولذلك اقسم الله بها وقال ابن عباس وقتادة اللوامة هي الفاجرة اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا واعراضها وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها والنفس في الآية اسم جنس قال ع وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالامارة بالسوء فانها لوامة في الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة ومرة تلوم على فوت ما تشتهى فاذا اطمأنت خلصت وصفت قال الثعلبي وجواب القسم محذوف تقديره لتبعثن دل عليه قوله ايحسب الانسان الن نجمع عظامه اي للاحياء والبعث والانسان هنا الكافر المكذب بالبعث انتهى والبنان الاصابع ونسوي بنانه معناه نتقنها سوية قاله القتبي وهذا كله عند البعث وقال ابن عباس وجمهور المفسرين المعنى بل نحن قادرون ان نسوى بنانه اي نجعل اصابع يديه ورجليه شيأ واحدا كخف البعير او كحافر لحمار لا يمكنه ان يعمل بها شيأ ففي هذا توعد ما والقول الاول اجرى مع رصف الكلام بل يريد الانسان ليفجر امامه معناه ان الانسان انما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها ابدا راكبا رأسه ومطيعا امله ومسوفا توبته قال البخاري ليفجر امامه يقول سوف اتوب سوف اعمل انتهى قال الفخر قوله ليفجر امامه فيه قولان الاول ليدوم على فجورة فيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه فعن ابن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة يقول سوف اتوب سوف اتوب حتى ياتيه الموت على شر احواله واسوإ اعماله القول الثاني يفجر امامه اي يكذب بما امامه من البعث والحساب لان من كذب حقا كان مفاجرا والدليل على هذا القول قوله تعالى يسئل ايان يوم القيامة اي متى يكون ذلك تكذيبا له انتهى وسؤال الكفار ايان هو على معنى التكذيب والهزء وايان بمعنى متى وقرأ نافع وعاصم بخلاف برق البصر بفتح الراء بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت وقرأ ابو عمرو وغيره بكسرها بمعنى شخص والمعنى متقارب قال مجاهد هذا عند الموت وقال الحسن هذا في يوم القيامة قال ابو عبيدة وجماعة من اللغويين الخسوف والكسوف بمعنى واحد وقال ابن ابي اويس الكسوف ذهاب بعض الضوء والخسوف ذهاب جميعه وروى عروة وسفيان ان النبي ص - قال لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت وقرأ ابن مسعود وجمع بين الشمس والقمر واختلف في معنى الجمع بينهما فقال عطاء يجمعان فيقذفان في النار وقيل في البحر فيصيرا نار الله العظمى وقيل يجمع الضوءان فيذهب بهما قال الثعلبي وقال علي وابن عباس يجعلان في نور الحجب انتهى يقول الانسان يومئذ أين المفر اي اين الفرار كلا لا وزر اي لا ملجأ والمستقر موضع الاستقرار وقوله تعالى ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم واخر اي يعلم بكل ما فعل ويجده محصلا وقال ابن عباس وابن مسعود بما قدم في حياته وما اخر من سنة بعد مماته وقوله تعالى بل الانسان على نفسه بصيرة قال ابن عباس وغيره اي للانسان على نفسه من نفسه بصيرة رقباء يشهدون عليه وهم جوارحه وحفظته ويحتمل ان يكون المعنى بل الانسان على نفسه شاهد ودليله قوله تعالى كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا قال الثعلبي قال ابان بن ثعلب البصيرة والبينة والشاهد بمعنى انتهى ونحوه للهروي قال ع والمعنى على هذا التأويل الثاني ان في الانسان وفي عقله وفطرته حجة وشاهدا مبصرا على نفسه ولو القي معاذيره اي ولو اعتذر عن قبيح افعاله فهو يعلمها قال الجمهور المعاذير هما جمع معذرة وقال الضحاك والسدي هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر المعذار وقوله تعالى لا تحرك به لسانك الآية قال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان النبي ص - يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه مخافة ان يذهب عنه ما يوحي اليه فنزلت الآية بسبب ذلك واعلمه تعالى انه يجمعه له في صدره وقوله وقرءانه يحتمل ان يريد وقراءته اي تقرأه انت يا محمد وقوله فإذا قراناه أي قرأه الملك الرسول عنا فاتبع قرآنه قال البخاري قال ابن عباس فاتبع اي اعمل به وقال البخاري ايضا قوله انا علينا جمعه وقرءانه اي تاليف بعضه الى بعض فاذا قرأناه فاتبع قرءانه اي ما جمع فيه فاعمل بما امرك وانته عما نهاك انتهى وقوله تعالى ثم ان علينا بيانه قال قتادة وجماعة معناه ان نبينه لك وقال البخاري ان نبينه على لسانك وقوله تعالى كلا بل تحبون العاجلة اي الدنيا وشهواتها قال الغزالي في الاحياء اعلم ان رأس الخطايا المهلكة هو حب الدنيا ورأس اسباب النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور وقال رحمه الله اعلم انه لا وصول الى سعادة لقاء الله سبحانه في الآخرة الا بتحصيل محبته والانس به في الدنيا ولا تحصل المحبة الا بالمعرفة ولا تحصل المعرفة الا بدوام الفكر ولا يحصل الانس الا بالمحبة ودوام الذكر ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر الا بانقلاع حب الدنيا من القلب ولا ينقلع ذلك الا بترك لذات الدنيا وشهواتها ولا يمكن ترك المشتهيات الا بقمع الشهوات ولا تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف المحرقة للشهوات انتهى وقرأ ابن كثير وغيره يحبون ويذرون بالياء على ذكر الغائب ولما ذكر سبحانه الآخرة اخبر بشيء من حال اهلها فقال وجوه يومئذ ناضره اي ناعمة والنضرة النعمة وجمال البشرة قال الحسن وحق لها ان تنضر وهي تنظر الى خالقها وقوله تعالى الى ربها ناظرة حمل جميع اهل السنة هذه الآية على انها متضمنة رؤية المؤمنين لله عز و جل بلا تكييف ولا تحديد كما هو معلوم موجود لا يشبه الموجودات كذلك هو سبحانه مرءي لا يشبه المرءيات في شيء فانه ليس كمثله شيء لا اله الا هو وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسئلة وما في ذلك من صحيح الاحاديث والباسرة العابسة المغمومة النفوس والبسور اشد العبوس وانما ذكر تعالى الوجوه لانه فيها يظهر ما في النفس من سرور او غم والمراد اصحاب الوجوه والفاقرة المصيبة التي تكسر فقار الظهر وقال ابو عبيدة هي من فقرت البعير اذا وسمت انفه بالنار وقوله تعالى كلا اذا بلغت زجر وتذكير ايضا بموطن من مواطن الهول وهي حالة الموت الذي لا محيد عنه وبلغت يريد النفس والتراقي جمع ترقوة وهي عظام اعلى الصدر ولكل احد ترقوتان لكن جمع من حيث ان النفس المرادة اسم جنس والتراقي هي موارية للحلاقيم فالامر كله كناية عن حال الحشرجة ونزع الموت يسره الله علينا بمنه وجعله لنا راحة من كل شر واختلف في معنى قوله تعالى وقيل من راق فقال ابن عباس وجماعة معناه من يرقي ويطب ويشفي ونحو هذا مما يتمناه اهل المريض وقال ابن عباس ايضا وسليمان التيمي ومقاتل هذا القول للملائكة والمعنى من يرقي بروحه اي يصعد بها الى السماء املائكة الرحمة ام ملائكة العذاب وظن انه الفراق اي ايقن وهذا يقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن وقوله تعالى والتفت الساق بالساق قال ابن المسيب والحسن هي حقيقة والمراد ساقا الميت عند تكفينه اي لفهما الكفن وقيل هو التفافهما من شدة المرض وقيل غير هذا وقوله تعالى فلا صدق ولا صلى الآية قال جمهور المتأولين هذه الآية كلها انما نزلت في ابي جهل قال ع ثم كادت هذه الآية ان تصرح به في قوله يتمطي فانها كانت مشيته وقوله فلا صدق ولا صلى تقديره فلم يصدق ولم يصل فلا في الآية نفي لا عاطفة ص قوله فلا صدق فيه دليل على ان لا تدخل على الماضي فتنفيه كقول الراجز ان تغفر اللهم تغفر حبما ... واي عبد لك لا الما ... انتهى وصدق معناه برسالة الله ودينه وذهب قوم الى انه من الصدقة والاول اصوب ويتمطى معناه يمشي المطيطاء وهي مشية بتبختر وهي مأخوذة من المطا وهو الظهر لانه يتثنى فيها زاد ص وقيل اصله يتمطط اي بتمدد في مشيه ومد منكبيه انتهى وقوله اولى لك وعيد فاولى وعيد ثان وكرر ذلك تاكيدا ومعنى اولى لك الازدجار والانتهار والعرب تستعمل هذه الكلمة زجرا ومنه فاولى لهم طاعة ويروى ان النبي ص - لبب ابا جهل يوما في الطحاء وقال له ان الله يقول لك اولى لك فاولى فنزل القرءان على نحوها وفي شعر الخنساء ... هممت بنفسي كل الهموم ... فاولى لنفسي اولى لها ... وقوله تعالى ايحسب توبيخ وسدى معناه مهملا لا يومر ولا ينهى ثم قرر تعالى احوال ابن ءادم في بدايته التي اذا تأملت ام ينكر معها جواز البعث من القبور عاقل والعلقة القطعة من الدم فخلق فسوى اي فخلق الله منه بشرا مركبا من اشياء مختلفة فسواه شخصا مستقلا والزوجين النوعين ثم وقف تعالى توقيف توبيخ بقوله أليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى روي ان النبي ص - كان اذا قرأ هذه الآية قال بلى وروي انه كان يقول سبحانك اللهم وبحمدك بلى انظر سنن ابى داود تفسير سورة الانسان قيل مكية وقيل مدنية وقال الحسن وعكرمة منها ءاية مكية وقي قوله تعالى ولا تطع منهم ءاثما او كفورا والباقي ومدني بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى هل اتى على الانسان الآية هل في كلام العرب قد تجيء بمعنى قد حكاه سيبويه لكنها لا تخلو من تقرير وبابها المشهور الاستفهام المحض والتقرير احيانا قال ابن عباس هل بمعنى قد والانسان يراد به ءادم وقال اكثر المتأولين هل تقرير والانسان اسم جنس اي اذا تأمل كل انسان نفسه علم بانه قد مر حين من الدهر عظيم لم يكن فيه شيأ مذكورا وهذا هو القوي ان الانسان اسم جنس وان الآية جعلت عبرة لكل احد من الناس ليعلم ان الخالق له قادر على اعادته ص لم يكن شيأ مذكورا في موضع حال من الانسان او في موضع صفة لحين والعائد عليه محذوف اي لم يكن فيه انتهى وقوله تعالى انا خلقنا الانسان الآية الانسان هنا اسم جنس بلا خلاف وامشاج معناه اخلاط قيل هو امشاج ماء الرجل بماء المرأة ونقل الفخر ان الامشاج لفظ مفرد وليس بجمع بدليل انه وقع صفة للمفرد وهو قوله نطفة انتهى نبتليه اي نختبره بالايجاد والكون في الدنيا وهو حال من الضمير في خلقنا كانه قال مختبرين له بذلك وقوله تعالى فجعلناه سميعا بصيرا عطف جملة نعم على جملة نعم وقيل المعنى فلنبلتيه جعلناه سميعا بصيرا وهديناه يحتمل ان يكون بمعنى ارشدناه ويحتمل ان يكون بمعنى اريناه وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والايمان وعبارة الثعلبي هديناه السبيل بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر كقوله وهديناه النجدين انتهى وقوله تعالى إما شاكرا واما كفورا حالان وقسمتهما اما والابرار جمع بار قال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون الشر قال قتادة نعم قوم يمزج لهم بالكافور ويختم له بالمسك قال الفراء يقال ان في الجنة عينا تسمى كافورا وقوله تعالى عينا قيل هو بدل من قوله كافورا وقيل هو مفعول بقوله يشربون اي ماء هذه العين من كأس عطرة كالكافور وقيل نصب عينا على المدح او باضمار اعني قوله تعالى يشرب بها بمنزلة يشربها فالباء زائدة قال الثعلبي قال الواسطي لما اختلفت احوالهم في الدنيا اختلفت اشربتهم في الآخرة انتهى قال ص وقيل الباء في بها للاصلاق والاختلاط اي يشرب بها عباد الله الخمر كما تقول شربت الماء بالعسل انتهى وقوله تعالى يفجرونها معناه يفتقونها ويقودونها حيث شاءوا من منازلهم وقصورهم فهي تجري عند كل احد منهم ورد بهذا الاثر وقيل عين في دار النبي ص - تفجر الى دور الأنبياء والمؤمنين قال ع وهذا قول حسن ثم وصف تعالى حال الابرار فقال يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا اي ممتدا متصلا شائعا وقوله تعالى على حبه يحتمل ان يعود الضمير على الطعام وهو قول ابن عباس ويحتمل ان يعود على الله تعالى قاله ابو سليمان الداراني وقوله واسيرا قال الحسن ما كان اسراهم الا مشركين لان في كل ذي كبد رطبة اجرا ت وفي العتبية سئل مالك عن الاسير في هذه الآية امسلم هو أم مشرك فقال بل مشرك وكان ببدر اساري فانزلت فيهم هذه الآية قال ابن رشد والاظهر حمل الآية في كل اسير مسلما كان او كافرا انتهى يعنى وان كان سبب نزولها ما ذكر فهي عامة في كل اسير الى يوم القيامة وقال ابو سعيد الخدري قال النبي ص - مسكينا قال فقيرا ويتيما وقال لا اب له واسيرا قال المملوك والمسجون واسند القشيري في رسالته عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله ص - لكل شيء مفتاح ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء الصبر هم جلساء الله يوم القيامة انتهى وروى الترمذي عن انس ان النبي ص - قال اللهم احينى مسكينا وامتنى مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة فقالت عائشة لم يا رسول الله قال انهم يدخلون الجنة قبل اغنيائهم باربعين خريفا يا عائشة لا تردى المسكين ولو بشق تمرة يا عائشة احيي المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامة قال ابو عيسى هذا حديث غريب انتهى وقوله انما نطعمكم الآية قال مجاهد وابن جبير ما تكلموا به ولكنه علمه الله من قلوبهم فاثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب ووصف اليوم بعبوس تجوز والقمطرير هو في معنى العبوس والاربداد تقول اقمطر الرجل اذا جمع ما بين عينيه غضبا وقال ابن عباس يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل ما بين عينيه كالقطران وعبر ابن عباس عن القمطرير بالطويل وعبر عنه غيره بالشديد وذلك كله قريب في المعنى والنضرة جمال البشرة وذلك لا يكون الا مع فرح النفس وقرة العين وقوله بما صبروا عام في الصبر عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد وفي هذا يدخل كل ما خصص المفسرون من صوم وفقر ونحوه وقوله سبحانه لا يرون فيها شمسا الآية عبارة عن اعتدال هوائها وذهاب ضرري الحر والقر والزمهرير اشد البرد والقطوف جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه والقوارير الزجاج وقوله تعالى من فضة يقتضي انها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه ومن فضة في جوهره وكذلك فضة الجنة شفافة قال القرطبي في تذكرته وذلك ان لكل قوم من تراب ارضهم قواريرا وان تراب الجنة فضة فهي قوارير من فضة قاله ابن عباس انتهى وقوله تعالى قدروها تقديرا اي على قدرريهم قاله مجاهد او على قدر الاكف قاله الربيع وضمير قدروها يعود اما على الملائكة او على الطائفين او على المنعمين وقوله سبحانه عينا فيها تسمى سلسبيلا عينا بدل من كأس او من عين على القول الثانى وسلسبيلا قيل هو اسم بمعنى السلس المنقاد الجرية وقال مجاهد حديدة الجرية وقال ءاخرون سلسبيلا صفة لقوله عينا وتسمى بمعنى توصف وتشهر وكونه مصروفا مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسما وقوله تعالى حسبتهم لؤلؤا منثورا قال الامام الفخر وفي كيفية التشبيه وجوه احدها انهم شبهوا في حسنهم وصفاء الوانهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم في انواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ولو كانوا صفا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم الا ترى انه تعالى قال ويطوف عليهم ولدان فاذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين الثاني ان هذا من التشبيه العجيب لان اللؤلؤ اذا كان متفرقا يكون احسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض الثالث انهم شبهوا باللؤلؤ الرطب اذا نثر من صدفه لانه احسن واجمل انتهى وقوله تعالى واذا رأيت ثم قال الفراء التقدير واذا رأيت ما ثم رأيت نعيما فحذفت ما وكررت الرؤية مبالغة وملكا كبيرا وهو ان ادناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة الف عام يرى اقصاه كما يرى ادناه وخرجه الترمذي وفي الترمذي ايضا من رواية ابي سعيد قال قال رسول الله ص - ادنى اهل الجنة الذي له ثمانون الف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية الى صنعاء انتهى وقال سفيان الملك الكبير هو استيذان الملائكة وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم قال الثعلبي قال محمد بن علي الترمذي يعنى ملك التكوين اذا ارادوا شيأ كان انتهى ت وجميع ما ذكر داخل في الملك الكبير وقرأ نافع وحمزة عاليهم وقرأ الباقون عاليهم بالنصب والمعنى فوقهم قال الثعلبي وتفسير ابن عباس قال اما رأيت الرجل عليه ثياب يعلوها افضل منها انتهى وقرأ حمزة والكساءي خضر واستبرق بالخفض فيهما وباقي الآية بين وقوله سبحانه انا نحن نزلنا عليك القرءان الآية تثبيت للنبي ص - وتقوية لنفسه على اذى قريش والآثم هنا هو الكفور واللفظ ايضا يقتضي نهي الامام عن طاعة ءاثم من العصاة او كفور بالله ثم امره تعالى بذكر ربه دأبا بكرة واصيلا ومن الليل بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة ويحتمل ان يريد قول سبحان الله قال ابن زيد وغيره كان هذا فرضا ثم نسخ وقال ءاخرون هو محكم على وجه الندب وقال ابن العربي في احكامه اما قوله تعالى وسبحه ليلا طويلا فانه عبارة عن قيام الليل وقد كان النبي ص - يفعله كما تقدم وقد يحتمل ان يكون هذا خطابا للنبي ص - والمراد الجميع ثم نسخ عنا وبقي عليه ص - والاول اظهر انتهى وقوله ان هؤلاء يعنى كفار قريش يحبون العاجلة يعنى الدنيا واعلم ان حب الدنيا رأس كل خطيئة وفي الحديث عن النبي ص - ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس رواه ابن ماجه وغيره باسانيد حسنة قال ابن الفاكهاني قال القاضي ابو الوليد ابن رشد واما الباعث على الزهد فخمسة اشياء احدها انها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في امر الله تعالى والثاني انها تنقص عند الله درجات من ركن اليها والثالث ان تركها قربة من الله تعالى وعلو مرتبة عنده في درجات الآخرة والرابع طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم والخامس رضوان الله تعالى والامن سخطه وهو اكبرها قال الله عز و جل ورضوان من الله اكبر قال ابن الفاكهاني ولو لم يكن في الزهد في الدنيا الا هذه الخصلة التي هي رضوان الله تعالى لكان ذلك كافيا فنعوذ بالله من ايثار الدنيا على ذلك وقد قيل من سمي باسم الزهد فقد سمي بألف اسم ممدوح هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة فالزهاد هم الملوك في الحقيقة وهم العقلاء لايثارهم الباقي على الفاني وقد قال الشافعية لو اوصي لاعقل الناس صرف الى الزهاد انتهى من شرح الاربعين حديثا ولفظ ابي الحسن الماوردي وقد قيل العاقل من عقل عن الله امره ونهيه حتى قال اصحاب الشافعي فيمن اوصى بثلث ماله لاعقل الناس انه يكون مصروفا للزهاد لانهم انقادوا للعقل ولم يغتروا بالأمل انتهى والأسر الخلقة واتساق الاعضاء والمفاصل وعبارة البخاري اسرهم شدة الخلق وكل شيء شددته من قتب او غبيط فهو ما سور والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة انتهى قال ع ومن اللفظة الاسار وهو القيد الذي يشد به الاسير ثم توعدهم سبحانه بالتبديل وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على منكري البعث اي من هذه قدرته في الايجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الاعادة وقال الثعلبي بدلنا امثالهم تبديلا قال ابن عباس يقول اهلكناهم وجئنا باطوع لله منهم انتهى وقوله تعالى ان هذه تذكرة القول فيها كالتي في سورة المزمل وقوله سبحانه فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا كلام واضح لا يفتقر الى تفسير جعلنا الله ممن اهتدى بانواره وعمت عليه بركته في افعاله واقواله قال الباجي قال بعض اهل داود الطاءي قلت له يوما انك قد عرفت فأوصنى قال فدمعت عيناه ثم قال يا اخي انما الليل والنهار مراحل يرحلها الناس مرحلة مرحلة حتى تنتهي بهم الى ءاخر سفرهم فان استطعت ان تقدم من اول مرحلة زادا لما بين يدبك فافعل فان انقطاع السفر قريب والامر اعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما انت قاض من امرك فكان بالامر قد بغتك ثم قام وتركنى انتهى من سنن الصالحين وقوله تعالى وما تشاءون الا ان يشاء الله نفي لقدرتهم على الاختراع وايجاد المعاني في نفوسهم ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب وقرأ عبد الله وما تشاءون الا ما شاء الله وقوله تعالى عليما حكيما معناه يعلم ما ينبغي ان ييسر عبده اليه وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه تفسير سورة والمرسلات وهي مكية في قول الجمهور وقيل فيها من المدني قوله تعالى واذا قيل لهم اركعوالا يركعون قال ابن مسعود نزلت هذه السورة ونحن مع النبي ص - بحراء الحديث بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى والمرسلات عرفا يعنى الرياح يتبع بعضها بعضا قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وقيل المرسلات الملائكة وقيل جماعات الانبياء وعرفا معناه افضالا من الله تعالى ويحتمل ان يريد بقوله عرفا اي متتابعة ويحتمل ان يريد بالامر المعروف ويحتمل ان يكون عرفا بمعنى والمرسلات الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها ثم عقب بذكر الصنف الضار منها وهي العاصفات الشديدة القاصفة للشجر وغيره واختلف في قوله والناشرات فقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره وقيل الملائكة وقيل غير هذا والفارقات قال ابن عباس وغيره هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام وقيل هي ءايات القرءان واما الملقيات ذكرا فهي في قول الجمهور الملائكة وقال ءاخرون هي الرسل والذكر الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها والمعنى ان الذكر يلقى باعذار وانذار وقوله تعالى انما توعدون لواقع هو الجواب الذي وقع عليه القسم والاشارة الى البعث واحوال القيامة والطمس محو الاثر فطمس النجوم ذهاب ضوءها وفرج السماء هو بانفطارها وانشقاقها واذا الرسل اقتت اي جمعت لميقات يوم معلوم وقرأ ابو عمرو وحده وقتت والواو هي الأصل لانها من الوقت والهمزة بدل قال الفراء كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة جاز ان تبدل منها همزة انتهى وقوله تعالى لايى يوم اجلت تعجيب وتوقيف على عظم ذلك اليوم وهوله ثم فسر ذلك بقوله ليوم الفصل يعنى بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة او نار ومن هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله وما ادراك ما يوم الفصل على نحو قوله وما ادراك ما الحاقة وغير ذلك ثم اثبت الويل للمكذبين والويل هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء ويروى انه واد في جهنم وقوله عز و جل الم نهلك الاولين ثم نتبعهم الآخرين الآية قرأ الجمهور نتبعهم بضم العين على استيناف الخبر وروي عن ابي عمرو نتبعهم بجزم العين عطفا على نهلك وهي قراءة الاعرج فمن قرأ الاولى جعل الاولين الامم التي تقدمت قريشا باجمعها ثم اخبر انه يتبع الآخرين من قريش وغيرهم سنن اولائك اذا كفروا وسلكوا سبيلهم ومن قرأ الثانية جعل الاولين قوم نوح وابراهيم ومن كان معهم والآخرين قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة النبي ص - ثم قال كذلك نفعل بالمجرمين اي في المستقبل فيدخل هنا قريش وغيرها واما تكرار قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين في هذه السورة فقيل ذلك لمعنى التأكيد فقط وقيل بل في كل ءاية منها ما يقتضى التصديق فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي في الآية والماء المهين معناه الضعيف والقرار المكين الرحم وبطن المرأة والقدر المعلوم هو وقت الولادة ومعناه معلوم عند الله وقرأ نافع والكساءي فقدرنا بتشديد الدال والباقون بتخفيفها وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت ت وفي كلام ع تلفيف وقال غيره فقدرنا بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة وهو حسن وقوله القادرون يرجح قراءة الجماعة الا ان ابن مسعود روى عن النبي ص - انه فسر القادرون بالمقدرين والكفات الستر والوعاء الجامع للشيء باجماع تقول كفت الرجل شعره اذا جمعه بخرقة والارض تكفت الاحياء على ظهرها وتكفت الاموات في بطنها وخرج الشعبي الى جنازة فنظر الى الجبانة فقال هذه كفات الموتى ثم نظر الى البيوت فقال وهذه كفات الاحياء قال ع ولما كان القبر كفاتا كالبيت قطع من سرق منه والرواسى الجبال والشوامخ المرتفعة والفرات الصافي العذب والضمير في قوله انطلقوا هو للمكذبين الذين لهم الويل ثم بين المنطلق اليه قال عطاء الظل الذي له ثلاث شعب وهو دخان جهنم وقال ابن عباس هذه المخاطبة تقال يومئذ لعبدة الصليب اذا اتبع كل احد ما كان يعبد فيكون المؤمنون في ظل الله ولا ظل الا ظله ويقال لعبدة الصليب انطلقوا الى ظل معبودكم وهو الصليب له ثلاث شعب ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل والضمير في انها لجهنم ترمى بشرر كالقصر اي مثل القصور من البنيان قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين وقال ابن عباس ايضا القصر خشب كنا في الجاهلية ندخره للشتاء وقرأ ابن عباس كالقصر بفتح الصاد جمع قصرة وهي اعناق النخل والابل وقال ابن عباس جذور النخل واختلف في الجمالات فقال جمهور من المفسرين هي جمع جمال كرجال ورجالات وقال ءاخرون اراد بالصفر السود وقال جمهور الناس بل الصفر الفاقعة لانها اشبه بلون الشرر وقال ابن عباس الجمالات حبال السفن وهي الحبال العظام اذا جمعت مستديرة بعضها الى بعض وقرأ ابن عباس جمالة بضم الجيم من الجملة لا من الجمل ثم خاطب تعالى نبيه عليه السلام بقوله هذا يوم لا ينطقون الآية وهذا في موطن خاص اذ يوم القيامة هو مواطن وقوله تعالى هذا يوم الفصل جمعناكم مخاطبة للكفار يومئذ ثم وقفهم بقوله فإن كان لكم كيد فكيدون اي ان كان لكم حيلة او مكيدة تنجيكم فافعلوها ثم ذكر سبحانه حالة المتقين وما اعدلهم والظلال في الجنة عبارة عن تكاثف الاشجار وجودة المبانى والا فلا شمس توذي هناك حتى يكون ظل يجير من حرها وقوله تعالى كلوا وتمتعوا استيناف خطاب لقريش على معنى قل لهم يا محمد وهذه صيغة امر معناها التهديد والوعيد ومن جعل هذه الآية مدنية قال هي في المنافقين وقوله تعالى واذا قيل لهم اركعوا لا يركعون قال قتادة والجمهور هذه حال كفار قريش في الدنيا يدعوهم النبي ص - فلا يجيبون وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة وقيل هي حكاية حال المنافقين في الآخرة يوم يدعون الى السجود فلا يستطعيون على ما تقدم قاله ابن عباس وغيره وقوله تعالى فباي حديث بعده يؤمنون يؤيد ان الآية كلها في قريش والمراد بالحديث هنا القرءان وروي عن يعقوب انه قرأ تؤمنون بالتاء من فوق على المواجهة ورويت عن ابن عامر تفسير سورة عم يتساءلون وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل عم يتساءلون اصل عم عن ما ادغمت النون في الميم لاشتراكها في الغنة فبقي عما في الخبر وفي الاستفهام ثم حذفوا الالف في الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر ثم من العرب من يخفف الميم فيقول عم وهذا الاستفهام بعم استفهام توقيف وتعجيب والنبأ العظيم قال ابن عباس وقتادة هو الشرع الذي جاء به محمد ص - وقال مجاهد هو القرءان خاصة وقال قتادة ايضا هو البعث من القبور والضمير في يتساءلون لكفار قريش ومن نحا نحوهم واكثر النحاة ان قوله عن النبأ العظيم متعلق يتساءلون وقال الزجاج الكلام تام في قوله عم يتساءلون ثم كان مقتضى القول ان يجيب مجيب فيقول يتساءلون عن النبأ العظيم وله امثلة في القرءان اقتضاها ايجاز القرءان وبلاغته واختلافهم هو شك بعض وتكذيب بعض وقولهم سحر وكهانة الى غير ذلك من باطلهم وقوله تعالى كلا سيعلمون رد على الكفار في تكذيبهم ووعيد لهم في المستقبل وكرر عليهم الزجر والوعيد تاكيدا والمعنى سيعلمون عاقبة تكذيبهم ثم وقفهم تعالى ودلهم على ءاياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي توجب للناظر فيها الاقرار بالبعث والايمان بالله تعالى ت وفي ضمن ذلك تعديد نعمه سبحانه التي يجب شكرها والمهاد الفراش الممهد وشبه الجبال بالاوتاد لانها تمنع الارض ان تميد بهم وخلقناكم ازواجا اي انواعا والسبات السكون وسبت الرجل معناه استراح وروينا في سنن ابي داود عن معاذ بن جبل عن النبي ص - قال ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرا فيتعار من الليل فيسال الله تعالى خيرا من امور الدنيا والآخرة الا اعطاه الله اياه وروى ابو داود عن بعض ءال ام سلمة قال كان فراش النبي ص - نحوا مما يوضع الانسان في قبره وكان المسجد عند رأسه انتهى ولباسا مصدر وكان الليل كذلك من حيث يغشى الاشخاص فهي تلبسه وتتدرعه والنهار معاشا على حذف مضاف او على النسب والسبع الشداد السموات والسراج الشمس والوهاج الحار المضطرم الاتقاد المتعالى اللهب قال ابن عباس وغيره المعصرات السحائب القاطرة وهو ماخوذ من العصر لان السحاب ينعصر فيخرج منه الماء وهذا قول الجمهور والثجاج السريع الاندفاع كما يندفع الدم من عروق الذبيحة ومنه قوله ص - وقد قيل له ما افضل الحج فقال العج والثج اراد التضرع الى الله تعالى بالدعاء الجهير وذبح الهدي والفافا اي ملتفة الاغصان والاوراق ويوم الفصل هو يوم القيامة والافواج الجماعات يتلو بعضها بعضا وفتحت السماء بتشديد التاء قراءة نافع وابي عمرو وابن كثير وابن عامر والباقون دون تشديد وقوله تعالى فكانت ابوابا قيل معناه تتشقق حتى يكون فيها فتوح كالابواب في الجدرات وقيل انها تتقطع السماء قطعا صغارا حتى تكون كألواح الابواب والقول الاول احسن وقد قال بعض اهل العلم تنفتح في السماء ابواب للملائكة من حيث ينزلون ويصعدون وقوله تعالى فكانت سرابا عبارة عن تلاشيها بعد كونها هباء منبثا ومرصادا موضع الرصد وقيل مرصادا بمعنى راصد والاحقاب جمع حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة وقال ابن عباس وابن عمر الحقب ثمانون سنة وقال ابو امامة عن النبي ص - انه ثلاثون الف سنة وقد اكثر الناس في هذا واللازم ان الله تعالى اخبر عن الكفار انهم يلبثون احقابا كلما مر حقب جاء غيره الى غير نهاية نجانا الله من سخطه قال الحسن ليس للاحقاب عدة الا الخلود في النار وقوله سبحانه لا يذوقون فيها بردا الآية قال الجمهور البرد في الآية مس الهواء البارد اي لا يمسهم منه ما يستلذ وقال ابو عبيدة وغيره البرد في الآية النوم والعرب تسميه بذلك لانه يبرد سورة العطش وقال ابن عباس البرد الشراب البارد المستلذ وقال قتادة وجماعة الغساق هو ما يسيل من اجسام اهل النار من صديد ونحوه وقوله تعالى وفاقا معناه لاعمالهم وكفرهم ولا يرجون قال ابو عبيدة وغيره معناه لا يخافون وقال غيره الرجاء هنا على بابه وكذابا مصدر لغة فصيحة يمانية وعن ابن عمر قال ما نزلت في اهل النار ءاية اشد من قوله تعالى فذوقوا فلن نزيدكم الا عذابا ورواه ابو هريرة عن النبي ص - والحدائق هي البساتين عليها حلق وحظائر وجدرات البخاري وكواعب اي نواهد انتهى والدهاق المترعة فيما قال الجمهور وقيل الصافية وقال مجاهد متتابعة وعبارة البخاري وقال ابن عباس دهاقا ممتلئة انتهى وكذابا مصدر وهو الكذب وقوله عطاء حسابا اي كافيا قاله الجمهور من قولهم احسبنى هذا الامر اي كفانى ومنه حسبي الله وقال مجاهد حسابا معناه بتقسيط فالحساب على هذا بموازنة اعمال القوم اذ منهم المكثر من الاعمال والمقل ولكل بحسب عمله وقوله تعالى لا يملكون الضمير للكفار اي لا يملكون من افضاله واجماله سبحانه ان يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها وهذا ايضا في موطن خاص وقوله تعالى يوم يقوم الروح اختلف في الروح المذكور هنا فقال الشعبي والضحاك هو جبريل عليه السلام وقال ابن مسعود هو ملك عظيم اكبر الملائكة خلقة يسمى الروح وقال ابن زيد هو القرءان وقال مجاهد الروح خلق على صورة بني ءادم يأكلون ويشربون وقال ابن عباس عن النبي ص - الروح خلق غير الملائكة هم حفظة للملائكة كما الملائكة حفظة لنا وقيل الروح اسم جنس لأرواح بني ءادم والمعنى يوم تقوم الارواح في اجسادها اثر البعث ويكون الجميع من الانس والملائكة صفا ولا يتكلم احد منهم هيبة وفزعا الا من اذن له الرحمن من ملك او نبي وكان اهلا ان يقول صوابا في ذلك الموطن وقال البخاري صوابا حقا في الدنيا وعمل به انتهى وفي قوله فمن شاء اتخذ الى ربه مأبا وعد ووعيد وتحريض والعذاب القريب هو عذاب الآخرة اذ كل آت قريب وقال ابو هريرة وعبد الله بن عمر ان الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها من بعض ثم يقول لها بعد ذلك كونى ترابا فيعود جميعها ترابا فعند ذلك يقول الكافر ياليتنى كنت ترابا ت واعلم حمك الله انى لم اقف على حديث صحيح في عودها ترابا وقد نقل الشيخ ابو العباس القسطلاني عن الشيخ ابى الحكم بن ابي الرجال انكار هذا القول وقال ما نفث روح الحياة في شيء ففني بعد وجوده قد نقل الفخر هنا عن قوم بقاءها وان هذه الحيوانات اذا انتهت مدة اعراضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثوابا لاهل الجنة وما كان قبيح الصورة عقابا لاهل النار انتهى والمعول عليه في هذا النقل فان صح فيه شيء عن النبي ص - وجب اعتقاده وصير اليه والا فلا مدخل للعقل هنا والله اعلم تفسير سورة والنازعات وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل والنازعات غرقا قال ابن عباس وابن مسعود النازعات الملائكة تنزع نفوس بنى ءادم وغرقا على هذا القول اما ان يكون مصدرا بمعنى الاغراق والمبالغة في الفعل واما ان يكون كما قال علي وابن عباس تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم وقيل غير هذا واختلف في الناشطات فقال ابن عباس ومجاهد هي الملائكة تنشط النفوس عند الموت اي تحلها كحل العقال وتنشط بامر الله الى حيث شاء وقال ابن عباس ايضا الناشطات النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج ت زاد الثعلبي عنه وذلك انه ليس مؤمن يحضره الموت الا عرضت عليه الجنة قبل ان يموت فيرى فيها اشباها من اهله وازواجه من الحور العين فهم يدعونه اليها فنفسه اليهم نشيطة ان تخرج فتاتيهم انتهى وقيل غير هذا واختلف في السابحات هنا فقيل هي النجوم وقيل هي الملائكة لانها تتصرف في الآفاق بامر الله وقيل هي الخيل وقيل هي السفن وقيل هي الحيتان ودواب البحر والله اعلم واختلف في السابقات فقيل هي الملائكة وقيل الرياح وقيل الخيل وقيل النجوم وقيل المنايا تسبق الآمال واما المدبرات فهي الملائكة قولا واحدا فيما علمت تدبر الامور التي سخرها الله لها وصرفها فيها كالرياح والسحاب وغير ذلك والراجفة النفخة الاولى والرادفة النفخة الاخيرة وقال ابن زيد الراجفة الموت والرادفة الساعة وفي جامع الترمذي عن ابي بن كعب قال كان رسول الله ص - اذا ذهب ثلثا الليل قام فقال يا ايها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه الحديث قال ابو عيسى هذا حديث حسن انتهى وقد اتى به ع هنا وقال اذا ذهب ربع الليل والصواب ما تقدم ثم اخبر تعالى عن قلوب تجف في ذلك اليوم اي ترتعد خوفا وفرقا من العذاب واختلف في جواب القسم اين هو فقال الزجاج والفراء هو محذوف دل عليه الظاهر تقديره لتبعثن ونحوه وقال ءاخرون هو موجود في جملة قوله تعالى يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة كانه قال لتجفن قلوب قوم يوم كذا وقوله تعالى يقولون أئنا لمردودون في الحافرة حكاية حالهم في الدنيا والمعنى هم الذين يقولون والحافرة قال مجاهد والخليل هي الارض حافرة بمعنى محفورة والمراد القبور والمعنى ائنا لمردودون احياء في قبورنا وقيل غير هذا ونخرة معناه بالية وقرأ حمزة ناخرة بألف والناخرة المصوتة بالريح المجوفة وحكي عن ابي عبيدة وغيره ان الناخرة والنخرة بمعنى واحد وقولهم تلك اذا كرة خاسرة اي اذ هي الى النار لتكذيبهم بالبعث وقال الحسن خاسرة معناه عندهم كاذبة اي ليست بكائنة ثم اخبر تعالى عن حال القيامة فقال انما هي زجرة واحدة اي نفخة في الصور فاذا هم بالساهرة وهي ارض المحشر وقوله هل لك الى ان تزكى استدعاء حسن والتزكى التطهر من النقائص والتلبس بالفضائل ثم فسر له موسى التزكى الذي دعاه اليه بقوله واهديك الى ربك فتخشى والعلم تابع للهدى والخشية تابعة للعلم انما يخشى الله من عباده العلماء والآية الكبرى العصا واليد قاله مجاهد وغيره وادبر كناية عن اعراضه وقيل حقيقة قام موليا عن مجالسة موسى فحشر اي جمع اهل مملكته وقول فرعون انا ربكم الاعلى نهاية في السخافة والمخرقة قال ابن زيد نكال الآخرة اي الدار الآخرة والاولى يعني الدنيا اخذه الله بعذاب جهنم وبالغرق وقيل غير هذا ثم وقفهم سبحانه مخاطبة منه تعالى للعالم والمقصد الكفار فقال ءانتم اشد خلقا الآية والسمك الارتفاع الثعلبي والمعنى أأنتم ايها المنكرون للبعث اشد خلقا ام السماء اشد خلقا ثم بين كيف خلقها اي فالذي قدر على خلقها قادر على احيائكم بعد الموت نظيره او ليس الذي خلق السموات والارض الآية انتهى واغطش معناه اظلم وقوله تعالى والارض بعد ذلك دحاها متوجه على ان الله خلق الارض ولم يدحها ثم استوى الى السماء وهي دخان فخلقها وبناهم ثم دحا الارض بعد ذلك ودحوها بسطها وباقي الآية بين والطامة الكبري هي يوم القيامة قاله ابن عباس وغيره فأما من طغى اي تجاوز الحد وءاثر الحياة الدنيا على الآخرة لتكذيبه بالآخرة ومقام ربه هو يوم القيامة وانما المراد مقامه بين يديه والهوى هو شهوات النفس وما جرى مجراها المذمومة وقوله تعالى يسئلونك عن الساعة يعنى قريشا قال البخاري عن غيره ايان مرساها متى منتهاها ومرسى السفينة حيث تنتهى انتهى ثم قال تعالى لنبيه على جهة التوقيف فيم انت من ذكراها اي من ذكر تحديدها ووقتها اي لست من ذلك في شيء انما انت منذر وباقي الآية بين قال الفخر قوله تعالى كانهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية او ضحاها تفسير هذه الآية هو كما ذكر في قوله كانهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار والمعنى ان ما انكروه سيرونه حتى كانهم كانوا ابدا فيه وكانهم لم يلبثوا في الدنيا الا ساعة من نهار يريد لم يلبثوا الا عيشة او ضحى يومها انتهى تفسير سورة عبس وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى عبس وتولى ان جاءه الاعمى سببها ان النبي ص - كان يدعو بعض صناديد قريش ويقرأ عليه القرءان ويقول له هل ترى بما اقول بأسا فكان ذلك الرجل يقول لا والدمى يعنى الاصنام اذ جاء ابن ام مكتوم فقال يا رسول الله استدننى وعلمنى مما علمك الله فكان في ذلك كله قطع لحديث النبي ص - مع الرجل فلما شغب عليه ابن ام مكتوم عبس ص - واعرض عنه فنزلت الآية قال سفيان الثوري فكان بعد ذلك اذا رأى ابن ام مكتوم قال مرحبا بمن عاتبنى فيه ربي عز و جل وبسط له رداءه واستخلفه على المدنية مرتين ت والكافر المشار اليه في الآية هو الوليد بن المغيرة قاله ابن اسحاق انتهى ثم اكد تعالى عتب نبيه بقوله اما من استغنى اي بماله فأنت له تصدى اي تتعرض وقوله وهو يخشى اي يخشى الله فانت عنه تلهى اي تشتغل تقول لهيت عن الشيء الهى اذا اشتغلت عنه وليس من اللهو وهذه الآية السبب فيها هذا ثم هي بعد تتناول من شاركهم في هذه الاوصاف فحملة الشرع والعلم مخاطبون بتقريب الضعيف من اهل الخير وتقديمه على الشريف العارى من الخير مثل ما خوطب به النبي ص - في هذه السورة قال عياض وليس في قوله تعالى عبس وتولى الآية ما يقتضي اثبات ذنب للنبي ص - او انه خالف امر ربه سبحانه وانما في الآية الاعلام بحال الرجلين وتوهين امر الكافر والاشارة الى الاعراض عنه انتهى قال السهيلي وانظر كيف نزلت الآية بلفظ الاخبار عن الغائب فقال عبس وتولى ولم يقل عبست وتوليت وهذا يشبه حال العاتب المعرض ثم اقبل عليه بمواجهة الخطاب فقال وما يدريك لعله يزكى الآية علما منه سبحانه انه لم يقصد بالاعراض عن ابن ام مكتوم الا الرغبة في الخير ودخول ذلك المشرك في الاسلام اذ كان مثله يسلم باسلامه بشر كثير فكلم نبيه حين ابتدأ الكلام بما يشبه كلام المعرض عنه العاتب له ثم واجهه بالخطاب تانيسا له عليه السلام انتهى ثم قال تعالى كلا يا محمد ليس الامر كما فعلت ان هذه السورة او القراءة او المعاتبة تذكرة وعبارة الثعلبي ان هذه السورة وقيل هذه الموعظة وقال مقاتل ءايات القرءان تذكرة اي موعظة وتبصرة للخلق فمن شاء ذكره اي اتعظ بأي القرءان وبما وعظتك وادبتك في هذه السورة انتهى ص ذكره ذكر الضمير لان التذكرة هي الذكر انتهى وقوله تعالى في صحف متعلق بقوله انها تذكرة وهذا يؤيد ان التذكرة يراد بها جميع القرءان والصحف هنا قيل انه اللوح المحفوظ وقيل صحف الانبياء المنزلة قال ابن عباس السفرة هم الملائكة لانهم كتبة يقال سفرت اي كتبت ومنه السفر وقال ابن عباس ايضا الملائكة سفرة لانهم يسفرون بين الله وبين انبيائه وفي البخاري سفرة الملائكة واحدهم سافر سفرت اصلحت بينهم وجعلت الملائكة اذا نزلت بوحي الله عز و جل وتاديته كالسفير الذي يصلح بين القوم انتهى قال ع ومن اللفظة قول الشاعر ... وما ادع السفارة بين قومى ... وما اسعى بغش ان مشيت ... والصحف على هذا صحف عند الملائكة او اللوح وقوله تعالى قتل الانسان ما اكفره دعاء على اسم الجنس وهو عموم يراد به الانسان الكافر ومعنى قتل اي هو اهل ان يدعى عليه بهذا وقال مجاهد قتل معناه لعن وهذا تحكم ت ليس بتحكم وقد تقدم نحوه عن غير واحد وقوله تعالى ما اكفره يحتمل معنى التعجب ويحتمل الاستفهام توبيخا وقيل الآية نزلت في عتبة بن ابي لهب وذلك انه غاضب اباه فاتى النبي ص - فأسلم ثم ان اباه استصلحه واعطاه مالا وجهزه الى الشام فبعث عتبة الى النبي ص - وقال انى كافر برب النجم اذا هوى فدعا عليه النبي ص - وقال اللهم ابعث عليه كلبك حتى ياكله ثم ان عتبة خرج في سفرة فجاء الاسد فاكله من بين الرفقة وقوله تعالى من اي شيء خلقه استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء الذي خلق الانسان منه فقدره اي جعله بقدر وحد معلوم ثم السبيل يسره قال ابن عباس وغيره هي سبيل الخروج من بطن امه وقال الحسن ما معناه ان السبيل هي سبيل النظر المؤدى الى الايمان وقوله فاقبره معناه امر ان يجعل له قبر وفي ذلك تكريم له ليلا يطرح كسائر الحيوان وقوله تعالى ثم اذا شاء يريد اذا بلغ الوقت الذي قد شاءه وهو يوم القيامة وانشره معناه احياه وقوله تعالى كلا لما يقض اي لم يقض ما امره ثم امر الله تعالى الانسان بالعبرة والنظر الى طعامه والدليل فيه وكيف يسره له بهذه الوسائط والحب جمع حبة بفتح الحاء وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه والحبة بكسر الحاء كل ما ينبت من البزور لا يحفل به ولا هو بمتخذ والقضب قيل هي الفصفصة وهذا عندي ضعيف لان الفصفصة للبهائم وهي داخلة في الاب والذي اقول به ان القضب هنا هو كل ما يقضب لياكله ابن ءادم غضا من النبات كالبقول والهليون ونحوه فإنه من المطعوم جزء عظيم ولا ذكر له في الآية الا في هذه اللفظة والحديقة الشجر الذي قد احدق بجدار ونحوه والغلب الغلاظ الناعمة والاب المرعى والكلا قاله ابن عباس وغيره وقد توقف في تفسيره ابو بكر وعمر رضي الله عنهما ومتاعا نصب على المصدر والمعنى تتمتعون به انتم وانعامكم فابن ءادم في السبعة المذكورة والانعام في الاب والصاخة اسم من اسماء يوم القيامة ص قال الخليل الصاخة صيحة تصخ الآذان صخا اي تصمها لشدة وقعتها انتهى وقوله تعالى يوم يفر المرء من اخيه الآية قال جمهور الناس انما ذلك لشدة الهول كل يقول نفسي نفسي وقيل فرارهم خوفا من المطالبات لكل امرئى منهم يومئذ شأن يغنيه عن اللقاء مع غيره ثم ذكر تعالى اختلاف الوجوه من المؤمنين الواثقين برحمة الله حين بدت لهم تباشيرها ومن الكفار حين علاها قترها ومسفرة معناه نيرة باد ضوءها وسرورها والغبرة التي على الكفرة هي من العبوس كما يرى على وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار ص والقتر سواد كالدخان ابو عبيدة هو الغبار انتهى ثم فسر سبحانه اصحاب هذه الوجوه المغبرة بأنهم الكفرة الفجرة تفسير سورة التكوير وهي مكية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه اذا الشمس كورت الآية هذه كلها اوصاف يوم القيامة وتكوير الشمس هو ان تدار كما يدار كور العمامة ويذهب بها الى حيث شاء الله تعالى وعبر المفسرون عن ذلك بعبارات فمنهم من قال ذهب نورها قاله قتادة ومنهم من قال رمي بها قاله الربيع بن خثيم وغير ذلك مما هو اسماء توابع لتكويرها وانكدار النجوم هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها وقال ابن عباس انكدرت تغيرت من قولهم ماء كدر والعشار جمع عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها عشرة اشهر وهي انفس ما عند العرب وانما تعطل عند اشد الاهوال واذا البحار سجرت قال ابي بن كعب وابن عباس وغيرهما معناه اضرمت نارا كما يسجر التنور ويحتمل ان يكون المعنى ملكت وقيدت فتكون اللفظة ماخوذة من ساجور الكلب وقرأ ابن كثير وابو عمرو وسجرت بتخفيف الجيم والباقون بتشديدها وتزويج النفوس هو تنويعها لان الازواج هي الانواع والمعنى جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن وكل شكل مع شكله رواه النعمان بن بشير عن النبي ص - وقاله عمر بن الخطاب وابن عباس وقال هذا نظير قوله تعالى وكنتم ازواجا ثلاثة وفي الآية على هذا حض على خليل الخير فقد قال عليه السلام المرء مع من احب وقال فلينظر احدكم من يخالل وعبارة الثعلبي قال النعمان بن بشير قال النبي ص - واذا النفوس زوجت قال الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله انتهى وقال مقاتل بن سليمان معناه زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهن من الحور وغيرهن وقوله تعالى واذا الموءودة سئلت الموءودة اسم معناه المثقل عليها بالتراب وغيره حتى تموت وكان هذا صنيع بعض العرب ببناتهم يدفنونهن احياء وقرأ الجمهور سئلت وهذا على جهة التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك واستدل ابن عباس بهذه الآية على ان اولاد المشركين في الجنة لان الله قد انتصر لهم ممن ظلمهم واذا الصحف نشرت قيل هي صحف الاعمال وقيل هي الصحف التي تتطاير بالايمان والشمائل والكشط التقشير وذلك كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ وكشط السماء هو طيها كطي السجل وسعرت معناه اضرمت نارها وازلفت الجنة معناه قربت ليدخلها المؤمنون الثعلبي قربت لاهلها حتى يرونها نظيره وازلفت الجنة للمتقين غير بعيد علمت نفس عند ذلك ما احضرت من خير او شر وهو جواب لقوله اذا الشمس وما بعدها انتهى وقوله تعالى فلا اقسم بالخنس لا اما زائدة واما ان تكون ردا لقول قريش في تكذيبهم نبوة نبينا محمد عليه السلام ثم اقسم تعالى بالخنس الجوار الكنس وهي في قول الجمهور الدراري السبعة الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشترى وقال علي المراد الخمسة دون الشمس والقمر وذلك ان هذه الكواكب تخنس في جريها اي تتقهقر فيما ترى العين وهي جوار في السماء وهي تكنس في ابراجها اي تستتر الثعلبي وقال ابن زيد تخنس اي تتأخر عن مطالعها كل سنة وتكنس بالنهار اي تستتر فلا ترى انتهى وعسعس الليل في اللغة اذا كان غير مستحكم الا ظلام قال الخليل عسعس الليل اذا اقبل وادبر وقال الحسن وقع القسم باقباله وقال وابن عباس وغيره بل وقع بادباره وقال المبرد اقسم باقباله وادباره معا وعبارة الثعلبي قال الحسن عسعس الليل اقبل بظلامه وقال ءاخرون ادبر بظلامه ثم قال والمعنيان يرجعان الى معنى واحد وهو ابتداء الظلام في اوله وادباره في ءاخره انتهى وتنفس الصبح اتسع ضوءه والضمير في انه للقرءان والرسول الكريم في قول الجمهور هو جبريل عليه السلام وقال ءاخرون هو النبي ص - في الآية كلها والقول الاول اصح وكريم صفة تقتضى رفع المذام ومكين معناه له مكانة ورفعة وقال عياض في الشفا في قوله تعالى مطاع ثم امين اكثر المفسرين على انه نبينا محمد ص - انتهى قال ع واجمع المفسرون على ان قوله تعالى وما صاحبكم يراد به النبي ص - والضمير في رءاه لجبريل عليه السلام وهذه الرؤية التي كانت بعد امر غار حراء وقيل هي الرؤية التي رءاه عند سدرة المنتهى وقوله تعالى وما هو على الغيب بضنين بالضاد بمعنى ببخيل تبليغ ما قيل له كما يفعل الكاهن حين يعطى حلوانه وقرأ بن كثير وابو عمرو والكساءي بظنين بالظاء اي بمتهم ثم نفي سبحانه عن القرءان ان يكون كلام شيطان على ما قالت قريش ورجيم اي مرجوم وقوله تعالى فأين تذهبون توقيف وتقرير والمعنى اين المذهب لأحد عن هذه الحقائق والبيان الذي فيه شفاء ان هو الاذكر اي تذكرة ت روى الترمذي عن ابن عمر قال قال النبي ص - من سره ان ينظر الى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ اذا الشمس كورت واذا السماء انفطرت واذا السماء انشقت قال ابو عيسى هذا حديث حسن انتهى تفسير سورة الانفطار وهي مكية بإجتماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى اذا السماء انفطرت اي انشقت واذا الكواكب انتثرت اي تساقطت واذا البحار فجرت قيل فجر بعضها الى بعض ويحتمل ان يكون تفجرت من اعاليها ويحتمل ان يكون تفجير تفريغ من قيعانها فيذهب الله ماءها حيث شاء وبكل قيل وبعثرة القبور نبشها عن الموتى وقوله سبحانه علمت نفس هو جواب اذا ونفس هنا اسم جنس وقال كثير من المفسرين في معنى قوله ما قدمت واخرت انها عبارة عن جميع الاعمال من طاعة او معصية يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم روي ان النبي ص - قرأها فقال غره جهله فسبحان الله ما ارحمه بعباده قال الثعلبي قال اهل الاشارة انما قال بربك الكريم دون سائر اسمائه تعالى وصفاته كانه لقنه جوابه حتى يقول غرنى كرمك انتهى وقرأ الجمهور فعدلك وكان النبي ص - اذا نظر الى الهلال قال ءامنت بالذي خلقك فسواك فعدلك وقرأ حمزة والكساءي وعاصم بتخفيف الدال والمعنى عدل اعضاءك بعضها ببعض اي وازن بينها وقوله تعالى في اي صورة ما شاء ركبك ذهب الجمهور الى ان في متعلقة بركبك اي في صورة حسنة او قبيحة او سليمة او مشوهة ونحو هذا وما في قوله ما شاء ركبك زائدة فيها معنى التأكيد قال ابو حيان كلا ردع وزجر انتهى والدين هنا يحتمل ان يريد الشرع ويحتمل ان يريد الجزاء والحساب وباقي الآية واضح لمتأمله وقوله تعالى يصلونها يوم الدين اي يوم الجزاء وقوله تعالى وما هم عنها بغائبين قال جماعة معناه ما هم عنها بغائبين في البرزخ وذلك انهم يرون مقاعدهم من النار غدوة وعشية فهم لم يزالوا مشاهدين لها نسأل الله العافية في الدارين بجوده وكرمه ثم عظم تعالى قدر هول ذلك اليوم بقوله وما ادراك ما يوم الدين ثم ما ادراك ما يوم الدين الآية تفسير سورة المطففين وهي مكية في قول جماعة وقال ابن عباس وغيره هي مدنية وعنه نزل بعضها بمكة ونزل امر التطفيف بالمدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى ويل للمطففين الآية المطفف الذي ينقص الناس حقوقهم والتطفيف النقصان اصله من الشيء الطفيف وهو النزر والمطفف انما ياخذ بالميزان او بالمكيال شيأ خفيفا واكتالوا على الناس معناه قبضوا منهم وكالوهم معناه قبضوهم ويخسرون معناه ينقصون وقوله سبحانه الا يظن بمعنى يعلم ويتحقق وقال ص الا يظن ذكر ابو البقاء ان لا هنا هي النافية دخلت عليها همزة الاستفهام وليست ألا التي للتنبيه والاستفتاح لان ما بعد الا التنبيهية مثبت وهو هنا منفي انتهى وقيام الناس لرب العالمين يومئذ يختلف الناس فيه بحسب منازلهم وروي انه يخفف عن المؤمن حتى يكون على قدر الصلاة المكتوبة وفي هذا القيام هو الجام العرق للناس كما صرح به النبي ص - في الحديث الصحيح والناس ايضا فيه مختلفون بالتخفيف والتشديد قال ابن المبارك في رقائقه اخبرنا سليمان التيمي عن ابي عثمان النهدي عن سلمان قال تدنى الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رءوسهم قاب قوس او قاب قوسين فتعطى حر عشر سنين وليس على احد يومئذ طحربة ولا ترى فيه عورة مؤمن ولا مؤمنة ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة واما الآخرون او قال الكفار فتطبخهم فانما تقول اجوافهم غق غق قال نعيم الطحربة الخرقة انتهى ونحو هذا للمحاسبي قال في كتاب التوهم فاذا وافي الموقف اهل السموات السبع والارضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين ثم ادنيت من الخلائق قاب قوس او قاب قوسين فلا ظل في ذلك اليوم الا ظل عرش رب العالمين فكم بين مستظل بظل العرش وبين واقف لحر الشمس قد أصهرته واشتد فيها كربه وقلقه فتوهم نفسك في ذلك الموقف فانك لا محالة واحد منهم انتهى اللهم عاملنا برحمتك وفضلك في الدارين فانه لا حول لنا ولا قوة الا بك وقوله تعالى كلا ان كتاب الفجار يعنى الكفار وكتابهم يراد به الذي فيه تحصيل امرهم وافعالهم ويحتمل عندي ان يكون المعنى وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين اي هنالك كتبوا في الازل واختلف في سجين ما هو والجمهور ان سجينا بناء مبالغة من السجن قال مجاهد وذلك في صخرة تحت الارض السابعة وقوله تعالى وما ادراك ما سجين تعظيم لامر هذا السجين وتعجيب منه ويحتمل ان يكون تقرير استفهام اي هذا مما لم تكن تعلمه قبل الوحي وكتاب مرقوم على القول الاول مرتفع على خبر ان وعلى القول الثاني مرتفع على انه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو كتاب مرقوم ويكون هذا الكلام مفسرا لسجين ما هو ومرقوم معناه مكتوب لهم بشر وباقي الآية بين ثم اوجب ان ما كسبوا من الكفر والعتو قد ران على قلوبهم اي غطى عليها فهم مع ذلك لا يبصرون رشدا يقال رانت الخمر على قلب شاربها وران الغشي على قلب المريض وكذلك الموت قال الحسن وقتادة الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب وروى ابو هريرة ان النبي ص - قال ان الرجل اذا اذنب نكتت نكتة سوداء في قلبه ثم كذلك حتى يتغطى فذلك الران الذي قال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال الفخر قال ابو معاذ النحوي الرين سواد القلب من الذنوب والطبع ان يطبع على القلب وهو اشد من الرين والاقفال اشد من الطبع وهو ان يقفل على القلب انتهى والضمير في قوله تعالى انهم عن ربهم للكفار اي هم محجوبون لا يرون ربهم قال الشافعي لما حجب الله قوما بالسخط دل على ان قوما يرونه بالرضى قال المحاسبي رحمه الله في كتاب توبيخ النفس وينبغي للعبد المؤمن اذا رأي القسوة من قلبه ان يعلم انها من الرين في قلبه فيخاف ان يكون الله تعالى لما حجب قلبه عنه بالرين والقسوة ان يحجبه غدا عن النظر اليه قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون احداهما تتلو الاخرى ليس بينهما معنى ثالث فان اعترض للمريد خاطر من الشيطان ليقتطعه عن الخوف من الله تعالى حتى تحل به هاتان العقوبتان فقال انما نزلتا في الكافرين فليقل فان الله لم يؤمن منهما كثيرا من المؤمنين وقد حذر سبحانه المؤمنين ان يعاقبهم بما يعاقب به الكافرين فقال تعالى واتقوا النار التي اعدت للكافرين الى غير ذلك من الآيات انتهى ولما ذكر الله تعالى امر كتاب الفجار عقب ذلك بذكر كتاب ضدهم ليبين الفرق بين الصنفين واختلف في الموضع المعروف بعليين ما هو فقال ابن عباس السماء السابعة تحت العرش وروي ذلك عن النبي ص - وقال الضحاك هو سدرة المنتهى وقال ابن عباس ايضا عليون الجنة وقوله تعالى يشهده المقربون يعنى الملائكة قاله ابن عباس وغيره وينظرون معناه الى ما عندهم من النعيم والنضرة النعمة والرونق والرحيق الخمر الصافية ومختوم يحتمل أنه يختم على كئوسه التي يشرب بها تهمما وتنظفا والظاهر انه مختوم شربه بالرائحة المسكية حسبما فسره قوله ختامه مسك قال ابن عباس وغيره خاتمة شربه مسك وقرأ الكساءي خاتمه مسك ثم حرض تعالى على الجنة بقوله وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وقوله تعالى ومزاجه من تسنيم المزاج الخلط قال ابن عباس وغيره تسنيم اشرف شراب في الجنة وهو اسم مذكر لماء عين في الجنة وهي عين يشرب بها المقربون صرفا ويمزج رحيق الابرار بها وهذا المعنى في صحيح البخاري وقال مجاهد ما معناه ان تسنيما مصدر من سنمت اذا علوت ومنه السنام فكأنه عين قد عليت على اهل الجنة فهي تنحدر وقاله مقاتل وجمهور المتأولين ان منزلة الابرار دون منزلة المقربين وان الابرار هم اصحاب اليمين وان المقربين هم السابقون وقوله يشرب بها بمعنى يشربها وقوله سبحانه ان الذين اجرموا كانوا يعنى في الدنيا يضحكون من المؤمنين روي ان هذه الآية نزلت في صناديد قريش وضعفة المؤمنين والضمير في مروا للمؤمنين ويحتمل ان يكون للكفار واما ضمير يتغامزون فهو للكفار لا يحتمل غير ذلك وفاكهين اي اصحاب فكاهة ونشاط وسرور باستخفافهم بالمؤمنين واما الضمير في رأوا وفي قالوا فقال الطبري وغيره هو للكفار وقال بعضهم بل المعنى بالعكس وانما المعنى واذا رأى المؤمنون الكفار قالوا ان هؤلاء لضالون وما ارسل المؤمنون حافظين على الكفار وهذا كله منسوخ على هذا التأويل ت والأول اظهر وقوله تعالى على الارائك ينظرون اي الى اعدائهم في النار قال كعب لاهل الجنة كوى ينظرون منها وقال غيره بينهم جسم عظيم شفاف يرون معه حالهم ت قال الهروي قوله تعالى على الارائك ينظرون قال احمد بن يحيى الاريكة السرير في الحجلة ولا يسمى منفردا اريكة وسمعت الازهري يقول كل ما تكئى عليه فهو اريكة انتهى هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون اي جزاء ما كانوا يفعلون وهل ثوب تقرير وتوقيف للنبي ص - وامته تفسير سورة الانشقاق وهي مكية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى اذا السماء انشقت الآية هذه اوصاف يوم القيامة واذنت معناه استمعت وسمعت امر ربها ومنه قوله ص - ما اذن الله لشيء اذنه لنبي يتغنى بالقرءان وحقت قال ابن عباس معناه وحق لها ان تسمع وتطيع ويحتمل ان يريد وحق لها ان تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى ومد الارض هي ازالة جبالها حتى لا يبقي فيها عوج ولا امت وفي الحديث تمد مد الاديم والقت ما فيها يعنى من الموتى قاله الجمهور وخرج الختلي ابو القاسم اسحاق بن ابراهيم في كتاب الديباج له بسنده عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه السلام في قوله عز و جل اذا السماء انشقت واذنت لربها وحقت قال فقال رسول الله ص - انا اول من تنشق عنه الارض فاجلس جالسا في قبري فيفتح لي باب الى السماء بحيال رأسي حتى انظر الى العرش ثم يفتح لي باب من تحتى حتى انظر الى الارض السابعة حتى انظر الى الثرى ثم يفتح لي باب عن يمينى حتى انظر الى الجنة ومنازل اصحابي وان الارض تحركت تحتى فقلت ما لك ايتها الارض قالت ان ربى امرنى ان القي ما في جوفي وان اتخلى فاكون كما كنت اذ لا شيء في فذلك قوله الله عز و جل والقت ما فيها وتخلت واذنت لربها وحقت اي سمعت واطاعت وحق لها ان تسمع وتطيع الحديث انتهى من التذكرة وتخلت معناه خلت عما كان فيها لم تتمسك منهم بشيء يا أيها الانسان انك كادح الآية الكادح العامل بشدة واجتهاد والمعنى انك عامل خيرا او شرا وانت لا محالة ملاقيه اي فكن على حذر من هذه الحال واعمل صالحا تجده واما الضمير في ملاقيه فقال الجمهور هو عائد على الرب تعالى وقال بعضهم هو عائد على الكدح ت وهو ظاهر الآية والمعنى ملاق جزاءه والحساب اليسير هو العرض ومن نوقش الحساب هلك كذا في الحديث الصحيح وعن عائشة هو ان يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه ونحوه في الصحيح عن ابن عمر انتهى وفي الحديث عن عائشة قالت سمعت رسول الله ص - يقول في بعض صلاته اللهم حاسبنى حسابا يسيرا فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير قال ان ينظر في كتابه ويتجاوز عنه انه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله عنه حتى الشوكة تشوكه قال صاحب السلاح رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم انتهى وروى ابن عمر ان النبي ص - قال من حاسب نفسه في الدنيا هون الله عليه حسابه يوم القيامة قال عزالدين بن عبدالسلام في اختصاره لرعاية المحاسبي اجمع العلماء على وجوب محاسبة النفس فيما سلف من الاعمال وفيما يستقبل منها فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله انتهى وينقلب الى اهله اي الذين اعدهم الله له في الجنة واما الكافر فروي ان يده تدخل من صدره حتى تخرج من وراء ظهره فيأخذ كتابه بها ويدعوا ثبورا معناه يصيح منتحبا واثبوراه واحزناه ونحو هذا والثبور اسم جامع للمكاره كالويل وقوله تعالى انه كان في اهله يريد في الدنيا مسروا اي تملكه ذلك لا يدرى الا السرور باهله دون معرفة ربه وقوله تعالى انه ظن ان لن يحور معناه ان لن يرجع الى الله مبعوثا محشورا قال ابن عباس لم اعلم ما معنى يحور حتى سمعت امرأة اعرابية تقول لبنية لها حورى اي ارجعى ص بلى ايجاب بعد النفي اي بلى ليحورن اي ليرجعن انتهى وقوله تعالى فلا اقسم بالشفق لا زائدة وقيل لا رد على اقوال الكفار والشفق الحمرة التي تعقب غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الاغلب ووسق معناه جمع وضم ومنه الوسق اي الاصوع المجموعة والليل يسق الحيوان جملة اي يجمعها ويضمها وكذلك جميع المخلوقات التي في الارض والهواء من البخار والجبال والرياح وغير ذلك واتساق القمر كماله وتمامه بدرا والمعنى امتلا من النور وقرأ نافع وابو عمرو وابن عامر لتركبن بضم الباء والمعنى لتركبن الشدائد الموت والبعث والحساب حالا بعد حال وعن تجيء بمعنى بعد كما يقال ورث المجد كابرا عن كابر وقيل غير هذا وقرأ حمزة والكساءي وابن كثير لتركبن بفتح الباء على معنى انت يا محمد فقيل المعنى حالا بعد حال من معالجة الكفار وقال ابن عباس سماء بعد سماء في الاسراء وقيل هي عدة بالنصر اي لتركبن امر العرب قبيلا بعد قبيل كما كان وفي البخاري عن ابن عباس لتركبن طبقا عن طبق حالا بعد حال هكذا قال نبيكم ص - انتهى ثم قال تعالى فمالهم لا يؤمنون اي ما حجتهم مع هذه البراهين الساطعة ويوعون معناه يجمعون من الاعمال والتكذيب كانهم يجعلونها في اوعية تقول وعيت العلم واوعيت المتاع وممنون معناه مقطوع تفسير سورة والسماء ذات البروج وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم الجمهور ان البروج هي المنازل التي عرفتها العرب وقد تقدم الكلام عليها واليوم الموعود هو يوم القيامة باتفاق كما جاء في الحديث وانما اختلف الناس في الشاهد والمشهود اختلافا كثيرا فقال ابن عباس الشاهد الله والمشهود يوم القيامة وقال الترمذي الشاهد الملائكة الحفظة والمشهود اي عليه الناس وقال ابو هريرة عن النبي ص - الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم معرفة ت ولو صح لوجب الوقوف عنده وقوله تعالى قتل اصحاب الاخدود معناه فعل الله بهم ذلك لأنهم اهل له فهو على جهة الدعاء بحسب البشر لا ان الله يدعو على احد وقيل عن ابن عباس معناه لعن وهذا تفسير بالمعنى وقال الثعلبي قال ابن عباس كل شيء في القرءان قتل فهو لعن انتهى وقيل هو اخبار بأن النار قتلتهم قاله الربيع بن انس ص وجواب القسم محذوف اي والسماء ذات البروج لتبعثن وقال المبرد الجواب ان بطش ربك لشديد وقيل الجواب قتل واللام محذوفة اي لقتل واذا كان قتل هو الجواب فهو خبر انتهى وصاحب الاخدود مذكور في السير وغيرها وحديثه في مسلم مطول وهو مالك دعا المؤمنين بالله الى الرجوع عن دينهم الى دينه وخد لهم في الارض اخاديد طويلة واضرم لهم نارا وجعل يطرح فيها من لم يرجع عن دينه حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال لها الطفل يا امه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت النار وقوله النار بدل من الاخدود وهو بدل اشتمال قال ع وقال الربيع بن انس وابو اسحاق وابو العالية بعث الله على اولائك المؤمنين ريحا فقبضت ارواحهم او نحو هذا وخرجت النار فاحرقت الكافرين الذين كانوا على حافتي الاخدود وعلى هذا يجيء قتل خبرا لادعاء وقوله تعالى ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات الآية فتنوهم اي احرقوهم ت قال الهروي قوله تعالى فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق اي لهم عذاب لكفرهم وعذاب باحراقهم المؤمنين انتهى قال ع ومن قال ان هذه الآيات الاواخر في قريش جعل الفتنة الامتحان والتعذيب ويقوى هذا التاويل بعض التقوية قوله تعالى ثم لم يتوبوا لان هذا اللفظ في قريش اشبه منه في اولائك والبطش الاخذ بقوة وقوله انه هو يبدئي ويعيد قال الضحاك وابن زيد معناه يبدئي الخلق بالانشاء ويعيدهم بالحشر وقال ابن عباس ما معناه ان ذلك عام في جميع الاشياء فهي عبارة على انه يفعل كل شيء اي يبدئي كل ما يبدأ ويعيد كل ما يعاد وهذان قسمان يستوفيان جميع الاشياء والجنود الجموع وفرعون وثمود في موضع خفض على البدل من الجنود ثم ترك القول بحاله واضرب عنه الى الاخبار بأن هؤلاء الكفار بمحمد وشرعه لا حجة لهم ولا برهان بل هو تكذيب مجرد سببه الحسد ثم توعدهم سبحانه بقوله والله من روائهم محيط اي عذاب الله ونقمته من ورائهم اي يأتي بعد كفرهم وعصيانهم وقرأ الجمهور في لوح محفوظ بالخفض صفة للوح وقرأ نافع محفوظ بالرفع اي محفوظ في القلوب لا يدركه الخطأ والتبديل تفسير سورة والسماء والطارق وهي مكية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم اقسم الله تعالى بالسماء المعروفة في قول الجمهور وقيل السماء هنا هو المطر والطارق الذي يأتي ليلا ثم فسر تعالى هذا الطارق بانه النجم الثاقب واختلف في النجم الثاقب فقال الحسن بن ابي الحسن ما معناه انه اسم جنس لانها كلها ثاقبة اي ظاهرة الضوء يقال ثقب النجم اذا اضاء وقال ابن زيد اراد نجما مخصوصا وهو زحل وقال ابن عباس اراد الجدي وقال ابن زيد ايضا هو الثريا وجواب القسم في قوله ان كل نفس الآية وان هي المخففة من الثقيلة واللام في لما لام التاكيد الداخلة على الخبر هذا مذهب حذاق البصريين وقال الكوفيون ان بمعنى ما النافية واللام بمعنى الا فالتقدير ما كل نفس الا عليها حافظ ومعنى الآية فيما قال قتادة وغيره ان على كل نفس مكلفة حافظا يحصى اعمالها ويعدها للجزاء عليها وقال ابو امامة قال النبي ص - في تفسير هذه الآية ان لكل نفس حفظة من الله يذبون عنها كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل المرء الى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين وقوله تعالى فلينظر الانسان مم خلق توقيف لمنكري البعث على اصل الخلقة الدال على ان البعث جائز ممكن ثم بارد اللفظ الى الجواب اقتضابا واسراعا الى اقامة الحجة فقال خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب قال الحسن وغيره معناه من بين صلب كل واحد من الرجل والمرأة وترائبه وقال جماعة من بين صلب الرجل وترائب المرأة والتريبة من الانسان ما بين الترقوة الى الثدي قال ابو عبيدة معلق الحلي الى الصدر وقيل غير هذا وقوله تعالى انه على رجعه لقادر قال ابن عباس وقتادة المعنى ان الله على رد الانسان حيا بعد موته لقادر وهذا اظهر الاقوال هنا وابينها ودافق قال كثير من المفسرين هو بمعنى مدفوق والعامل في يوم الرجع من قوله على رجعه وتبلى السرائر معناه تختبر وتكشف بواطنها وروى ابو الدرداء عن النبي ص - ان السرائر التي يبتليها الله من العباد التوحيد والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة قال ع وهذه معظم الامر وقال قتادة الوجه في الآية العموم في جميع السرائر ونقل ابن العربي في احكامه عن ابن مسعود ان هذه المذكورات من الصلاة والزكاة والوضوء والوديعة كلها امانة قال واشد ذلك الوديعة تمثل له اي لمن خانها على هيئتها يوم اخذها فترمى في قعر جهنم فيقال له اخرجها فيتبعها فيجعلها في عنقه فاذا اراد ان يخرج بها زلت منه فيتبعها فهو كذلك دهر الداهرين انتهى ت قال ابو عبيد الهروي قوله تعالى يوم تبلى السرائر الواحدة سريرة وهي الاعمال التي اسرها العباد انتهى والرجع المطر وماؤه وقال ابن عباس الرجع السحاب فيه المطر قال الحسن لانه يرجع بالرزق كل عام وقال غيره لانه يرجع الى الارض والصدع النبات لان الارض تتصدع عنه والضمير في انه للقرءان وفصل معناه جزم فصل الحقائق من الاباطيل والهزل اللعب الباطل ثم اخبر تعالى عن قريش انهم يكيدون في افعالهم واقوالهم بالنبي عليه السلام واكيد كيدا وهذا على مامر من تسمية العقوبة بإسم الذنب ورويدا معناه قليلا قاله قتادة وهذه حال هذه اللفظة اذا تقدمها شيء تصفه كقولك سيرا رويدا او تقدمها فعل يعمل فيها كهذه واما اذا ابتدأت بها فقلت رويدا يا فلان فهي بمعنى الامر بالتماهل ص رويدا ابو البقاء نعت لمصدر محذوف اي امهالا رويدا ورويدا تصغير رود وانشد ابو عبيدة يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته كانه ثمل يمشي على رود اي على مهل ورفق انتهى تفسير سورة سبح اسم ربك وهي مكية في قول الجمهور بسم الله الرحمن الرحيم سبح في هذه الآية بمعنى نزة وقدس وقل جل سبحانه عن النقائص والغير جميعا وروي ابن عباس ان النبي ص - كان اذا قرأ هذه الآية قال سبحان ربي الاعلى وكان ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير يفعلون ذلك ولما نزلت قال النبي ص - اجعلوها في سجودكم وعن سلمة بن الاكوع قال ما سمعت النبي ص - يستفتح دعاء الا استفتحه بسبحان ربي الاعلى الوهاب رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الاسناد انتهى من سلاح المؤمن وسوى معناه عدل واتقن وقوله فهدى عام لوجوه الهدايات في الانسان والحيوان وقال الفراء معناه هدى واضل والعموم في الآية اصوب والمرعى النبات والغثاء ما يبس وجف وتحطم من النبات وهو الذي يحمله السيل والاحوى قيل هو الاخضر الذي عليه سواد من شدة الخضرة والغضارة فتقدير الآية الذي اخرج المرعى احوى اي اسود من خضرته وغضارته فجعله غثاء عند يبسه فاحوى حال وقال ابن عباس المعنى فجعله غثاء احوى اي اسود لان الغثاء اذا قدم واصابته الامطار اسود وتعفن فصار احوى فهذا صفة وقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى قال الحسن وقتادة ومالك ابن انس هذه الآية في معنى قوله تعالى لا تحرك به لسانك الاية وعده الله ان يقرئه واخبره انه لا ينسى نسيانا لا يكون بعده ذكر وقيل بل المعنى انه امره تعالى بان لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد وقال الجنيد معنى لاتنسى لا تترك العمل بما تضمن من امر ونهي وقوله تعالى الا ما شاء الله قال الحسن وغيره معناه مما قضى الله بنسخه ورفع تلاوته وحكمه وقال ابن عباس الا ما شاء الله ان ينسيكه ليسن به على نحو قوله عليه السلام انى لا نسى او نسى لاسن قال ع ونسيان النبي ص - ممتنع فيما امر بتليغه اذ هو معصوم فاذا بلغه ووعي عنه فالنسيان جائز على ان يتذكر بعد ذلك او على ان يسن او على النسخ وقوله تعالى ونيسرك لليسرى معناه نذهب بك نحو الامور المستحسنة في دنياك وءاخرتك من النصر والظفر ورفعة الرسالة وعلو المنزلة يوم القيامة والرفعة في الجنة ثم امره تعالى بالتذكير قال بعض الحذاق قوله تعالى ان نفعت الذكرى اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش ثم اخبر تعالى انه سيذكر من يخشى الله والدار الآخرة وهم العلماء والمؤمنون كل بقدر ما وفق له ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة وتزكى معناه طهر نفسه ونماها بالخير ومن الاربعين حديثا المسندة لابي بكر محمد بن الحسين الآجري الامام المحدث قال في ءاخرها وحديث تمام الاربعين حديثا وهو حديث كبير جامع لكل خير حدثنا ابو بكر جعفر بن محمد الفريابي املاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين قال حدثنا ابراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال حدثني ابي عن جدي عن ابي ادريس الخولاني عن ابي ذر قال دخلت المسجد فاذا رسول الله ص - جالس فجلست اليه فقال يا ابا ذر للمسجد تحية وتحيته ركعتان قم فاركعهما قال فلما ركعتهما جلست اليه فقلت يا رسول الله انك امرتنى بالصلاة فما الصلاة قال خير موضوع فاستكثر او استقلل الحديث وفيه قلت يا رسول الله كم كتابا انزل الله عز و جل قال مائة كتاب واربعة كتب انزل الله على شئت خمسين صحيفة وعلى خانوخ ثلاثين صحيفة وعلى ابراهيم عشر صحائف وانزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وانزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف ابراهيم قالت كانت امثالا كلها ايها الملك المسلط المبتلى المغرور انى لم ابعثك لتجمع الدنيا بعضعا على بعض ولكني بعثتك لترد عنى دعوة المظلوم فإني لا اردها ولو من كافر وكان فيها امثال وعلى العاقل ان تكون له ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفكر في صنع الله عز و جل اليه وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل ان لا يكون ظاعنا الا لثلاث تزود لمعاد او مؤنة لمعاش او لذة في غير محرم وعلى العاقل ان يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شانه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه الا فيما يعينه قال قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى قال كانت عبرا كلها عجبت لمن ايقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن ايقن بالقدر ثم هو ينصب وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها باهلها ثم أطمان اليها وعجبت لمن ايقن بالحساب غدا ثم لا يعمل قال قلت يا رسول الله فهل في ايدينا شيء مما كان في ايدي ابراهيم وموسى مما أنزل الله عز و جل عليك قال نعم اقرأ يا ابا ذر قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحيوة الدنيا الى ءاخر هذه السورة يعنى ان ذكر هذه الآيات لفى صحف ابراهيم وموسى قال قلت يا رسول الله فأوصنى قال اوصيك بتقوى الله عز و جل فإنه راس امرك قال قلت يا رسول الله زدنى قال عليك بتلاوة القراءن وذكر الله عز و جل فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الارض قال قلت يا رسول الله زدنى قال واياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه قال قلت يا رسول الله زدنى قال عليك بالجهاد فانه رهبانية امتى قال قلت يا رسول زدنى قال عليك بالصمت الا من خير فانه مطردة للشيطان وعون لك على امر دينك انتهى وقوله تعالى وذكر اسم ربه اي وحده وصلى له الصلوات المفروضة وغيرها وقال ابو سعيد الخدري وغيره هذه الآية نزلت في صبيحة يوم الفطر فتزكي ادى زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق المصلى وصلى صلاة العيد ثم اخبر تعالى الناس انهم يوثرون الحياة الدنيا وسبب الايثار حب العاجل والجهل ببقاء الآخرة وفضلها وروينا في كتاب الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ص - استحيوا من الله حق الحياء قال فقلنا يا رسول الله انا نستحي والحمد لله قال ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء ان تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن اراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحي من الله حق الحياء انتهى قال الغزالي وايثار الحياة الدنيا طبع غالب على الانسان ولذلك قال تعالى بل توثرون الحيوة الدنيا ثم بين سبحانه ان الشر قديم في الطباع وان ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال ان هذا لفي الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى انتهى من الاحياء وقوله تعالى ان هذا قال ابن زيد الاشارة بهذا الى هذين الخبرين افلاح من تزكى وايثار الناس للدنيا مع فضل الآخرة عليها وهذا هو الارجح لقرب المشار اليه وعن ابي بن كعب قال كان رسول الله ص - يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الاعلى وقل يا ايها الكافرون وقل هو الله احد فاذا سلم قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد صوته في الثالثة ويرفع رواه ابو داود والنساءي وهذا لفظه ورواه الدارقطني في سننه ولفظه فاذا سلم قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته في الاخيرة ويقول رب الملائكة والروح انتهى من السلاح قال النووي وروينا في سنن ابي داود والترمذي والنساءي عن علي رضي الله عنه ان النبي ص - كان يقول في ءاخر وتره اللهم اني اعوذ برضاك من سخطك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك قال الترمذي حديث حسن انتهى تفسير سورة هل اتاك حديث الغاشية وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قال بعض المفسرين هل بمعنى قد وقال الحذاق هي على بابها توقيف فائدته تحريك نفس السامع الى تلقى الخبر والغاشية القيامة لانها تغشى العالم كله بهولها والوجوه الخاشعة هي وجوه الكفار وخشوعها ذلها وتغييرها بالعذاب وقوله سبحانه عاملة ناصبة قال الحسن وغيره لم تعمل لله فى الدنيا فاعملها وانصبها فى النار والنصب التعب وقال ابن عباس وغيره المعنى عاملة في الدنيا ناصبة فيها على غير هدى فلا ثمره لعملها الا النصب وخاتمته النار قالوا والآية في القسيسين وكل مجتهد في كفر وقرأ أبو بكر عن عاصم وابو عمرو تصلى بضم التاء والباقون بفتحها والآنية التي قد انتهى حرها كما قال تعالى وبين حميم آن وقال ابن زيد ءانية حاضرة والضريع قال الحسن وجماعة هو الزقوم وقال ابن عباس وغيره الضريع شبرق النار وقال النبي ص - الضريع شوك في النار ت وهذا ان صح فلا يعدل عنه وقيل غير هذا ولما ذكر تعالى وجوه اهل النار عقب ذلك بذكر وجوه اهل الجنة ليبين الفرق وقوله تعالى لسعيها يريد لعملها في الدنيا وطاعتها والمعنى لثواب سعيها والتنعيم عليه ووصف سبحانه الجنة بالعلو وذلك يصح من جهة المسافة والمكان ومن جهة المكانة والمنزلة ايضا لا تسمع فيها لاغية قيل المعنى كلمة لاغية وقيل جماعة لاغية او فئة لاغية واللغو سقط القول قال الفخر قوله تعالى فيها سرر مرفوعة اي عالية في الهواء وذلك لاجل ان يرى المؤمن اذا جلس عليها جميع ما اعطاه الله تعالى في الجنة من النعيم والملك قال خارجة بن مصعب بلغنا ان بعضها فوق بعض فترتفع ما شاء الله فاذا جاء ولي الله ليجلس عليها تطامنت له فاذا استوى عليها ارتفعت الى حيث شاء الله سبحانه انتهى واكواب موضوعة اي باشربتها معدة والنمرقة الوسادة والزرابي واحدها زربية وهي كالطنافس لها خمل قاله الفراء وهي ملونات ومبثوثة معناه كثيرة متفرقة ثم وقفهم سبحانه على مواضع العبرة في مخلوقاته والابل في هذه الآية هي الجمال المعروفة هذا قول الجمهور وفي الجمل ءايات وعبر لمن تأمل وكان شريح القاضي يقول لاصحابه اخرجوا بنا الى الكناسة حتى ننظر الى الابل كيف خلقت وقال المبرد الابل هنا السحاب لان العرب قد تسميها بذلك اذ تأتي ارسالا كالابل ونصبت معناه اثتبت قائمة في الهواء وظاهر الآية ان الارض سطح لا كرة وهو الذي عليه اهل العلم وقد تقدم الكلام على هذا المعنى ثم نفي ان يكون النبي ص - مصيطرا على الناس أي قاهرا جابرا لهم مع تكبر متسلطا عليهم وقوله تعالى الا من تولى وكفر قال بعض المتأولين الاستثناء متصل والمعنى الا من تولى فانك مصيطر عليه فالآية على هذا لا نسخ فيها وقال ءاخرون الاستثناء منفصل والمعنى لست عليهم بمصيطر لكن من تولى وكفر فيعذبه الله وهي ءاية موادعة منسوخة بالسيف وهذا هو القول الصحيح لان السورة مكية والقتال انما نزل بالمدنية ص وقرأ زيد بن اسلم الا من تولى حرف تنبيه واستفتاح انتهى وقال ابن العربي في احكامه روى الترمذي وغيره ان النبي ص - قال امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوها عصموا في دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمصيطر مفسرا معنى الآية وكاشفا خفاء الخفاء عنها المعنى اذا قال الناس لا اله الا الله فلست بمسلط على سرائرهم وانما عليك الظاهر وكل سرائرهم الى الله تعالى وهذا الحديث صحيح المعنى والله اعلم انتهى وايابهم مصدر من آب يئوب اذا رجع تفسير سورة والفجر وهي مكية عند الجمهور وقيل مدنية والاول اصح واشهر بسم الله الرحمن الرحيم الفجر هنا عند الجمهور هو المشهور المعروف الطالع كل يوم وقال ابن عباس وغيره الفجر الذي اقسم الله به صلاة الصبح وقيل غير هذا واختلف في الليالي العشر فقيل العشر الاول من رمضان وقيل العشر الاواخر منه وقيل عشر ذي الحجة وقيل غير هذا والله اعلم بما اراد فان صح عن النبي ص - شيء في هذا صير اليه واختلف في الشفع والوتر ما هما على اقوال كثيرة وروى عمران بن حصين عن النبي ص - انه قال هي الصلوات منها الشفع ومنها الوتر وسرى الليل هو ذهابه وانقراضه هذا قول الجمهور وقيل المعنى اذا يسرى فيه هل في ذلك قسم لذي حجر اي هل في هذه الاقسام مقنع لذي عقل ثم وقف تعالى على مصارع الامم الخالية وعاد قبيلة بلا خلاف واختلف في ارم فقال مجاهد هي القبيلة بعينها وقال ابن اسحاق ارم هو ابو عاد كلها وقال الجمهور ارم مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن واختلف في قوله تعالى ذات العماد فمن قال ارم المدينة قال العماد اعمدة الحجارة التي بنيت بها وقيل القصور العالية والابراج يقال لها عماد ومن قال ارم قبيلة قال العماد اما اعمدة بنيانهم واما اعمدة بيوتهم التي يرحلون بها قاله جماعة والضمير في مثلها يعود اما على المدينة واما على القبيلة وجابوا الصخر معناه خرقوه ونحتوه وكانوا في واديهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة وفوعون هو فرعون موسى واختلف في اوتاده فقيل ابنيته العالية وقيل جنوده الذين بهم يثبت ملكه وقيل المراد اوتادا خبية عساكره وذكرت لكثرتها قاله ابن عباس وقال مجاهد كان يوتد الناس باوتاد حديد يقتلهم بذلك يضربها في ابدانهم حتى تنفذ الى الارض وقيل غير هذا والصب مستعمل في السوط وانما خص السوط بان يستعار للعذاب لانه يقتضى من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره وقال بعض اللغويين السوط هنا مصدر من ساط يسوط اذا خلط فكانه قال خلط عذاب ص قال ابن الانباري ان ربك لبالمرصاد هو جواب القسم وقيل محذوف وقيل الجواب هل في ذلك وهل بمعنى ان وليس بشيء انتهى والمرصاد والمرصد موضع الرصد قاله بعض اللغويين اي انه تعالى عند لسان كل قائل ومرصد لكل فاعل واذا علم العبد ان مولاه له بالمرصاد ودامت مراقبته في الفؤاد حضره الخوف والحذر لا محالة واعلموا ان الله يعلم ما في انفسكم فاحذروه قال ابو حامد في الاحياء وبحسب معرفة العبد بعيوب نفسه ومعرفته بجلال ربه وتعاليه واستغنائه وانه لا يسئل عما يفعل تكون قوة خوفه فاخوف الناس لربه اعرفهم بنفسه وبربه ولذا قال ص - انا اخوفكم لله ولذلك قال تعالى انما يخشى الله من عباده العلماء ثم اذا كملت المعرفة اورثت الخوف واحتراق القلب ثم يفيض اثر الحرقة من القلب على البدن فتنقمع الشهوات وتحترق بالخوف ويحصل في القلب الذبول والخشوع والذلة والاستكانة ويصير العبد مستوعب الهم بخوفه والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل الا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالانفاس واللحظات ومواخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات ثم قال واعلم انه لا تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف انتهى وقوله سبحانه فاما الانسان اذا ما ابتلاه ربه الآية ذكر تعالى في هذه الآية ما كانت قريش تقوله وتستدل به على اكرام الله واهانته لعبده وجاء هذا التوبيخ في الآية لجنس الانسان اذ قد يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع وابتلاه معناه اختبره ونعمه اي جعله ذا نعمة وقدر بتخفيف الدال بمعنى ضيق ثم قال تعالى كلا ردا على قولهم ومعتقدهم اي ليس اكرام الله تعالى واهانته كذلك وانما ذلك ابتلاء فحق من ابتلي بالغنى ان يشكر ويطيع ومن ابتلي بالفقر ان يشكر ويصبر واما اكرام الله فهو بالتقوى واهانته فبالمعصية وطعام في هذه الآية بمعنى اطعام ثم عدد عليهم جدهم في اكل التراث لانهم كانوا كانوا لا يورثون النساء ولا صغار الاولاد وانما كان يأخذ المال من يقاتل ويحمى الحوزة واللم الجمع واللف قال الحسن هو ان يأخذ في الميراث حظه وحظ غيره والجم الكثير الشديد ومنه قول الشاعر ... ان تغفر اللهم تغفر جما ... واي عبد لك الا الما ... ومنه الجم من الناس ودك الارض تسويتها وقوله تعالى وجاء ربك معناه جاء امره وقضاؤه وقال منذر بن سعيد معناه ظهوره للخلق هنالك ليس مجيء نقلة وكذلك مجيء الصاخة ومجيء الطامة والملك اسم جنس يريد به جميع الملائكة وصفا اي صفوفا حول الارض يوم القيامة على ما تقدم في غير هذا الموضع وجيء يومئذ بجهنم روي في قوله تعالى وجيء يومئذ بجهنم انها تساق الى المحشر بسبعين الف زمام يمسك كل زمام سبعون الف ملك فيخرج منها عنق فينتقي الجبابرة من الكفار في حديث طويل باختلاف الفاظ وقوله تعالى يومئذ يتذكر الانسان معناه يتذكر عصيانه وما فاته من العمل الصالح وقال الثعلبي يومئذ يتذكر الانسان اي يتعظ ويتوب وانى له الذكرى انتهى وقوله يا ليتنى قدمت لحياتي قال الجمهور معناه لحياتي الباقية يريد في الآخرة فيومئذ لا يعذب عذابه احد اي لا يعذب كعذاب الله احد في الدنيا ولا يوثق كوثاقه احد ويحتمل المعنى ان الله تعالى لا يكل عذاب الكافر يومئذ الى احد وقرأ الكساءي بفتح الذال والثاء اي لا يعذب كعذاب الكافر احد من الناس ثم عقب تعالى بذكر نفوس المؤمنين وحالهم فقال يا ايتها النفس المطمئنة الآية والمطمئنة معناه الموقنة غاية اليقين الا ترى قول ابراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي فهي درجة زائدة على الايمان واختلف في هذا النداء متى يقع فقال جماعة عند خروج روح المؤمن وروي في ذلك حديث وفي عبادى اي في عداد عبادى الصالحين وقال قوم النداء عند قيام الاجساد من القبور فقوله ارجعي الى ربك معناه بالبعث وادخلى في عبادى اي في الاجساد وقيل النداء هو الآن للمؤمنين وقال ءاخرون هذا النداء انما هو في الموقف عند ما ينطلق بأهل النار الى النار ت ولا مانع ان يكون النداء في جميع هذه المواطن ولما تكلم ابن عطاء الله في مراعاة احوال النفس قال رب صاحب ورد عطله عن ورده او الحضور فيه مع ربه هم التدبير في المعيشة وغيرها من مصالح النفس وانواع وساوس الشيطان في التدبير لا تنحصر ومتى اعطاك الله سبحانه الفهم عنه عرفك كيف تصنع فأي عبد توفر عقله واتسع نوره نزلت عليه السكينة من ربه فسكنت نفسه عن الاضطراب ووثقت بولي الاسباب فكانت مطمئنة اي خامدة ساكنة مستسلمة لاحكام الله ثابتة لا قداره وممدودة بتاييده وانواره فاطمأنت لمولاها لعلمها بانه يراها او لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد فاستحقت ان يقال لها يا ايتها النفس المطئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية وفي الآية خصائص عظيمة لها منها ترفيع شأنها بتكنيتها ومدحها بالطمانينة ثناء منه سبحانه عليها بالإستسلام اليه والتوكل عليه والمطمئن المنخفض من الارض فلما انخفضت بتواضعها وانكسارها اثنى عليها مولاها ومنها قوله راضية اي عن الله في الدنيا باحكامه ومرضية في الآخرة يحوده وانعامه وفي ذلك اشارة للعبد انه لا يحصل له ان يكون مرضيا عند الله في الآخرة حتى يكون راضيا عن الله في الدنيا انتهى من التنوير تفسير سورة البلد وهي مكية في قول الجمهور وقيل مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى لا اقسم بهذا البلد الكلام في لا تقدم في لا اقسم والبلد هو مكة وقوله تعالى وانت حل قال ابن عباس وجماعة معناه وانت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتل من شئت وكان هذا يوم فتح مكة وعلى هذا يتركب قول من قال السورة مدنية نزلت عام الفتح وقال ءاخرون المعنى وانت حال ساكن بهذا البلد وقوله تعالى ووالد وما ولد قال مجاهد هو ءادم وجميع ولده وقال ابن عباس ما معناه ان الوالد والولد هنا على العموم فهي اسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان والقسم واقع على قوله لقد خلقنا الانسان في كبد قال الجمهور الانسان اسم جنس والكبد المشقة والمكابدة اي يكابد امر الدنيا والآخرة وروي ان سبب نزول هذه الآية رجل من قريش يقال له ابو الاشد وقيل نزلت في عمرو بن عبدود وقال مقاتل نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل اذنب فاستفتى النبي ص - فامره بالكفارة فقال لقد اهلكت مالا في الكفارة والنفقات مذ تبعت محمدا وكان كل واحد منهم قد ادعى انه انفق مالا كثيرا على افساد امر النبي ص - او في الكفارات على ما تقدم وقوله اهلكت مالا لبدا اي انفقت مالا كثيرا ومن قال ان المراد اسم الجنس غير معين جعل قوله ايحسب ان لم يره احد بمعنى ايظن الانسان ان ليس عليه حفظة يرون اعماله ويحصونها الى يوم الجزاء قال السهيلي وهذه الآية وان نزلت في ابي الاشد فان الالف واللام في الانسان للجنس فيشترك معه في الخطاب كل من ظن ظنه وفعل مثل فعله وعلى هذا اكثر القرءان ينزل في السبب الخاص بلفظ عام يتناول المعنى العام انتهى وخرج مسلم عن ابي برزة قال قال رسول الله ص - لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع عن عمره فيما افناه وعن جسده فيما ابلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه وخرجه ايضا الترمذي وقال فيه حديث حسن صحيح انتهى وقرأ الجمهور لبدا اي كثيرا متلبدا بعضه فوق بعض ثم عدد تعالى على الانسان نعمه في جوارحه والنجدين قال ابن عباس والناس هما طريقا الخير والشر اي عرضنا عليه طريقهما وليست الهداية هنا بمعنى الارشاد وقال الضحاك النجدان ثديا الام وهذا مثال والنجد الطريق المرتفع وقوله تعالى فلا اقتحم العقبة الآية قوله فلا هو عند الجمهور تحضيض بمعنى الا اقتحم والعقبة في هذه الآية على عرف الكلام العرب استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل واقتحم معناه دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة ثم عظم تعالى امر العقبة في النفوس بقوله وما ادراك ما العقبة ثم فسر اقتحام العقبة بقوله فك رقبة الآية وهذا على قراءة من قرأ فك رقبة بالرفع على المصدر واما من قرأ فك رقبة او اطعم على الفعل ونصب الرقبة وهي قراءة ابي عمرو فليس يحتاج ان يقدر وما ادراك ما اقتحام بل يكون التعظيم للعقبة نفسها ويجيء فك بدلا من اقتحم ومبينا له وفك الرقبة هو عتقها من ربقة الاسر او الرق وفي الحديث عن النبي ص - من اعتق نسمة مؤمنة اعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار والمسبغة المجاعة والساغب الجائع وذا مقربة معناه ذا قرابة لتجتمع الصدقة والصلة وذا متربة معناه مدقعا قد لصق بالتراب وهذا ينحو الى ان المسكين اشد فاقة من الفقير قال سفيان هم المطروحون على ظهر الطريق قعودا على التراب لا بيوت لهم وقال ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه الى بيته مستيقنا انه ليس فيه الا التراب وقوله تعالى ثم كان معطوف على قوله اقتحم والمعنى ثم كان وقت اقتحامه العقبة من الذين ءامنوا وقوله تعالى وتواصوا بالصبر معناه على طاعة الله وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي والمرحمة قال ابن عباس كل ما يؤدي الى رحمة الله تعالى وقال ءاخرون هو التراحم والتعاطف بين الناس وفي ذلك قوام الناس ولو لم يتراحموا جملة لهلكوا والميمنة فيما روي عن يمين العرش وهو موضع الجنة ومكان المرحومين من الناس والمشأمة الجانب الاشأم وهو الايسر وفيه جهنم وهو طريق المعذبين وموصدة معناه مطبقة مغلقة تفسير سورة والشمس وضحاها وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم اقسم الله تعالى بالشمس اما على التنبيه منها على الاعتبار المؤدي الى معرفة الله تعالى واما على تقدير ورب الشمس والضحى بالضم والقصر ارتفاع ضوء الشمس واشراقه قاله مجاهد وقال مقاتل ضحاها حرها كقوله في طه ولا تضحى والضحاء بفتح الضاد والمد ما فوق ذلك الى الزوال والقمر يتلو الشمس من اول الشهر الى نصفه في الغروب تغرب هي ثم يغرب هو ويتلوها في النصف الآخر بنحو آخر وهو ان تعرب هي فيطلع هو وقال الحسن تلاها معناه تبعها دأبا في كل وقت لانه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك وقال الزجاج وغيره تلاها في المنزلة من الضياء والقدر لانه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر وقوله والنهار ظاهر هذه السورة والتي بعدها ان النهار من طلوع الشمس وكذلك قال الزجاج في كتاب الانواءوغيره واليوم من طلوع الفجر ولا يختلف ان نهايتهما مغيب الشمس والضمير في جلاها يحتمل ان يعود على الشمس ويحتمل ان يعود على الارض او على الظلمة وان كان لم يجر لذلك ذكر فالمعنى يقتضيه قاله الزجاج وجلى معناه كشف وضوى والفاعل بجلى على هذه التاويلات النهار ويحتمل ان يكون الفاعل الله تعالى كانه قال والنهار اذ جلى الله الشمس فاقسم بالنهار في اكمل حالاته ويغشي معناه يغطى والضمير للشمس على تجوز في المعنى او للارض وقوله تعالى وما بناها وكل ما بعده من نظائره في السورة يحتمل ان تكون ما فيه بمعنى الذي قاله ابو عبيدة اي ومن بناها وهو قول الحسن ومجاهد فيجيء القسم بالله تعالى ويحتمل ان تكون ما في جميع ذلك مصدرية قاله قتادة والمبرد والزجاج كانه قال والسماء وبنائها وطحا بمعنى دحا ت قال الهروي قوله تعالى والارض وما طحاها اي بسطها فاوسعها ويقال طحا به الامر اي اتسع به في المذهب انتهى والنفس التي اقسم بها سبحانه اسم جنس وتسويتها اكمال عقلها ونظرها الثعلبي فسواها اي عدل خلقها انتهى وقوله سبحانه فالهمها فجورها وتقواها اي عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور او اكتساب التقوى وجواب القسم في قوله قد افلح والتقدير لقد افلح زاد ص وحذفت اللام للطول انتهى والفاعل بزكى يحتمل ان يكون الله تعالى قاله ابن عباس وغيره ويحتمل ان يكون الانسان قاله الحسن وغيره وزكاها اي طهرها ونماها بالخيرات ودساها معناه اخفاها وحقرها وصغر قدرها بالمعاصى والبخل بما يجب واصل دسى دسس ومنه قول الشاعر ... ودسست عمرا في التراب فاصبحت ... حلائله منه ارامل ضيعا ... ت قال الشيخ ابو عبدالرحمن السلمي ومن عيوب النفس الشفقة عليها والقيام بتعهدها وتحصيل مئاربها ومداواتها الاعراض عنها وقلة الاشتغال بها كذلك سمعت جدي يقول من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه انتهى من تاليفه في عيوب النفس وروي ان النبي ص - كان اذا قرأ هذه الآية قال اللهم ءات نفسي تقواها وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها قال صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية النفس الزكية زينتها نزاهتها وعافيتها عفتها وطهارتها ورعها وغناها ثقتها بمولاها وعلمها بأنه لا ينساها انتهى ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه ذكر فرقة فعلت ذلك ليعتبر بهم وينتهى عن مثل فعلهم والطغوى مصدر وقال ابن عباس الطغوى هنا العذاب كذبوا به حتى نزل بهم ويؤيده قوله تعالى فاما ثمود فاهلكوا بالطاغية وقال جمهور من المتأولين الباء سببية والمعنى كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها واشقاها هو قدار ابن سالف وقد تقدم قصصهم ت وناقة الله وسقياها قيل نصب بفعل مضمر تقديره احفظوا او ذروا وقال ص ناقة الله الجمهور بنصب ناقة على التحذير اي احذروا ناقة الله وهو مما يجب اضمار عامله انتهى ودمدم معناه انزل العذاب مقلقلا لهم مكررا ذلك وهي الدمدمة الثعلبي قال مؤرج الدمدمة اهلاك باستيصال انتهى وكذلك قال ابو حيان وقال الهروي قال الازهري فدمدم عليهم ربهم اي اطبق عليهم العذاب وقيل فدمدم عليهم اي غضب عليهم انتهى وقوله تعالى فسواها اي فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم احد وقرأ نافع وابن عامر فلا يخاف عقباها والمعنى فلا درك على الله تعالى في فعله بهم وهذا قول ابن عباس والحسن ويحتمل ان يكون الفاعل بيخاف صالحا عليه السلام اي لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم اذ كان قد انذرهم وقرأ الباقون ولا يخاف بالواو فتحتمل الوجهين وتحتمل هذه القراءة وجها ثالثا ان يكون الفاعل بيخاف المنبعث قاله الزجاج والضحاك والسدي وغيرهم وتكون الواو واو الحال كانه قال انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله تفسير سورة والليل وهي مكية في قول المجهور بسم الله الرحمن الرحيم اقسم تعالى بالليل اذا غشي الارض وجميع ما فيها وبالنهار اذا تجلى اي ظهر وضوى الآفاق وقال ص يغشي مفعوله محذوف فيحتمل ان يكون النهار كقوله يغشى الليل النهار او الشمس كقوله تعالى والليل اذا يغشاها وقيل الارض وما فيها انتهى وقوله تعالى وما خلق الذكر والانثى يحتمل ان تكون ما بمعنى الذي ويحتمل ان تكون مصدرية والذكر والانثى هنا عام وقال الحسن المراد ءادم وحواء والسعي العمل فاخبر تعالى مقسما ان اعمال العباد شتى اي مفترقة جدا بعضها في رضى الله وبعضها في سخطه ثم قسم تعالى الساعين فقال فاما من اعطى واتقى الآية ويروي ان هذه الآية نزلت في ابي بكر الصديق رضي الله عنه وقوله تعالى وصدق بالحسنى قيل هي لا اله الا الله وقيل هي الخلف الذي وعد الله به وقيل هي الجنة وقال كثير من المتأولين الحسنى الاجر والثواب مجملا والعسرى الحال السيئة في الدنيا والآخرة ومن جعل بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال ايضا لتعظم المذمة ومن جعل بخل عاما في جميع ما ينبغي ان يبذل من قول او فعل قال استغنى عن الله ورحمته بزعمه وظاهر قوله وما يغنى عنه ماله ان الاعطاء والبخل المذكورين انما هما في المال وقوله تعالى اذا تردى قال قتادة وغيره معناه تردى في جهنم وقال مجاهد تردى معناه هلك من الردى وخرج البخاري وغيره عن علي رضي الله عنه قال كنا مع النبي ص - في بقيع الغرقد في جنازة فقال ما منكم من احد او ما من نفس منفوسة الا وقد كتب مكانها من الجنة والنار والا قد كتبت شقية او سعيدة فقالوا يا رسول الله افلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من اهل السعادة فسيصير الى اهل السعادة ومن كان منا من اهل الشقاء فسيصير الى عمل اهل الشقاء قال اما اهل السعادة فييسرون لعمل اهل السعادة واما اهل الشقاوة فييسرون لعمل اهل الشقاوة ثم قرأ فاما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى الى قوله للعسرى وفي رواية لما قيل له افلا نتكل على كتابنا قال لا بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له الحديث وخرجه الترمذي ايضا انتهى قال ابن العربي في احكامه وسأل شابان رسول الله ص - فقالا العمل فيما جفت به الاقلام وجرت به المقادير ام فى شيء مستانف فقال بل فيما جفت به الاقلام وجرت به المقادير قالا ففيم العمل اذن قال اعملوا فكل ميسر لعمله الذي خلق له قالا فالآن نجد ونعمل انتهى وقال قوم معنى تردى اي باكفانه من الرداء ومنه قول الشاعر ... نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداء ان تلوى فيهما وحنوط ... ثم اخبر تعالى ان عليه هدى الناس جميعا اي تعريفهم بالسبل كلها وليست هذه الهداية بالارشاد الى الايمان ولو كان ذلك لم يوجد كافر قال البخاري تلظى توهج وقال الثعلبي تتوقد وتتوهج انتهى وقوله سبحانه لا يصلاها الا الاشقى المعنى لا يصلاها صلي خلود ومن هنا ضلت المرجئة لانها اخذت نفي الصلي مطلقا ولم يختلف اهل التاويل ان المراد بالاتقي الى ءاخر السوة ابو بكر الصديق ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات وباقي الآية بين ثم وعده تعالى بالرضى في الآخرة وهذه عدة لابي بكر رضي الله عنه تفسير سورة والضحى وهي مكية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم تقدم تفسير الضحى بانه سطوع الضوء وعظمه وقال قتادة الضحى هنا النهار كله وسجى معناه سكن واستقر ليلا تاما وقيل معناه اقبل وقيل معناه ادبر والاول اصح وعليه شواهد وقال البخاري قال مجاهد اذا سجى استوى وقال غيره اظلم وسكن انتهى وقرأ الجمهور ما ودعك بشد الدال من التوديع وقرئى بالتخفيف بمعنى ما تركك وقال البخاري ما ودعك ربك بالتشديد والتخفيف ما تركك انتهى وقلى ابغض نزلت بسبب ابطاء الوحي مدة وللآخرة يعنى الدار الآخرة خير لك من الدنيا ولسوف يعطيك ربك فترضى قيل هي ارجى ءاية في القرءان لانه ص - لا يرضى وواحد من امته في النار وروي انه عليه السلام قال لما نزلت اذن لا ارضى واحد من امتى في النار قال عياض وهذه ءاية جامعة لوجوه الكرامة وانواع السعادة في الدارين انتهى ت وفي صحيح مسلم من رواية عبدالله بن عمرو بن العاصى ان النبي ص - تلا قول الله عز و جل في ابراهيم عليه السلام رب انهن اضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم وقول عيسى عليه السلام ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم فرفع يديه وقال اللهم امتى امتى وبكى فقال الله جل ثناؤه يا جبريل اذهب الى محمد فقل له انا سنرضيك في امتك ولا نسوءك انتهى مختصرا ثم وقف تعالى نبيه على المراتب التي درجه عنها بانعامه فقال الم يجدك يتيما فئاوى وقوله تعالى ووجدك ضالا فهدى اختلف الناس في تاويله والضلال يختلف فمنه البعيد ومنه القريب فالبعيد ضلال الكفار وهذا قد عصم الله منه نبيه فلم يعبد ص - صنما قط ولا تابع الكفار على شيء مما هم عليه من الباطل وانما ضلاله ص - هو كونه واقفا لا يميز المهيع بل يدبر وينظر وقال الترمذي وعبدالعزيز بن يحيى ضالا معناه خامل الذكر لا يعرفك الناس فهداهم اليك ربك والصواب انه ضلال من توقف لا يدرى كما قال عز و جل ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان وقال الثعلبي قال بعض المتكلمين اذا وجدت العرب شجرة مفردة في فلاة سموها ضالة فيهتدى بها الى الطريق اي فوجدتك وحيدا ليس معك نبي غيرك فهديت بك الخلق الي انتهى قال عياض قال الجنيد المعنى ووجدك متحيرا في بيان ما انزل اليك فهداك لبيانه لقوله وانزلنا اليك الذكر الآية قال عياض ولا اعلم احدا من المفسرين قال فيها ضالا عن الايمان وكذلك في قصة موسى عليه السلام قوله فعلتها اذا وانا من الضالين اي المخطئين وقال ابن عطاء ووجدك ضالا اي محبا لمعرفتي والضال المحب كما قال تعالى انك لفي ضلالك القديم اي محبتك القديمة انتهى والعائل الفقير فاغنى اي بالقناعة والصبر ثم وصاه تعالى بثلاث وصايا بازاء هذه النعم الثلاث والسائل هنا قال ابو الدرداء هو السائل عن العلم وقيل هو سائل المال وقال ابراهيم بن ادهم نعم القوم السؤال يحملنا زادنا الى الآخرة وقوله تعالى واما بنعمة ربك فحدث قال مجاهد وغيره معناه بث القرءان وبلغ ما ارسلت به قال عياض وهذا الامر يعم الامة انتهى وقال ءاخرون بل هو عموم في جميع النعم وفي سنن ابي داود عن النبي ص - قال اعطوا الاجير حقه قبل ان يجف عرقه واعطوا السائل وان جاء على فرس قال البغوي في المصابيح هذا حديث مرسل انتهى تفسير سورة الم نشرح وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم عدد الله تعالى على نبيه نعمه عليه في ان شرح صدره للنبوءة وهيأه لها وذهب الجمهور الى ان شرح الصدر المذكور انما هو تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقى ما يوحى اليه وقال ابن عباس وجماعة هذه اشارة الى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره وفي وقت الاسراء اذ التشريح شق اللحم والوزر الذي وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان يجده ص - في نفسه من اجل ما كانت قريش فيه من عبادة الاصنام فرفع الله عنه ذلك الثقل بنبوته وارساله وقال ابو عبيدة وغيره المعنى خففنا عنك اثقال النبوءة واعناك على الناس وقيل الوزر هنا الذنوب نظير قوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وقد تقدم بيانه الثعلبي وقيل معناه عصمناك من احتمال الوزر انتهى وانقض معناه جعله نقضا اي هزيلا من الثقل قال عياض ومعنى انقض اي كاد ينقضه انتهى ورفعنا لك ذكرك اي نوهنا باسمك قال ع ورفع الذكر نعمة على الرسول وكذلك هو جميل حسن للقائمين بامور الناس وخمول الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة والمعنى في هذا التعديد انا قد فعلنا جميع هذا بك فلا تكترث باذى قريش فان الذي فعل بك هذه النعم سيظفرك بهم قال عياض وروى ابو سعيد الخدري ان النبي ص - قال اتاني جبريل فقال ان ربي وربك يقول اتدرى كيف رفعت ذكرك قلت الله تعالى اعلم قال اذا ذكرت ذكرت معي انتهى ثم قوى سبحانه رجاءه بقوله فان مع العسر يسرا وكرر تعالى ذلك مبالغة وذهب كثير من العلماء الى ان مع كل عسر يسرين بهذه الآية من حيث ان العسر معرف للعهد واليسر منكر فالاول غير الثاني وقد جاء في هذا التأويل حديث عن النبي ص - انه قال لن يغلب عسر يسرين ثم امر تعالى نبيه اذا فرغ من شغل من اشغال النبوة والعبادة ان ينصب في ءاخر والنصب التعب والمعنى ان يدأب على ما امر به ولا يفتر وقال ابن عباس اذا فرغت من فرضك فانصب في التنفل عبادة لربك ونحوه عن ابن مسعود وعن مجاهد فاذا فرغت من العبادة فانصب في الدعاء وقوله تعالى والى ربك فارغب امر بالتوكل على الله عز و جل وصرف وجوه الرغبات اليه لا الى سواه تفسير سورة والتين وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس وغيره التين والزيتون المقسم بهما هما المعروفان وقال السهيلي اقسم تعالى بطور تينا وطور زيتا وهما جبلان عند بيت المقدس وكذلك طور سيناء ويقال ان سيناء هي الحجارة والطور عند اكثر الناس هو الجبل وقال الماوردي ليس كل جبل يقال له طور الا ان تكون فيه الاشجار والثمار والا فهو جبل فقط انتهى وطور سينين جبل بالشام والبلد الامين مكة والقسم واقع على قوله تعالى لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم اي في احسن تقويم ينبغي له وقال بعض العلماء بالعموم اي الانسان احسن المخلوقات تقويما ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق ان زوجته احسن من الشمس محتجين بهذه الآية وحسن التقويم يشمل جميع محاسن الانسان الظاهرة والباطنة من حسن صورته وانتصاب قامته وكمال عقله وحسن تمييزه والانسان هنا اسم جنس وتقدير الكلام في تقويم احسن تقويم لان احسن صفة لا بد ان تجري على موصوف ثم رددناه اسفل سافلين قال قتادة وغيره معناه بالهرم وذهول العقل وهذه عبرة منصوبة وعبارة الثعلبي في احسن تقويم قيل اعتداله واستواء شبابه وهو احسن ما يكون ثم رددناه اسفل سافلين بالهرم كما قال الى ارذل العمر والسافلون الهرمى والزمنى والذين حبسهم عذرهم عن الجهاد فى عهد النبي ص - فانزل الله عذرهم واخبرهم ان لهم اجرهم الذي عملوا قبل ان تذهب عقولهم انتهى وفي البخاري عنه ص - اذا مرض العبد او سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا وهكذا قال في الذين حبسهم العذر انتهى قال ص الا الذين قيل منقطع بناء على ان معنى اسفل سافلين بالهرم وذهول العقل وقيل متصل بناء على ان معناه في النار على كفره انتهى قال ع وفي حديث عن انس قال قال رسول الله ص - اذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه فاذا بلغ ستين رزقه الانابة اليه فاذا بلغ سبعين احبه اهل السماء فاذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته فاذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في اهل بيته وكان اسير الله في ارضه فاذا بلغ مائة ولم يعمل شيأ كتب له مثل ما كان يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة وفي حديث ان المؤمن اذا رد الى ارذل العمر كتب له خيرا ما كان يعمل في قوته وذلك اجر غير ممنون ثم قال سبحانه الزاما للحجة وتوبيخا للكافر فما يكذبك ايها الانسان اي فما يجعلك ان تكذب بعد هذه الحجة بالدين وقال قتادة المعنى فمن يكذبك يا محمد فيما تخبر به من الجزاء والحساب وهو الدين بعد هذه العبر ويحتمل ان يريد بالدين جميع دينه وشرعه وروي عن قتادة ان النبي ص - كان اذا قرأ اليس الله باحكم الحاكمين قال بلى وانا على ذلك من الشاهدين قال ابن العربي في احكامه روى الترمذي وغيره عن ابي هريرة ان النبي ص - قال اذا قرأ احدكم اليس الله باحكم الحاكمين فليقل بلى وانا على ذلك من الشاهدين ومن رواية عبدالله اذا قرأ احدكم او سمع اليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى فليقل بلى انتهى ت وهذان الحديثان وان كان قد ضعفهما ابن العربي فهما مما ينبغي ذكرهما في فضائل الاعمال والله الموفق بفضله تفسير سورة القلم وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى اقرأ باسم ربك هو اول ما نزل من كتاب الله تعالى نزل صدر هذه الآية الى قولهما لم يعلم في غار حراء حسب ما ثبت في صحيح البخاري وغيره ومعنى قوله اقرأ باسم ربك اي اقرأ هذا القرءان باسم ربك اي مبتدئا باسم ربك ويحتمل ان يكون المقروء الذي امر بقراءته هو باسم ربك الذي خلق كأنه قيل له اقرأ هذا اللفظ والعلق جمع علقة وهي القطعة اليسيرة من الدم والانسان هنا اسم جنس ثم قال تعالى اقرأ وربك الاكرم على جهة التأنيس كأنه يقول امض لما امرت به وربك ليس كهذه الارباب بل هو الاكرم الذي لا يلحقه نقص ثم عدد تعالى نعمة الكتابة بالقلم على الناس وهي من اعظم النعم وعلم الانسان ما لم يعلم قيل هو ءادم وقيل هو اسم جنس وهو الاظهر وقوله تعالى كلا ان الانسان ليطغى الى ءاخر السورة نزلت في ابي جهل وذلك انه طغى لغناه وكثرة من يغشى ناديه فناصب رسول الله ص - ونهاه عن الصلاة في المسجد وقال لئن رأيت محمدا يسجد عند الكعبة لاطأن عتقه فيروى ان النبي ص - رد عليه القول وانتهره وعبارة الداودي فتهدده النبي ص - فقال ابو جهل اتهددنى اما والله اني لاكثر اهل الوادى ناديا فنزلت الآية انتهى وكلا رد على ابي جهل ويتجه ان تكون بمعنى حقا والضمير في رءاه للانسان المذكور كأنه قال ان رأي نفسه غنيا وهي رؤية قبيلة ولذلك جاز ان يعمل فعل الفاعل في نفسه كما تقول وجدتنى وظننتنى ثم حقر تعالى غنى هذا الانسان وحاله بقوله ان الى ربك الرجعى اي بالحشر والبعث يوم القيامة وفي هذا الخبر وعيد للطاغين من الناس ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام ولا خلاف ان الناهي ابو جهل وان العبد المصلي هو محمد عليه السلام وقوله تعالى الم يعلم بان الله يرى اكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح مع كل واحد منها ت وفي قوله تعالى الم يعلم بان الله يرى ما يثير الهمم الراكدة ويسيل العيون الجامدة ويبعث على الحياء والمراقبة قال الغزالي اعلم ان الله مطلع على ضميرك ومشرف على ظاهرك وباطنك فتأدب ايها المسكين ظاهرا وباطنا بين يديه سبحانه واجتهد ان لا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث امرك ولا تدع عنك التفكر في قرب الاجل وحلول الموت القاطع للامل وخروج الامر من الاختيار وحصول الحسرة والندامة بطول الاغترار انتهى ثم توعده تعالى ان لم ينته ليوخذن بناصيته فيجر الى جهنم ذليلا تقول العرب سفعت بيدي ناصية الفرس والرجل اذا جذبتها مذللة وقال بعض العلماء بالتفسير معناه لتحقرن من قولهم سفعته النار واكتفى بذكر الناصية لدلاتها على الوجه والرأس والناصية مقدم شعر الرأس ثم ابدل النكرة من المعرفة فى قوله ناصية كاذبة ووصفها بالكذب والخطا من حيث هي صفات لصاحبها فليدع ناديه اي اهل مجلسه والنادى والندي المجلس ومنه دار الندوة وقال البخاري قال مجاهد ناديه عشيرته وقوله سندع الزبانية اي ملائكة العذاب ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام كلا لا تطعه اي لا تلتفت الى نهيه وكلامه واسجد لربك واقترب اليه بسجودك وفي الحديث اقرب ما يكون العبد من ربه اذا سجد فاكثروا من الدعاء في السجود فقمن ان يستجاب لكم وروى ابن وهب عن جماعة من اهل العلم ان قوله واسجد خطاب للنبي ص - وان قوله واقترب خطاب لابي جهل اي ان كنت تجترئي حتى ترى كيف تهلك ت والتاويل الاول اظهر يدل عليه قوله ص - اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وعن ربيعة بن كعب الاسلمي قال كنت ابيت مع النبي ص - فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي سل فقلت اسألك مرافقتك في الجنة قال او غير ذلك قلت هو ذاك قال فاعنى على نفسك بكثرة السجود رواه الجماعة الا البخاري ولفظ الترمذي كنت ابيت عند باب النبي ص - فاعطيه وضوءه فاسمعه الهوي من الليل يقول سمع الله لمن حمده واسمعه الهوي من الليل يقول الحمد لله رب العالمين قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وليس لربيعة في الكتب الستة سوى هذا الحديث انتهى من السلاح وروي ان ابا جهل جاء والنبي ص - يصلى فهم بان يصل اليه ويمنعه من الصلاة ثم كع وولى ناكصا على عقبيه متقيا بيديه فقيل له ما هذا فقال لقد عرض بينى وبينه خندق من نار وهول واجنحة فيروي ان النبي ص - قال لودنا منى لاخذته الملائكة عيانا ت ولما لم ينته عدو الله اخذه الله يوم بدر وامكن منه وذكر الوائلي الحافظ في كتاب الابانة له من حديث مالك ابن مغول عن نافع عن ابن عمر قال بينا انا اسير بجنبات بدر اذ خرج رجل من الارض في عنقه سلسلة يمسك طرفها اسود فقال يا عبدالله اسقنى فقال ابن عمر لا ادرى اعرف اسمى او كما يقول الرجل يا عبدالله فقال لي الاسود لا تسقه فانه كافر ثم اجتذبه فدخل الارض قال ابن عمر فاتيت النبي ص - فاخبرته فقال او قد رأيته ذلك عدو الله ابو جهل بن هشام وهو عذابه الى يوم القيامةانتهى من التذكرة للقرطبي وقد ذكرت هذه الحكاية عن ابي عمر بن عبدالبر باتم من هذا عند قوله تعالى فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا الآية تفسير سورة انا انزلناه في ليلة القدر قال ابن عباس هي مدنية وقال قتادة هي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى انا انزلناه الضمير في انزلناه للقرءان قال الشعبي وغيره المعنى انا ابتدأنا انزال هذا القرءان اليك في ليلة القدر وقد روي ان نزول الملك في حراء كان في العشر الاواخر من رمضان فيستقيم هذا التأويل وقال ابن عباس وغيره انزله الله تعالى ليلة القدر الى سماء الدنيا جملة ثم نجمه على محمد ص - عشرين سنة وليلة القدر خصها الله تعالى بفضل عظيم وجعلها افضل من الف شهر لا ليلة قدر فيها قاله مجاهد وغيره وخصت هذه الامة بهذه الفضيلة لما رأى النبي ص - اعمار امته وتقاصرها وخشي ان لا يبلغوا من الاعمال مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فاعطاه الله عز و جل ليلة القدر خير من الف شهر قال ابن العربي في احكامه وقد روى مالك هذا الحديث في المؤطا ثبت ذلك من رواية ابن القاسم وغيره انتهى ثم فخمها سبحانه بقوله وما ادراك ما ليلة القدر قال ابن عيينة فى صحيح البخاري ما كان فى القرءان وما ادراك فقد اعلمه وما قال وما يدريك فانه لم يعلمه وذكر ابن عباس وغيره انها سميت ليلة القدر لان الله تعالى يقدر فيها الآجال والارزاق وحوادث العام كلها ويدفع ذلك الى الملائكة لتمتثله قال ع وليلة القدر مستديرة في اوتار العشر الاواخر من رمضان هذا هو الصحيح المعول عليه وهي في الاوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر فينبغي لمرتقبها ان يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة الى ءاخر الشهر وصح عن ابي بن كعب وغيره انها ليلة سبع وعشرين ثم اخبر تعالى ان ليلة القدر خير من الف شهر وهي ثمانون سنة وثلاثة اعوام وثلث عام وفي الصحيح عن النبي ص - من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه والروح هو جبريل عليه السلام وقيل هو صنف حفظة للملائكة قال الفخر وذكروا في الروح اقوالا احدها انه ملك عظيم لو التقم السموات والارض كان ذلك له لقمة واحدة وقيل الروح طائفة من الملائكة لايراهم الملائكة الا ليلة القدر كالزهاد الذين لا نراهم الا يوم العيد وقيل خلق من خلق الله ياكلون ويشربون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الانس ولعلهم خدم اهل الجنة وقيل الروح اشرف الملائكة وقال ابن ابي نجيح الروح هم الحفظة الكرام الكاتبون والاصح ان الروح ها هنا هو جبريل وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه انتهى وقوله تعالى بإذن ربهم من كل امر الثعلبي أي بكل امر قدره الله وقضاه في تلك السنة الى قابل قاله ابن عباس ثم تبتدئي فتقول سلام هي ويحتمل ان يريد من كل فتنة سلامة انتهى قال ع وعلى التأويل الاول يجيء سلام خبر ابتداء مستأنفا اي سلام هي هذه الليلة الى اول يومها ثم ذكر ما تقدم وقال الشعبي ومنصور سلام التحية اي تسلم الملائكة على المؤمنين تفسير سورة لم يكن وهي مكية في قول الجمهور وقيل مدنية والاول اشهر بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى لم يكن الذين كفروا وفي حرف ابن مسعود لم يكن المشركون واهل الكتاب منفكين وقوله تعالى منفكين معناه منفصلين متفرقين تقول انفك الشيء عن الشيء اذا انفصل عنه واما انفك التي هي من اخوات كان فلا مدخل لها هنا قال مجاهد وغيره لم يكونوا منفكين عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة واوقع المستقبل موقع الماضي في تأتيهم والبينات محمد ص - وشرعه قال الثعلبي والمشركين يعنى من العرب وهم عبدة الاوثان انتهى وقال لاالفراء وغيره لم يكونوا منفكين عن معرفة صحة نبوة محمد ص - والتوكف لامره حتى جاءتهم البينة فتفرقوا عند ذلك ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى وذلك ان يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم منفكين من امر الله ونظره لهم حتى يبعث اليهم رسولا تقوم عليهم به الحجة وتتم على من آمن به النعمة فكانه قال ما كانوا ليتركوا سدى والصحف المطهرة القرءان في صحفه قاله قتادة والضحاك وقال الحسن الصحف المطهرة في السماء فيها كتب اي احكام كتب وقيمة معناه قائمة معتدلة آخذه للناس بالعدل ثم ذم تعالى اهل الكتاب في انهم لم يتفرقوا في امر محمد ص - الا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته وحنفاء جمع حنيف وهو المستقيم وذكر الزكاة مع ذكر بني اسرائيل يقوى قول من قال السورة مدنية لان الزكاة انما فرضت بالمدينة ولان النبي ص - انما دفع الى مناقضة اهل الكتاب بالمدينة وقرأ الجمهور وذلك دين القيمة على معنى الجماعة والفرقة القيمة وقال ص قراءة الجمهور وذلك دين القيمة على تقدير الامة القيمة اي المستقيمة او الكتب القيمة وقرأ عبدالله وذلك الدين القيمة بتعريف الدين ورفع القيمة صفة والهاء فيه للمبالغة او على تأويل ان الدين بمعنى الملة انتهى والبريئة جميع الخلق لان الله تعالى برأهم اي اوجدهم بعد العدم وقوله تعالى رضي الله عنهم قيل ذلك في الدنيا فرضاه عنهم هو ما اظهره عليهم من امارات رحمته ورضاهم عنه هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الارزاق والاقدار قال بعض الصالحين رضي العباد عن الله رضاهم بما يرد من احكامه ورضاه عنهم ان يوفقهم للرضى عنه وقال سري السقطي اذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه ان يرضى عنك وقيل ذلك في الآخرة وخص تعالى بالذكر اهل الخشية لانها رأس كل بركة وهي الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر تفسير سورة اذا زلزلت وهي مكية قاله ابن عباس وغيره وقال قتادة ومقاتل هي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى اذا زلزلت الارض قد تقدم معنى الزلزلة والاثقال الموتى قاله ابن عباس وقيل اخرجت موتاها وكنوزها وقول الانسان ما لها هو على معنى التعجب من هول ما يرى قال الجمهور الانسان هنا الكافر وقيل عام في المؤمن والكافر واخبار الارض قال ابن مسعود وغيره هي شهادتها بما عمل عليها من عمل صالح وفاسد ويؤيد هذا التأويل قوله ص - فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن انس ولا جن ولا شيء الاشهد له يوم القيامة ت وخرج الترمذي في جامعه عن ابي هريرة قال قرأ رسول الله ص - هذه الآية يومئذ تحدث اخبارها قال اتدرون ما اخبارها قالوا الله ورسوله اعلم قال فان اخبارها ان تشهد على كل عبد وامة بما عمل على ظهرها تقول عمل علي يوم كذا كذا فهذه اخبارها قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وكذا رواه ابو بكر بن الخطيب وفيه عمل علي في يوم كذا وكذا وفي يوم كذا وكذا وقوله تعالى بان ربك اوحى لها الباء باء السبب وقال ابن عباس وغيره المعنى اوحى اليها قال ص المشهور ان اوحى يتعدى بإلى وعدي هنا باللام مراعاة للفواصل وقال ابو البقاء لها بمعنى اليها انتهى وقوله سبحانه يومئذ يصدر الناس اشتاتا بمعنى ينصرفون من موضع ورودهم مختلفي الاحوال قال الجمهور ورودهم بالموت وصدورهم هو القيام الى البعث والكل سائر الى العرض ليرى عمله ويقف عليه وقيل الورود هو ورود المحشر والصدر اشتاتا هو صدر قوم الى الجنة وقوم الى النار ليروا جزاء اعمالهم وقوله جلت عظمته فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الآية كان النبي ص - يسمى هذه الآية الجامعة الفاذة ويروى انه لما نزلت هذه السورة بكى ابو بكر وقال يا رسول الله او اسأل عن مثاقيل الذر فقال له النبي ص - يا ابا بكر ما رأيته في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر لك الله مثاقيل ذر الخير الى الآخرة قال الداودي بينما عمر بن الخطاب بطريق مكة ليلا اذا ركب مقبلين من جهة فقال لبعض من معه سلهم من اين اقبلوا فقال له احدهم من الفج العميق يريد البلد العتيق فاخبر عمر بذلك فقال اوقعوا في هذا قل لهم فما اعظم ءاية في كتاب الله واحكم ءاية في كتاب الله واعدل ءاية في كتاب الله وارجى ءاية في كتاب الله واخوف ءاية في كتاب الله فقال له قائلهم اعظم ءاية في كتاب الله ءاية الكرسي واحكم ءاية في كتاب الله ان الله يامر بالعدل والاحسان واعدل ءاية في كتاب الله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وارجى ءاية في كتاب الله ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويوت من لدنه اجرا عظيما واخوف ءاية في كتاب الله من يعمل سواء يجز به فاخبر عمر بذلك فقال لهم عمر افيكم ابن ام عبد فقالوا نعم وهو الذي كلمك قال عمر كنيف ملئي علما آثرنا به اهل القادسية علة انفسنا قال الداودي ومعنى اعظم ءاية يريد في الثواب انتهى تفسير سورة والعاديات وهي مكية في قول جماعة وقيل مدنية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس وغيره المراد بالعاديات الخيل لانها تعدو بالفرسان وتضج باصواتها وعن ابن مسعود وعلي ان العاديات هنا الابل لانها تضبح في عذوها قال علي رضي الله عنه والقسم بالابل العاديات من عرفة ومن المزدلفة اذا دفع الحاج وبابل غزوة بدر والضبح تصويت جهير عند العدو قال الداودي وهو الصوت الذي يسمع مع اجوافها وقت الركض انتهى وقوله تعالى فالموريات قدحا قال علي وابن مسعود هي الابل وذلك بانها في عدوها ترجم الحصباء بالحصباء فتتطاير منها النار فذلك القدح وقال ابن عباس هي الخيل وذلك بحوافرها في الحجارة وقال ابن عباس ايضا وجماعة الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه نارا ص قدحا ابو البقاء مصدر مؤكد لان الموري هو القادح انتهى فالمغيرات صبحا قال علي وابن مسعود هي الابل من مزدلفة الى منى وفي بدر وقال ابن عباس وجماعة كثيرة هي الخيل واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الامم وعرف الغارات انها مع الصباح والنقع الغبار الساطع المثار والضمير في به ظاهره انه للصبح المذكور ويحتمل ان يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى ومشهور اثارة النقع هو للخيل وقال علي هو هنا للابل فوسطن به جمعا قال علي وابن مسعود هي الابل وجمعا هي المزدلفة وقال ابن عباس وجماعة هي الخيل والمراد جمع من الناس هم المغزوون والقسم واقع على قوله ان الانسان لربه لكنود وروي عن النبي ص - انه قال اتدرون ما الكنود قالوا لا يا رسول الله قال هو الكفور الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده وقد يكون في المؤمنين الكفور بالنعمة فتقدير الآية ان الانسان لنعمة ربه لكنود وارض كنود لا تنبت شيأ والكنود العاصى بلغة كندة ويقال للبخيل كنود وفى البخاري عن مجاهد الكنود الكفور انتهى وقوله تعالى وانه على ذلك لشهيد يحتمل الضمير ان يعود على الله تعالى وقاله قتادة ويحتمل ان يعود على الانسان انه شاهد على نفسه بذلك وهذا قول مجاهد وغيره وانه لحب الخير اي وان الانسان لحب الخير والمعنى من اجل حب الخير لشديد اي بخيل بالمال ضابط له والخير هنا المال ويحتمل ان يراد هنا الخير الدنيوي من مال وصحة وجاه عند الملوك ونحوه لان الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك واما الحب في خير الآخرة فممدوح مرجوله الفوز وقال الفراء معنى الآية ان الانسان لشديد الحب للخير ولما تقدم الخير قبل شديد حذف من آخره لانه قد جرى ذكره ولرءوس الآي انتهى وقوله تعالى افلا يعلم توقيف اي افلا يعلم مئاله ومصيره فيستعدله وحصل ما في الصدور اي ميز وابرز ما فيها ليقع الجزاء عليه ويفسر هذا قوله ص - يبعثون على نياتهم وفي قوله تعالى ان ربهم بهم يومئذ لخبير وعيد ص والعامل في يومئذ لخبير على تضمينه معنى لمجاز لانه تعالى خبير دائما انتهى تفسير سورة القارعة وهي مكية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم قال الجمهور القارعة القيامة نفسها والفراش الطير الذي يتساقط في النار ولا يزال يتقحم على المصباح وقال الفراء هو ضغير الجراد الذي ينتشر في الارض والهواء وفي البخاري كالفراش االمبثوث كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا كذلك الناس يومئذ يجول بعضهم في بعض انتهى والمبثوث هنا معناه المتفرق جمعه وجملته موجودة متصلة والعهن هو الصوف والنقش خلخلة الاجزاء وتفريقها عن تراصيها وقوله تعالى فامه هاوية قال كثير من المفسرين المراد بالام نفس الهاوية وهذا كما يقال للارض ام الناس لانها تؤويهم وقال ابو صالح وغيره المراد ام رأسه لأنهم يهوون على رءوسهم وروى المبرد ان النبي ص - قال لرجل لا ام لك فقال يا رسول الله تدعونى الى الهدى وتقول لا ام لك فقال عليه السلام انما اردت لا نار لك قال الله تعالى فامه هاوية تفسير سورة التكاثر وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى الهاكم التكاثر اي شغلكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال والاولاد والعدد وهذا هجيرى ابناء الدنيا العرب وغيرهم لا يتخلص منه الا العلماء المتقون قال الفخر فالالف واللام في التكاثر ليس للاستغراق بل للمعهود السابق في الذهن وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها فانه هو الذي يمنع عن طاعة الله عبوديته ولما كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا عليه في الاديان لا جرم حسن دخول حرف التعريف عليه فالآية دالة على ان التكاثر والتفاخر بما ذكر مذموم انتهى وقوله تعالى حتى زرتم المقابر اي حتى متم فدفنتم في المقابر وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر وفي الحديث الصحيح عنه ص - يقول ابن ءادم مالى مالى وهل لك يا بن ءادم من مالك الا ما اكلت فأفنيت او لبست فابليت او تصدقت فامضيت قال ص قرأ الجمهور الهاكم على الخبر وابن عباس بالمد والكساءي في رواية بهمزتين ومعنى الاستفهام التوبيخ والتقرير انتهى قال الفخر اعلم ان اهم الامور واولاها بالرعاية ترقيق القلب وازالة حب الدنيا منه ومشاهدة القبور تورث ذلك كما ورد به الخبر انتهى وقوله تعالى كلا سوف تعلمون زجر ووعيد ثم كرر تاكيدا ويأخذ كل انسان من هذا الزجر والوعيد المكرر على قدر حظه من التوغل فيما يكره هذا تأويل الجمهور وقال علي كلا سوف تعملون في القبر ثم كلا سوف تعلمون في البعث قال الفخر وفي الآية تهديد عظيم للعلماء فانها دالة على انه لو حصل اليقين لتركوا التكاثر والتفاخر فهذا يقتضي ان من لا يترك التكاثر والتفاخر ان لا يكون اليقين حاصلا له فالويل للعالم الذي لا يكون عاقلا ثم الويل له انتهى وقوله تعالى كلا لو تعلمون علم اليقين جواب لو محذوف تقديره لا ازدجرتم وبادرتم انقاذ انفسكم من الهلكة واليقين اعلى مراتب العلم ثم اخبر تعالى الناس انهم يرون الجحيم وقال ابن عباس هذا خطاب للمشركين والمعنى على هذا التأويل انها رؤية دخول وصلي وهو عين اليقين لهم وقال ءاخرون الخطاب للناس كلهم فهي كقوله تعالى وان منكم الا واردها فالمعنى ان الجميع يراها ويجوز الناجى ويتكردس فيها الكافر ص لترون ابن عامر والكساءي بضم التاء والباقون بفتحها انتهى وقوله تعالى ثم لترونها عين اليقين تاكيد في الخبر وعين اليقين حقيقته وغايته ثم اخبر تعالى ان الناس مسؤلون يومئذ عن نعيمهم في الدنيا كيف نالوه ولم ءاثروه وتتوجه في هذا اسئلة كثيرة بحسب شخص شخص وهي منقادة لمن اعطي فهما في كتاب الله عز و جل وقد قال ص - لاصحابه والذي نفسي بيده لتسئلن عن نعيم هذا اليوم الحديث في الصحيح اذ ذبح لهم ابو الهيثم ابن التيهان شاة واطعمهم خبزا ورطبا واستعذب لهم ماء وعن ابي هريرة في حديثه في مسير النبي ص - وابي بكر وعمر الى بيت ابي الهيثم واكلهم الرطب واللحم وشربهم الماء وقوله ص - هذا هو النعيم الذي تسئلون عنه يوم القيامة وان ذلك كبر على اصحابه وان رسول الله ص قال اذا اصبتم مثل هذا وضربتم بايدكم فقولوا بسم الله وعلى بركة الله واذا شبعتم فقولوا الحمد لله الذي اشبعنا واروانا وانعم علينا وافضل فان هذا كفاف بذاك هذا مختصر رواه الحاكم في المستدرك انتهى من سلاح المؤمن قال الداودي وعن الحسن وقتادة ثلاث لا يسئل الله عنهن ابن ءادم وما عداهن فيه الحساب والسؤال الا ما شاء الله كسوة يوارى بها سوءته وكسرة يشد بها صلبه وبيت يكنه من الحر والبرد انتهى تفسير سورة العصر وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس العصر الدهر وقال مقاتل العصر هي صلاة العصر وهي الوسطى اقسم الله بها وقال ابي بن كعب سألت النبي ص - عن والعصر فقال اقسم ربكم باخر النهار والانسان هنا اسم جنس والخسر النقصان وسوء الحال ومن كان من المؤمنين في مدة عمرة في التواصى بالحق والصبر والعمل بحسب الوصاة فلا خسر معه وقد جمع الخير كله تفسير سورة الهمزة وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم تقدم تفسير ويل والهمزة الذي يهمز الناس بلسانه اي يعيبهم ويغتابهم واللمزة قريب في المعنى من هذا وقد تقدم بيانه في قوله تعالى ولا تلمزوا انفسكم وفي قوله والذين يلمزون المطوعين وغيره قيل نزلت هذه الآية في الاخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات وعدده معناه احصاه وحافظ على عدده ان لا ينتقص وقال الداودي وعدده اي استعده انتهى لينبذن ليطرحن ص نار الله خبر مبتدأ محذوف اي هي نار الله انتهى والتي تطلع على الافئدة اي التي يبلغ احراقها والمها القلوب وموصدة اي مطبقة مغلقة في عمد جمع عمود وقرأ ابن مسعود موصدة بعمد ممددة وقال ابن زيد المعنى في عمد حديد مغلولين بها والكل من نار عافانا الله من ذلك تفسير سورة الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم هذه السورة تنبيه على العبرة في اخذ الله تعالى لأبرهة امير الحبشة حين قصد الكعبة ليهدمها وكان صاحب فيل يركبه وقصته شهيرة في السير فيها تطويل واختصارها ان ابرهة بني في اليمن بيتا واراد ان يرد اليه حج العرب فذهب اعرابي واحدث في ذلك البيت فغضب ابرهة واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة فلما قرب منها فرت قريش الى الجبال والشعاب من معرة الجيش ثم تهيأ ابرهة لدخول مكة وهيأ الفيل فاخذ نفيل بن حبيب بأذن الفيل وكان اسمه محمودا فقال له ابرك محمود فانك في حرم الله وارجع من حيث جئت راشدا فبرك الفيل بذي الغميس فبعثوه فابى فضربوا رأسه بالمعول وراموه بمحاجنهم فابى فوجهوه راجعا الى اليمن فقام يهرول فبعث الله عليهم طيرا جماعات جماعات سودا من البحر عند كل طائر ثلاثة احجار في منقاره ورجليه كل حجر فوق العدسة ودون الحمصة ترميهم بها فماتوا في طريقهم متفرقين وتقطع ابرهة انملة انملة حتى مات وحمى الله بيته والابابيل الجماعات تجيء شيا بعد شيء قال ابو عبيدة لا واحد له من لفظه قال الفخر وفي تضليل معناه في تضييع وابطال يقال ضلل كيده اذا جعله ضالا ضائعا ونظيره قوله تعالى وما كيد الكافرين الا في ضلال انتهى والعصف ورق الحنطة وتبنه والمعنى صاروا طحينا ذاهبا كورق حنطة اكلته الدواب وراثته فجمع لهم المهانة والخسة والتلف قال الفخر وقيل المعنى كعصف صالح للاكل والمعنى جعلهم كتبن تاكله الدواب وهو قول عكرمة والضحاك انتهى ومن كتاب وسائل الحاجات وآداب المناجات للامام ابي حامد الغزالي رحمه الله تعالى قال وقد بلغنا عن غير واحد من الصالحين وارباب القلوب انه من قرأ في ركعتي الفجر في الاولى الفاتحة والم نشرح وفي الثانية الفاتحة والم تر قصرت يد كل عدو عنه ولم يجعل لهم اليه سبيل قال الامام ابو حامد وهذا صحيح لا شك فيه انتهى تفسير سورة لايلاف قريش وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قريش ولد النضر بن كنانة والتقرش التكسب والمعنى ان الله تعالى جعل قريشا يالفون رحلتين في العام واحدة في الشتاء واخرى في الصيف قال ابن عباس كانوا يرحلون في الصيف الى الطائف حيث الماء والظل ويرحلون في الشتاء الى مكة قال الخليل معنى الآية لان فعل الله بقريش هذا ومكنهم من الفهم هذه النعمة فليعبدوا رب هذا البيت وقوله تعالى من جوع معناه ان اهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا فضل الله عليهم تفسير سورة ارأيت الذي وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله سبحانه ارأيت الذي يكذب بالدين الآية توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من تعرفه بهذه الصفة والدين الجزاء ودع اليتيم دفعه بعنف اما عن اطعامه والاحسان اليه واما عن حقه وماله وهو اشد ويروى ان هذه الآية نزلت في بعض المضطربين في الاسلام بمكة لم يحققوا فيه وفتنوا فافتتنوا وربما كان يصلى بعضهم احيانا مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال تعالى فيهم فويل للمصلين الآية ونقل الثعلبي عن ابن عباس وغيره ان الاية نزلت في العاص بن وائل انتهى وقال السهيلي قال اهل التفسير نزل اول السورة بمكة في ابي جهل وهو الذي يكذب بالدين ونزل ءاخرها بالمدينة في عبدالله بن ابي ابن سلول واصحابه وهم الذين يراءون ويمنعون الماعون انتهى قال سعد بن ابي وقاص سألت النبي ص - عن الذين هم عن صلاتهم ساهون فقال هم الذين يؤخرونها عن وقتها يريد والله اعلم تاخير ترك واهمال والى هذا نحا مجاهد وقال عطاء بن يسار الحمد لله الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم وقوله تعالى الذين هم يراءون بيان ان صلاة هؤلاء ليست لله تعالى بايمان وانما هي رياء للبشر فلا قبول لها وقوله تعالى ويمنعون الماعون وصف لهم بقلة النفع لعباد الله وتلك شر خصلة وقال على وابن عمر الماعون الزكاة وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة هو ما يتعاطاه الناس كالفاس والدلو والآنية والمقص ونحوه وسئل النبي ص - ما الشيء الذي لا يحل منعه فقال الماء والنار والملح وروته عائشة رضي الله عنها وفي بعض الطرق زيادة الابرة والخمير قال البخاري الماعون المعروف كله وقال بعض العرب الماعون الماء وقال عكرمة اعلاه الزكاة المفروضة وادناه عارية المتاع انتهى تفسير سورة انا اعطيناك الكوثر وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم قال جماعة من الصحابة والتابعين الكوثر نهر في الجنة حافتاه قباب من لؤلؤ مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت ونحو هذا من صفاته وان اختلفت الفاظ رواته وقال ابن عباس الكوثر الخير الكثير قال ابن جبير النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي اعطاه الله اياه ت وخرج مسلم عن انس قال بينما رسول الله ص - ذات يوم بين اظهرنا اذ اغفى اغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقال نزلت علي ءانفا سورة فقرأ انا اعطيناك الكوثر الى ءاخرها ثم قال اتدرون ما الكوثر قلنا الله ورسوله اعلم قال فانه نهر وعدنيه ربى عليه خير كثير هو حوض ترد عليه امتى يوم القيامة الحديث انتهى وخرج ابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي ص - قال اول من يرد علي الحوض فقراء المهاجرين الدنس ثيابا الشعث رءوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم ابواب السدد قال الراوى فبكى عمر بن عبد العزيز حتى اخضل لحيته حين بلغه الحديث وقال لا جرم انى لااغسل ثوبى الذي يلى جسدي حتى يتسخ ولا ادهن رأسي حتى يشعث وخرجه ابو عيسى الترمذي عن ثوبان عن النبي ص - بمعناه ونقل صاحب التذكرة عن انس بن مالك قال اول من يرد الحوض على النبي ص - الذابلون الناحلون السائحون الذين اذا اجنهم الليل استقبلوه بالحزن انتهى من التذكرة وروى ابو داود في سننه عن ابي حمزة عن زيد بن ارقم قال كنا مع رسول الله ص - فنزلنا منزلا فقال ما انتم جزء من مائة الف جزء ممن يرد علي الحوض قال قلت كم كنتم يومئذ قال سبعمائة او ثمانمائة انتهى وقوله تعالى فصل لربك وانحر امر بالصلاة على العموم والنحر نحر الهدي والنسك والضحايا على قول الجمهور وقوله تعالى ان شانئك هو الابتر رد على مقالة بعض سفهاء قريش كأبي جهل وغيره قال عكرمة وغيره مات ولد النبي ص - فقال ابو جهل بتر محمد فنزلت السورة وقال تعالى ان شانئك هو الابتر اي المقطوع المبتور من رحمة الله والشانئى المبغض قال الداودي كل شانئى لرسول الله ص - فهو ابتر ليس له يوم القيامة شفيع ولا حميم يطاع انتهى تفسير سورة قل يا ايها الكافرون وهي مكية اجماعا بسم الله الرحمن الرحيم روي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره ان جماعة من صناديد قريش قالوا للنبي ص - دع ما انت فيه ونحن نمولك ونملكك علينا وان لم تفعل هذا فلتعبد ءالهتنا ونعبد الهك حتى نشترك فحيث كان الخير نلناه جميعا وروي ان هذه الجماعة المذكورة هم الوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل وامية بن خلف وابي بن خلف وابو جهل وابناء الحجاج ونظراؤهم ممن لم يكتب له الاسلام وحتم بشقاوته فاخبرهم ص - عن امر الله عز و جل انه لا يعبد ما يعبدون وانهم غير عابدى ما يعبد ولما كان قوله لا اعبد محتملا ان يراد به الآن ويبقى المستانف منتظرا ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله ولا انا عابد ما عبدتم اي ابدا ثم جاء قوله ولا انتم عابدون ما اعبد الثانى حتما عليهم انهم لا يؤمنون به ابدا كالذي كشف الغيب ثم زاد الامر بيانا وتبريا منهم قوله لكم دينكم ولي دين وقال بعض العلماء في هذه الالفاظ مهادنة ما وهي منسوخة تفسير سورة النصر وهي مدنية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم روت عائشة ان النبي ص - لما فتح مكة واسلمت العرب جعل يكثر ان يقول سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك واتوب اليك يتأول القرءان في هذه السورة وقال لها مرة ما اراه الا حضور اجلى وتأويله عمر والعباس بحضرة النبي ص - فصدقهما ونزع هذا المنزع ابن عباس وغيره والفتح هو فتح مكة كذا فسره ص - في صحيح مسلم والافواج الجماعة اثر الجماعة ص بحمد ربك اي متلبسا فالباء للحال انتهى وقوله تعالى انه كان توابا بعقب واستغفره ترجية عظيمة للمستغفرين قال ابن عمر نزلت هذه السورة على النبي ص - بمنى في اوسط ايام التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوما او نحوها تفسير سورة تبت يدا ابي لهب وهي مكية باجماع بسم الله الرحمن الرحيم في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس لما نزلت وانذر عشيرتك الاقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله ص - حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا فاجتمعوا اليه فقال ارأيتم ان اخبرتكم ان خيلا تخرج من سفح هذا الجبل اكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا قال فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال ابو لهب تبا لك ما جمعتنا الا لهذا ثم قام فنزلت تبت يدا ابي لهب الى ءاخرها وتبت معناه خسرت والتباب الخسران والدمار واسند ذلك الى اليدين من حيث ان اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك ثم اوجب عليه انه قد تب اي حتم ذلك عليه وفي قراءة ابن مسعود وقد تب وابو لهب هو عبدالعزى بن عبد المطلب وهو عم النبي ص - ولكن سبقت له الشقاوة قال السهيلي كناه الله بأبي لهب لما خلقه سبحانه للهب واليه مصيره الا تراه تعالى قال سيصلى نارا ذات لهب فكانت كنيته بأبي لهب تقدمت لما يصير اليه من اللهب انتهى وقوله سبحانه ما اغنى عنه ماله يحتمل ان تكون ما نافية على معنى الخبر ويحتمل ان تكون ما استفهامية على وجه التقرير اي اين الغناء الذي لماله وكسبه وما كسب يراد به عرض الدنيا من عقار ونحوه وقيل كسبه بنوه وقوله سبحانه سيصلى نارا ذات لهب حتم عليه بالنار واعلام بانه يتوفي على كفره نعوذ بالله من سوء القضاء ودرك الشقاء وقوله تعالى وامرأته حمالة الحطب هي ام جميل اخت ابي سفيان بن حرب وكانت موذية للنبي ص - وللمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها وكانت تطرح الشوك في طريق النبي ص - وطريق اصحابه ليعقرهم فلذلك سميت حمالة الحطب قاله ابن عباس وقيل هو استعارة لذنوبها قال عياض وذكر عبد بن حميد قال كانت حمالة الحطب تضع العضاه وهي جمر على طريق النبي ص - فكأنما يطأها كثيبا اهيل انتهى ص وقرئى شاذا ومر يئسنه بالتصغير والجيد هو العنق اه وقوله تعالى في جيدها حبل من مسد قال ابن عباس وجماعة الاشارة الى الحبل حقيقة الذي ربطت به الشوك والمسد الليف وقيل ليف المقل وفي صحيح البخاري يقال من مسد ليف المقل وهي السلسلة التي في النار انتهى وروى في الحديث ان هذه السورة لما نزلت وقرئت بلغت ام جميل فجاءت ابا بكر وهو جالس مع النبي ص - في المسجد وبيدها فهر حجر فاخذ الله ببصرها وقالت يا ابا بكر بلغني ان صاحبك هجانى ولو وجدته لضربته بهذا الفهر وانى لشاعرة وقد قلت فيه ... مذمما قلينا ... ودينه ابينا ... فسكت ابو بكر ومضت هي فقال النبي ص - لقد حجبتنى عنها ملائكة فما رأتنى وكفانى الله شرها تفسير سورة الاخلاص قيل مكية وقال ابن عباس مدنية بسم الله الرحمن الرحيم روي ان اليهود دخلوا على النبي ص - فقالوا له يا محمد صف لنا ربك وانسبه فانه وصف نفسه في التوارة ونسبها فارتعد النبي ص - من قولهم حتى خر مغشيا عليه ونزل جبريل بهذه السورة واحد معناه واحد فرد من جميع جهات الوحدانية ليس كمثله شيء وهو ابتداء والله ابتداء ثان واحد خبره والجملة خبر الاول وقيل هو ابتداء والله خبره واحد بدل منه وقرأ عمر بن الخطاب وغيره قل هو الله الواحد الصمد والصمد في كلام العرب السيد الذي يصمد اليه في الامور ويستقل بها وانشدوا لقد بكر الناعى بخير بنى اسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وبهذا تتفسر هذه الآية لان الله تعالى جلت قدرته هو موجد الموجودات واليه تصمد وبه قوامها سبحانه وتعالى وقوله تعالى لم يلد ولم يولد رد على اشارة الكفار في النسب الذي سألوه وقال ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله قال ع لان الافهام تقف دون ذلك حسيرة وقوله سبحانه ولم يكن له كفؤا احد معناه ليس له ضد ولا ند ولا شبيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والكفؤ النظير وكفؤا خبر كان واسمها احد قال ص وحسن تاخير اسمها لوقوعه فاصلة وله متعلق بكفؤا اي لم يكن احد كفؤا له وقدم اهتماما به لاشتماله على ضمير الباري سبحانه انتهى وفي الحديث الصحيح عنه ص - ان قل هو الله احد تعدل ثلث القرءان قال ع لما فيها من التوحيد وروى ابو محمد الدارمى في مسنده قال حدثنا عبدالله بن مزيد حدثنا حيوة قال اخبرنا ابو عقيل انه سمع سعيد بن المسيب يقول ان النبي ص - قال من قرأ قل هو الله احدى عشرة مرة بني له قصر في الجنة ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران في الجنة ومن قرأها ثلاثين مرة بنى له ثلاثة قصور في الجنة فقال عمر بن الخطاب اذن تكثر قصورنا يا رسول الله فقال رسول الله ص - اوسع من ذلك اي فضل الله اوسع من ذلك قال الدارمى ابو عقيل هو زهرة بن معبد وزعموا انه من الابدال انتهى من التذكرة تفسير سورة المعوذة الاولى قال ابن عباس مدنية وقال قتادة مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل لاقل اعوذ برب الفلق الخطاب للنبي ص - والمراد هو وءاحاد امته قال ابن عباس وغيره الفلق الصبح وقال ابن عباس ايضا وجماعة من الصحابة الفلق جب في جهنم ورواه ابو هريرة عن النبي ص - وقوله تعالى من شر ما خلق يعم كل موجود له شر واختلف في الغاسق فقال ابن عباس وغيره الغاسق الليل ووقب اظلم ودخل على الناس وفي الحديث الصحيح عن عائشة ان النبي ص - اشار الى القمر وقال يا عائشة تعوذي بالله من شر هذا الغاسق اذا وقب قال السهيلي وهذا أصح ما قيل لهذا الحديث الصحيح انتهى ولفظ صاحب سلاح المؤمن عن عائشة رضي الله عنها ان النبي ص - نظر الى القمر فقال يا عائشة استعيذى بالله من شر هذا فان الغاسق اذ وقب رواه الترمذي والنساءي والحاكم فى المستدرك واللفظ للترمذي وقال حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الاسناد ووقب القمر وقوبا دخل في الظل الذي يكسفه قاله ابن سيده انتهى من السلاح والنفاثات في العقد السواحر ويقال ان الاشارة اولا الى بنات لبيد ابن الاعصم اليهودي كن ساحرات وهن اللواتي سحرن مع ابيهن رسول الله ص - والنفث شبه النفخ دون تفل ريق وهذا النفث هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم المسحور فيؤذى بذلك قال ع وهذا الشأن في زماننا موجود شائع في صحراء المغرب وحدثنى ثقة انه رأى عند بعضهم خيطا احمر قد عقدت فيه عقد على فصلان فمنعت بذلك رضاع امهاتها فكان اذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل الى امه في الحين فرضع اعاذنا الله من شر السحر والسحرة وقوله تعالى ومن شر حاسد اذا حسد قال قتادة من شر عينه ونفسه يريد بالنفس السعي الخبيث وقال الحسين بن الفضل ذكر الله تعالى الشرور في هذه السورة ثم ختمها بالحسد ليعلم انه اخس الطبائع تفسير سورة المعوذة الثانية قال ابن عباس وغيره هي مدنية وقال قتادة مكية بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز و جل قل اعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس من شر الوسواس الخناس الوسواس اسم من اسماء الشيطان وقوله الخناس معناه الراجع على عقبه المستتر احيانا فاذا ذكر العبد الله تعالى وتعوذ تذكر فابصر كما قال تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف الآية قال النووي قال بعض العلماء يستحب قول لا اله الا الله لمن ابتلي بالوسوسة في الوضوء والصلاة وشبههما فان الشيطان اذا سمع الذكر خنس اي تأخر وبعد ولا اله الا الله رأس الذكر ولذلك اختار السادة الجلة من صفوة هذه الامة اهل تربية السالكين وتاديب المريدين قول لا اله الا الله لاهل الخلوة وامروهم بالمداومة عليها وقالوا انفع علاج في دفع الوسوسة الاقبال على ذكر الله تعالى والاكثار منه وقال السيد الجليل احمد بن ابي الحواري شكوت الى ابي سليمان الداراني الوسواس فقال اذا اردت ان ينقطع عنك فاي وقت احسست به فافرح فانك اذا فرحت به انقطع عنك لانه ليس شيء ابغض الى الشيطان من سرور المؤمن وان اغتممت به زادك ت وهذا مما يؤيد ما قاله بعض الائمة ان الوسواس انما يبتلى به من كمل ايمانه فان اللص لا يقصد بيتا خربا انتهى ت ورأيت في مختصر الطبري نحو هذا وقوله تعالى من الجنة يعنى الشياطين ويظهر ان يكون قوله والناس يراد به من يوسوس بخدعة من الشر ويدعو الى الباطل فهو في ذلك كالشيطان قال احمد بن نصر الداودي وعن ابن جريح من الجنة والناس قال انهما وسواسان فوسواس من الجنة ووسواس من نفس الانسان انتهى وفي الحديث الصحيح ان النبي ص - كان اذا اوى الى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ قل هو الله احد وقل اعوذ برب الفلق وقل اعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما من رأسه ووجهه وما اقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات صلى الله عليه وعلى ءاله وصحبه وسلم تسليما يقول العبد الفقير الى الله تعالى عبدالرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين قد يسر الله عز و جل في اتمام تلخيص هذا المختصر وقد اودعته بحول الله جزيلا من الدرر قد استوعبت فيه بحمد الله مهمات ابن عطية واسقطت كثيرا من التكرار وما كان من الشواذ في غاية الوهي وزدت من غيره جواهر ونفائس لا يستغنى عنها مميزة معزوة لمحالها منقولة بالفاظها وتوخيت في جميع ذلك الصدق والصواب والى الله ارغب في جزيل الثواب وقد نبهت بعض تنبيه وعرفت بايام رحلتى في طلب العلم بعض تعريف عند ختمى لتفسير سورة الشورى فلينظر هناك والله المسئول ان يجعل هذا السعي منا خالصا لوجهه وعملا صالحا يقربنا الى مرضاته ومن وجد في هذا الكتاب تصحيفا او خللا فارغب اليه ان يصلحه من الامهات المنقول منها متثبتا في ذلك لا برأيه وبديهة عقله ... فكم من عائب قولا صحيحا ... واءفته من الفهم السقيم ... وكان الفراغ من تاليفه في الخامس عشر من ربيع الاول من عام ثلاثة وثلاثين وثمانمائة وانا ارغب الى كل اخ نظر فيه ان يخلص لى وله بدعوة صالحة وهذا الكتاب لا ينبغي ان يخلو عنه متدين ومحب لكلام ربه فانه يطلع فيه على فهم القرءان اجمع في اقرب مدة وليس الخبر كالعيان هذا مع ما خص به من تحقيق كلام الائمة المحققين رضي الله عنهم نقلته عنهم بالفاظهم متحريا للصواب ومن الله ارتجى حسن المئاب وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى ءاله وصحبه اجمعين وءاخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين خاتمة الطبع بسم الله الرحمن الرحيم تبارك من بيده الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا والحمد لله الذي نزل الفرقان على نبيه ليكون لكافة الناس بشيرا ونذيرا والصلاة والسلام على من ارسله ربه داعيا اليه باذنه وسراجا منيرا وانزل عليه ولا ياتونك بمثل الا جئناك بالحق واحسن تفسيرا سيدنا محمد ممدن العالم وخلاصة المصطفين من بنى ءادم وعلى ءاله واصحابه الأماجد الاعيان الذين بلغوا الينا القرءان العظيم الشان وحفظوا مبانيه وفهموا معانيه وعملوا بمقتضى أحكامه فنالوا رضا الله وغاية اكرامه اما بعد فيقول العبد الفقير الى رحمة ربه العلي الكبير محمد بن مصطفى ابن الخوجه المدرس والامام الخطيب بجامع سفير قد اكملت تصحيح هذا الكتاب الذي هو ذخيرة العلماء وكنز الطلاب بعد ان قابلته بنسخ متعدده وعارضته على بعض الامهات المعتمدة مستعينا بصديقنا وصهرنا الفاضل المكرم السيد قدور بن محمد الامام الاول بالمسجد الاعظم وايم الله انه لتفسير جليل قد فصل مقاصد الذكر الحكيم احسن تفصيل وحوى عباب المنقول واشتمل على لباب المعقول واتى من درر الفرائد بما يبهر العقول ومن غرر الفوائد بما تذعن له الفحول ولا غرو فمؤلفه العلامة النحرير والولي الصالح الشهير فخر مدينة الجزائر سليل الاماثل الاكابر سيدي عبدالرحمن الثعالبي قدس الله روحه واعاد علينا سره وفتوحه ولما كان هذا التاليف كنزا مخفيا وقد قصرت عنه يد من اضحى بنفائس الجواهر حفيا نهض الخيران السيد احمد بن مراد وشقيقه السيد قدور لطبعه رغبة منهما حفظهما الله تعالى في تعميم نفعه وذلك في مطبعتهما البهيه الموصوفة بالثعالبيه وقد تم طبعه في اخير ذي الحجة الحرام ختام سنة 1327 من هجرة سيد الرسل الكرام ص - وشرف ومجد وعظم ولما لاح بدر تمامه وفاح مسك ختامه واطلع عليه حضرة صاحب الفضيله والاخلاق الحميدة والاعمال الجليله العلامة الاشهر والاستاذ الاكبر الشيخ السيد ابن زكرى محمد سعيد بن احمد مفتى السادة المالكيه والمدرس في القسم العالى من المدرسة الثعالبية كتب حرس الله كماله وبلغه في الدارين ءاماله ما نصه حمدا لمن خلق الانسان من علق وبه الاستعاذة من شر ما خلق وصلاة وسلاما على من تحنث ليالي عديدة بغار حراء سيدنا محمد بن عبدالله روح الوجود وسر الكون بلا مراء وعلى ءاله واصحابه وعترته وانصاره واحزابه وبعد فان الله جلت نعمته وعمت الخلائق رحمته قد حبا رسوله بفضيلة التنزيل وشرف الوسيطة وزيره جبريل فاتاه من مرسل بكتاب مجيد لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد كتاب الكريم من لدن سميع عليم بيد انه لا وصم فيه ولا عيب واليه الرمز بقوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه نور وهدى للمتقين وطمس لاطلال ضلال المنافقين قامع الجبارين بساطع برهانه وناكس رءوس المتكبرين ببالغ سلطانه فاستنارت امة بمشكاة نوره فاهتدت وبقيت اخرى في ظلمات جهلها يكاد البرق يخطف ابصارها فاعتدت كتاب حقا للتي هي اقوم ويبشر المؤمنين بان لهم من الله فضلا كبيرا في دار النعم كتاب مأمون سبيله ومستعذب لدي اهل الذوق السليم سلسبيله كتاب صفا للظمآن مورده وصح لدي كل راو سنده عن ثقات السلف الصالح الى هداة الخلق من الخلف الناجح لله در اقوام مخلصين في خدمة كتابه يرجون رحمة ربهم ويخافون سوء عذابه امالوا عنان العزم صوب ابراز مخدرات اسراره واستضاءوا في دياجى المشكلات بمصابيح انواره فكلما غشيهم موج كالظلال من بحر اعجازه سلكوا سبيل النجاة برعي حقيقته ومجازه فهم لنا ادلة على الهدى وانجم مشرقة للاهتدا ومن بين اولئك الاعلام الهداة للانام الرعاة للذين هم كالانعام رحالة زمانه لرواية الحديث كما اشتهر بذلك في القديم والحديث امام المتقين واستاذ المحققين منهل المعارف واللطائف سيدي عبدالرحمن الثعالبي ملجأ كل خائف احسن الله الى روحه الطاهرة في غرف الجنان كما احسن هو الى هذه الامة بالجواهر الحسان ربى حسن به ظنى حتى اقول لحسان مدحه ليتك حسان يا واقفا لدي الباب ادخل بسلام الى جنات هذا الكتاب تراها ذات بهجة ما كان لك ان تجني ثمرتها الا باكتساب هذا الكتاب وما ادراك ما الكتاب كتاب يهون على النفس المصاب ويخلصها من الشك والارتياب وكيف لا وهو تفسير جليل عار عن شبهات الضلال والتضليل الا ترى اليه في كل حال يصرح بمثل هذا المقال رب انى اعوذ بك من همزات الشياطين ومن نزعات فلسفة الزاعمين انهم لسماء الحكمة اساطين فسلك فيه مسلك الصواب فجاء ولله الحمد تبصرة وذكرى لاولى الالباب رمى صاحبه بسهم فاصاب واتى بالحق المبين وفصل الخطاب الا تسمع بتفسير مرونق بحسان الجواهر مطبوع بحرف شرقي على ورق جيد بالمطبعة الثعالبيه في الجزائر مطبعة الشقيقين ابني مراد بلغهما الله في الدارين حسن المراد ولا تنس شكر المصحح فعمله الجميل لفضله مرجح لانه تقدم طبعا على الطبع قطعا فكمال الطبع موقوف على الكمال وضعا الا ترى الى الصلاة بدون الامام تنقص درجاتها او تبطل على مذهب كل امام نسأل الله تعالى للفاضل الامين والاستاذ ابن مصطفى ان يجزيهما على حسن صنعهما الجزاء الاوفي بجاه عين الرحمة سيدنا ومولانا محمد وءاله واصحابه الاخيار وكل ناسج على منواله الفقير الى ربه ابن زكرى محمد سعيد بن احمد الزواوي مفتى السادة المالكية بعاصمة الجزائر وفقه الله ءامين وتلاه جناب العالم العامل والمفضال الكامل الشيخ السيد عبدالحليم بن علي ابن سمايه المدرس بالجامع الجديد واحد اساتذة المدرسة الثعالبية فقال ادام الله النفع به الحمد لله الذي منح احبابه من كنز مواهبه بالجواهر الحسان والبسهم من مطارف المعارف ما يخرس وصفه شقاشق اللسان وعقد لهم على بساط المكارم منبرا وتضوعت انفاسهم الزكية بين الورى مسكا وعنبرا فهم ما هم تعرفهم بسيماهم عرف التحقيق من ادراج كلامهم عبيق وقول فصل يفل غرار النصل وجادة مستقيمة لا تلوى وانجم ثاقبة لا تهوى تنبع ينابيع الحكمة من صدورهم صافية من كل كدر متسلسة بصفاء التصحيح في المنقول عن الصادق الامين من الخبر اعرضوا عن القيل والقال ونبذوا ظهريا كل ما ادى الى المراء والجدال قد علموا وان لم يعلموا هم فمن يعلم ان خير الهدي هدي سيدنا محمد ص - الذي بلغ الرساله وبين طرق الحق من الضلاله وترك الجدال والمراء مع العالمين ووقف في إقامة الحجة على الخلق على ما نطق به الكتاب المبين ومن استضاء بالانوار النبوية فله اسوة حسنة في اتباعه تغنيه عما يخترعه من وساوس ابتداعه الاوان ذلك هو العقل الذيل لا يثبت عليه الا من احكم بحبل من حكمة النبوءة متسين ولا يقف عنده الا من منحه الله بخلق من اخلاق الانبياء والمرسلين ولذلك كان تفسير هذا الطود الشامخ واساس العلم الراسخ السيد الذي اخذ في مجال الحق باليمين اعلامه والف في الفنون المتعددة وضرب في مغازيها سهامه وتفجرت بالعلم النافع من بين اصابعه ينابيع الاقلام وانحى بتنقيحه السنة النبوية على ما ابتدع فيها بباتر حسام حتى شهدت بغزارة علمه فطاحل العلماء وحمد فضله اهل الارض ولا شك انه محمود في السماء واعترفوا بانه قطب زمانه الذي دارت عليه امور دين المتقين واتخذه القاصى والدانى واسطة الارشاد في السلوك الى رب العالمين والمولى الذي لمن تشخص عظيم قدره واضطلاعه بالخلافة النبوية في نهي الله وامره ان كان ممن له حياء ذاب حياء او كان ممن له شعور طارت نفسه شعاعا وانبثت هباء سيدي عبدالرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي رضي الله عنه ونفعنا ببركاته وجعلنا ممن سلك مسالك كمل الرجال في سكناته وحركاته تفسيرا حوى من نوابغ البيان اوضحها ومن نقل الاقوال امتنها وارجحها طوى كشحه عما ضعف نقله وافرغ نصحه فيما جزل نفعه وجل فصله انتخل التفاسير انتخالا وروق منها ما صفا مشربه زلالا حلالا وضرب بما يشم رائحة البدعة عرض الجدار وشخص للقارئى اخلاق الصحابة والسلف الاخيار اذ هم القدوة في هذه المسالك على التحقيق وهم الذين من لم يسر على ءاثارهم فقد ضل سواء الطريق وهل الامة المحمدية التي نسئل الله تعالى ان يجعلنا منها الا هؤلاء المتقون الذين اثنى عليهم الرب الكريم بقوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطعما ومما رزقناهم ينفقون وهل يطمع ان يعد في عدادهم الا من سدد قوله وفعله بسدادهم وهل حصل ما حصل هذا السيد الجليل من المكانة عند الله على ما هو حسن المعتقد ورفع الكعب بين العباد كما هو معروف لا ينكره احد الا باتباع الحق بين الخلق واطراح الهوى وسلوك سبل الجد والصدق وهي وراثة نبوية مقسومة على ذوى الارحام في الدين ممن الزم نفسه قصر طرفه على العمل باقوال وافعال سيد المرسلين والعلماء العاملون ورثة الانبياء وهم الاتقياء والاصفياء والاولياء فنسئل الله ان يجزي هذا السيد الجليل وعن الامة المحمدية الجزاء الجزيل وان يجعلنا ممن سمع ووعى ولعهد الله حفظ ورعى وان يجعل سعي اخينا السيد محمد بن مصطفى ابن الخوجة في تصحيح هذا الكتاب ومقابلته له بسبع نسخ مع مراجعة بعض الاصول حتى تهذب من تحريف الكتاب سعيا مشكورا وذنب الجميع ذنبا مغفورا انه أهل التقوى واهل المغفرة وهو رحيم الرحمن في الدنيا والآخرة ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم الهادي بمحض فضله الى الصراط المستقيم ثم قرضه بهذه القصيدة اللطيفه ذو الشيم المرضية الشريفه ولدنا البار الزكى والشاب النجيب الذكي السيد قدور بن محيى الدين اكثر الله من انداده ءامين وهي ... اعز مغتنم تصفو مشاربه ... يحظى به لهج بالعلم مسرور ... حقائق في الجواهر الحسان لها ... في الصدر شرح وفي عين الحجانور ... والخلق من ناهج سبلا مغبتها ... حميدة سعيه في الخير مشكور ... مأموله المجد لا لهو يثبطه ... عن المعالى ولا يثنيه تقصير ... وذاهل خابط في التيه معتسف ... وعقله بخسيس الشيء مبهور ... فما يحصل من نيل لمأربه ... الا كما نقر الماء العصافير ... فأين ذا من امام بدر همته ... بين النجوم له هدي وتنوير ... طلاع انجدة كشاف معضلة ... خضم معرفة بالعلم مسجور ... فخر الجزائر من له العلى انتسبت ... وطار صيت له في الناس مذكور ... نجل ابن مخلوف الثعالبي عابد ال ... رحمن من بهجت به الطوامير فدونك الدر في تفسيره نضدا ... والبحر يقذفه والدر منثور ... بدت لدى فصل ءاي الله ءايته ... شمس الضحى بزغت ما دونها سور ... تكاد تنطق في الاوراق احرفه ... اذ رضعت الوضع فيها منه تدبير ... لولا الطروس لها بالرقم ما سكة ... لكان منها مع الارواح تطيير ... رقت اساليبه جمت عجائبه ... لذت اطايبه ما فيه منكور ... وما تظن بقطب يوحه سطعت ... وقلبه مخلص بالحق مقطور ... ان العصور تنافست مناقبه ... فمجده ببقاء الدهر مأثور ... وخلدت ذكر بان في الورى شرفا ... ولو مشيده في الرمس مقبور ... ان غاب تفسيره عن طرفنا زمنا ... وكاد تذهبه عنا الاعاصير ... فقد تصدى له بالنشر مجتهد ... سامى المقام طويل الباع تحرير ... ذو خبرة احكمت تصحيحه فغدا ... له من المسخ والتحريف تحرير ... وقابل الفرع بالاصول فارتجعت ... وصح ما سامه من قبل تكسير ... هو الكمال ابن مصطفى محمدنا ... مسدد الرأي ماضى العزم شمير ... حبر معارفه بحر مآثره ... غر وبالفضل في الآفاق مشهور ... دامت مساعيه في الدنيا ممدحه ... واجره عند رب العرش موفور ... تم تدقيقه بحمد الله =============== 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب : تفسير البحر المحيط المؤلف : أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النحوي الأندلسي {من اول ج1 الي اخر ج46.}

  أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34...